← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قال الطبراني في "الأوسط" عقب الحديث: "لم يرو هذا الحديث عن شبيب إلا حريز بن عثمان". قلت: وشبيب هو ابن نعيم أبو روح، ويقال: ابن أبي روح؛ قال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: "شيوخ حريز بن عثمان كلّهم ثقات"، وذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٣٥٩). لكن ذكره الحافظ في "تهذيبه" فقال: "نقل ابن القطّان عن ابن الجارود قال: قال محمد بن يحيى الذُّهليّ: هذا شعبة وعبد الملك بن عمير في جلالتهما يرويان عن شبيب أبي روح. قال ابن القطّان: شبيب رجل لا تعرف له عدالة. انتهى كلام ابن القطّان. قال الحافظ: وإنّما أراد الذهليّ برواية شعبة عنه أنه روى حديثه لا أنه روى عنه مشافهة، إذ رواية شعبة إنما هي عن عبد الملك عنه، وذكره ابن قانع في الصحابة وساق له حديثًا عن النبيّ ﷺ ، وأخرج أحمد الحديث في "مسنده" من رواية شعبة، عن عبد الملك، عن شبيب، عن رجل له صحبة، وهو الصّواب". انتهى كلام الحافظ في التهذيب. فإن صحّتْ هذه الزّيادة فمعناها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى -وقد سئل عن هذا الحديث-: "فقوله: "من اليمن" يبين مقصود الحديث، فإنه ليس لليمن اختصاص بصفات اللَّه تعالى حتى يظن ذلك، ولكن منها جاء الذين يحبّهم ويحبّونه الذين قال فيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]. وقد روي أنه لما نزلت هذه الآية: سئل عن هؤلاء، فذكر أنهم قومُ أبي موسى الأشعري، وجاءت الأحاديث الصحيحة مثل قوله: "أتاكم أهل اليمن أرق قلوبًا، وألين أفئدة، الإيمان يماني، والحكمة يمانية" وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الرّدة، وفتحوا الأمصار، فبهم نفّس الرحمن عن المؤمنين الكربات، ومن خصَّص ذلك بأويس القرني فقد أبعده" انتهى. انظر: فتاواه (٦/ ٣٩٨). ٣٤ - باب ما جاء أنّ الإيمان في أهل الحجاز • عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ "غِلَظُ القلوب والجفاء في الشّرق، والإيمان في أهل الحجاز". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٥٣) عن إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد اللَّه بن الحارث المخزوميّ، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه، فذكره. ٣٥ - باب حسن إسلام المرء • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكلّ سيئة يعملها تكتب له بمثلها". متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٤٢)، ومسلم في الإيمان (١٢٩) كلاهما من حديث عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة، فذكره. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ من حسن إسلام المرء تركَه ما لا يعنيه".

стр. 177

حسن: رواه الترمذيّ (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٩٧٦)، وابن حبان في صحيحه (٢٢٩) كلّهم من طريق الأوزاعيّ، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. قال الترمذيّ: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ إلّا من هذا الوجه". قلت: إسناده حسن من أجل قرّة بن عبد الرحمن فإنّ أكثر أهل العلم على تضعيفه وقالوا: في حديثه نكارة، ولكن قال ابن عدي -بعد أن روى الحديث المذكور من طريق الأوزاعيّ-: "قد رُوي عن الأوزاعيّ، عن قرة، عن الزهري بضعة عشر حديثًا، ولقرّة أحاديث صالحة يرويها عنه رشدين، وسويد بن عبد العزيز، وابن وهب، والأوزاعيّ، وغيرهم، وجملة حديثه عند هؤلاء ولم أرَ في حديثه حديثًا منكرًا جدًّا فأذكره، وأرجو أنه لا بأس به" انتهى. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج حديثه في صحيحه، وقال العجلي: "يكتب حديثه". قلت: هذا الذي قاله ابن عدي ظاهر في هذا الحديث -أي ليس فيه نكارة- بل الأحاديث الصحيحة تشهد له بمعناه. وقد نقل الحافظ المزي في ترجمة أبي داود صاحب السنن أنه قال: "كتبت عن رسول اللَّه ﷺ خمس مائة ألف حديث، انتخبتُ منها ما ضمنته هذا الكتاب -يعني كتاب السنن- جمعت فيه أربعة آلاف وثمان مائة حديث، ذكرت الصّحيح وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث. . ." فذكرها منها هذا الحديث. • عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أسلم العبد فحسُن إسلامه، كتب اللَّه له كل حسنةٍ كان أزْلفها، ومحيتْ عنه كل سيئة كان أزْلفها، ثم كان بعد ذلك القصاصُ. الحسنةُ بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز اللَّه عنها". صحيح: رواه النسائي (٤٩٩٨) عن أحمد بن المعلَّى بن زيد، قال: حدثنا صفوان بن صالح، قال: حدثنا الوليد قال: حدثنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري فذكر مثله. وذكره البخاري في الإيمان (٤١) معلقا عن مالك، ولم يسنده في موضع آخر، إلا أنه أسقط قوله: "كتب اللَّه له كل حسنة كان أزلفها" لأنه مشكل على القواعد، لأن الكافر لا يثاب على العمل الصالح الصادر منه في كفره وشركه لأن من شرط التقرب أن يكون عارفا لمن يتقرب إليه، والكافر ليس كذلك، ذكره المازري وغيره، وتابعه القاضي عياض على تقرير هذا الإشكال، ورده النووي فقال: الصواب الذي عليه المحققون -بل نقل بعضهم فيه الإجماع- أن الكافر إذا فعل أفعالًا جميلة كالصدقة، وصلة الرحم، ثم أسلم، ومات على الإسلام أن ثواب ذلك يكتب له، وأما

стр. 178

دعوى أنه مخالف للقواعد فغير مُسَلَّم، لأنه قد يعتقد بعض أفعال الكافر في الدنيا ككفارة الظهار، فإنه لا يلزمه إعادته إذا أسلم وتُجزئه. انظر "الفتح" (١/ ٩٩). وقوله "أزلفها" أي أسلف وقدَّم. ٣٦ - باب أنّ النّصيحة عماد الدّين وقوامه • عن جرير بن عبد اللَّه، قال: "بايعتُ رسول اللَّه ﷺ على إقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، والنّصح لكلّ مسلم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٥٧)، ومسلم في الإيمان (٥٦) كلاهما من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن جرير، فذكره، ولفظهما سواء. ورواه البخاريّ (٧٢٠٤)، ومسلم عن يعقوب بن إبراهيم الدّورقيّ، حدثنا هشيم، عن سيّار، عن الشعبيّ، عن جرير، قال: "بايعتُ النّبيَّ ﷺ على السّمع والطّاعة -فلقّنني: "فيما استطعتُ"-، والنّصح لكل مسلم". وفي البخاريّ (٥٨) من طريق زياد بن علاقة، قال: سمعت جرير بن عبد اللَّه يقول يوم مات المغيرة بن شعبة: قام فحمد اللَّه وأثنى عليه وقال: عليكم باتقاء اللَّه وحده لا شريك له، والوقار والسكينة حتى يأتيكم أمير، فإنّما يأتيكم الآن. ثم قال: استعفوا لأمركم فإنه كان يحبُّ العفو. ثم قال: أما بعد؛ فإني أتيتُ النّبيَّ ﷺ قلتُ: أبايعك على الإسلام، فشرط عليَّ: "النّصح لكلّ مسلم" فبايعته على هذا. وربِّ هذا المسجد إني لناصح لكم، ثم استغفر ونزل. كان المغيرةُ واليًا على الكوفة في خلافة معاوية، وكانت وفاته سنة خمسين من الهجرة، واستناب عند موته ابنه عروة، وقيل: استناب جريرًا المذكور، ولهذا خطب الخطبة المذكورة، حكى ذلك العلائي في "أخبار زياد". انظر: الفتح (١/ ١٣٩). • عن تميم الدّاريّ، أنّ النّبيّ ﷺ قال: "الدّينُ النّصيحة" قلنا: لمن؟ قال: "للَّه، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمّة المسلمين وعامّتهم". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٥٥) عن محمد بن عبّاد المكيّ، حدثنا سفيان (هو ابن عيينة)، قال: قلت لسهيل: إنّ عمرًا (يعني ابن دينار) حدّثنا عن القعقاع، عن أبيك. قال: ورجوتُ أن يُسقط عنّي رجلًا. قال: فقال: سمعتُه من الذي سمعه منه أبي، كان صديقًا له بالشّام. ثم حدّثنا سفيان، عن سهيل، عن عطاء بن يزيد، عن تميم الدّاريّ، فذكره. ٣٧ - باب الدّليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النَّزْع • عن المسيب بن حزْن قال: لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه النبيّ ﷺ وعنده أبو جهل، وعبد اللَّه بن أبي أمية، فقال النبيّ ﷺ : "أيْ عمّ، قلْ: لا إله إلّا

стр. 179

اللَّه أحاجُّ لك بها عند اللَّه" فقال أبو جهل، وعبد اللَّه بن أبي بن خلف: يا أبا طالب، أترغبُ عن ملّة عبد المطلب؟ ! فقال النبيُّ ﷺ : "لأستغفرنّ لك ما لم أُنهَ عنك" فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [سورة التوبة: ١١٣] ". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٧٥)، ومسلم في الإيمان (٢٤/ ٤٠) كلاهما عن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن شعيب بن المسيب، عن أبيه، فذكره، واللّفظ للبخاريّ. وفي رواية عن عبد الرزاق أيضًا بعد قوله فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [سورة القصص: ٥٦]. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ لعمّه عند الموت: "قل: لا إله إلا اللَّه، أشهد لك بها يوم القيامة" فأبى، فأنزل اللَّه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٥) من طرق عن مروان، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. ورواه من وجه آخر عن يحيى بن سعيد، حدثنا يزيد بن كيسان، بإسناده، وذكر فيه قول أبي طالب: "لولا أن تعيّرني قريش يقولون: إنّما حمله على ذلك الجزع، لأقررتُ بها عينَك". ٣٨ - باب أنّ الإيمان إذا خالطتْ بشاشتُه القلوب لا يسخطه أحد • عن ابن عباس أخبر أن أبا سفيان أخبره، أن هرقل قال له: سألتُك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتك: هل يرتدّ أحدٌ سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد. متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٥١) عن إبراهيم بن حمزة، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، أن ابن عباس أخبره عن أبي سفيان، فذكره. ورواه الشيخان - البخاريّ في التفسير (٤٥٥٣)، ومسلم في الجهاد (١٧٧٣) كلاهما من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، بإسناده، طويلًا، وسيأتي في موضعه. ٣٩ - باب من خصال هذا الدّين أنه يُسر • عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّ الدّين يسر، ولن يُشادَّ الدّينَ أحدٌ إلّا

стр. 180

غلبه، فسدِّوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرّوحة وشيء من الدُّلْجة". صحيح: رواه البخاريّ في الإيمان (٣٩) عن عبد السلام بن مطهّر، قال: حدَّثنا عمر بن عليّ، عن معن بن محمد الغفاريّ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وقوله: "لن يُشادّ الدّين أحدٌ إِلَّا غلبه" أي لا يتعمّق أحدٌ في الأعمال الدينيّة ويترك الرّفق إِلّا عجز، وانقطع فيُغلب. قال ابن المنير: "في هذا الحديث عَلَمٌ من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى النّاس. قبلنا أنّ كلّ متنطع في الدّين ينقطع، وليس المراد منع طلَب الأكمل في العبادة؛ فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملل، أو المبالغة في التطوّع المفضي إلى ترك الأفضل. . . " انظر: الفتح. (١/ ٩ ٤). ٤٠ - باب أنّ اللَّه لا يكلّف إِلَّا ما يُطاق • عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول اللَّه ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٤]. قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فأتوا رسول اللَّه ﷺ ، ثم بركوا على الرّكب، فقالوا: أيْ رسولَ اللَّه، كُلِّفْنا من الأعمال ما نُطيق: الصّلاة والصّيام، والجهاد، والصّدقة، وقد أُنزلت عليك هذه الآية ولا نُطيقُها؟ قال رسول اللَّه ﷺ : "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربَّنا وإليك المصير". قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القومُ ذلَّتْ بها ألسنتُهم. فأنزل اللَّه في إِثْرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٥]. فلما فعلوا ذلك نسخها اللَّه تعالى، فأنزل اللَّه : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم. ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: نعم. [سورة البقرة: ٢٨٦]. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٢٥) من طرق عن يزيد بن زريع، حدثنا روح (هو ابن القاسم)، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.

стр. 181

• عن ابن عباس قال: لما نزلتْ هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٤] قال: دخل قلوبهم منها شيءٌ لم يدخل قلوبَهم من شيء، فقال رسول اللَّه ﷺ : "قولوا: سمعنا وأطعنا وسلَّمنا" قال: فألقى اللَّه الإيمانَ في قلوبهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: قد فعلتُ. قال: قد فعلتُ. ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ [سورة البقرة: ٢٨٦] قال: قد فعلتُ". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٢٦) من طرق عن وكيع، عن سفيان، عن آدم بن سليمان مولي خالد، قال: سمعتُ سعيد بن جبير يحدِّث عن ابن عباس، فذكر الحديث. وقوله: "دخل قلوبَهم فيها شيءٌ" بالنّصب منها -أي من هذه الآية- والشيء بالرفع فاعل دخل أي دخل شيءٌ عظيم من الحزن من هذه الآية. وقوله: "لم يدخل قلوبَهم من شيءٍ" هذه الجملة صفة له - أي لم يدخل مثل هذا قلوبهم من شيء. ٤١ - باب حسن الظَّن باللَّه مقرونًا بالخوف والرَّجاء • عن أنس بن مالك، أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "يخرجُ من النَّار أربعة فيعرضون على اللَّه، فيلتفت أحدُهم فيقول: أيْ ربّ إذ أخرجتني منها لا تعدني فيها، فينجيه اللَّه منها". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٩٢) عن هدّاب بن خالد الأزديّ، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي عمران وثابت، عن أنس، فذكره. هكذا جمع مسلم بين أبي عمران وهو الجونيّ، وبين ثابت في لفظ هذا الحديث، والصحيح أن هذا لفظ أبي عمران، نصَّ عليه ابن منده في التوحيد (٨٦٠)، وأخرج الحديث من وجوه عن حماد ابن سلمة بإسناده وقال: قال أبو عمران: "أربعة"، وقال ثابت: "رجلان" ثم ذكر الحديث. قلت: حديث ثابت أخرجه ابن حبان، كما يأتي. • عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُخْرَجُ رجلان من النار، فيُعرضان على اللَّه، ثم يؤمر بهما إلى النار، فيلتفت أحدهما فيقول: يا ربّ، ما كان هذا رجائي! قال: وما كان رجاؤك؟ قال: كان رجائي إذ أخرجتني منها أن لا تعيدني، فيرحمه اللَّه فيدخله الجنة". صحيح: رواه ابن حبان (٦٣٢) عن الحسن بن سفيان، قال: حدثنا هدية بن خالد القيسيّ، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، فذكره. وإسناده صحيح.

стр. 182

• عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه جلَّ وعلا يقول: أنا عند ظن عبدي بي، إن ظنّ خيرًا فله، وإن ظنّ شرًّا فله". صحيح: رواه ابن حبان (٦٣٩) عن عبد اللَّه بن محمد بن سلم، قال: حدثنا حرملة بن يحيى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث -وذكر ابن سلم آخر معه-، أنَّ أبا يونس حدَّثهم، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وإسناده صحيح. ورواه الإمام أحمد (٩٠٧٦) من وجه آخر، عن حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وابن لهيعة فيه كلام معروف إلا أنه متابع كما سبق. • عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ يروي عن ربّه جلَّ وعلا، قال: "وعزّتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمّنتُه يوم القيامة، وإذا أمِنني في الدّنيا أخفتُه يوم القيامة". حسن: رواه ابن حبان في صحيحه (٦٤٠) عن الحسن بن سفيان، قال: حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجانيّ، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو بن علقمة الليثيّ فإنه حسن الحديث. ورواه البزار -كشف الأستار (٣٢٣٢، ٣٢٣٣) - من وجهين: أحدهما عن محمد بن يحيى، ثنا عبد الوهاب بإسناده مثله. والثاني: عن محمد بن يحيى بن ميمون، ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن عوف، عن الحسن، عن النبيّ ﷺ مرسلًا. ومحمد بن يحيى وهو ابن ميمون مجهول، وإليه أشار الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٣٠٨) بقوله: "رواهما البزار عن شيخه محمد بن يحيى بن ميمون ولم أعرفه، وبقية رجال المرسل رجال الصحيح، وكذلك رجال المسند غير محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث". قلت: وهو كما قال إلّا أنّ محمد بن يحيى بن ميمون قد تُوبع في إسناد ابن حبان فلا تضر جهالته. ٤٢ - باب ما جاء في الخوف والتقوى • عن أمّ العلاء -امرأة من الأنصار بايعتْ النّبيَّ ﷺ أخبرْته أنه اقتُسم المهاجرون قرعةً، فطار لنا عثمان بن مظعون، فأنزلناه في أبياتنا، فوجع وجعه الذي توفي فيه، فلما تُوفي وغُسِّل وكُفِّن في أثوابه دخل رسول اللَّه ﷺ فقلت: رحمة اللَّه عليك أبا السّائب، فشهادتي عليك، لقد أكرمك اللَّه. فقال النّبيُّ ﷺ : "وما يدريك

стр. 183

أن اللَّه أكرمه؟ ". فقلت: بأبي أنت يا رسول اللَّه، فمن يكرمه اللَّه؟ فقال: "أما هو فقد جاءه اليقين، واللَّه إني لأرجو له الخير، واللَّه ما أدري وأنا رسول اللَّه ما يُفعل بي". قالت: فواللَّهِ لا أزكي أحدًا بعده أبدًا. صحيح: رواه البخاريّ في الجنائز (١٢٤٣) عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أنّ أم العلاء ذكرت الحديث. هذا الحديث مما انفرد به البخاريّ، وعزاه الحافظ ابن حجر في الإصابة إلى الصحيحين وهو وهم منه ﵀. وعثمان بن مظعون توفي بعد شهوده بدرًا في السنة الثانية من الهجرة، وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة، وأوّل من دُفن بالبقيع. وقوله: "واللَّه ما أدري وأنا رسول اللَّه ما يفعل بي". قال الحافظ في الفتح ٣/ ١١٥ - ١١٦): "وإنَّما قال رسول اللَّه ﷺ ذلك موافقة لقوله تعالى في سورة الأحقاف ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [سورة الأحقاف: ٩]، وكان ذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [سورة الفتح: ٢] لأنَّ الأحقاف مكية، وسورة الفتح مدنية بلا خلاف فيهما، وقد ثبت أنه ﷺ قال: "أنا أوّل من يدخل الجنة" وغير ذلك من الأخبار الصّريحة في معناه". قلت: ولعله قال ذلك تواضعا منه ﷺ للَّه تعالى، وهناك أقوال أخرى راجع نواسخ القرآن لابن الجوزي وغيره. ٤٣ - باب أنّ رحمة اللَّه أوسع من عذابه • عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ ﷺ : أنّ رجلًا كان قبلكم رَغَسه اللَّه مالًا، فقال لبنيه لما حُضر: أيُّ أبٍ كنتُ لكم؟ قالوا: خيرَ أبٍ، قال: فإنِّي لم أعملْ خيرًا قطُّ، فإذا مُتُّ فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذرُّوني في يوم عاصف، ففعلوا، فجمعه اللَّه فقال: ما حملك؟ قال: مخافتك، فتلقاه برحمته. متفق عليه: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٤٧٨)، ومسلم في التوبة (٢٧٥٧) كلاهما من حديث أبي الوليد، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد، فذكر الحديث، واللفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم نحوه. وقوله: "رَغَسه" أعطاه وبارك له فيه من الرغس وهو البركة والنّماء والخير. وقوله: "اسحقوني" من السّحق وهو أشدّ الدّق. • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "قال رجل لم يعمل حسنةً قطّ لأهله: إذا مات فحرِّقوه ثم اذْروا نصفه في البر، ونصفَه في البحر، فواللَّه لئنْ قدر اللَّه عليه

стр. 184

ليعذِّبنَّه عذابًا لا يُعذّبه أحدًا من العالمين، فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم به، فأمر اللَّه البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لِمَ فعلتَ هذا؟ قال: من خشيتك يا ربّ وأنت أعلم. قال: فغفر له". متفق عليه: رواه مالك في الجنائز (٥٢) عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. ورواه البخاريّ في التوحيد (٧٥٠٦)، ومسلم في التوبة (٢٧٥٦) كلاهما من حديث مالك، بإسناده مثله. • وعن عقبة، أنه قال لحذيفة: ألا تحدثنا ما سمعتَ من النّبيّ ﷺ قال: سمعتُه يقول: "إنَّ رجلًا حضره الموتُ، لما أيس من الحياة أوصى أهله: إذا متُّ فأجمعوا لي حطبًا كثيرًا ثم أوروا نارًا، حتى إذا أكلتْ لحمي وخلصتْ إلى عظمي، فخذوها فاطحنوها، فذرُّوني في اليمّ في يوم حار -أو راح-، فجمعه اللَّه، فقال: لم فعلتَ؟ قال: خشيتُك! فغفر له". قال عقبة: وأنا سمعته يقول. صحيح: رواه البخاريّ في الأنبياء (٣٤٧٩) عن مسدّد، عن أبي عوانة، عن عبد الملك بن عُمَير، عن ربعي بن حِراش، قال: قال عقبة (فذكره). وعقبة هو ابن عمرو، وكان يقول: ذاك كان نبّاشًا. ورواه البخاريّ بهذا الإسناد قصة الدَّجال أيضًا، وهو الذي أخرجه أيضًا مسلم في كتاب الفتن (٢٩٣٥) ولم يذكر قصة الرجل، فمن عزاه إلى الصحيحين فقد وهم. انظر: بقية هذا الباب في كتاب التوبة. ٤٤ - باب لا إكراه في الدين • عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٦] قال: كانت المرأةُ من الأنصار لا يكاد يعيش لها ولد، فتحلفُ: لئنْ عاش لها ولد لتهوِّدنَّهُ. فلما أُجْليتُ بنو النَّضير إذا فيهم ناس من أبناء الأنصار. فقالت الأنصار: يا رسول اللَّه، أبناؤنا، فأنزل اللَّه هذه الآية ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. قال سعيد بن جبير: فمن شاء لحق بهم، ومن شاء دخل في الإسلام. صحيح: رواه ابن حبان في صحيحه (١٤٠) عن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل ببُست، قال: حدثنا حسن بن عليّ الحلْوانيّ، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح، ورجاله ثقات، وأبو بشر هو جعفر بن إياس بن أبي وحْشية كان من أثبت

стр. 185

الناس في سعيد بن جبير. ورواه أبو داود (٢٦٨٢) عن الحسن بن عليّ الحلوانيّ بإسناده، مثله، وفيه: "كانت المرأة تكون مِقْلاتًا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده" إِلَّا أنه لم يرفعه، وحكمه الرّفع. وقوله: "مقلاتًا" المقلات قال أبو داود: التي لا يعيش لها ولد. • عن أنس بن مالك، أنّ النّبيّ ﷺ قال لرجل: "أسلم". قال: إني أجدني كارهًا! قال: "وإن كنتّ كارهًا". صحيح: رواه الإمام أحمد (١٢٨٦٨) عن يحيى (القطّان)، عن حميد (الطَّويل)، عن أنس، فذكره. وإنه من ثلاثيات الإمام أحمد، وهو صحيح. ورواه أيضًا (١٢٠٦١) عن ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، مثله. ومن طريقه الضياء في المختارة (١٩٩٠)، وأبو يعلى (٣٧٦٥) من وجه آخر عن حُميد الطّويل، وفيه: "كان الرجل من بني النَّجار". قال الهيثمي في "المجمع" (٥/ ٣٠٥): "رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجالهما رجال الصّحيح". وليس في الحديث ما يدل على إكراهه على الإسلام، بل النبيُّ ﷺ دعاه إلى الإسلام، فأخبر أن نفسه ليست قابلة له، بل هي كارهة، فقال له: "أسلم" وإن كنتَ كارهًا، فإن اللَّه سيرزقك حسن النية والاخلاص، قاله ابن كثير في تفسيره. ٤٥ - باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [سورة الحجرات: ٩] فسماهم المؤمنين • عن الأحنف بن قيس، قال: ذهبتُ لأنصر هذا الرّجل (يعني عليَّ بن أبي طالب) فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريدُ؟ قلت: أنصرُ هذا الرّجل. قال: ارجع، فإني سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". فقلت: يا رسول اللَّه، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ ! قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه". متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٣١)، ومسلم في الفتن (٢٨٨٨) كلاهما من حديث حماد بن زيد، عن أيوب ويونس، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، فذكره، ولفظهما سواء. تنبيه: هذا الحديث سقط من رواية أبي ذر الهرويّ، ولذا لم يشرحه الحافظ ابن حجر في فتح الباري في كتاب الإيمان، وإنما جاء ذكره في كتاب الديات (٦٨٧٥) وشرحه هناك.

стр. 186

٤٦ - باب سباب المسلم فسوق وقتاله كفر • عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النّبيّ ﷺ قال: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر". متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٤٨)، ومسلم في الإيمان (٦٤) كلاهما من حديث شعبة، عن زُبيد، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكر الحديث. قال زُبيد: فقلت لأبي وائل: أنت سمعت من عبد اللَّه يرويه عن رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم. وقوله: "قتاله كفر" قال البغويّ في شرح السنة (١٣/ ١٣٠): "إنّما هو على أن يستبيح دمه، ولا يرى الإسلام عاصمًا لدمه، فهذا منه ردّة وحقيقة كفر. وقد يجعل ذلك على تشبيه أفعالهم بأفعال الكفار دون حقيقة الكفر، إذا قتله غير مستبيح لدمه، كما قال ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضُكم رقاب بعض" أي لا تكونوا من الذين عادتهم ذلك" انتهى. ٤٧ - باب بيان معنى قول النبيّ ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفَّارًا " • عن جرير، أن النّبيّ ﷺ قال له في حجّة الوداع: "استنصت الناس" فقال: "لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضربُ بعضُكم رقاب بعض". متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (١٢١)، ومسلم في الإيمان (٦٥) كلاهما من حديث شعبة، قال: أخبرني عليّ بن مُدركة، عن أبي زرعة، عن جدّه جرير، فذكره، ولفظهما سواء. وجرير هو: ابن عبد اللَّه البجليّ، وهو جدّ أبي زرعة الراوي عنه، أي أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد اللَّه البجليّ. قوله: "يضربُ" هو بضم الباء في الروايات، والمعنى: لا تفعلوا فعل الكفّار فتشبهوهم في حالة قتل بعضهم بعضًا. قاله الحافظ في "الفتح" (١/ ٢١٧). • عن ابن عمر، عن النّبيّ ﷺ قال: "ويلكم أو ويحكم -قال شعبة: شك هو- لا ترجعوا بعدي كفّارًا، يضربُ بعضكم رقاب بعض". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأدب (٦١٦٦)، ومسلم في الإيمان (٦٦) كلاهما من حديث شعبة، عن واقد بن محمد، أنه سمع أباه يحدّث عن عبد اللَّه بن عمر، فذكر الحديث، ولفظهما سواء. ٤٨ - باب بيان إطلاق اسم الكفر من قال: مُطرنا بالنّوء • عن زيد بن خالد الجهنيّ، أنه قال: صلَّى لنا رسول اللَّه ﷺ صلاة الصُّبح بالحديبيّة على إثر سماء كانت من اللَّيل. فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: أتدرون ماذا قال ربُّكم؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي. فأمَّا من قال: مطرنا بفضل اللَّه ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر

стр. 187

بالكوكب. وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب". متفق عليه: رواه مالك في الاستسقاء (٤) عن صالح بن كيسان، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة ابن مسعود، عن زيد بن خالد، فذكره. ورواه البخاريّ في الأذان (٨٤٦) عن عبد اللَّه بن مسلمة، ومسلم في الإيمان (٧١) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك، به، مثله. قوله: "النَّوء" قال ابن الصّلاح: في أصله ليس نفس الكوكب، فإنه مصدر ناء النَّجمُ ينوءُ نوْءًا، أي سقط وغاب، وقيل: نهض وطلع". ثم قال: "ثم إنّ النّجم نفسه قد يسمي نوءًا تسمية للفاعل بالمصدر، قال أبو إسحاق الزّجاج في بعض "أماليه": الساقطة في المغرب هي الأنواء، والطالع في المشرق هي البوارح". صيانة صحيح مسلم (ص ٢٤٦ - ٢٤٧). • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألم تروا إلى ما قال ربُّكم؟ قال: ما أنعمتُ على عبادي من نعمة إِلَّا أصبح فريق منهم بها كافرين، يقولون: الكواكب وبالكواكب". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٧٢) من طرق عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، أنّ أبا هريرة قال (فذكر الحديث). رواه من وجه آخر عن عمرو بن الحارث، أن أبا يونس مولى أبي هريرة حدثه، عن أبي هريرة، وفيه: "ما أنزل اللَّه من السماء من بركة، إِلَّا أصبح فريق من الناس بها كافرين. ينزل اللَّه الغيث فيقولون: الكوكبُ كذا وكذا". • عن ابن عباس قال: مُطِرَ الناس على عهد النبيّ ﷺ ، فقال النبيُّ ﷺ : "أصبح من الناس شاكرٌ، ومنهم كافرٌ، قَالُوا: هذه رحمة اللَّه، وقال بعضهم: لقد صدق نوءُ كذا وكذا". فنزلت هذه الآية ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ حتى بلغ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [سورة الواقعة: ٧٥ - ٨٢]. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٧٣) عن عباس بن عبد العظيم العنبريّ، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة (وهو ابن عمار)، حدثنا أبو زُميل، قال: حدثني ابن عباس، فذكره. وأبو زميل هو: سماك بن الوليد الحنفي. ٤٩ - باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اثنتان في الناس هما بهم كفر:

стр. 188

الطّعن في النَّسب، والنّياحة على الميّت". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٦٧) من طرق عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره. • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "ثلاث من عمل أهل الجاهليّة لا يتركهن أهلُ الإسلام: النّياحة، والاستسقاء بالأنواء، وكذا". قلت لسعيد: وما هو؟ قال: "دعوى الجاهليّة: يا آل فلان، يا آل فلان. . . ". حسن: رواه الإمام أحمد (٧٥٦٠) عن ربعي بن إبراهيم، حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن إسحاق-، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، فذكره. وصحّحه ابن حبان (٣١٤١)، ورواه من طريق أبي خيثمة، حدثنا ربعي بن إبراهيم، به إِلَّا أنه قال في الثالثة: "التعاير" وهو الطعن في الأنساب، فكأنه شكّ أولًا فقال: "دعوى الجاهلية" ثم استذكر وتأكّد فقال: "التعاير" أو أنه قصد من قوله: "دعوى الجاهلية" الافتخار بالأنساب والطَّعن فيه. وإسناده حسن لأجل عبد الرحمن بن إسحاق وهو المدنيّ، نزيل البصرة، حسن الحديث، وليس هو بالواسطي أبي شيبة الضعيف. انظر: الأحاديث الأخرى في كتاب الجنائز، باب النهي عن النّياحة. ٥٠ - باب ما جاء أن الإسلام يهدم ما كان قبله • عن ابن عباس: أنّ ناسًا من أهل الشّرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا، فأتوا محمّدًا ﷺ فقالوا: إنّ الذي تقول وندعو إليه لحسن، لو تُخبرنا أنّ لما عملنا كفّارةً، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [سورة الفرقان: ٦٨]، ونزل: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [سورة الزمر: ٥٣]. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٨١٠)، ومسلم في الإيمان (١٢٢) كلاهما عن ابن جريج، قال: أخبرني يعلي بن مسلم، أنّه سمع سعيد بن جبير يحدّث عن ابن عباس، فذكره. • عن ابن مسعود قال: قال رجلٌ: يا رسول اللَّه، أنواخذ بما عملنا في الجاهليّة؟ قال: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهليّة، ومن أساء في الإسلام أُخذ بالأول والآخر". متفق عليه: رواه البخاريّ في استابة المرتدين (٦٩٢١)، ومسلم في الإيمان (١٢٠) كلاهما من حديث منصور، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، فذكر الحديث، ولفظهما سواء. والإساءة معناها هنا: الكفر والشّرك، فمن أشرك باللَّه وكفر به بعد إسلامه أخذ بالجاهلية

стр. 189

والإسلام، وإلَّا فلا؛ لأنَّ اللَّه تعالى يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [سورة الأنفال: ٣٨]، وفي حديث عمرو بن العاص السَّابق: "إنّ الإسلام يهدم ما كان قبله". • عن ابن شُمَاسةَ الْمَهريّ قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت. فبكى طويلا وحوَّل وجهه إلى الجدار، فجعل ابنُه يقول: يا أبتاه أما بشرّكَ رسولُ اللَّه ﷺ بكذا؟ أمَّا بشّرك رسولُ اللَّه ﷺ بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه فقال: إنّ أفضل ما نُعدُّ شهادةُ أن لا إله إِلَّا اللَّه، وأنَّ محمدًا رسولُ اللَّه. إنّي قد كنتُ على أطباقٍ ثلاثٍ: لقد رأيتُني وما أحدٌ أشدَّ بُغْضا لرسول اللَّه ﷺ منِّي. ولا أحبَّ إليَّ أن أكون قد استمكنتُ منه فقتلتُه. فلو مُتُّ على تلك الحال لكنتُ من أهل النّار، فلمّا جعل اللَّهُ الإسلامَ في قلبي أتيتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فقلت: ابسُط يمينَك فلأبايِعْك. فبسط يَمينَه. قال: فقبضتُ بدي. قال: "مالك يا عمرو؟ ". قال: قلت: أردتُ أن أشترط. قال: "تشترطُ بماذا؟ ". قلت: أن يُغفَرَ لي. قال: "أما علمتَ أنّ الإسلام يَهْدِم ما كان قبله، وأنَّ الهجرةَ تَهْدِمُ ما كان قبلها، وأنَّ الحجَّ يَهْدم ما كان قبله؟ ". وما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من رسول اللَّه ﷺ ولا أجلّ في عيني منه. وما كنتُ أطيق أن أملأ عينيَّ منه إجلالًا له، ولو سُئلتُ أن أصفه ما أطقتُ؛ لأني لم أكن أملأُ عينيَّ منه، ولو مُتُّ على تلك الحال لرجوتُ أن أكون من أهل الجنّة. ثمَّ وَلِينا أشياءَ ما أدري ما حالي فيها. فإذا أنا مُتُّ فلا تصحبني نائحةٌ ولا نارٌ، فإذا دفنتموني فشُنُّوا عليَّ التراب شَنًّا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تُنحر جَزور ويُقْسم لَحُمها حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسلَ ربّي. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٢١) من طرق عن أبي عاصم الضّحاك، قال: أخبرنا حيدة ابن شريح، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شُماسة، فذكر الحديث. قوله: "كنت على أطباق ثلاثة" أي أحوال ومنازل، ومنه قول اللَّه تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [سورة الانشقاق: ١٩] أي حالا بعد حال. قوله: "فشنّوا عليَّ التراب شنًّا" روي بالسين المهملة والمعجمة، فقيل: هما بمعنى واحد، وهو الصّب. وقيل بالمهملة: الصبُّ في سهولة، وبالمعجمة: صبّ في تفريق. وهذه سنة في صبِّ التراب على الميت في القبر، قاله عياض. انظر: "المفهم" للقرطبي (١/ ٣٣٠). ٥١ - باب من عمل خيرًا في الكفر ثم أسلم • عن حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول اللَّه، أرأيت أشياء، كنتُ أتحنّثُ بها

стр. 190

في الجاهليّة من صدقة أو عتاقة، وصلة رحم، فهل فيها من أجْرٍ؛ فقال النّبيّ ﷺ : "أسلمتَ على ما سلف من خير". وفي رواية: أنّ حكيم بن حزام أعتق في الجاهليّة مائة رقبة، وحمل على مائة بعير ثم أعتق في الاسلام مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، ثم أتى النبيّ ﷺ ، فذكر نحو حديثه. متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٣٦)، ومسلم في الإيمان (١٢٣) كلاهما من حديث ابن شهاب الزهريّ، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أنّ حكيم بن حزام. . . (فذكر مثله). والرواية الثانية عند البخاريّ (٢٥٣٨)، ومسلم - كلاهما من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عنه. وفي رواية قال: "فواللَّه لا أدعُ شيئًا صنعتُه في الجاهليّة إِلَّا فعلتُ في الإسلام مثله". وقوله: "التحنُّث" التعبّد. وقوله: "أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير" ذهب أكثر أهل العلم إلى تأويله. وقال الحربيّ: "ما تقدّم لك من الخير الذي عملته هو لك كما تقول: أسلمت على ألف درهم، أي على أن أحرزها لنفسه". قال القرطبي: "وهذا الذي قاله الحربي هو أشبهها وأولاها". • عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أسلم العبد فحسُن إسلامه، كتب اللَّه له كلَّ حسنة كان أزلفها، ومحيتْ عنه كلّ سيئة كان أزلفها، ثم كان بعد ذلك القصاص، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها إِلَّا أن يتجاوز اللَّه عنها". صحيح: رواه النسائيّ (٤٩٩٨) من طريق الوليد (هو ابن مسلم)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٤) من طريق إسماعيل بن أبي أويس - كلاهما قالا: حدثنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكره، ولفظهما سواء. إِلَّا أن البيهقي قال: "أسنده مالك وأرسله ابنُ عيينة، ثم روى الحديث من طريقه مرسلًا". قلت: الحُكم لمن أسنده لما فيه من زيادة علم. وذكره البخاريّ في الإيمان (٤١) معلقًا عن مالك، ولم يسنده في موضع آخر، إِلَّا أنه أسقط قوله: "كتب اللَّه له كل حسنة كان أزلفها" لأنَّه مشكل على القواعد؛ لأنَّ الكافر لا يثاب على العمل الصالح الصَّادر منه في كفره وشركه، لأنّ من شرط المتقرب أن يكون عارفًا لمن يتقرّب إليه، والكافر ليس كذلك ذكره المازريّ وغيره، وتابعه القاضي عياض على تقرير هذا الإشكال وردَّه النوويُّ فقال: الصواب الذي عليه المحقِّقون -بل نقل بعضُهم فيه الإجماع- أنّ الكافر إذا فعل أفعالًا جميلة كالصّدقة، وصلة الرّحم، ثم أسلم ومات على الإسلام أنّ ثواب ذلك يكتب له. . . . ".

стр. 191

انتهى كلامه ملخصًا. وذكر الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٩٩) احتمالات أخرى ومن أقواها قوله: "والحقّ أنه لا يلزم من كتابة الثواب للمسلم في حال إسلامه تفضلا من اللَّه وإحسانًا أن يكون ذلك لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولًا، والحديث إنما تضمّن كتابة الثواب ولم يتعرّض للقبول، ويحتمل أن يكون القبول يصير معلقًا على إسلامه فيقبل ويثاب إن أسلم وإلَّا فلا". انتهى. قلت: وعليه يدل حديث حكيم بن حزام قبله. وقوله: "وأزلفها" أي أسلف وقدّم. ٥٢ - باب من لم يؤمن لم ينفعه عمل صالح • عن عائشة قالت: قلت: يا رسول اللَّه، ابن جدعان كان في الجاهليّة يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذاك نافعه؟ قال: لا ينفعه، إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢١٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص بن غياث، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة فذكرته. وابن جدعان هو عبد اللَّه بن جدعان التيمي القرشي أحد أجواد العرب المشهورين في الجاهليّة وهو من أقرباء عائشة. • عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول اللَّه، إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، قال: إن أباك أراد أمرًا فأدركه يعني الذِّكر. حسن: رواه أحمد (١٨٢٦٣)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٠٤)، وابن حبان (٣٣٢) كلهم من طريق شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت مري بن قطري قال: سمعت عدي بن حاتم فذكره. وإسناده حسن من أجل سماك فإنه حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات، ومري بن قطري وإن تفرد عنه سماك إِلَّا أن ابن معين وثقه كما في تاريخ عثمان الدارمي عنه (٧٦٦). وأما قول الحافظ فيه: "مقبول" فلعله لم يجد فيه إِلَّا ذكر ابن حبان له في "الثقات". ٥٣ - باب أنّ الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٤٦) من طرق عن مروان الفزاريّ، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره.

стр. 192

• عن ابن عمر، عن النّبيّ ﷺ قال: "إنّ الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحيّة في جحرها". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٤٦) من طرق عن شبابة بن سوَّار، حدثنا عاصم (وهو ابن محمد العمريّ)، عن أبيه، عن ابن عمر، فذكره. • عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ الإيمان بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى يومئذ للغرباء إذا فسد الناس، والذي نفس أبي القاسم بيده! ليأرز الإيمان بين هذين المسجدين كما تأرز الحيّة في جحرها". حسن: رواه الإمام أحمد (١٦٠٤)، وأبو يعلى (٧٥٦)، والبزار في "البحر الزّخّار" (١١١٩) كلهم من طرق عن عبد اللَّه بن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن أبي حازم، عن ابن سعد، عن سعد -قال البزار: أحسبه عامرًا-. قلت: وهو كما حسب، فقد جاء تصريحه في كتاب الإيمان لابن منده (٤٢٤) بأنه عامر بن سعد. وإسناده حسن، من أجل أبي صخر وهو حميد بن زياد الخرّاط وهو "صدوق" من رجال مسلم. قال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢٧٧): "رواه أحمد والبزار وأبو يعلى، ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح". والمسجدان هما: مسجد مكة، والمدينة. • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء" قيل: من هم يا رسول اللَّه؟ قال: "الذين يَصْلُحون إذا فسد النّاس". صحيح: رواه الآجريّ في "الغرباء" (١) عن عبد اللَّه بن أبي داود، حدثنا محمد بن آدم المصيصيّ، حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه -يعني ابن مسعود- فذكر الحديث. وإسناده صحيح. والمصيصيّ هذا ثقة، وثَّقه النسائيّ وغيره. ورواه أبو عمرو الدَّانيّ في "الفتن" (٢٨٨) من طريق الآجريّ، به، إِلَّا أنه قال فيه: "عن أبي صالح" بدلًا من "أبي إسحاق"، والظاهر أنه وهم منه، أو خطأ من الناسخ. وأبو إسحاق هو السبيعيّ وقد اختلط في آخر عمره، ولكن سماع الأعمش منه كان قديمًا. ورواه الترمذيّ (٢٦٢٩) عن أبي كريب، وابن ماجة (٣٩٨٨) عن سفيان بن وكيع، والإمام أحمد وابنه (٣٧٨٤) عن عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، كلّهم عن حفص بن غياث، به، إِلَّا أن الترمذيّ لم يذكر السؤال وتفسيرَ الغرباء.

стр. 193

وأما الإمام أحمد وابن ماجة فذكرا تفسير الغرباء بلفظ آخر "قال: قيل: ومن الغرباء؟ قال: النّزاع من القبائل". وسفيان بن وكيع ضعيف لكنه توبع. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن مسعود، إنما نعرفه من حديث حفص ابن غياث، عن الأعمش، وأبو الأحوص اسمه عوف بن مالك بن نضلة الجشميّ، تفرَّد به حفص". قوله: "النُّزَّاع" ضبط بضم ثم تشديد، قيل: هو جمع نزيع ونازع، وهو الغريب الذي نزع عن أهله وعشيرته، أي الذين يخرجون عن الأوطان لإقامة سنن الدين. قاله السّنديّ. • عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللَّه ذات يوم ونحن عنده: "طوبى للغرباء" وقيل: ومن الغرباء يا رسول اللَّه؟ قال: "أناسٌ صالحون في أناسِ سَوءٍ كثيرٍ، من يَعْصِيهم أكثر ممن يُطيعهم". ثم ذكر فقراء المهاجرين الذين تُتَّقى بهم المكاره. . . حسن: رواه الإمام أحمد (٦٦٥٠) عن حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن يزيد، عن جندب بن عبد اللَّه، أنه سمع سفيان بن عوف يقول: سمعت عبد اللَّه بن عمرو، فذكر الحديث. وفيه ابن لهيعة مختلط، ولكن رواه عبد اللَّه بن المبارك في "الزهد" (٧٧٥)، والبيهقي في "الزهد" (٢٠٣) من طريق أبي عبد الرحمن (وهو عبد اللَّه بن يزيد المقرئ) - كلاهما عن ابن لهيعة بإسناده، نحوه. وهما ممن سمعا منه قبل الاختلاط. وفي الإسناد جندب بن عبد اللَّه وهو الوابلي الكوفي من رجال "التعجيل" ولم يذكر من روي عنه غير الحارث بن يزيد، ولكن قال العجليّ: "كوفيّ تابعيٌّ ثقة" ولم يذكره ابن حبان في "الثقات" وهو على شرطه. وله أسانيد أخرى غير أنّ ما ذكرته هو أصحها. وقد روي موقوفًا على عبد اللَّه بن عمرو، ولفظه: "طوبى للغرباء الذين يُصلحون عند فساد الناس". رواه أبو عمرو الدَّاني في "الفتن" (٢٩١) بإسناد لا بأس به. وفي الباب عن أنس بن مالك مرفوعًا: "إنّ الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء". رواه ابن ماجة (٣٩٨٧) عن حرملة بن يحيى، قال: حدثنا عبد اللَّه بن وهب، قال: أنبأنا عمرو ابن الحارث وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس، فذكره. وسنان بن سعد ويقال: سعد بن سنان، -صوَّب البخاريُّ وابنُ يونس الأول، - تكلَّم فيه أهل العلم فقال الإمام أحمد: "تركتُ حديثه لأنه مضطرب"، وقال ابن سعد، والنسائي: "منكر الحديث"، وقال الجوزجانيّ: "أحاديثه واهية". وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (٥/ ١٨٢٣) في ترجمة عثمان بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان

стр. 194

ابن عفّان، وقال: "حدّث عن مالك وحماد بن سلمة وابن لهيعة وغيرهم بالمناكير، يكنى أبا عمرو، وكان يسكن نصيبين، ودار البلاد وحدَّث في كل موضع بالمناكير عن الثقات". وفي الباب أيضًا عن كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف بن زيد بن مِلْحة، عن أبيه، عن جدّه، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ الدّين ليأرز إلى الحجاز كما تأرز الحيّةُ إلى جحرها، وليعُقِلَنَّ الدين من الحجاز معقِلَ الأُروية من رأس الجبل، إنّ الدّين بدأ غريبًا، ويرجع غريبًا، فطوبى للغرباء الذين يُصلحون ما أفسد النّاسُ من بعدي من سنّتي". رواه الترمذيّ (٢٦٣٠) عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن، أخبرنا إسماعيل بن أبي أُويس، حدثني كثير ابن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف بن زيد بإسناده مثله. قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح" وفي نسخة: "حسن" فقط. والصّواب أنّه ضعيف من أجل كثير بن عبد اللَّه لأنّ أهل العلم مطبقون على تضعيفه، وهذه من المواضع التي تساهل فيها الترمذيّ، فصحّح هذا الحديث. وعن سهل بن سعد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ الإسلام بدأ غريبًا، وليعود كما بدأ. فطوبى للغرباء" قالوا: يا رسول اللَّه، وما الغرباء؟ قال: "الذين يُصلحون عند فساد الناس". رواه الهرويّ في ذم الكلام (١٤٧١)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٤٦٢)، والطبراني في الثلاثة -كما قال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢٧٨) - كلّهم من طريق بكر بن سُليم، حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد، فذكر الحديث. وقال الهيثميّ: "رجاله رجال الصحيح غير بكر بن سُليم وهو ثقة". قلت: بكر بن سُليم -مصغرًا- الصواف أبو سَليم الطّائفي المديني. قال ابن عدي: "يحدّث عن أبي حازم، عن سهل بن سعد وغيره، ما لا يوافقه أحدٌ عليه". ثم قال: "ولبكر بن سُليم غير ما ذكرتُ من الحديث قليل، وعامة ما يرويه غير محفوظ، ولا يتابع عليه، وهو من جملة الضّعفاء الذين يكتب حديثهم". وقال الحافظ: "مقبول" أي إذا تُوبع، ولم أجد من تابعه فهو لين الحديث. وعن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بدأ الاسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء". رواه الطبراني في الأوسط (٧٢٧٩) عن محمد بن نصير، قال: حدثنا الشّاذكونيّ، قال: حدثنا سلْم بن قتيبة، قال: حدثنا محمد بن مُهزَّم، عن عطية، عن أبي سعيد، فذكر الحديث. قال الطبرانّي: "لم يرو هذا الحديث عن محمد بن مُهزَّم إِلَّا سلْم بن قتيبة، تفرّد به الشَّاذكونيّ". وأعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢٧٨) بعطية وقال: "هو ضعيف". وعطية هو ابن سعيد بن جُنادة العوفيّ ضعفه أبو داود، والنسائيّ، وأبو حاتم وغيرهم. وقال ابن

стр. 195

معين: "صالح". والخلاصة: أنّه شيعي مدلس، إذا انفرد ولم يتابع فلا يقبل. وعن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا، فطوبي للغرباء" قال: من هم يا رسول اللَّه؟ قال: الذين يُصلحون حين يُفسد الناس". رواه الطبراني في الأوسط (٤٩١٢) عن عُمارة بن وثيمة بن موسى بن الفرات المصريّ أبي رفاعة، قال: حدثنا أبو صالح عبد اللَّه بن صالح، قال: حدثني الليث بن سعد، قال: حدثني يحيى ابن سعيد، قال: كتب إليَّ خالد بن أبي عمران، قال: حدثني أبو عياش، قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه، فذكر الحديث. ورواه الطّحاويّ في شرحه (٦٨٩)، واللالكائيّ في السنة (١٧٣)، والبيهقي في الزهد (ص ١٩٨) كلهم من حديث عبد اللَّه بن صالح، بإسناده مثله. وفيه عبد اللَّه بن صالح مختلف فيه غير أنه لا بأس به في الشّواهد. وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢٧٨) فقال: "عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث، وهو ضعيف وقد وُثِّق". إِلَّا أنه توبع: رواه الهرويّ في ذم الكلام (١٤٧٢) من طريقه، ومن طريق ابن وهب - كلاهما عن الليث بن سعد، بإسناده مثله. ورواه الطبرانيّ في الأوسط (٨٩٧١) من وجه آخر عن خالد بن أبي عمران بإسناده. ولكن مداره على أبي عياش وهو المعافريّ المصريّ، روى عنه جماعة، ولكن لم أقف على توثيق من أحد، حتى ابن حبان لم يذكره في "الثقات" على قاعدته في ذكر المجاهيل وهو على شرطه، قال فيه الحافظ: "مقبول" أي عند المتابعة ولم أقف على من تابعه في هذا الحديث. وعن سلمان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا". رواه الطبراني في الكبير (٦/ ٣١٤) عن عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، ثنا إبراهيم بن الحسن العلاف، ثنا عيسى بن ميمون، عن عون بن أبي شداد، عن أبي عثمان، عن سلمان، فذكر الحديث. ورواه أيضًا الهرويّ في ذم الكلام (١٤٧٧) من وجه آخر عن إبراهيم بن الحسن العلاف، بإسناده مثله، وزاد في آخره: "فيا طوبى للغرباء". وفيه عيسى بن ميمون وهو المدنيّ، مولى القاسم بن محمد، يعرف بالواسطيّ، قال البخاريّ: "منكر الحديث"، وقال أبو حاتم: "لا يصح حديثه". وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢٧٩) فقال بعد أن عزاه للطبراني: "وفيه عيسى بن ميمون وهو متروك". وعن عبد الرحمن بن سنَّة، أنَّه سمع النبيّ ﷺ يقول: "بدأ الإسلام غريبًا ثم يعود غريبًا كما بدأ،

стр. 196

فطوبى للغرباء". قيل: يا رسول اللَّه، ومن الغرباء؟ قال: "الذين يَصْلحون إذا فسد الناس، والذي نفسي بيده لينحازنَّ الإيمان إلى المدينة كما يحوز السّيل، والذي نفسي بيده ليأرزنّ الإسلامُ إلى ما بين المسجدين كما تأرزُ الحيّةُ إلى جحرها". رواه عبد اللَّه بن أحمد في زيادته على المسند (١٦٦٩٠) عن أبي أحمد الهيثم بن خارجة، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي فروة، عن يوسف بن سليمان، عن جدته ميمونة، عن عبد الرحمن بن سَنَّة، فذكر الحديث. ورواه الهرويّ في ذم الكلام (١٤٧٨)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٦١٥) كلاهما من طريق إسماعيل بن عياش، بإسناده، نحوه. وفيه إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي فروة متروك، كذَّبه ابن معين وغيره، وبه أعلّه الحافظ الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢٧٨). وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل في ترجمة عبد الرحمن بن سنّة: روي عن النّبيّ ﷺ حديثًا، ليس إسناده بالقائم؛ لأنّ راويه إسحاق بن أبي فروة". وضعف هذا الحديث البخاريّ وغيره من أجل ابن أبي فروة. وعن أبي موسى الأشعريّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى ترى الأرض دمًا، يكون الإسلام غريبًا". فذكر الحديث. أورده الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢٧٩) هكذا مبتورًا ولم يعز إلى مخرجه، ولعله سقط من المطبوعة، وقال: "وفيه سليمان بن أحمد الواسطيّ، وهو ضعيف". قلت: سليمان بن أحمد الواسطيّ هذا ممن يسرق الحديث، ترجمه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ١١٣٩ - ١١٤٠) وقال: "ولسليمان أحاديث أفراد غرائب، يحدّث بها عنه علي بن عبد العزيز وغيره، وهو عندي ممن يسرق الحديث، ويُشتبه عليه". وعن واثلة بن الأسقع، عن النّبيّ ﷺ قال: "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء" قيل: يا رسول اللَّه، ومن الغرباء؟ قال: "الذين يَصلحون إذا فسد الناس". رواه تمام في فوائده (١٧٠٥، ١٧٠٦) من طرق عن سليمان بن سلمة الخبائريّ، نا المؤمّل بن سعيد الرحبيّ، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن واثلة بن الأسقع، فذكر الحديث. وإسناده ضعيف جدًّا؛ فإنّ الخبائريّ متروك. قال ابن أبي حاتم: "سمع منه أبي ولم يحدّث عنه، وسألته عنه، فقال: متروك الحديث، لا يشتغل به. فذكرتُ ذلك لابن الجنيد فقال: صدق، كان يكذب، ولا أحدّث عنه بعد هذا". وشيخه المؤمّل بن سعيد منكر الحديث، كما قال أبو حاتم. وقال ابن حبان: "منكر الحديث جدًّا، فلستُ أدري وقع المناكير في روايته منه، أو من سليمان

стр. 197

ابن سلمة راويه، لأنّ سليمان كان يروي الموضوعات عن الأثبات، فإن كان منه أو من المؤمّل أو منهما معا بطل الاحتجاج برواية يرويانها" انظر: "المجروحين" (١٠٧٥). وعن أبي الدرداء، وأبي أمامة الباهليّ، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، قالوا: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ونحن نتمارى في شيء من الدّين، فغضب غضبًا شديدًا لم يغضب مثله، ثم انتهرنا فقال: "يا أمّة محمد لا تُهيِّجوا على أنفسكم وَهَج النار". ثم ذكر حديثًا طويلًا، قال في آخره: "إنّ الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء" قالوا: يا رسول اللَّه، ومن الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناسُ، ولا يُمارون في دين اللَّه، ولا يُكفِّرون أحدًا من أهل التوحيد بذنب". ضعيف جدًّا. رواه الطبراني في الكبير (٨/ ١٧٨ - ١٧٩)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٠٨٩ - ٢٠٩٠)، وابن حبان في المجروحين (٨٩٦)، والبيهقي في الزهد (١٩٩) كلهم من طريق محمد بن الصباح الجرجرائيّ. إِلَّا البيهقي فإنه رواه من طريق سعيد بن محمد الجرميّ، كلاهما عن كثير بن مروان الفلسطينيّ، عن عبد اللَّه بن يزيد الدّمشقيّ، قال: حدثني أبو الدرداء وأبو أمامة الباهليّ وأنس بن مالك وواثلة ابن الأسقع، قالوا (فذكروا الحديث). فذكره بطوله الطبرانيّ، وابن حبان، وأما ابن عدي فاختصره قائلًا: "فذكر حديثًا طويلًا" وقال فيه: "إنّ الإسلام بدأ غريبًا". وكذلك ذكره البيهقي مختصرًا. وأخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" (١٢/ ٤٨١) وقال عقبه: "بلغني عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن الجنيد قال: سألت يحيى بن معين عن كثير بن مروان المقدسيّ، فقال: ليس بشيء، كذَّاب، كان ببغداد يحدّث بالمنكرات". وقال ابن عدي: قال العباس: سمعت يحيى بن معين يقول: "كثير بن مروان ضعيف، وقد سمعت أنا منه"، وفي موضع آخر: "كثير بن مروان الشَّاميّ، وليس بشيء". وقال: "ولكثير بن مروان أحاديث ليست بالكثيرة، ومقدار ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه" انتهى. وقال ابن حبان: "منكر الحديث جدًّا، لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه إِلَّا على جهة التعجُّب". وبه أعلّه الهيثميّ في المجمع (١/ ١٥٦) فقال: "كثير بن مروان ضعيف جدًّا". وعن رجل قال: كنتُ في مجلس فيه عمر بن الخطَّاب بالمدينة، فقال لرجل من القوم: يا فلان، كيف سمعتَ رسول اللَّه ﷺ ينعت الإسلام؟ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ الإسلام بدأ جَذّعًا، ثم ثنيًّا، ثم ربَاعيًّا، ثم سداسيًّا، ثم بازلًا". قال: فقال عمر بن الخطّاب: فما بعد البزول إلّا النقصان. رواه الإمام أحمد (١٥٨٠٢) عن محمد بن جعفر، حدثنا عوف، قال: حدثني علقمة المزنيّ،

стр. 198

قال: حدثني رجل قال (فذكر الحديث). وإسناده ضعيف، لإبهام الرّاوي. ورواه أبو يعلى (١٩٢) من طريق يزيد بن زريع، ويحيى بن سعيد، عن عوف، به. وزاد: قال يزيد في حديثه في مسجد البصرة قال: حدثني رجل قد سماه، ونسي عوفٌ اسمه. وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢٧٩) وقال: "رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه راو لم يُسم، وبقية رجاله ثقات". وقوله: "بازلًا" هو ما طلع نابه، وكملتُ قوته، ويكون بعد ثمان سنين، ثم يقال بعد ذلك: بازلُ عامٍ، بازل عامين. ٥٤ - باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "نحن أحقُّ بالشّك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [سورة البقرة: ٢٦٠]، ويرحم اللَّه لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثتُ في السّجن طول ما لبث يوسفُ لأجبتُ الدَّاعي". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأنبياء (٣٣٧٢)، ومسلم في الفضائل (٢٣٧٠: ١٥٢) كلاهما من حديث ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد ابن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره. قال أبو سليمان الخطّابي: ليس في قوله: "نحن أحقّ بالشّك من إبراهيم" اعتراف بالشّك على نفسه، ولا على إبراهيم، لكن فيه نفي الشّك عنهما، يقول: إذا لم أشك أنا ولم أرتَبْ في قدرة اللَّه على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى بأن لا يشك ولا يرتاب، وقال ذلك على سبيل التواضع، والهضم من النَّفس. وفيه الإعلام أن المسألة من قبل إبراهيم لم تعرض من جهة الشّك، لكن من قبل زيادة العلم، فإن العيان يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيد الاستدلال، وقوله: "ليطمئن قلبي"، أي: بيقين النّظر". انتهى باختصار. انظر: " أعلام الحديث" (٣/ ١٥٤٥ - ١٥٤٦). وقوله: "لأجبتُ الدَّاعي" أي لأسرعتُ الإجابة في الخروج من السّجن، ولَمَا قدّمت طلب البراءة، فوصفه بشدّة الصَّبر حيث لم يبادر بالخروج، وإنما قاله ﷺ تواضعًا، والتواضع لا يحط مرتبة الكبير، بل يزيده رِفعة وجَلالًا. وقيل: هو من جنس قوله: "لا تفضلوني على يونس" وقد قيل: إنَّه قاله قبل أن يعلم أنَّه أفضل من الجميع. انظر: "الفتح" (٦/ ٤١٣).

стр. 199

٥٥ - باب بيان الزّمن الذي لا يُقبل فيه الإيمان • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقوم السّاعةُ حتى تطلع الشّمس من مغربها، فإذا طلعتْ ورآها الناسُ آمن منْ عليها، فذاك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سورة الأنعام: ١٥٨] ". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٣٥)، ومسلم في الإيمان (١٥٧) كلاهما من حديث عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة. . . فذكره. وفي لفظ مسلم من وجه آخر عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: "فإذا طلعتْ من مغربها آمن الناسُ كلّهم أجمعون فيومئذ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [سورة الأنعام: ١٥٨] ". وبهذا اللّفظ رواه عبد الرزاق، عن همام، عن أبي هريرة. ومن طريقه رواه البخاريّ (٤٦٣٦)، ومسلم (١٥٧). • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاث إذا خرجْن لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنتْ من قبل أو كسبتْ في إيمانها خيرًا: طلوع الشّمس من مغربها، والدّجال، ودابة الأرض". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٥٨) من طرق عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره. • عن أبي ذرٍّ، أن النّبيّ ﷺ قال يومًا: "أتدرون أين تذهبُ هذه الشَّمسُ؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "إنّ هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرِّها تحت العرش. فتخرُّ ساجدةً، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارْتفعي، ارْجعي من حيثُ جئتِ، فترجعُ. فتصبحُ طالعةً من مطلعها. ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخرُّ ساجدةً، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارْتفعيّ، ارْجعي من حيثُ جئتِ، فترجعُ. فتصبح طالعةً من مطلعها، ثم تجري لا يستنكرُ الناس منها شيئًا حتى تنتهي إلى مستقرِّها ذاك تحت العرش. فيقال لها: ارْتفعيّ، أصبحي طالعةً من مغربك، فتصبحُ طالعةُ من مغربها". فقال رسول اللَّه ﷺ : "أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [سورة الأنعام: ١٥٨] ". متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣١٩٩)، ومسلم في الإيمان (١٥٩) كلاهما من حديث إبراهيم بن يزيد التيميّ، عن أبيه، عن أبي ذرّ، فذكره، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ فيه اختصار. وفي رواية لهما: "فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾

стр. 200

[سورة يس: ٣٨] ". ٥٦ - باب المعاصي من أمر الجاهليّة، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إِلَّا بالشّرك • عن المعرور قال: لقيتُ أبا ذر بالرّبذة، وعليه حُلّة، وعلى غلامه حُلّة، فسألته عن ذلك فقال: إني ساببتُ رجلًا فعيّرته بأمّه، فقال النبيُّ ﷺ : "يا أبا ذر، أعيّرته بأمّه؟ إنّك امرؤٌ فيك جاهلية، إخوانكم خوَلُكم، جعلهم اللَّه تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطْعمه مما يأكل، ولْيلبسه مما يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم، فإن كلّفتموهم فأعينوهم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٣٠)، ومسلم في الأيمان والنذور (١٦٦١) كلاهما من حديث شعبة، عن واصل بن الأحدب، عن المعرور بن سويد، فذكره، واللفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم قريب منه. وقوله: "عيّرته بأمّه" أي أنّ أمّه كانت أعجميّة. • عن أبي أمامة قال: سأل رجلٌ النبيَّ ﷺ فقال: مالإثم؟ فقال: "إذا حكّ في نفسك شيءٌ فدعه". قال: فما الإيمان؟ قال: "إذا ساءتك سيِّئتُك، وسرَتك حسنتُك، فأنت مؤمن". صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٢١٥٩)، والطبراني في الكبير (٧٥٣٩)، وصحّحه ابن حبان (١٧٦) كلهم من طرق عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، قال: سمعتُ أبا أمامة (فذكر الحديث). ورواه الحاكم (١/ ١٤) من طرق أخرى وقال: "هذه الأحاديث كلّها صحيحة متصلة على شرط الشيخين". • عن ابن عمر قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: يا أيّها النّاس إني قمت فيكم كمقام رسول اللَّه ﷺ فينا فقال: "أُوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، حتى يحلف الرّجلُ ولا يستحلف، ويشهد الشَّاهد ولا يستشهد، ألا لا يخلونّ رجلٌ بامرأة إِلَّا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة، وإيّاكم والفرقة، فإنّ الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرّته حسنته وساءته سيّئتُه فذلكم المؤمن". صحيح: رواه الترمذيّ (٦٥) عن أحمد بن منيع، حدثنا النَّضر بن إسماعيل أبو المغيرة، عن محمد بن سوقة، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، فذكر الحديث.

стр. 201

ورواه الإمام أحمد (١١٤)، وصحّحه ابن حبان (٧٢٥٤)، والحاكم (١/ ١١٣) كلهم من طريق محمد بن سوقة. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين". وقال الترمذيّ: "حسن صحيح غريب". وفي الباب عن أبي موسى قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من عمل حسنةً فسُرَّ بها، وعمل سيئة فساءته فهو مؤمن". وهو منقطع. رواه الإمام أحمد (١٩٥٦٥)، والبزار -كشف الأستار (٧٩) -، والحاكم (١/ ١٣، ٥٤) كلهم من حديث عبد العزيز بن محمد، عن عمرو (يعني ابن أبي عمرو)، عن المطلب، عن أبي موسى، فذكر الحديث. والمطلب هو ابن عبد اللَّه بن حنطب لا يعرف له سماع من الصّحابة، كما نقل الترمذيّ في "العلل الكبير" (٢/ ٩٦٤) عن البخاريّ. وقال الحاكم: "وقد احتجا برواة هذا الحديث عن آخرهم، وهو صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، إنما خرجا في خطبة عمر بن الخطّاب: "من سرّته حسنتُه، وساءته سيّئتُه فهو مؤمن" انتهى. ووافق الذهبي على شرطهما. والصّواب أنه ليس بصحيح، ولا على شرطهما؛ لأنّ في إسناده انقطاعًا، والحديث المنقطع ليس بصحيح فضلًا أن يكون على شرطهما. وفي الباب أيضًا عن عامر بن ربيعة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من مات وليس عليه طاعة مات ميتةً جاهليّة، فإنْ خلعها من بعد عقدِها في عنقه، لقي اللَّه ﵎ وليست له حُجّةٌ. ألا لا يخلُوَنَّ رجلٌ بامرأة لا تحلُّ له، فإنَّ ثالثَهما الشّيطان، إِلَّا مَحْرم، فإنَّ الشَّيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من ساءته سيّئتُه، وسرّته حسنتُه فهو مؤمن". قال حسين: "بعد عقده إيّاها في عنقه". إسناده ضعيف. رواه الإمام أحمد (١٥٦٩٦)، والبزار -كشف الأستار- (١٦٣٦) كلاهما من حديث شريك، عن عاصم بن عبيد اللَّه، عن عبد اللَّه بن عامر (يعني ابن ربيعة)، عن أبيه، فذكر الحديث. وعاصم بن عبيد اللَّه هو ابن عاصم بن عمر بن الخطّاب ضعيف، وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٥/ ٢٢٣ - ٢٢٤). ٥٧ - باب مثل المؤمن كشجرة تؤتي أكلها كل حين • وعن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ من الشّجر شجرةً لا يسقط ورقُها، وإنَّها مثل المسلم، فحدّثوني ما هي؟ ". فوقع النَّاسُ في شجر البوادي. قال عبد اللَّه ابن عمر: ووقع في نفسي أنَّها النَّخلة، فاستحييتُ، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول اللَّه، قال: "هي النَّخلة". وفي رواية: "أخبروني شجرةً مَثَلُها مَثَلُ المسلم، تُؤتي أكلها كلَّ حين بإذن ربِّها،

стр. 202

ولا تحتّ ورقها" فوقع في نفسي: النّخلة، فكرهت أن أتكلّم وثمَّ أبو بكر وعمر، فلما لم يتكلما قال النبيُّ ﷺ : "هي النَّخلة". فلما خرجت مع أبي قلت: يا أبتاه، وقع في نفسي النّخلة. قال: ما منعك أن تقولها؟ لو كنتَ قلتَها كان أحبّ إليَّ من كذا وكذا. قال: ما منعني إلَّا أني لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت". متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (٦١)، ومسلم في صفات المنافقين (٢٨١١) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، فذكره. والرواية الثانية عند البخاريّ (٦١٤٤) من وجه آخر عن نافع، عن ابن عمر. ٥٨ - باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا اللَّه، وإن كان أوجع في المسلمين • عن عبيد اللَّه بن عدي بن الخيار أخبره، أن المقداد بن عمرو الكنديّ -وكان حليفًا لبني زهرة، وكان ممن شهد بدرًا مع رسول اللَّه ﷺ أخبره أنه قال لرسول اللَّه ﷺ : أرأيتَ إن لقيتُ رجلًا من الكفّار فاقتلنا، فضرب إحدى يديَّ بالسّيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمتُ للَّه، أأقتلُه يا رسول اللَّه بعد أن قالها؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقتله". فقال يا رسول اللَّه، إنّه قطع إحدى يديَّ، ثم قال ذلك بعدما قطعها؟ ! فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقتله، فإنْ قتلتَه فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنَّك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال". متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٠١٩)، ومسلم في الإيمان (٩٥) من حديث ابن شهاب الزهريّ، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد اللَّه بن عديّ بن الخياريّ، به، فذكره، ولفظهما سواء • عن أسامة بن زيد يقول: بعثنا رسول اللَّه ﷺ إلى الحُرقة، فصبّحنا القوم فهزمناهم، ولحقتُ أنا ورجلُ من الأنصار رجلًا منهم فلما غشيناه قال: لا إله إلا اللَّه. فكفَّ عنه الأنصاريّ، فطعنْتُه برمحي حتى قتلتُه، فلما قدمنا بلغ ذلك النبيّ ﷺ فقال: "يا أسامة، أقتلْتَه بعدما قال: لا إله إِلَّا اللَّه؟ ! " قلت: كان متعوِّذًا! فما زال يكرّرُها حتى تمنيتُ أني لم أكن أسلمتُ قبل ذلك اليوم. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازيّ (٤٦٩)، ومسلم في الإيمان (٩٦: ١٥٩) كلاهما من طريق هشيم، أخبرنا حصين، حدثنا أبو ظبيان، قال: سمعتُ أسامة بن زيد بن حارثة يحدّث، قال (فذكره)، ولفظهما سواء. ورواه مسلم من وجه آخر عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن أسامة بن زيد، قال: بعثنا رسولُ اللَّه ﷺ في سريّة، فصبّحنا الحُرُقات من جهينة، فأدركتُ رجلًا فقال: لا إله إِلّا اللَّه، فطعنتُه، فوقع

стр. 203

في نفسي من ذلك، فذكرتُه للنبيّ ﷺ فقال رسول اللَّه: "أقال: لا إله إلّا اللَّه وقتلتَه؟ ! ". قال: قلت: يا رسول اللَّه، إنّما قالها خوفًا من السّلاح. قال: "أفلا شققتَ على قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ ! ". فما زال يكرّرها عَلَيَّ حتى تمنيتُ أنِّي أسلمتُ يومئذ. قال: فقال سعد: وأنا واللَّهِ لا أقتلُ مسلمًا حتى يقتله ذو البُطين -يعني أسامة-، قال: قال رجل: ألم يقل اللَّه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال: ٣٩]؟ فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة. قوله: "الحرقات" مثل عرفات وأذرعات، موضع ببلاد جهينة. • عن جندب بن عبد اللَّه البجلي أنّه بعث إلى عسعس بن سلامة زمن فتنة ابن الزبير، فقال: اجمع لي نفرًا من إخوانك حتى أحدّثهم فبعث رسولا إليهم. فلما اجتمعوا جاء جندب وعليه برنُس أصفر فقال: تحدَّثُوا بما كنتم تحدثون به حتّى دار الحديث. فلما دار الحديثُ إليه، حسر البرنُسَ عن رأسه فقال: إني أتيتكم ولا أريد أن أخبركم عن نبيِّكم، إنّ رسول اللَّه ﷺ بعث بعثًا من المسلمين إلى قوم من المشركين وأنهم التقوا فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله، وإنّ رجلًا من المسلمين قصد غفلته -قال: وكنا نحدّث أنه أسامة بن زيد- فلما رفع عليه السيّف قال: لا إله إلّا اللَّه فقتله! فجاء البشير إلى النبيّ ﷺ فسأله فأخبره حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع، فدعاه فسأله فقال: "لِمَ قتلتَه؟ ". قال: يا رسول اللَّه أوجع في المسلمين، وقتل فلانًا وفلانًا وسمّى له نفرًا، وإني حملت عليه. فلمّا رأى السّيف قال: لا إله إلّا اللَّه! قال رسول اللَّه ﷺ : "أقتلته؟ " قال: نعم قال: فكيف تصنع بلا إله إلّا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة؟ " قال يا رسول اللَّه، استغفرْ لي. قال: "وكيف تصنع بلا إله إلّا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة؟ ! ". قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: "كيف تصنع بلا إله إلّا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة؟ ! ". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٩٧) عن أحمد بن الحسن بن خراش، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا معمر، قال: سمعتُ أبي يحدّث أنّ خالدًا الأثْبَجَ ابن أخي صفوان بن محرز، حدّث عن صفوان بن محرز، أنّه حدّث أن جندب بن عبد اللَّه بعث، فذكره. ٥٩ - باب ما جاء من التحذير في تكفير المسلم • عن عبد اللَّه بن عمر، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء

стр. 204

بها أحدُهما". متفق عليه: رواه مالك في الكلام (١) عن عبد اللَّه بن دينار، عن عبد اللَّه بن عمر، فذكره. ورواه البخاريّ في الأدب (٦١٠٤) من طريق مالك، به، مثله. ورواه مسلم في الإيمان (٦٠) من طريق اسماعيل بن جعفر، عن عبد اللَّه بن دينار، به، وزاد فيه: "إن كان كما قال، وإلّا رجعتْ عليه". • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا قال الرّجل لأخيه: يا كافر فقد باء به أحدهما". صحيح: رواه البخاريّ في الأدب (٦١٠٢) عن محمد وأحمد بن سعيد، قالا: حدثنا عثمان بن عمر، أخبرنا عليّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. • عن ثابت بن الضّحّاك، عن النبيّ ﷺ قال: "من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عُذّب به في نار جهنّم، ولعنُ المؤمن كقتله، ومن رمي مؤمنًا بكفر فهو كقتله". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأدب (٦١٠٥)، ومسلم في الإيمان (١١٠) كلاهما من حديث أبي قلابة، عن ثابت بن الضّحّاك، فذكر الحديث، واللفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم مختصرًا، ولم يذكر قوله: "ولعن المؤمن. . . الخ". • عن أبي ذرّ، أنَّه سمع النبيّ ﷺ يقول: "لا يرمي رجلٌ رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر إِلَّا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبُه كذلك". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأدب (٦٠٤٥)، ومسلم في الإيمان (٦١) كلاهما من حديث عبد الوارث، عن الحسين المعلم، عن عبد اللَّه بن بريدة، حدثني يحيى بن يعمر، أنّ أبا الأسود الدّيليّ حدّثه، عن أبي ذر، فذكر الحديث. واللّفظ للبخاريّ. ولفظ مسلم كما هو مذكور في باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم. • عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أيُّما رجل مسلم أكفر رجلًا مسلمًا، فإن كان كافرًا، وإلّا كان هو الكافر". صحيح: رواه أبو داود (٤٦٧٨) عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن فُضيل بن غزوان، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر الحديث، وإسناده صحيح. وفي الباب عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما أكفر رجلٌ رجلًا قط إلَّا باء أحدُهما بها إن كان كافرًا، وإلّا كُفِّر بتكفيره".

стр. 205

رواه ابن حبان في صحيحه (٢٤٨) عن الحسن بن سفيان، حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق، حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد، فذكر الحديث. وابن إسحاق مدلّس وقد عنعن، ولم أقف على تصريح منه بالتحديث. ٦٠ - باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم • عن أبي ذر، أنه سمع النبيّ ﷺ يقول: "ليس من رجل ادّعى لغير أبيه -وهو يعلمه- إلَّا كفر، ومن ادّعى قومًا ليس له فيهم فليتبوأ مقعده من النار". متفق عليه: رواه البخاريّ في المناقب (٣٥٠٨)، ومسلم في الإيمان (٦١) كلاهما من حديث عبد الوارث، عن حسين المعلم، عن عبد اللَّه بن بريدة، قال: حدثني يحيى بن يعمر، أنّ أبا الأسود الدّيليّ حدّثه عن أبي ذر، فذكر الحديث، ولفظهما سواء، وزاد مسلم: "ومن دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدو اللَّه وليس كذلك، إِلَّا حار عليه". وقوله: "حار عليه" أي باء ورجع. • عن سعد بن أبي وقاص يقول: سمع أُذناي من رسول اللَّه ﷺ وهو يقول: "من ادّعى أبًا في الإسلام غير أبيه، يعلم أنّه غير أبيه، فالجنّة عليه حرام". متفق عليه: رواه مسلم في الإيمان (٦٣) عن عمرو الناقد، حدثنا هشيم بن بشير، أخبرنا خالد الحذّاء، عن أبي عثمان، قال: لما ادُّعِي زياد، لقيتُ أبا بكرة فقلت له: ما هذا الذي صنعتُم؟ إني سمعت سعد بن أبي وقّاص يقول (فذكره). فقال أبو بكرة: وأنا سمعتُه من رسول اللَّه ﷺ . ورواه البخاريّ في الفرائض (٦٧٦٦) من وجه آخر عن خالد، بإسناده مختصرًا. وأما قول أبي عثمان: لما ادُّعِي زياد لقيتُ أبا بكرة، فقلت له: ما هذا الذي صنعتم، إني سمعتُ سعد بن أبي وقاص يقول: سمع أذناي من رسول اللَّه ﷺ وهو يقول: "من ادّعَى أبًا في الإسلام غير أبيه فالجنة عليه حرام"، فقال أبو بكرة: أنا سمعتُه من رسول اللَّه ﷺ ، فمعنى هذا الكلام الإنكار على أبي بكرة، وذلك أن زيادًا المذكور هو المعروف بزياد بن أبي سفيان، ويقال فيه: زياد بن أبيه، ويقال: زياد بن أمّه، وهو أخو أبي بكرة لأمّه، وكان يُعرف بزياد بن عبيد الثقفيّ، ثم ادّعاه معاوية بن أبي سفيان وألحقه بأبيه أبي سفيان، وصار من جملة أصحابه بعد أن كان من أصحاب عليّ بن أبي طالب ﵁، فلهذا قال أبو عثمان لأبي بكرة: ما هذا الذي صنعتم أي ما هذا الذي جرى من أخيك ما أقبحه وأعظم عقوبته! فإنَّ النبيّ ﷺ حرّم على فاعله الجنة. وقوله: "ادُّعي" ضبطناه بضم الدال وكسر العين مبني لما لم يسم فاعله، أي ادّعاه معاوية، ووجد بخطّ الحافظ أبي عامر العبدريّ:

стр. 206

"ادَّعَى" بفتح الدال والعين، على أنّ زيادًا هو الفاعل، وهذا له وجه من حيث إنّ معاوية ادّعاه وصدّقه زياد، فصار زيادٌ مدعيًا أنه ابن أبي سفيان، واللَّه أعلم". قاله النوويّ في شرح مسلم. • عن سعد بن أبي وقاص، وأبي بكرة كلاهما يقول: سمعتُه أُذناي ورعاه قلبي، أنّ محمّدًا ﷺ يقول: "من ادَّعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه، فالجنّة عليه حرام". متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٢٦)، ومسلم في الإيمان (٦٣) كلاهما من حديث عاصم قال: سمعتُ أبا عثمان قال: سمعتُ سعدًا وأبا بكرة كلاهما يقول (فذكر الحديث). • عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر". متفق عليه: رواه البخاريّ في الفرائض (٦٧٦٨)، ومسلم في الإيمان (٦٢) كلاهما من حديث ابن وهب، أخبرني عمرو، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة. . . فذكره، ولفظهما سواء. ٦١ - باب إطلاق اسم الكفر على العبد الآبق • عن جرير، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أيّما عبد أبق برئتْ منه الذّمة". وفي رواية: "إذا أبق العبد لم تقبلْ له صلاة". وفي رواية: "أيّما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٦٩)، الروايات الثلاثة من طرق عن الشعبي عن جرير. ولكن قال الشعبي في الرواية الثالثة: قد واللَّه رُوي عن النبيّ ﷺ ، ولكني أكره أن يُروى عني ههنا بالبصرة. ومعناه: "أن منصورًا روي هذا الحديث عن الشعبيّ، عن جرير موقوفًا عليه. ثم قال منصور بعد روايته إياه موقوفًا: واللَّه إنّه مرفوع إلى النبيّ ﷺ فاعلموه أيّها الخواص الحاضرون، فإنّي أكره أن أصرِّح برفعه في لفظ روايتي، فيشيع عني في البصرة التي هي مملوءة من المعتزلة والخوارج الذين يقولون بتخليد أهل المعاصي في النار. والخوارج يزيدون على التخليد فيحكمون بكفره، ولهم شبهة التعلّق بظاهر هذا الحديث". قاله النووي في شرح مسلم. وقال ابن الصلاح في صيانة صحيح مسلم (ص ٣٤٣): "قول منصور بن عبد الرحمن الراوي الحديث جرير: "أكره أن يُروى عنّي هاهنا بالبصرة" كان سببه ما كان قد نبغ بالبصرة من المعتزلة ونحوهم كلا يحتجوا به على قولهم في أصحاب الكبائر. وقوله في رواية أخرى: "إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة" لا يلزم من عدم القبول عدم الصّحة، بل قد تثبتُ الصّحة مع عدم القبول أي يسقط عنه القضاء، فهو لا يعاقب عقوبة تارك الصلاة، ولكنه يحرم من الثواب الذي أعدّه اللَّه للمصلين.

стр. 207

منصور بن عبد الرحمن خمسة. وهذا واحد منهم وهو: الفدانيّ الأشلّ البصريّ، وثّقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وضعَّفه أبو حاتم والآخرون هم القرشيّ، والبرجميّ، والحجبيّ، ومنصور بن عبد الرحمن الذي حدّث عن الحسن البصريّ وعنه إبراهيم بن طهمان. وأما ما رواه أبو داود (٤٣٦٠)، والنسائيّ (٤٠٥٧) من طريق أبي إسحاق، عن الشعبيّ، عن جرير مرفوعًا: "إذا أبق العبد إلى الشّرك فقد حَلَّ دمُه". فهو ضعيف لأجل أبي إسحاق فإنه مدلس وقد عنعن، كما أنه خالف أصحاب الشعبيّ في لفظ الحديث كما أنه اختلف عليه فمرة يروي عن الشعبيّ، عن جرير، وأخرى عن عامر، عن جرير. وأخرى عن جرير، بدون واسطة، فالظاهر أن أصحابه لم يضبطوا عنه. ٦٢ - باب ما جاء في تحريم الكهانة وإتيان الكهان • عن عائشة قالت: سأل أناسٌ النّبيَّ ﷺ عن الكهان، فقال: "إنَّهم ليسوا بشيء"، فقالوا: يا رسول اللَّه فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقًّا! قال: فقال النبيُّ ﷺ : "تلك الكلمة من الحقّ يخطفها الجنيّ فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدّجاجة، فيخلطون فيه أكثر من مائة كذبة". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٥٦١)، ومسلم في السلام (٢٢٢٨) كلاهما من حديث ابن شهاب، قال: أخبرني يحيى بن عروة بن الزبير، أنه سمع عروة بن الزبير يقول: قالت عائشة، فذكر الحديث، واللَّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم نحوه. • * *

стр. 208

جموع أبواب الإيمان باللَّه ١ - باب أخذ اللَّه الميثاق من عباده على ربوبيته قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف: ١٧٢]. ومعنى الآية: وإذ أخذ ربَّك من بني آدم من ظهورهم ذريّتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألستُ بربِّكم؟ قالوا: بلى، فقال اللَّه وملائكتُه: شهدنا عليكم بإقراركم باللَّه ربّكم كيلا تقولوا يوم القيامة: إنَّا كنا عن هذا غافلين. انظر: ابن جرير الطبريّ (١٠/ ٥١٤). وقال إسحاق بن راهويه: "أجمع أهل العلم أن اللَّه خلق الأرواح قبل الأجساد، وأنه استنطقهم وأشهدهم" أي على ربوبيته. وقال ابن الأنباريّ: "مذهب أهل الحديث وكبراء أهل العلم في هذه الآية أن اللَّه أخرج ذرية آدم من صلبه، وصلب أولاده، وهم في صور الذّر فأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعون، فاعترفوا بذلك وقبلوا". • عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من مولود إِلَّا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجّسانه، كما تُنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تُحِسُّون فيها من جدعاء؟ ". ثم يقول أبو هريرة: واقرؤا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [سورة الروم: ٣٠]. متفق عليه: رواه البخاريّ في الجنائز (١٣٥٩)، ومسلم في القدر (٢٦٥٨) كلاهما من حديث يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره، أنّ أبا هريرة قال (فذكره). • عن أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ قال: "يقول اللَّه تعالى لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: لو أنّ لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقول: أردتُ منك أهون من هذا، وأنت في صُلب آدم: أن لا تُشرك بي شيئًا، فأبيتَ إِلَّا أن تشرك بي". متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٥٧)، ومسلم في صفات المنافقين (٢٨٠٥) كلاهما

стр. 209

عن محمد بن بشّار: حدّثنا محمد بن جعفر غندر، حدثنا شعبة، عن أبي عمران، قال: سمعت أنس بن مالك، فذكره. ورواه مسلم من وجه آخر عن معاذ بن معاذ العنبريّ، عن شعبة وفيه: "قد أردتُ منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم، أن لا تشرك بي -أحسبه قال: ولا أُدخلك النار- فأبيتَ إِلَّا الشّرك". وفي رواية عنده من وجه آخر: "سئلتَ ما هو أيسر من ذلك". قوله: "قد أردت منك" أي أحببت منك، والإرادة في الشرع تطلق ويراد بها ما يعمّ الخير والشّر، والهدى والضلال، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة الأنعام: ١٢٥]. وهذه الإرادة لا تتخلّف. وتطلق أحيانًا ويراد بها ما يرادف الحبّ والرّضا، كما في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٨٥]، وهذا المعنى هو المراد من قوله تعالى في هذا الحديث: "أردتُ منك" أي أحببتُ، والإرادة بهذا المعنى قد تخلف، لأن اللَّه ﵎ لا يجبر أحدًا على طاعته -وإن كان خلقهم من أجلها-: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [سورة الكهف: ٢٩]، وعليه فقد يريد اللَّه ﵎ من عبده ما لا يحبه منه، ويحب منه ما لا يريده، وهذه الإرادة يسميها ابن القيم رحمه اللَّه تعالى بالإرادة الكونيّة أخذًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة يس: ٨٢]، ويسمي الإرادة الأخرى المرادفة للرّضا بالإرادة الشّرعية. وقوله: "وأنت في صلب آدم" قال القاضي عياض: "يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]، فهذا الميثاق الذي أُخذ عليهم في صلب آدم، فمن وفي به بعد وجوده في الدنيا فهو مؤمن، ومن لم يوف به فهو كافر، فمراد الحديث: أردتُ منك حين أخذت الميثاق، فأبيت إذ أخرجتك إلى الدنيا إِلَّا الشّرك" ذكره في الفتح". انظر: السلسلة الصحيحة (١/ ١٢٣ - ١٢٤). • عن هشام بن حكيم: أنّ رجلًا أتى النّبيَّ ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، أنبتدئ الأعمال أم قُضي القضاء؟ فقال رسول ﷺ : "إنّ اللَّه أخذ ذرية آدم من ظهره، وأشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه فقال: هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنّار، فأهل الجنة ميسّرون لعمل أهل الجنة، وأهل النّار ميسّرون لعمل أهل النّار". حسن: رواه الفريابي في القدر (٢٢) وعنه الآجري في الشريعة (٣٣٠)، وابن أبي عاصم في السنة (١٦٨) كلهم من حديث عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصيّ، حدثنا بقية بن

стр. 210

الوليد، حدثنا الزبيديّ، حدثني راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة النّصيريّ، عن هشام بن حكيم، فذكره. وإسناده حسن من أجل عمرو بن عثمان فإنه "صدوق"، وبقية رجاله ثقات. وبقية مدلّس، ولكنّه صرّح بالتحديث وقد توبع أيضًا، فرواه الفريابي (٢٤) من وجه آخر عن راشد بن سعد بإسناده مثله، وسيأتي مزيد من التحقيق في كتاب القدر. • عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أخذ اللَّه الميثاق من ظهر آدم بنَعمان -يعني عرفة- فأخرج من صلبه كل ذريّة ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذّر، ثم كلَّمهم قبلًا، قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣] ". حسن: رواه الإمام أحمد (٢٤٥٥)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٠٢)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٧١٤)، وفي كتاب القدر (١/ ٢٦٧)، وابن منده في الرّد على الجهمية (٢٩)، والحاكم (٢/ ٥٤٤) كلّهم من طرق عن حسين بن محمد المروزيّ، حدثنا جرير -يعني ابن حازم-، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره، واللَّفظ لأحمد. قال الحاكم: "صحيح الإسناد". وتابعه وهب بن جرير، عن أبيه على رفعه، ومن طريقه أخرجه الحاكم (١/ ٢٧)، وعنه البيهقي في الأسماء والصفات (٤٤١) وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد احتجّ مسلم بكلثوم بن جبر". قلت: وهو كما قالا، إِلَّا أن كلثوم بن جبر وإن كان من رجال مسلم، وثقه أحمد وابن معين وابن سعد وغيرهم، وتكلّم فيه النسائيّ غير أنه حسن الحديث. إِلَّا أن الحديث اختلف في رفعه ووقفه، فرواه مرفوعًا حسين بن محمد المروذيّ، ووهب بن جرير، كلاهما عن جرير بن حازم، كما رأيت. ورواه عبد الوارث عند الطبري في تفسيره (١٠/ ٥٤٧)، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فوقَّفه. وكذا رواه إسماعيل ابن عليّة، ووكيع، عند الطبري في تفسيره (١٠/ ٥٤٨، ٥٥٠) كلاهما عن ربيعة بن كلثوم بن جبر، عن أبيه، به. وكذا رواه عطاء بن السّائب، وحبيب بن أبي ثابت، وعلي بن بذيمة، عند الطبري (١٠/ ٥٤٨ - ٥٥١) وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦١٣) كلهم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله.

стр. 211

وكذا رواه عليّ بن أبي طلحة، عند ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦١٤) وأبو جمرة عند الطبري (١٠/ ٥٥٠) والعوفيّ، كلهم عن ابن عباس. قال ابنُ كثير في تفسير هذه الآية: "فهذا أكثر وأثبت" انتهى قوله. قلت: وهو كما قال رحمه اللَّه تعالى، فإن أحدًا لا يشك في ترجيح وقفه من حيث الإسناد فمن الممكن أنه كان يوقف مرة، ويرفع أخرى ولكن الرّفع زيادة. والثانية: أن مثل هذا لا يقال بالرّأي. والثالثة: أنه من تفسير الصحابي، وما كان كذلك فهو في حكم الرفع، ولذا يخرّج الحاكم تفاسير الصحابة في المستدرك ويجعله على شرط الكتاب. انظر: (١/ ٥٥). والرابعة: إنّ هذا التفسير له شواهد كثيرة من الصّحابة الآخرين كما قال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣) عند شرحه لحديث عمر بن الخطّاب سئل عن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [سورة الأعراف: ١٧٢] فقال عمر: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ سئل عنها فقال: (فذكر الحديث) قال: ليس إسناده بالقائم. . . ولكن معنى هذا الحديث قد صحَّ عن النبيّ ﷺ في وجوه كثيرة ثابتة يطول ذكرها". قلت: حديث عمر بن الخطّاب هذا وغيره سيأتي تخريجه المفصّل في كتاب القدر - باب أحاديث القبضتين كما ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره، والسيوطي في الدر المنثور، والشوكاني في تفسيره فتح القدير (٢/ ٢٥١ - ٢٥٢) كثيرًا من الآثار الموقوفة والأحاديث المرفوعة في معناه. • عن أبي بن كعب ﵁ في قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٧٢، ١٧٣] قال: "جمعه له يومئذ جميعًا ما هو كائن منه إلى يوم القيامة، فجعلهم أرواحًا ثم صوَّرهم، ثم استنطقهم وتكلَّموا، وأخذ عليهم العهد والميثاق ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ قال: فإني أشهد عليكم السموات السبع، والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة: لم نعلم بهذا، اعلموا أن لا إله غيري ولا ربّ غيري، ولا تشركوا بي شيئًا، وأني سأرسل لكم رسلًا ينذرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي قالوا: نشهد أنَّك ربّنا وإلهنا لا ربّ لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك، فأقرّوا له يومئذ بالطّاعة، ورفع أباهم آدم إليهم فرأى فيهم الغني

стр. 212

والفقير، وحسَنَ الصورةِ ودون ذلك، فقال: يا ربّ، لو سويت بين عبادك؟ قال: إني أحببتُ أن أشكر، وأري فيهم الأنبياء مثل السرج عليه النور، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة فهو الذي يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [سورة الأحزاب: ٧]، وهو الذي يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [سورة الروم: ٣٠]، وفي ذلك قال: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [سورة النجم: ٥٦]، وفي ذلك قال: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [سورة الأعراف: ١٠٢] ". حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦١٥)، وابن جرير الطبريّ في تفسيره (١٠/ ٥٥٧)، والحاكم (٢/ ٣٢٣)، والضّياء في المختارة (١١٥٩) كلّهم من طرق عن أبي جعفر عيسي بن عبد اللَّه ابن ماهان، عن الرّبيع بن أنس، عن أبي العالية رُفيع، عن أُبيّ بن كعب من قوله. قال الحاكم: "صحيح الإسناد". قلت: الربيع بن أنس لم يبلغ درجة الثقة، ولكنه حسن الحديث. وفي الباب ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "إنّ اللَّه ﵎ لما خلق آدم مسح ظهره، فخرجت منه كلّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ونزع ضلعًا من أضلاعه فخلق منه حواء، ثم أخذ عليهم العهد ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف: ١٧٢] ". فذكر الحديث بطوله، وفيه قصة منح آدم أربعين سنة من عمره لداود. فهو ضعيف. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦١٤) عن العباس بن الوليد بن مزيد البيروتيّ قراءة، ثنا محمد بن شعيب، أخبرني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه زيد بن أسلم، أنه حدثه عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف. والحديث حسن بدون الإشهاد، وسيأتي في كتاب القدر. وكذلك في الباب أيضًا ما روي عن أبي أمامة مرفوعًا: "لما خلق اللَّه الخلق، وقضى القضية، أخذ أهل اليمين بيمينه، وأهل الشّمال بشماله، فقال: يا أصحاب اليمين، فقالوا: لبيك وسعديك، قال: ألستُ بربِّكم؟ قالوا: بلى. قال: يا أصحاب الشّمال، قالوا: لبيك وسعديك. قال: ألستُ بربِّكم؟ قالوا: بلى، ثم خلط بينهم، فقال قائلٌ: يا ربّ لم خلطت بينهم؟ قال: لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، أن يقولوا يوم القيامة: إنَّا كنَّا عن هذا غافلين، ثم ردَّهم في صلب آدم". وإسناده ضعيف، رواه ابن مردويه كما قال ابن كثير من طريق جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي

стр. 213

أُمامة، فذكر مثله. ومن هذا الطريق رواه أيضًا الطبراني في الكبير (٨/ ٢٨٧) مع اختلاف في بعض الألفاظ والسّياق. قال ابن كثير: جعفر بن الزبير ضعيف، ولكن تابعه بشر بن نمير وهو أضعف منه، ومن طريقه رواه أبو الشيخ في العظمة (٣٢٨). والخلاصة أن حديث أبي أمامة ضعيف. ٢ - باب ما جاء في ردّ الوسوسة قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٠، فصلت: ٣٦]. النَّزْغ والهمْز: الوسوسة. وقوله سبحانه حاكيًا عن يوسف ﵇: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [سورة يوسف: ١٠٠]. أي أفسد وأغرى. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [سورة الناس: ١ - ٦]. والخنَّاس هو الشّيطان يوسوس في صدر المرء، فإذا ذكر اللَّه خنس، أي انقبض وتأخّر. • وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يأتي الشّيطانُ أحدَكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربَّك؟ فإذا بلغه فليستعِذْ باللَّه ولينتهِ". وفي رواية: "فليقُل: آمنتُ باللَّه". متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٧٦)، ومسلم في الإيمان (١٣٤/. . .) كلاهما من حديث الليث بن سعد، قال: حدثني عُقيل بن خالد، قال: قال ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، قال: قال أبو هريرة (فذكر الحديث)، واللّفظ للبخاريّ. وأمّا مسلمٌ فأحال على حديث ابن أخي ابن شهاب، عن عمّه، قال: أخبرني عروةُ بن الزّبير، فذكر مثله. والرّواية الثانية عند مسلم من طريق سفيان، عن هشام، عن أبيه. ورواه أيضًا مسلمٌ من حديث محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، وفيه: "لا يزالُ النّاسُ يسألونكم عن العلم حتى يقولوا: هذا اللَّه خلقنا، فمن خلق اللَّه؟ " قال: وهو آخذ بيد رجل، فقال: صدق اللَّهُ ورسولُه، قد سألني اثنان وهذا الثالث، أو قال: سألني واحد، وهذا الثاني. وفي رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "لا

стр. 214

يزالون يسألونك يا أبا هريرة حتى يقولوا: هذا اللَّه، فمن خلق اللَّه؟ " قال: فبينما أنا في المسجد إذ جاءني ناسٌ من الأعراب، فقالوا: يا أبا هريرة، هذا اللَّه فمن خلق اللَّه؟ قال: فأخذ حصي بكفّه فرماهم. قال: قوموا، قوموا، صدق خليلي". ورواه عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يزالون يسألون حتى يقال: هذا اللَّه خلقنا، فمن خلق اللَّه ". قال: فقال أبو هريرة: فواللَّه إنِّي لجالس يومًا إذ قال لي رجلٌ من أهل العراق: هذا اللَّه خلقنا، فمن خلق اللَّه ؟ قال أبو هريرة: فجعلتُ إصْبعَيّ في أُذُنِيّ ثم صِحْتُ، فقلتُ: صدق اللَّه ورسولُه، اللَّه الواحد الصّمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد". رواه الإمام أحمد (٩٠٢٧) عن عفّان، حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، فذكره. وإسناده حسن، للكلام في عمر بن أبي سلمة، غير أنه حسن الحديث. ورواه عتبة بن مسلم مولى بني تميم عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وزاد فيه: "ثم ليتفُل عن يساره، وليستعذ باللَّه من الشَّيطان". رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٦٥٣) عن محمد بن منصور الطّوسيّ، ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبيّ، عن ابن إسحاق، حدثني عتبة بن مسلم، فذكره غير أنه لم يذكر فيه قصة رجل من أهل العراق. وعتبة بن مسلم هو المدني التّيميّ مولاهم، ثقة من رجال الصّحيحين. • عن أنس بن مالك يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "لن يبْرحَ النّاسُ يتساءلون حتى يقولوا: هذا اللَّهُ خالقُ كلِّ شيءٍ، فمن خلق اللَّه؟ ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٢٩٦) عن الحسن بن صبّاح، حدثنا شبابة، حدثنا ورقاءُ، عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن، سمعت أنس بن مالك، فذكر الحديث. ورواه مسلم في الإيمان (١٣٦) من وجه آخر عن مختار بن فُلْفُل، عن أنس، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "قال اللَّه : إنّ أمّتَك لا يزالون يقولون: ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا اللَّهُ خلق الخلق، فمن خلق اللَّه؟ ". وفي رواية لم يذكر: "قال اللَّه: إنّ أمّتك". • عن عائشة، أنّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إنّ أحدكم يأتيه الشّيطانُ فيقول: من خلقك؟ فيقول: اللَّه، فيقول: فمن خلق اللَّهَ؟ فإذا وجد ذلك أحدُكم فليقْرأْ: آمنتُ باللَّه ورسله، فإنَّ ذلك يُذهب عنه". صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٦٢٠٣)، والبزَّار -كشف الأستار (٥٠) -، وأبو يعلى (٤٧٠٤)

стр. 215

كلّهم من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وصحّحه ابن حبان (١٥٠)، ورواه من هذا الوجه ولفظه: "لن يدع الشّيطان أن يأتي أحدَكم فيقول: من خلق السموات والأرض؟ فيقول: اللَّه، فيقول: فمن خلقك؟ فيقول: اللَّه، فيقول: فمن خلق اللَّه، فإذا حسَّ أحدكم بذلك" فذكر بقية الحديث. هكذا رواه عدد منهم الضّحّاك بن عثمان الحزاميّ، وعبد اللَّه بن الأجلح، وإسماعيل بن عياش، ومروان بن معاوية، وسفيان الثوريّ، وليث بن سالم وغيرهم كما ذكره الدارقطنيّ، كلهم عن هشام ابن عروة عن أبيه، عن عائشة. قال البزّار: وهذا رواه غير واحد عن هشام، عن أبيه، عن أبي هريرة، وغير واحد عن عائشة منهم أبو صالح" انتهى. قلت: لعلّه قصد بذلك الرد على أبي زرعة في تخطئته لحديث عائشة، وقوله: "والصحيح حديث ابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن أبي هريرة "العلل" (٢/ ١٥٩)، وكذلك رجح الدارقطني في العلل (١٤/ ١٥٩)، أنه من حديث أبي هريرة، ولكن لا يمنع هذا أن يكون لعروة شيخان، أبو هريرة وعائشة، ولذا صححه غير واحد من أهل العلم حديث عائشة أيضًا. وفي الباب عن خزيمة بن ثابت، رواه الإمام أحمد (٢١٨٦٧)، والطبرانيّ (٣٧١٩)، وأبو يعلى كلّهم من طريق الحسن بن موسى الأشيب، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود، أنّه سمع عروة يحدِّث عن عمارة بن خزيمة، عن أبيه، فذكره. ومن هذا الوجه رواه أيضًا ابن أبي عاصم في "السنة" (٦٥٠). وفي الإسناد عبد اللَّه بن لهيعة، وفيه كلام معروف، ولم أجد من الرّواة عنه أحدًا من العبادلة الذين سمعوا منه قبل الاختلاط. وفي الباب أيضًا من حديث عبد اللَّه بن عمرو، رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (١٩١٧) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد اللَّه ابن عمرو. قال الطبرانيّ: "لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمرو إِلَّا مالك، ولا عن مالك إِلَّا ابن أبي أويس، تفرّد به أبو الطّاهر بن السرح. ورواه النّاس عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي هريرة". وذكره الهيثميّ في "المجمع" (١/ ٣٤)، ونسبه للطبرانيّ في "الأوسط والكبير" وقال: "رجاله رجال الصحيح خلا أحمد بن محمد بن نافع الطحّان شيخ الطبرانيّ". ولم يقل فيه شيئًا، فالظّاهر أنه لم يعرفه. • عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّ اللَّه تجاوز عن أُمّتي ما حدَّثتْ به
следующие страницы →