Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
الأعلم - وهو زياد - عن الحسن، عن أبي بكرة فذكره.
وروى أبو داود (٦٨٤) عن موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، أخبرنا زياد الأعلم به ولفظه: أن أبا بكرة جاء ورسول الله ﷺ راكع، فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف. فلما قضى النبي صلاته قال: أيكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف"؟ فقال أبو بكرة: أنا. فقال النبي ﷺ مثله.
وقد ثبت قبل هذا من فعل زيد بن ثابت أنه وجد الناس ركوعًا فركع، ثم دَبَّ حتى وصل الصفَّ رواه مالك في الموطأ، والبيهقي (٢/ ٩٠) وإسناده صحيح.
وروى البيهقي في سننه (٢/ ٩٠ - ٩١) من طريق زيد بن وهب قال: خرجت مع عبد الله بن مسعود من داره إلى المسجد، فلما توسطنا المسجد ركع الإمام، فكبَّر عبد الله وركع، وركعتُ معه، ثم مشينا راكعين حتى انتهينا إلى الصف حين رفع القوم رؤوسهم، فلما قضى الإمام الصلاة، قمتُ وأنا أرى أني لم أدرك، فأخذ عبد الله بيدي، وأجلسني ثم قال: إنك قد أدركت" وإسناده صحيح.
وفي الحديث دليل للجمهور القائلين بأن مدرك الركوع مدرك للركعة، لأن النبي ﷺ لم يأمر أبا بكرة بالإعادة، ولأنه لولا تُحسب هذه الركعة لما تحمل هذه المشقة.
وفي معناه ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا جئتُم إلى الصّلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدّوها شيئًا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة".
رواه أبو داود (٨٩٣) عن محمد بن يحيى بن فارس، أن سعيد بن الحكم حدثهم، أخبرنا نافع بن يزيد، حدثني يحيى بن أبي سليمان، عن زيد بن أبي العتَّاب وابن المقبري، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
ورواه ابن خزيمة (١٦٢٢) والحاكم (١/ ٢٧٣، ٢٧٤) وعنه البيهقي (٢/ ٨٩) من طريق يحيى بن أبي سليمان به مثله قال ابن خزيمة: "في القلب من هذا الإسناد، فإني كنت لا أعرف يحيى بن أبي سليمان بعدالة ولا جرح".
وقال الحاكم: يحيى بن أبي سليمان من ثقات المصريين، وقال في موضع آخر: مدني سكن مصر. انتهى.
والحاكم معروف بالتساهل في الحكم على الرجال. فإن يحيي هذا تكلم فيه كبار النقاد.
قال البخاري في "جزء القراءة": "يحيى هذا منكر الحديث، لم يتبين سماعه من زيد بن أبي العتَّاب، ولا من سعيد بن أبي سعيد المقبري، ولا تقوم به الحجة". وقال أبو حاتم: "مضطرب الحديث".
وقال البيهقي: تفرد به يحيى بن أبي سليمان المديني، وقد روي بإسناد آخر أضعف من ذلك عن أبي هريرة، وهو ما رواه هو، والدارقطني (٢/ ٣٤٦) من طريق ابن وهب، أخبرني يحيى بن حُميد، عن قرة بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: فمن أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يُقيم الإمام صُلْبَه".
قال أبو أحمد (ابن عدي الحافظ): "هذه الزيادة "قبل أن يُقيم الإمام صلبه" يقولها يحيى بن
стр. 1472
حميد، عن قُرة وهو مصري، وقال: سمعتُ ابن حماد يقول: قال البخاري: يحيى بن حميد عن قرة، عن ابن شهاب سمع منه ابن وهب مصري، لا يتابع في حديثه" انتهى بما في السنن الكبرى.
وفي الميزان: ضعَّفه الدارقطني.
وقرة بن عبد الرحمن أخرج له مسلم في الشواهد، وقال الجوزجاني: سمعت أحمد يقول: منكر الحديث جدًّا". وقال يحيي: "ضعيف الحديث". وقال أبو حاتم: "ليس بقوي".
وروى البيهقي من طريق شعبة، عن عبد العزيز بن رفيع، عن رجل، عن النبي ﷺ قال: "إذا جئتم والإمام راكع فاركعوا، وإن كان ساجدًا فاسجدوا ولا تعتدوا بالسجود إذا لم يكن معه الركوع" وفيه رجل لم يُسمّ وقد يكون صحابيا وقد يكون تابعيا. والله أعلم.
٣٠ - باب الرجل يأتم بالإمام وبينهما جدار
• عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل في حجرته وجدار الحجرة قصيرٌ، فرأى الناس شخص النبي ﷺ ، فقام أناسٌ يصلون بصلاته، فأصبحوا فتحدَّثوا بذلك، فقام ليلة الثانية، فقام معه أناسٌ يصلُّون بصلاته، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثًا، حتَّى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله ﷺ فلم يخرج، فلمَّا أصبح ذكر ذلك الناس، فقال: "إنِّي خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليلِ".
صحيح: رواه البخاري في الأذان (٧٢٩) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عمرة، عن عائشة فذكرته.
٣١ - باب ما جاء في إمامة النساء للنساء
• عن أم ورَقة بنت نوفل أن النبي ﷺ لما غزا بدرًا، قالت: يا رسول الله! ائذن لي في الغزو معك، أمَرِّضُ مرضاكم، لعل الله أن يرزقني شهادةً، قال: "قرِّي في بيتك، فإن الله تعالى يرزقك الشهادة".
قال: فكانت تسمى الشهيدة. قال: وكانت قد قرأتِ القرآن، فاستأذنت النبي ﷺ أن تتخذ في دارها مؤذِّنًا. فأذن لها، قال: وكانت قد دبَّرتْ غلامًا لها وجارية، فقاما إليها بالليل فغَمَّاها بقطيفةٍ لها حتى ماتتْ وذهبا. فأصبح عمر فقام في الناس، فقال: من كان عنده من هذين علم، أو من رآهما فليجيء بهما، فأمر بهما فصُلِبا. فكانا أول مصلوب بالمدينة.
وفي رواية: وكان رسول الله ﷺ يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذِّنًا يؤذِّنُ لها، وأمرها أن تؤم أهلَ دارها. قال عبد الرحمن: فأنا رأيتُ مؤذنها شيخًا كبيرًا.
стр. 1473
حسن: رواه أبو داود (٥٩١) وأحمد (٢٧٢٨٣) والدارقطني (١/ ٤٠٣) كلهم من حديث الوليد بن عبد الله بن جُميع، قال: حدَّثَتْني جدتي وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري، عن أم ورقة بنت نوفل فذكرت الحديث. كذا ذكره أبو داود عبدَ الرحمن بن خلاد مقرونا، والرواية الثانية رواها عن الحسن بن حماد الحضرمي، حدثنا محمد بن فُضيل، عن الوليد بن جميع، عن عبد الرحمن بن خلاد وحده، عنها.
الوليد بن جميع وثَّقه ابن معين والعجلي، وقال أحمد وأبو زرعة: ليس به بأس، وهو من رجال مسلم.
وجدة الوليد اسمها: ليلى بنت مالك لا تُعرف، وعبد الرحمن بن خلاد مجهول، إلا أن أحدهما يُقوِّي الآخر، قال النووي في الخلاصة (٢٣٤٦): رواه أبو داود ولم يضعفه.
ورواه ابن خزيمة في صحيحه (١٦٧٦)، والحاكم (١/ ٢٠٣) كلاهما من طريق الوليد بن جميع به، وسميا جدة الوليد بأنها: ليلى بنت مالك. قال الحاكم: قد احتج مسلم بالوليد بن جُميع وهذه سنة غريبة لا أعرف في الباب حديثًا مسندًا غير هذا، وقد رُوينا عن أم المؤمنين عائشة أنها كانت تؤذِّن، وتُقيم، وتؤم النساءَ" انتهى.
وحديث إمامة عائشة أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٤١)، والدارقطني (١/ ٤٠٤)، والبيهقي (٣/ ١٣١) كلهم من طريق سفيان الثوي. قال: حدثني ميسرة بن حبيب، عن رائطة الحنفية قالت: أَمَّتنا عائشةُ، فقامت بينهن في الصلاة المكتوبة، وعن حُجيرة قالت: "أمَّتنا أم سلمةَ في صلاة العصر فقامت بيننا".
قال النووي في "الخلاصة" (٢٣٥٧، ٢٣٥٨): رواهما الدارقطني والبيهقي بإسنادين صحيحين. ورواه الحاكم (١/ ٢٠٣ - ٢٠٤) من وجه آخر عن ليث، عن عطاء، عن عائشة.
قلت: فيه ليث وهو: ابن أبي سُليم ضعيف. إلا أنه توبع.
وفي الموضوع آثار أخرى ذكرها الزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ٣١ - ٣٢). انظر للمزيد: المنة الكبرى" (٢/ ١٠٧ - ١١٠).
وقد استحب الإمام أحمد أن تصلي المرأة بالنساء جماعة، وهو مذهب عائشة وأم سلمة والشافعي وإسحاق وغيرهم. المغني (٣/ ٣٧).
٣٢ - باب أمر النساء أن لا يرفعنَ رؤوسهُنَّ من السجود حتى يرفع الرجالُ
• عن سهل بن سعد قال: كان رجال يُصلُّون مع النبي ﷺ عاقِدي أزُرِهم على أعناقهم كهيئة الصبيان، وقال للنساء: "لا ترفعن رؤوسكنَّ حتى يستوي الرجالُ جلوسًا".
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٣٦٢) عن مسدد قال: حدثنا يحيي (وهو ابن سعيد) عن سفيان قال: حدثني أبو حازم، عن سهل فذكره.
стр. 1474
وفي رواية محمد بن كثير عن سفيان (٧١٤): فقيل للنساء "لا تَرفعنَّ رؤوسكُنَّ".
ورواه مسلم في الصلاة (٤٤١) من طريق وكيع، عن سفيان: وفيه: فقال قائل: "يا معشر النساء! لا ترفعن رؤوسَكُنَّ. فقيل: القائل هو النبي ﷺ ، وقيل: القائل هو: بلال مبلغ عن النبي ﷺ .
ورواه ابن خزيمة (١٦٩٥)، وابن حبان (٢٢١٦) من طريق بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي حازم عنه قال: كن النساء يُؤمرن في عهد رسول الله ﷺ في الصلاة أن لا يرفعنَّ رؤوسهُنَّ حتى يأخذ الرِّجالُ مقاعدهم من الأرض من ضيق الثياب.
• عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "من كان منكنَّ يؤمِنَّ بالله واليوم الآخر فلا ترفع رأسَها حتى يرفعَ الرجالُ رؤوسَهم".
صحيح: رواه أبو داود (٨٥١) حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، حدثنا عبد الرزاق، أنبانا معمر، عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري، عن مولى لأسماء بنت أبي بكر، عنها فذكرت الحديث.
هكذا قال أبو داود: مولى لأسماء، ومن طريقه رواه أيضًا البيهقي (٢/ ٢٤١).
ولكن في مصنف عبد الرزاق (٥١٠٩) ومن طريقه الإمام أحمد في مسنده (٢٦٩٤٧) "مولاة" لأسماء، ثم روى الإمام أحمد (٢٦٩٤٩) عن عبد الأعلى، عن معمر به وفيه: مولى لأسماء. وكذلك قال أيضًا في روايته (٢٦٩٥٠) عن عفان، عن وُهيب، عن النعمان بن راشد، عن أخي الزهري.
وقد عَيَّن الطبرانيُّ أن يكون هذا المولى هو: عبد الله بن كيسان، فأخرج هذه الأحاديث في مسند عبد الله مولى أسماء، عن أسماء.
انظر: "المعجم الكبير" (٢٤/ ٩٧ - ٩٨).
فإن صحَّ أن يكون هذا غير مسمى هو: عبد الله بن كيسان فيكون الإسناد صحيحًا، لأن عبد الله بن كيسان من كبار التابعين، روى عنه الجماعة.
• * *
стр. 1475
جموع أبواب صلاة الجماعة
١ - باب فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ ّ
• عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الجماعة تفضُل صلاة الفذِّ بسبع وعشرين درجة".
متفق عليه: رواه مالك في صلاة الجماعة (١) عن نافع، عن عبد الله بن عمر فذكر مثله.
ورواه البخاري في الأذان (٦٤٥) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في المساجد (٦٥٠) عن يحيى بن يحيى - كلاهما عن مالك به.
ورواه الضحاك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ فقال: "بضعًا وعشرين".
قال الترمذي (٢١٥) هكذا روي نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "تفضلُ صلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة" وعامة من روي عن النبي ﷺ إنما قالوا: "خمس وعشرين" إلا ابن عمر فإنه قال: "بسبع وعشرين". وقال أيضًا: "حديث ابن عمر حسن صحيح".
قلت: رواه الضحاك عن نافع، عن ابن عمر عند مسلم فقال: "بضْعًا وعشرين" وهي تشمل الرواتين: سبعًا وعشرين"، و"خمسًا وعشرين"، فتكون رواية "بضعا وعشرين" هي الأصل و"سبعًا وعشرين" و"خمسا وعشرين" تفصيل الإجمال، فمرة قال بهذا، ومرة بهذا وإن كانت رواية "خمسًا وعشرين" تترجح على رواية "سبعًا وعشرين" لكثرتها.
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الجماعة أفضلُ من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءًا".
متفق عليه: رواه مالك في صلاة الجماعة (٢) عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكره. ورواه مسلم في المساجد (٦٤٩/ ٢٧٥) عن يحيى بن يحيى، عن مالك به مثله.
ورواه البخاري في الأذان (٦٤٨)، ومسلم من طريق الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وقرنه البخاري لأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تفضل صلاةُ الجميع صلاةَ أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءًا، وتجتمع ملائكةُ الليل، وملائكةُ النهار في صلاة الفجر" ثم يقول أبو هريرة: فاقرأوا إن شتم: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
• عن أبي هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الرجل في الجماعة تُضَعَّف على صلاته في بيته، وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسنَ
стр. 1476
الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يُخرجه إلا الصلاةُ، لم يخطُ خُطوةّ إلا رُفِعتْ له بها درجةٌ، وحُطَّ عنه بها خطيئةٌ، فإذا صلَّى لم تزلِ الملائكهُ تُصَلِّي عليه ما دام في مُصلَّاه. اللَّهم صَلِّ عليه، اللَّهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاةٍ ما انتظر الصَّلاة".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٤٧) واللفظ له، ومسلم في المساجد (١٤٩) كلاهما عن الأعمش، قال: سمعتُ أبا صالح يقول: سمعتُ أبا هريرة فذكر الحديث، وزاد مسلم: "ما لم يؤذِ فيه. ما لم يُحدثْ فيه".
• عن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي ﷺ يقول: "صلاة الجماعة تفضلُ صلاةَ الفَذِّ بخمس وعشرين درجة".
صحيح: رواه البخاري في الأذان (٦٤٦) عن عبد الله بن يوسف، أخبرنا الليث، حدثني ابن الهاد، عن عبد الله بن خَبَّاب، عن أبي سعيد فذكره.
وزاد أبو داود (٥٦٠)، في روايته فقال فيه: "فإن صلَّاها في فَلاةٍ، فأتم ركوعها وسجودَها بلغت خمسين صلاة" رواه من حديث هلال بن ميمون الجُهني، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدري فذكره. وهلال بن ميمون مختلف فيه غير أنه "صدوق" كما قال الحافظ في التقريب إلا أنه أتى بزيادة منكرة وهي قوله: "خمسين صلاة" فإنه لم يوافقه عليه أحد.
• عن أنس عن النبي ﷺ قال: "تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذِّ، أو صلاة الرجل وحده خمسًا وعشرين صلاة".
حسن: رواه البزار - الكشف (٤٥٩) عن عبد الملك بن محمد الرقاشي، ثنا حجاج بن المنهال، ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أنس فذكره.
قال البزار: لا نعلم رواه عن عاصم عن أنس إلا حماد بن سلمة وقال: وحدثنا عبد السلام بن شُعيب بن الحبحاب، عن أبيه، عن أنس فذكر نحوه.
قلت: ورواه أيضًا الطبراني في الأوسط (٢١٩٩) عن أحمد، قال: حدثنا وهب بن يحيى بن زِمام العلَّاف، قال: حدثنا عبد السلام بن شعيب بن الحَبْحاب به مثله.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن شعيب إلا ابنه عبد السلام.
قلت: ليس كما قال، فللحديث إسناد آخر كما رأيت.
قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣٨): "رجال البزار رجال ثقات".
قلت: وهو كما قال، إلا عبد السلام بن شُعيب فإنه "صدوق" كما في التقريب.
وأحمد شيخ الطبراني هو: ابن يحيى بن زهير التستري ثقة زاهد، له ترجمة في تذكرة الحفاظ، توفي سنة (٣١٠ هـ).
стр. 1477
قلت: وأما ما جاء في فضل الجماعة على الفذ بخمس وعشرين، وفي حديث آخر بسبع وعشرين فلا تضاد فيهما لاحتمال أن يكون الله جعل أولًا خمسًا وعشرين درجة، ثم زاد جزءين آخرين فجعل سبعًا وعشرين، والله ذو الفضل العظيم.
• عن أبيّ بن كعب قال: صلى بنا رسولُ الله ﷺ يومًا الصبح فقال: "أشاهد فلان"؟ قالوا: لا، قال: "أشاهد فلان؟ " قالوا: لا، قال: "إن هاتين الصلاتين أثقلُ الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموها ولو حبوًا على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتُم ما فضيلته لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثُر فهو أحبُّ إلى الله تعالى".
حسن: رواه أبو داود (٥٥٤) عن حفص بن عمر، والنسائي (٨٤٤) عن خالد بن الحارث، كلاهما عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن أبي بصير، عن أبي بن كعب، هكذا في سند أبي داود، وفي سند النسائي: عن شعبة، عن أبي إسحاق أنه أخبرهم عن عبد الله بن أبي بصير، عن أبيه - قال شعبة: وقال أبو إسحاق: وقد سمعته منه، ومن أبيه - قال: سمعت أبي بن كعب فذكره.
وعبد الله بن أبي بصير العبدي وثَّقه العجلي وابن حبان.
وأما أبوه، وهو أبو بصير فلم يُوثقه غير ابن حبان، ولذا جعله الحافظ في درجة "مقبول" أي: إذا توبع، على أن الإسناد ثابت بدون واسطته، فقد رواه أيضًا أحمد (٢١٢٦٥) وابن حبان (٢٠٥٦) والحاكم في المستدرك (١/ ٢٤٧) كلهم من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن أبي بصير، عن أبيّ بن كعب به مثله.
قال الحاكم: "وقد حكم أئمة الحديث: يحيى بن معين وعلي بن المديني ومحمد بن يحيى الذهلي وغيرهم لهذا الحديث بالصحة".
وأبو إسحاق مدلس، ولكنَّه صرح بالتحديث كما أن شعبة روى عنه وهو القائل: كفيتكم تدليس ثلاثة، منهم أبو إسحاق، كما أنَّه صرح بالسماع عند أحمد وابن خزيمة (١٤٧٦ - ١٤٧٧).
ورواه ابن ماجة (٧٩٠) مختصرًا عن محمد بن معمر، قال: حدثنا أبو بكر الحنفي، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن عبد الله بن أبي بصير، عن أبيه، عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاة الرّجل وحده أربعًا وعشرين، أو خمسًا وعشرين درجة".
وفي الباب حديث قُباث بن أَشْيم الليثي: رواه إسحاق بن راهويه، ثنا عيسى بن يونس، عن ثور بن يزيد، عن يونس بن سيف، عن عبد الرحمن بن زياد، عن قباث بن أَشْيم الليثي، عن رسول الله ﷺ قال: الصلاة الرجلين يؤمُّ أحدُهما صاحبَه أزكى عند الله من صلاة أربعة تترى، وصلاة أربعة
стр. 1478
يؤمُّهم أحدُهم أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى، وصلاة ثمانية يؤمُّ أحدُهم أزكى عند الله من صلاة مائة تترى".
رواه الطبراني في الكبير (١٩/ ٣٦) عن موسى بن هارون، عن إسحاق بن راهويه به.
ورواه أيضًا البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ١٩٢ - ١٩٣) والبزار "كشف الأستار" (٤٦١)، والحاكم (٣/ ٦٢٥)، والبيهقي (٣/ ٦١) كلهم من طرق عن يونس بن سيف به مثله.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢١٤٢): رواه البزار والطبراني في الكبير، ورجال الطبراني موثقون.
قلت: فيه عبد الرحمن بن زياد "مقبول" وحيث لم أجد من تابعه فهو "ليَّن الحديث" ولكن اصطلح الهيثمي أن يقول في مثله: رجاله موثقون، اعتمادا على توثيق ابن حبان.
• عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "فضلُ صلاة الرجل في الجمع على صلاته - يعني وحده - خمسًا وعشرين صلاة".
صحيح: رواه البزار "كشف الأستار" (٤٥٥) حدثنا محمد بن المثنى وعمرو بن علي قالا: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن قتادة، عن عُقبة بن وسَّاج، عن أبي الأحوص، عن عبد الله فذكره.
ورواه الطبراني في الكبير (١٠١٠٠) من طريق الإمام أحمد، عن محمد بن جعفر به مثله. وهو في المسند (٤١٥٨) ولكن سقط في الإسناد "قتادة" بين شعبة وعقبة بن وسَّاج، فصار شعبة يروي عن عقبة بن وساج، وهو شيء مستبعد فإن شعبة وُلد في السنة التي مات فيها عقبة بن وسَّاج، وهي سنة اثنتين وثمانين، قال الحافظ في التقريب: "عقبة بن وسَّاج قتل بعد الثمانين".
وصحّحه ابن خزيمة (١٤٧٠) فرواه من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة، عن عقبة بن وسَّاج به مثله.
وتابع شعبةَ همامُ، قال: أخبرنا قتادة، عن مُوَرِّق، عن أبي الأحوص الجُشمي، عن ابن مسعود: "أن النبي ﷺ كان يُفَضِّل صلاةَ الجميع على صلاةِ الرجل وحده بخمس وعشرين صلاةً، كلها مثل صلاته".
رواه الإمام أحمد (٤١٥٩) عن بهز (هو ابن أسد العمي) عن همام (وهو ابن يحيى العوذي) به مثله. ورواه الطبراني في الكبير (١٠٠٩٩)، والأوسط (٢٦١٨) من طريق همام به مثله.
قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٢٢): سألت أبي عن حديث رواه شعبة، عن قتادة، عن عُقبة بن وسَّاج، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "تفضلُ صلاةُ الجميع على صلاة الرجل وحده" ورواه همام وسعيد بن بشير، عن قتادة، عن مورِّق العجلي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي ﷺ ، ورواه أبان، عن قتادة، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ .
قلت لأبي: أيهما الأصح؟ قال: حديث شعبة لأنه أحفظ". انتهى.
стр. 1479
وفي الباب عن عبد الله بن زيد وصُهيب وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وأبي الدرداء وجابر وأبي سعيد الخدري. وغيرهم، وفي جميعها مقال.
٢ - باب ما روي في فضيلة أربعين صلاة في جماعة
لم يثبت في هذا الباب شيءٌ، وأما ما روى "من صلَّى أربعين يومًا في جماعة، يُدرك التكبيرةَ الأولى كتبتْ له براءتان: براءةٌ من النار، وبراءةٌ من النفاق" فهو مختلف في رفعه ووقفه.
رواه الترمذي (٢٤١) من طريق سلْم بن قتيبة، عن طُعمة بن عمرو، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أنس مرفوعًا. قال الترمذي: "وقد رُوي هذا الحديث عن أنس موقوفًا، ولا أعلم أحدًا رفعه إلا ما روي سلم بن قتيبة، عن طُعمة بن عمر [عن حبيب بن أبي ثابت] عن أنس، وإنما يُروى هذا الحديث عن حبيب بن أبي حبيب البجلي، عن أنس قوله". انتهى.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حبيب هذا من هو؟ فقال: "لا أدري". "العلل" (٣٨٧).
وكذلك ما روي عن أنس مرفوعًا: "من صلى في مسجدي أربعين صلاةً، لا يفوتُه صلاةٌ كُتِبَتُ له براءةٌ من النار، ونجاةٌ من العذاب، وبرئَ من النفاق" رواه الإمام أحمد (١٢٥٨٣)، والطبراني في الأوسط (٥٤٤٠) وفيه نبيط بن عمرو لم يوثِّقه غير ابن حبان.
وقال سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى: "ضعيف عند أهل التّحقيق فلا يعتمد عليه".
فتاواه (١٦/ ٤٠٦). وانظر للمزيد: "المنة الكبرى" (٤/ ٤١٧ - ٤٢٠).
وخلاصة القول في هذا أن بعض العلماء جوزوا العمل بالحديث الضعيف الذي فيه ضعف بسير إذا كان يندرج تحت أصل ثابت فقالوا: لا بأس للحاج الذي قصد الصلاة في مسجد النبي ﷺ أن يواظب على أداء أربعين صلاة فيه، لأنه مأمور بأداء الصلاة بالجماعة حيث ما كان.
٣ - باب ما جاء في وجوب صلاة الجماعة والتشديد في تركها بغير عذر
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده! لقد هممتُ أن آمر بحطَبٍ فيُحطَبَ، ثم آمر بالصلاة فيؤذَّن لها، ثم آمرَ رجلًا فيؤُمَّ الناس، ثم أخالفَ إلى رجال، فأحرِّق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده! لو يعلم أحدكم أنه يجد عظْمًا سَمِينًا، أو مِرماتين حسنتين لشهد العشاء".
متفق عليه: رواه مالك في صلاة الجماعة (٣) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. ورواه البخاري في الأذان (٦٤٤) عن عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك به.
ورواه مسلم في المساجد (٦٥١) عن عمرو الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد به وزاد في أول الحديث: "أن رسول الله ﷺ فقد ناسًا في بعض الصلوات"، فقال: فذكر الحديث.
стр. 1480
ولم يذكر: المرماتين.
والمرماة: ما بين ظِلْفَي الشاة. قال أبو عبيد: لا أدري ما وجهُه، إِلَّا أنه هكذا يُفسر. وقال ابن الأعرابي: المِرماة: السهم الذي يُرمي به "شرح السنة" (٣/ ٣٤٥).
• عن أم الدّرداء تقول: دخل عليّ أبو الدّرداء وهو مُغَضَبٌ، فقلتُ: ما أغضبَك؟ فقال: والله! ما أعرف من أمة محمد ﷺ شيئًا إِلَّا أنهم يُصَلُّون جميعًا.
صحيح: رواه البخاريّ في الأذان (٦٥٠) عن عمر بن حفص، قال: حَدَّثَنَا أبيّ، قال: حَدَّثَنَا الأعمش، قال: سمعتُ سالمًا قال: سمعتُ أم الدّرداء، فذكرت مثله.
وسالم هو: ابن أبي الجعد. وأم الدّرداء: هي الصغرى التابعية، لا الكبرى الصّحابية، لأن الكبرى ماتت في حياة أبي الدّرداء، وعاشت الصغرى بعده زمانًا طويلًا.
وقد جزم أبو حاتم بأن سالم بن أبي الجعد لم يدرك أبا الدّرداء، فعلى هذا لم يدرك أمّ الدّرداء الكبرى. واسم الصغرى: هُجيمة، واسم الكبرى: خيرة.
• عن عبد الله بن مسعود أن النَّبِيّ ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هممتُ أن آمر رجلًا يُصلي بالناس، ثمّ أحرِّق على رجال يتخلَّفُون عن الجمعة بيوتهم".
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٥٢) من طريق أبي إسحاق، عن أبي الأحوض، سمعه منه، عن عبد الله بن مسعود فذكر مثله.
قال البيهقيّ (٣/ ٥٦): "والذي يدل عليه سائر الروايات أنه عبَّر بالجمعة عن الجماعة".
• عن عبد الله بن مسعود أنه قال: من سَرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنَادَي بهن، فإن الله شرع لنبيكم سُنن الهُدى، وإنَّهن من سُنن الهُدى، ولو أنكم صلَّيتُم في بيوتكم كما يُصلِّي هذا المتخلف في بيته لتركتُم سنة نبيكم. ولو تركتُم سنة نبيكم لضللتُم. وما من رجل يتطهر فيُحسن الطُّهور، ثمّ يعمدُ إلى مسجد من هذه المساجد إِلَّا كتب الله له بكل خطوةً يخطوها حسنةً، ويرفعه بها درجةً، ويحطُّ عنه بها سيئةً. ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إِلَّا منافق معلومُ النفاق، ولقد كان الرّجل يُؤتى به يهادى بين الرجلين حتَّى يُقامَ في الصفِّ.
صحيح: أخرجه مسلم في المساجد (٦٥٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا الفضل بن دُكين، عن أبي العُميس، عن عليّ بن الأقمر، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود فذكره.
ورواه أيضًا من وجه آخر عن عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص عنه قال: "لقد رأيتُنا وما يتخلف عن الصّلاة إِلَّا منافق، قد علم نفاقه. أو مريض. إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصّلاة، وقال: "إن رسول الله ﷺ علَّمَنا سننَ الهدى. وإن من سنن الهديّ، الصّلاةُ
стр. 1481
المسجد الذي يؤذَّنُ فيه". انتهى.
• عن أبي الدّرداء قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقامُ فيهم الصّلاةُ إِلَّا قد استحوذ عليهم الشّيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئبُ القاصيةَ".
حسن: رواه أبو داود (٥٤٧)، والنسائي (٨٤٨) كلاهما من طريق زائدة بن قدامة قال: حَدَّثَنَا السائب بن حبيش الكلاعيّ، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: قال لي أبو الدّرداء: أين مسكنك؟ قلت: في قرية دُوين حمص، فقال أبو الدّرداء: فذكر الحديث.
قال زائدة: قال السائب: يعني بالجماعة، الصّلاة في الجماعة، وأخرجه ابن خزيمة (١٤٨٦)، والحاكم (١/ ٢٤٦) كلاهما من طريق زائدة.
قال الحاكم: صحيح الإسناد. وقال النوويّ في "الخلاصة" (٢٢٦١): رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح.
قلت: رجاله ثقات غير السائب بن حبيش الكلاعي الحمصي فهو "حسن الحديث"، وثَّقه العجلي وابن حبان، وقال الدَّارقطنيّ: صالح الحديث.
وقد سبق التخريج بالتفصيل في باب تأكيد الأذان.
أخذ الإمام أحمد بهذه الأحاديث فقال بوجوب صلاة الجماعة إِلَّا أنه نص على أن الجماعة ليست شرطا لصحة الصّلاة، وذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى فضيلة صلاة الجماعة على صلاة الفذ.
٤ - باب ما جاء في حضور الجماعة على من سمع النداء
• عن أبي هريرة قال: أتى النَّبِيّ ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله! إنه ليس لي قائد يقودُني إلى المسجد. فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فيُصلِّي في بيته. فرخَّص له. فلمّا ولَّى دعاه فقال: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ " فقال: نعم. قال: "فَأَجِبْ".
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٥٣) من طريق مروان القراريّ، عن عبيد الله بن الأصمِّ، قال: حَدَّثَنَا يزيد بن الأصَمِّ، عن أبي هريرة فذكره.
وهذا الأعمى هو: ابن أم مكتوم كما جاء في الرواية الآتية.
• عن ابن أم مكتوم أنه سأل النَّبِيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني. فهل لي رخصةٌ أن أصلِّيَ في بيتي؟ . قال: "هل تسمع النداء؟ " قال: نعم، قال: "لا أجد لك رخصة".
حسن: رواه أبو داود (٥٥٢)، وابن ماجة (٧٩٢) كلاهما من طريق عاصم بن بهدلة، عن أبي
стр. 1482
رَزين، عن ابن أم مكتوم فذكره.
وإسناده حسن، وأبو رَزين هو: مسعود بن مالك الأسدي ثقة فاضل من رجال مسلم.
وعاصم بن بهدلة "صدوق له أوهام حجة في القراءة"، وحديثه في الصحيحين مقرون.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا ابن خزيمة (١٤٨٠)، والحاكم (١/ ٢٤٧) من طريق عاصم به.
ورواه أيضًا أبو داود (٥٥٣)، والنسائي (٨٥٢) من طريق سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله! إن المدينة كثيرةُ الهوام والسِّباع، فقال النَّبِيّ ﷺ : "أتسمع حيَّ على الصّلاة، حيَّ على الفلاح؟ قال: نعم، قال: "فحيَّ هلا" ولم يرخص له.
قال أبو داود: وكذا رواه القاسم الجرميّ، عن سفيان. وليس في حديثه "حيَّ هلا". وإسناده صحيح.
وصحَّحه ابن خزيمة (١٤٧٨) بعد أن رواه من طريق سفيان به مثله. ورواه أيضًا الحاكم (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧) من طريق سفيان إِلَّا أنه أسقط "عبد الرحمن بن أبي ليلى" وقال: صحيح الإسناد إن كان ابن عابس سمع من ابن أم مكتوم.
قلت: لم أجد من نص على أن عبد الرحمن بن عابس سمع من ابن أم مكتوم.
ورواه أيضًا هو واللّفظ له، والإمام أحمد (١٥٤٩١) وابن خزيمة (١٤٧٩) من طرق عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن شداد، عن ابن أم مكتوم قال: إن رسول الله ﷺ استقل الناس في صلاة العشاء فقال: "لقد هممتُ أن آتي هؤلاء الذين يتخلفون عن هذه الصّلاة، فأحرق عليهم بيوتهم" فقام ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله! لقد علمت ما بي، وليس لي قائد، قال: "أتسمع الإقامة؟ " قال: نعم، قال: "فاحضرها"، قال: يا رسول الله! إن بيني وبينها نخلًا وشجرًا. وليس لي قائد. قال: "أتسمع الإقامة؟ قال: نعم، قال: "فاحضرها" ولم يرخص له.
قال الحاكم: إسناده صحيح.
وأمّا ما رُوي عن ابن عباس مرفوعًا: "من سمع النداء فلم يأته، فلا صلاة له إِلَّا من عذر".
فالصحيح أنه ضعيف أو موقوف.
رواه أبو داود (٥٥١)، وابن ماجة (٧٩٣)، وابن حبان (٢٠٦٤)، والحاكم (١/ ٢٤٥)، والبيهقي (٣/ ٥٧) كلّهم من طريق عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.
وعن عدي بن ثابت طريقان:
الأوّلى: ما رواه أبو جناب، عن مغراء العبدي عنه. وأبو جناب هو يحيى بن أبي حية الكلبي ضعيف.
ومغراء العبدي تكلّم فيه الذّهبيّ وغيره.
والرّواية الثانية: ما رواه هشيم بن بشر، عن شعبة، عن عدي بن ثابت بإسناده.
وأكثر أصحاب شعبة أوقفوه على ابن عباس.
стр. 1483
قال البخاريّ في "التاريخ الكبير" (١/ ٢٣٣): "رفع بعضهم لا يصح".
وقد صحَّح وقفه الإمام أحمد والبيهقي وغيرهما.
انظر للمزيد: "المنة الكبري" (٢/ ٢٠ - ٢١) وذكرت فيه أيضًا حديث جابر بن عبد الله: "لا صلاة لجار المسجد إِلَّا في المسجد" وهو ضعيف أيضًا.
وفي الباب عن أبي موسى، وعلي بن أبي طالب وغيرهما، وكلها ضعيفة.
انظر: السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٥٧، ١٧٤).
٥ - باب ما جاء في أمر الصبي بالصلاة
• عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوا عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع".
حسن: رواه أبو داود (٤٩٥) عن مؤمل بن هشام - يعني اليشكري - حَدَّثَنَا إسماعيل، عن سوار أبي حمزة، قال أبو داود: وهو سوار بن داود أبو حمزة المزني الصيرفيّ، عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده فذكر الحديث.
قال أبو داود: وحدثنا زهير بن حرب، حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنِي داود بن سوَّار المزنيّ، بإسناده ومعناه، وزاد: "وإذا زوَّج أحدكم خادمَه عبده، أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة".
قال أبو داود: "وهم وكيع في اسمه، وروى عنه أبو داود الطيالسي هذا الحديث فقال: حَدَّثَنَا أبو حمزة سوار الصيرفي" انتهى.
قلت: وكذا نص على ذلك الإمام أحمد في مسنده (٦٦٨٩) بعد أن روى الحديث عن وكيع قال: حَدَّثَنَا داود بن سوَّار، قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: وقال الطُفاوي محمد بن عبد الرحمن في هذا الحديث: سوَّار أبو حمزة، وأخطأ فيه. انتهى.
قلت: قوله: أخطأ فيه أي وكيع، لأن الإمام أحمد قال: "سوَّار أبو حمزة لا بأس به، روى عنه وكيع فقلَّب اسمه". انتهى.
وأخرجه أيضًا الحاكم (١/ ١٩٧) من طريق سَوَّار به مثله.
ونقل عن إسحاق بن راهويه قال: "إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب ثقة فهو كأيوب عن نافع، عن ابن عمر".
قلت: وهو كما قال فقد احتج الأَئمة بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه جده كالبخاريّ وأحمد وابن المديني وغيرهم، وقال ابن معين: عمرو بن شعيب ثقة.
ولكن خلاصة القول فيه أنه حسن الحديث. وهو رأي النوويّ وغيره من الأئمة.
وأمّا سوَّار بتشديد الواو، وآخره راء وهو ابن داود المزني أبو حمزة الصيرفي البصري هو أيضًا
стр. 1484
حسن الحديث، وقد حسَّن النوويّ إسناده في "المجموع" (٣/ ١٠).
• عن سبرة الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : "مروا الصبيَّ بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها".
حسن: رواه أبو داود (٤٩٤)، والتِّرمذيّ (٤٠٧) كلاهما من طريق عبد الملك بن الربيع بن سَبْرَةَ، عن أبيه، عن جده فذكر الحديث.
قال الترمذيّ: "حسن صحيح، وَسَبْرَةُ هو: أبن معبد الجهنيّ، ويقال: هو ابن عوسجة".
وقال النوويّ في "المجموع" (٣/ ١٠): حديث سبرة صحيح، رواه أبو داود والتِّرمذيّ وغيرهما بأسانيد صحيحة. قال الترمذيّ: "حسن". انتهى. كذا نقل عن الترمذيّ قوله: "حسن" والنسخة التي لدينا: "حسن صحيح".
قلت: الصَّواب أن الحديث حسن، لأجل عبد الملك بن الربيع بن سَبْرَة فقد وثَّقه العجليّ، وضَعَّفه ابن معين، وقال الذّهبيّ: صدوق إن شاء الله تعالى. ومن طريقه رواه ابن خزيمة في صحيحه (١٠٠٢)، والحاكم (١/ ٢٥٨) وقال: "صحيح على شرط مسلم".
إِلَّا أن مسلمًا لم يحتج به وإنما أخرج له حديثًا واحدًا في المتعة متابعة. والحاكم لا يُفرّق بين الأصول والمتابعة.
٦ - باب من صلى وحده ثمّ أدرك جماعة يُصَلِّيها معهم
• عن جابر بن يزيد بن الأسود الخزاعيّ، عن أبيه، قال: شهدت مع النَّبِيّ ﷺ حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، قال: فلمّا قضى صلاته وانحرف إذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه، فقال: "عليَّ بهما" فجيء بهما ترعد فرائصهما فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ " فقالا: يا رسول الله! إنا كنا قد صلينا في رحالنا. قال: "فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثمّ أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم؛ فإنها لكما نافلة".
صحيح: رواه أبو داود (٥٧٥)، والتِّرمذيّ (٢١٩)، والنسائي (٨٥٨) كلّهم من طرق عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد به مثله.
قال الترمذيّ: حسن صحيح، وأقره النوويّ في "الخلاصة" (٢٣٠٦).
وصحّحه أيضًا ابن خزيمة (١٢٧٩)، وابن حبان (١٥٦٥، ٢٣٩٥) فروياه عن طريق يعلى بن عطاء، ونقل الحافظ في التلخيص (٢/ ٢٩) تصحيحه عن ابن السكن ثمّ قال: قال الشافعي في القديم: إسناده مجهول.
قال البيهقيّ: لأن يزيد بن الأسود ليس له راو غير ابنه، وهو جابر، ولا لابنه راو غير يعلى.
стр. 1485
إِلَّا أن الحافظ استبعد هذا الطعن فقال: يعلى بن عطاء من رجال مسلم، وجابر وثَّقه النسائيّ وغيره، وقد وجدنا جابر بن يزيد راويا غير يعلى، أخرجه ابن مندة في "المعرفة" من طريق بقية، عن إبراهيم بن ذي حماية، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر. انتهى.
قلت: بقية هو ابن الوليد، المعروف بالتدليس، إِلَّا أنه صرَّح بالسماع في رواية الدَّارقطنيّ (١/ ٤١٢) عن إبراهيم. ثمّ تواتر هذا الحديث عن يعلى بن عطاء.
قال الحاكم: روى عنه شعبة، وهشام بن حسان، وغيلان بن جامع، وأبو خالد الدَّالانيّ، وأبو عوانة، وعبد الملك بن عمير، ومبارك بن فضالة، وشريك بن عبد الله، وغيرهم، واحتج مسلم بيعلى بن عطاء. انتهى.
ويبدو من هذا أن عبد الملك بن عُمير روي مرة عن جابر مباشرة، ومرة عن يعلى بن عطاء، عن جابر، وعبد الملك هذا رُمي بالاختلاط لكبر سنِّهِ، لأنه عاش مائة وثلاث سنين، وأخرج له الشيخان من رواية القدماء عنه في الاحتجاج، ومن رواية بعض المتأخرين عنه في المتابعات.
انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (٢/ ٩٠).
• عن بُسْر بن مِجْجَنٍ، عن أبيه أنه كان في مجلس مع رسول الله ﷺ فأُذِّن بالصلاة، فقام رسولُ الله ﷺ فصَلَّى. ثمّ رجع، ومِحْجَن في مجلسه لم يُصَلِّ معه. فقال له رسولُ الله ﷺ : "ما منعك أن تُصَلِّي مع الناس؟ ألستَ برجل مسلم؟ " فقال: بلى يا رسول الله! ولكني قد صَلَّيْتُ في أهلي، فقال له رسول الله ﷺ : "إذا جئتَ فصَلِّ مع الناس، وإن كنت قد صَلَّيْت".
صحيح: رواه مالك في صلاة الجماعة (٨) عن زيد بن أسلم، عن رجل من بني الدِيل يقال له: بُسْر بن محجَن فذكره.
ورواه النسائيّ (٨٥٧) عن قُتَيبة، عن مالك به. وصحّحه الحاكم (١/ ٢٤٤) بعد أن أخرجه من طريق مالك، وحسَّنه البغوي في شرح السنة (٣/ ٤٣٠).
وبُسر: بضم الموحدة، وسكون المهملة. كذا قال مالك في روايته عن زيد بن أسلم. وقال الثوري عن زيد بن أسلم: بِشر - بكسر الموحدة والشين المعجمة. والصواب ما قاله مالك. نص على ذلك أبو نعيم وابن عبد البر وابن حبان، وهكذا رواه الإمام أحمد في مسنده (١٦٣٩٣ - ١٦٣٩٥)، وهو تابعي مشهور، جزم بذلك البخاريّ وغيره.
٧ - باب من قال: لا يُصلي مكتوبة في يوم مرتين
• عن سليمان بن يسار - يعني مولى ميمونة - قال: أتيتُ ابن عمر على البلاط وهم يصلون، فقلت: ألا تُصَلِّي معهم؟ قال: قد صلَّيْتُ، إني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 1486
يقول: "لا تُصَلُّوا صلاةً في يوم مرتين".
حسن: رواه أبو داود (٥٧٩)، والنسائي (٨٦٠) كلاهما من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شُعيب، عن سليمان بن يسار فذكر مثله.
وإسناده حسن لأجل عمرو بن شعيب.
وأخرجه أيضًا ابن خزيمة (١٦٤١)، وابن حبان (٢٣٩٦) من طريق حسين - وهو ابن ذكوان المعلم به، وقد صرَّح عمرو بن شعيب سماع هذا الحديث من سليمان بن يسار، رواه الإمام أحمد (٤٦٨٩) عن يحيى بن سعيد، عن حسين المعلم به.
قال ابن حبان: عمرو بن شعيب في نفسه ثقة يحتج بخبره إذا روى عن غير أبيه، فأما روايته عن أبيه، عن جده فلا تخلو من انقطاع وإرسال فيه، فلذلك لم نحتجَّ بشيء منه. انتهى.
وفيما قال في روايته عن أبيه، عن جده نظر، قال البخاريّ رحمه الله تعالى: رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. ما تركه أحد من المسلمين. قال البخاريّ: فمن الناس بعدهم؟ " انتهى.
وأمّا معنى الحديث فقال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٥/ ٣٥٧ - ٣٥٨): "اتفق أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه على أن معنى قول رسول الله ﷺ : "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين" أن ذلك أن يصلي الرّجلُ صلاة مكتوبةً عليه، ثمّ يقوم بعد الفراغ منها فيعيدها على جهة الفرض أيضًا. وأمّا من صلَّى الثانية مع الجماعة على أنها له نافلة اقتداء برسول الله ﷺ في أمره بذلك، وقوله ﷺ للذين أمرهم بإعادة الصّلاة في جماعة: "إنها لكم نافلة" فليس ذلك ممن أعاد الصّلاة في يوم مرتين، لأن الأوّلى فريضة، والثانية نافلة".
انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (٢/ ٩٦).
٨ - باب ما جاء في إقامة الجماعة مرتين في المساجد
• عن عثمان بن عفّان قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من توضَّأ للصَّلاة فأسبغ الوضوء، ثمّ مشى إلى الصّلاة المكتوبة، فصلاها مع الناس، أو مع الجماعة، أو في المسجد غفر الله له ذنوبه".
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٣٢: ١٣) من طرق عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، أنَّ الحكم بن عبد الله القرشي حدَّثه، أنَّ نافع بن جبير وعبد الله بن أبي سلمة حدَّثاه أنَّ معاذ بن عبد الرحمن حدثهما عن حمران مولى عثمان بن عفّان، عن عثمان، فذكره.
وانفرد مسلم بهذا اللّفظ، وقد مضى حديث عثمان في الطهارة.
• عن أبي سعيد الخدريّ قال: جاء رجل وقد صَلَّى رسولُ الله ﷺ فقال:
стр. 1487
"أيكم يتجر على هذا؟ " فقام رجل فصلى معه.
وفي رواية: "ألا من يتصدق على هذا فيصلي معه".
وفي رواية: فتصدق عليه أبو بكر فصلى معه.
حسن: رواه أبو داود (٥٧٤)، والتِّرمذيّ (٢٢٠) واللّفظ له، كلاهما من طريق سليمان الأسود الناجي البصريّ، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد فذكر مثله.
قال الترمذيّ: حديث حسن وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النَّبِيّ ﷺ وغيرهم من التابعين قالوا: لا بأس أن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صلَّى فيه جماعةٌ، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقال آخرون من أهل العلم: يصلون فرادى. وبه يقول سفيان وابن المبارك ومالك والشافعيّ، يختارون الصّلاة فرادى، وسليمان الناجي بصريّ، ويقال: سليمان بن الأسود، وأبو المتوكل اسمه "عليّ بن داود" انتهى قول الترمذيّ.
والحديث حسن كما قال الترمذيّ، فإن سليمان بن الأسود الناجي "صدوق" وثَّقه ابن معين وابن حبان. وأبو المتوكل المشهور بكنيته أيضًا الناجي واسمه: عليّ بن داود ويقال: ابن دُؤاد - بضم الدال، تابعي ثقة.
والحديث أخرجه ابن خزيمة (١٦٣٢)، وابن حبان (١١٠١٩)، والحاكم (١/ ٢٠٩) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وسليمان الأسود هذا هو: سليمان بن سُحيم قد احتج مسلم به وبأبي المتوكل. وهذا الحديث أصل في إقامة الجماعة في المساجد مرتين. انتهى.
وسليمان، ليس هو ابن سُحيم أبو أيوب المدني الذي روى له مسلم، وإنما هو سليمان الأسود الناجي من رجال أبي داود والتِّرمذيّ.
وأورده الحافظ الهيثميّ في "مجمع الزوائد" (٢١٨٥) وعزاه إلى أحمد وهذا لفظه: عن أبي سعيد الخدريّ قال: صلى رسولُ الله ﷺ بأصحابه الظهر. قال: فدخل رجل من أصحابه فقال له النَّبِيّ ﷺ : "ما حسبك يا فلان عن الصّلاة؟ " قال: فذكر شيئًا اعتل به، قال: فقام يُصَلِّي، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه" فقام رجل فصلى معه.
قال الهيثميّ: رواه أحمد، وروى أبو داود والتِّرمذيّ بعضه، ورجاله رجال الصَّحيح. انتهى.
قلت: رواه الإمام أحمد (١١٨٠٨) عن عليّ بن عاصم، أخبرنا سليمان الناجي به بهذا اللّفظ كما رواه أيضًا عن محمد بن أبي عديّ، عن سعيد - يعني ابن أبي عروبة (١١٠١٩) وعن محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا سعيد (١١٤٠٨) وعن عفّان، حَدَّثَنَا وهيب (١١٦١٣) كل هؤلاء - أعني عليّ بن عاصم وسعيد بن أبي عروبة ووهيب وهو ابن خالد الباهلي. رووه عن سليمان الأسود، وقد سبق أن بينا أنه ليس من رجال مسلم. كما فيه أيضًا عليّ بن عاصم لم يرو عنه شيخان شيئًا. وفي حديثه من الزيادة وهي قول النَّبِيّ ﷺ : "ما حبسك يا فلان عن الصّلاة"؟ فقال: ... فإنه لم يتابع عليها.
стр. 1488
وعلي بن عاصم الواسطي التميمي مولاهم قال فيه عليّ بن المديني: كان كثير الغلط، وقال العقيلي: نعرفه بالكذب، وقال البخاريّ: ليس بالقويّ، ووثَّقه العجلي.
وأمّا الرّجل الذي صلى معه فهو أبو بكر الصديق كما رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٧٧) مرسلًا عن الحسن.
• عن أنس أن رجلًا جاء، وقد صلَّى رسول الله ﷺ فقام يُصَلِّي وحده، فقال رسول الله ﷺ : "من يتجر على هذا فليصل معه".
حسن: رواه الدَّارقطنيّ (١/ ٢٧٦) عن يحيى بن محمد بن صاعد، ثنا عمر بن محمد بن الحسن الأسديّ، ثنا أبيّ، نا حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكره.
ورواه الطبرانيّ في الأوسط (٧٢٨٢) من طريق عمر بن محمد بن الحسن به مثله.
وأبدى الحافظ الهيثميّ في "مجمع الزوائد" (٢١٨٤) احتمالًا إن كان محمد بن الحسن هو ابن زبالة فهو ضعيف.
قلت: يزيل هذا الإشكال لما في رواية الدَّارقطنيّ بأنه الأسدي وهو وأبوه صدوقان. ولذا قال الزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ٥٨): سنده قوي.
قلت: وهو شاهد قوي لحديث أبي سعيد.
وقد ثبت عن أنس أنه أعاد صلاة الجماعة في المسجد، عن الجعد أبي عثمان اليشكري قال: صلينا الغداة في مسجد بني رفاعة. وجلسنا فجاء أنس بن مالك في نحو من عشرين من فتيانه فقال: أصليم؟ قلنا: نعم، فأمر بعض فتيانه فأذَّن، وأقام، ثمّ تقدّم فصلَّى بهم.
رواه أبو يعلى (٤٣٣٨ بتحقيق الأثري) عن أبي الربيع الزهرانيّ، حَدَّثَنَا حمّاد، عن الجعد أبي عثمان فذكره، ورواه البيهقيّ (٣/ ٧٠) من طريق الحميديّ، ثنا أبو عبد الصمد العميّ، ثنا الجعد به واللّفظ له، وإسناده صحيح، وعلَّقه البخاريّ. انظر "الفتح" (٢/ ١٣١).
وفي الباب أحاديث أخرى وهي لا تخلو من مقال.
منها: حديث أبي أمامة أن النَّبِيّ ﷺ رأى رجلًا يصلي فقال: ألا رجلٌ يتصدق على هذا، يُصلي معه" فقام رجل، فصلى معه، فقال رسول الله ﷺ : "هذان جماعة" رواه أحمد (٢٢١٨٩) وأبو يعلى "إتحاف الخيرة" (١٧٤٦)، والطَّبرانيّ في الكبير (٧٨٥٧) كلّهم من طريق ابن المبارك، حَدَّثَنَا يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن زَحْر، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة فذكره.
وعبيد الله بن زَحْر - بفتح الزاي وسكون المهملة، الضمري مولاهم الإفريقيّ، قال عثمان الدَّارميّ: كل حديثه عندي ضعيف.
وقال ابن عدي: يقع في أحاديثه ما لا يتابع عليه، وقال ابن حبان: يَروي الموضوعات عن الأثبات. وضعَّفه الدَّارقطنيّ. ولكن نقل الترمذيّ عن البخاريّ في العلل أنه وثَّقه. وقال النسائيّ: ليس به بأس.
стр. 1489
وقال الذّهبيّ في المغني (٣٩٢٢): المختلف فيه، وهو إلى الضعف أقرب، ضعَّفه أحمد بن حنبل، وقال النسائيّ: لا بأس به" انتهى.
وفيه أيضًا شيخه عليّ بن يزيد وهو: ابن أبي زياد الألهاني صاحب القاسم بن عبد الرحمن قال فيه الدَّارقطنيّ: متروك، وقال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث. وقال النسائيّ: ليس بثقة، وأطلق عليه الحافظ كلمة: "ضعيف".
ولذا قال البوصيري في الاتحاف: "هذا إسناد ضعيف، قال ابن معين: عليّ بن يزيد الألهاني عن القاسم، وعنه عبيد الله هي ضعفاء كلها".
ومنها حديث عصمة بن مالك قال: كان رسولُ الله ﷺ قد صلَّى الظهر، وقعد في المسجد، إذ دخل رجل يُصَلِّي، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يقوم فيتصدق على هذا فيُصَلِّي معه؟ " رواه الدَّارقطنيّ (١/ ٢٧٧) من طريق الفضل بن المختار، عن عبيد الله بن موهب، عن عصمة بن مالك فذكره.
قال الزيلعي في "نصب الراية" (٣/ ٥٨): "وهو ضعيف بالفضل بن المختار، قال ابن عدي: الفضل بن المختار أحاديثه منكرة، وقال أبو حاتم الرازي: هو مجهول، وأحاديثه منكرة يحدث بالأباطيل، قاله ابن الجوزي في التحقيق". انتهى.
ومنها حديث سلمان أن رجلًا دخل المسجد، والنبي ﷺ قد صَلَّى. فقال: "ألا رجل يتصدق على هذا فيُصَلِّي معه" رواه الطبرانيّ في الكبير، وفيه محمد بن عبد الملك أبو جابر قال أبو حاتم: أدركه وليس بالقوي في الحديث. ورواه البزّار وفيه الحسن بن الحسن الأشقر وهو ضعيف جدًّا، وقد وثَّقه ابن حبان. انتهى. انظر "مجمع" الزوائد" (٢١٨٢).
وبهذا قال جماعة من الصّحابة منهم ابن مسعود، وجماعة من التابعين وغيرهم، وهو مذهب الإمام أحمد بأنه لا يكره إعادة الجماعة في المسجد إذا صلى إمام الحي وحضر جماعة أخرى، وأمّا في مساجد الأسواق والممرات فلا خلاف في إعادة الجماعة فيها.
٩ - باب فضل صلاتَي العشاء والفجر في الجماعة
• عن أبي هريرة قال: قال النَّبِيّ ﷺ : ليس صلاة أثقلَ على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوًا، لقد هممتُ أن آمر المؤذِّن فيقيمَ، ثمّ آمر رجلًا يؤمَّ الناس، ثمّ آخد شًعلًا من نار فأُحَرِّق على من لا يخرجُ إلى الصّلاة بعدُ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٦٥٧)، ومسلم في المساجد (٦٥١/ ٢٥٢) كلاهما من طريق الأعمش، قال: حَدَّثَنِي أبو صالح، عن أبي هريرة، فذكر الحديث، واللّفظ للبخاريّ، وفي لفظ مسلم، ثمّ أنطلق مَعِي برجال معهم حُزَم من حَطَبٍ إلى قوم لا يشهدون الصّلاة، فأحرق
стр. 1490
عليهم بيوتهم بالنار".
• عن عبد الرحمن بن أبي عمرةَ قال: دخل عثمان بن عفَّان المسجد بعد صلاة المغرب، فقعد وحده، فقعدتُ إليه، فقال: يا ابن أخي! سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من صلَّى العشاء في جماعة فكأنما قام نصفَ الليل. ومن صلَّى الصبحَ في جماعة فكأنما صلى كلَّه".
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٥٦) عن إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا المغيرة بن سلمة المخزوميّ، حَدَّثَنَا عبد الواحد (وهو ابن زياد) حَدَّثَنَا عثمان بن حكيم، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن أبي عمرة فذكره، وفي رواية أبي داود (٥٥٥)، والتِّرمذيّ (٢٢١) من طريق عثمان بن حكيم به بلفظ: "من شهد العشاءَ في جماعة كان له قيامُ نصفِ ليلةٍ، ومن صَلَّى العِشاءَ والفجرَ في جماعة كان له كقيام ليلةٍ، قال الترمذيّ: حسن صحيح.
• عن جندب بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : "من صلَّى الصُبح فهو في ذمة الله، فلا يَطلبَنَّكم الله من ذِمَّته بشيء فيدركَه فيكبَّه في نار جهنّم".
صحيح: رواه مسلم في المساجد (١٥٧) عن نصر بن عليّ الجهضميّ، حَدَّثَنَا بشر (يعني ابن مفضَّل) عن خالد، عن أنس بن سيرين قال: سمعتُ جندبَ بن عبد الله يقول فذكره. ورواه أيضًا عن أبي بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، عن داود بن أبي هند، عن الحسن، عن جندب بن سفيان، عن النَّبِيّ ﷺ بهذا ولم يذكر: "فيكبه في نار جهنّم".
ومن هذا الوجه رواه الترمذيّ (٢٢٢) فقال: حَدَّثَنَا محمد بن بشار، حَدَّثَنَا يزيد بن هارون به مثله، وقال: "حسن صحيح".
ولا يضر رواية أبي داود الطيالسي (٩٨٠) عن شعبة، عن أنس بن سيرين موقوفًا فإنه قال: وروى هذا الحديثَ بشرُ بن المفضَّل، عن خالد الحذاء، عن أنس بن سيرين، عن جندب، عن النَّبِيّ ﷺ . فلعل أنس بن سيرين روي على وجهين. ويكون المرفوع هو الوجه الأخير، وهو الذي اختاره مسلم فرواه من حديث بشر بن المفضَّل.
وجندب هو: ابن عبد الله بن سفيان البجليّ، وربما نسب إلى جده.
• عن سمرة بن جندب عن النَّبِيّ ﷺ قال: من صلى صلاة الغداة فهو في ذمة الله، فلا تخفروا الله في ذمته.
صحيح: رواه ابن ماجة (٣٩٤٦)، وأحمد (٢٠١١٣) واللّفظ له، كلاهما من حديث روح بن عبادة، حَدَّثَنَا أشعث (هو ابن عبد الملك الحمرانيّ، عن الحسن، عن سمرة بن جندب فذكره.
وإسناده صحيح، وصحّحه أيضًا المنذري في الترغيب (٦١٣).
стр. 1491
والطريقان محفوظان فإن الحسن البصري ممع جندب بن عبد الله بن سفيان كما سمع من سمرة بن جندب، وفي معناه ما رُوي عن أبي هريرة عن النَّبِيّ ﷺ قال: "من صلي الصبح فهو في ذمة الله، فلا يتبعنكم الله بشيء من ذمته".
رواه الترمذيّ (٢١٦٤) عن بندار، حَدَّثَنَا معدي بن سليمان، حَدَّثَنَا ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره.
وبهذا الإسناد رواه أيضًا ابن ماجة كما ذكره المزي في تحفة الأشراف (١٠/ ٢٥٠)، ولم أجده في النسخ المطبوعة.
وإسناده ضعيف من أجل معدي بن سليمان وهو ضعيف، ضعَّفه أبو زرعة، والنسائيّ، وقال ابن حبان: "يروي المقلوبات عن الثّقات، والملزقات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد.
وأمّا الترمذيّ فقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه".
وفي معناه أيضًا ما رُوي عن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى الصبح فهو في ذمة الله. فلا تخفروا الله في عهده فمن قتله طلبه الله حتَّى يكبه في النّار على وجهه".
رواه ابن ماجة (٣٩٤٥) عن عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصيّ، حَدَّثَنَا أحمد بن خالد الوهبيّ، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عبد الواحد بن أبي عون، عن سعد بن إبراهيم، عن حابس اليمانيّ، عن أبي بكر الصديق فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل الانقطاع؛ فإن سعد بن إبراهيم لم يدرك حابس بن سعد.
وأمّا حابس اليماني وهو حابس بن سعد، ويقال: ابن ربيعة بن منذر بن سعد الطائيّ، فهو مختلف في صحبته، فذكره ابن سعد في تسمية من نزل الشام من الصّحابة. وقال البخاريّ: "أدرك النَّبِيّ ﷺ ".
وهذا الذي رجَّحه ابن حجر في "التهذيب" بعد ذكر أقوال أهل العلم الأخرى في إثبات صحبته.
وأمّا قول الدَّارقطنيّ: "إنه مجهول متروك" فيبدو أنه لم يقف على قول ابن سعد والبخاري وغيرهما ممن سبقوه.
والخلاصة فيه: أن هذا الحديث صحيح من حديث جندب بن عبد الله، وسمرة بن جندب، وأمّا حديث أبي بكر الصديق فلا، من أجل الانقطاع.
وفي معناه روي أيضًا عن عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وطارق بن أشيم، وفي أسانيدها مقال.
стр. 1492
١٠ - باب فضل صلاتي الصبح والعصر في الجماعة
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار. ويجتمعون في صلاة العصر، وصلاة الفجر. ثمّ يَعْرُج الذين باتوا فيكم. فيسألُهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يُصلون".
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصّلاة (٨٢) عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكر مثله.
ورواه البخاريّ في مواقيت الصّلاة (٥٥٥) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في المساجد (٦٣٢) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به مثله.
• عن جرير بن عبد الله يقول: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدْر، فقال: "أما إنكم سترون ربّكم كما ترون هذا القمر. لا تُضامُّون في رؤيته. فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشّمس وقبل غروبها" يعني العصر والفجر. ثمّ قرأ جرير: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠].
متفق عليه: رواه البخاريّ في مواقيت الصّلاة (٥٥٤)، ومسلم في المساجد (٦٣٣) كلاهما من حديث مروان بن معاوية الفزاريّ، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، حَدَّثَنَا قيس بن أبي حازم، قال: سمعت جرير بن عبد الله فذكر مثله.
وقوله: "لا تُضامُّون" - بضم أوله وتشديد الميم - أي لا ينضم بعضكم إلى بعض، ولا يقول: أرنيه. بل كل ينفرد برؤيته.
وقوله: "فإن استطعم" - شرط، وجزاؤه ساقط وتقديره: فافعلوا.
وفي رواية عند مسلم: "أما إنكم ستعرضون على ربّكم فترونه كما ترون هذا القمر" رواه عن أبي بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا عبد الله بن نمير وأبو أسامة ووكيع بهذا الإسناد. وقال: ثمّ قرأ. ولم يقل: جرير. انتهى.
وقوله: "فترونه كما ترون هذا القمر"، أي: ترونه رؤية محققة لا شك فيها ولا مشقة، كما ترون هذا القمر رؤية محققة بلا مشقة. فهو تشبيه للرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي. والرؤية مختصة بالمؤمنين، وأمّا الكفار والمنافقون فلا يرونه وعليه جمهور أهل السنة. أفاده النوويّ.
• عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلَّى البَرْدَين دخل الجنّة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المواقيت (٥٧٤)، ومسلم في المساجد (٦٣٥) كلاهما عن هُدْبة ابن خالد، حَدَّثَنَا همام بن يحيى، حَدَّثَنِي أبو جمرة الضُّبَعيُّ، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه فذكر مثله.
стр. 1493
وهُدبة بن خالد - ويقال له: هَدَّابَ بالتثقيل وفتح أوله أيضًا كما في صحيح مسلم. وأبو جمرة - بالجيم.
وقوله: "البَرْدَين" - يعني العصر والفجر.
قال الخطّابي: سميتا بَردين لأنهما تصليان في بَردي النهار، وهما طرفاه حين يطيب الهواء، وتذهب سورة الحر.
• عن عُمارة بن رُؤَيبة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لن يلج النّار أحد صَلَّى قبل طلوع الشّمس، وقبل غروبها" يعني الفجر والعصر. فقال له رجل من أهل البصرة: أنت سمعتَ هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال الرّجل: وأنا أشهد أني سمعتُه من رسول الله ﷺ ، سِمِعتْه أُذُناي ووَعَاه قلبي.
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٣٤) من أوجه عن أبي بكر بن عُمارة بن رُؤَيْبَة، عن أبيه فذكره.
• عن عبد الله بن فَضالة، عن أبيه قال: علَّمني رسول الله ﷺ فكان فيما علَّمني: "وحافظ على الصلوات الخمس" قال: قلت: إن هذه ساعات لي فيها أشغال، فمرني بأمر جامع إذا أنا فعلتُه أجزأ عَنِّي؟ فقال: "حافظ على العصرين" وما كانت مِن لُغَتِنَا؟ فقلت: وما العصران؟ فقال: "صلاة قبل طلوع الشّمس، وصلاة قبل غروبها".
صحيح: رواه أبو داود (٤٢٨) عن عمرو بن عون، أنا خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن عبد الله بن فَضالة فذكره.
إسناده صحيح. وصحّحه ابن حبان (١٧٤٢)، والحاكم (١/ ١٩٩ - ٢٠٠) فروياه من طريق خالد به مثله. وقال: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وعبد الله هو: ابن فضالة بن عبيد، وقد خُرِّج له في الصَّحيح حديثان".
قلت: عبد الله بن فضالة بن عبيد الليثي الزهراني ليس من رجال مسلم، ولكنه ثقة، واختلف في صحبته فالصحيح أنه رآه ولم يسمع منه، فمن روى عنه عن النَّبِيّ ﷺ فهو مرسل، ومن أثبت بينهما ذكر أبيه فهو الصواب.
وللحديث أسانيد أخرى، والذي ذكرته أمثلها.
١١ - باب الرخصة في ترك الجماعة عند المطر والعذر
• عن ابن عمر أنه أذَّن بالصلاة في ليلة ذات بردٍ وريح فقال: ألا صلوا في الرحال، ثمّ قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر بالمؤذِّن إذا كانت ليلة باردةً ذاتُ مطر يقول: "ألا صلوا في الرحال".
стр. 1494
متفق عليه: رواه مالك في الصّلاة (١٠) عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
ورواه البخاريّ في الأذان (٦٦٦)، ومسلم في صلاة المسافرين (٦٩٧) كلاهما من طريق مالك به مثله.
ولهما: البخاريّ (٦٣٢)، ومسلم عن عبيد الله بن عمر قال: حَدَّثَنِي نافع قال: أذَّن ابن عمر في ليلة باردة بضجْنان ثمّ قال: صَلُّوا في رحالكم. فأخبرنا أن رسول الله ﷺ كان يأمر مؤذِّنًا يؤذِّن ثمّ يقول على أثره: "ألا صلُّوا في الرِّحال" في الليلة الباردة، أو المطيرة في السَّفر.
قوله: بضَجْنان - بفتح الضاد المعجمة، وبالجيم، بعدها نون على وزن فعلان غير مصروف، قال صاحب الصحاح: هو جبل بناحية مكة. وقال غيره: جبل بين مكة والمدينة.
• عن عبد الله بن الحارث قال: خطبنا ابن عباس في يومٍ رَدْغٍ فلمّا بلغ المؤذِّن: حيَّ على الصَّلاة فأمره أن ينادي: الصَّلاة في الرِّحال، فنظر القومُ بعضُهم إلى بعض فقال: فعل هذا من هو خير منه، وإنها عَزْمةٌ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٦١٦) ومسلم في صلاة المسافرين (٦٩٩) كلاهما عن عبد الحميد صاحب الزياديّ، عن عبد الله بن الحارث فذكره، واللّفظ للبخاريّ.
ورواه أيضًا البخاريّ (٦٦٨) عن عبد الله بن عبد الوهّاب، قال: حَدَّثَنَا حمّاد بن زيد، قال: حَدَّثَنَا عبد الحميد به وفيه: فنظر بعضهم إلى بعض فكأنهم أنكروا. فقال: كأنكم أنكرتم هذا، إن هذا فعله من هو خير مني - يعني النَّبِيّ ﷺ - إنها عَزْمَةٌ، وإني كرهتُ أن أُحرجكم.
وعن حمّاد عن عاصم، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس نحوه. غير أنه قال: كرهتُ أن أؤثِّمكم، فتجيئون تدوسون الطين إلى رُكبكم.
ورواه أيضًا (٩٠١) عن مسدد، قال: حَدَّثَنَا إسماعيل - وهو ابن علية، قال: أخبرني عبد الحميد صاحب الزيادي به وفيه: وإني كرهت أن أُحرجكم فتمشون في الطين والدحض.
وقوله: يوم رَدْغ - بفتح الراء وسكون الدال المهملة - وهو الماء القليل، وقيل: إنه طين وحل، وقيل: الرزغ - بالزاء والمعنى واحد.
وقوله: عَزْمة - بسكون الراء - ضد الرخصة.
وقوله: والدَحْض - بفتح الدال وسكون الحاء وهو الزلق.
• عن محمود بن الربيع الأنصاري أنَّ عِتبان بن مالك وهو من أصحاب رسول الله ﷺ ممن شهد بدرًا من الأنصار أنه أتى رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسول الله! قد أنكرتُ بَصَرِي وأنا أصلِّي لقَوميّ، فإذا كانتِ الأمطارُ سالَ الوادي الذي بَيني وبينَهم لم أستَطِع أن آتيَ مسجدَهم فأُصلِّي بهم. وودِدْتُ يا رسولُ الله! أَنَّكَ تأتيني فتُصَلِّي في بَيتي فأَتخذَهُ مُصلًّى. قال: فقال له رسولُ الله ﷺ : "سأفعلُ إن شاءَ الله". قال
стр. 1495
عِتبانُ: فغدا رسولُ الله ﷺ وأبو بكر حينَ ارتَفَعَ النهارُ فاستأذَنَ رسولُ الله ﷺ فَأَذِنتُ له، فلم يجلسْ حتَّى دخلَ البيتَ ثمّ قال: "أينَ تُحِبُّ أن أصلِّيَ من بَيْتِكَ؟ " قال: فأشرتُ له إلى ناحيةٍ من البيت، فقام رسولُ الله ﷺ فكبَّرَ، فقُمنا فصفَفْنا فصلَّى رَكعتَيِنِ ثمّ سلَّمَ. فذكر الحديث. وهو في كتاب الإيمان بطوله. قال ابنُ شِهابٍ: ثمَّ سَأَلتُ الْحُصينَ بنَ محمد الأنصاري - وهو أحدُ بني سالم وهو من سَراتِهم - عن حديث محمود بن الربيع، فصدَّقه بذلك.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصّلاة (٤٢٥)، ومسلم في المساجد (٢٦٣) كلاهما من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني محمود بن الربيع فذكر مثله واللّفظ للبخاريّ.
وفي مسلم قال محمود: فحدثتُ بهذا الحديث نفرًا فيهم أبو أيوب الأنصاريّ، فقال: ما أظنُّ رسولَ الله ﷺ قال ما قُلتَ. قال: فحلفتُ إن رجعتُ إلى عِتْبان أن أسألَه، قال: فرجعت إليه فوجدته شيخًا كبيرًا قد ذهب بصرُه. وهو إمام قومه، فجلستُ إلى جنبه فسألتُه عن هذا الحديث فحدثنيه كما حدثنيه أولَ مرةٍ.
قال الزهري: ثمّ نزلتْ بعد ذلك فرائض وأمور نرى أن الأمر انتهى إليها. فمن استطاع أن لا يغتر فلا يغترَّ. انتهى.
ورواه البخاريّ (٦٧٠) عن أنس يقول: قال رجل من الأنصار: إني لا أستطيع الصّلاةَ معك - وكان رجلًا ضخمًا - فصنع للنبي ﷺ طعامًا فدعاه إلى منزله، فبسط له حصيرًا، ونضح طرف الحصير، فصلى عليه ركعتين ...
وقوله: رجل من الأنصار - يقال: هو عتبان بن مالك السالمي الأنصاري الأعمى، لأن قصته شبيهة بقصته.
وقوله: ضخمًا - أي سمينًا، وفي هذا الوصف إشارة إلى علة تخلفه، وقد عدَّد ابن حبان من الأعذار المرخصة في التأخير عن الجماعة. انظر "فتح الباري" (٢/ ١٥٨).
• عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ فمُطرنا فقال: "ليُصَلِّ من شاء منكم في رحله".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٦٩٨) من طريق زهير أبي خيثمة، قال: حَدَّثَنَا أبو الزُّبير، عن جابر فذكر الحديث.
• عن عمرو بن أوس يقول: أنبأنا رجل من ثقيف أنه سمع مُنادي النَّبِيّ ﷺ يعني في ليلة مَطيرةٍ في السفر يقول: "حيَّ على الصّلاة، حيَّ على الفلاح، صَلُّوا في رحالكم".
صحيح: رواه النسائيّ (٦٥٣) عن قُتَيبة قال: حَدَّثَنَا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن
стр. 1496
أوس فذكر مثله. وإسناده صحيح، ولا يضر إبهام الرّجل فإنه صحابي.
ورواه أيضًا الإمام أحمد (١٥٤٣٣) عن أبي نعيم (وهو الفضل بن دكين) حَدَّثَنَا مسعر، عن عمرو بن دينار به مثله.
• عن أبي المَليح قال: خرجتُ في ليلةٍ مطيرةٍ، فلمّا رجعتُ استفتحتُ فقال أبي:
من هذا؟ قال: أبو المَليح، قال: لقد رأيتُنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية، وأصابتْنا سماءٌ لم تَبُلَّ أسافِلُ نعالنا، فنادى مُنادي رسول الله ﷺ : "صلوا في رحالكم".
صحيح: رواه ابن ماجة (٩٣٦) قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حَدَّثَنَا إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد الحذاء، عن أبي قِلابة، عن أبي المَليح فذكر الحديث.
وهو في مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٢٣٤) ورواه أيضًا عن هُشَيم، عن خالد عنه به، وشك فيه كان ذلك عام الحديبية أو حُنين.
ورواه أبو داود (١٠٥٩) من طريق سفيان بن حبيب قال: خبَّرنا عن خالد الحذاء به ولم يشك أن ذلك كان زمن الحديبية يوم الجمعة.
وصحَّح هذا الإسناد النوويّ وغيره. انظر: "الخلاصة" (٢٢٧٣).
وقوله: "خبَّرنا" هكذا بصيغة المعلوم، بمعني حَدَّثَنَا، ومن ضبط بصيغة المجهول فقد وهم، لأنه يكون الإسناد حينئذ منقطعًا، وقد صحَّح هذا الإسناد الحاكم في المستدرك (١/ ٢٩٣)، ورواه شعبة، عن قتادة، عن أبي المليح عنه أن ذلك كان يوم حنين.
رواه أبو داود والنسائي (٨٥٤) والإمام أحمد (٢٠٧٠٢) من طرق عنه، كما رواه أيضًا من طريق همام (وهو ابن يحيى العوذي) (٢٠٧٠٠) عن قتادة به مثله، ومن طريقه رواه أيضًا ابن خزيمة (١٦٥٨) في صحيحه.
وقتادة وإن كان مدلسًا، ولكن رواية شعبة عنه تُبعد تهمةَ التدليس، لما اشتهر من قوله: كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وقتادة، وأبي إسحاق.
وبهذه الطرق صحَّ كون ذلك وقع يوم حنين، واليقين لا يزول بالشك، كما وقع التصريح في بعض الروايات بأن ذلك كان يوم الجمعة، ولكن لم يظهر لي كان ذلك لصلاة الجمعة، أو لصلاة من صلوات يوم الجمعة، والقلب يميل إلى أن القصة وقعت لصلاة الجمعة.
ولكن يعكر هذا ما رواه ابن خزيمة (١٦٥٧) من طريق مؤمّل بن هشام وزياد بن أيوب، كلاهما عن إسماعيل (وهو ابن علية) عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المليح قال: خرجت في ليلة مظلمة إلى المسجد لصلاة العشاء، فلمّا رجعت استفتحتُ فقال أبي: من هذا؟ قالوا: أبو مليح، قال: لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية، وأصابتنا سماء لم تبل أسفل نعالنا. فنادى منادي رسول الله ﷺ : "أن صلوا في رحاكم".
стр. 1497
ورواه أيضًا أحمد (٢٠٧٠٤) عن عبد الرزّاق، أنا سفيان، عن خالد به مثله. فإن صَحَّ ذلك فيمكن حمله على الواقعتين يوم الحديبية ويوم حنين، ورجَّح بعض أهل العلم أن ذلك وقع يوم حنين بناءً على حديث الحسن عن سمرة الآتي.
ويؤيد أن ذلك كان يوم الجمعة ما ذكره ابن عباس عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال في يوم جمعة يوم مطر: "صلوا في رحالكم" رواه ابن ماجة (٩٣٨) وفيه عباد بن منصور ضعيف.
وبوَّب أبو داود بقوله: باب الجمعة في اليوم المطير، وأخرج فيه حديث أبي المليح عن أبيه.
وأبو المليح: اسمه عامر بن أسامة، وقيل: زيد بن أسامة، وقيل أسامة بن عامر، وقيل: عمير بن أسامة، هذلي بصريّ، اتفق الشيخان على الاحتجاج بحديثه، وأبوه له صحبة، ويقال: إنه لم يرو عنه إِلَّا ابنه أبو المليح. كذا أفاد المنذري.
• عن سمرة بن جندب قال: أصابتنا السماءُ، ونحن مع النَّبِيّ ﷺ فنادى: "الصّلاة في الرِحال".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٠١٧٠) عن معاذ بن هشام، قال: حَدَّثَنِي أبيّ، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة فذكر الحديث.
ورواه أيضًا البزّار "كشف الأستار" (برقم: ٤٦٤).
والطَّبرانيّ في الكبير" (برقم: ٦٨٢٣) وأبو يعلى "إتحاف الخيرة" (١٣١٧) كلّهم من طرق عن معاذ بن هشام به مثله.
ورواه الإمام أحمد عن بهز، عن أبان (٢٠٠٩٣)، وهمام (٢٠١٥٣) كلاهما عن قتادة، عن الحسن به وفيه التصريح بأن ذلك كان يوم حنين.
بهز هو: ابن أسد العمي ثقة ثبت من رجال الجماعة.
وهمام هو: ابن يحيى العَوذي ثقة من رجال الجماعة وإسناده صحيح غير أن قتادة مدلِّس وقد عنعن، ولكن ثبت في حديث أبي المليح، عن أبيه أن شعبة روى عنه هذا الحديث فالذي يظهر أن قتادة له شيخان: أبو المليح والحسن، وصحَّ في إحدى طرقه أن شعبة روى عنه، وبهذا تزول تهمة التدليس عن قتادة لما سبق من قوله.
وأمّا الحسن البصري فهو الإمام الفقيه المعروف، وفي صحيح البخاريّ وغيره أنه سمع حديث العقيقة من سمرة، وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في سماعه منه غير حديث العقيقة، فذهب عليّ بن المديني والبخاري إلى سماعه مطلقًا، وسيأتي مزيد من التحقيق في حديث العقيقة.
وقال الهيثميّ في مجمعه (٢/ ٤٧) رواه أحمد والطَّبرانيّ في الكبير والبزّار بنحوه وزاد: كراهية أن يشق علينا. ورجال أحمد رجال الصَّحيح.
قلت: وأمّا البزّار فرواه بإسناد آخر وهو ضعيف جدًّا. قال: حَدَّثَنَا خالد بن يوسف، حَدَّثَنِي
стр. 1498
أبي يوسف بن خالد، ثنا جعفر بن سعد بن سمرة، ثنا خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب فذكر أحاديث بهذا الإسناد.
ويوسف بن خالد بن عمير السَمْتي تركوه، وكذَّبه ابن معين.
ورواه أيضًا الطبرانيّ في الكبير (٧٠٨٠) من طريق جعفر بن سعد به مثله.
وجعفر بن سعد بن سمرة "ليس بالقوي" كما قال الحافظ في التقريب.
وجعفر بن سعد بن سمرة، عن خبيب بن سليمان اسناد مظلم، كما في الميزان (١/ ٤٠٨).
وفي الباب ما رُوي عن نُعيم بن النَّحام، قال: نُودي بالصبح في يوم بارد وأنا في مِرْط امرأتيّ، فقلت: ليت المنادي قال: من قعد فلا حرج عليه. فنادى منادي النَّبِيّ ﷺ في آخر آذانه: "من قعد فلا حرج عليه".
رواه الإمام أحمد (١٧٩٤٣) عن عليّ بن عَيَّاش، حَدَّثَنَا إسماعيل بن عَيَّاش، قال: حَدَّثَنِي يحيى بن سعيد، قال: أخبرني محمد بن يحيى بن حبّان، عن نُعيم بن النحام، فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل إسماعيل بن عَيَّاش فإنه ثقة عن الشاميين، وضعيف عن غيرهم، وهذا منها، فإنَّ يحيى بن سعيد الأنصاري مدني.
ثمّ هو خولف، فرواه البيهقيّ (١/ ٣٩٨، ٤٢٣) وغيره عن الأوزاعيّ، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن نعيم.
ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي لم يسمع من نعيم كما قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": "ما أظنه سمع من نعيم". وله أسانيد أخرى وكلّها معلّلة.
١٢ - باب ما جاء في صلاة الجماعة في البيوت للضرورة
• عن محمود بن الربيع الأنصاري أَنَّ عِتبان بن مالك، وهو من أصحاب رسول الله ﷺ ممن شهد بدرًا من الأنصار أنه أتى رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسول الله! قد أنكرتُ بَصَرِي وأنا أصلِّي لِقَوميّ، فإذا كانتِ الأمطارُ سالَ الوادي الذي بَيني وبينهم لم أستَطِع أن آتي مسجدهم فأُصلِّي بهم. وودِدْتُ يا رسول الله! أنَّكَ تأتيني فتُصَلِّي في بَيتي فأَتخَذَهُ مُصلًّى. قال: فقال له رسولُ الله ﷺ : "سأفعلُ إن شاء الله".
قال عِتبانُ: فغدا رسولُ الله ﷺ وأبو بكر حينَ ارتَفَعَ النهارُ فاستأذَنَ رسولُ الله ﷺ فأَذِنتُ له، فلم يجلسْ حتَّى دخلَ البيتَ ثمّ قال: "أينَ تُحِبُّ أن أصلِّيَ من بَيتِكَ؟ ، قال: فأشرتُ له إلى ناحيةٍ من البيت، فقام رسولُ الله ﷺ فكبَّرَ، فقُمنا فصفَفْنا فصلَّى رَكعتَينِ ثمّ سلَّمَ، فذكر الحديث كما مضى في الباب السابق.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصّلاة (٤٢٥)، ومسلم في المساجد (٢٦٣) كلاهما من طريق
стр. 1499
ابن شهاب، قال: أخبرني محمود بن الربيع فذكر مثله، واللّفظ للبخاريّ.
قال البخاريّ: وصلَّى البراء بن عازب في مسجده في داره جماعةً.
قال الحافظ في "الفتح": هذا الأثر أورده ابن أبي شيبة معناه في قصة".
• عن أبي هريرة: أن رجلًا من الأنصار أرسل إلى رسول الله ﷺ أن تعالَ فخُطَّ لي مسجدًا في داري أصَلِّي فيه. وذلك بعد ما عَمِيّ، فجاء ففعل.
حسن: رواه ابن ماجة (٧٥٠) عن يحيى بن الفَضْل الخرقيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عامر، قال: حَدَّثَنَا حمّاد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكره.
ورواه ابن حبان (٤٧٩٨) من طريق حمّاد بن سلمة في حديث طويل.
قال البوصيري في زوائد ابن ماجة: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، والرجل المبهم في هذا الحديث هو عِتبان بن مالك، وهو في الصحيحين، والنسائي من حديث عتبان بن مالك" انتهى.
قلت: رجاله ثقات غير عاصم وهو: ابن أبي النجود فقد تكلم في حفظه غير أنه حسن الحديث. وهو من رجال الجماعة.
١٣ - باب تناول العَشاء إذا قُدِّمَ وإنْ أُقيمتِ الصّلاةُ
• عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قُدِّم العَشَاءُ، فابدءوا به قبل أن تُصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عَشائِكم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان من طريق عُقيل (٦٧٢)، ومسلم في المساجد من طريق عمرو بن الحارث (٥٥٧) كلاهما من حديث ابن شهاب الزّهريّ، قال: حَدَّثَنِي أنس بن مالك فذكر الحديث.
ولكن زاد ابن حبان (٢٠٦٨)، والطحاوي في "مشكله" (١٩٩٢) كلاهما من حديث موسى بن أعين، عن عمرو بن الحارث به "وأحدكم صائم"، ومسلم أخرج الحديث المذكور من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث ولم يذكر هذه الزيادة. فالظاهر أن الذي زادها هو موسى بن أعين.
وقد نصَّ الطبرانيّ في الأوسط أن موسى بن أعين تفرّد بها.
قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ١٦٠): "موسى ثقة متفق عليه".
قلت: واستدل الطحاويّ بهذه الزيادة بأن النَّبِيّ ﷺ إنّما قصد بهذا القول الصُوَّام دون من سواهم. والله تعالى أعلم.
وقوله: "لا تعجلوا عن عشائكم" - أي يأكل حاجته من الأكل بكماله كما جاء توضيح ذلك في حديث ابن عمر.
• عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وُضع عَشاءُ أحدِكم، وأقيمتِ الصّلاةُ فابدأوا بالعَشاءِ، ولا يعجلْ حتَّى يفرغَ منه".
стр. 1500
وكان ابن عمر يُوضعُ له الطعامُ، وتُقام الصلاةُ، فلا يأتيها حتى يفرغَ، وإنه ليسمعُ قراءة الامام.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٧٣)، ومسلم في المساجد (٥٥٩) كلاهما من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم: "ولا يعجل حتى يفرغ منه".
• عن عائشة قالت: سمعتُ النبي ﷺ قال: "إذا وُضع العَشاءُ، وأقيمتِ الصلاةُ فابدأوا بالعَشاء".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٧١)، ومسلم في المساجد (٥٥٨) كلاهما من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرته، واللفظ للبخاري.
ولم يذكر مسلم لفظه، وإنما أحال على حديث الزهري، عن أنس.
ورواه مسلم عن محمد بن عبَّاد، ثنا حاتم (وهو ابن إسماعيل) عن يعقوب بن مجاهد، عن ابن أبي عتيق، قال: تحدثتُ أنا والقاسم عند عائشة حديثًا، وكان القاسم رجلًا لَحَّانة فذكر قصة غضبه وذهابه إلى الصلاة، وقد وُضعتِ المائدةُ. فقالت عائشة إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان". وسبق تخريجه في كتاب الطهارة وسيأتي أيضًا.
قال البغوي: "هذا إذا كانت نفسه، شديدةً التوقان إلى الطّعام، وكان في الوقت سعة، فأما إذا كان متماسكًا في نفسه لا يُزْعِجُه الجوعُ، ولا تنازعه شهوةُ الطعام، فلا يُعجِلْه عن إيفاء حق الصلاة، فيبدأ بالصلاة فإن النبي ﷺ كان يحتزُّ من كَتِفِ شاةٍ، فدُعي إلى الصلاة، فألقاها، ثم قام فصلَّى". "شرح السنة" (٣/ ٣٥٦ - ٣٥٧).
قلت: الحديث الذي ذكره البغوي متفق عليه، انظر تخريجه في كتاب الطهارة.
وأما ما روي عن جابر قال: كان رسولُ الله ﷺ لا يُؤخِّرُ الصلاة لطعام، ولا لغيره، فهو ضعيف، رواه أبو داود (٣٧٥٨) حدثنا محمد بن حاتم بن بزيغ، حدثنا معلي - يعني ابن منصور، عن محمد بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله فذكر الحديث.
وفيه محمد بن ميمون الزعفراني أبو النضر قال فيه البخاري وأبو داود، والنسائي: منكر الحديث، وقال الإمام أحمد: حديثه ليس بالقائم. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا لا يحل الاحتجاج به. وأما ابن معين فقال: ثقة. ومن علم حجة على من لم يعلم.
١٤ - باب لا يُصَلِّي وهو حاقن
• عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يُصلي بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان".
стр. 1501
صحيح: رواه أبو داود (٨٩) عن أحمد بن حنبل ومسدد ومحمد بن عيسى قالوا: حدثنا يحيى بن سعيد، عن أبي حزْرَة، حدثنا عبد الله بن محمد. قال ابن عيسى في حديثه: (ابن أبي بكر) ثم اتفقوا "أخو القاسم بن محمد" قال: كنا عند عائشة، فجيء بطعامها، فقام القاسم يُصَلِّي فقالت عائشة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكرت الحديث.
وأصله في صحيح مسلم (٥٦٠) عن يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وابن حُجْر قالوا: حدثنا إسماعيل (وهو ابن جعفر) أخبرني أبو حزرة القاصُّ، عن عبد الله بن أبي عتيق، عن عائشة، عن النبي ﷺ وأحال لفظه على الحديث السابق وهو: "لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان".
ورواه من وجه آخر عن ابن أبي عتيق، وفيه قصة القاسم. كما سبق ذكرها.
والأخبثان: هما البول والغائط.
وبقية الأحاديث انظرها في كتاب الطهارة، باب الرجل الحاقن يبدأ بالخلاء.
١٥ - باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة
• عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا ثُوِّبَ بالصلاة، فلا تأتوها وأنتم تَسْعَون. وأتوها وعليكم السكينةُ، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتِمُّوا، فإن أحدكم في صلاةٍ ما كان يعمد إلى الصّلاة".
متفق عليه: رواه مالك في الصلاة (٤) عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، وإسحاق بن عبد الله، أنهما أخبراه أنهما سمعا أبا هريرة يقول فذكره.
وأخرجه مسلم في أحد طرقه عن العلاء بن عبد الرحمن، وأخرجه الشيخان من غير طريق مالك، من طرق عن الزهري، عن أبي سعيد مرة، وقرنا مرة أخرى بأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة مثله. البخاري في الأذان (٦٣٦)، والجمعة (٩٠٨)، ومسلم في المساجد (٦٠٢).
ومعني ثُوِّب - أقيمت كما في بعض الروايات، وسميت الإقامة تثويبًا لأنها دعاء إلى الصّلاة بعد الدّعاء بالأذان من قولهم: ثاب إذا رجع.
قال أبو داود (١/ ٣٨٤) بعد أن أخرج الحديث من طريق يونس، عن الزْهريّ، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة مثله.
"كذا قال الزبيدي وابن أبي ذئب وإبراهيم بن سعد ومعمر وشعيب بن أبي حمزة، عن الزهري "وما فاتكم فأتموا" وقال ابن عيينة، عن الزهري وحده "فاقضوا" وقال محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وجعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة "فأتموا".
ثم روى من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم قال: سمعتُ أبا سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ائتوا الصلاة وعليكم السكينة، فصَلُّوا ما أدركتُم واقضوا ما سبقكم".
стр. 1502
وقال: وكذا قال ابن سيرين عن أبي هريرة "وليقض" وكذا قال أبو رافع عن أبي هريرة، وأبو ذر روى عنه: "فأتموا واقضوا" فاختلف فيه. انتهى
وهذا الخلاف يشير إلى أن في قوله "أتموا" وفي قوله "اقضوا" تغايرًا، "فأتموا" معناه: أكملوا فيكون ما أدركه المأموم هو أول صلاة، ما يكمله هو آخره، وأكثر الروايات تدل على هذا، وكذا رجح البيهقي أيضًا (٢/ ٢٩٨) ومعنى "اقضوا" أن ما أدركه المأموم هو آخر صلاته، فيقضي ما فاته من أول صلاته، فإن كانت الجهرية استحب له الجهر في الركعتين وقراءة السورة، وترك القنوت عند الشافعية في صلاة الصبح، إن فاتته الركعة الأولى في حين أن الشافعي مع جمهور العلماء: ما أدركه المسبوق مع الإمام أول صلاته، وما يأتي به بعد سلامه آخرها.
وقال أبو حنيفة: "ما أدركه مع الإمام هو آخر صلاته، وما يأتي بعد سلامه هو أول صلاته".
وعن مالك وأصحابه روايتان كالمذهبين. وحجة الجمهور أن أكثر الرّوايات "وما فاتكم فأتموا" وما جاء في بعض الروايات "فأقضوا" فهو مروي بالمعنى والمراد منه إتيان الفعل لا القضاء المصطلح عليه عند الفقهاء، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ ومثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ وغيرها من الآيات. والمسألة مبسوطة في كتب الفقه. وانظر للمزيد "المنة الكبرى" (٢/ ٣٠ - ٣١).
• عن أبي قتادة قال: بينما نحن نُصَلِّي مع رسول الله ﷺ فسمع جَلَبَة رجالٍ، فلما صلَّى قال: "ما شأنُكم؟ " قالوا: استعجلنا إلى الصلاة. قال: "فلا تفعلوا إذا أتيتُم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتُم فصلوا، وما فاتكم فأَتِمُّوا".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٣٥)، ومسلم في المساجد (٦٠٣) كلاهما من طريق يحيى بن أبي كثير، قال أخبرني عبد الله بن أبي قتادة، أن أباه أخبره فذكر الحديث. كذا رواه مسلم، ورواه البخاري بالعنعنة.
وجلبة رجال: أصواتهم حال حركتهم.
• عن أنس قال: قال رسول الله: "إذا جاء أحدكم إلى الصلاة فليمش على هِينته، فليصل ما أدرك، وليقضِ ما سبقه".
حسن: رواه أبو يعلى (٣٨٠٢ تحقيق الأثري) عن مسروق بن المرزُبان، حدثنا يحيى بن زكريا، عن حُميد، عن أنس فذكر مثله.
وإسناده حسن لأجل الكلام في مسروق بن المرزُبان غير أنه يحسن حديثه إذا توبع، وقد وجدنا له متابعة رواه الطبراني في الأوسط، (٢٧١٨) من وجه آخر عن مؤمَّل، عن حماد، عن ثابت، عن أنس. قال حماد: ولا أعلمه إلا قد رفعه فذكر الحديث مثله. ومؤمَّل مختلف فيه أيضًا غير أنه يُقبل في المتابعات، وعند الطبراني أسانيد أخرى. انظر: "مجمع البحرين" (٦٧٣، ٦٧٤) وأما قول
стр. 1503
الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣١): "رجاله رجال الصحيح"، فهو ليس بصحيح فإن مؤمَّل بن إسماعيل ليس من رجال الصحيح.
يبدو أن حُميد الطويل يروي هذا الحديث مطولًا ومختصرًا ففي المطول قصّة رجل جاء فدخل الصف، وقد حَفَزَه النَفَسُ فقال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه ... كما مضى في استفتاح الصلاة من حديث مسلم رواه من طريق عفان، عن حماد، أخبرنا قتادةُ وثابت وحُميد، عن أنس إلا أنه لم يذكر: "إذا جاء أحدكم ... إلخ"، ولكن رواه أبو داود (٧٦٣) عن موسى بن إسماعيل، عن حماد به وقال: زاد حُميد فيه: "إذا جاء أحدكم فليمش نحو ما كان يمشي فليُصل ما أدركهـ، وليفض ما سبقه".
وكذلك رواه الإمام أحمد (١٢٠٣٤) عن ابن أبي عدي وسَهْلِ بن يوسف - كلاهما عن حُميد.
وعن أبي كامل (١٢٧١٣) عن حماد بن سلمة، عن قتادة وثابت وحُميد به فجمع بين دعاء الاستفتاح، وتوجيه النبي ﷺ لمن أسرع في المشي.
١٦ - باب ما يكره من الصلاة عند الإقامة
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا أقيمتِ الصلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبة".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧١٠) عن أحمد بن حنبل وهو في مسنده (٩٨٧٣)، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبةُ عن وَرْقاء، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة فذكره.
وورقاء هو: ابن عمر اليشكري، أبو بشر الكوفي من رجال الجماعة.
وبعض الرواة رووا عن عمرو بن دينار فوقفوه عليه، والصواب أنه مرفوع وعليه أكثر الثقات.
انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦).
وقد رُوي هذا الحديث عن ابن عمر. رواه عبد الله بن مروان الدمشقي عن ابن أبي ذئب، عن ابن عمر. ومن طريقه رواه الطحاوي في مشكله (٤١٣٢) وتكلم الذهبي في الميزان في ترجمة عبد الله بن مروان وقال: "وهذا المتن إنما هو لعمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة مرفوعًا".
لأنه كما قال ابن حبان عن عبد الله بن مروان: "روي عن ابن أبي ذئب، وعنه سلمان. يلزق المتون الصحاح بطرق أُخر. لا يحل الاحتجاج به".
وأما الاشتغال بركعتي الفجر عند الإقامة فانظر أحاديثه في جماع أبواب النوافل التابعة للفرائض باب كراهية الاشتغال بركعتي الفجر إذا أقيمت الصّلاة.
١٧ - باب ما جاء في أداء الصلوات الفائتة بالجماعة
• عن عمر بن الخطاب أنه جعل يَسُبُّ كفَّارَ قُريش يومَ الخندقِ وقال: يا رسول الله!
стр. 1504
والله! ما كِدْتُ أن أَصَلّي العصْرَ حتَّى كادتْ أن تغربَ الشمسُ. فقال رسولُ الله ﷺ : "فوالله! إن صَلَّيْتُها" فنزلنا إلى بُطْحانَ فتوضأ رسولُ الله ﷺ وتوضَّأنا. فصَلَّى رسولُ الله ﷺ العصرَ بعد ما غربتِ الشمسُ، ثمَّ صَلَّى بعدها المغربَ.
متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٩٦) وفي المواضع الأخرى، ومسلم في المساجد (٦٣١) كلاهما عن هشام (الدستوائي) عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله، عن عمر بن الخطاب فذكر مثله. واللفظ لمسلم، وقوله: "فوالله! إن صليتُها" معناها ما صليتُها وإنما حلف النبي ﷺ تطييبًا لقلب عمر، فإنه شق عليه تأخير العصر إلى المغرب، فأخبره أنه لم يُصلها أيضًا. وجاء التصريح بذلك في حديث البخاري فقال فيه: "والله! ما صَلّيتُها".
• عن أبي قتادة قال: فبينما رسول الله ﷺ يسير حتَّى ابهارَّ الليلُ وأنا إلى جنبه. قال: فنعس رسول الله ﷺ فمال عن راحلته. فأتيته فدعمته من غير أن أوقظه. حتَّى اعتدل على راحلته. قال: ثمَّ سار حتَّى تهوَّر الليلُ، مال عن راحلته. قال: فدعمته. من غير أن أوقظه. حتَّى اعتدل على راحلته. قال: ثمَّ سار حتَّى إذا كان من آخر السَّحر مال ميلةً هي أشدُّ من المَيْلَتين الأُولَيين. حتَّى كاد ينجفلُ. فأتيته فدعمته. فرفع رأسه فقال: "من هذا؟ ". قلت: أبو قتادة. قال: "متى كان هذا مسيرك منِّي؟ ". قلت: ما زال هذا مسيري منذ الليلة. قال: "حفظك الله بما حفظت به نبيَّه". ثمَّ قال: "هل ترانا نخفي على الناس؟ ". ثمَّ قال: "هل ترى من أحدٍ؟ ". قلت: هذا راكبٌ. ثمَّ قلت: هذا راكبٌ آخر. حتَّى اجتمعنا فكنا سبعة رَكب. قال: فمال رسول الله ﷺ عن الطريق، فوضع رأسه. ثمَّ قال: "احفظوا علينا صلاتنا". فكان أوَّل من استيقظ رسول الله ﷺ والشمس في ظهره. قال: فقمنا فزعين. ثمَّ قال: "اركبوا" فركِبنا. فسرنا حتَّى إذا ارتفعت الشمس نزل. ثمَّ دعا بميضأَةٍ كانت معي، فيها شيءٌ من ماء. قال: فتوضَّأ منها وضوءًا دون وضوءٍ. قال: وبقي فيها شيءٌ من ماء. ثمَّ قال لأبي قتادة: "احفظ علينا ميضأتك، فسيكون لها نبأٌ". ثمَّ أذَّن بلالٌ بالصلاة. فصلَّى رسول الله ﷺ ركعتين. ثمَّ صلى الغداة، فصنع كما يصنع كل يوم. قال: وركب رسول الله وركبنا معه. قال: فجعل بعضنا يهمس إلى بعض: ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟ ثمَّ قال: "أما لكم فيَّ أسوة؟ ". ثمَّ قال: "أما إنه ليس في النوم تفريط، إنَّما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتَّى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلِّها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند
стр. 1505
وقتها". ثمَّ قال: "ما ترون الناس صنعوا؟ ". قال: "أصبح الناسُ فقدوا نبيَّهم. فقال أبو بكر وعمر: رسول الله ﷺ بعدكم. لم يكن ليُخلِّفكم. وقال الناسُ: إنَّ رسول الله ﷺ بين أيديكم. فإن يُطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا".
قال: فانتهينا إلى الناس حين امتدَّ النهار وحمِي كلُّ شيءٍ. وهم يقولون: يا رسول الله! هلكنا. عطشنا، فقال: "لا هُلكَ عليكم". ثمَّ قال: "أطلقوا لي غُمَري". قال: ودعا بالميضأَةِ. فجعل رسول الله ﷺ يَصُبُّ وأبو قتادة يسقيهم. فلم يَعْدُ أن رأى الناسُ ماءً في الميضأَةِ تكابّوا عليها. فقال رسول الله ﷺ : "أحسنوا الملأَ، كلُّكم سيَروَى". قال: ففعلوا. فجعل رسول الله ﷺ يصبُّ وأسقيهم. حتَّى ما بقي غيري وغير رسول الله ﷺ . قال: ثمَّ صبَّ رسول الله ﷺ فقال لي: "اشرب". فقلت: لا أشرب حتَّى تشربَ يا رسول الله! قال: "إنَّ ساقي القوم آخرهم شربًا"، قال: فشربتُ. وشرب رسول الله ﷺ . قال: فأتى الناس الماء جامِّين رواءً. قال: فقال عبد الله بن رباح: إني لأُحدِّث هذا الحديثَ في مسجد الجامع إذ قال عمرانُ بنُ حصين: انظر أيُّها الفتي كيف تحدِّث. فإنِّي أحدُ الرَّكْب تلك اللّيلة. قال، قلت: فأنت أعلم بالحديث. فقال: ممن أنت؟ قلت: من الأنصار. قال: حدِّث فأنتم أعلم بحديثكم. قال: فحدَّثتُ القوم. فقال عمرانُ: لقد شهدتُ تلك الليلةَ وما شعرت أنَّ أحدًا حفظه كما حفظته.
متَّفق عليه: رواه مسلم في المساجد (٦٨١) عن شيبان بن فروخ، حدثنا سليمان (يعني ابن المغيرة) حدثنا ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة فذكره.
ورواه البخاري في مواقيت الصلاة (٥٩٥) من وجهٍ آخر عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه مختصرًا.
وفي الصلاة الفائتة أحاديث أُخرى انظرها في جميع الأذان، باب الأذان والإقامة الصلاة الفائتة، وجموع الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، باب من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها.
شرح المفردات الغريبة:
ابهارَّ الليلُ: أي انتصف. تهوَّرَ الليلُ: ذهب أكثرُه.
دعمته: أي أقمت ميله من النوم، وصرت تحته كالدعامة للبناء فوقها.
أطلِقوا غُمرِي: أي ايتوني به. والغمر القدح الصغير.
أحسنوا الملأَ: أي الخلق والعشرة.
جامِّين رواءً: أي مستريحين قد رووا من الماء.
стр. 1506
كاد ينجفلُ: أي يسقط.
وضوءًا دون وضوءٍ: يريد وضوءًا خفيفًا
١٨ - باب ما جاء في نقصان الصلاة
• عن عمار بن ياسر قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن الرجل لينصرفُ، وما كُتبَ إلا عُشْرُ صلاته، تُسْعُها، ثُمُنُها، سُبُعُها، سُدُسُها، خُمُسُها، رُبُعُها، ثُلُثُها، نِصْفُها".
حسن: رواه أبو داود (٧٩٦) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، عن بكر - يعني ابن مُضر، عن ابن عَجْلان، عن سعيد المقبري، عن عمر بن الحكم، عن عبد الله بن عَنَمة المزني، عن عمار بن ياسر فذكر مثله.
ورواه الإمام أحمد (١٨٨٩٤) عن صفوان بن عيسى، والطحاوي في مشكله (١١٠٣) من طريق حيوة بن شريح - كلاهما عن ابن عجلان به مثله.
إسناده حسن لأجل محمد بن عجلان فإنه حسن الحديث.
وأما عبد الله بن عنمة فاختلف فيه فقيل: إن له صحبة، شهد فتح الإسكندرية، ولكن قال ابن منده: "له صحبة، ولا تعرف له رواية" يعني عن النبي ﷺ . وهذا لا ينافي أن يروي عن غيره كما هنا وقد تابعه ابن لاس الخزاعي قال: دخل عمار بن ياسر المسجد، فركع فيه ركعتين أخفَّهما وأتمَّهما، قال: ثمَّ جلس. فقُمنا إليه، فجلسنا عنده، ثمَّ قلنا له: لقد خفَّفْتَ ركعتيك هاتين جدًّا يا أبا اليقظان! فقال: إني بادرتُ بهما الشيطان أن يدخلَ عليَّ فيهما. قال: فذكر الحديث.
رواه الإمام أحمد (١٨٣٢٣) عن يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن عمر بن الحكم بن ثوبان، عن ابن لاس الخزاعي به إلا أن الإمام لم يذكر لفظ الحديث. وإنما ذكره في موضع آخر في حديث عبد الله بن عنمة كما سبق في سياق أبي داود، وسياق الإمام أحمد: رأيت عمار بن ياسر دخل المسجد فأخَفَّ الصلاة قال: فلما خرج قُمتُ إليه، فقلت: يا أبا اليقظان! لقد خفَّفْتَ. قال: فهل رأيتني انتقصتُ من حدودها شيئًا؟ قلت: لا، قال: فإني بادرتُ بها سهوةَ الشيطان، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: فذكر الحديث كما مضى.
رواه الإمام أحمد (١٨٨٩٤) عن صفوان بن عيسى، قال: أخبرنا ابن عجلان به كما سبق.
والإسناد الثاني عند الإمام أحمد حسن لأجل محمد بن إسحاق وقد صرَّح بالتحديث، فانتفتْ منه تهمةُ التدليس، وهو حسن إذا صرَّح.
وابن لاس، ويقال له: أبو لاس، له صحبة. روي له البخاري تعليقًا، وهو مشهور بكنيته، ولا يعرف له اسمه ذكره الحافظ في "الإصابة" (٤/ ١٦٨) في باب الكنية، في القسم الأول.
وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب": "له صحبة يعد في أهل المدينة، روى عنه عمر بن الحكم بن ثوبان".
стр. 1507
وللحديث طرق أخرى، والتي ذكرتُها هي أصحُّها. انظر للمزيد: "السنن الكبرى" (٢/ ٢٨ ١).
١٩ - باب خروج النساء لحضور الجماعات في المساجد
• عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا استأذنتِ امرأةُ أحدِكم إلى المسجد فلا يمنعها".
متفق عليه: رواه البخاري في النكاح (٥٢٣٨)، ومسلم في الصلاة (٤٤٢) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه فذكره.
وقيَّد حنظلة في روايته عن سالم بالليل. رواه البخاري (٨٦٥) عن عبيد الله بن موسى، عنه، ولكن لم يذكر أكثر الرواة عن حنظلة قوله "بالليل" كما رواه مسلم عن ابن نمير، عن أبيه، عن حنظلة.
ورواه مسلم أيضًا من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل" فقال ابن لعبد الله بن عمر: لا نَدَعُهُنَّ يخرجْنَ فيتخذْنَه دَغَلًا. قال: فزَبَره ابن عمر وقال: أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقول: لا نَدَعُهُنَّ.
وفي رواية: فضرب في صدره وقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول: لا.
وهذا الابن اسمه بلال، كما ذكره كعب بن علقمة، عنه، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا النساء حُظُوظَهُنَّ من المساجد إذا استأذنوكم" فقال بلال بن عبد الله بن عمر: والله! لنمنعُهُنَّ. فقال له عبد الله: أقول: قال رسول الله ﷺ . وتقول أنت: لنمنعُهُنَّ. رواه مسلم من طريقه.
• عن ابن عمر قال: كانت امرأة العمر تشهد صلاة الصبح والعِشاء في الجماعة في المسجد. فقيل لها: لِم تخرجين، وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟ قالت: وما يمنعه أن ينهاني؟ قال: يمنعه قول رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله".
متفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (٩٠٠) عن يوسف بن موسى، حدثنا أبو أسامة، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
ورواه مسلم في الصلاة (٤٤٢/ ١٣٦) دون قصة عمر من حديث عبيد الله به.
ويصلح أن يكون هذا الحديث من مسند ابن عمر، كما يصلح أن يكون من مسند عمر بن الخطاب، ويدل عليه ما رواه الإمام أحمد (٢٨٣) عن إسماعيل بن إبراهيم، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن سالم بن عبد الله قال: كان عمر رجلًا غيورًا، فكان إذا خرج إلى الصلاة أتبعته عاتكة ابنة زيد فكان يكره خروجها، ويكره منْعها، وكان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "إذا استأذن نساؤكم إلى الصلاة فلا تمنعوهن" إلا أنه منقطع، فإن سالم بن عبد الله بن عمر لم يدرك جده عمر، ولم يسمع منه.
ورواه مالك في القبلة (١٤) عن يحيى بن سعيد، عن عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل امرأة
стр. 1508
عمر بن الخطاب أنها كانت تستأذن عمر بن الخطاب إلى المسجد، فيسكتُ فتقول: والله! لأخرجنّ إلا أن تمنعني. فلا يمنعُها.
• عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن".
صحيح: رواه أبو داود (٥٦٧) عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب، حدثني حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر فذكره. وإسناده صحيح.
وصححه أيضًا ابن خزيمة (١٦٨٤)، والحاكم (١/ ٢٠٩) وقال: صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا جميعًا بالعوام بن حوشب، وقد صَحَّ سماع حبيب من ابن عمر، ولم يخرجا فيه لزيادة "وبيوتهن خير لهن".
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجْن وهُنَّ تفلاتٌ".
حسن: رواه أبو داود (٥٦٥) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن فإن محمد بن عمرو وهو ابن علقمة حسن الحديث.
وأخرجه ابن خزيمة (١٦٧٩)، وابن حبان (٢٢١٤) كلاهما من طريق محمد بن عمرو به مثله.
والتفل: سوء الرائحة، يقال: امرأة تفلة: إذا لم تتطيب، ونساء تفلات.
• عن زيد بن خالد أن رسول الله ﷺ قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجْنَ تفلات".
حسن: رواه أحمد (٢١٦٧٣)، والطبراني في الكبير (٥٢٣٩)، والبزار "كشف الأستار" (٤٤٥) كلهم من طرق عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن بُسر بن سعيد، عن زيد بن خالد فذكر مثله.
وإسناده حسن فإن محمد بن عبد الله بن عمرو صدوق، وباقي الرجال رجال الصحيح كما قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣٢ - ٣٣).
وصحّحه ابن حبان (٢٢١١) وأخرجه من هذا الطريق.
• عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "لا تمنعوا إماءَ الله مساجِدَ الله، ولْيخرجْنَ تَفِلات".
قالت عائشة: ولو رأى حالهن اليومَ منعهن.
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٤٤٠٦) قال: حدثنا الحكم، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، قال أبي يذكره عن أمه، عن عائشة فذكرته.
стр. 1509
وإسناده حسن الكلام في عبد الرحمن بن أبي الرِّجَال إلا أنه حسن الحديث.
وأبوه: أبو الرِّجال مشهور بهذه الكنية، وهي لقبه، وكنيته أبو عبد الرحمن، وهو محمد بن عبد الرحمن بن حارثة الأنصاري من رجال الشيخين.
وأمه هي: عمرة بنت عبد الرحمن التابعية المشهورة.
والحكم هو: ابن موسى القنطري أبو صالح البغدادي وثَّقه العجلي وابن سعد، وهو "صدوق" من رجال مسلم.
وأما قول عائشة فهو متفق عليه: رواه مالك في القبلة (١٥) عن يحيى بن سعيد، عن عَمَرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أنها قالت: لو أدرك رسولُ الله ﷺ ما أحدث النساءُ لمنعهنَّ المساجدَ كما مُنِعتْ نساءُ بني إسرائيل.
قال يحيى بن سعيد: فقلت لعمرة: أو مُنع نساءُ بني إسرائيل المساجدَ؟ قالت: نعم.
وأخرجه البخاري في الأذان (٨٦٩) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به، ورواه مسلم في الصلاة (٤٤٥) من طرق عن يحيى بن سعيد به مثله.
وقولها: ما أحدث النساء - يعني من الزّينة والطِّيب وحسن الثياب.
٢٠ - باب النّهي للمرأة أن تشهد الصّلاة إذا أصابتْ من البخور
• عن زينب الثقفية عن رسول الله ﷺ قال: "إذا شهدَتْ إحداكن العِشاءَ فلا تطيَّبْ تلك الليلة".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٤٣) من طريق ابن وهب، أخبرني مخرمة، عن أبيه بكير بن عبد الله بن الأشج، عن بُسْر بن سعيد، عن زينب فذكرته.
وفي رواية محمد بن عجلان، عن بكير، عن بسر بن سعيد، عن زينب امرأة عبد الله قالت: قال لنا رسولُ الله ﷺ : "إذا شهدتْ إحداكنَّ المسجدَ فلا تَمَسَّ طيبًا".
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أيُّما امرْأةٍ أصابت بَخُورًا فلا تشهدْ معنا العِشاءَ الآخرةَ".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٤٤) عن يحيى بن يحيى وإسحاق بن إبراهيم، قال يحيى: أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة، عن يزيد بن خُصيفة، عن بُسْر بن سعيد، عن أبي هريرة فذكره.
• عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "أيما امرأة تطيبتْ، ثم خرجتْ إلى المسجد، لم تُقبلَ لها صلاةٌ حتَّى تغتسلَ غُسْلَها من الجنابة".
حسن: رواه أبو داود (٤١٧٤)، وابن ماجة (٤٠٠٢) كلاهما من طريق سفيان بن عُيينة، عن
стр. 1510
عاصم بن عبيد الله، عن عبيد مولى أبي رُهْم، عن أبي هريرة قال: لقيتْه امرأةٌ وجد منها ريحَ الطيب يَنْفَحُ، لذيلها إعصار فقال: يا أمةَ الجبَّار! جئتِ من المسجد؟ قالت: نعم، قال: وله تطيبتِ؟ قالت: نعم، قال: إني سمعت حِبِّي أبا القاسم يقول: فذكر الحديث. واللفظ لأبي داود.
وفي حديث ابن ماجة: يا أمة الجبَّار! أين تريدين؟ قالت: المسجد.
وهذا إسناد فيه مقال، فإن عاصم بن عبيد بن عاصم بن عمر بن الخطاب ضعيفٌ، إلا أنه توبع فرواه البيهقي (٣/ ١٣٣) من طريق عبد الرحمن بن الحارث بن أبي عبيد - من أشياخ كوثي مولى أبي رُهم الغفاري - عن جده قال: خرجت مع أبي هريرة من المسجد ضُحى فلقيتنا امرأةٌ بها من العطر شيء، لم أجد بأنفي مثله قط. فقال لها أبو هريرة: عليكِ السلام. فقالت: وعليك. قال: فأين تريدين؟ قالت: المسجد، قال: ولأي شيء تطيبت بهذا الطيب؟ قالت: للمسجد. قال: الله؟ قالت: الله. قال: الله؟ قالت: الله. قال: فإن حِبِّي أبا القاسم أخبرني: "أنه لا تُقبل لامرأة صلاة تطيبتْ بطيب لغير زوجها، حتَّى تغتسل منه غُسلها من الجنابة" فاذهبي فاغتسلي منه، ثمَّ ارجعي فصلِّي.
قال البيهقي: "جده أبو الحارث عبيد بن أبي عبيد، وهو عبد الرحمن بن الحارث بن أبي الحارث بن أبي عبيد، ورواه عاصم بن عبد الله، عن عبيد مولى أبي رُهم". انتهى.
وعبيد مولى أبي رُهم حسن الحديث. وعبد الرحمن بن الحارث لا بأس به.
ورواه النسائي (٥١٢٧) عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، قال: سمعتُ صفوان بن سُليم، ولم أسمع من صفوان غيره يحدث عن رجل ثقة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا خرجت المرأةُ إلى المسجد فلتغتسل من الطبيب كما تغتسل من الجنابة" مختصرًا، وإسناده صحيح غير الرجل المبهم الذي لم يُسم، وإن كان وصف بالثقة، والأصل في ذلك أن يُسمى لينظر فيه. والغالب أنه عبيد مولى أبي رُهم.
ورواه أيضًا ابن خزيمة (١٦٨٢)، والبيهقي كلاهما من طريق الأوزاعي، حدثني موسى بن يسار، عن أبي هريرة قال: مرتْ بأبي هريرة امرأةٌ وريحُها تعصف، فقال لها: إلى أين تريدين يا أمة الجبار؟ قالت: إلى المسجد. قال: تطيبتِ؟ قالت: نعم، قال: فارجعي فاغتسلي، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يقبل الله من امرأة صلاةً خرجت إلى المسجد وريحُها تعصف حتى ترجع فتغتسل". إلا أنه منقطع، فإن موسى بن يسار وهو الأردني لم يلق أبا هريرة، قال أبو حاتم: هو شيخ مستقيم الحديث.
وروى له الترمذي حديثًا في زكاة العسل وقال: في إسناده مقال.
وبمجموع هذه الأسانيد يرتقي الحديث إلى حسن لغيره، وهو لا بأس به في الشّواهد.
• عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "إذا استعطرتِ المرأة فمرتْ على القوم
следующие страницы →