Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
وأمّا ما قاله ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٣٧): "يعتبر حديثه إذا روى، وبين السّماع في روايته وكان فوقه ودونه ثقات" ففيه إشارة إلى أنه مدلس. ولذا أورده الحافظ ابن حجر في "تعريف أهل التقديس" (رقم ٨٦). في المرتبة الثالثة من المدلسين، وهم الذين أكثروا من التدليس، فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرَّحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقًا، ومنهم من قبلهم.
والتحقيق أنّ عبيدة بن الأسود لم يكن معروفًا بالتدليس، ولذا لم يذكره الذهبي والحلبي والعلائي من المدلسين، كما لم يصفه أحد قبل ابن حبان بالتدليس، كما هو نفسه صحَّح هذا الحديث، فأخرجه في صحيحه (١٧٥٧) عن الحسن بن سفيان، حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي، عن عبيدة بن الأسود به مثله.
وصحَّح هذا الإسناد البوصيريّ في زوائد ابن ماجه فقال: "إسناده صحيح ورجاله ثقات".
وفي الإسناد أيضًا يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي قال فيه أبو حاتم: "شيخ لا أرى في حديثه إنكارًا"، وقال الدارقطني: "صالح يعتبر به"، وذكره ابن حبان في الثقات.
وحديث ابن عباس في هذا الباب من أمثل الأحاديث، وفي الباب أيضًا عن عبد الله بن عمرو وأنس وأبي أمامة وطلحة.
فأما حديث عبد الله بن عمرو فهذا لفظه: "ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاةً. من تقدم قومًا وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دِبارًا - والدبار: أن يأتيها بعد أن تفوته - ورجل اعتبد محرره".
رواه أبو داود (٥٩٣)، وابن ماجه (٩٧٠) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، عن عمران بن عبد المعافري، عن عبد الله بن عمرو فذكره.
وفيه عبد الرحمن بن زياد وشيخه عمران ضعيفان.
وأما حديث أنس: "لعن رسولُ الله ﷺ ثلاثة: رجل أمَّ قومًا وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، ورجل سمع حيَّ على الفلاح ثم لم يجب" فهو ضعيف. رواه الترمذي (٣٥٨) عن عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى الكوفي، حدثنا محمد بن القاسم الأسدي، عن الفضل بن دَلْهَم، عن الحسن قال: سمعتُ أنس بن مالك يقول فذكر الحديث.
قال الترمذي: حديث أنس لا يَصح، لأنه قد رُوي هذا الحديث عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسل. وقال أيضًا: "ومحمد بن القاسم تكلم فيه أحمد بن حنبل وضعَّفه وليس بالحافظ". انتهى.
قلت: وهو كما قال، فقد حكى البخاري عن أحمد أنه كذَّبه، وروى عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: "أحاديثه موضوعة، ليس بشيء"، وأما ابن معين فوثَقه في بعض الروايات، والحجة لمن علم على من لم يعلم.
وكذلك حديث أبي أمامة، رواه الترمذي (٣٦٠) عن محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن الحسن، حدثنا الحسين بن واقد، حدثنا أبو غالب قال: سمعتُ أبا أمامة يقول: قال رسول الله
стр. 1437
- ﷺ : "ثلاثة لا تُجاوز صلاتُهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتتْ وزوجها عليها ساخط، وإمامُ قوم وهم له كارهون".
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وأبو غالب اسمه: حزَوَّر".
قلت: ليس كما قال، فإنه ضعيف، فإن أبا غالب ضعيف، ضعَّفه ابن سعد والنسائي، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات، وأما الدارقطني فوثَّقه، والحجة لمن علم على من لم يعلم، وقد ضعَّفه أيضًا البيهقي فقال: ليس بالقوي "السنن الكبرى" (٣/ ١٢٨).
وأما حديث طلحة بن عبيد الله فلفظه: أنه صَلَّى بقوم، فلما انصرف قال: إني نسيتُ أن أستأمركم قبل أن أتقدم، أرضيتُم بصلاتي؟ قالوا: نعم، ومن يكره ذلك يا حواري رسول الله ﷺ قال: إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "أيما رجل أمَّ قومًا وهم له كارهون لم تجزْ صلاتُه أذْنَيه" رواه الطبراني في الكبير من رواية سليمان بن أيوب الطلحي قال فيه أبو زرعة: عامة أحاديثه لا يتابع عليها، وقال صاحب الميزان: صاحب مناكير، وقد وُثِّق، كذا في "مجمع الزوائد" (٢٣٤٤).
١٠ - بابُ إذا تأخَّر الإمام تقام الصلاة
• عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليُصلح بينهم، وحانتِ الصلاةُ، فجاء المؤذِّن إلى أبي بكر الصديق، فقال: أتُصلي للناس فأُقيم؟ قال: نعم، فصلَّى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلَّصَ حتى وقف في الصفِّ، فصفَّق الناسُ، وكان أبو بكر لا يلتفتُ في صلاته، فلما أكثر الناسُ من التصفيق، التفت أبو بكر، فرأى رسولَ الله ﷺ ، فأشار إليه رسولُ الله ﷺ أن امكثْ مكانكَ، فرفع أبو بكر يديه، فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر حتى استوى في الصف. وتقدم رسولُ الله ﷺ فصَلَّى. ثم انصرف، فقال: "يا أبا بكر، ما منعك أن تثبتَ إذ أمرتُك" فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قُحافة أن يُصلي بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "ما لي رأيتكم أكثرتم من التصفيق؟ من نابه شيء في صلاته فليُسَبِّح، فإنه إذا سبَّح التُفِتَ إليه، إنما التصفيق للنساء".
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٦١) عن أبي حازم سلمة بن دينار، عن سهل بن سعد فذكره.
ورواه البخاري في الأذان (٦٨٤) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في الصلاة (٤٢١) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به مثله.
стр. 1438
• عن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله ﷺ تبوك، قال المغيرة: فتبرَّز رسولُ الله ﷺ قِبل الغائِط فحملت معه إداوةً قبل صلاة الفجر.
قال المغيرة: فأقبلتُ معه حتى نجدَ الناسَ قد قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلَّى لهم، فأدرك رسول الله ﷺ إحدى الركعتين، فصلَّى مع الناس الركعة الآخرة، فلما سلَّم عبد الرحمن بن عوف، قام رسولُ الله ﷺ يُتم صلاتَه، فأفزعَ ذلك المسلمين. فأَكْثَرُوا التسبيحَ، فلما قضى النبي ﷺ صلاتَه أقبل عليهم، ثم قال: "أحسنتُم" أو قال: "قد أصبتُم" يغبِطُهم أن صلُّوا الصلاة لوقتها.
وفي رواية: قال المغيرة: فأردت تأخير عبد الرحمن، فقال النبي ﷺ : "دعه".
متفق عليه: رواه مالك في الطهارة (٤١) عن ابن شهاب، عن عباد بن زياد - من ولد المغيرة بن شعبة، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة.
ورواه الشيخان من غير طريق مالك لأسباب. ذكرتها في المسح على الخفين - عن طريق عروة بن المغيرة، عن أبيه، واللفظ لمسلم (٢٧٤).
١١ - باب أمر الأئمةِ بتخفيف الصّلاة
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلَّى أحدُكم بالناس فليخفِّف، فإن فيهم الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ، وإذا صَلَّى أحدكم لنفسه فليُطَوِّل ما شاء".
متفق عليه: رواه مالك في صلاة الجماعة (١٣) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره.
ورواه البخاري في الأذان (٧٠٣) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به مثله، ورواه مسلم في الصلاة (٤٦٧) من طريق المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد به، وزاد فيه: "فإن فيهم الصغير" كما رواه أيضًا من طرق أخرى عن أبي هريرة وفي بعض طرقه: "فإن فيهم ذا الحاجة".
• عن أبي مسعود أن رجلًا قال: والله! يا رسول الله! إني لأتأخَّرُ عن صلاةِ الغَداة من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيتُ رسولَ الله ﷺ في موعظةٍ أشَدَّ غضبًا منه يومئذ، ثم قال: "إن منكم مُنَفِّرين، فأيكم ما صَلَّى بالناس فليتجوزْ، فإن فيهم الضّعيفَ والكبيرَ وذا الحاجة".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٧٠٢)، ومسلم في الصلاة (٤٦٦) كلاهما من طريق إسماعيل بن أبي خالد، قال: سمعتُ قيسًا، قال: أخبرني أبو مسعود الأنصاري فذكر الحديث، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
• عن جابر بن عبد الله قال: كان معاذ بن جبل يُصَلِّي مع النبي ﷺ ، ثم يرجع
стр. 1439
فيومُّ قومَه، فصَلَّى العِشاءَ فقرأ بالبقرة، فانصرف الرجلُ، فكأن معاذًا تناول منه، فبلغ النبيَّ ﷺ فقال: "فتَّان فتَّان فتَّان" (ثلاث مِرار) أو قال: "فاتنا فاتنا فاتنا" وأمره بسورتين من أوسطِ المفصَّل. قال عمرو: لا أحفظهما.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٧٠١)، ومسلم في الصلاة (٤٦٥) كلاهما من طريق عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله به، واللفظ للبخاري.
وفي لفظ مسلم: فانحرف الرجل فسَلَّم، ثم صلَّى وحده وانصرف. فقالوا له: أنافَقْتَ؟ يا فلان! قال: لا والله! ولآتينَّ رسولَ الله ﷺ فلأُخْبِرنَّه. فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا أصحابُ نواضِح نعمل بالنهار، وإن معاذًا صلَّى معك العشاءَ، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة. فأقبل رسول الله ﷺ على معاذ فقال: "يا معاذ أفتَّان أنت؟ اقرأ بكذا، واقرأ بكذا". قال سفيان: فقلت لعمرو: إن أبا الزبير حدثنا عن جابر أنه قال: "اقرأ في ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و ﴿وَالضُّحَى﴾، و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ " فقال عمرو: نحو هذا.
• عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يُوجز الصّلاة ويكملُها.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٧٠٦)، ومسلم في الصّلاة (٤٦٩) كلاهما من طريق عبد العزيز بن صهيب، عن أنس فذكره واللفظ للبخاري.
ولفظ مسلم: "كان يُوجز في الصلاة ويُتم".
ورواه أيضًا عن قتادة, عن أنس قال: "إن رسول الله ﷺ كان من أخفِّ الناس صلاة في تمام".
والمراد بالإيجاز مع الإكمال: الإتيان بأقل ما يمكن من الأركان والأبعاض.
• عن أنس بن مالك قال: ما صلَّيتُ خلْفَ أحد أوجزَ صلاةً من صلاة رسول الله ﷺ في تمام، كانت صلاةُ رسول الله ﷺ متقاربة. وكانت صلاة أبي بكر متقاربة، فلما كان عمر بن الخطاب مَدَّ في صلاة الفَجْرِ، وكان رسول الله ﷺ إذا قال: "سمع الله لمن حمده" قام حتى نقولَ: قد أوهم، ثمَّ يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم.
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٧٣) عن أبي بكر بن نافع العَبْدي، ثنا بهز، حدثنا حماد، أخبرنا ثابت، عن أنس فذكره.
ورواه الإمام أحمد (١٢١١٦) عن إسماعيل ابن عُلية، عن حُميد، عن أنس مختصرًا بقوله: "كان صلاة رسول الله ﷺ متقاربة، وصلاة أبي بكر حتى مدَّ عمر في صلاة الصُّبح".
• عن عثمان بن أبي العاص الثقفي أن النبي ﷺ قال له: "أُمَّ قومَك" قال قلت: يا رسول الله! إني أجد في نفسي شيئًا، قال: "ادْنُه" فجلَّسني بين يديه، ثم وضع
стр. 1440
كفَّه في صَدْري بين ثدْييَّ. ثم قال: "تحوَّل" فوضعها في ظهري بين كتِفيَّ، ثم قال: "أُمَّ قومَك، فمن أم قوما فليخفِّفْ، فإن فيهم الكبيرَ، وإن فيهم المريض، وإن فيهم الضعيفَ، وإنَّ فيهم ذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم وحده فليصلِّ كيف شاء".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٦٨) عن محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدّثنا أبي، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا موسى بن طلحة، حدثني عثمان بن أبي العاص الثقفي فذكره.
ورواه أيضًا من وجه آخر عن سعيد بن المسيب قال: حدَّث عثمان بن أبي العاص قال: آخر ما عَهِد إليَّ رسول الله ﷺ : "إذا أمَمْتَ قومًا فأخفَّ بهم الصلاة".
وذلك عندما أمَّره على الطائف كما في رواية ابن ماجه (٩٨٧) من طريق مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عثمان بن أبي العاص.
وفي حديث أبي داود (٥٣١) طلب من النبي ﷺ أن يجعله إمامًا لقومه فقال: "أنت إمامهم، واقد بأضعفهم". انظر للمزيد: كتاب الأذان.
• عن عبد الله بن عمر قال: كان رسولُ ﷺ الله لا يأمر بالتخفيف، ويؤُمنا بالصّافات.
حسن: رواه النسائي (٨٢٦) عن إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا خالد بن الحارث، عن ابن أبي ذئب، قال: أخبرني الحارث بن عبد الرحمن، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر فذكره.
وإسناده حسن لأجل الحارث بن عبد الرحمن فهو "صدوق"، وبقية الرجال ثقات.
وصحّحه ابن خزيمة (١٦٠٦)، وابن حبان (١٨١٧) وأخرجه أيضًا أحمد (٤٧٩٦، ٤٩٨٩) والطبراني في الكبير (١٣١٩٤) كلهم من طرق عن ابن أبي ذئب، وفي بعض طرقه: "كان يؤمنا في الفجر الصافات".
انظر القراءة في الصُّبح.
• عن نافع بن سرجس، قال: عُدنا أبا واقد البكريّ - وقال ابن بكر: البدريّ - في وجعه الذي مات فيه، فسمعته يقول: "كان النبيّ ﷺ أخف النّاس صلاة على النّاس، وأطول النّاس صلاة لنفسه".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢١٨٩٩)، والطبراني في الكبير (٣/ ٢٥٠) كلاهما من حديث عبد الرزاق - وهو في مصنفه (٣٨١٩) - وقرنه الإمام أحمد بابن بكر - كلاهما عن ابن جريج، أخبرني عبد الله بن عثمان، عن نافع بن سرجس، قال (فذكره).
وإسناده حسن من أجل نافع بن سرجس فإنه حسن الحديث، وله طرق أخرى عن عبد الله بن عثمان وهو ابن خُشيم مختصرًا.
وأما ما رُوي عن جابر، قال: إنّ رسول الله صلى - الله عليه وسلم - كان أشدّ الناس تخفيفًا في الصلاة. فرواه الإمام أحمد (١٤٦٢٣، ١٤٦٥٥، ١٤٧٤٨) من طرق عن ابن لهيعة، قال: حدثنا أبو الزبير، عن
стр. 1441
جابر، فذكره. وابن لهيعة فيه كلام معروف لسوء حفظه. ولكن يشهد له حديث أنس وغيره.
١٢ - باب ما جاء في تخفيف الصّلاة عند سماع بكاء الصّبي
• عن أنس قال: ما صَلَّيتُ وراء إمام قَطُّ أخَفَّ صلاةً، ولا أتم صلاةً من رسول الله ﷺ ، وإن كان يسمع بكاء الصبي فيخِّفف مخافة أن تُفْتنَ أمُّه.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٧٠٨) عن خالد بن مخلد، قال: حدّثنا سليمان بن بلال، قال: حدّثنا شريك بن عبد الله (ابن أبي نمر) قال سمعتُ أنس بن مالك يقول فذكره.
ورواه مسلم في الصلاة (١٩٠/ ٤٦٩) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، عن شريك بن عبد الله فاختصره إلى قوله: ولا أتم صلاة من رسول الله ﷺ " ولم يذكر بكاء الصّبي.
ثم اتفقا فرويا من طريق يزيد بن زُريع، حدّثنا سعيد بن أبي عروبة، قال: حدّثنا قتادة أن أنس بن مالك حدَّثه أن النبي ﷺ قال: "إني لأدخل في الصلاة، وأنا أريد إطالتها، فأسمعُ بكاء الصبي فأتجوَّزُ في صلاتي مما أعلم من شدة وجدِ أمه من بكائه".
رواه البخاري عن علي بن عبد الله (٧٠٩)، ومسلم (٤٧٠/ ١٩٢) عن محمد بن منهال الضرير - كلاهما عن يزيد بن زُريع.
• عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ قال: "إني لأقومُ في الصلاة أُريد أن أطوِّل فيها، فأسمعُ بكاء الصّبي فأتجوَّزُ في صلاتي كراهية أن أشقّ على أمِّه".
صحيح: رواه البخاري في الأذان (٧٠٧) عن إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا الوليد، قال: حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه أبي قتادة فذكر الحديث.
قال البخاري: تابعه بشر بن بكر وابن المبارك وبقية، عن الأوزاعي.
قوله: "فأتجوّز" التجوزُ في الأمر: التخفيف والتسهيل.
١٣ - باب ما جاء إذا صلّى الإمام جالسًا صلّوا جلوسًا
• وعن أنس بن مالك أن رسولَ الله ﷺ رَكِب فرسًا فصُرع، فجُحِش شِقُّه الأيمنُ. فصَلَّى صلاةً من الصلوات وهو قاعد. وصلَّينا وراءَه قُعودًا فلما انصرف قال: "إنما جُعل الإمام ليؤُتمَّ به، فإذا صَلَّى قائمًا فصَلُّوا قِيامًا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارْفَعُوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمدُ، وإذا صلَّى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون".
متفق عليه: رواه مالك في صلاة الجماعة (١٦) عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك فذكره.
ورواه البخاري في الأذان (٦٨٩) عن عبد الله بن يوسف عن مالك، ومسلم في الصّلاة (٤١١/
стр. 1442
٨٠) عن ابن أبي عمر، حدّثنا معن بن عيسى، عن مالك به، ورواه أيضًا من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري وفيه: "وإذا سجد فاسجدوا" والبخاري رواه أيضًا من طريق ابن عيينة ولم يذكر: "وإذا سجد فاسجدوا" (١١١٤).
• عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: صلَّى رسولُ الله ﷺ وهو شاكٍ. فصلَّى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلِسُوا، فلما انصرف قال: "إنما جُعِل الإمام ليؤتَمَّ به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلَّى جالسا فصلوا جلُوسًا".
متفق عليه: رواه مالك في صلاة الجماعة (١٧) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرت مثله.
ورواه البخاري في الأذان (٦٨٨) عن عبد الله بن يوسف عن مالك، ومسلم في الصلاة (٤١٢) من طريق عبدة بن سليمان، عن هشام به مثله.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صَلَّى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٧٣٤)، ومسلم في الصلاة (٤١٤) كلاهما عن طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكر مثله.
ورواه أيضًا الشيخان - البخاري (٧٢٢)، ومسلم من طريق عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة وفيه: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه ... " وزاد في آخر الحديث: "وأقيموا الصفَّ في الصلاة، فإن إقامة الصف من حُسْنِ الصلاة" ولم يسق مسلم لفظ الحديث، وإنما أحال على اللفظ السابق.
• عن جابر قال: اشتكى رسول الله ﷺ فصلَّينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يُسمع الناسَ تكبيرَه. فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقَعدْنا، فصلَّينا بصلاته قعودًا، فلَمَّا سلَّم قال: "إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعودٌ فلا تفعلوا، انتموا بأئمتِكم، إن صلَّى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صَلَّى قاعدًا فصلوا قعودًا".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤١٣) من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره.
وفي سنن أبي داود (٦٠٢) عن أبي سفيان، عن جابر قال: ركب رسول الله ﷺ فرسًا بالمدينة فصرعه في جِذْمِ نخلةٍ، فانفكَّتْ قدمه، فأتيناه نعوده، فوجدناه في مشربة لعائشة يُسَبِّح جالسًا، فقمنا خلفه. فذكر الحديث.
стр. 1443
• عن ابن عمر أنه كان يومًا من الأيام عند رسول الله ﷺ وفي نفر من أصحابه فمما قال لهم: "فإن من طاعة الله أن تُطِيعوني، وإن من طاعتي أن تُطِيعوا أئمتكم، فإن صلوا قعودًا فصلّوا قعودًا أجمعين".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٥٦٧٩)، وأبو يعلى (٥٤٥٠)، والطبراني في الكبير (١٣٢٧٨) كلهم من طريق عقبة بن أبي الصهباء، حدّثنا سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر حدَّثه فذكر الحديث، وإسناده صحيح.
وعقبة بن أبي الصهباء من رجال التعجيل"، وثَّقه ابن معين وغيره، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج الحديث في صحيحه (٢١٠٩) ونقل توثيق عقبة بن أبي الصهباء من ابن معين.
قال الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢٣٤٢): "رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجاله ثقات".
• عن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صَلَّى الأميرُ جالسًا فصلُّوا جلوسًا" قال: فعجب الناس من صدق معاوية.
صحيح: رواه ابن أبي شية (٢/ ٣٢٧) عن خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، قال: سمعتُ القاسم بن محمد يقول: قال معاوية فذكر الحديث.
والقاسم بن محمد هو: ابن أبي بكر صحَّ سماعه من معاوية.
قال البوصيري في "الإتحاف" (١٥٤١): "إسناد رجاله ثقات".
١٤ - باب من قال بنسخ قعود المأمومين خلف الإمام القاعد
• عن عائشة قالت: أمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن يُصلِّي بالناس في مرضه، فكان يُصَلِّي بهم، قال عروة: فوجد رسولُ الله ﷺ في نفسه خِفَّةً فخرج، فإذا أبو بكر يؤمُّ الناسَ، فلما رآه أبو بكر استأْخر، فأشار إليه أن كما أنت، فجلس رسول الله ﷺ حِذاءَ أبي بكر إلى جنبه، فكان أبو بكر يُصَلّي بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس يُصلون بصلاة أبي بكر".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٨٣)، ومسلم في الصلاة (٩٧/ ٤١٨) كلاهما من طريق ابن نمير، قال: أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
ورواه مالك في صلاة الجماعة (١٨) عن هشام بن عروة، عن أبيه مرسلًا.
قال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٣١٥): "لم يُختلف عن مالك، فيما علمتُ في إرسال هذا الحديث، وقد أسنده جماعة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، منهم: حماد بن سلمة، وابن نمير، وأبو أسامة". انتهى.
стр. 1444
قوله: قال عروة - ظاهره أنه معلق، ولكن الصحيح أنه بالإسناد السابق متصلًا كما في رواية ابن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكر الحديث مثله.
رواه ابن ماجه (١٢٣٣) عن ابن أبي شيبة به.
• عن عبيد الله بن عبد الله، قال: دخلت على عائشة فقلت لها: أَلا تُحدِّثيني عن مرض رسول الله ﷺ ؟ قالت: بلى. ثَقُلَ النبيُّ ﷺ ، فقال: "أصلَّى الناسُ؟ " قلنا: لا. وهم ينتظرُونكَ يا رسول الله! قال: "ضعُوا لي مَاءً في المِخْضَبِ" ففعلنا فاغتسل، ثم ذهب ليَنُوءَ فأُغْمِي عليه، ثم أفاق فقال: "أصَلّي الناسُ؟ " قلنا: لا. وهم ينتظرونَك يا رسول الله! فقال: "ضعُوا لي مَاءً في المِخْضَبِ" ففعلنا فاغتسل، ثم ذهب ليَنُوءَ فَأُغْمِي عليه، ثم أفاق فقال: "أصَلَّى الناسُ؟ " قلنا: لا. وهم ينتظرونَك يا رسول الله! فقال: "ضعُوا لي مَاءً في المِخْضَبِ" ففعلنا فاغتسل، ثم ذهب ليَنُوءَ فَأُغْمِي عليه، ثم أفاق فقال: "أَصَلَّى الناسُ؟ " قلنا: لا. وهم ينتظرونَك يا رسول الله! قالت: والناسُ عُكُوفٌ في المسجد ينتظرونَ رسُولَ الله ﷺ لصلاة العِشاء الآخرة. قالت: فأرسل رسولُ الله ﷺ إلى أبي بكر، أن يُصَلِّي بالناس، فأتاه الرسولُ فقال: إن رسول الله ﷺ يأمُرُكَ أن تُصلي بالناس، فقال أبو بكر، وكان رجُلًا رقيقًا، يا عُمَرُ! صلِّ بالناس، قال فقال عُمَرُ: أنت أحقُّ بذلك، قالت: فصلَّى بهم أبو بكر تلك الأيام. ثم إنَّ رسولَ الله ﷺ وجد من نفسه خِفَّةً فخرج بين رجلين، أحدُهما العباسُ، لصلاةِ الظهر، وأبو بكر يُصلِّي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخَّر، فأَومأَ إليه النبي ﷺ أن لا يتأخَّرَ، وقال لهما "أَجْلِسَانِي إلَى جَنْبِه" فأَجلساه إلى جنب أبي بكر، وكان أبو بكر يُصَلِّي وهو قائمٌ بصلاةِ النبي ﷺ . والناسُ يُصلُّون بصلاة أبي بكر، والنبيُّ ﷺ قاعد.
قال عبيد الله: فدخل على عبد الله بن عباس فقلت له: ألا أعرضُ عليك ما حدثْني عائشةُ عن مرض رسول الله ﷺ ؟ فقال: هات. فعرضتُ حديثَها عليه فما أنْكَرَ منه شيئًا. غير أنَّه قال: أسَمَّتْ لك الرجلَ الذي كان مع العَبَّاس؟ قلتُ: لا. قال: هُوَ عَليٌّ.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٨٧)، ومسلم في الصلاة (٤١٨) كلاهما عن أحمد بن عبد الله بن يونس، حدّثنا زائدة، حدّثنا موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله فذكره.
وقولها: "فصلّى بهم أبو بكر تلك الأيام". قال ابن ناصر الدين الدمشقي في كتابه" سلوة
стр. 1445
الكئيب" (ص ١١٠): "كان في هذه الأيام إلى حين الوفاة سبع عشرة صلاة عشاء الآخرة من ليلة الجمعة ابتداؤها، وصلاة الصبح من يوم الاثنين انتهاؤها" انتهى.
ورواه أيضًا الشيخان - البخاري (٧١٣)، ومسلم (٤١٨/ ٩٥) كلاهما من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود عنها قالت: لمَّا ثقُلَ رسولُ الله ﷺ جاء بلالً يُؤذِنُهُ بالصلاة فقال: "مُروا أبا بكر أن يصلي بالناس"، فقلت: يا رسولَ الله إن أبا بكر رجُلٌ أسيفٌ، وإنه متى ما يقُمْ مقامك لا يُسمعُ الناس، فلو أمرتَ عمر، فقال: "مُروا أبا بكر يصلي بالناس"، فقلتُ لحفصة: قولي له إن أبا بكر رجُلٌ أسيفٌ، وإنه متى يَقُمْ مقامك لا يُسمِعُ الناس، فلو أمرتَ عمر. قال: "إنكن لأنتُنَّ صواحبُ يوسفَ، مُروا أبا بكر أن يُصلِّي بالناس"، فلما دخل في الصلاةِ وجد رسولُ الله ﷺ في نفسهِ خِفَّةً، فقام يُهادى بين رجُلين ورجلاهُ يَخُطَّانِ في الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حِسَّهُ ذهبَ أبو بكر يتأخر، فأَومأ إليه رسولُ الله ﷺ ، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يُصلِّي قائمًا، وكان رسول الله ﷺ يُصلَّي قاعدًا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسولِ الله ﷺ ، والناسُ مُقتَدونَ بصلاةِ أبي بكر.
وبوَّب عليه البخاري بقوله: الرجل يأتم بالإمام، ويأتم الناس بالمأموم.
وفيه إشارة إلى النسخ لقعود المأمومين خلف الإمام القاعد. وإليه ذهب الإمامان أبو حنيفة والشافعي.
وأنكر الإمام أحمد وقوعَ النسخ في ذلك. وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين: إحداهما إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعدًا لمرض يُرجى برؤُه فحينئذ يصلون خلفه قعودًا.
وثانيهما: إذا ابتدأ الامام الراتبُ قائمًا لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قيامًا، سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعدًا أم لا؟ كما في الأحاديث التي في مرض موت النبي ﷺ ، فإن تقريره لهم على القيام دل على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة، لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة بهم قائمًا، وصلوا معه قيامًا، بخلاف الحالة الأولى فإنه ﷺ ابتدأ الصلاة جالسًا فلما صلوا خلفه قيامًا أنكر عليهم.
قال الحافظ في الفتح (٢/ ١٧٦) بعد أن نقل قول الإمام أحمد: وقد قال بقول أحمد جماعةٌ من محدثي الشافعية كابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة أخرى منها: قول ابن خزيمة: إن الأحاديث التي وردت بأمر المأموم أن يصلي قاعدًا تبعًا لأمامه لم يُختلف في صحتها، ولا في سياقها، وأما صلاته ﷺ قاعدًا فاختلف فيها هل كان إمامًا، أو مأمومًا. قال: وما لم يختلف فيه لا ينبغي تركه لمختلف فيه".
هذه خلاصة كلام ابن خزيمة (٣/ ٥٣ - ٥٧).
وهو كما قال: ففي رواية زائدة بن قدامة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة جعل أبو بكر بصلي بصلاة النبي ﷺ ، والناس بصلاة أبي بكر.
стр. 1446
وخالفه شعبة فرواه عن موسى بلفظ: إن أبا بكر صلَّى بالناس، ورسول الله ﷺ في الصف خلفه.
رواه ابن خزيمة (١٦٢١) وعنه ابن حبان (٢١١٧) عن محمد بن بشار، قال: حدثنا بدل بن المحبَّر، قال: حدّثنا شعبة، عن موسى بن أبي عائشة به، ومثله رواه بكر بن عيسى وشبابة بن سوار، عن شعبة، عن نُعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق، رواهما الإمام أحمد (٢٥٢٥٦، ٢٥٢٥٧) ومن طريق بكر بن عيسى رواه أيضًا النسائي (٧٨٦) ومن طريق شبابة بن سوار رواه الترمذي (٣٦٣) فمن العلماء من سلك ملك الترجيح فقدَّم الرواية التي فيها أن أبا بكر كان مأمومًا للجزم بها، ومنهم من قال عكس ذلك، ورجَّح أنه كان إمامًا، ومنهم من سلك مسلك الجمع فجعل القصة على التعدد. انظر الفتح.
والملك الثالث تؤيده روايات شعبة نفسها. ففي الروايات السابقة كان أبو بكر إمامًا، والنبي ﷺ مأمومًا، ورواه أبو داود الطيالسي، قال: حدّثنا شعبة، عن موسى بن أبي عائشة به ولفظه: فكان رسول الله ﷺ بين يدي أبي بكر يصلي بالناس قاعدًا، وأبو بكر يُصلي بالناس، والناس خلفه. رواه الإمام أحمد (٢٦١١٣) عن سليمان بن داود، والنسائي (٧٩٧) عن محمود بن غيلان، كلاهما عن أبي داود.
ففي هذه الرواية كان النبي ﷺ إمامًا، وأبو بكر يقتدي به قائمًا، والناس يقتدون بأبي بكر، وفيه دليل صريح على تعدد القصة.
وأما من استدل بحديث جابر الجعفي، عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَؤُمَّنَّ أحد بعدي جالسًا" فهو مرسل ضعيف، رواه عبد الرزاق (٤٠٨٨)، والدارقطني (١/ ٣٩٨)، والبيهقي (٣/ ٨٠) كلّهم من طريق جابر الجعفي.
قال الدّارقطني: لم يروه غير جابر الجعفي عن الشعبي، وهو متروك، والحديث مرسل لا تقوم به حجة.
وقال ابن حبان في صحيحه (٥/ ٤٧٤): "والعجب ممن يحتج بمثل هذا المرسل، وقد قدح في روايته زعيمهم فيما أخبرنا الحسين بن عبد الله بن يزيد القطان بالرقة، قال: حدّثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أبا يحيى الجماني قال: سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت فيمن لقيتُ أفضل من عطاء، ولا لقيتُ فيمن لقيتُ أكذبَ من جابر الجعفي، ما أتيتُه بشيء قطّ من رأي إلا جاءني فيه بحديث، وزعم أن عنده كذا وكذا ألف حديث عن رسول الله ﷺ لم ينطق بها".
١٥ - باب متابعة الإمام والعمل بعده
• عن البراء قال: إنهم كانوا يُصلون خلْفَ رسول الله ﷺ فإذا رفع رأسه من الركوع لم أر أحدًا يَحْنِي ظهره حتى يضعَ رسول الله ﷺ جبهتَه على الأرض. ثم يَخِرُّ من وراءه سُجَّدًا.
стр. 1447
وفي رواية: فإذا ركع ركعوا، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: "سمع الله لمن حمده" لم نزل قيامًا حتى نراه قد وضع وجهه في الأرض، ثم نَتَّبِعُه.
وفي رواية: كنا مع النبي ﷺ : لا يحنُو أحد منا ظهره حتى نراه قد سجد.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٩٠)، ومسلم في الصلاة (٤٧٤) كلاهما من طريق أبي إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن يزيد، قال: حدثني البراء وهو غير كذوب.
والرواية الثانية رواها مسلم من طريق محارب بن دثار، قال: سمعت عبد الله بن يزيد يقول على المنبر: حدّثنا البراء أنهم كانوا يصلون مع رسول الله ﷺ ثم ذكر مثله.
والرواية الثالثة رواها من طريق الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء به.
١٦ - باب النهي عن سبق الإمام بركوع وسجود وانصراف قبله
• عن أنس قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجْهِه فقال: "أيها الناس! إني إمامكم، فلا تسبِقُونِي بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف، فإني أراكم أمامي ومن خَلفي "ثم قال: "والذي نفس محمد بيده! لو رأيتُم ما رأيتُ لضحكتُم قليلًا، ولبكيتُم كثيرًا".
قالوا: وما رأيتَ يا رسولَ الله؟ قال: "رأيتُ الجنة والنار".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٣٦) من طريق علي بن مسهر، عن المختار بن فُلْفُلٍ، عن أنس فذكره.
ورواه من طريق جرير عن المختار وليس فيه "ولا بالانصراف" ورواه أبو داود (٦٢٤) من طريق زائدة، عن المختار وفيه "حصَّهم على الصلاة، ونهاهم أن ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة".
• عن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُبادروني بركوع ولا بسجود، فإنه مهما أَسْبِقُكم به إذا ركعتُ تُدْكِوني به إذا رفعت، إني قد بَدَّنْتُ".
صحيح: رواه أبو داود (٦١٩)، وابن ماجه (٩٦٣) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، حدثني محمد بن يحيى بن حِبَّان، عن ابن محيريز، عن معاوية بن أبي سفيان فذكره.
إسناده حسن فإن محمد بن عجلان حسن الحديث، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة (١٥٩٤)، وابن حبان (٢٢٣٠) كلاهما من طريق ابن عجلان به مثله إلا أن ابن خزيمة جعل في أحد أسانيد يحيى بن سعيد متابعًا لابن عجلان. وبهذه المتابعة يرتقي الحديث إلى الصّحيح.
قوله: "تدركوني به إذا رفعت" يريد أنه لا يضركم رفع رأسي، وقد بقي عليكم شيء منه إذا أدركتموه قائمًا قبل أن أسجد. وكان ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع يدعو بكلام فيه طول.
стр. 1448
وقوله: "إني قد بدنت" يُروي علي وجهين: أحدهما: بدنت بتشديد الدال، ومعناه: كبر السن. يقال: بدَّن الرجل تَبْدينًا إذا أسن. والآخر: بَدُنْتُ، مضمونة الدال، غير مشدودة. ومعناه زيادة الجسم، واحتمال اللحم. وروتْ عائشة أن رسول الله ﷺ لما طُعن في السن احتمل بدنه اللحم. وكل واحد من كبر السن واحتمال اللحم ينقل البدن، وَيُثَبِّط عن الحركة، قاله الخطابي.
• عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : إني قد بدَّنتُ، فلا تُبادروني بالقيام في الصلاة، والركوع والسجود".
صحيح: رواه الطبراني في الكبير (١٥٧٩) عن علي بن عبد العزيز، ثنا عاصم بن علي، ثنا إسحاق الأزرق، عن زكريا بن أبي زائدة، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه فذكر الحديث.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢٤١١): رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.
قلت: وهو كما قال، وإسحاق الأزرق هو: إسحاق بن يوسف بن مِرداس المخزومي الواسطي، المعروف بالأزرق من رجال الجماعة.
١٧ - باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أما يخشى أحدكم - أو لا يخشى أحدكم - إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعلَ الله رأسَه رأس حِمار، أو يجعلَ الله صورتَه صورة حِمار".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٩١) عن حجاج بن منهال، قال: حدّثنا شعبة، عن محمد بن زياد سمعتُ أبا هريرة فذكر مثله.
ورواه مسلم في الصلاة (٤٢٧) من طرق عن شعبة به مثله.
ورواه من طريق الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد وفيه: "أن يجعل الله وجْهه وجْهَ حمار".
ورواه أبو داود (٦٢٣) عن حفص بن عمر، عن شعبة وفيه: "إذا رفع رأسه والإمام ساجد".
١٨ - باب ما جاء في الفتح على الإمام
• عن عبد الرحمن بن أبْزى أن النبي ﷺ صلَّى الفجر، فترك آية، فلما صلَّى قال: "أفي القوم أبيُّ بن كعب؟ " قال أبي: يا رسول الله! نُسختْ آية كذا وكذا، أو نسيتَها؟ قال: "نُسِّيتُها".
صحيح: رواه أحمد (١٥٣٦٥) عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثنا سَلَمة بن كُهيل، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبْزى، عن أبيه فذكره.
وإسناده صحيح. واختلف في عبد الرحمن بن أبزى فذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وكذا
стр. 1449
رجَّح البيهقي (٣/ ٢١٢) أن حديثه مرسل في قصة أبي، بينما جزم البخاري وخليفةُ بن خياط والترمذي ويعقوب بن سفيان والبرقي والدارقطني وغيرهم، أن له صحبة، ولذا أخرج البخاري في صحيحه عنه أنه قال: "نُصيب الغنائم مع النبي ﷺ " وأخرج ابن سعد أنه ممن صلَّى مع النبي ﷺ .
وذَرّ: ابن عبد الله المُرْهبي - بضم الميم وسكون الراء - ثقة عابد من رجال الجماعة.
وأخرجه النسائي في "الكبرى" في مناقب أُبيّ، (٨١٨٣)، وابن خزيمة في صحيحه (١٦٤٧) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد القطان به.
وقال الهيثمي في "المجمع" (٢٣٥٤): "رواه أحمد والطبراني كلاهما عن عبد الرحمن بن أبْزى، رجالُه رجال الصحيح".
• عن المسوَّر بن يزيد الأسدي قال: شهدتُ رسول الله ﷺ يقرأ في الصلاة، فترك شيئًا لم يقرأه، فقال له رجل: يا رسول الله! تركت آية كذا وكذا. فقال رسولُ الله ﷺ : "هلا أذكرتنيها".
إسناده جيد: رواه أبو داود (٩٠٧) قال: حدّثنا محمد بن العلاء وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، قالا: أخبرنا مروان بن معاوية، عن يحيى الكاهلي، عن المسور بن يزيد المالكي فذكر الحديث. قال سليمان في حديثه: كنت أراها نُسختْ.
وقال سليمان: قال: حدثني يحيى بن كثير الأزدي - أي قال سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي أحد شيوخ أبي داود في سنده، حدّثنا مروان بن معاوية، قال: حدّثنا يحيى بن كثير الأزدي، حدثنا المسوَّر بن يزيد الأسدي المالكي. والغرض من هذا بيان اختلاف صيغة الأداء، فإن محمد بن العلاء رواه بلفظ "عن" كما أنه ترك نسبة يحيى إلى أبيه وهو: كثير الأزدي، بينما رواه سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي بصيغة التحديث، وذكر نسبة يحيى بأنه ابن كثير الأزدي.
وصححه ابن حبان (٢٢٤٠) فرواه عن محمد بن إسحاق بن خزيمة وهو في صحيحه (١٦٤٨) قال: حدثنا محمد بن يحيى الذهلي، قال: حدّثنا الحميدي، قال: حدثنا مروان بن معاوية به مثله.
ورجاله ثقات غير يحيى الكاهلي وهو: يحيى بن كثير الكاهلي الأسدي الكوفي، روى عن مسوَّر بن يزيد الكاهلي وصالح بن حبان الفزاري، وعنه مروان بن معاوية الفزاري، قال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن شاهين في "ثقاته" (١٥٢٥): روى عنه صالح بن إسحاق الجرمي فقال: كان ثقة، لا بأس به. وقال الذهبي في "الميزان": "وُثِّق".
قلت: فمثله يحسن حديثه إذا اعتمد بشاهد، أو حديث مرسل، أو قول صحابي وقد اجتمعت هذه المُعاضدةُ كلُّها في هذا الحديث كما سيأتي.
وأما النسائي فقال في الكاهلي إنه "ضعيف".
وعلَّق الحافظ على قول ابن شاهين: "كذا قال، وإنما روى صالح المذكور عن يحيى بن كثير
стр. 1450
صاحب البصري، فإن كان ما قاله محفوظًا فيُشبه أن يكون روى عنهما جميعًا. لكن لم يذكر ابن أبي حاتم وابن حبان وغيرهم للكاهلي راويًا إلا مروان". انتهى. انظر: "تهذيب التهذيب" (١١/ ٢٦٧).
قلت: أما قول النسائي فيُحمل على أنه كان من المتشددين، ثم إنّ جرحه غير مفسر، ففي حال التعارض مع غيره يقدم قول المعتدلين، وأما تعليق الحافظ على قول ابن شاهين فهو مجرد احتمال.
وأما يحيى بن كثير أبو النضر صاحب البصري فهو ضعيف بلا نزاع وستأتي ترجمته بعد قليل.
ثم رواه ابن حبان من وجه آخر عن مروان بن معاوية، قال: حدّثنا يحيى بن كثير الكوفي - شيخ له قديم - قال: حدّثنا المسور بن يزيد قال: شهدتُ رسول الله ﷺ يقرأ في الصلاة فتعايَ في آية، فقال رجل: يا رسول الله! إنك تركت آية، قال: "فهلَّا أذكرتنيها؟ " قال: ظننت أنها قد نُسختْ. قال: "فإنها لم تُنسخ".
وحديث المسور بن يزيد هذا يقويه قول أنس بن مالك قال: كنا نفتحُ على الأئمة على عهد رسول الله ﷺ ، رواه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٧٦) من طريق يحيى بن غيلان وعبد الله بن بزيغ، ثنا حميد، عن أنس فذكره.
قال الحاكم: يحيى بن غيلان وعبد الله بن بزيغ التستريان ثقتان. هذا حديث صحيح وله شواهد ولم يخرجاه قال: أخبرنا علي بن حماد العدل، ثنا علي بن عبد الصمد الطيالسي، ثنا زياد بن أيوب، ثنا جارية بن هرم، ثنا حميد الطويل، عن أنس قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يُلقن بعضُهم بعضًا في الصلاة. انتهى.
قلت: وحكمه الرفع، لأنه عزاه إلى عهد رسول الله ﷺ فالظاهر أنه علم بذلك ولم يُنكر على ذلك.
كما يؤيده أيضًا مرسل عروة أن النبي ﷺ ترك آية فقال النبي ﷺ : أفيكم أبيّ" فقالوا: نعم، فقال: "فما منعك أن تفتحها علي" هكذا رواه عروة مرسلًا.
• عن عبد الله بن عمر، أنَّ النبي ﷺ صلى صلاةً فقرأ فيها، فلبس عليه، فلما انصرف قال لأُبِّي: "صلَّيت معنا؟ " قال: نعم. قال: "فما منعك".
صحيح: رواه أبو داود (٩٠٧) عن يزيد بن محمد الدمشقي، حدّثنا هشام بن إسماعيل، حدّثنا محمد بن شُعيب، أخبرنا عبد الله بن العلاء بن زَبْرٍ، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه ابن حبان في صحيحه (٢٢٤٢) من طريق هشام بن عمار، قال: حدّثنا محمد بن شُعيب بن شابور به وفيه "فما منعك أن تفتحها عليَّ".
وفي الباب عن ابن عباس قال: تردد رسولُ الله ﷺ في صلاة الفجر في آية. فلما قضى الصلاة نظر في وجوه القوم، فقال: "أما صلَّى معكم أبي بن كعب؟ " قالوا: لا، قال: فرأى القوم أنه إنما سأل عنه ليفتح عليه.
стр. 1451
رواه البزار - كشف الأستار - (٤٧٩) وفيه قيس بن الربيع فإنه ضعيف.
وكذلك ما رواه البزار من حديث بريدة الأسلمي وفيه يحيى بن كثير ضعيف، وهو: صاحب البصري أبو النضر، ضعَّفه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائي والدارقطني. وقال العُقيلي: منكر الحديث. وقال الساجي: معروف في التشيع، ضعيف الحديث جدًّا متروك الحديث، يروي عن الثقات بأحاديث بواطيل.
قلت: وهو غير يحيى بن يزيد الكاهلي الذي سبق ذكره.
وكذلك ما رواه الإمام أحمد (٢١٢١٨) عن أُبيّ بن كعب، فيه الجارود بن أبي سبرة لم يسمع من أُبي.
وكذلك وما رواه الطبراني في الأوسط (٦٤١٢) فيه سليمان بن أرقم وهو ضعيف. انظر: المجمع الزوائده (٢/ ١٧١ - ١٧٢) تحقيق محمد عبد القادر.
وأما ما رُوي عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : يا علي! لا تفتح على الإمام في الصلاة" فهو ضعيف جدًّا، رواه أبو داود (٩٠٨) قال: حدّثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب فذكر مثله. قال أبو داود: أبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها. انتهى.
وقال المنذري: وأبو إسحاق: هو عمرو بن عبد الله السبيعي أحد ثقات التابعين. والحارث هو: أبو زهير الحارث بن عبد الله، ويقال: ابن عبيد الهمداني الكوفي الأعور، قال غير واحد من الأئمة: "إنه كذاب". انتهى.
وقال الخطابي: إسناد أبيّ جيد، وحديث علي هذا راويه الحارث وفيه مقال ثم ذكر قول أبي داود ثم قال: وقد رُوي عن علي نفسه أنه قال: "إذا استطعمكم الإمام فأطعموه" من طريق أبي عبد الرحمن السلمي، يريد أنه إذا تعايا في القراءة فَلقِّنوه.
قلت: حديث علي رواه أحمد بن منيع. انظر "الإتحاف" (٤٣٧).
ثم قال: "واختلف في هذه المسألة. فروي عن عثمان بن عفان وابن عمر ﵄ أنهما كانا لا يريان بأسًا، وهو قول عطاء والحسن وابن سيرين ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق. وروي عن ابن مسعود الكراهة في ذلك، وكرهه الشعبي، وكان سفيان الثوري يكرهه. وقال أبو حنيفة: إذا استفتحه الإمام ففتح عليه فإن هذا كلام في الصلاة". انتهى.
١٩ - باب من يُستحب أن يلي الإمام في الصف
• عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لِيَليني منكم أُولو الأحلام والنُهى، ثم الذين يَلُونَهُم - ثلاثًا - وإياكم وهيشاتِ الأسواق".
стр. 1452
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٣٣/ ١٢٣) من طريق أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود فذكر الحديث.
وهيشات الأسواق: ما يكون فيها من الجلبة، وارتفاع الأصوات، وما يحدث فيها من الفتن. وأصله من الهوش. وهو الاختلاط. يقال: تخالط القوم: إذا اختلطوا ودخل بعضهم في بعض، وبينهم تهاوش أي: اختلاط واختلاف. أفاده الخطابي.
وسبق في باب ما جاء في تسوية الصفوف حديث أبي مسعود وهو في مسلم.
• عن أنس قال: كان رسولُ الله ﷺ يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه.
صحيح: رواه ابن ماجه (٩٧٧) قال: حدّثنا نصر بن علي الجَهْضَمِي قال: حدّثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا حُميد، عن أنس فذكر الحديث. وذكره الترمذي (١/ ٤٤٢) معلقًا وفيه "ليحفظوا عنه".
قال البوصيري في الزوائد (١/ ١٩٢) هذا إسناد رجاله ثقات. رواه الحاكم في المستدرك (١/ ٢١٨) عن أبي بكر بن إسحاق، عن أبي المثنى، عن مسدد، عن يزيد بن زريع، عن حميد بالإسناد والمتن وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين".
ورواه الإمام أحمد في مسنده (١١٩٦٣) عن معتمر (وهو ابن سليمان) عن حميد به وفيه: "يحب أن يليه المهاجرون والأنصار في الصلاة".
• عن قيس بن عُبَاد قال: بينا أنا في المسجد في الصَفِّ المقَدَّم فجبذني رجل من خَلفي جَبْذَةً، فنحّاني، وقام مقامي. فوالله! ما عقلتُ صلاتي. فلما انصرف فإذا هو أبيّ بن كعب، فقال: يا فتي! لا يَسُؤك الله: إن هذا عهد من النبي ﷺ إلينا أن نَلِيه، ثم استقبلَ القبلةَ، فقال: هلك أهلُ العُقدِ وربِّ الكعبةِ! ثلاثًا ثم قال: والله! ما عليهم آسى، ولكن آسى على من أضلُّوا. قلت: يا أبا يعقوب! ما يعني بأهل العقد؟ قال: الأُمراء".
صحيح: رواه النسائي (٨٠٨) قال: أخبرنا محمد بن عمر بن علي بن مُقَدَّم، حدّثنا يوسف بن يعقوب، قال: أخبرني التيمي، عن أبي مجلز، عن قيس بن عُبَاد فذكر الحديث. وإسناده صحيح.
وأبو يعقوب هو: يوسف بن يعقوب، والسائل هو: محمد بن عمر بن علي بن مقدم. والتيمي هو: سليمان بن طرخان التيمي من رجال الجماعة.
وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ١٤٤ - ٢١٥)، وابن خزيمة (١٥٧٣) كلاهما من طريق محمد بن عمر المقدمي، وقال الحاكم: الصحيح على شرط البخاري. فقد احتج بيوسف بن يعقوب السدوسي، ولم يخرجاه".
ورواه الإمام أحمد (٢١٢٦٤) في سياق طويل عن محمد بن جعفر، ثنا شعبة، قال: سمعت أبا
стр. 1453
جَمرة، ثنا إياس بن قتادة، عن قيس، يعني ابن عُبَاد، قال محمد بن جعفر: أسقطته من كتابي، هو عن قيس إن شاء الله.
حدثنا سليمان بن داود ووهب بن جرير قالا: ثنا شعبة، عن أبي جمرة، قال: سمعتُ إياس بن قتادة يُحدِّثُ عن قيس بن عُبَاد قال: أتيتُ المدينة للُقِيّ أصحاب محمد ﷺ ، ولم يكن فيهم رجل ألقاه أحبَّ إليَّ من أُبيّ، فأقيمت الصلاةُ. وخرج عمر مع أصحاب رسول الله ﷺ ، فقمتُ في الصَّفِّ الأوَّلِ، فجاء رجلٌ فنظر في وجوه القوم، فعرفَهم غَيري، فنحّاني وقام في مكاني، فما عقلتُ صلاتي، فلما صَلَّى قال: يا بُنيّ! لا يَسُؤْك اللهُ، فإنِّي لم آتك الذي أتيتُك بجهالةٍ، ولكن رسول الله ﷺ قال: "كونوا في الصف الأول الذي يليني" وإني نظرتُ في وجوه القوم فعرفتُهم غيرَك.
ثم حدَّث، فما رأي الرجالَ مَتَحَت أعناقها إلى شيء مُنُوحَها إليه، قال: سمعته يقول: هلك أهلُ العقدةِ ورب الكعبةِ، ألا لا عليهم آسَي، ولكن آسى على من يَهْلِكون من المسلمين، إذا هو أُبيّ.
والحديث على لفظ سليمان بن داود. هو: أبو داود الطيالسي، وأخرجه في مسنده (٥٥٧) من هذا الوجه.
وقال: أمل العُقدةِ: ما أَهراقَ عليه الدماءَ، واغتصبه، ثم اعتقده. وإسناده صحيح.
وقوله: "مَتَحت": أي: مدَّت أعناقها نحوه.
ورواه عبد الرزاق (٢/ ٥٣) عن محمد بن راشد، عن خالد، عن قيس بن عُبَاد. وفيه قال أبيُّ بن كعب: "إنما أخَّرتك أن رسول الله ﷺ أمرنا أن يُصلِّي في الصف الأول المهاجرون والأنصار، فعرفت أنك لست منهم فأخرتك".
فقلت: من هذا؟ فقالوا: أبيُّ بن كعب.
٢٠ - باب ما جاء في موقف الإمام مع الواحد
• عن ابن عباس قال: بِتُّ في بيت خالتي ميمونة، فقام رسول الله ﷺ من اللَّيل، فأطلق القِرْبة فتوضأ، ثم أوكأ القرية، ثم قام إلى الصلاة، فقمت فتوضأتُ كما توضأ، ثم جئت فقمتُ عن يساره، فأخذني بيمينه فأدارني من ورائه فأقامني عن يمينه، فصلَّيت معه.
وفي رواية: فأخذ برأسي، أو بذؤابتي فأقامني عن يمينه.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٩٨) ومسلم في صلاة المسافرين (٧٦٣/ ١٨٤) كلاهما من طريق ابن وهب، ثنا عمرو، عن عبد ربه بن سعيد، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس فذكره.
الرّواية الثانية لأبي داود (٦١٠) وسبق ذكر هذا الحديث في كتاب الوضوء، باب أن النوم ليس
стр. 1454
حدثًا، بل مظنة للحدث.
الذؤابة: شعر الرأس.
• عن المغيرة بن شعبة قال: إن النبي ﷺ توضأ ومسح على الخفين، وصلى، فأقامني عن يمينه.
حسن: أخرجه الطبراني في الأوسط (٨١٠٥) عن موسى بن هارون، ثنا إسحاق بن راهويه، أنا الفضل بن موسى، عن عبد المؤمن بن خالد، عن عبد الله بن بريدة، عن المغيرة فذكر الحديث.
ورجاله ثقات غير عبد المؤمن بن خالد الحنفي، أبو خالد المروزي قاضي مرو، قال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ١٣٧).
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ٩٥): "هو في الصحيح خلا قوله: فأقامني عن يمينه - رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات". انظر "مجمع البحرين" (برقم ٧٦٨).
٢١ - موقف الإمام مع الاثنين
• عن جابر بن عبد الله قال: قام رسولُ الله ﷺ ليُصلِّي، فجئتُ حتى قُمت عن يسار رسول الله ﷺ ، فأخذ بيدي فأدارني خلْفَه حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جَبَّارُ بن صَخْر فقام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ بيدينا جميعًا فدَفعنا حتى أقامنا خلْفَه.
صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق في حديث جابر الطويل (٣٠١٠) وسيعاد الحديث بالكامل في الزهد.
• عن علقمة والأسود أنهما دخلا على عبد الله بن مسعود. فقال: أصَلَّى من خلفكم؟ قالا: نعم. فقام بينهما وجعل أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، ثم ركعْنَا. فوضعنا أيدينا على رُكبنا فضرب أيدينا. ثم طبق بين يديه، ثم جعلهما بين فخذيه، فلما صَلَّى قال: هكذا فعل رسولُ الله ﷺ .
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٣٤/ ٢٨)، من طريق منصور، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود به.
فول ابن مسعود: هكذا فعل رسول الله ﷺ مشعر إلى أنه مرفوع، ولكن رأي بعض أهل العلم أن المرفوع منه هو تطبيق اليدين فقط، ثم نُسخ.
قال النووي في الخلاصة (٢٥١٠): "الثابت في صحيح مسلم وغيره أن ابن مسعود فعل ذلك. ولم يقل: هكذا كان رسول الله ﷺ يفعل".
ولذا لم يقبل عامة أهل العلم عمل ابن مسعود، بل قالوا: إن الإمام إذا صلى برجلين يتقدم عليهما. وقالوا: إن صحَّ رفع حديث ابن مسعود إلى النبي ﷺ فيجوز أن يكون فعل ذلك مرة أو
стр. 1455
مرتين لضيق المكان، أو أنه منسوخ لأحاديث أقوى منها.
قال البغوي: "قول عامة أهل العلم أن الإمام إذا صلى برجلين يتقدم عليهما، روي عن ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود فأقام أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، ورواه عن النبي ﷺ ". انتهى.
انظر "شرح السنة" (٢/ ٣٨٩).
وحمل بعض أهل العلم حديث ابن مسعود على أن النبي ﷺ لعلّه فعله مرّة لضيق المكان، أو على النسخ. انظر: "السنن الكبرى" (٣/ ٩٨).
وأما ما رواه الترمذي (٢٣٣) من حديث سمرة بن جندب قال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا ثلاثة يتقدمنا أحدنا. فهو ضعيف، رواه من طريق إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن سمرة بن جندب فذكر مثله. قال الترمذي: حسن غريب.
قلت: بل هو ضعيف فقد تكلم الناس في إسماعيل بن مسلم المكي أبي إسحاق، فضعَّفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وغيرهم.
٢٢ - باب ما جاء في موقف الإمام مع الاثنين والمرأة
• عن أنس قال: دعت جدتي مليكةُ رسولَ الله ﷺ لطعام فأكل منه، ثم قال رسول الله ﷺ : "قوموا فلأصلِّي لكم" قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لُبِس فضحتُه بماء. فقام عليه رسولُ الله ﷺ وصففتُ أنا واليتيمُ وراءه، والعجوز من ورائنا. فصَلَّى ركعتين ثم انصرف.
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة في السفر (٣١) عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك فذكره، وعن مالك رواه البخاري في الصلاة (٣٨٠)، ومسلم في المساجد (٦٥٨). ويستفاد منه: جواز الجماعة في النافلة.
٢٣ - باب ما جاء في موقف الإمام مع الواحد والمرأة
• عن أنس قال: دخل النبيُّ ﷺ علينا؛ وما هو إلا أنا، وأمي، وأم حرام خالتي فقال: "قوموا فلأصَلِّ بكم" فصلي بنا. فقال رجل لثابت: أين جعل أنسًا منه؟ قال: جعله على يمينه، ثم دعا لنا أهل البيت بكل خير من خير الدنيا والآخرة، فقالت أمي: يا رسول الله! خو? دمك ادع الله له. قال: فدعا لي بكل خير. وكان في آخر ما دعا لي به أن قال: "اللَّهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه".
وفي رواية: أن رسول الله ﷺ صلى به وبأمه وخالته، قال: فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلْفنا.
стр. 1456
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٦٠) عن سليمان، عن ثابت، عن أنس فذكر مثله، والرواية الثانية رواه من طريق موسى بن أنس، يُحدث عن أنس بن مالك.
وفي رواية (٦٥٩) كان رسول الله ﷺ أحسنَ الناس خُلُقًا. فربما تحضرُ الصلاةُ وهو في بيتنا. فيأمر بالبساط الذي تحته فيُكْنَس، ثم يُنْضَح، ثم يؤمُّ رسول الله ﷺ ، ونقوم خلْفَه فيُصَلّي بنا، وكان بساطُهم من جريد النخل.
• وعن ابن عباس قال: صلَّيتُ إلى جنب النبي ﷺ وعائشة خلفنا تُصلي معنا، وأنا إلى جنب النبي ﷺ أصلي معه.
حسن: رواه النسائي (٨٠٤، ٨٤١) قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني زياد، أن قَزعة مولى لعبد قيس أخبره، أنه سمع عكرمة مولى ابن عباس قال: قال ابن عباس فذكر الحديث.
وإسناده حسن لأجل قزعة المكّي مولى عبد قيس فقد وثَّقه أبو زرعة وابن حبان فهو "صدوق" وجعله الحافظ في درجة "مقبول" والحق أنه صدوق، وبقية الرجال ثقات، حجاج هو: ابن محمد المصيصي.
وصحّحه ابن خزيمة (١٥٣٧)، وابن حبان (٢٢٠٤) كما رواه أيضًا الإمام أحمد في مسنده (٢٧٥١) كلهم من طريق حجاج بن محمد به. وابن جريج مدلس، إلا أنه صرح بالإخبار.
٢٤ - باب مقام الصبيان من القف خلف الرجال
• عن أبي مالك الأشعريّ قال: "ألا أحدثكم بصلاة النّبيّ ﷺ ؟ قال: فأقام الصلاة، وصفَّ الرجالُ، وصَفَّ خلفهم الغلمان، ثم صلَّى بهم، فذكر صلاته ثم قال: هكذا صلاةُ. قال عبد الأعلى: لا أحسبه إلا قال: " [صلاة] أمتي".
حسن: رواه أبو داود (٦٧٧) حدثنا عيسى بن شاذان، ثنا عياش الرقام، ثنا عبد الأعلى، ثنا قرة بن خالد، ثنا بديل، ثنا شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، قال: قال أبو مالك الأشعري فذكره.
وإسناده حسن من أجل شهر بن حوشب فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
٢٥ - باب ما جاء في فضل الصف الأول
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم الناس ما في النِداء والصفِّ الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يَسْتَهِمُوا عليه لاستهموا. ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العَتَمَةِ والصُبْح لأتوهما ولو حَبْوًا".
متفق عليه: رواه مالك في الصلاة (٣) عن سُمّي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح
стр. 1457
السمان، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
ومن طريق مالك أخرجه البخاري في الأذان (٦١٥)، ومسلم في الصلاة (٤٣٧).
وفي رواية للبخاري (٧٢١): "الصف المقدَّم". وهو من طريق مالك أيضًا.
وقوله: "التهجير" من الهاجرة، وهي شدّة الحر نصف النهار، وهو أول وقت الظُّهر.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "خيرُ صفوف الرّجال أولها، وشرُّها آخرها، وخيرُ صفوف النساء آخرُها، وشرُّها أوَّلُها".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٤٠) من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
ورواه الإمام أحمد (١٠٢٩٠) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة وزاد في أول الحديث: "أحسنوا إقامة الصفوف في الصلاة" وابن ماجه (١٠٠٠) جمع بين الإسنادين إلا أنه اكتفى بذكر لفظ الحديث مثل ما رواه سهيل. وروى ابن خزيمة (١٥٦١) وغيره من طريق العلاء بن عبد الرحمن فذكر مثل حديث سهيل.
وبهذا يظهر أن أبا هريرة مرة كان يروي باللفظين، وأخرى بلفظ واحد.
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لو تَعلمون (أو يعلمون) ما في الصّف المقدَّم، لكانت قُرعةً".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٣٩) من حديث شعبة، عن قتادة، عن خِلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
• عن أبي سعيد الخدري أن رسولَ الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا. فقال لهم: "تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بَعْدَكم، لا يزالُ قومٌ يتأخّرون حتى يُؤخِّرهم الله".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٣٨) عن شيبان بن فَرُّوخ، ثنا أبو الأشهب، عن أبي نضرة العَبْدِي، عن أبي سعيد فذكر مثله.
وفي رواية: رأى قومًا في مؤخر المسجد فذكر مثله.
وقوله: "حتى يؤخرهم الله" أي عن رحمته، أو عظيم فضله، أو رفع المنزلة.
وأبو الأشهب: اسمه جعفر بن حيان السعدي العطاردي، وأبو نضرة: اسمه المنذر بن مالك العبدي.
• عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسولَ الله ﷺ يقول: "ألا أدلكم على شيء يكفر الله به الخطايا، ويزيد في الحسنات؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "إسباغ الوضوء في المكاره، وكثرةُ الخُطى إلى المساجد، وانتظارُ الصلاة بعد الصلاة، ما منكم من رجل يخرج من بيته متطهرًا فيصلي مع المسلمين الصلاة الجامعة، ثم
стр. 1458
يجلس في المسجد ينتظر الصلاة الأخرى إلا الملك يقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فإذا قمتم إلى الصلاة فأعدلوا صفوفكم وأقيموا، وسدوا الفرج، فإني أراكم من وراء ظهري، فإذا قال إمامكم: الله أكبر، فقولوا: الله أكبر، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإن خير الصفوف المقدم، وشرّها المؤخر، وخير صفوف النساء المؤخر، وشرها المقدم. يا معشر النساء! إذا سجد الرجالُ فاخْفِضْنَ أبصاركنَّ، لا ترين عورات الرجال من ضيق الأزر".
حسن: رواه أبو يعلى "المقصد العلي، " (برقم ٢٥٥) حدّثنا زهير، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري فذكره.
وإسناده حسن لأجل عبد الله بن محمد بن عقيل.
• عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "خيرُ صفوف الرجال مقدمُها، وشرُّها مؤخَّرُها، وخيرُ صفوف النساء مؤخرُها، وشرُّها مقدمُها".
حسن: رواه ابن ماجه (١٠٠١) عن علي بن محمد، قال: حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر فذكر الحديث.
وإسناده حسن لأجل عبد الله بن محمد بن عقيل فهو مختلف في الاحتجاج به ولكنه حسن الحديث خاصة في الشواهد.
وحسنَّه أيضًا البوصيري في الزوائد.
ورواه الإمام أحمد (١٤١٢٣) عن عبد الصمد، ثنا زائدة، ثنا عبد الله بن محمد بن عقيل به، وزاد: "يا معشر النساء! إذا سجد الرجال فاغضُضنَ أبْصارَكنَّ، لا ترَين عورات الرجال" من ضيق الأزُر.
وعزاه البوصيري في "زوائده" إلى أبي بكر بن أبي شيبة في مسنده، عن حسين بن علي، عن زائدة به بزيادة آخره.
• عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إن الله وملائكته يُصلون على الصف الأول".
حسن: أخرجه ابن ماجه (٩٩٩) قال: حدّثنا محمد بن المُصفّى الحِمْصي، ثنا أنس بن عِياض، ثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه فذكر الحديث.
قال البوصيري في زوائده: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
قلت: إسناده حسن لأجل محمد بن عمرو بن علقمة فإنه مختلف غير أنه حسن الحديث.
• عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله ﷺ يتخلَّلُ الصفَّ من ناحيةٍ إلى ناحيةٍ، يمسح صدورنا ومناكبنا ويقول: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم".
стр. 1459
وكان يقول: "إن الله وملائكتَه يُصلون على الصفوف الأوَل".
صحيح: رواه أبو داود (٦٦٤)، والنسائي (٨١١) كلاهما من طريق أبي الأحوص، عن منصور، عن طلحة بن مُصرِّف، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء فذكر الحديث، ومن هذا الوجه أخرجه ابن حبان (٢١٥٧)، ورواه أيضًا ابن ماجه (٩٩٧) من طريق شعبة قال: سمعتُ طلحة بن مُصرف يقول: سمعتُ عبد الرحمن بن عوسجة يقول: سمعت البراء بن عازب إلا أنه لم يذكر الجزء الأول من الحديث.
ولذلك جعله البوصيري من الزوائد، وقال: "إسناده صحيح ورجاله ثقات".
قلت: والحديث ليس على شرط الزوائد إلا أنه صحيح كما قال، وصححه أيضًا ابن خزيمة (١٥٥٦) فرواه من طريق جرير، عن منصور به مثله.
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة (١/ ٣٥١) عن أبي خالد الأحمر، عن الحسن بن عبيد الله، عن طلحة به ولفظه: "أقيموا صفوفكم، لا يتخللكم الشياطين أولاد الحذف". قيل يا رسول الله! وما أولاد الحذف؟ قال: "ضأن سود جرد تكون بأرض اليمن".
ورواه الإمام في مسنده (١٨٥١٨) عن عفان، ثنا شعبة قال: طلحة أخبرني به وزاد في أول الحديث.
من منح مِنْحَةَ ورقٍ - أو منح ورقًا - أو هَدَى زُقَاقًا، أو سقى لبنًا، كان له عِدْلُ رقبةٍ، أو نسمَةٍ. ومن قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير - عشر مرات - كان له كعدلِ رقبةٍ أو نسمةٍ".
ورواه البغويّ في "شرح السنة" (٣/ ٣٧٢) من طريق سفيان الثوري، عن الأعمش، عن طلحة به وزاد فيه: "زَيِّنُوا القرآن بأصواتكم، ومن منح منيحة لبنٍ، أو هدي زُقاقًا كان له صدقة". وهذه الروايات كلّها صحيحة.
وأما ما روي عن قتادة، عن أبي إسحاق الكوفي، عن البراء بن عازب أن نبي الله ﷺ قال: "إن الله وملائكته يُصَلُّون على الصفِّ المقدم، والمؤذِّن يُغْفَر له مدَّ صوته، ويصدقه من سمعه من رطْبٍ ويابسٍ، وله مثلُ أجر منْ صلَّى معه" فهو منقطع، وظاهره متَّصل.
ولذا اغتر به المنذري فقال: "إسناده جيد". "الترغيب والترهيب" (١/ ١٤٠). ونقل الحافظ في "التلخيص" (١/ ٢٠٥) تصحيحه عن ابن السّكن.
رواه النسائي (٢/ ١٣)، والإمام أحمد (١٨٥٠٦) كلاهما من حديث معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة فذكر مثله.
وقتادة: وهو ابن دعامة، مدلس، وقد عنعن، وفي سماعه من أبي إسحاق نظر. نقل العلائي في "جامع التحصيل" (ص ٢٥٦) عن البرديجي أنه قال: حدَّث عن أبي إسحاق، ولا أدري أسمع منه أم لا؟ والذي يقر في القلب أنه لم يسمع منه".
стр. 1460
ورواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٤٢٦) قال: ثنا ابن صاعد، ثنا بندار وبشر بن آدم قالا: ثنا معاذ بن هشام به ثم قال: "هكذا رواه قتادة من رواية معاذ بن هشام عنه، عن أبيه عنه فقال: عن أبي إسحاق، عن البراء، وأسقط بين أبي إسحاق والبراء اثنين، فإن أصحاب أبي إسحاق رووه عن أبي إسحاق عن طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء".
قلت: ومن أصحاب أبي إسحاق ابنه يوسف رواه عن أبيه أبي إسحاق، عن طلحة بن مصرف قال: سمعت عبد الرحمن بن عوسجة به، رواه الترمذي (١٩٥٧) ثنا أبو كريب، ثنا إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي إسحاق إلا أنه اكتفى بلفظ "من منح منيحة لبنٍ أو ورق، أو هدي زقاقًا كان له مثل عتق رقبة".
وقال: حسن صحيح غريب من حديث أبي إسحاق، عن طلحة بن مصرف، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد روي منصور بن المعتمر وشعبة، عن طلحة بن مصرف هذا الحديث. انتهى.
قوله: "زُقاقًا" بالضم، الطريق. يريد به دلَّ الضال، أو الأعمى على طريقه.
وقوله: "زَيِّنُوا القرآن بأصواتكم" قيل: معناه: زَيِّنُوا أصواتكم بالقرآن، وهو من باب المقلوب كقولهم: عرضتُ الناقة على الحوض - أي عرضت الحوض على الناقة، أفاده البغوي.
• عن العرباض بن سارية أن رسول الله كان يستغفر للصف المقدَّم ثلاثًا، وللثاني مرةً.
صحيح: أخرجه ابن ماجه (٩٩٦) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا يزيد بن هارون، قال: أنبأنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد بن معدان، عن العرباض فذكر الحديث.
ومن هذا الوجه، رواه أيضًا الحاكم (١/ ٢١٤) وقال: صحيح الإسناد.
هكذا رواه ابن ماجه من أبي بكر بن أبي شيبة، والذي في المصنف (١/ ٣٧٩) عن شيبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم، أن خالد بن معدان حدّثه أن جبير بن نفير حدثه، أن العرباض بن سارية حدثه فذكر الحديث. ومن هذا الوجه أخرجه ابن حبان (٢١٥٨)، فجعل بين خالد بن معدان والعرباض "جبير بن نفير".
والإمام أحمد روي من وجهين: مرة عن يحيى بن سعيد ووكيع، عن هشام بدون جبير بن نفير (١٧١٤١) وأخرى من طريق شيبان مع ذكر جبير بن نفير (١٧١٥٦).
ولم ينص الحافظ في تهذيبه أن خالد بن معدان سمع من العرباض، فعلى هذا أقام شيبان هذا الإسناد بذكر جبير بن نفير بين خالد بن معدان والعرباض، وكذا رواه أيضًا النسائي (٨١٧) إلا أن فيه بقية بن الوليد وهو مشهور بالتدليس والتسوية، وقد عنعن عن بُحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن العرباض. ولكن تابعه إسماعيل بن عياش فقال: حدثني بُحير بن
стр. 1461
سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير به، رواه البغوي في شرحه (٣/ ٣٧٢).
• عن النعمان بن بشير قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "إن الله وملائكته يُصَلُّون على الصفِّ الأوّلِ، أو الصفوف الأولى".
حسن: رواه أحمد (١٨٣٦٤) والبزار "الكشف، (٥٠٨) كلاهما من طريق حسين بن واقد، حدثني سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير فذكره.
وإسناده حسن لأجل حسين بن واقد، فإنه حسن الحديث وثَّقه ابن معين، وقال أحمد وأبو زرعة والنسائي: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان حسن الحديث.
• عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "إن الله ﵎ وملائكته يُصَلُّون على الصفِّ الأول".
حسن: رواه البزار - "كشف الأستار" - (٥٠٧) عن العباس بن عبد العظيم العنبري، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، فذكر الحديث.
وإسناده حسن لأجل عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد سبق الكلام عليه في كتاب الطهارة، ولم أجد هذا الحديث في مصنف عبد الرزاق في مظانه.
• عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال قوم يتأخرون عن الصَفِّ الأول حتى يؤخرهم الله في النار".
حسن إلا قوله: "في النار": رواه أبو داود (٦٧٩) من طريق عبد الرزاق، عن عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة فذكرت الحديث. وهو في "مصنف عبد الرزاق" (٢/ ٥٢). ومن هذا الوجه أخرجه ابن خزيمة (١٥٥٩)، وابن حبان (٢١٥٦).
وإسناده حسن لأجل الخلاف في عكرمة بن عمار، قال الإمام أحمد: أحاديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير ضعاف ليس بصحاح، وقال البخاري: هو مضطرب في حديث يحيى بن أبي كثير، ولم يكن عنده كتاب، بينما قال يحيى بن معين: عكرمة بن عمار ثقة ثبت، ووثَّقه العجلي، وقال الساجي: صدوق، ونقل الآجري عن أبي داود: أنه ثقة، وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير اضطراب.
قلت: وأبو داود أخرج حديثه في سننه عن عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير وسكت عليه، كما سكت عليه أيضًا المنذري، فالظاهر أنه لم يضطرب في هذا الحديث، ولعل السبب يعود إلى عبد الرزاق الإمام الحافظ، فقد قال ابن عدي في الكامل (٥/ ١٩١٥): "عكرمة بن عمار هو مستقيم الحديث إذا روى عنه ثقة".
قلت: ومثل هذا لا بأس في الاستشهاد به، إلا قوله "في النار"، لم يتابع عليه، ولأن السياق
стр. 1462
الذي ورد في الحديث يناقض قوله "في النار"، ولم يثبت ذلك في حديث أبي سعيد الذي مضى في أول الباب. فإن المراد بالتأخير ليس تأخير الدخول في النار، بل في رحمته ومغفرته وعظيم فضله كما سبق تفسير ذلك.
٢٦ - باب ما جاء في تسوية الصفوف
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "سَوُّوا صفوفكم، فإن تسويةَ الصفوف من إقامة الصلاة".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٧٢٣)، ومسلم في الصلاة (٤٣٣) كلاهما من حديث شعبة، قال: سمعت قتادة، يحدث عن أنس بن مالك فذكر الحديث. واللفظ للبخاريّ.
وأمَّا لفظ مسلم "فإن تسوية الصَفِّ من تمام الصلاة" فالذي يظهر أن الرواة رووا الحديث بالمعني وفهموا من الحديث أن إقامة الصلاة وتمام الصلاة بمعنى واحد.
• عن أنس قال: أقيمتِ الصلاة، فأقبل علينا رسولُ الله ﷺ بوجهه فقال: "أقيموا صفوفكم وتراصُّوا، فإني أراكم من وراءِ ظهري".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٧١٩)، ومسلم في الصلاة (٤٣٤) كلاهما من أوجه عن أنس بن مالك واللفظ للبخاري.
ولفظ مسلم: "أتموا الصفوفَ، فإني أراكم خلف ظهري".
وفي رواية عند البخاري (٧٢٥): "أقيموا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري، وكان أحدنا يُلْزِقُ منكِبَه بمنكب صاحبه، وقدَمه بقدمه.
وفي رواية عبد الرزاق (٢/ ٤٤): "تعاهدوا هذه الصفوف فإني أراكم من خلفي".
قال في الفتح (٢/ ٢١١): قوله: "عن أنس" رواه سعيد بن منصور، عن هُشَيم، فصَرّح فيه بتحديث أنس لحُميد، وفيه الزيادة التي في آخره وهي قوله: "وكان أحدنا .. إلخ، وصَّرح بأنَّها من قول أنس، وأخرجه الإسماعيلي من رواية معمر، عن حُميد بلفظ: قال أنس: فلقد رأيت أحدنا .. إلخ. وأفاد هذا التصريح أن الفعل المذكور كان في زمن النبي ﷺ ، وبهذا يَتم الاحتجاج به على بيان المراد بإقامة الصف وتسويته، وزاد معمر في روايته: ولو فعلت ذلك بأحدهم اليوم لنفر كأنه بغل شموس. انتهى.
وقوله: "تراصُّوا" بتشديد الصاد المهلمة - أي تلاصقوا بغير خلل، ويحتمل أن يكون تأكيدًا لقوله: "أقيموا".
والمراد بقوله: "أقيموا" "سَوُّوا، يقال: أقام العُودَ - إذا عدَّله وسَوَّاه.
وقوله: "إني أراكم من وراءِ ظهري" حمله الجمهور على الحقيقة لما فيه كرامة للنبي ﷺ .
стр. 1463
• عن أنس بن مالك: أنه قَدِم المدينة، فقيل له: ما أنكرت منَّا منذ يومِ عهدتَ رسولَ الله ﷺ ؟ قال: ما أنكرتُ شيئًا إلا أنكم لا تُقِيمونَ الصفوفَ.
صحيح: رواه البخاري في الأذان (٧٢٤) من طريق بُشَير بن يسار الأنصاري، عن أنس بن مالك. فذكر مثله.
وبوَّبه البخاري بقوله: "إثم من لم يُتمَّ الصفوفَ" يفهم منه أنه يرى وجوبَ التسوية كالظاهرية، إلا أنه لم ينقل عن أحد أن صلاة من خالف، ولم يُسو باطلة. ويؤيد ذلك أن أنسًا مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة، إلا ابن حزم فإنه ذهب إلى بطلان الصلاة.
• عن أنس أن النبي ﷺ كان يقول: "استووا استووا، استووا فوالذي نفسي بيده! إني لأراكم من خلفي، كما أراكم من بين يدَيَّ"
صحيح: رواه النسائي (٨١٣) قال: حدثنا أبو بكر بن نافع، قال: حدّثنا بهز بن أسد، قال: حدثنا حمد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكر الحديث. وإسناده صحيح.
ورواه أحمد (١٣٨٣٨) عن عفان، وأبو يعلى (٣٥١٠ تحقيق الأثري) عن زهير، عن عفان - حدثنا حماد به إلا أنه ذكر "استووا" مرتين فقط. وأبو يعلى (٣٢٧٧) عن عبد الرحمن بن سلَّام الجُمحي، ثنا حماد بن ثابت وحميد وفيه: كان يقول: استووا - مرتين أو ثلاثًا" ثم ذكر بقية الحديث مثله. قال أبو يعلي: وزاد حميد في الحديث: استووا وتراصَّوا".
• عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: "رُصُّوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده! إني لأرى الشيطان يدخل من خَلَلِ الصفِّ كأنها الحَذَفُ".
صحيح: أخرجه أبو داود (١٦٧)، والنسائي (٨١٥) كلاهما من طريق أبان، عن قتادة، عن أنس بن مالك فذكر مثله.
وإسناده صحيح، وأبان هو: يزيد العطار البصري ثقة من رجال مسلم، وروى له البخاري تعليقًا.
وصحّحه ابن خزيمة (١٥٤٥)، وابن حبان (٢١٦٦) فروياه في صحيحيهما، والإمام أحمد (١٣٧٣٥) كلهم من طرق عن أبان به.
والحَذَفُ: غنم سُود صِغار، واحدتُها: حَذْفَةٌ، وفي رواية: كأنها بنات حذفٍ.
• عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "أتِمُّوا الصَفَّ المقدّم، ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصفِّ المؤخَّر".
صحيح: أخرجه أبو داود (٦٧١) والنسائي (٨١٨) كلاهما من حديث سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك فذكر الحديث. وسعيد هو: ابن أبي عروبة.
стр. 1464
وأخرجه الإمام أحمد (١٢٣٥٢) وصحّحه ابن خزيمة (١٥٤٦) بعد ما رواه من هذا الوجه.
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أقيموا الصَفَّ في الصلاة، فإنّ إقامة الصَفِّ من حسن الصلاة".
متفق عليه: أخرجه مسلم في الصلاة (٤٣٥) عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن مُنَبِّه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها هذا.
وأخرجه البخاري في الأذان (٧٢٢) عن عبد الله بن محمد، قال: حدثنا عبد الرزاق به. وبدأ الحديث بقوله: "إنما جُعل الإمام ليؤُتم به" وسيأتي هذا الحديث في موضعه، ثم ذكر حديث إقامة الصلاة. وأما مسلم وغيره فجعلوه حديثين.
• عن النعمان بن بشير قال: قال النبي ﷺ : "لتُسَوُّنَّ صفوفَكُم، أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم".
متفق عليه: أخرجه البخاري في الأذان (٧١٧)، ومسلم في الصلاة (٤٣٦) كلاهما من حديث شعبة، قال: أخبرني عمرو بن مرة، قال: سمعتُ سالم بن أبي الجعد، قال: سمعتُ النعمان بن بشير فذكر الحديث. ولفظهما سواء.
وفي رواية عند مسلم: كان رسول الله ﷺ يُسَوِّي صفوفنا حتى كأنما يُسَوِّي بها القِداحَ، حتى رأى أنَّا قد عقلنا عنه، ثم خرج يومّا فقام حتى كاد يُكبِّر، فرأى رجلًا باديًا صدرُه من الصَفِّ فقال: "عباد الله! لتسوُّنَّ صفوفكم، أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم".
ورواه أبو داود (٦٦٢) من وجه آخر بإسناد حسن وفيه: "أقيموا صفوفكم ثلاثًا، "والله! ليُقِيمُنَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ الله بين قلوبكم"، قال: فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه، ركبتَه بركبة صاحبه، وكعبَه بكعبه.
وفي رواية بإسناد صحيح: كان رسول الله ﷺ يُسَوِّي صفوفنا إذا قمنا للصلاة، فإذا سَوَّينا كبَّر.
ونصُّ أبي داود يفسر قوله: "ليخالفنَّ الله بين وجوهكم" وهو بمعنى إيقاع العداوة والبغضاء
واختلاف القلوب، كذا قال النووي.
وقيل: يحمل على الحقيقة وهو: المسخُ والتحويلُ لقوله ﷺ : "يجعل الله صورته صورة حمار".
والقِداح: بكسر القاف، هي خشب السهام حين تنحت وتبرى، واحدها قِدح - بكسر القاف، ومعناه يبالغ في تَسْوِيتها حتى تصير كأنما يُقَوِّم بها السهام لشدة استوائها واعتدالها.
• عن أبي مسعود قال: كان رسولُ الله ﷺ يمسحُ مناكِبَنا في الصلاة ويقول: "استَوُوا ولا تختلِفُوا، فتختلفَ قلوبُكم، ليَلِينِي مِنكم أولْو الأحْلام والنُّهَى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".
стр. 1465
قال أبو مسعود: فأنتُم اليومَ أشدُ اختلافًا.
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٣٢) من طريق الأعمش، عن عُمارة بن عمير التيمي، عن أبي معمر، عن أبي مسعود فذكر الحديث.
وقوله: "أولو الأحلام" أي العقلاء، وقيل: البالغون.
وقوله: "النُّهى" بضم النون - العقول - وعطف أحدهما على الآخر للتأكيد.
قال الخطابي: "إنَّما أمر النبي ﷺ أن يلي الإمام ذووا الأحلام والنُّهى ليعقلوا عنه صلاته، ولكي يخلفوه في الإمامة إن حدث به حدث في صلاته، وليرجع إلى قولهم إن أصابه سهو، أو عرض في صلاته عارض في نحو ذلك من الأمور" "المعالم" (١/ ٣٣٤).
• عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسولُ الله ﷺ فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنَّها أذنابُ خيلٍ شُمُسٍ؟ اسكنُوا في الصلاة". قال: ثم خرج علينا فرآنا حِلَقًا فقال: "ما لي أراكم عِزين؟ " قال: ثم خرج علينا فقال: "ألا تصُفُّون كما تَصُفُّ الملائكة عند ربها؟ " فقلنا: يا رسول الله! وكيف تصفُّ الملائكة عند ربِّها؟ قال: "يُتِمُّون الصَّفوفَ الأُولَ، ويتراصُّون في الصفّ".
رواه مسلم في الصلاة (٤٣٠) من حديث الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة، فذكر مثله.
ورواه أصحاب السنن من هذا الوجه الجزء الأخير من الحديث.
وقوله: "شُمس" جمع شموس. مثل رسول ورسل، وهي التي لا تستقر، بل تضرب وتتحرك بأذنابها وأرجلها.
وقوله: "حِلقًا" بكسر الحاء وفتحها لغتان، جمع حلْقة بإسكان اللام.
وقوله: "ما لي أراكم عزين أي متفرقين جماعة جماعة، وواحدها عِزَة.
وفيه النهي عن التفرق، والأمرُ بالاجتماع.
• عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "أقيموا الصفوفَ، وحاذوا بين المناكب، وسُدُّوا الخلل، ولِينُوا بأيدي إخوانكم، ولا تَذَرُوا فُرُجات للشّيطان، ومن وصل صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله".
صحيح: رواه أبو داود (٦٦٦) حدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي، حدّثنا ابن وهب، ح وحدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، وحديث ابن وهب أتم، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن عبد الله بن عمر فذكر مثله. وهذا إسناد صحيح موصول.
قال قتيبة: عن أبي الزاهرية، عن أبي شجرة، ولم يذكر ابن عمر.
стр. 1466
أن رسول الله ﷺ قال: "أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسُدوا الخلَل، ولِينُوا بأيدي إخوانكم".
ولم يقل عيسى: "بأيدي إخوانكم". قال أبو داود: أبو شجرة: كثير بن مرة.
قلت: وهذا إسناد مرسل غير موصول، إلا أنه لا يُعُلّل الإسناد الأول، لما عرف من علوم الحديث بأن زيادة الثقة مقبولة.
قال أبو داود: ومعنى "لِينُوا بأيدي إخوانكم" إذا جاء رجل إلى الصَفِّ، فذهب يدخل فيه، فينبغي أن يُلِينَ له كلُّ رجل منكبَيْه حتى يدخل في الصف. انتهى.
ورواه النسائي (٨١٩) عن عيسى بن إبراهيم بن مثْرود قال: عبد الله بن وهب، عن معاوية به مختصرا "من وصل صَفًا وصله الله، ومن قطع صَفًا قطعه الله ". وإسناده صحيح.
وأبو الزاهرية هو: حُدير بن كريب الحمصي، وثَّقه ابن معين والنسائي والعجلي، وقال أبو حاتم: لا بأس به، فحقُّه أن يكون ثقة، وهو من رجال مسلم، إلا أن الحافظ جعله في مرتبة "صدوق".
وصححه أيضًا ابن خزيمة فأخرجه في صحيحه (١٥٤٩) عن عيسى بن إبراهيم الغافقي به مختصرًا مثل النسائي، والحاكم (١/ ٢١٣) من طرق أخرى عن ابن وهب وقال: "صحيح على شرط مسلم".
• عن عائشة قالت: قال رسول الله: "إن الله وملائكتَه ﵈ يُصَلُّون على الذين يَصِلُون الصفوف".
حسن: أخرجه أحمد (٢٤٣٨١) قال: حدثنا عبد الله بن الوليد، حدثنا سفيان، عن أسامة، عن عبد الله بن عروة، عن عروة، عن عائشة فذكرته.
وإسناده حسن لأجل أسامة وهو: ابن زيد الليثي، مولاهم مختلف فيه، قال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ووثَّقه العجلي، وقال ابن حبان: يخطئ وهو مستقيم الأمر، صحيح الكتاب.
قلت: ومثله يحسن حديثه ولعل من أوهامه أنه جعل مرة شيخه عبد الله بن عروة كما هنا، وأخرى عثمان بن عروة كما عند ابن خزيمة (١٥٥٠) وعبد بن حميد (١٥١٣)، والحاكم (١/ ٢١٤) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، إلا أن كلا الإسنادين صحيحان.
ولعلّ من أوهامه أيضًا ما رواه أبو داود (٦٧٦)، وابن ماجه (١٠٠٥) كلاهما من حديث أسامة، عن عثمان بن عروة به ولفظه: "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف، فإن المحفوظ بهذا الإسناد كما تقدم.
وأما الذي رواه ابن ماجه (٩٩٥) عن هشام بن عمار، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على
стр. 1467
الذين يصلون الصفوفَ، ومن سدَّ فُرْجَةً رفعه الله بها درجةً" فإسناده ضعيف لأجل إسماعيل بن عياش الحمصي، فإن روايته عن غير أهل بلده ضعيفة كما هو معروف، وهشام بن عروة من أهل الحجاز.
• عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله: "إن مِن تَمام الصلاة إقامةَ الصَفِّ".
حسن: رواه أحمد (١٤٤٥٤) عن عبد الرزاق - وهو في المصنف (٢/ ٤٤) عن معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله فذكره.
ومن هذا الطريق أخرجه أيضًا أبو يعلى (٢١٦٨)، والطبراني في الكبير (١٧٤٤)، وفي الأوسط (٣٠٠٩) انظر "مجمع البحرين" (٧٦٠) وإسناده حسن لأجل عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد مضت ترجمتُه.
وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٨٩): "رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل وقد اختلف في الاحتجاج به".
قلت: وهو كذلك، وقد فصلت القول فيه في الطهارة، وبينت أنه حسن الحديث.
• عن بلال قال: كان النبي ﷺ يُسَوِّي مناكبَنا في الصلاة.
حسن: رواه الطبراني في "الصغير" (٩٨٨) عن محمد بن علي بن خلف الدمشقي، ثنا أحمد بن أبي الحواري، ثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن عمران بن مسلم، عن سويد بن غفلة، عن بلال فذكر الحديث. "مجمع البحرين" (٢/ برقم ٧٥٤).
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد" (٢/ ٩٠) إسناده متصل ورجاله موثقون".
قلت: شيخ الطبراني لعله هو: محمد بن علي بن خلف أبو عبد الله العطّار، الكوفي، يقول فيه محمد بن منصور: "كان ثقة مأمونا حسن العقل"، تاريخ بغداد (٣/ ٥٧).
وبقية رجاله موثقون، غير أن عبد الرزاق رواه في مصنفه (٢/ ٤٧) عن الثوري، عن الأعمش، عن عمارة بن عمران، عن سويد بن غفلة قال: كان بلال يضرب أقدامنا في الصلاة، ويُسَوِّي مناكبنا، ولم يرفعه، ولكن لا يضر هذا من رفعه، لمَّا فيه من زيادة علم.
ثم إن عمارة بن عمران شك فيه المحقق أن يكون الصواب: عمران بن مسلم لأنه لم يجد من مشايخ الأعمش من اسمه: عمارة بن عمران.
٢٧ - باب كراهية الصف بين السواري
• عن عبد الحميد بن محمود قال: صلَّيتُ مع أنس بن مالك يوم الجمعة فدفعنا إلى السواري، فتقدمنا وتأخرنا، فقال أنس: كنَّا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ .
حسن: رواه أبو داود (٦٧٣) واللفظ له، والترمذي (٢٢٩)، والنسائي (٨٢١) كلهم من طريق سفيان، عن يحيى بن هانئ، عن عبد الحميد بن محمود فذكر الحديث، ولفظهما: كنَّا مع أنس فصلينا مع أمير من الأمراء، فدفعوا حتى قمنا وصلينا بين الساريتين، فجلس أنس يتأخر وقال:
стр. 1468
فذكر كما ذكره أبو داود.
قال الترمذيّ: "حديث أنس حديث حسن"، وفي رواية: "صحيح" وقد كره قوم من أهل العلم أن يُصَفَّ بين السواري، وبه يقول أحمد وإسحاق، ورخَّص قوم من أهل العلم في ذلك". انتهى.
قلت: إسناده حسن، فإن عبد الحميد بن محمود المِغْوَلي من المقلين قال فيه أبو حاتم: شيخ، ووثَّقه النسائي، وبقية رجاله ثقات.
وقد صححه ابن خزيمة (١٥٦٨)، وابن حبان (٢٢١٨)، والحاكم (١/ ٢١٠)، والحافظ في الفتح (١/ ٥٧٨).
وقيل: إن الحكمة في ذلك انقطاع الصف وذلك بالنسبة للجماعة، وأمن المنفرد فلا يكره أن يصلي بين السواري وبوَّب البخاري بقوله: الصلاة بين السواري، في غير جماعة، وأخرج فيه حديث ابن عمر أن النبي ﷺ دخل الكعبة، وصلَّى بين العمودين المقدمين. (رقم الحديث في الفتح ٥٠٤).
وفي رواية: جعل عمودًا عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وفي رواية: عمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه. وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثم صلَّى (رقم الحديث في الفتح ٥٠٥).
وأما ما رواه ابن ماجه (١٠٠٢) عن زيد بن أخْزم أبي طالب، قال: حدثنا أبو داود وأبو قتيبة، قالا: حدثنا هارون بن مسلم، عن قتادة، عن معاوية بن قُرَّة، عن أبيه، (قُرة بن إياس) قال: "كُنَّا نُنْهى أن نَصُفَّ بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ، ونُطْردَ عنها طَرْدًا. فهو ضعيف، فإن هارون بن مسلم أبو مسلم البصري قال فيه أبو حاتم والذهبي: مجهول، وجعله الحافظ في درجة "مستور" والحديث في مسند أبي داود (١١٦٩).
وأما ابن حبان فذكر هارون بن مسلم في الثقات (٧/ ٥٨١) على قاعدته.
وأخرج الحديث شيخه ابن خزيمة (١٥٦٧) وعنه هو نفسه في صحيحه (٢٢١٩) من هذا الوجه. وأما أبو قتيبة فهو سَلْم بن قتيبة الشَعيري الخراساني، نزيل البصرة "صدوق" من رجال البخاري كما في التقريب.
قال البزار: "لا نعلم روي هذا الحديث عن قتادة إلا هارون" ذكره الحافظ في ترجمته في التهذيب. قال البيهقي رحمه الله تعالى (٣/ ١٠٤): لأن الإسطوانة تحول بينهم وبين وصل الصف، فإن كان منفردا ولم يجازوا ما بين السارتين لم يكره إن شاء الله تعالى لما رُوينا في الحديث الثابت عن ابن عمر قال: سألت بلالًا أين صلى رسول الله - يعني في الكعبة -. فقال: بين العمودين المقدمين".
٢٨ - باب كراهية من يصلي وحده خلف الصف
• عن وابصة بن معبد: "أن رجلًا صَلَّى خلفَ الصَفِّ وحده، فأمره النبيُّ ﷺ أن يُعيد الصلاةَ".
стр. 1469
حسن: رواه أبو داود (٦٨٢)، والترمذي (٢٣١) كلاهما من طريق شُعبة، عن عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة بن معبد فذكر الحديث.
اختلف علي وابصة. فقال بعضهم: حديث عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة أصح.
وقال بعضهم: حديث حصين، عن هلال بن يَساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد أصَحُّ.
قال الترمذي بعد أن نقل هذا الخلاف: وهذا عندي أصحُّ من حديث عمرو بن مرة، لأنه قد رُوي من غير حديث هلال بن يَساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة. انتهى.
وحديث زياد بن أبي الجعد رواه الترمذي (٢٣٠)، وابن ماجه (١٠٠٤) كلاهما من طريق حصين، عن هلال بن يَساف قال: أخذ زياد بن أبي الجَعد بيدي، ونحن بالرقَّةِ، فقام بي على شيخ يقال له: وابصة بن معبد من بني أسد، فقال زياد: حدثني هذا الشيخُ: "أن رجلًا صَلَّى خلف الصفِّ وحده - والشيخ يسمعُ - فأمره رسول الله ﷺ أن يُعيد الصلاة".
وقال البيهقي (٣/ ١٠٤) بعد أن روى عن عمرو بن مرة: "وخالفه حصين بن عبد الرحمن فرواه عن هلال بن يساف .. فروى من طريقه عن زياد بن أبي الجعد كما سبق.
قلت: وهذا إسناد حسن فإن زياد بن أبي الجعد الكوفي روى عن عمرو بن الحارث ووابصة، وعنه أخوه عبيد وهلال وثقه ابن حبان، وحسَّن حديثه الترمذي فهو توثيق له، على أنه قد توبع كما في الإسناد السابق، وإن كان فيه عمرو بن راشد الأشجعي مجهول، وجعله الحافظ في درجة مقبول" وصحّحه ابن حبان وأخرجه في صحيحه (٢٢٠٠).
زياد بن أبي الجعد في درجة "مقبول" لأنه توبع، إذ أن هلال بن يساف كان حاضرًا في المجلس عند ما قرأ زياد بن أبي الجعد الحديث على وابصة، وكان وابصة قد أقَرَّ ما قرئ عليه، فيكون هلال بن يساف ممن سمع الحديث قراءة على الشيخ مباشرة ولذا قال الترمذي: "هذا أصح عندي من حديث عمرو بن مرة".
وقال ابن حبان: "سمع هذا الخبر هلال بن يَساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة بن معبد، وسمعه من زياد بن أبي الجعد، عن وابصة، والطريقان جميعًا محفوظان" (٥/ ٥٧٨).
ولا يصح ما روي عن مقاتل بن حيان قال: قال النبي: إن جاء رجل فلم يجد أحدًا فليختلجْ إليه رجلًا من الصف فليقُم معه، فما أعظم أجرَ المختلَجِ" لأنه مرسل. رواه أبو داود في "المراسيل" (٨٣) عن الحسن بن علي، ثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجَّاج بن حسان، عن مقاتل بن حبَّان فذكر مثله. ورواه البيهقي (٣/ ١٠٥) عن أبي داود.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن الشعبي عن وابصة بزيادة أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا صلَّى خلف
стр. 1470
الصفوف وحده فقال: "أيها المصلي وحده ألا وصلت إلى الصف، أو جررتَ إليك رجلًا فقام معك، أعد الصلاة، فهو ضعيف، رواه البيهقي (٣/ ١٠٥) وقال: تفرد به السري بن إسماعيل وهو ضعيف".
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ٩٦) بعد أن عزاه لأبي يعلى: وفيه السري بن إسماعيل ضعيف".
وقال الحافظ في التقريب: "متروك" وهو الصواب، فقد قال فيه أحمد: ترك الناس حديثه، قال أبو حاتم: ذاهب، وقال أبو داود: ضعيف متروك الحديث، وقال النسائي، متروك الحديث.
ورويت هذه الزيادة بأسانيد أخرى ولكن كلها واهية.
وقد رُوي مثل هذا عن ابن عباس وأبي هريرة وكلّها ضعيفة لا يثبت منها شيء، انظر "مجمع الزوائد" (٢/ ٩٦).
• عن علي بن شيبان، وكان من الوفد قال: خرجنا حتى قدمنا على النبي ﷺ فبايعناه، وصلَّينا خلْفَه، ثم صلَّينا وراءَه صلاة أخرى، فقضى الصلاة. فرأى رجلًا فردًا يْصَلِّي خلْف الصّف قال: فوقف عليه نبي الله ﷺ حين انصرف فقال: "استقبل صلاتَك، ولا صلاةَ للذي خلف الصفِّ".
صحيح: رواه ابن ماجه (١٠٠٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، قال: حدثني عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه علي بن شيبان فذكره، وهو في مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ١٩٣).
قال البوصيري: "إسناده صحيح ورجاله ثقات".
وصحّحه ابن خزيمة (١٥٦٩)، وابن حبان (٢٢٠٢) فروياه من طريق ملازم بن عمرو به مثله.
ورواه الإمام أحمد (١٦٢٩٧) عن عبد الصمد وسُريج، قالا: حدثنا ملازم بن عمرو به إلا أنه جمع بين الحديثين. حديث الباب، وحديث آخر وهو: أن النبي ﷺ رأى رجلًا يُصلِّي ولا يُقيم صُلْبَه في الركوع والسجود فقال: "يا معشر المسلمين! إنه لا صلاة لمن لا يُقيم صُلْبَه في الركوع والسجود" وهذا الأخير ذُكر في باب الاعتدال في الركوع والسجود.
وعلي بن شيبان في سفره صلَّى عدة صلوات خلف رسول الله ﷺ فمرة روى القصة الأولى، ومرة روى القصة الثانية، ولعله مرة أخرى جمع بين القصتين.
وهذا الإسناد صحّحه ابن خزيمة (٥٩٣) فروى من طريق ملازم بن عمرو القصة الثانية فقط.
٢٩ - باب هل مدرك الرّكوع مدرك للرّكعة ؟
• عن أبي بكرة، أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فركع قبل أن يَصِل إلى الصَّفِّ، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "زادك الله حِرصًا، ولا تَعُدْ".
صحيح: رواه البخاري في الأذان (٧٨٣) عن موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا همام، عن
стр. 1471
الأعلم - وهو زياد - عن الحسن، عن أبي بكرة فذكره.
وروى أبو داود (٦٨٤) عن موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، أخبرنا زياد الأعلم به ولفظه: أن أبا بكرة جاء ورسول الله ﷺ راكع، فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف. فلما قضى النبي صلاته قال: أيكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف"؟ فقال أبو بكرة: أنا. فقال النبي ﷺ مثله.
وقد ثبت قبل هذا من فعل زيد بن ثابت أنه وجد الناس ركوعًا فركع، ثم دَبَّ حتى وصل الصفَّ رواه مالك في الموطأ، والبيهقي (٢/ ٩٠) وإسناده صحيح.
وروى البيهقي في سننه (٢/ ٩٠ - ٩١) من طريق زيد بن وهب قال: خرجت مع عبد الله بن مسعود من داره إلى المسجد، فلما توسطنا المسجد ركع الإمام، فكبَّر عبد الله وركع، وركعتُ معه، ثم مشينا راكعين حتى انتهينا إلى الصف حين رفع القوم رؤوسهم، فلما قضى الإمام الصلاة، قمتُ وأنا أرى أني لم أدرك، فأخذ عبد الله بيدي، وأجلسني ثم قال: إنك قد أدركت" وإسناده صحيح.
وفي الحديث دليل للجمهور القائلين بأن مدرك الركوع مدرك للركعة، لأن النبي ﷺ لم يأمر أبا بكرة بالإعادة، ولأنه لولا تُحسب هذه الركعة لما تحمل هذه المشقة.
وفي معناه ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا جئتُم إلى الصّلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدّوها شيئًا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة".
رواه أبو داود (٨٩٣) عن محمد بن يحيى بن فارس، أن سعيد بن الحكم حدثهم، أخبرنا نافع بن يزيد، حدثني يحيى بن أبي سليمان، عن زيد بن أبي العتَّاب وابن المقبري، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
ورواه ابن خزيمة (١٦٢٢) والحاكم (١/ ٢٧٣، ٢٧٤) وعنه البيهقي (٢/ ٨٩) من طريق يحيى بن أبي سليمان به مثله قال ابن خزيمة: "في القلب من هذا الإسناد، فإني كنت لا أعرف يحيى بن أبي سليمان بعدالة ولا جرح".
وقال الحاكم: يحيى بن أبي سليمان من ثقات المصريين، وقال في موضع آخر: مدني سكن مصر. انتهى.
والحاكم معروف بالتساهل في الحكم على الرجال. فإن يحيي هذا تكلم فيه كبار النقاد.
قال البخاري في "جزء القراءة": "يحيى هذا منكر الحديث، لم يتبين سماعه من زيد بن أبي العتَّاب، ولا من سعيد بن أبي سعيد المقبري، ولا تقوم به الحجة". وقال أبو حاتم: "مضطرب الحديث".
وقال البيهقي: تفرد به يحيى بن أبي سليمان المديني، وقد روي بإسناد آخر أضعف من ذلك عن أبي هريرة، وهو ما رواه هو، والدارقطني (٢/ ٣٤٦) من طريق ابن وهب، أخبرني يحيى بن حُميد، عن قرة بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: فمن أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يُقيم الإمام صُلْبَه".
قال أبو أحمد (ابن عدي الحافظ): "هذه الزيادة "قبل أن يُقيم الإمام صلبه" يقولها يحيى بن
стр. 1472
حميد، عن قُرة وهو مصري، وقال: سمعتُ ابن حماد يقول: قال البخاري: يحيى بن حميد عن قرة، عن ابن شهاب سمع منه ابن وهب مصري، لا يتابع في حديثه" انتهى بما في السنن الكبرى.
وفي الميزان: ضعَّفه الدارقطني.
وقرة بن عبد الرحمن أخرج له مسلم في الشواهد، وقال الجوزجاني: سمعت أحمد يقول: منكر الحديث جدًّا". وقال يحيي: "ضعيف الحديث". وقال أبو حاتم: "ليس بقوي".
وروى البيهقي من طريق شعبة، عن عبد العزيز بن رفيع، عن رجل، عن النبي ﷺ قال: "إذا جئتم والإمام راكع فاركعوا، وإن كان ساجدًا فاسجدوا ولا تعتدوا بالسجود إذا لم يكن معه الركوع" وفيه رجل لم يُسمّ وقد يكون صحابيا وقد يكون تابعيا. والله أعلم.
٣٠ - باب الرجل يأتم بالإمام وبينهما جدار
• عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل في حجرته وجدار الحجرة قصيرٌ، فرأى الناس شخص النبي ﷺ ، فقام أناسٌ يصلون بصلاته، فأصبحوا فتحدَّثوا بذلك، فقام ليلة الثانية، فقام معه أناسٌ يصلُّون بصلاته، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثًا، حتَّى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله ﷺ فلم يخرج، فلمَّا أصبح ذكر ذلك الناس، فقال: "إنِّي خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليلِ".
صحيح: رواه البخاري في الأذان (٧٢٩) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عمرة، عن عائشة فذكرته.
٣١ - باب ما جاء في إمامة النساء للنساء
• عن أم ورَقة بنت نوفل أن النبي ﷺ لما غزا بدرًا، قالت: يا رسول الله! ائذن لي في الغزو معك، أمَرِّضُ مرضاكم، لعل الله أن يرزقني شهادةً، قال: "قرِّي في بيتك، فإن الله تعالى يرزقك الشهادة".
قال: فكانت تسمى الشهيدة. قال: وكانت قد قرأتِ القرآن، فاستأذنت النبي ﷺ أن تتخذ في دارها مؤذِّنًا. فأذن لها، قال: وكانت قد دبَّرتْ غلامًا لها وجارية، فقاما إليها بالليل فغَمَّاها بقطيفةٍ لها حتى ماتتْ وذهبا. فأصبح عمر فقام في الناس، فقال: من كان عنده من هذين علم، أو من رآهما فليجيء بهما، فأمر بهما فصُلِبا. فكانا أول مصلوب بالمدينة.
وفي رواية: وكان رسول الله ﷺ يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذِّنًا يؤذِّنُ لها، وأمرها أن تؤم أهلَ دارها. قال عبد الرحمن: فأنا رأيتُ مؤذنها شيخًا كبيرًا.
стр. 1473
حسن: رواه أبو داود (٥٩١) وأحمد (٢٧٢٨٣) والدارقطني (١/ ٤٠٣) كلهم من حديث الوليد بن عبد الله بن جُميع، قال: حدَّثَتْني جدتي وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري، عن أم ورقة بنت نوفل فذكرت الحديث. كذا ذكره أبو داود عبدَ الرحمن بن خلاد مقرونا، والرواية الثانية رواها عن الحسن بن حماد الحضرمي، حدثنا محمد بن فُضيل، عن الوليد بن جميع، عن عبد الرحمن بن خلاد وحده، عنها.
الوليد بن جميع وثَّقه ابن معين والعجلي، وقال أحمد وأبو زرعة: ليس به بأس، وهو من رجال مسلم.
وجدة الوليد اسمها: ليلى بنت مالك لا تُعرف، وعبد الرحمن بن خلاد مجهول، إلا أن أحدهما يُقوِّي الآخر، قال النووي في الخلاصة (٢٣٤٦): رواه أبو داود ولم يضعفه.
ورواه ابن خزيمة في صحيحه (١٦٧٦)، والحاكم (١/ ٢٠٣) كلاهما من طريق الوليد بن جميع به، وسميا جدة الوليد بأنها: ليلى بنت مالك. قال الحاكم: قد احتج مسلم بالوليد بن جُميع وهذه سنة غريبة لا أعرف في الباب حديثًا مسندًا غير هذا، وقد رُوينا عن أم المؤمنين عائشة أنها كانت تؤذِّن، وتُقيم، وتؤم النساءَ" انتهى.
وحديث إمامة عائشة أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٤١)، والدارقطني (١/ ٤٠٤)، والبيهقي (٣/ ١٣١) كلهم من طريق سفيان الثوي. قال: حدثني ميسرة بن حبيب، عن رائطة الحنفية قالت: أَمَّتنا عائشةُ، فقامت بينهن في الصلاة المكتوبة، وعن حُجيرة قالت: "أمَّتنا أم سلمةَ في صلاة العصر فقامت بيننا".
قال النووي في "الخلاصة" (٢٣٥٧، ٢٣٥٨): رواهما الدارقطني والبيهقي بإسنادين صحيحين. ورواه الحاكم (١/ ٢٠٣ - ٢٠٤) من وجه آخر عن ليث، عن عطاء، عن عائشة.
قلت: فيه ليث وهو: ابن أبي سُليم ضعيف. إلا أنه توبع.
وفي الموضوع آثار أخرى ذكرها الزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ٣١ - ٣٢). انظر للمزيد: المنة الكبرى" (٢/ ١٠٧ - ١١٠).
وقد استحب الإمام أحمد أن تصلي المرأة بالنساء جماعة، وهو مذهب عائشة وأم سلمة والشافعي وإسحاق وغيرهم. المغني (٣/ ٣٧).
٣٢ - باب أمر النساء أن لا يرفعنَ رؤوسهُنَّ من السجود حتى يرفع الرجالُ
• عن سهل بن سعد قال: كان رجال يُصلُّون مع النبي ﷺ عاقِدي أزُرِهم على أعناقهم كهيئة الصبيان، وقال للنساء: "لا ترفعن رؤوسكنَّ حتى يستوي الرجالُ جلوسًا".
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٣٦٢) عن مسدد قال: حدثنا يحيي (وهو ابن سعيد) عن سفيان قال: حدثني أبو حازم، عن سهل فذكره.
стр. 1474
وفي رواية محمد بن كثير عن سفيان (٧١٤): فقيل للنساء "لا تَرفعنَّ رؤوسكُنَّ".
ورواه مسلم في الصلاة (٤٤١) من طريق وكيع، عن سفيان: وفيه: فقال قائل: "يا معشر النساء! لا ترفعن رؤوسَكُنَّ. فقيل: القائل هو النبي ﷺ ، وقيل: القائل هو: بلال مبلغ عن النبي ﷺ .
ورواه ابن خزيمة (١٦٩٥)، وابن حبان (٢٢١٦) من طريق بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي حازم عنه قال: كن النساء يُؤمرن في عهد رسول الله ﷺ في الصلاة أن لا يرفعنَّ رؤوسهُنَّ حتى يأخذ الرِّجالُ مقاعدهم من الأرض من ضيق الثياب.
• عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "من كان منكنَّ يؤمِنَّ بالله واليوم الآخر فلا ترفع رأسَها حتى يرفعَ الرجالُ رؤوسَهم".
صحيح: رواه أبو داود (٨٥١) حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، حدثنا عبد الرزاق، أنبانا معمر، عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري، عن مولى لأسماء بنت أبي بكر، عنها فذكرت الحديث.
هكذا قال أبو داود: مولى لأسماء، ومن طريقه رواه أيضًا البيهقي (٢/ ٢٤١).
ولكن في مصنف عبد الرزاق (٥١٠٩) ومن طريقه الإمام أحمد في مسنده (٢٦٩٤٧) "مولاة" لأسماء، ثم روى الإمام أحمد (٢٦٩٤٩) عن عبد الأعلى، عن معمر به وفيه: مولى لأسماء. وكذلك قال أيضًا في روايته (٢٦٩٥٠) عن عفان، عن وُهيب، عن النعمان بن راشد، عن أخي الزهري.
وقد عَيَّن الطبرانيُّ أن يكون هذا المولى هو: عبد الله بن كيسان، فأخرج هذه الأحاديث في مسند عبد الله مولى أسماء، عن أسماء.
انظر: "المعجم الكبير" (٢٤/ ٩٧ - ٩٨).
فإن صحَّ أن يكون هذا غير مسمى هو: عبد الله بن كيسان فيكون الإسناد صحيحًا، لأن عبد الله بن كيسان من كبار التابعين، روى عنه الجماعة.
• * *
стр. 1475
جموع أبواب صلاة الجماعة
١ - باب فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ ّ
• عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الجماعة تفضُل صلاة الفذِّ بسبع وعشرين درجة".
متفق عليه: رواه مالك في صلاة الجماعة (١) عن نافع، عن عبد الله بن عمر فذكر مثله.
ورواه البخاري في الأذان (٦٤٥) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في المساجد (٦٥٠) عن يحيى بن يحيى - كلاهما عن مالك به.
ورواه الضحاك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ فقال: "بضعًا وعشرين".
قال الترمذي (٢١٥) هكذا روي نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "تفضلُ صلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة" وعامة من روي عن النبي ﷺ إنما قالوا: "خمس وعشرين" إلا ابن عمر فإنه قال: "بسبع وعشرين". وقال أيضًا: "حديث ابن عمر حسن صحيح".
قلت: رواه الضحاك عن نافع، عن ابن عمر عند مسلم فقال: "بضْعًا وعشرين" وهي تشمل الرواتين: سبعًا وعشرين"، و"خمسًا وعشرين"، فتكون رواية "بضعا وعشرين" هي الأصل و"سبعًا وعشرين" و"خمسا وعشرين" تفصيل الإجمال، فمرة قال بهذا، ومرة بهذا وإن كانت رواية "خمسًا وعشرين" تترجح على رواية "سبعًا وعشرين" لكثرتها.
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الجماعة أفضلُ من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءًا".
متفق عليه: رواه مالك في صلاة الجماعة (٢) عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكره. ورواه مسلم في المساجد (٦٤٩/ ٢٧٥) عن يحيى بن يحيى، عن مالك به مثله.
ورواه البخاري في الأذان (٦٤٨)، ومسلم من طريق الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وقرنه البخاري لأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تفضل صلاةُ الجميع صلاةَ أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءًا، وتجتمع ملائكةُ الليل، وملائكةُ النهار في صلاة الفجر" ثم يقول أبو هريرة: فاقرأوا إن شتم: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
• عن أبي هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الرجل في الجماعة تُضَعَّف على صلاته في بيته، وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسنَ
следующие страницы →