Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
كاد ينجفلُ: أي يسقط.
وضوءًا دون وضوءٍ: يريد وضوءًا خفيفًا
١٨ - باب ما جاء في نقصان الصلاة
• عن عمار بن ياسر قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن الرجل لينصرفُ، وما كُتبَ إلا عُشْرُ صلاته، تُسْعُها، ثُمُنُها، سُبُعُها، سُدُسُها، خُمُسُها، رُبُعُها، ثُلُثُها، نِصْفُها".
حسن: رواه أبو داود (٧٩٦) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، عن بكر - يعني ابن مُضر، عن ابن عَجْلان، عن سعيد المقبري، عن عمر بن الحكم، عن عبد الله بن عَنَمة المزني، عن عمار بن ياسر فذكر مثله.
ورواه الإمام أحمد (١٨٨٩٤) عن صفوان بن عيسى، والطحاوي في مشكله (١١٠٣) من طريق حيوة بن شريح - كلاهما عن ابن عجلان به مثله.
إسناده حسن لأجل محمد بن عجلان فإنه حسن الحديث.
وأما عبد الله بن عنمة فاختلف فيه فقيل: إن له صحبة، شهد فتح الإسكندرية، ولكن قال ابن منده: "له صحبة، ولا تعرف له رواية" يعني عن النبي ﷺ . وهذا لا ينافي أن يروي عن غيره كما هنا وقد تابعه ابن لاس الخزاعي قال: دخل عمار بن ياسر المسجد، فركع فيه ركعتين أخفَّهما وأتمَّهما، قال: ثمَّ جلس. فقُمنا إليه، فجلسنا عنده، ثمَّ قلنا له: لقد خفَّفْتَ ركعتيك هاتين جدًّا يا أبا اليقظان! فقال: إني بادرتُ بهما الشيطان أن يدخلَ عليَّ فيهما. قال: فذكر الحديث.
رواه الإمام أحمد (١٨٣٢٣) عن يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن عمر بن الحكم بن ثوبان، عن ابن لاس الخزاعي به إلا أن الإمام لم يذكر لفظ الحديث. وإنما ذكره في موضع آخر في حديث عبد الله بن عنمة كما سبق في سياق أبي داود، وسياق الإمام أحمد: رأيت عمار بن ياسر دخل المسجد فأخَفَّ الصلاة قال: فلما خرج قُمتُ إليه، فقلت: يا أبا اليقظان! لقد خفَّفْتَ. قال: فهل رأيتني انتقصتُ من حدودها شيئًا؟ قلت: لا، قال: فإني بادرتُ بها سهوةَ الشيطان، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: فذكر الحديث كما مضى.
رواه الإمام أحمد (١٨٨٩٤) عن صفوان بن عيسى، قال: أخبرنا ابن عجلان به كما سبق.
والإسناد الثاني عند الإمام أحمد حسن لأجل محمد بن إسحاق وقد صرَّح بالتحديث، فانتفتْ منه تهمةُ التدليس، وهو حسن إذا صرَّح.
وابن لاس، ويقال له: أبو لاس، له صحبة. روي له البخاري تعليقًا، وهو مشهور بكنيته، ولا يعرف له اسمه ذكره الحافظ في "الإصابة" (٤/ ١٦٨) في باب الكنية، في القسم الأول.
وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب": "له صحبة يعد في أهل المدينة، روى عنه عمر بن الحكم بن ثوبان".
стр. 1507
وللحديث طرق أخرى، والتي ذكرتُها هي أصحُّها. انظر للمزيد: "السنن الكبرى" (٢/ ٢٨ ١).
١٩ - باب خروج النساء لحضور الجماعات في المساجد
• عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا استأذنتِ امرأةُ أحدِكم إلى المسجد فلا يمنعها".
متفق عليه: رواه البخاري في النكاح (٥٢٣٨)، ومسلم في الصلاة (٤٤٢) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه فذكره.
وقيَّد حنظلة في روايته عن سالم بالليل. رواه البخاري (٨٦٥) عن عبيد الله بن موسى، عنه، ولكن لم يذكر أكثر الرواة عن حنظلة قوله "بالليل" كما رواه مسلم عن ابن نمير، عن أبيه، عن حنظلة.
ورواه مسلم أيضًا من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل" فقال ابن لعبد الله بن عمر: لا نَدَعُهُنَّ يخرجْنَ فيتخذْنَه دَغَلًا. قال: فزَبَره ابن عمر وقال: أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقول: لا نَدَعُهُنَّ.
وفي رواية: فضرب في صدره وقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول: لا.
وهذا الابن اسمه بلال، كما ذكره كعب بن علقمة، عنه، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا النساء حُظُوظَهُنَّ من المساجد إذا استأذنوكم" فقال بلال بن عبد الله بن عمر: والله! لنمنعُهُنَّ. فقال له عبد الله: أقول: قال رسول الله ﷺ . وتقول أنت: لنمنعُهُنَّ. رواه مسلم من طريقه.
• عن ابن عمر قال: كانت امرأة العمر تشهد صلاة الصبح والعِشاء في الجماعة في المسجد. فقيل لها: لِم تخرجين، وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟ قالت: وما يمنعه أن ينهاني؟ قال: يمنعه قول رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله".
متفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (٩٠٠) عن يوسف بن موسى، حدثنا أبو أسامة، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
ورواه مسلم في الصلاة (٤٤٢/ ١٣٦) دون قصة عمر من حديث عبيد الله به.
ويصلح أن يكون هذا الحديث من مسند ابن عمر، كما يصلح أن يكون من مسند عمر بن الخطاب، ويدل عليه ما رواه الإمام أحمد (٢٨٣) عن إسماعيل بن إبراهيم، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن سالم بن عبد الله قال: كان عمر رجلًا غيورًا، فكان إذا خرج إلى الصلاة أتبعته عاتكة ابنة زيد فكان يكره خروجها، ويكره منْعها، وكان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "إذا استأذن نساؤكم إلى الصلاة فلا تمنعوهن" إلا أنه منقطع، فإن سالم بن عبد الله بن عمر لم يدرك جده عمر، ولم يسمع منه.
ورواه مالك في القبلة (١٤) عن يحيى بن سعيد، عن عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل امرأة
стр. 1508
عمر بن الخطاب أنها كانت تستأذن عمر بن الخطاب إلى المسجد، فيسكتُ فتقول: والله! لأخرجنّ إلا أن تمنعني. فلا يمنعُها.
• عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن".
صحيح: رواه أبو داود (٥٦٧) عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب، حدثني حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر فذكره. وإسناده صحيح.
وصححه أيضًا ابن خزيمة (١٦٨٤)، والحاكم (١/ ٢٠٩) وقال: صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا جميعًا بالعوام بن حوشب، وقد صَحَّ سماع حبيب من ابن عمر، ولم يخرجا فيه لزيادة "وبيوتهن خير لهن".
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجْن وهُنَّ تفلاتٌ".
حسن: رواه أبو داود (٥٦٥) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن فإن محمد بن عمرو وهو ابن علقمة حسن الحديث.
وأخرجه ابن خزيمة (١٦٧٩)، وابن حبان (٢٢١٤) كلاهما من طريق محمد بن عمرو به مثله.
والتفل: سوء الرائحة، يقال: امرأة تفلة: إذا لم تتطيب، ونساء تفلات.
• عن زيد بن خالد أن رسول الله ﷺ قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجْنَ تفلات".
حسن: رواه أحمد (٢١٦٧٣)، والطبراني في الكبير (٥٢٣٩)، والبزار "كشف الأستار" (٤٤٥) كلهم من طرق عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن بُسر بن سعيد، عن زيد بن خالد فذكر مثله.
وإسناده حسن فإن محمد بن عبد الله بن عمرو صدوق، وباقي الرجال رجال الصحيح كما قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣٢ - ٣٣).
وصحّحه ابن حبان (٢٢١١) وأخرجه من هذا الطريق.
• عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "لا تمنعوا إماءَ الله مساجِدَ الله، ولْيخرجْنَ تَفِلات".
قالت عائشة: ولو رأى حالهن اليومَ منعهن.
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٤٤٠٦) قال: حدثنا الحكم، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، قال أبي يذكره عن أمه، عن عائشة فذكرته.
стр. 1509
وإسناده حسن الكلام في عبد الرحمن بن أبي الرِّجَال إلا أنه حسن الحديث.
وأبوه: أبو الرِّجال مشهور بهذه الكنية، وهي لقبه، وكنيته أبو عبد الرحمن، وهو محمد بن عبد الرحمن بن حارثة الأنصاري من رجال الشيخين.
وأمه هي: عمرة بنت عبد الرحمن التابعية المشهورة.
والحكم هو: ابن موسى القنطري أبو صالح البغدادي وثَّقه العجلي وابن سعد، وهو "صدوق" من رجال مسلم.
وأما قول عائشة فهو متفق عليه: رواه مالك في القبلة (١٥) عن يحيى بن سعيد، عن عَمَرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أنها قالت: لو أدرك رسولُ الله ﷺ ما أحدث النساءُ لمنعهنَّ المساجدَ كما مُنِعتْ نساءُ بني إسرائيل.
قال يحيى بن سعيد: فقلت لعمرة: أو مُنع نساءُ بني إسرائيل المساجدَ؟ قالت: نعم.
وأخرجه البخاري في الأذان (٨٦٩) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به، ورواه مسلم في الصلاة (٤٤٥) من طرق عن يحيى بن سعيد به مثله.
وقولها: ما أحدث النساء - يعني من الزّينة والطِّيب وحسن الثياب.
٢٠ - باب النّهي للمرأة أن تشهد الصّلاة إذا أصابتْ من البخور
• عن زينب الثقفية عن رسول الله ﷺ قال: "إذا شهدَتْ إحداكن العِشاءَ فلا تطيَّبْ تلك الليلة".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٤٣) من طريق ابن وهب، أخبرني مخرمة، عن أبيه بكير بن عبد الله بن الأشج، عن بُسْر بن سعيد، عن زينب فذكرته.
وفي رواية محمد بن عجلان، عن بكير، عن بسر بن سعيد، عن زينب امرأة عبد الله قالت: قال لنا رسولُ الله ﷺ : "إذا شهدتْ إحداكنَّ المسجدَ فلا تَمَسَّ طيبًا".
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أيُّما امرْأةٍ أصابت بَخُورًا فلا تشهدْ معنا العِشاءَ الآخرةَ".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٤٤) عن يحيى بن يحيى وإسحاق بن إبراهيم، قال يحيى: أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة، عن يزيد بن خُصيفة، عن بُسْر بن سعيد، عن أبي هريرة فذكره.
• عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "أيما امرأة تطيبتْ، ثم خرجتْ إلى المسجد، لم تُقبلَ لها صلاةٌ حتَّى تغتسلَ غُسْلَها من الجنابة".
حسن: رواه أبو داود (٤١٧٤)، وابن ماجة (٤٠٠٢) كلاهما من طريق سفيان بن عُيينة، عن
стр. 1510
عاصم بن عبيد الله، عن عبيد مولى أبي رُهْم، عن أبي هريرة قال: لقيتْه امرأةٌ وجد منها ريحَ الطيب يَنْفَحُ، لذيلها إعصار فقال: يا أمةَ الجبَّار! جئتِ من المسجد؟ قالت: نعم، قال: وله تطيبتِ؟ قالت: نعم، قال: إني سمعت حِبِّي أبا القاسم يقول: فذكر الحديث. واللفظ لأبي داود.
وفي حديث ابن ماجة: يا أمة الجبَّار! أين تريدين؟ قالت: المسجد.
وهذا إسناد فيه مقال، فإن عاصم بن عبيد بن عاصم بن عمر بن الخطاب ضعيفٌ، إلا أنه توبع فرواه البيهقي (٣/ ١٣٣) من طريق عبد الرحمن بن الحارث بن أبي عبيد - من أشياخ كوثي مولى أبي رُهم الغفاري - عن جده قال: خرجت مع أبي هريرة من المسجد ضُحى فلقيتنا امرأةٌ بها من العطر شيء، لم أجد بأنفي مثله قط. فقال لها أبو هريرة: عليكِ السلام. فقالت: وعليك. قال: فأين تريدين؟ قالت: المسجد، قال: ولأي شيء تطيبت بهذا الطيب؟ قالت: للمسجد. قال: الله؟ قالت: الله. قال: الله؟ قالت: الله. قال: فإن حِبِّي أبا القاسم أخبرني: "أنه لا تُقبل لامرأة صلاة تطيبتْ بطيب لغير زوجها، حتَّى تغتسل منه غُسلها من الجنابة" فاذهبي فاغتسلي منه، ثمَّ ارجعي فصلِّي.
قال البيهقي: "جده أبو الحارث عبيد بن أبي عبيد، وهو عبد الرحمن بن الحارث بن أبي الحارث بن أبي عبيد، ورواه عاصم بن عبد الله، عن عبيد مولى أبي رُهم". انتهى.
وعبيد مولى أبي رُهم حسن الحديث. وعبد الرحمن بن الحارث لا بأس به.
ورواه النسائي (٥١٢٧) عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، قال: سمعتُ صفوان بن سُليم، ولم أسمع من صفوان غيره يحدث عن رجل ثقة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا خرجت المرأةُ إلى المسجد فلتغتسل من الطبيب كما تغتسل من الجنابة" مختصرًا، وإسناده صحيح غير الرجل المبهم الذي لم يُسم، وإن كان وصف بالثقة، والأصل في ذلك أن يُسمى لينظر فيه. والغالب أنه عبيد مولى أبي رُهم.
ورواه أيضًا ابن خزيمة (١٦٨٢)، والبيهقي كلاهما من طريق الأوزاعي، حدثني موسى بن يسار، عن أبي هريرة قال: مرتْ بأبي هريرة امرأةٌ وريحُها تعصف، فقال لها: إلى أين تريدين يا أمة الجبار؟ قالت: إلى المسجد. قال: تطيبتِ؟ قالت: نعم، قال: فارجعي فاغتسلي، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يقبل الله من امرأة صلاةً خرجت إلى المسجد وريحُها تعصف حتى ترجع فتغتسل". إلا أنه منقطع، فإن موسى بن يسار وهو الأردني لم يلق أبا هريرة، قال أبو حاتم: هو شيخ مستقيم الحديث.
وروى له الترمذي حديثًا في زكاة العسل وقال: في إسناده مقال.
وبمجموع هذه الأسانيد يرتقي الحديث إلى حسن لغيره، وهو لا بأس به في الشّواهد.
• عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "إذا استعطرتِ المرأة فمرتْ على القوم
стр. 1511
ليجدوا ريحَها فهي كذا وكذا" قال قولًا شديدًا.
حسن: رواه أبو داود (٤١٧٣) عن مسدد، حدثنا يحيى (ابن سعيد) أخبرنا ثابت بن عمارة، حدثني غنيم بن قيس، عن أبي موسى فذكره.
ورواه الترمذي (٢٧٨٦) عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد به ولفظه "كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرتْ بالمجلس فهي كذا وكذا" يعني زانية.
ورواه النسائي (٥١٢٦) عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد، قال: حدثنا ثابت، وهو ابن عمارة به ولفظه: "أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية". قال الترمذي: حسن صحيح.
وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٤٤٢٤)، وصحّحه الحاكم (٢/ ٣٩٦) كلاهما من طريق ثابت بن عمارة به.
وثابت بن عمارة مختلف فيه إلا أنه حسن الحديث، وقد وثَّقه ابن معين والدارقُطني. وقال النسائي: لا بأس به.
٢١ - باب صلاة المرأة في بيتها أفضل
• عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مَخْدَعِها أفضل من صلاتها في بيتها".
حسن: رواه أبو داود (٥٧٠) عن ابن المثنى، أن عمرو بن عاصم حدثهم قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن مورِّق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود فذكره.
إسناده حسن لأجل عمرو بن عاصم بن عبيد الله الكلابي القيسي فإنه مختلف فيه، وثَّقه ابن معين وقال ابن سعد: صالح، وقال النسائي: ليس به بأس. ومثله يحسن حديثه.
وصحّحه الحاكم (١/ ٢٠٩) وقال: على شرط الشيخين، وقد احتجا جميعًا بالمورِّق بن مشمرج العجلي، كما صحّحه أيضًا ابن خزيمة. فرواه بلفظين أحدهما هذا (١٦٩٠) عن ابن المثني أبي موسى به مثله.
والثاني (١٦٨٥) فرواه أيضًا عن أبي موسى محمد بن المثنى به ولكن لفظه: "إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من وجه ربها وهي في قعر بيتها".
ورواه الترمذي (١١٧٣) من طريق عمرو بن عاصم به، واقتصر على قوله: "المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان"، وقال: "حسن غريب".
• عن أم حُميد امرأة أبي حُمدي الساعدي أنها جاءت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك، قال: "قد علمتُ أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتُك في بيتك
стр. 1512
خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتُك في حجرتِك خير من صلاتِك في دارك، وصلاتُك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي".
قال: فأمرتْ فَبُنِيَ لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلَمِه، فكانت تُصلي فيه حتَّى لقيتِ الله .
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٧٠٩٠) عن هارون (ابن معروف)، حدثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثني داود بن قيس، عن عبد الله بن سويد الأنصاري، عن عمته أم حُميد فذكرت مثله.
ورواه ابن خزيمة (١٦٨٩)، وابن حبان (٢٢١٧) كلاهما من طريق عبد الله بن وهب به مثله.
قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣٣ - ٣٤): رواه أحمد ورجاله رجال الصّحيح غير عبد الله بن سويد الأنصاري وثقه ابن حبان.
قلت: وهو كما قال، فإن عبد الله بن سويد الأنصاري لم يوثِّقه غير ابن حبان، وهو من رجال "التعجيل" ولكنه توبع.
فقد رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٨٤)، والطبراني في "الكبير" (٢٥/ ٣٥٦)، والبيهقي (٣/ ١٣٢) كلهم من طريقين عن عبد الحميد بن المنذر بن أبي حميد، عن أبيه، عن جدته أم حُميد فذكرت مثله.
وبهذه المتابعة يرتفع إلى الحسن لغيره.
• عن أم سلمة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "خير مساجد النساء قعر بيوتهن".
حسن: رواه أحمد (٢٦٥٤٢، ٢٦٥٧٠)، وأبو يعلى (٧٠٢٥)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٧٠٩)، وابن خزيمة (١٦٨٣)، والحاكم (١/ ٢٠٩)، والبيهقي (٣/ ١٣١) كلهم من طرق عن السائب مولى أم سلمة، عن أم سلمة.
وإسناده حسن من أجل السائب بن عبد الله مولى أم سلمة، وثّقه ابن حبان، وليس في حديثه ما ينكر عليه، بل له أصل كما مضى فيحسّن حديثه.
• * *
стр. 1513
جموع أبواب النوافل التي هي تابعة للفرائض
١ - باب ما جاء في فضل النوافل
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله قال: من عادَى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتَّى أحِبَّه، فإذا أحببتُه كنت سَمْعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصر به، ويَده التي يبطِشُ بها، ورجلَه التي يمشِي بها، وإن سألني لأُعْطِينَّه، ولئِن استعاذني لأعِيذنَّه، وما ترددتُّ عن شيء أنا فاعله ترددِي عن نفس المؤمن، يكره الموتَ، وأنا أكره مساءتَه".
صحيح: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٠٢) عن محمد بن عثمان، حدثنا خالد بن مَخْلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة فذكر مثله.
انفرد البخاري في إخراج هذا الحديث وفي إسناده خالد بن مَخْلد وهو: القطواني الكوفي أبو الهيثم تكلم فيه غير واحد من أهل العلم قال أحمد: له مناكير، وقال ابن سعد: منكر الحديث مفرط في التشيع.
قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. ولكن قال يحيى وغيره: لا بأس به.
وساق له ابن عدي عدة أحاديث وليس فيها حديث أبي هريرة هذا، وقال: لا بأس به إن شاء الله.
وشدَّد فيه الحافظ الذهبي في ترجمته في "الميزان" فبعد أن ذكر أقوال أهل العلم في خالد بن مخلد، ثم ذكر حديث أبي هريرة ثم قال: "فهذا حديث غريب جدًّا، لولا هية الجامع الصحيح لعدُّوه في منكرات خالد بن مخلد، وذلك لغرابة لفظه، ولأنه مما ينفرد به شريك، وليس بالحافظ، ولم يُرو هذا المتن إلا بهذا الإسناد، ولا خرَّجه من عدا البخاريّ، ولا أظنه في مسند أحمد، وقد اختلف في عطاء، فقيل: هو ابن أبي رباح، والصحيح أنه عطاء بن يسار".
وتعقبه الحافظ في "الفتح" (١١/ ٣٤١) فقال: ليس هو في مسند أحمد جزمًا، وإطلاق أنه لم يُرو هذا المتن إلا بهذا الإسناد مردود، ثم قال: وللحديث طرق أخرى بدل مجموعها على أن له أصلا" وهو يقصد بالطرق هنا الشّواهد، لأنه لم يذكر طريقًا لحديث أبي هريرة.
وأما الشواهد التي ذكرها فهي عن عائشة، وأبي أمامة، وعلي، وابن عباس، وأنس، وحذيفة، ومعاذ بن جبل، وفي كل منها مقال ولذا تجاوزت عنها ولم أذكرها، ولكن يثبت من هذه الشواهد
стр. 1514
الضّعيفة بأن حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري له أصل كما قال الحافظ.
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ مرَّ بقبرٍ فقال: "من صاحب هذا القبر؟ " فقالوا: فلان. فقال: "ركعتان أحب إلى هذا من بقية دنياكم".
حسن: رواه الطبراني في "الأوسط" (٩٢٤) عن أحمد قال: حدثنا حفص بن عبد الله الحلواني، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم، عن أبي هريرة فذكر مثله.
إسناده حسن لأجل حفص بن عبد الله الحلواني فإنه صدوق، وبقية رجاله ثقات.
وأحمد شيخ الطبراني هو: أحمد بن يحيى الحلواني أبو جعفر البجلي ثقة توفي سنة ٢٩٦ هـ، انظر تاريخ بغداد (٥/ ٢١٢)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٢٤).
وأبو حازم هو: سلمان الكوفي من رجال الجماعة، وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٤٩): "رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات".
٢ - باب ما جاء في فضل صلاة التطوع في البيت
• عن زيد بن ثابت قال: احتجر رسولُ الله ﷺ حُجيرةً بخصَفَةٍ أو حصيرٍ، فخرج رسولُ الله ﷺ يُصَلِّي فيها. قال: فتتبع إليه رجال، وجاؤُا يُصلون بصلاته، قال: ثم جاؤا ليلةً فحضروا. وأبْطأَ رسولُ الله ﷺ عنهم، قال: فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم، وحصبوا البابَ، فخرج إليهم رسولُ الله ﷺ مغضبًا فقال لهم رسولُ الله ﷺ : "ما زال بكم صنيعُكم حتَّى ظننتُ أنه سيكتبُ عليكم. فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خيرَ صلاةِ المرءِ في بيته إلا الصلاةَ المكتوبةَ".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٧٣١)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٨١) كلاهما من طريق سالم أبي النضْر مولى عمر بن عبد الله، عن بُسْر بن سعيد، عن زيد بن ثابت فذكره، واللفظ لمسلم.
وفي لفظ البخاري: وذلك في رمضان، فصلى فيها لياليَ، فصلَّى بصلاته ناس من أصحابه، فلما علم ذلك جعل يقعدُ، فخرج إليهم فقال" فذكر مثله.
• عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورا".
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٤٣٢)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٧٧) كلاهما من حديث يحيى، عن عبد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر فذكر مثله ولفظهما سواء.
ويحيى هو: ابن سعيد القطان.
وعبد الله هو: ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني.
стр. 1515
• عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "مثلُ البيتِ الذي يُذكرُ اللهُ فيه، والبيتِ الذي لا يُذكرُ الله فيه، مثلُ الحي والميت".
متفق عليه: رواه البخاري في الدعوات (٦٤٠٧)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٧٩) كلاهما عن محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، عن بُريد بن عبد الله، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى، فذكره واللفظ لمسلم.
وأما لفظ البخاري: "مثلُ الذي يذكر ربه، والذي لا يذكر ربه مثلُ الحي والميت".
قال الحافظ: "هكذا وقع في جميع نسخ البخاري، وأخرجه مسلم عن أبي كريب وهو: محمد بن العلاء شيخ البخاري فيه بسنده المذكور بلفظ "مثل البيت الذي بذكر الله فيه، والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت" وكذا أخرجه الإسماعيلي وابن حبان (٨٥٤) في صحيحه جميعًا عن أبي يعلى، عن أبي كريب، وكذا أخرجه أبو عوانة، عن أحمد بن عبد الحميد، والإسماعيلي أيضا عن الحسن بن سفيان، عن عبد الله بن براد، وعن القاسم بن زكريا، عن يوسف بن موسى وإبراهيم بن سعيد الجوهري وموسى بن عبد الرحمن المسروقي والقاسم بن دينار، كلهم عن أبي أسامة. فتوارد هؤلاء على هذا اللفظ يدل على أنه هو الذي حدَّث به بُريد بن عبد الله شيخ أبي أسامة، وانفراد البخاري باللفظ المذكور دون بقية أصحاب أبي كريب وأصحاب أبي أسامة يُشعر بأنه رواه من حفظه، وتجوَّز في روايته .. " "الفتح" (١١/ ٢١٠).
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر. إن الشيطان يَنْفِرُ من البيت الذي تُقرأ فيه سورةُ البقرة".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٨٠) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب (وهو: ابن عبد الرحمن القاري) عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده، فليجعلْ لبيته نصيبًا من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٧٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، فذكره.
وكذلك رواه عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش.
ورواه سفيان الثوري، عن الأعمش فجعله من مسند أبي سعيد كما سيأتي.
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قضى أحدكم صلاتَه في المسجد فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته، إن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا".
صحيح: رواه ابن ماجه (١٣٧٦) عن محمد بن بشار وغيره، عن عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا ـ
стр. 1516
سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري، فذكر مثله.
ورواه أيضًا الإمام أحمد (١١٥٦٧) عن عبد الرزاق، وهو في مصنفه (٤٨٣٧)، عن سفيان، فذكر مثله.
وصحّحه ابن خزيمة (١٢٠٦)، ورواه من طريق عبد الرحمن بن مهدي وقال: "روي هذا الخبر أبو خالد الأحمر وأبو معاوية وعبدة بن سليمان وغيرهم، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، ولم يذكروا أبا سعيد".
قلت: وهو يشير إلى بعض طرق الحديث الذي أخرجه مسلم كما سبق، وكله صحيح. فالذي يظهر أن جابر بن عبد الله مرة كان يروي عن أبي سعيد، وأخرى عن رسول الله ﷺ مباشرة بدون ذكر أبي سعيد وهو أمر كان معروفًا عند الصّحابة ﵃ جميعًا.
ولحديث أبي سعيد الخدري طرق أخرى غير أن ما ذكرته هو أصحها منها ما رواه الإمام أحمد (١١١١٢) من طريق ابن لَهيعة، حدثنا أبو الزبير، عن جابر، عن أبي سعيد، فذكر مثله إلا بزيادة: "فليصل في بيته ركعتين" وابن لهيعة فيه كلام معروف ولعل هذه الزيادة من تخليطه.
ومنها ما رواه أبو يعلى (١٤٠٨) عن سفيان بن وكيع، حدثنا أبي، عن عبيد الله بن أبي حُميد، عن أبي مليح قال: حدثني أبو سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكر الحديث. وإسناده ضعيف، سفيان بن وكيع بن الجراح متكلم فيه، قال البخاري: يتكلمون فيه، وقال النسائي: ليس بثقة.
ويقال: إن السبب في ذلك أنه ابتلي بوراقه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنُصح فلم يقبل، فسقط حديثه.
وأبو المليح بن أسامة لم يسمع من أبي سعيد.
• عن عبد الله بن سعد قال: سألت رسولَ الله ﷺ : أيهما أفضل؟ الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ قال: "ألا ترى إلى بيتي؟ ما أقربه من المسجد! فلأن أصلي في بيتي أحبُّ إلي من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبةً".
حسن: رواه ابن ماجه (١٣٧٨) عن أبي بشر بكر بن خلف، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد فذكر مثله وأخرجه ابن خزيمة (١٢٠٢) من طريق عبد الرحمن به مثله. وسبق ذكر هذا الإسناد في كتاب الحيض باب مؤاكلة الحائض وسؤرها.
ويُروى بهذا الإسناد مطولًا ومختصرًا، وقد جمع الإمام أحمد الأمور كلها في مسند عبد الله بن سعد (١٩٠٠٧)، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية - يعني ابن صالح -، عن العلاء - يعني ابن الحارث -، عن حَرَام بن حكيم، عن عمِّه عبد الله بن سَعْد: أنَّه سأل رسولَ الله ﷺ عما يوجب
стр. 1517
الغُسْلَ، وعن الماء يكون بعد الماء، وعن الصلاة في بيتي، وعن الصَّلاة في المسجد، وعن مُؤَاكلَةِ الحائض. فقال: "إنَّ الله لا يَستَحي من الحق، أما أنا فإذا فَعَلْتُ كذا وكذا" فذكر الغُسْلَ، قال: "أتَوَضَّأ وُضُوئِي لِلصَّلاةِ أغْسِلُ فَرْجِي" ثم ذكر الغُسل، فأغسلُ من ذلك فَرْجي وأتَوَضَّأ، وأمَّا الصلاةُ في المسجد والصلاةُ في بيتي، فقد تَرَى ما أقْرَب بَيْتي منَ المَسْجد، ولأن أصَلِّي في بَيْتي أحَبُّ إليَّ من أن أُصَلِّي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة، وأمَّا مُؤاكلةُ الحائِض فواكِلْها".
واختلف في اسم والد حرام، فقيل هو: حكيم، كما في هذه الرواية، وقيل: معاوية، فظن بعض من ترجم له أنه اثنان، والصواب هما واحد كما نبَّه عليه الخطيب في "موضع أوهام الجمع والتفريق" والحافظ في التقريب في ترجمة "حرام بن حكيم" غير أنه لا يرتقي إلى درجة "ثقة" كما قال الحافظ، ولذا حسَّنه لما فيه من كلام خفيف.
• عن محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل قال: أتانا رسولُ الله ﷺ فصلَّى بنا المغرب في مسجدنا. فلما سلَّم منها قال: "اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم" للسبحة بعد المغرب.
حسن: رواه أحمد (٢٣٦٢٤) عن يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن محمود بن لبيد، فذكره.
وإسناده حسن لأجل محمد بن إسحاق، فإنه صرَّح بالتحديث، ورواه ابن خزيمة (١٢٠٠) من طريق محمد بن إسحاق إلا أنه لم يصرح فيه بالتحديث.
ورواه ابن ماجه (١١٦٥) من طريق إسماعيل بن عياش، عن ابن إسحاق به مثله.
وفيه شيخ ابن ماجه وهو: عبد الوهاب بن الضحاك متروك كذَّبه أبو حاتم: وقال أبو داود: كان يضع الحديث.
ورواية إسماعيل بن عياش عن غير الشاميين ضعيفة.
وقد صحَّ عن عائشة وابن عمر وغيرهما أنه ﷺ كان يصلي ركعتين بعد المغرب في البيت.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجرة، عن أبيه، عن جده قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة المغرب في مسجد بني عبد الأشهل، فلما صَلَّى قام ناس يتنفلون، فقال النبي ﷺ : "عليكم بهذه الصلاة في البيوت".
رواه أبو داود (١٣٠٠)، والترمذي (٦٠٤)، والنسائي (١٦٠٠) كلهم عن ابن أبي الوزير، قال: حدثنا محمد بن موسى الفطري، عن سعد بن إسحاق عن كعب فذكر مثله.
ومن هذا الوجه رواه أيضًا ابن خزيمة في صحيحه (١٢٠١) وفيه إسحاق بن كعب بن عجرة مجهول الحال، لم يوثقه غير ابن حبان.
ولذا قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، والصحيح ما رُوي عن ابن عمر
стр. 1518
قال: كان النبي ﷺ يُصَلِّي الركعتين بعد المغرب في بيته.
وفي الباب عن زيد بن خالد الجهني، عن النبيّ ﷺ قال: "لا تتخذوا بيوتكم قبورًا، صلوا فيها".
رواه الإمام أحمد (١٧٠٣٠)، والطبراني في الكبير (٥٢٧٨ - ٥٢٨٠) كلاهما من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن زيد بن خالد الجهني فذكر مثله، وإسناده ضعيف لأجل الانقطاع فإن عطاء هو: ابن أبي رباح لم يسمع من زيد بن خالد كما قال ابن المديني "جامع التحصيل" (٢٣٧).
ولعطاء بن أبي رباح عن زيد بن خالد حديث سيأتي في كتاب الصوم.
وكذلك ما رُوي عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تجعلوها عليكم قبورًا" فالصواب فيه أنه مرسل، رواه مالك في قصر الصلاة (٧٣) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ .
ورواه ابن لهيعة قال: حدثنا أبو الأسود، عن عروة، عن عائشة. وابن لهيعة ممن اختلط والراوي عنه حسن بن موسى الأشيب وهو ممن روى عنه بعد الاختلاط، ومن طريقه رواه الإمام أحمد (٢٤٣٦٦) ورواه أبو يعلى (٤٨٦٧) عن عبد الرحمن بن صالح، عن عبد الرحيم بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ولفظه "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم".
وعبد الرحمن بن صالح هو: الأزديّ العَتَكي "صدوق يتشيع" كما في التقريب.
قال الدارقطني: والصحيح عن هشام، عن أبيه مرسلًا.
ونقل عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه قال: لا يقولون في هذا الحديث: عن عائشة "العلل" (١/ ١٣٥).
وأبو الأسود هو: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، يقال له: يتيم عروة.
٣ - باب ما جاء في المحافظة على سنن الرواتب قبل الصلوات المفروضة وبعدها
• عن أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بُني له بهن بيتٌ في الجنة".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٢٨) عن محمد بن عبد الله بن نُمير، حدثنا أبو خالد (سليمان بن حيَّان) عن داود بن أبي هند، عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، قال: حدثني عَنْبَسةُ بن أبي سفيان في مرضه الذي مات فيه بحديث يُتَسارُّ إليه قال: سمعت أم حبية تقول، فذكرت الحديث.
قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتُهن من رسول الله ﷺ . قال عَنْبسةُ: فما تركتهن منذ سمعتُهن من أم حبيبة.
стр. 1519
وقال عمرو بن أوس: ما تركتهن منذ سمعتهن من عَنْبَسَة.
وقال النعمان بن سالم: ما تركتهن منذ سمعتهن من عمرو بن أوس.
وفي رواية بشر بن المفضل عن داود: ثنتي عشرة سجدة تطوعًا.
وفي رواية شعبة عن النعمان بن سالم: غير فريضة.
هكذا رواه أيضًا أبو داود (١٢٥٠) من طريق ابن علية، ثنا داود بن أبي هند به مثله بدون تفصيل.
ورواه الترمذي (٤١٥) من حديث سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن المسيب بن رافع، عن عنبسة بن أبي سفيان عنها مبينًا فقال في حديثه: "أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر". قال الترمذي: حسن صحيح.
قلت: وهو كما قال فإن أبا إسحاق وإن كان قد اختلط ولكن سفيان الثوري وشعبة رويا عنه قبل الاختلاط.
ورواه النسائي (١٨٠٣، ١٨٠٤) هكذا، لكنه قال: "وركعتين قبل العصر" بدل "ركعتين بعد العشاء" رواه من وجهين من طريق فليح بن سليمان، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبي إسحاق به، ومن طريق أبي نعيم، عن زهير، عن أبي إسحاق به.
قال النسائي: فليح بن سليمان ليس بالقوي. انتهى
وكذلك رواه من طريق ابن عجلان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن أوس، عن عنبسة بن أبي سفيان عنها مثله.
قلت: كلُّ هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق كانت روايتهم بعد الاختلاط، فذكر الركعتين قبل العصر في روايتهم شاذة وإن كانت ثبتت ذلك في الأحاديث الأخرى كما سيأتي في حديث علي بن أبي طالب.
وأما ما روي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلَّى في يوم ثنتي عشرة ركعة، بُني له بيت في الجنّة: ركعتين قبل الفجر، وركعتين قبل الظّهر، وركعتين بعد الظّهر، وركعتين - أظنّه قال: قبل العصر -، وركعتين بعد المغرب - أظنّه قال: وركعتين بعد العشاء الآخرة". فهو ضعيف.
رواه ابن ماجه (١١٤٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة (٢/ ١٠٩ - تحقيق اللّحام) قال: حدّثنا محمد بن سليمان الأصبهانيّ، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه النسائيّ (١٨١١) عن محمد بن عبد الله بن المبارك، قال: حدّثنا يحيى بن إسحاق، حدّثنا محمد بن سليمان، به، مختصرًا بقوله: "من صلَّى في يوم ثنتي عشرة ركعة سوى الفريضة بنى الله له بيتًا في الجنّة".
قال النسائي: "هذا خطأ، ومحمد بن سليمان ضعيف، وهو ابن الأصبهانيّ".
وقد سئل الدارقطنيّ عن هذا الحديث فقال: رواه فليح بن سليمان عن سهيل، عن أبي إسحاق
стр. 1520
السبيعي، عن المسيب بن رافع، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أمّ حبيبة. وقول فليح أشبه بالصواب. انظر: العلل (١٥٠٠).
• عن عبد الله بن شفيق قال: سألتُ عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ عن تطوعه، فقالت: كان يُصَلِّي في بيتي قبل الظهر أربعًا، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيُصلي ركعتين، وكان يُصلي بالناس المغربَ، ثم يدخل فيُصلي ركعتين، ويُصلي بالناس العِشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يُصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، وكان يُصلي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا ركع وسجد وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٣٠) عن يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا هُشيم، عن خالد، عن عبد الله بن شقيق فذكره، ورواه البخاري في التهجد (١١٨٢) عن مسدد، قال حدثنا يحيى، عن شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان لا يدع أربعا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة.
• عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "من صَلَّى في يوم وليلة ثنتي عَشْرة ركعةً سوى الفريضة، بُنِيَ له بيت في الجنة".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٩٧٠٩) والطبراني في الأوسط (٩٤٣٢) والبزار - كشف الأستار (٧٠٢) كلهم من طريق حماد بن زيد، عن هارون أبي إسحاق الكوفي من همدان، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه فذكره.
ورجاله ثقات، وهارون أبو إسحاق وثقه ابن معين في رواية، وقال في رواية: مشهور. انظر: "الجرح والتعديل" (٩/ ٩٩) وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٥٨٢) وهو من رجال التمييز جاء اسمه في التهذيب في الكنى.
والحديث أورده الحافظ الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٣١) وقال: رواه أحمد والطبراني في "الأوسط" و "الكبير" والبزار، وقال: لم يتابع هارون أبي إسحاق على هذا الحديث".
قلت: هارون كما سبق ليس بمتهم بل هو حسن الحديث، ولم يأتِ بحديث غريب، فلا يضره عدم المتابعة.
وأما ما رُوِي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "من ثابر على ثنتي عشرة ركعةً من السُّنَّة، بنى الله له بيتًا في الجنة: أربع ركعات قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر".
стр. 1521
فهو ضعيف روه الترمذي (٤١٤)، والنسائي (١٧٩٤)، وابن ماجه (١١٤٠) كلهم من طريق إسحاق بن سليمان الرازي، حدثنا المغيرة بن زياد، عن عطاء، عن عائشة فذكرت الحديث.
قال الترمذي: حديث عائشة حديث غريب من هذا الوجه، والمغيرة بن زياد قد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه". انتهى.
وفي "التلخيص الحبير" (٥٠٢): قال أحمد: ضعيف، وكل حديث رفعه فهو منكر، وقال النسائي: هذا خطأ، ولعل عطاء قال: عن عنبسة فتصحف بعائشة. يعني: أن المحفوظ حديث عنبسة بن أبي سفيان عن أخته أم حبيبة". انتهى.
• عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يُصَلِّي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يُصَلِّي بعد الجُمعة حتى ينصرف فيركع ركعتين.
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٦٩) عن نافع، عن ابن عمر، والبخاري في الجمعة (٩٣٧) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به مثله، ورواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٢٩) عن عبيد الله، عن نافع به، وقال فيه: فأما المغرب والعشاء والجمعة فصليت مع النبي ﷺ في بيته.
ومن طريقه رواه أيضًا البخاري في التهجد (١١٧٢).
وفي رواية أيوب، عن نافع، قال: حفظتُ من النبي ﷺ عشر ركعات فذكر مثله إلا أنه جعل ركعتين قبل الصبح موضع ركعتين بعد الجمعة، رواه البخاري في التهجد (١١٨٠) عن سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب.
وقال فيه: حدثتني حفصةُ: أنه كان إذا أذَّن المؤذِّن وطلع الفجرُ صلى ركعتين.
قول ابن عمر: "كان النبي ﷺ يصلي قبل الظهر ركعتين" لعلّه فعل ذلك أحيانًا وإلّا فالغالب أنه كان ﷺ يُصَلِّي في البيت قبل الظهر أربعًا، كما أخبرت بذلك أم المؤمنين عائشة، وهي أعلم بصلاة رسول الله ﷺ في بيته.
٤ - باب ما جاء من تطوع النبي ﷺ بالنهار
• عن عاصم بن ضَمْرَةَ السَّلُوليِّ، قال: سألنا عليًّا عن تطوُّع رسول الله ﷺ بالنهار فقال: إنكم لا تطيقونَه، فقلنا: أخبِرْنا به نَأخُذْ منه ما اسْتَطَعنا. قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى الفجر يُمْهِلُ، حتى إذا كانت الشمس من هاهُنا، يعني من قبل المشرق بمقدارها من صلاة العصر من هاهنا، يعني من قبل المغرب، قام فصلى ركعتين، ثم يُمْهِلُ حتى إذا كانت الشمس من هاهنا، يعني من قبل المشرق بمقدارها من صلاة الظهر من هاهنا قام فصلى أربعًا، وأربعًا قبل الظهر إذا زالتِ
стр. 1522
الشمس، وركعتين بعدها، وأربعًا قبل العصر، يفصِلُ بينَ كلِّ ركعتين بالتسليم على الملائكة المُقرَّبين والنَّبِيِّينَ، ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين.
قال عَلِيٌّ: فتلك سِتَّ عشرة ركعةً، تطوُّعُ رسول الله ﷺ بالنهار، وقَلَّ من يداومُ عليها.
قال وكيع، زاد فيه أبي: فقال حبيب بن أبي ثابتٍ: يا أبا إسحاق! ما أحبُّ أن لي بحديثك هذا ملْءَ مسْجِدِك هذا ذَهَبًا.
حسن: رواه ابن ماجه (١١٦١) عن علي بن محمد، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان وأبي وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمْرة السلولي فذكر مثله واللفظ له.
ورواه الترمذي (٥٩٨)، والنسائي (٨٧٤)، وأبو داود (١٢٧٢) كلهم من طريق شعبة، عن أبي إسحاق به مختصرًا ومطولًا.
قال الترمذي: "حسن. وقال إسحاق بن إبراهيم: أحسن شيء رُوِي في تطوع النبي ﷺ في النهار هذا. ورُوي عن عبد الله بن المبارك أنه كان يُضعف هذا الحديث، وإنما ضعَّفه عندنا - والله أعلم - لأنه لا يُروى مثل هذا عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه عن عاصم بن ضمرة، عن علي، وعاصم بن ضمرة هو ثقة عند بعض أهل العلم، قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد القطان: قال سفيان: كنا نعرف فضل حديث عاصم بن ضمرة على حديث الحارث" انتهى.
قلت: وهو كما قال، فإن عاصم بن ضمرة في أقل أحواله حسن الحديث كان الإمام أحمد يقول: هو أعلى من الحارث الأعور، وهو عندي حجة.
وأما الجوزجاني فطعن في عاصم لأجل هذا الحديث طعنًا شديدًا وجعله قريبًا من الحارث الأعور. وهذا فيه مبالغة من الجوزجاني، فأين عاصم بن ضمرة الذي قال فيه الإمام أحمد هو حجة عندي من الحارث الأعور الكذاب، والله لا يحب الظلم والعدوان.
قال الحافظ في التهذيب: "تعصب الجوزجاني على أصحاب علي معروف، ولا إنكار على عاصم فيما روى، هذه عائشة تقول لسائلها عن شيء من أحوال النبي ﷺ : سل عليًّا. فليس بعجب أن يروي الصحابي شيئًا يرويه غيره من الصحابة بخلافه، ولا سيما في التطوع"، انتهى.
وأما أبو إسحاق فهو مدلس، ولكن روى الترمذي والنسائي وصحّحه ابن خزيمة (١٢١١) كلهم من طريق شعبة القائل: كفيتكم تدليس أبي إسحاق، كما أنه صرَّح بسماعه من عاصم بن ضمرة عند أبي داود الطيالسي (١٣٠).
ومنهم من رد هذا الحديث بأن السنة القبلية للعصر لم تثبت في أحاديث أخرى.
قلت: وهذه أيضًا ليست بحجة فقد ثبت عن ابن عمر أربع ركعات قبل العصر كما سيأتي وهو لا يخالف ما مضى من قوله: حفظت عن النبي ﷺ عشر ركعات وليس فيه أربع قبل العصر قال الحافظ ابن القيم: "وهذا ليس بعلة أصلا، فإن ابن عمر إنما أخبر بما حفظه من فعل النبي ﷺ ،
стр. 1523
ولم يخبر عن ذلك فلا تنافي بين الحديثين البتة" "زاد المعاد" (١/ ٣١٢).
كما أن هذا لم يكن من دأبه ﷺ فإنه قلما يداومُ عليها كما رواه إسرائيل، عن أبي إسحاق. "البيهقي" (٢/ ٥١).
ومما يقوي صحة هذا الحديث قول حبيب بن ثابت في آخر حديث ابن ماجه: "يا أبا إسحاق! ما أحب أن لي بحديثك هذا ملء مسجدك هذا ذهبًا".
وأما اختصار الحديث وتطويله فاختلف أصحابه كما بوّب عليه النسائي بقوله: "ذكر اختلاف الناقلين عن أبي إسحاق" فما رواه من أصحابه الذين كثرت ملازمتهم له فهو مقبول، وما رواه من أصحابه الذين لم تكثر ملازمنهم له، وهو مخالف لغيرهم فهو مردود وشاذ.
ولعل مما انفرد به حصين بن عبد الرحمن عنه ما رواه النسائي عن محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا حصين بن عبد الرحمن، عن أبي إسحاق عنه وقال في آخره: ويجعل التسليم في آخره".
والثابت عن النبي ﷺ أنه كان يُسلم بعد كل ركعتين، وهو الذي يرويه غيره من أصحاب أبي إسحاق.
٥ - باب ما جاء في تأكيد ركعتي الفجر
• عن عائشة قالت: لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشدَّ منه تعاهدًا على ركعتي الفجر.
متفق عليه: رواه البخاري في التهجد (١١٦٩)، ومسلم في المسافرين (٧٢٤/ ٩٤) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: حدثني عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة فذكرته.
وفي رواية حفص عن ابن جريج به قالت: ما رأيت رسول الله له في شيء من النوافل أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر، رواه مسلم عن ابن نمير عنه.
ورواه ابن خزيمة (١١٠٨) عن عبد الله بن سعيد الأشج، قال: حدثنا حفص - يعني ابن غياث - به وزاد فيه: "ولا إلى غنيمة".
• عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها"
صحيح: رواه مسلم في المسافرين (٧٢٥) من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن زُرَارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة فذكرته.
وفي رواية: "لهما أحبُّ إليَّ من الدُّنيا جميعًا".
وأما ما روي عن أبي هريرة "لا تدعوا ركعتي الفجر، ولو طردتكم الخيل" فهو ضعيف، رواه أبو داود (١٢٥٨)، وأحمد (٩٢٥٣ و ٩٢٥٨) وفيه ابن سيلان وهو مجهول الحال، قال ابن
стр. 1524
القطان: لأنه لم يرو عنه غير محمد بن زيد بن المهاجر بن منقد. وهو مخرج في "المنة الكبرى" (٢/ ٢٩٣).
٦ - باب ما جاء في القراءة في ركعتي الفجر
• عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] وفي الآخرة منهما: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢].
وفي رواية في الثانية: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤].
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٢٧) من طريق مروان بن معاوية الفزاري، والرواية الثانية من طريق أبي خالد الأحْمَر، كلاهما عن عثمان بن حكيم الأنصاري، قال: أخبرني سعيد بن يسار، أن ابن عباس أخبره فذكر الحديث.
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٢٦) قال: حدثني محمد بن عبَّاد وابن أبي عمر، قالا: حدثنا مروان بن معاوية، عن يزيد (وهو ابن كيسان) عن أبي حازم، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
والمقصود من هذه القراءة في ركعتي سنة الفجر.
• عن أبي هريرة أنه سمع النبيَّ ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [آل عمران: ٨٤] في الرّكعة الأولى، وفي الركعة الأخرى بهذه الآية ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] أو ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] شك الدّراورديّ.
حسن: رواه أبو داود (١٢٦٠) عن محمد بن الصباح بن سفيان، حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن عثمان بن عمر - يعني ابن موسى -، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه أيضا البيهقي (٣/ ٤٣) من وجه آخر عن عبد العزيز بن محمد وهو الدراورديّ. وإسناده حسن من أجل عثمان بن عمر بن موسى التيمي المدني، كان قاضيا بالمدينة، روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٢٠٠). وذكره البخاري في "تاريخ الكبير" وقال: "أُراه يعدّ في أهل المدينة".
قال ابن بكار: "أمّه أمّ ولد، وكان على قضاء المدينة في زمن مروان بن محمد، ثم ولاه أمير
стр. 1525
المؤمنين المنصور قضاءه، وكان مع المنصور حتى مات بالحيرة قبل أن يبني أمير المؤمنين مدينة السلام". فمثله يحسّن حديثه، وخاصة إذا كان له أصول صحيحة.
وكذلك فيه عبد العزيز بن محمد الدراوردي وهو حسن الحديث أيضًا.
• عن ابن عمر قال: رمَقْتُ النبي ﷺ شهرًا، فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
صحيح: رواه الترمذي (٤١٧)، وابن ماجه (١١٤٩) كلاهما من طريق أبي أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر فذكره.
قال الترمذي: حديث ابن عمر حديث حسن، لا نعرفه من حديث الثوري، عن أبي إسحاق إلا من حديث أبي أحمد، والمعروف عند الناس حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، وقد رُوِيَ عن أبي أحمد عن إسرائيل هذا الحديث أيضًا. وأبو أحمد الزبيري ثقة حافظ. قال: سمعت بندار يقول: ما رأيت أحدًا أحسن حفظًا من أبي أحمد الزبيري، وأبو أحمد اسمه: محمد بن عبد الله بن الزبير الكوفي الأسدي". انتهى.
ورواه النسائي (٩٩٢) من وجه آخر عن أبي الجوَّاب، قال: حدثنا عمار بن رُزيق، عن أبي إسحاق، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: رَمَقْتُ رسول الله ﷺ عشرين مرة يقرأ في الركعتين بعد المغرب، وفي الركعتين قبل الفجر: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
وأبو الجوَّاب اسمه: أحوص بن جوَّاب - بفتح الجيم، وتشديد الواو، الضبي، قال ابن معين ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق.
وعمار بن رُزيق - مصغر - الضبي أو التيمي، وثقه يحيى بن معين، وأبو زرعة الرازيّ، وقال أبو حاتم: "لا بأس به".
• عن جابر بن عبد الله أن رجلًا قام فركع ركعتي الفجر، فقرأ في الركعة الأولى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى انقضت السورة، فقال النبي ﷺ : "هذا عبد عرف ربه" وقرأ في الآخرة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. حتى انقضي السورةُ، فقال رسول الله ﷺ : "هذا عبد آمن بربه".
فقال طلحة: فأنا أَستَحِبُّ أن أقرأ بهاتين السورتين في هاتين الركعتين.
حسن: أخرجه ابن حبان (٢٤٦٠) فقال: أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي ببغداد، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا يحيى بن عبد الله بن يزيد بن عبد الله بن أنيس الأنصاري، قال: سمعت طلحة بن خراش يحدث عن جابر بن عبد الله فذكر الحديث.
ورواه أيضًا الطحاوي في شرحه (١/ ٢٩٨) عن محمد بن إبراهيم البغدادي، عن يحيى بن معين
стр. 1526
به مثله.
وإسناده حسن فإن يحيى بن عبد الله بن يزيد وشيخه طلحة بن خراش "صدوقان".
وفي الباب ما رُوي عن ابن مسعود. رواه الترمذي وغيره، وفيه عبد الملك بن الوليد بن معدان ضعيف.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن عائشة أيضًا في هذا الباب.
٧ - باب ما جاء في تخفيف القراءة في ركعتي الفجر
• عن حفصة زوج النبي ﷺ قالت: إن رسول الله ﷺ كان إذا سكت المؤذِّن عن الأذان لصلاة الصُبح صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تُقام الصلاة.
متفق عليه: رواه مالك في صلاة الليل (٢٩) عن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن حفصة فذكرته، ورواه البخاري في الأذان (٦١٨) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في المسافرين (٧١٨) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به إلا أن البخاري قال في لفظ الحديث: "كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف المؤذِّن للصبح، وبَدَا الصبح صلَّى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة".
فقوله: اعتكف قد استشكله كثير من العلماء وأجابوا عنه بأجوبة غير مقنعة فرجح الحافظ ابن حجر أنه محرف من لفظ "سكت".
• عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني لأقول: هل قرأ بأم الكتاب أم لا؟ .
متفق عليه: رواه البخاري في التهجد (١١٧١)، ومسلم في المسافرين (٧٢٤/ ٩٢) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد قال: أخبرني محمد بن عبد الرحمن، أنه سمع عمرة تحدث عن عائشة فذكرته.
ورواه مالك في صلاة الليل (٣٠) عن يحيى بن سعيد، عن عائشة فأسقط في الإسناد اثنين.
وفي رواية شعبة عندهما عن محمد بن عبد الرحمن، عن عمته عمرة به.
ومحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة.
وعمرة هي: ابنة عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة فتكون هي عمة أيه على الصحيح.
وفي البخاري (١١٧٠) من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل ثلاث عشر ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين.
٨ - باب وقت ركعتي الفجر
• عن حفصة قالت: كان النبي ﷺ إذا أضاء الفجرُ صلى ركعتين.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٢٣: ٨٩) عن محمد بن عباد، ثنا سفيان، عن
стр. 1527
عمرو، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: أخبرتني حفصة فذكرت الحديث.
وفي رواية عن زيد بن محمد قال: سمعت نافعًا يحدث عن ابن عمر عنها قالت: إذا طلع الفجر لا يُصلي إلا ركعتين خفيفتين.
ورواه ابن ماجه (١١٤٣) عن هشام بن عمار، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا أضاء له الفجرُ صلى ركعتين. وإسناده صحيح ورجاله ثقات غير أن المحفوظ هو عن ابن عمر، عن حفصة كما سبق.
• عن حفصة أن رسول الله ﷺ كان إذا اعتكف المؤذن للصبح وبدا الصبح صلي ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة.
صحيح: رواه البخاري في الأذان (٦١٨) عن عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: أخبرتني حفصة، فذكرت الحديث.
• عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتي الفجر إذا سمع الأذان، يخففهما.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٢٤) عن عمرو الناقد، ثنا عبدة بن سليمان، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وفي رواية: إذا طلع الفجر.
وفي رواية: كان يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح.
• عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا توضأ صلى ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة.
صحيح: رواه ابن ماجه (١١٤٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة فذكرت مثله.
وإسناده صحيح، ورجاله ثقات، وأبو إسحاق وإن كان اختلط إلا أن أبا الأحوص روي عنه قبل الاختلاط، ومن طريقه روي له الشيخان كما قال البوصيري في زوائد ابن ماجه.
٩ - باب ما جاء في كراهية الاشتغال بركعتي الفجر إذا أقيم الصلاة
• عن عبد الله بن مالك بن بُحَيْنة قال: إن رسول الله ﷺ مرَّ برجل يُصَلِّي، وقد أقيمت صلاةُ الصبح فكلَّمه بشيءٍ، لا ندري ما هو، فلما انصرفنا أحطنا نقول: ماذا قال لك رسول الله ﷺ ؟ قال: قال لي: "يوشك أن يُصَلِّي أحدكم الصبح أربعًا؟ " هذا لفظ مسلم.
ولفظ البخاري: فلما انصرف رسول الله ﷺ لاث به الناسُ، وقال له رسول الله ﷺ : "آلصبح أربعًا آلصبحَ أربعًا".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٦٣)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧١١) كلاهما من
стр. 1528
طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن حفص بن عاصم، عن عبد الله بن مالك ابن بحينة فذكره.
وقوله: عبد الله بن مالك ابن بُحينة، والصواب: عبد الله بن بُحينة، فإن بُحينة بنت الحارث بن المطلب، واسمها عبدة، وبحينة لقبها هي والدة عبد الله، لا والدة مالك.
ومالك هو: والد عبد الله، ويكون اسمه الكامل هكذا: عبد الله بن مالك بن القِشْب.
قال ابن سعد: قدم مالك بن القشب مكة في الجاهلية، فحالف بني المطلب بن عبد مناف، وتزوج بحينة بنت الحارث بن المطلب.
وعلى هذا فيجب أن يكتب ابن بُحينة بزيادة ألف، ويُعرب إعراب عبد الله كما في عبد الله بن أبَيّ
بن سلول، ومحمد بن علي ابن الحنفية، انظر "الفتح" (٢/ ١٤٩، ١٥٠).
وقوله: لاث به، أي: دار به، ولاذ به.
• عن عبد الله بن سرجس قال: دخل رجل المسجد، ورسول الله ﷺ في صلاة الغداة، فصلى ركعتين في جانب المسجد، ثم دخل مع رسول الله ﷺ ، فلما سلَّم رسول الله ﷺ قال: "يا فلان! بأي الصلاتين اعتدت، بصلاتك وحدك، أم بصلاتك معنا؟ ".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧١٢) من طريق عاصم الأحول، عن عبد الله بن سَرْجِس فذكر مثله.
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا أُقيمتِ الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧١٠) عن أحمد بن حنبل، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن وَرْقاءَ، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة فذكره.
ورواه أيضًا من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن دينار به مثله.
قال حماد: ثم لقيت عمروًا فحدَّثني به ولم يرفعه. انتهى.
قلت: كذلك روي سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار ولم يرفعه.
قال الترمذي: والحديث المرفوع أصح عندنا.
وكذلك رجح المرفوع البغوي في "شرح السنة" (٣/ ٣٦٢) والنووي في "شرح مسلم" والبيهقي وغيرهم، لأن في الرفع زيادة، وهي مقبولة عند الجمهور.
وأما ما ورد من استثناء ركعتي الفجر ففي الإسناد حجاج بن نُصير، عن عباد بن كثير، عن ليث، وهم كلهم ضعفاء وهو مخرج بالتفصيل في "المنة الكبرى" (٢/ ٣١٠).
• عن ابن عباس قال: أقيمت صلاةُ الصبح، فقام رجل يُصَلِّي الركعتين، فجذب رسول الله ﷺ بثوبه فقال: "أتُصلي الصُّبح أربعًا؟ ".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢١٣٠) عن يزيد، حدثنا صالح بن رستم أبو عامر، عن عبد الله بن
стр. 1529
أبي مليكة، عن ابن عباس فذكر مثله.
ورواه أيضًا (٣٣٢٩) عن وكيع، عن صالح بن رستم به ولفظه: أقيمت الصلاة، ولم أُصل الركعتين فرآني وأنا أصليهما فجذبني وقال: "أتُريد أن تُصلي الصبح أربعًا؟ " فقيل لابن عباس: عن النبي ﷺ قال: نعم. فظهر من هذا أن الذي كان يصلي ركعتي الفجر بعد الإقامة هو ابن عباس نفسه ومثله رواه أيضًا أبو يعلى (٢٥٦٨)، وابن خزيمة في صحيحه (١١٢٤)، والحاكم (١/ ٣٠٧) كلهم من طرق عن وكيع به مثله.
ورواه ابن حبان (٢٤٦٩) في صحيحه من وجه آخر عن أبي عامر الخزاز - وهو صالح بن رستم - به مثله.
وإسناده حسن فإن صالح بن رستم وإن كان من رجال مسلم إلا أنه مختلف فيه والخلاصة أنه حسن الحديث. وبقية رجاله ثقات، وتفرد يحيى بن سعيد القطان فرواه عن أبي عامر الخزاز، عن أبي يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ دخل المسجد لصلاة الغداة، وإذا رجل يُصلي ركعتي الفجر فذكر الحديث.
رواه البزار - كشف الأستار - (٥١٨) عن إبراهيم بن محمد التيمي، ثنا يحيى بن سعيد القطان فذكره.
قال البزار: "رواه بعضهم عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، ولا نعلم رواه بهذا الإسناد إلا يحيى عن أبي عامر".
قلت: لا يضر تفرد يحيى بن سعيد فإنه ثقة حافظ، وشيخ شيخه وهو أبو يزيد - المدني من أهل البصرة، لا يعرف اسمه، ولكنه اشتُهِر بكنيته، وثَّقه ابن معين وروى له البخاري، ومن عرف حجة على من لم يعرف.
• عن أنس قال: خرج النبي ﷺ حين أقيمتِ الصلاةُ، فرأى ناسًا يصلون ركعتين بالعجلة، فقال: "أصلاتان معا؟ " فنهى أن يُصلَّى في المسجد إذا أقيمت الصلاة.
حسن: رواه ابن خزيمة (١١٢٦) عن علي بن حجر السعدي بخبر غريب غريب، قال: ثنا محمد بن عمار، يعني الأنصاري، عن شريك بن عبد الله - وهو ابن أبي نمر - عن أنس فذكره.
وإسناده حسن لأجل ابن أبي نمر فإنه وإن كان من رجال الشيخين إلا أنه اختلف فيه، والخلاصة أنه "صدوق يخطيء" كما في التقريب.
ورواه البزار من طريق ابن أبي نمر به وجعل أن ذلك في صلاة الصبح.
وهذا الحديث رُوِي مرفوعًا ومرسلًا، فأما المرفوع فكما ذكرتُ، ورواه مالك في صلاة الليل (٣١) عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: سمع قوم الإقامة، فقاموا يصلون، فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: "أصلاتان معًا؟ أصلاتان معًا؟ ، وذلك في صلاة
стр. 1530
الصبح في الركعتين اللتين قبل الصبح. انتهى.
قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٥/ ٣٠٢) رواه الوليد بن مسلم، عن مالك فأسنده عن أنس، والصواب عن مالك مرسلًا".
وهو كما قال فإنه رُوِيَ عن مالك مرسلًا، وعن غيره مرفوعًا ومرسلًا.
قال ابن خزيمة: روى هذا الخبر مالكُ بن أنس وإسماعيل بن جعفر عن شريك بن أبي نمر، عن أبي سلمة مرسلًا، وروى إبراهيم بن طهمان، عن شريك كلا الخبرين عن أنس، وعن أبي سلمة جميعًا.
حدثنا بهما محمد بن عقيل، ثنا حفص بن عبد الله، نا إبراهيم بن طهمان، بالإسنادين جميعًا منفردين، خبر أنس منفردًا، وخبر أبي سلمة منفردًا". انتهى.
• عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يُصَلِّي ركعتي الفجر حين أخذ المؤذن يُقيم، فغمز النبي ﷺ منكبه وقال: "ألا كان هذا قبل هذا؟ ".
حسن: رواه الطبراني في "الكبير" و "الأوسط" كما في "مجمع البحرين" (٧٧١) عن أحمد بن حمدان أبي سعيد التستري بعبادان، ثنا إبراهيم بن يوسف الصيرفي، ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن سليمان الشيباني، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه، فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل إبراهيم بن يوسف الصيرفي، فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ٧٥): "رجاله موثقون".
ونقل الشوكاني في "النيل" (٢/ ٣١٤) عن العراقي أنه قال: "إسناده جيد".
وفي الباب أيضًا عن زيد بن ثابت وعائشة وابن عمر، وفي أسانيدهم كلام، وأحاديث الباب تدل على كراهة صلاة سنة الفجر عند إقامة الصلاة المكتوبة.
وأما ما رواه ابن ماجه (١١٤٧) من حديث علي ﵁ أنه قال: كان النبي ﷺ يُصلي الركعتين عند الإقامة، ففي إسناده الحارث الأعور وهو ضعيف، وقد رُميَ بالكذب، وضعَّفه البوصيري في زوائد ابن ماجه، ثم هو يخالف ما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه كان يبادر بهما عند سماع أذان الفجر.
١٠ - باب ما جاء فيمن فاتته ركعتا الفجر متي يقضيهما
• عن أبي هريرة أن النبي ﷺ نام عن ركعتي الفجر فقضاهما بعد ما طلعت الشمس.
حسن: رواه ابن ماجه (١١٥٥) عن عبد الرحمن بن إبراهيم ويعقوب بن حُميد بن كاسب، قالا: حدثنا مروان بن معاوية، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن لأجل يزيد بن كيسان، وهو من رجال مسلم إلا أنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وقد صحّحه ابن حبان فرواه في صحيحه (٢٦٥٢) من وجه آخر عن مروان بن معاوية به مثله.
стр. 1531
وأصل الحديث في صحيح مسلم (٦٨٠/ ٣١٠) عن يحيى بن سعيد، عن يزيد بن كيسان به في قصة تعريس النبي ﷺ فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس، وفيه: وسجد سجدتين، ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة، ومضى في كتاب الأذان.
ورواه الترمذي (٤٢٣) عن عقبة بن مكرم العَمِّي البصري، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يُصلِّ ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس".
قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفُه إلَّا من هذا الوجه".
وقد رُوي عن ابن عمر أنه فعله.
والعملُ على هذا عند بعض أهل العلم.
وبه يقول سفيانُ الثوريُّ، وابن المبارك، والشافعيُّ وأحمد، وإسحاقُ.
قال: ولا نعلم أحدًا رَوي هذا الحديث عن همّام بهذا الإسناد نحو هذا إلا عمرو بن عاصم الكِلابي.
والمعروفُ من حديث قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيكٍ عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: "من أدرك ركعة من صلاةِ الصبح قبل أن تطلع الشمسُ فقد أدرك الصبح".
وتعقبه الشيخ أحمد شاكر قائلًا بأنهما حديثان، وعمرو بن عاصم الكلابي ثقة حافظ فانفراده بهذه الرواية لا يضر، وقد رواه الحاكم (١/ ٢٤٧) من طريق عمرو بن عاصم بلفظ: "من لم يصل ركعتي الفجر حتى تطلع الشمس فليصلهما" وصحّحه على شرط الشيخين، ورواه أيضًا بنحوه (١/ ٣٠٦)، وصححه، وذكر الشارح أنه رواه أيضًا الدارقطني، انتهى.
وصحّحه ابن خزيمة (١١١٧) فرواه من طريق عمرو بن عاصم به ولفظه: "من نسي ركعتي الفجر فليصلهما إذا طلعت الشمسُ".
• عن قيس بن عمرو قال: رأى رسول الله ﷺ رجلًا يُصَلِّي بعد الصبح ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : "صلاة الصبح ركعتان" فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما، فصليتهما الآن. فسكت رسول الله ﷺ .
حسن: رواه أبو داود (١٢٦٧) حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا ابن نمير، عن سعد بن سعيد، حدثني محمد بن إبراهيم، عن قيس بن عمرو فذكره.
ورواه أيضًا ابن ماجه (١١٥٤) عن أبي بكر بن أبي شية، قال: حدثنا ابن نمير به مثله، وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٧٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة به مثله إلا أنه سمى الصحابي باسم "قيس بن فهد".
ورواه الترمذي (٤٢٢) عن محمد بن عمرو السواق البلخي، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن سعد بن سعيد به، يقول قيس: خرج رسول الله ﷺ فأقيمت الصلاةُ، فصليتُ معه الصبحَ، ثم
стр. 1532
انصرف النبي ﷺ فوجدني أصلي. فقال: "مهلًا يا قيس! أصلاتان معًا؟ " قلت: يا رسول الله! إني لم أكن ركعت ركعتي الفجر، قال: "فلا إذن".
قال الترمذي: حديث محمد بن إبراهيم لا نعرفه إلا من حديث سعد بن سعيد، وقال سفيان بن عيينة: سمع عطاء بن أبي رباح من سعد بن سعيد هذا الحديث، وإنما يروى هذا الحديث مرسلًا، وقال: سعد بن سعيد هو أخو يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: وقيس هو جد يحيى بن سعيد الأنصاري، ويقال: هو "قيس بن عمرو"، ويقال هو: "قيس بن قهد" وإسناد هذا الحديث ليس بمتصل، محمد بن إبراهيم التيمي لم يسمع من قيس". انتهى
وقال أبو داود: حدثنا حامد بن يحيى البلخي، قال: قال سفيان: كان عطاء بن أبي رباح يحدث بهذا الحديث عن سعد بن سعيد.
قال أبو داود: وروى عبد ربه ويحيى ابنا سعيد هذا الحديث مرسلًا أن جدهم زيدًا صلى مع النبي ﷺ ، بهذه القصة". انتهى.
وقوله: "زيدًا" خطأ من النساخ، وإنما هو "قيس".
وحديث سفيان رواه البيهقي (٢/ ٤٥٦) من طريق الحميدي، عنه، عن سعد بن سعيد بن قيس الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن قيس جد سعد.
ورواه ابن خزيمة (١١١٦) عن أبي الحسن عمر بن حفص، ثنا سفيان به مثله. وفيه انقطاع فإن محمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس كما سبق.
وأما حديث عطاء بن أبي رباح فرواه ابن حزم في المحلي (٣/ ١٥٤) من طريق الحسن بن ذكوان، عن عطاء، عن رجل من الأنصار. وهذا مرسل، فإن الرجل من الأنصار هو سعد بن سعيد كما قال أبو داود والترمذي.
ولكن نقل الشوكاني عن العراقي أنه حسَّن إسناده.
وقال: ويحتمل أن الرجل في حديث عطاء بن أبي رباح الذي أبهمه هو قيس بن عمرو فيكون الإسناد متصلًا. وهذا الاحتمال الثاني يؤيده ما رواه الطبراني في الكبير (١٨/ ٣٦٧، ٣٦٨) حدثنا إبراهيم بن متويه الأصبهاني، ثنا أحمد بن الوليد بن برد الأنطاكي، ثنا أيوب بن سهل، عن ابن جريج، عن عطاء أن قيس بن سهل الأنصاري حدَّث أنه دخل المسجد فذكر الحديث.
وأيوب بن سهل كما في النسخة المطبوعة، يبدو أنه محرف، والصواب: أيوب بن سويد، وهو الرملي السيباني الحميري روي عن ابن جريج وهو مختلف فيه والخلاصة أنه صدوق يخطئ.
قلت: ومثله لا بأس به في المتابعات.
وللحديث طريق آخر رواه ابن خزيمة (١١١٦) عن الربيع بن سليمان المرادي ونصر بن مرزوق بخبر غريب غريب قالا: حدثنا أسد بن موسى، ثنا الليث بن سعد، حدثني يحيى بن سعيد، عن
стр. 1533
أبيه، عن جده قيس بن عمرو أنه صلَّى مع رسول الله ﷺ الصبح، ولم يكن ركع ركعتي الفجر، فلما سلم رسول الله ﷺ قام، فركع ركعتي الفجر، ورسول الله ﷺ ينظر إليه، فلم ينكر ذلك عليه.
ورواه ابن حبان (١٥٦٣) عن ابن خزيمة، إلا أنه لم ينقل عنه أن الخبر غريب غريب. ورواه أيضًا الحاكم (١/ ٢٧٤، ٢٧٥) من طريق الربيع بن سليمان به، وقال: قيس بن فهد الأنصاري صحابي، والطريق إليه صحيح على شرطهما،
قلت: لكنْ أسد بن موسى وإنْ كان ثقة فليس من شرط الشيخين، وسعيد، والد يحيى لم يخرج له الشيخان، ولا أصحاب السنن، ذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٢٨١)، وقال: روى عنه ابنه يحيى قلت: وقد روى عنه ابنه سعد وعبد ربه أيضًا كما مضى، فارتفعت عنه جهالة العين.
وإن كان لسعيد ابن آخر اسمه عبد الله فهو روى عنه أيضًا كما في مسند الإمام أحمد (٢٣٧٦١) ثنا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، قال وسمعت عبد الله بن سعيد أخا يحيى بن سعيد يحدث عن جده.
كما أن في إسناد الحاكم الربيع بن سليمان وهو ليس من شرط أحدهما.
والخلاصة أن الحديث لكثرة طرقه يرتقي إلى درجة الحسن لغيره، وله شاهد من حديث ثابت بن قيس بن شماس وفيه ضعف.
روى الطبراني في الكبير (٢/ ٦٩) عن ثابت بن قيس بن شماس قال: أتيتُ المسجد، والنبي ﷺ في الصلاة، فلما سلَّم النبي ﷺ في التفت إلي وأنا أصلي، فجعل ينظر إلي، وأنا أصلي، فلما فرغتُ قال: "ألم تُصل معنا؟ " قلت: نعم، قال: "فما هذه الصلاة؟ " قلت: يا رسول الله! ركعتا الفجر، خرجت من منزلي، ولم أكن صليتهما، قال: فلم يُعب ذلك عليَّ.
قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٢٨): فيه راويان لم يسميا، وبقية بن الوليد، عن الجراح بن منهال بالعنعنة، والجراح منكر الحديث، قاله البخاري. انتهى.
والخلاصة كما قلت في "المنة الكبرى" (٢/ ٣٢٣): إن حديث قيس بن فهد مع متابعاته وشاهده لا ينزل عن درجة الحسن، وهو يخصص النهي الوارد عن الصلوات بعد الصبح، ومن ناحية النظر: هي صلاة محلها قبل طلوع الشمس، فيستحب أداؤها في وقتها، وأما النهي عن الصلوات بعد الصبح حتى تطلع الشمس فهو خاص بالصلوات التي تُصلي بدون سبب، وركعتا الفجر من الصلوات التي ورد فيها التأكيد من الشارع، وهو سبب في أدائها". انتهى.
وبه قال الشافعي وأحمد وقوم من أهل مكة، ورُوِي هذا عن عبد الله بن عمر ورُوي عنه أيضًا أنه صلَّى بعد طلوع الشمس، وكأنَّه ذهب إلى كلا الأمرين، وكذا نُقل عن الشافعي أيضًا.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن أحبَّ قَضَاهما إذا ارتفعت الشمس، فإن لم يفعل فلا شيء عليه، لأنه تطوع، وقال مالك: يقضيهما ضُحىً إلى زوال الشمس، ولا يقضيهما بعد الزوال، انظر:
стр. 1534
"معالم السنن" للخطابي.
١١ - باب ما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر
• عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر، اضطجع على شِقِّه الأيمن.
متفق عليه: رواه البخاري في التهجد (١١٦٠) عن عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني أبو الأسود، عن عروة بن الزبير، عن عائشة فذكرت مثله.
ورواه مسلم (٧٣٦) بإسناد آخر وسيأتي بكامله في صلاة الليل، باب عدد صلاة رسول الله ﷺ في الليل.
• عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلّى الفجر اضطجع.
صحيح: رواه ابن ماجه (١١٩٩) عن عمر بن هشام، قال: حدّثنا النّضر بن شميل، قال: أنبأنا شعبة، قال: حدّثني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده صحيح.
وأما ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع على يمينه". فهو منكر.
رواه أبو داود (١٢٦١)، والترمذي (٤٢٠) وأحمد (٩٣٦٨) كلهم من طريق عبد الواحد بن زياد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكره.
وزاد أبو داود: فقال له مروان بن الحكم: أما يجزئ أحدَنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع على يمينه؟ .
قال عبيد الله بن عمر بن ميسرة (الراوي عن عبد الواحد عند أبي داود): لا. قال: فبلغ ذلك ابن عمر فقال: أكثر أبو هريرة على نفسه، قال: فقيل لابن عمر: هل تنكر شيئًا مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجَبُنَّا.
قال: فبلغ ذلك أبا هريرة، قال: "فما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا" انتهى.
قال الترمذي: حديث أبي هريرة حسن، وفي نسخة: "حسن صحيح" وصحّحه ابن خزيمة (١١٢٠) وابن حبان (٢٤٦٨) فروياه من طريق عبد الواحد بن زياد به مثله.
وقال النووي في "شرح مسلم" (٦/ ١٩): إسناده على شرط الشيخين، وصحّحه أيضًا في "المجموع" (٤/ ٢٨).
قلت: وعبد الواحد بن زياد وإن كان من رجال الشيخين إلا أنه تكلم فيه بعضُ النقاد من قبل حفظه، وقالوا: إنه لم يكن يحفظ حديث الأعمش؛ ولذا قالوا: إنّه انفرد عن أصحاب الأعمش فجعله من أمر النّبيّ ﷺ . وقد رواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، من فعل النبي
стр. 1535
- ﷺ كما مضى، وكذلك رواه محمد بن إبراهيم عن أبي صالح، عن أبي هريرة، حكاية عن فعل النبي ﷺ ، قال البيهقي (٣/ ٤٥): "وهذا أولى أن يكون محفوظا لموافقته سائر الروايات عن عائشة وابن عباس". انتهى
وقال الزّركشيّ في "النكت على مقدمة ابن الصّلاح" (٢/ ١٦٣): "قال البيهقيّ: خالف عبد الواحد العدد الكثير في هذا الحديث، فإنّ النّاس إنّما رووه من فعل النبي ﷺ لا من أمره، وانفرد عبد الواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش بهذا اللّفظ".
وقال الذّهبيّ في "الميزان" في ترجمة عبد الواحد بن زياد العبدي البصري أحد المشاهير احتجّا به في الصّحيحين، وتجنّبا تلك المناكير التي نُقمت عليه، فيحدّث عن الأعمش بصيغة السّماع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : "إذا صلّى أحدكم الركعتين قبل الصّبح فليضطجع على يمينه" أخرجه أبو داوده.
ونقل الحافظ ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية من قوله: "هذا باطل، وليس بصحيح، وإنّما الصّحيح عنه الفعل لا الأمر بها، والأمر تفرّد به عبد الواحد بن زياد، وغلط فيه". زاد المعاد (١/ ٣١٩).
وأما حديث ابن عباس الذي أشار إليه البيهقي ففيه انقطاع كما قال.
١٢ - باب من تحدث بعد ركعتي الفجر ولم يضطجع
• عن عائشة قالت: إن النبي ﷺ كان إذا صلَّى فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع حتى يؤذَّن بالصلاة.
متفق عليه: رواه البخاري في التهجد (١١٦١)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٤٣) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، قال: حدثني سالم أبو النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة فذكرت مثله.
قلت: هكذا بوَّبه البخاري، قال الحافظ في الفتح: "أشار بهذه الترجمة إلى أنه ﷺ لم يكن يداوم عليها، وبذلك احتج الأئمة على عدم الوجوب، وحملوا الأمر الوارد في حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره على الاستحباب، وفائدة ذلك الراحة والنشاط لصلاة الصبح، وعلى هذا فلا يُستحب ذلك إلا للمتهجد وبه جزم ابن العربي". انتهى.
١٣ - باب ما جاء في الأربع قبل الظهر وبعدها
• عن أم حبيبة زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من صلى أربع ركعات قبل الظهر، وأربعًا بعدها حَرَّمَ الله لحمَه على النار".
صحيح: رواه النسائي (١٨١٢) من طريق موسى بن أعين، عن أبي عمرو الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: لما نُزل بعنبسة، جعل يتضَوَّر، فقيل له: فقال: أما إني سمعت أم حبيبة زوج
стр. 1536
النبي ﷺ تحدث فذكر الحديث وقال: فما تركتُهن منذ سمعتُهن. وإسناده صحيح.
وقوله: يتضوَّر - يُظهر الضور بمعنى الضر، يقال: ضاره يضوره ويضيره، وآخر الحديث يفيد أنه كان يفعل ذلك فرحًا بالموت اعتمادًا على صدق الموعد. كذا قاله السيوطي.
ورواه أيضًا الإمام أحمد (٢٦٧٦٢) عن رَوح، قال: حدثنا الأوزاعي به وفيه: لما نزل بعنبسة بن أبي سفيان الموتُ، اشتدَّ جزعُه، فقيل له: ما هذا الجزعُ؟ قال: أما إني سمعت أم حبيبة، يعني أخته تقول فذكر الحديث.
ورَوح هو: ابن عُبادة. وهذا من أصح الأسانيد التي روي عنه هذا الحديث.
وتابع حسانَ بن عطية القاسمُ أبو عبد الرحمن، ومن طريقه رواه الترمذي (٤٢٨)، والنسائي. قال الترمذي: "حسن صحيح غريب من هذا الوجه. والقاسم هو: ابن عبد الرحمن يكنى أبا عبد الرحمن، وهو مولى عبد الرحمن بن خالد بن معاوية ثقة شامي، وهو صاحب أبي أمامة". انتهى
وأخرجه أبو داود (١٢٦٩)، والنسائي من طريق مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان به مثله، قال النسائي: مكحول لم يسمع من عنبسة شيئًا.
ورواه أيضًا الترمذي (٤٢٧)، والنسائي، وابن ماجه (١١٦٠) من طريق محمد بن عبد الله الشُعيثي، عن أبيه، عن عنبسة بن أبي سفيان به مثله، قال الترمذي: حسن غريب.
قلت: بل هذا الإسناد ضعيف لأجل عبد الله الشُعيني أبي محمد وهو: ابن المهاجر، فإنه لم يوثقه غير ابن حبان، ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول".
وأما ابنه محمد فهو "صدوق". ولا بأس بذكر هذه الأسانيد للتقوية.
١٤ - باب تأكيد أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين قبل الفجر
• عن عائشة قالت: إن النبي ﷺ كان لا يدعُ أربعًا قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة.
صحيح: رواه البخاري في التهجد (١١٨٢) عن مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. وقال: تابعه ابن أبي عدي وعمرو، عن شعبة.
وأخرجه أيضًا النسائي (٣/ ٢٥١) من طريق عثمان بن عمر، قال: حدثنا شعبة إلا أنه أدخل بين محمد بن المنتشر وبين عائشة (مسروقًا) وقال: عامة أصحاب شعبة ممن روى هذا الحديث، فلم يذكروا مسروقًا.
قلت: لأن سماع محمد بن المنتشر من عائشة ثابت، ولذا جعل الدارقطني في "العلل" من المزيد في متصل الأسانيد، والحديث مخرج في "المنة الكبرى" (٢/ ٢٩ ١).
١٥ - باب استحباب أربع ركعات بعد الزوال قبل الظهر
• عن عبد الله بن السائب: أن رسول الله ﷺ كان يُصَلِّي أربعًا بعد أن تزولَ
стр. 1537
الشمسُ قبل الظهر، وقال: "إنها ساعة تُفتحُ فيها أبوابُ السماء، وأحب أن يصعدَ لي فيها عمل صالح".
حسن: رواه الترمذي في السنن (٤٧٨) وفي الشمائل (٢٨٩)، والنسائي في الكبرى (٣٣١) كلهم من طريق أبي داود الطيالسي، حدثنا محمد بن مسلم بن أبي الوضَّاح، وهو أبو سعيد المؤدِّب، عن عبد الكريم الجزري، عن مجاهد، عن عبد الله بن السائب فذكره.
ورواه الإمام أحمد (١٥٣٩٦) عن أبي داود الطيالسي به أيضًا وفيه: "فأحب أن أقدِّمَ فيها عَمَلًا صالحًا".
ولا يوجد في مسند أبي داود الطيالسي مسند لعبد الله بن السائب.
قال الترمذي: حسن غريب.
قلت: رجاله ثقات غير محمد بن مسلم بن أبي الوضاح فإنه مختلف فيه، فوثَّقه جماعة من أئمة الحديث، غير أن البخاري قال فيه: "فيه نظر"، فلعله قصد بذلك الحديث الذي رواه، لا أنه في أردأ المنازل كما هو المعروف في تفسير قول البخاري. انظر كتابي: "معجم مصطلحات الحديث".
والخلاصة فيه كما في التقريب: "صدوق يهم".
والحديث يدل على استحباب أربع ركعات بعد الزوال، وهي غير سنة الظهر القبلية.
قال الترمذي: وفي الباب عن علي وأبي أيوب.
قلت: وأما حديث علي فرواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم أن النبي ﷺ كان يصلي أربعًا قبل الظهر إذا زالت الشمس، وركعتين بعدها، وهو حديث حسن سبق تخريجه في باب ما جاء من تطوع النبي ﷺ بالنهار.
وأما حديث أبي أيوب فرواه أبو داود (١٢٧٠)، وابن ماجه (١١٥٧)، والترمذي في الشمائل (٢٩٣) كلهم من طريق عبيدة بن معتِّب الضَبِّي، عن إبراهيم، عن سهم بن منجاب، عن قزعة، عن قَرْثع، عن أبي أيوب أن النبي ﷺ كان يُصلي قبل الظهر أربعًا إذا زالت الشمس، لا يفصل بينهن بتسليم. وقال: "إن أبواب السماء تُفتح إذا زالت الشمس" وإسناده ضعيف فيه عبيدة بن معتِّب ضعَّفه أبو داود والآخرون. وقال المنذري: لا يحتج به، وتكلم فيه ابن خزيمة قائلًا: وأما الخبر الذي احتج به بعض الناس في الأربع قبل الظهر أن النبي ﷺ صلَّاهن بتسليمة واحدة فإنه روي بإسناد لا يحتج بمثله من له معرفة برواية الأخبار، ثم رواه من الطريق الذي سبق ذكره، وتكلم على عبيدة بن معتب ومما قال فيه: سمعتُ أبا قلابة يحكي عن هلال بن يحيى قال: سمعتُ يوسف بن خالد السمتي يقول: قلت لعبيدة بن معتب: هذا الذي ترويه عن إبراهيم سمعتَه كله؟ قال: منه ما سمعتُه، ومنه ما أقيس عليه، قال: قلت: فحدثني بما سمعتَ، فإني أعلم بالقياس منك". انتهى.
إلا أن السمتي تكلم فيه غير واحد من أهل العلم، ومنهم من كذَّبَه.
стр. 1538
ورواه الإمام أحمد (٢٣٥٥١)، والطبراني (٤/ ٢٠٣)، وابن خزيمة (١٢١٥) كلهم من طريق شريك، عن الأعمش، عن المسيَّب بن رافع، عن علي بن الصلْت، عن أبي أيوب الأنصاري أنه كان يصلي أربع ركعات قبل الظهر، فقيل له: إنك تُديم هذه الصلاة فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ يفعله، فسألته فقال: "إنها ساعة تُفتح فيها أبوب السماء، فأحببت أن يرتفع لي فيها عمل صالح" وهو ضعيف أيضًا، فإن شريكًا هو: ابن عبد الله النخعي سيء الحفظ، وعلي بن الصلت مجهول، قال ابن خزيمة: ولست أعرف علي بن الصلت هذا، ولا أدري من أي بلاد الله هو، ولا أفهم القي أبا أيوب أم لا؟ ".
١٦ - باب ما جاء في سنة العصر
• عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله امرأً صلَّى قبل العصر أربعًا".
حسن: رواه أبو داود (١٢٧١)، والترمذي (٤٣٠) كلاهما من طريق أبي داود الطيالسي، قال: حدثنا محمد بن مهران القرشي، حدثني جدي أبو المثني، عن ابن عمر فذكر الحديث.
قلت: والحديث في مسند أبي داود الطيالسي (٢٠٤٨) قال: حدثنا أبو إبراهيم محمد بن المثنى، عن أبيه، عن جده، عن ابن عمر فذكر مثله، فزاد فيه قوله: "عن أبيه" هكذا في نسخة مطبوعة.
قال البيهقي (٢/ ٤٧٣) بعد أن أخرجه من طريق أبي داود الطيالسي: هكذا وجدت في كتابي، ثم روى عن أبي داود السجستاني كما سبق وليس فيه ذكر "عن أبيه" وقال: هذا هو الصحيح، وهو أبو إبراهيم محمد بن إبراهيم بن مسلم بن مهران القرشي، سمع جده مسلم بن مهران القرشي، ويقال: محمد بن المثنى، وهو ابن أبي المثنى، لأن كنية مسلم أبو المثنى ذكره البخاري في التاريخ. وقال: وقول القائل في الإسناد الأول "عن أبيه" أراه خطأٌ، ورواه جماعة عن أبي داود دون ذكر "أبيه" منهم سلمة بن شبيب وغيره". انتهى.
قلت: حديث سلمة بن شبيب، عن أبي داود رواه ابن خزيمة في صحيحه (١١٩٣) عنه، عن أبي داود بدون ذكر "أبيه" في الإسناد.
وإسناده حسن لأجل محمد بن إبراهيم بن مسلم بن مهران المؤذن الكوفي قال فيه ابن معين والدارقطني: ليس به بأس، وجدُّه أبو المثني روي عنه جماعة، وقال أبو زرعة: ثقة.
قلت: وصحّحه أيضًا ابن حبان (٢٤٥٣) فرواه من طريق أبي داود الطيالسي.
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: "وقد اختلف في هذا الحديث، فصحَّحه ابن حبان، وعلَّله غيره، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: سألت أبا الوليد الطيالسي عن حديث محمد بن مسلم بن المثنى، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ فقال: دع ذا. فقلت: إن أبا داود قد رواه. فقال: قال أبو الوليد: كان ابن عمر يقول: "حفظت عن النبي ﷺ عشرَ ركعاتٍ في اليوم والليلة". فلو كان هذا العدَّه، قال أبي: كان يقول: "حفظت ثنتي عشرة ركعة".
стр. 1539
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: "وهذا ليس بعلة أصلًا، فإن ابن عمر إنما أخبر بما حفظه من فعل النبي ﷺ ، لم يخبر عن غير ذلك، فلا تنافي بين الحديثين البتة". انتهى.
• عن علي بن أبي طالب قال: كان النبي ﷺ يُصلي قبل العصر أربع ركعات، يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين، ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين.
حسن: رواه الترمذي (٤٢٩) من طريق سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي فذكره.
قال الترمذي: حسن، واختار إسحاق بن إبراهيم أن لا يُفْصَل في الأربع قبل العصر، واحتج بهذا الحديث قال إسحاق: ومعنى أنه يَفْصِل بينهن بالتسليم، يعني التشهد. ورأى الشافعي وأحمد صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، يختاران الفصْل في الأربع قبل العصر". انتهى.
قلت: إسناده حسن لأجل الكلام في عاصم بن ضمرة فإنه "صدوق" كما في التقريب.
وأورده النووي في "الخلاصة" (١٤٦٦) وأقر بحكم الترمذي. وهو اختصار من تطوع النبي ﷺ بالنهار.
• عن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ كان يُصلي قبل العصر ركعتين.
حسن: رواه أبو داود (١٢٧٢) عن حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي فذكره.
وصحّحه النووي في الخلاصة (١٨٢١).
قلت: وإسناده حسن لأجل الكلام في عاصم بن ضمرة.
وقوله: كان يصلي قبل العمر ركعتين، أي أحيانًا، فلا ينافي ما تقدم من الأربع، ومن جهة الاختلاف في الروايات صار التخيير بين الأربع والركعتين جمعًا بين الروايات، والأربع أفضل، قال المنذري: عاصم بن ضمرة وثَّقه يحيى بن معين وغيره، وتكلم فيه غير واحد.
١٧ - باب ما جاء في ركعتين قبل المغرب
• عن أنس بن مالك قال: كنا بالمدينة، فإذا أذَّن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري، فيركعون ركعتين ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخلُ المسجد فيحسبُ أن الصلاة قد صُلِّيتْ من كثرة من يُصَلِّيهما.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٢٥)، ومسلم في المسافرين (٨٣٧) كلاهما من طريقين عن أنس، واللفظ لمسلم، وفي رواية البخاري: ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء.
قال عثمان بن جبلة وأبو داود، عن شعبة: لم يكن بينهما إلا قليل.
• عن مرثد بن عبد الله اليزني قال: أتيتُ عُقبة بن عامر الجهني، فقلتُ: ألا أُعَجِّبُكَ من أبي تميم، يركع ركعتين قبل صلاة المغرب. فقال: عُقبة: إنا كنا نفعله
стр. 1540
على عهد رسول الله ﷺ ، قلت: فما يمنعك الآن؟ قال: الشُغل.
صحيح: رواه البخاري في التهجد (١١٨٤) عن عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، قال: سمعت مرثد بن عبد الله فذكره.
وقوله: أعجَّبك: بضم أوله وتشديد الجيم من التعجب، أي: أخبرك بأمر تستغربه وتتعجب منه.
وأبو تميم هو: عبد الله بن مالك الجيشاني، تابعي كبير مخضرم، أسلم في عهد النبي ﷺ ، وقرأ القرآن على معاذ بن جبل، ثم قدم في زمن عمر فشهد فتح مصر وسكنها.
وعمل أبي تميم يدل على استمرار هذا العمل من عهد النبي ﷺ وعهد الصحابة ومن بعدهم، ويشترط فيه أن لا تتأخر صلاة المغرب من أول وقتها، وقول أنس في الحديث السابق: ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء دليل على هذا.
• عن عبد الله بن مغفل المزني، عن النبي ﷺ قال: "صلوا قبل صلاة المغرب - قال في الثالثة - لمن شاء، كراهية أن يتخذها الناس سنة".
صحيح: رواه البخاري في التهجد (١١٨٣) عن أبي معمر، حدثنا عبد الوارث، عن الحسين، عن ابن بُريدة قال: حدثني عبد الله المزني فذكر الحديث. وسيأتي مزيد في الباب الذي يليه.
• عن مختار بن فُلفُل قال: سألت أنس بن مالك عن التطوع بعد العصر، فقال: كان عمر يضرب الأيدي على صلاةٍ بعد العصر، وكنا نُصلي على عهد النبي ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فقلت له: أكان رسول الله ﷺ صلَّاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا، ولم ينهنا.
صحيح: رواه مسلم في المسافرين (٨٣٦) من طريق ابن فُضيل، عن مختار بن فُلْفُل قال: فذكره.
وأما ما رواه طاوس قال: سُئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب فقال: ما رأيتُ أحدًا على عهد رسول الله ﷺ يُصليهما، ورخص في الركعتين بعد العصر.
رواه أبو داود (١٢٨٤) عن ابن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي شُعيب، عن طاوس فذكر مثله، قال أبو داود: سمعتُ يحيى بن معين يقول: هو شُعيب، يعني وهم شعبة في اسمه.
ومن طريق أبي داود رواه البيهقي (٢/ ٤٧٦، ٤٧٧)، وقال: "القول في مثل هذا قول من شاهد دون من لم يشاهد".
١٨ - باب ما جاء بين كل أذانين صلاة
• عن عبد الله بن مغفل قال: قال النبي ﷺ : "بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة" ثم قال في الثالثة: "لمن شاء".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٢٧)، ومسلم في صلاة المسافرين (٨٣٨) كلاهما من
стр. 1541
طريق كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل قال: فذكره.
وفي رواية الجُريري، عن ابن بريدة قال: "بين كل أذانين صلاة - ثلاثًا - لمن شاء" البخاري (٦٢٤)، ومسلم (٨٣٨) إلا أنه قال في الرابعة: "لمن شاء" وليس بين الروايتين اختلاف فإن قوله في البخاري: ثلاثًا - أي قالها ثلاثًا، وقال في الرابعة: لمن شاء.
وما زاد حيان بن عبد الله، عن عبد الله بن بريدة "ما خلا المغرب" فهو ضعيف رواه البيهقي (٢/ ٤٧٤) وغيره، ضعَّفه الحافظ في "التلخيص" (٥٠٦).
١٩ - باب التطوع بين المغرب والعشاء
• عن حذيفة قال: قالت لي أمي: متى عهدُك بالنبي ﷺ ؟ قال: فقلت: ما لي به عهد منذ كذا وكذا. قال: فهمَّتْ بي، فقلت: يا أمَّه دَعِينِي حتى أذهب إلى النبي ﷺ فلا أدعَه حتى يستغفر لي، ويستغفر لكِ، قال: فجئتُه فصليتُ معه المغرب، فلما قضى الصلاة قام يُصَلِّي، فلم يزل يُصلي حتى صلى العشاء، ثم خرج.
حسن: رواه الترمذي (٣٧٨١) عن عبد الله بن عبد الرحمن وإسحاق بن منصور، قالا: أخبرنا محمد بن يوسف، عن إسرائيل، عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عَنْ زِر بن حُبيش، عن حذيفة. ورواه الإمام أحمد (٢٣٤٣٦) عن زيد بن الحُباب، عن إسرائيل به مثله واللفظ له.
وصحّحه ابن خزيمة (١١٩٤)، وابن حبان (١٩٦٠)، والحاكم (١/ ٣١٢) كلهم من طريق زيد بن الحباب به مختصرًا.
وإسناده حسن لأجل ميسرة بن حبيب والمنهال بن عمرو فإنهما صدوقان.
وسيأتي هذا الحديث في فضائل الصحابة، باب أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
٢٠ - باب ما جاء في إكمال النقص في الفرائض بالتطوع يوم القيامة
• عن تميم الداري، عن النبي ﷺ قال: "أول ما يحاسب به العبدُ يوم القيامة صلاتُه، فإن أكملها كتبتْ له كاملةً، فإن لم يكن أكملها، قال الله سبحانه لملائكته: انظروا، هل تجدون لعبدي من تطوع؟ فأكملوا بها ما ضيّع من فريضته، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك".
صحيح: رواه ابن ماجه (١٤٢٦) عن أحمد بن سعيد الدارمي، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن زرارة بن أوفى، عن تميم الدارمي فذكر مثله.
ورجاله ثقات وإسناده صحيح. ورواه أيضًا أبو داود (٨٦٦) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد به وأحال على لفظ أبي هريرة الذي سيأتي. وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٦٢، ٢٦٣)
стр. 1542
من طريق موسى بن إسماعيل به مثله. وقال: "هو شاهد صحيح على شرط مسلم".
وأما ما روي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن أول ما يُحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم: الصلاة، قال: يقول ربنا جلَّ وعلا لملائكته - وهو أعلم - انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبتْ له تامةٌ، وإن كان انتقص منها شِئًا قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذُ الأعمال على ذاكم".
فإسناده مضطرب: رواه أبو داود (٨٦٤) عن يعقوب بن إبراهيم حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس، عن الحسن، عن أنس بن حكيم الضبي قال: خاف من زياد، أو ابن زياد، فأتي المدينة، فلقي أبا هريرة قال: فنسَبني فانتسبت له، فقال: يا فتى! ألا أحدثك حديثًا؟ قال: قلت: بلى رحمك الله. قال يونس: وأحسبه ذكره عن النبي ﷺ فذكر الحديث. قال النووي في "الخلاصة" (١٧٧٧) إسناده ضعيف.
قلت: فيه من العلل:
العلّة الأولى: الشك في الرفع.
العلّة الثانية: أنس بن حكيم الضبي شيخ الحسن "مجهول" كما قال ابن القطان وغيره. وفي التقريب: "مستور".
والحسن مدلس وقد عنعن، وتابعه علي بن زيد، عن أنس بن حكيم الضبي: رواه ابن ماجه (١٤٢٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن بشار، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن علي بن زيد عنه.
وعلي بن زيد هو: ابن جدعان ضعيف.
والعلّة الثالثة: الاختلاف على الحسن، فقيل عنه عن حُريث بن قبيصة رواه النسائي (٤٦٥)، والترمذي (٤١٣) من طريق همام، عن قتادة، عن الحسن، عن حريث بن قبيصة قال: قدمتُ المدينة قال: قلت: اللهم! يَسِّر لي جليسًا صالحًا، فجلستُ إلى أبي هريرة قال: فقلتُ: إني دعوتُ الله أن يُيسر لي جليسًا صالحًا فحدثني بحديث سمعته من رسول الله ﷺ لعل الله أن ينفعني به قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما يحاسب به العبدُ بصلاته، فإن صلحتْ فقد أفلح وأنجح، وإن فسدتُ فقد خاب وخسر" قال همام: لا أدري هذا من كلام قتادة، أو من الرواية؟ "فإن انتقص من فريضته شيء قال: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمَّل به ما نقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على نحو ذلك" واللفظ للنسائي.
وقال الترمذي: "حسن غريب من هذا الوجه".
قلت: حريث بن قبيصة، أو قبيصة بن حريث قال فيه الحافظ: جهَّلَه ابن القطان. وقال النسائي: لا يصح حديثه. وذكر أبو العرب التميمي أن أبا الحسن العجلي قال: قبيصة بن حريث تابعي ثقة. وأفرط ابن حزم فقال: ضعيف مطروح".
стр. 1543
قال النسائي: وخالفه أبو العوام ثم روى من طريقه، عن قتادة، عن الحسن بن زياد، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال فذكر الحديث، ثم رواه بإسناد آخر عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن يحيى بن يعمر، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فذكر الحديث.
ورواه الإمام أحمد (١٦٦١٤) في ترجمة رجل (غير أبي هريرة) عن حسن بن موسى قال: حدثنا حماد بن سلمة، به مثله. قال الهيثمي في "المجمع" (١/ ٢٩١)، "روى النسائي عن يحيى بن يعمر، عن أبي هريرة مثل هذا، فلا أدري أهو هذا أم لا؟ وقد ذكره الإمام أحمد في ترجمة رجل غير أبي هريرة ورجاله رجال الصحيح".
قلت: وهو كما قال، فرجال أحمد ثقات، ولكن حماد بن سلمة قد تغير في آخر عمره، فلعل هذا الخلاف في الإسناد يعود إليه.
وأبو العوام اسمه: عمران بن داوَر مختلف فيه، فضعَّفه ابن معين وأبو داود والنسائي، وقال الدارقطني: كثير المخالفة، وليّنَ القولَ فيه أحمد والبخاري والترمذي والخلاصة فيه: "أنه صدوق بهم" كما في التقريب.
فرواية قتادة أرجح منه إلا أن فيه عنعنة قتادة والحسن وكلاهما مدلسان مع اختلاف في شيخ الحسن.
قال الحافظ في ترجمة أنس بن حكيم الضبي في "التهذيب": "حديث مضطرب، اختلف فيه على الحسن فقيل: عنه هكذا، وقيل: عنه عن حريث بن قبيصة، وقيل: عنه عن صعصعة عم الأحنف، وقيل: عنه عن رجل من بني سليط، وقيل عنه غير ذلك".
قلت: حديث رجل من بني سليط أخرجه أبو داود (٨٦٥) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن حميد، عن الحسن، عن رجل من بني سليط، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه.
وحديث صعصعة بن معاوية: رواه المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (١٨٣) عن الحسن بن عيسى، ثنا ابن المبارك، أنا إسماعيل المكي، عن الحسن، عن صعصعة بن معاوية قال: لقيت أبا هريرة فقال: ممن أنت؟ فقلت: من أهل العراق، فقال: ألا أحدثك حديثًا ينفع من بعدك؟ فذكر مثله.
وقول الحافظ: وقيل عنه غير ذلك - لعله يشير إلى أنَّ هذا الحديث رُوِيَ عن أبي هريرة موقوفًا أيضًا. فقد رواه عبد الوارث بن سعيد، عن يُونس بن عُبيد، عن الحسن سمع أنس بن حكيم، سمع أبا هريرة ولم يرفعه. ورواه أبو نعيم، عن علي بن علي الرفاعي، عن الحسن، عن أبي هريرة قوله.
ورواه مبارك بن فضالة، عن رجل من أهل البصرة - كان يجالس أبا هريرة - عن أبي هريرة قوله.
ذكره المزي في الاستدراكات "تحفة الأشراف" (٩/ ٢٩٩).
ومثل هذا لا يحكم عليه بالحسن فضلًا عن الصحة، ويغني عنه حديث تميم الداري، فلا تغترن بتصحيح الحاكم في المستدرك (١/ ٢٦٢) على أن بعض أهل العلم يقبلون مثل هذا في الشواهد.
وكذلك ما روي عن أنس بلفظ: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحتْ
стр. 1544
صلح له سائر عمله، وإن فسدتْ فسد له سائر عمله".
رواه الطبراني في الأوسط "مجمع البحرين" (٥٣٢) من طريق إسماعيل بن عيسى الواسطي، ثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، ثنا القاسم بن عثمان، عن أنس مرفوعًا. وفيه القاسم بن عثمان ضعّفه البخاري والدارقطني وغيرهما.
ورواه أيضًا من طريق روح بن عبد الواحد القرشي، ثنا خليد بن دعلج، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا ولفظه: "أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة ينظر في صلاته، فإن صلحت فقد أفلح، وإن فسدت فقد خاب وخسر".
وفيه روح بن عبد الواحد ضعيف، غمزه ابن عدي، وقال العقيلي: لا يتابع عليه. وخليد بن دعلج السدوسي البصري ضعيف أيضًا ضعَّفه ابن معين وأحمد وأبو داود وغيرهم.
وكذلك ما رُوِي عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "أول ما يسأل العبد عنه ويحاسب به صلاته، فإن قبلتْ منه قبل سائر عمله، وإن ردت عليه رد عليه سائر عمله". أخرجه السلفي في "الطيوريات" كما قال الشيخ الألباني ﵀، وفيه عطية العوفي وهو ضعيف.
معنى الحديث:
قال أبو بكر بن العربي في "عارضة الأحوذي": يحتمل أن يكون يكمل له ما نقص من فرض الصلاة وأعدادها بفضل التطوع، ويحتمل ما نقصه من الخشوع، والأول عندي أظهر لقوله - ثم الزكاة كذلك، وسائر الأعمال، وليس في الزكاة إلا فرض، أو فضل، فكما يكمل فرض الزكاة بفضلها كذلك الصلاة، وفضل الله أوسع، ووعده أنفذ، وعزمه أعم وأتم".
وقال العراقي: "يحتمل أن يراد به ما انتقصه من السنن والهيئات المشروعة فيها من الخشوع والأذكار والأدعية، وأنه يحصل له ثواب ذلك في الفريضة، وإن لم يفعله فيها، وإنما فعله في التطوع، ويحتمل أن يراد به ما انتقص أيضًا من فروضها وشروطها، ويحتمل أن يراد ما ترك من الفرائض رأسًا فلم يصله فيعوض عنه من التطوع. والله يقبل من التطوعات الصحيحة عوضًا عن الصلوات المفروضة" "تحفة الأحوذي" (٢/ ٤١٣ - ٤٦٤).
وأما ما رُوِي: ولا تُقبل نافلة المصلِّي حتى يُؤدي الفريضة" فهو ضعيف كما ذكره الشيخ المباركفوري صاحب "التحفة" (٢/ ٤٦٤).
٢١ - باب استحباب الانتقال للتطوع من مكان الفريضة، أو الفصل بالكلام
• عن عمر بن عطاء بن أبي الخُوار، أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب ابن أخت نَمر، يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة. فقال: نعم. صليتُ معه الجمعةَ في المقصورة. فلما سلَّم الإمامُ قُمت في مقامي فصلَّيْتُ، فلما دخل أرسل
стр. 1545
إليَّ فقال: لا تَعْدْ لما فعلتَ. إذا صلَّيتَ فلا تَصِلْها بصلاةٍ حتى تكلَّم أو تخرجَ. فإن رسولَ الله ﷺ أمرنا بذلك. أن لا تُوصل صلاةٌ بصلاةٍ حتى نتكلَّم، أو نخرجَ.
صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٨٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة وهو في المصنف (٢/ ١٣٩) حدثنا غندر، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخُوار فذكره.
ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٥٥٣٤) وعنه أبو داود (١١٢٩) عن ابن جريج به مثله. وفيه السائب هو: ابن يزيد ابن أخت نمر.
والمقصورة: هي الحجرة المبنية في المسجد أحدثها معاوية بعد ما ضربه الخارجي.
• عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فقام رجل يُصلِّي فرآه عمر فقال له: اجلسْ، فإنما هلك أهل الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم فصلٌ، فقال رسول الله ﷺ : "أحسنَ ابن الخطاب".
صحيح: رواه أحمد (٢٣١٢١) عن محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الأزرق بن قيس، عن عبد الله بن رباح، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ فذكره.
ورواه أبو يعلى (٧١٣٠ تحقيق الأثري) عن محمد بن بشار، حدثنا محمد (وهو ابن جعفر) به مثله، وإسناده صحيح.
قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٣٤): "رواه أحمد وأبو يعلى ورجال أحمد رجال الصحيح"، وهو كما قال إلا أن رجال أبي يعلى مثله غير شيخه محمد بن بشار وهو: ابن عثمان العبدي أيضًا من رجال الشيخين.
وأما ما رواه أبو داود (١٠٠٧) عن عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا أشعث بن شُعبة، عن المنهال بن خليفة، عن الأزرق بن قيس قال: صلى بنا إمام لنا يُكنَّى أبا رِمْثة فقال: صليت هذه الصلاة، أو مثل هذه الصلاة مع النبي ﷺ قال: وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصف المقدم عن يمينه، وكان رجل قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة، فصلى نبي الله، ثم سلَّم عن يمينه وعن يساره حتى رأينا بياض خديه، ثم انفتل كانفتال أبي رِمْثَة. يعني نفسه، فقام الرجل الذي أدرك معه التكبيرة الأولى من الصلاة يشفعُ، فوثب إليه عمر، فأخذ بمنكِبِه فهزَّه ثم قال: اجلس فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلواتهم فصل، فرفع النبي ﷺ بصرَه فقال: "أصاب الله بك يا ابن الخطاب".
ففيه أشعث بن شعبة، قال فيه أبو حاتم: لين. ولم بوثقه غير ابن حبان، ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول".
والمنهال بن خليفة العجلي أبو قدامة الكوفي "ضعيف"، وقال فيه البخاري: صالح فيه نظر، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن حبان: كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير لا يجوز الاحتجاج به.
وأما الحاكم (١/ ٢٧٠)، فقال: صحيح على شرط مسلم، وهذا وهم منه رحمه الله تعالى،
следующие страницы →