Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
طريق كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل قال: فذكره.
وفي رواية الجُريري، عن ابن بريدة قال: "بين كل أذانين صلاة - ثلاثًا - لمن شاء" البخاري (٦٢٤)، ومسلم (٨٣٨) إلا أنه قال في الرابعة: "لمن شاء" وليس بين الروايتين اختلاف فإن قوله في البخاري: ثلاثًا - أي قالها ثلاثًا، وقال في الرابعة: لمن شاء.
وما زاد حيان بن عبد الله، عن عبد الله بن بريدة "ما خلا المغرب" فهو ضعيف رواه البيهقي (٢/ ٤٧٤) وغيره، ضعَّفه الحافظ في "التلخيص" (٥٠٦).
١٩ - باب التطوع بين المغرب والعشاء
• عن حذيفة قال: قالت لي أمي: متى عهدُك بالنبي ﷺ ؟ قال: فقلت: ما لي به عهد منذ كذا وكذا. قال: فهمَّتْ بي، فقلت: يا أمَّه دَعِينِي حتى أذهب إلى النبي ﷺ فلا أدعَه حتى يستغفر لي، ويستغفر لكِ، قال: فجئتُه فصليتُ معه المغرب، فلما قضى الصلاة قام يُصَلِّي، فلم يزل يُصلي حتى صلى العشاء، ثم خرج.
حسن: رواه الترمذي (٣٧٨١) عن عبد الله بن عبد الرحمن وإسحاق بن منصور، قالا: أخبرنا محمد بن يوسف، عن إسرائيل، عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عَنْ زِر بن حُبيش، عن حذيفة. ورواه الإمام أحمد (٢٣٤٣٦) عن زيد بن الحُباب، عن إسرائيل به مثله واللفظ له.
وصحّحه ابن خزيمة (١١٩٤)، وابن حبان (١٩٦٠)، والحاكم (١/ ٣١٢) كلهم من طريق زيد بن الحباب به مختصرًا.
وإسناده حسن لأجل ميسرة بن حبيب والمنهال بن عمرو فإنهما صدوقان.
وسيأتي هذا الحديث في فضائل الصحابة، باب أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
٢٠ - باب ما جاء في إكمال النقص في الفرائض بالتطوع يوم القيامة
• عن تميم الداري، عن النبي ﷺ قال: "أول ما يحاسب به العبدُ يوم القيامة صلاتُه، فإن أكملها كتبتْ له كاملةً، فإن لم يكن أكملها، قال الله سبحانه لملائكته: انظروا، هل تجدون لعبدي من تطوع؟ فأكملوا بها ما ضيّع من فريضته، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك".
صحيح: رواه ابن ماجه (١٤٢٦) عن أحمد بن سعيد الدارمي، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن زرارة بن أوفى، عن تميم الدارمي فذكر مثله.
ورجاله ثقات وإسناده صحيح. ورواه أيضًا أبو داود (٨٦٦) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد به وأحال على لفظ أبي هريرة الذي سيأتي. وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٦٢، ٢٦٣)
стр. 1542
من طريق موسى بن إسماعيل به مثله. وقال: "هو شاهد صحيح على شرط مسلم".
وأما ما روي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن أول ما يُحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم: الصلاة، قال: يقول ربنا جلَّ وعلا لملائكته - وهو أعلم - انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبتْ له تامةٌ، وإن كان انتقص منها شِئًا قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذُ الأعمال على ذاكم".
فإسناده مضطرب: رواه أبو داود (٨٦٤) عن يعقوب بن إبراهيم حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس، عن الحسن، عن أنس بن حكيم الضبي قال: خاف من زياد، أو ابن زياد، فأتي المدينة، فلقي أبا هريرة قال: فنسَبني فانتسبت له، فقال: يا فتى! ألا أحدثك حديثًا؟ قال: قلت: بلى رحمك الله. قال يونس: وأحسبه ذكره عن النبي ﷺ فذكر الحديث. قال النووي في "الخلاصة" (١٧٧٧) إسناده ضعيف.
قلت: فيه من العلل:
العلّة الأولى: الشك في الرفع.
العلّة الثانية: أنس بن حكيم الضبي شيخ الحسن "مجهول" كما قال ابن القطان وغيره. وفي التقريب: "مستور".
والحسن مدلس وقد عنعن، وتابعه علي بن زيد، عن أنس بن حكيم الضبي: رواه ابن ماجه (١٤٢٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن بشار، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن علي بن زيد عنه.
وعلي بن زيد هو: ابن جدعان ضعيف.
والعلّة الثالثة: الاختلاف على الحسن، فقيل عنه عن حُريث بن قبيصة رواه النسائي (٤٦٥)، والترمذي (٤١٣) من طريق همام، عن قتادة، عن الحسن، عن حريث بن قبيصة قال: قدمتُ المدينة قال: قلت: اللهم! يَسِّر لي جليسًا صالحًا، فجلستُ إلى أبي هريرة قال: فقلتُ: إني دعوتُ الله أن يُيسر لي جليسًا صالحًا فحدثني بحديث سمعته من رسول الله ﷺ لعل الله أن ينفعني به قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما يحاسب به العبدُ بصلاته، فإن صلحتْ فقد أفلح وأنجح، وإن فسدتُ فقد خاب وخسر" قال همام: لا أدري هذا من كلام قتادة، أو من الرواية؟ "فإن انتقص من فريضته شيء قال: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمَّل به ما نقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على نحو ذلك" واللفظ للنسائي.
وقال الترمذي: "حسن غريب من هذا الوجه".
قلت: حريث بن قبيصة، أو قبيصة بن حريث قال فيه الحافظ: جهَّلَه ابن القطان. وقال النسائي: لا يصح حديثه. وذكر أبو العرب التميمي أن أبا الحسن العجلي قال: قبيصة بن حريث تابعي ثقة. وأفرط ابن حزم فقال: ضعيف مطروح".
стр. 1543
قال النسائي: وخالفه أبو العوام ثم روى من طريقه، عن قتادة، عن الحسن بن زياد، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال فذكر الحديث، ثم رواه بإسناد آخر عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن يحيى بن يعمر، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فذكر الحديث.
ورواه الإمام أحمد (١٦٦١٤) في ترجمة رجل (غير أبي هريرة) عن حسن بن موسى قال: حدثنا حماد بن سلمة، به مثله. قال الهيثمي في "المجمع" (١/ ٢٩١)، "روى النسائي عن يحيى بن يعمر، عن أبي هريرة مثل هذا، فلا أدري أهو هذا أم لا؟ وقد ذكره الإمام أحمد في ترجمة رجل غير أبي هريرة ورجاله رجال الصحيح".
قلت: وهو كما قال، فرجال أحمد ثقات، ولكن حماد بن سلمة قد تغير في آخر عمره، فلعل هذا الخلاف في الإسناد يعود إليه.
وأبو العوام اسمه: عمران بن داوَر مختلف فيه، فضعَّفه ابن معين وأبو داود والنسائي، وقال الدارقطني: كثير المخالفة، وليّنَ القولَ فيه أحمد والبخاري والترمذي والخلاصة فيه: "أنه صدوق بهم" كما في التقريب.
فرواية قتادة أرجح منه إلا أن فيه عنعنة قتادة والحسن وكلاهما مدلسان مع اختلاف في شيخ الحسن.
قال الحافظ في ترجمة أنس بن حكيم الضبي في "التهذيب": "حديث مضطرب، اختلف فيه على الحسن فقيل: عنه هكذا، وقيل: عنه عن حريث بن قبيصة، وقيل: عنه عن صعصعة عم الأحنف، وقيل: عنه عن رجل من بني سليط، وقيل عنه غير ذلك".
قلت: حديث رجل من بني سليط أخرجه أبو داود (٨٦٥) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن حميد، عن الحسن، عن رجل من بني سليط، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه.
وحديث صعصعة بن معاوية: رواه المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (١٨٣) عن الحسن بن عيسى، ثنا ابن المبارك، أنا إسماعيل المكي، عن الحسن، عن صعصعة بن معاوية قال: لقيت أبا هريرة فقال: ممن أنت؟ فقلت: من أهل العراق، فقال: ألا أحدثك حديثًا ينفع من بعدك؟ فذكر مثله.
وقول الحافظ: وقيل عنه غير ذلك - لعله يشير إلى أنَّ هذا الحديث رُوِيَ عن أبي هريرة موقوفًا أيضًا. فقد رواه عبد الوارث بن سعيد، عن يُونس بن عُبيد، عن الحسن سمع أنس بن حكيم، سمع أبا هريرة ولم يرفعه. ورواه أبو نعيم، عن علي بن علي الرفاعي، عن الحسن، عن أبي هريرة قوله.
ورواه مبارك بن فضالة، عن رجل من أهل البصرة - كان يجالس أبا هريرة - عن أبي هريرة قوله.
ذكره المزي في الاستدراكات "تحفة الأشراف" (٩/ ٢٩٩).
ومثل هذا لا يحكم عليه بالحسن فضلًا عن الصحة، ويغني عنه حديث تميم الداري، فلا تغترن بتصحيح الحاكم في المستدرك (١/ ٢٦٢) على أن بعض أهل العلم يقبلون مثل هذا في الشواهد.
وكذلك ما روي عن أنس بلفظ: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحتْ
стр. 1544
صلح له سائر عمله، وإن فسدتْ فسد له سائر عمله".
رواه الطبراني في الأوسط "مجمع البحرين" (٥٣٢) من طريق إسماعيل بن عيسى الواسطي، ثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، ثنا القاسم بن عثمان، عن أنس مرفوعًا. وفيه القاسم بن عثمان ضعّفه البخاري والدارقطني وغيرهما.
ورواه أيضًا من طريق روح بن عبد الواحد القرشي، ثنا خليد بن دعلج، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا ولفظه: "أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة ينظر في صلاته، فإن صلحت فقد أفلح، وإن فسدت فقد خاب وخسر".
وفيه روح بن عبد الواحد ضعيف، غمزه ابن عدي، وقال العقيلي: لا يتابع عليه. وخليد بن دعلج السدوسي البصري ضعيف أيضًا ضعَّفه ابن معين وأحمد وأبو داود وغيرهم.
وكذلك ما رُوِي عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "أول ما يسأل العبد عنه ويحاسب به صلاته، فإن قبلتْ منه قبل سائر عمله، وإن ردت عليه رد عليه سائر عمله". أخرجه السلفي في "الطيوريات" كما قال الشيخ الألباني ﵀، وفيه عطية العوفي وهو ضعيف.
معنى الحديث:
قال أبو بكر بن العربي في "عارضة الأحوذي": يحتمل أن يكون يكمل له ما نقص من فرض الصلاة وأعدادها بفضل التطوع، ويحتمل ما نقصه من الخشوع، والأول عندي أظهر لقوله - ثم الزكاة كذلك، وسائر الأعمال، وليس في الزكاة إلا فرض، أو فضل، فكما يكمل فرض الزكاة بفضلها كذلك الصلاة، وفضل الله أوسع، ووعده أنفذ، وعزمه أعم وأتم".
وقال العراقي: "يحتمل أن يراد به ما انتقصه من السنن والهيئات المشروعة فيها من الخشوع والأذكار والأدعية، وأنه يحصل له ثواب ذلك في الفريضة، وإن لم يفعله فيها، وإنما فعله في التطوع، ويحتمل أن يراد به ما انتقص أيضًا من فروضها وشروطها، ويحتمل أن يراد ما ترك من الفرائض رأسًا فلم يصله فيعوض عنه من التطوع. والله يقبل من التطوعات الصحيحة عوضًا عن الصلوات المفروضة" "تحفة الأحوذي" (٢/ ٤١٣ - ٤٦٤).
وأما ما رُوِي: ولا تُقبل نافلة المصلِّي حتى يُؤدي الفريضة" فهو ضعيف كما ذكره الشيخ المباركفوري صاحب "التحفة" (٢/ ٤٦٤).
٢١ - باب استحباب الانتقال للتطوع من مكان الفريضة، أو الفصل بالكلام
• عن عمر بن عطاء بن أبي الخُوار، أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب ابن أخت نَمر، يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة. فقال: نعم. صليتُ معه الجمعةَ في المقصورة. فلما سلَّم الإمامُ قُمت في مقامي فصلَّيْتُ، فلما دخل أرسل
стр. 1545
إليَّ فقال: لا تَعْدْ لما فعلتَ. إذا صلَّيتَ فلا تَصِلْها بصلاةٍ حتى تكلَّم أو تخرجَ. فإن رسولَ الله ﷺ أمرنا بذلك. أن لا تُوصل صلاةٌ بصلاةٍ حتى نتكلَّم، أو نخرجَ.
صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٨٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة وهو في المصنف (٢/ ١٣٩) حدثنا غندر، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخُوار فذكره.
ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٥٥٣٤) وعنه أبو داود (١١٢٩) عن ابن جريج به مثله. وفيه السائب هو: ابن يزيد ابن أخت نمر.
والمقصورة: هي الحجرة المبنية في المسجد أحدثها معاوية بعد ما ضربه الخارجي.
• عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فقام رجل يُصلِّي فرآه عمر فقال له: اجلسْ، فإنما هلك أهل الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم فصلٌ، فقال رسول الله ﷺ : "أحسنَ ابن الخطاب".
صحيح: رواه أحمد (٢٣١٢١) عن محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الأزرق بن قيس، عن عبد الله بن رباح، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ فذكره.
ورواه أبو يعلى (٧١٣٠ تحقيق الأثري) عن محمد بن بشار، حدثنا محمد (وهو ابن جعفر) به مثله، وإسناده صحيح.
قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٣٤): "رواه أحمد وأبو يعلى ورجال أحمد رجال الصحيح"، وهو كما قال إلا أن رجال أبي يعلى مثله غير شيخه محمد بن بشار وهو: ابن عثمان العبدي أيضًا من رجال الشيخين.
وأما ما رواه أبو داود (١٠٠٧) عن عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا أشعث بن شُعبة، عن المنهال بن خليفة، عن الأزرق بن قيس قال: صلى بنا إمام لنا يُكنَّى أبا رِمْثة فقال: صليت هذه الصلاة، أو مثل هذه الصلاة مع النبي ﷺ قال: وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصف المقدم عن يمينه، وكان رجل قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة، فصلى نبي الله، ثم سلَّم عن يمينه وعن يساره حتى رأينا بياض خديه، ثم انفتل كانفتال أبي رِمْثَة. يعني نفسه، فقام الرجل الذي أدرك معه التكبيرة الأولى من الصلاة يشفعُ، فوثب إليه عمر، فأخذ بمنكِبِه فهزَّه ثم قال: اجلس فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلواتهم فصل، فرفع النبي ﷺ بصرَه فقال: "أصاب الله بك يا ابن الخطاب".
ففيه أشعث بن شعبة، قال فيه أبو حاتم: لين. ولم بوثقه غير ابن حبان، ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول".
والمنهال بن خليفة العجلي أبو قدامة الكوفي "ضعيف"، وقال فيه البخاري: صالح فيه نظر، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن حبان: كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير لا يجوز الاحتجاج به.
وأما الحاكم (١/ ٢٧٠)، فقال: صحيح على شرط مسلم، وهذا وهم منه رحمه الله تعالى،
стр. 1546
ولذا تعقبه الذهبي بقوله: "المنهال ضعَّفه ابن معين وأشعث فيه لين، والحديث منكر".
وكذلك ما رُوي عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله: "أيعجز أحدكم أن يتقدم، أو يتأخر، أو عن يمينه أو عن شماله" يعني في السبحة.
رواه أبو داود (١٠٠٦)، وابن ماجه (١٤٢٧) كلاهما من طريق ليث، عن حجاج بن عبيد، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده ضعيف لوجود الضعفاء والمجاهيل في الإسناد.
منهم: ليث وهو: ابن أبي سليم وهو ضعيف، وشيخه الحجاج بن عبيد، وشيخه إبراهيم بن إسماعيل وهو: الحجازي مجهولان.
قال البخاري في التاريخ الكير (١/ ٣٤٠) بعد أن ساق الإسناد من طريق لبث به، ومن وجه آخر عن ليث، عن أبي حمزة حُدَّثْتُ به عن أبي هريرة.
"لم يثبت هذا الحديث".
وقال في صحيحه (٢/ ٣٣٤) في كتاب الأذان في باب مكث الإمام في مصلاه: ويُذكر عن أبي هريرة رفعه: لا يتطوع الإمام في مكانه: ولم يصح".
قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٣٣٥) معلّقًا على قول البخاري: وذلك لضعف إسناده واضطرابه، وتفرد به ليث بن أبي سُلَيم وهو ضعيف".
قلت: ولكن ليس في الحديث ذكر الإمام، وإنما فيه العموم، ويدخل فيه أيضًا الإمام.
وكذلك ما رُوِي عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُصل الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحول" رواه أبو داود (٦١٦) قال: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا عبد العزيز بن عبد الملك القرشي، حدثنا عطاء الخراساني، عن المغيرة بن شعبة فذكره.
قال أبو داود: عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة بن شعبة.
قلت: مات المغيرة بن شعبة الصحابي المشهور سنة خمسين على الصحيح، وعطاء وهو: ابن أبي مسلم أبو عثمان الخراساني ولد في هذه السنة، ومات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو صدوق بهم كثيرًا، ويُرسل ويُدلس، ففي الإسناد انقطاع.
ورواه ابن ماجه (١٤٢٨، ١٤٢٩) من وجه آخر عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن المغيرة بلفظ: "لا يُصلي الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة، حتى يتنحَّى عنه" وفيه مع الانقطاع عثمان بن عطاء بن أبي مسلم الخراساني ضعيف، ضعَّفه ابن معين وغيره.
وقال الحاكم أبو عبد الله: يَروي عن أبيه أحاديث موضوعة.
فقه الباب:
وأحاديث الباب تدل على أن لا يَصِل المكتوبة بالتطوع من غير فصلٍ خشية الالتباس، وقد
стр. 1547
أرشد النبي ﷺ إلى ذلك بأن يتقدم أو يتكلم، ويدل عليه حديث معاوية، وحديث التنحي وإن لم يثبت ففي حديث معاوية "أن يخرج" قريب منه. فمن اشتغل بعد السلام بالأذكار المأثورة فإن ذلك يكفي، وعليه جمهور أهل العلم لقوله في حديث معاوية: "أو يتكلم".
وقال الحنفية: لا بأس أن يتطوع قبل الذكر المأثور في مكانه عقب الفرائض فإن السلام يفصل بينهما.
وأما الإمام فكره الجمهور أن يتطوع في مكانه بعد صلاته وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق ورُوي ذلك عن علي وغيره. وما رواه البخاري عن نافع قال: "كان ابن عمر يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة" كان مأمومًا لا إمامًا.
وفيه إشارة إلى أن البخاري يرجح للمأموم أن يصلي في مكانه.
قلت: وهو الذي قال به الجمهور على أن يفصل بالأذكار المأثورة، أو الكلام كما تقدم، وبه كان يأمر ابن عباس كما رواه عطاء عنه أنه كان يأمر إذا صلى أحد المكتوبة، أن يتكلم أو يتقدم، وروي مثل هذا عن ابن عمر أنه كان يكره أن يصلي النافلة في المكان الذي يصلي فيه المكتوبة حتى يتقدم أو يتأخر أو يتكلم.
• * *
стр. 1548
جموع أبواب السهو
١ - باب ما جاء في سجدتي السهو والبناء على اليقين
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إنّ أحدكم إذا قام يُصلي، جاءه الشيطان، فلَبَسَ عليه. حتى لا يدري كم صلَّى؟ فإذا وجد أحدكم فليسجد سجدتين، وهو جالس".
متفق عليه: رواه مالك في السهو (١) عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحن بن عوف، عن أبي هريرة فذكره.
ورواه البخاري في السهو (١٢٣٢) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في المساجد (٨٢) عن يحيى بن يحيى - كلاهما عن مالك به مثله.
ورُوِي مثل هذا أيضًا عن أبي سعيد الخدري ولفظه: "إذا صلى أحدكم فلم يدرِ زاد أم نقص، فليسجد سجدتين وهو قاعد، فإذا أتاه الشيطان فقال: إنك قد أحدثتَ فليقل: كذبتَ، إلا ما وجد ريحًا بأنفه، أو صوتًا بأذنه".
رواه أبو داود (١٠٢٩)، والترمذي (٣٩٦)، وابن ماجة (١٢٠٤) كلهم من طريق إسماعيل بن إبراهيم (المعروف بابن علية) عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عياض (يعني ابن بلال) عن أبي سعيد الخدري فذكره واللفظ لأبي داود، واختصر الترمذي وابن ماجة في قوله: "إذا صلى أحدكم فلم يَدرِ كم صلى فليسجد سجدتين وهو جالس".
قال الترمذي: "حسن".
قلت: بل إسناده ضعيف، فإن عياض بن بلال، وقيل: ابن أبي زهير كذا ترجمه ابن حبان في الثقات (٥/ ٢٦٦) لم يوثقه غيره، تفرد بالرواية عنه يحيى بن أبي كثير، ولذا قال الحافظ في التقريب: "مجهول" وترجمه باسم: عياض بن هلال.
قال الترمذي: "وقد رُوي هذا الحديث عن أبي سعيد من غير هذا الوجه".
قلت: إنه يقصد حديث أبي سعيد الآتي ذكره في البناء على اليقين، ثم سجود سجدتي السهو وعليه جمهور أهل العلم، ولكن ذهب الحسن البصري وبعض السلف إلى ظاهر هذه الأحاديث، فقالوا: إن المصلي إذا شك فلم يدرِ زاد أو نقص، فليس عليه إلا سجدتان.
وقال الجمهور: إنّ حديث أبي هريرة مجمل يفسره حديث أبي سعيد الخدري الآتي وهو: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثًا أو أربعًا؟ فليطرح الشكَّ، ولْيَيْنِ على ما استيقن، ثم
стр. 1549
يسجد سجدتين قبل أن يُسلم"، لقد صدق الإمام أحمد رحمه الله تعالى عند ما قال: "الحديث يفسر بعضه بعضًا".
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا نُوديَ بالصلاة أدبر الشيطانُ وله ضراطٌ حتى لا يسمعَ الأذانَ، فإذا قُضِي الأذانُ أقبل، فإذا ثُوَّبَ بها أدْبَر، فإذا قُضِي التثويبُ أقبل حتى يَخطِرَ بين المرءِ ونفسه، يقول: أذكر كذا وكذا - ما لم يكن يذكرُ - حتى يَظَلَّ الرجلُ إن يدري كم صلَّى، فإذا لم يدْرِ أحدُكم كم صلَّى - ثلاثًا أو أربعًا - فليسجد سجدتين وهو جالس".
متفق عليه: رواه البخاري في السهو (١٢٣١)، ومسلم في المساجد (٨٣: الرقم الصغير) كلاهما من طريق هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة فذكر مثله ولفظهما سواء. ورواه مسلم من وجه آخر وزاد فيه: "فهنَّاه ومنَّاه، وذَكَّره من حاجاته ما لم يكُن يذكرُه".
وقوله: "إن يدري" إن هنا نافية بمعني ما.
وقوله: "فهنَّاه" ذكَّره المهانئ، و "منَّاه" عرضَ له الأماني، والمراد به: ما يعرض للإنسان في صلاته من أحاديث النفس ومواعيد الشيطان الكاذبة.
وقوله: "ثُوَّب" التثويب بالصلاة - إقامتها، والنداء بها. "جامع الأصول" (٥/ ٥٤٨).
• عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدْر كم صلَّى؟ ثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرح الشكَّ، وليبْن على ما استيقَ، ثم يسجدْ سَجْدتين قبل أن يُسلِّم. فإن كان صلى خمسًا شفعنَ له صلاتَه، وإن كان صلَّى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان".
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٧١) من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري فذكر مثله.
اختلف على زيد بن أسلم فرواه عنه سليمان بن بلال كما رأيت موصولًا، وكذلك رواه كل من:
هشام بن سعد. أسند عنه أبو عوانة (٢/ ١٩٣) قال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبا ابن وهب، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم بمثل حديث سليمان بن بلال بتمامه.
وأبو غسان وهو محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم. أسند عنه أيضًا أبو عوانة وأحمد (٣/ ٨٧). وعبد العزيز بن أبي سلمة، عن زيد بن أسلم. أسند عنه أيضًا أبو عوانة والنسائي (١٢٣٩)، وأحمد (٣/ ٨٤).
وفليح بن سليمان، عن زيد بن أسلم، أسند عنه أحمد (٣/ ٧٢) عن يونس بن محمد، ثنا فليح
стр. 1550
ابن سليمان به.
ومحمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم. أسند عنه أبو داود (١٠٢٤)، والنسائي (١٢٣٨)، وابن ماجة (١٢١٠).
وزاد أبو داود وابن ماجة واللفظ لابن ماجة: "فإن كانت صلاته تامةً كانت الركعةُ نافلةً، وإن كانت ناقصهً كانت الركعةُ لتمام صلاته، وكانت السجدتان رغْم أنْفِ الشيطان".
وفي لفظ أبي داود: "مُرَغّمَتَي الشيطان" وصحّحه الحاكم (١/ ٣٢٧) على شرط مسلم، إلا أن محمد بن عجلان روي له مسلم متابعة، ومن عادة الحاكم أنه لا يفرق بين الأصالة والمتابعة.
وداود بن قيس، عن زيد بن أسلم بهذا الإسناد رواه مسلم في صحيحه عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثني عمي عبد الله (ابن وهب) حدثني داود بن قيس به موصولًا كما قال سليمان بن بلال.
ولكن روى البيهقي (٢/ ٣٣١) من طريق بحر بن نصر قال: قرئ على ابن وهب: أخبرك مالك بن أنس وداود بن قيس وهشام بن سعد أن زيد بن أسلم حدثهم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله ﷺ قال: فذكر الحديث.
قال البيهقي: إلا أن هشامًا بلغ به أبا سعيد الخدري، هكذا رواه بحر بن نصر الخولاني وغيره، عن ابن وهب، ورواه أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، عن عمه ابن وهب فجعل الوصلَ لداود بن قيس، ثم رواه من طريق أبي بكر بن إسحاق، ثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب به وقال: "ورواه مسلم في الصحيح عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، ورواية بحر بن نصر كأنها أصح. وقد وصل الحديث جماعة، عن زيد بن أسلم مع سليمان بن بلال وهشام بن سعده". انتهى.
قلت: لم يذكر هذا الإسناد ابن خزيمة في صحيحه (١٠٢٤).
وإنما رواه من طرق أخرى موصولة عن أبي سعيد الخدري منها يونس بن عبد الأعلى، نا ابن وهب، أخبرني هشام - وهو ابن سعد به.
فلعله أورده في المسند الكبير.
وأما مالك فأرسله عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، الصلاة: (٦٢) قال ابن عبد البر: هكذا رواه جميع الرواة عن مالك إلا ما رُوي عن الوليد بن مسلم، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ . "الاستذكار" (٤/ ٣٤٨).
قال أبو داود بعد أن روى من طريق مالك ويعقوب بن عبد الرحمن القاري مرسلًا: "كذلك رواه ابن وهب عن مالك، وحفص بن ميسرة، وداود بن قيس، وهشام بن سعد إلا أن هشامًا بلغ به أبا سعيد الخدري".
ومعنى هذا أن مالك لم ينفرد بإرسال هذا الحديث بل تابعه أيضًا حفص بن ميسرة وداود بن قيس ويعقوب بن عبد الرحمن القاري.
стр. 1551
فيظهر منه أن زيد بن أسلم كان يروي على وجهين مرسلًا وموصولًا. وذلك يعود إلى نشاطه وعدمه، فإذا نشط أوصل، وإن لم ينشط أرسل كما هو معلوم في علم الحديث. فالحجة مع من عنده الزيادة وهي الوصل. وبهذا صحَّ حديث أبي سعيد الخدري، وكان مسلم رحمه الله تعالى مصيبًا في اختيار الموصول.
هذا ما يتعلّق بالإمام الذي قام إلى الخامسة، فسبّح له فلم يلتفت وظنّ أنّه لم يسْهُ، فهل يقوم المأمومون معه أو لا؟ أجاب شيخ الإسلام فقال: "إن قاموا معه جاهلين لم تبطل صلاتهم، ولكن مع العلم لا ينبغي لهم أن يتابعوه بل ينتظرونه حتَّى يسلِّم بهم، أو يسلِّموا قبله، والانتظار أحسن". مجموع الفتاوي (٢٣/ ٥٣).
• عن عثمان بن عفان قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني صلَّيتُ فلم أدر أشفعتُ أم أوترتُ؟ فقال رسول الله ﷺ : "إيايَ، وأن يتلعَّبَ بكم الشيطانُ في صلاتكم، من صلَّى منكم فلم يدرِ أشَفَعَ أو أوْتَر، فليسجدْ سجدتين، فإنهما تمام صلاته".
حسن: رواه الإمام أحمد (٤٥٠) عن محمد بن عبد الله بن الزبير، حدثنا مسَرَّةُ بن معبد، عن يزيد بن أبي كَبْشَة، عن عثمان بن عفان فذكر مثله.
وفي الإسناد مسرة بن معبد اللخمي الفلسطيني المقدسي قال فيه أبو حاتم: "شيخ ما به بأس"، ومثله يحسن حديثه.
وشيخه يزيد بن أبي كبشة السكسكي كان معروفًا في عصره، قال البخاري: كان عريف السكاسك، وذكره الهيثم بن عدي ومجالد بن سعيد فيمن وَلِيَ العراقين، وجاء له ذكر في صحيح البخاري في كتاب الجهاد (٢٩٩٦) إن إبراهيم أبا إسماعيل السكسكيّ قال: سمعتُ أبا بردة، واصطحب هو ويزيد بن أبي كبشة في سفر، فكان يزيد يصومُ في السفر فقال له أبو بردة: سمعتُ أبا موسى مرارًا يقول: قال رسول الله ﷺ : "إذا مرض العبد، أو سافر، كُتِب له مثلُ ما كان يعملُ مقيمًا صحيحًا".
ويظهر منه أن الرجل كان محمود السيرة، وجاء له ذكر في كتب الحديث والتاريخ، ولم نجد فيها من تكلم فيه بسوء، وذكره ابن حبان في الثقات فمثله يحسن حديثه، وأما الحافظ فجعله في مرتبة "مقبول" على قاعدته وهي: أن كل من وثَّقه ابن حبان ولم يُوثِّقه غيره فهو "مقبول" عنده.
ولكن في الإسناد انقطاع فإن ابن أبي كبشة لم يسمع من عثمان، فإن بينهما مروان بن الحكم كما رواه عبد الله بن أحمد (٤٥١) عن يحيى بن معين وزياد بن أيوب، قالا: حدثنا سوَّار أبو عُمارة الرملي، عن مسرَّة بن معبد قال: صلى بنا يزيد بن أبي كبشة العصر، فانصرف إلينا بعد صلاته فقال: إني صلَّيتُ مع مروان بن الحكم، فسجد مثل هاتين السجدتين، ثم انصرف إلينا فأعلَمنا أنه
стр. 1552
صلَّى مع عثمان وحدَّث عن النبي ﷺ فذكر مثله نحوه، فأقام سوَّار بن عمارة أو سوَّار أبو عُمارة
هذا الإسناد وهو "صدوق" قال فيه النسائي: ليس به بأس.
وحديث عثمان هذا مثل حديث أبي هريرة مجمل، يفسره حديث أبي سعيد الخدري.
• وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إذا صلَّى أحدكم فلا يدري كم صلَّى، ثلاثًا أو أربعًا، فليركع ركعة، يُحسن ركوعَها وسجودَها، ويسجد سجدتين".
صحيح: رواه ابن خزيمة (١٠٢٦)، والحاكم (١/ ٢٦٠، ٣٢٢) كلاهما من حديث أيوب بن سليمان بن بلال، حدثني أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن عمر بن محمد بن زيد، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر فذكر مثله.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه الزّيادة من ذكر الرابعة.
• عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "إذا شكَّ أحدكم في صلاته فلم يدرِ اثنين صَلَّى، أو ثلاثًا، فليلق الشك، ولين على اليقين".
صحيح: رواه البيهقي في "الكبري" (٢/ ٣٣٣) عن أبي عبد الله الحافظ في "الفوائد الكبير" لأبي العباس، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة، أنبأ جعفر، أنبأ سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس فذكره. وإسناده صحيح وجعفر هو: ابن عون ثقة من رجال الشيخين.
وله شاهد من حديث عبد الرحمن بن عوف وفيه مقال رواه الترمذي (٣٩٨)، وابن ماجة (١٢٠٩) كلاهما من حديث محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن كُريب، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "إذا سها أحدكم في صلاته فلم يَدرِ واحدًة صلَّى أو ثنتين فليبْنِ على واحدةٍ، فإن لم يدرِ ثِنتين صلَّى أو ثلاثًا فليبْنِ على ثِنْتين، فإن لم يدرِ ثلاثًا صلَّى أو أربعًا فليبْنِ على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يُسلِم".
قال الترمذي: حسن صحيح، وفي نسخة: حسن غريب صحيح.
قلت: فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن إلا أنه صرَّح بالتحديث في رواية أبي يعلى (٨٣٩).
ورواه الحاكم (١/ ٣٢٤) من طريق محمد بن سلمة به، وذكر فيه قصة عمر بن الخطاب مع ابن عباس وهو قول ابن عباس: جلستُ إلى عمر بن الخطاب وهو خليفة فقال: يا ابن عباس! ما سمعت من رسول الله ﷺ أو من أحد من أصحابه ما يذكر ما أمر به رسول الله ﷺ إذا بها المرء في صلاته؟ قلت: لا، أو ما سمعت يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، فدخل علينا عبد الرحمن بن عوف فقال: فيما أنتما؟ فقال عمر: سألته هل سمع رسول الله ﷺ أو من أحد من أصحابه بذكر ما أمر به رسول الله ﷺ إذا سها المرء في صلاته، فقال عبد الرحمن: عندي علم من ذلك، فقال عمر: هلم فأنت العدل الرضا، فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا شك أحدكم في الاثنتين
стр. 1553
فليجعلهما واحدة، وإذا شك في الاثنتين والثلاث فليجعلهما اثنتين، وإذا شك في الثلاث والأربع فليجعلهما ثلاثًا ثم يتم ما بقي من صلاته حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم يسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يسلم".
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، شاهد لحديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان.
قلت: حديث عبد الرحمن بن ثابت رواه الحاكم من طريق عمار بن مطر الرهاوي، عنه، عن أبيه، عن مكحول، عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: قال رسول الله ﷺ : "من سها في صلاته في ثلاث، أو أربع فليتم، فإن الزيادة خير من النقصان".
وقال: صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي فقال: عمار تركوه.
قلت: مع تدليس ابن إسحاق فإنه اختلف عليه فرواه أحمد (١٦٧٧) عن إسماعيل ابن علية، عن ابن إسحاق، عن مكحول مرسلًا، قال محمد بن إسحاق: وقال لي حسين بن عبد الله: هل أسنده لك؟ فقلت: لا. فقال: لكنه حدثني أن كريبًا مولى ابن عباس حدَّثه عن ابن عباس قال: جلستُ إلى عمر بن الخطاب فذكر القصة كما مضت، وحسين ضعيف جدَّا، وهكذا أخرجه أيضًا البيهقي (٢/ ٣٣٢) وقال: "فصار وصل الحديث الحسين بن عبد الله وهو ضعيف. إلا أن له شاهدا من حديث مكحول".
وهو يقصد به حديث عبد الرحمن بن ثابت، عن أبيه، عن مكحول كما سبق، ومكحول أيضًا مدلس وقد عنعن.
وللحديث طرق أخرى موصولة إلا أنها كلها ضعيفة ذكرها الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (٢/ ٥) وقال: "هو حديث معلول" فهو يتردد بين انقطاع وموصول ضعيف مع التدليس.
٢ - باب ما جاء في سجود السّهو بعد التسليم
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين. فقال له ذو اليدين: أقَصُرَتِ الصلاةُ أم نسيتَ يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "أصدق ذو اليدين؟ " فقال الناس: نعم. فقام رسولُ الله ﷺ ، فصَلَّى ركعتين أُخْرَيين، ثم سلَّم، ثم كبَّر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع، ثم كبَّر فسجد مِثل سجوده أو أطولَ، ثم رفع متفق عليه: رواه مالك في الصلاة (٥٨) عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة فذكر مثله.
ورواه البخاري في الأذان (٧١٤) عن عبد الله بن مسلم، وفي السهو (١٢٢٨) عن عبد الله بن يوسف، كلاهما عن مالك به مثله، ورواه مسلم في المساجد (٥٧٣) من طرق عن أيوب به وفيه: صلَّى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتَي العَشي. إما الظهرَ وإما العصرَ، فسَلَّم من ركعتين، ثم أتى
стр. 1554
جذْعًا في قبلة المسجد فاستند إليها مُغْضَبًا. وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يتكلما. وخرج سَرَعَانُ الناس فقالوا: قُصِرت الصلاة. فقام ذو اليدين فذكر مثله.
ورواه البخاري (١٢٢٩) من طريق يزيد بن إبراهيم، عن محمد بن سيرين به مثله.
ورواه أيضًا مالك (٥٩) عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد أنه قال: سمعتُ أبا هريرة يقول فذكر مثله.
وفيه: "فقام رسول الله ﷺ فأتم ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين بعد التسليم، وهو جالس". ورواه مسلم في المساجد (٥٧٣/ ٩٩) عن قتيبة بن سعيد، عن مالك به مثله.
ورواه البخاري في الصلاة (٤٨٢) من وجه آخر عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: صَلَّى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتَي العَشِيّ. قال ابن سيرين: سمَّاها أبو هريرة، ولكن نسيتُ أنا، قال: فصلى بنا ركعتين ثم سلَّم، فقام إلى خَشَبةٍ معروضةٍ في المسجد فاتكأَ عليها كأنَّه غضبانُ، ووضع يده اليُمنى على اليُسرى، وشبَّكَ بين أصابعه، ووضع خدَّه الأيمن على ظهر كفَّه اليُسرى، وخرجتِ السَّرعانُ من أبواب المسجد فذكر بقية الحديث مثله.
وفيه بعد قوله: "ثم سلَّم"، "ثم كبَّر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبَّر، ثم كبَّر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبَّر، فربما سألوه: ثم سلَّم"؟ فيقول: نبئتُ أن عمران بن حصين قال: "ثم سلَّم".
أي لم يذكر في حديث أبي هريرة التسليم بعد سجدتي السهو، وإنما ذكر في حديث عمران كما سيأتي، وحديث أبي هريرة رواه أيضًا الترمذي (٣٩٤) من طريق هُشيم، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عنه ولفظه: "إن النبي ﷺ سجدهما بعد السلام".
وحديث ذي اليدين رواه أيضًا عمران بن حصين وعبد الله بن عمر كما سيأتي واسمه: الخرباق.
• عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ صَلَّى العصر فسلَّم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخِرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله! فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجرُّ رداءَه حتى انتهى إلى الناس فقال: "أصدق هذا؟ " قالوا: نعم. فصلَّى ركعةً، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين، ثم سلَّم.
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٧٤) من طريق عبد الوهاب الثقفي، وإسماعيل بن إبراهيم (المعروف بابن عُلية) كلاهما عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين فذكر مثله.
وشذّ فيه أشعث بن عبد الملك الحمراني فرواه عن محمد بن سيرين، عن خالد الحذاء وزاد فيه: "ثم تشهد ثم سلم"، رواه من طريقه أبو داود (١٠٣٩)، والترمذي (٣٩٥) وقال: "حسن غريب"، والحاكم (١/ ٣٢٣)، وقال: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، إنما اتفقا على
стр. 1555
حديث خالد الحذاء، عن أبي قلابة، وليس فيه ذكر التشهد لسجدتي السهو".
قلت: فيه أبو المُهَلَّب عم أبي قلابة، لم يخرج له البخاري، وإنما أخرج له مسلم، وأشعث بن عبد الملك وإن كان ثقة إلا أنه خالف الحفّاظ عن ابن سيرين، فإن المحفوظ عن ابن سيرين في حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد، ولذا ضعَّفه البيهقي وابن عبد البر، وقال ابن حبان: ما روى ابن سيرين، عن خالد غير هذا الحديث. وروى السراج من طريق سلمة بن علقمة في هذه القصة "قلت لابن سيرين: فالتشهد؟ قال: لم أسمع في التشهد شيئًا، وقال ابن المنذر: "لا أحسب التشهد في سجود السهو يثبت"، وجعل الحافظ زيادة أشعث شاذة. انظر "فتح الباري" (٣/ ٩٨، ٩٩).
وبوَّب البخاري بقوله: باب من لم يتشهد في سجدتي السهو وأخرج فيه حديث ذي اليدين وفيه: "فصلَّى اثنتين أخريين ثم سلَّم، ثم كبَّر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع" وقال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد، عن سلمة بن علقمة قال: قلت لمحمد (ابن سيرين): في سجدتي السهو تشهدٌ؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة". انتهى.
قلت: في الموضوع تفصيل: تبويب البخاري يوافق الحديث الذي رواه من طريق محمد بن سيرينَ عن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين فذكر الحديث فسجد سجدتي السهو بعد السلام ولم يتشهد فيهما.
وروى أبو داود (١٠١٠) من طريق سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ بمعنى حماد كله، إلى آخر قوله: نُبِّئْتُ أن عمران بن حصين قال: ثم سَلَّم، قال: قلت: فالتشهد؟ قال: لم أسمع في التشهد، وأحب إلي أن يتشهد.
والعلماء مختلفون في هذا. فحكى الترمذي عن أحمد وإسحاق بأن من سجد سجدتي السهو بعد السلام فإنه يتشهد. وهو قول بعض المالكية والشافعية.
وقال النووي في "الخلاصة" (٢٢٢٩): "إن الأخبار الصحيحة تدل على أنه: وإن سجدهما بعد السلام لم يتشهد لهما"، وأما من سجد سجدتي السهو قبل السلام فالجمهور على أنه لا يتشهد، فإن التشهد الأول يغنيه.
• عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ سَهَا فَسَلَّم في الركعتين، فقال له رجل يقال له ذو اليدين: يا رسول الله! أَقَصُرتُ أو نَسيتَ؟ قال: "ما قَصُرَتْ وما نسيتُ" قال: إذًا فَصليتَ ركعتين. قال: "أكما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: نعم. فتقدم فصلى ركعتين، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتي السهو.
صحيح: رواه أبو داود (١٠١٧)، وابن ماجة (١٢١٣) عن أبي كريب الهمداني، عن أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر فذكر مثله. واللفظ لابن ماجة، لأن أبا داود أحال على لفظ حديث أبي هريرة.
стр. 1556
وإسناده صحيح، وأبو أسامة هو: حماد بن أسامة القرشي مولاهم، الكوفي أبو أسامة، مشهور بكنيته من رجال الجماعة.
وأبو كريب هو: محمد بن العلاء بن كُريب الهمداني، أبو كريب، مشهور بكنيته، وهو من رجال الجماعة.
وأخرجه أيضًا ابن خزيمة (١٠٣٤) عن محمد بن العلاء الهمداني، (أبو كريب)، وبشر بن خالد العسكري، كلاهما عن أبي أسامة به مثله.
وقال: "هذا خبر ما رواه عن أبي أسامة غير أبي كُريب وبشر بن خالد".
قلت: وهو ليس كما قال، فقد رواه أيضًا أحمد بن محمد بن ثابت وهو ثقة - رواه عنه أبو داود، وأحمد بن سنان القطان - وهو من الثقات الأثبات، وعلي بن محمد بن إسحاق الطنافسي ثقة عابد - روى عنهما ابن ماجة.
وقد انتقد الزيلعيُّ الدارقطنيَّ في قوله: لا نعلم حدَّث به غير أحمد بن سنان قائلًا: "والعجب من الدارقطني وعلو مرتبته كيف يقول مثل هذا؟ ، وقد رواه أبو كريب وأحمد بن ثابت وبشر بن خالد، ولكن تخلص بقوله: لا نعلم والله أعلم". انتهى. "نصب الراية" (٢/ ٦٨).
وذو اليدين: هو السلمي، يقال له: الخِرباق كما سيأتي في حديث عمران بن حصين عن مسلم، وسُمي بذي اليدين لما في يديه من طول، فكان يعمل بهما، وبقي بعد وفاة النبي ﷺ يحدث بهذا الحديث. ومات في خلافة عمر.
والذي رواه مالك في الصلاة (٦٠) عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة قال: بلغني أن رسول الله ﷺ ركع ركعتين من إحدى صلاتي النهار. الظهر أو العصر فسَلَّم من اثنتين. فقال له ذو الشمالين ... إلخ الحديث.
وذو الشمالين هو: عمير بن عمرو بن غبشان الخزاعي، قتل يوم بدر، وهو غير المتكلم في حديث السهو.
هذا قول الحفاظ إلا الزهري فقال: هو هو. واتفقوا على تغليط الزهري في هذا، وإنه لم يُتابعْه عليه أحد.
قال الحافظ ابن عبد البر: "الزهري وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن، فالغلط لا يسلم منه بشر، والكمال لله تعالى".
وقد تكلمت في تحديد ذي اليدين بإسهاب في "المنة الكبرى" (٢/ ٤٧٦، ٤٧٩) فارجع إليه إن شئت للمزيد.
• عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ صَلَّى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: "ما ذاك؟ " قال: صلَّيتَ خمسًا. فسجد سجدتين بعد ما سلمَّ.
стр. 1557
متفق عليه: رواه البخاري في السهو (١٢٢٦)، ومسلم في المساجد (٩١ الرقم الصغير) كلاهما من حديث شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود فذكر مثله ولفظهما سواء.
ورواه الشيخان أيضًا - البخاري في الصلاة (٤٠١)، ومسلم - كلاهما من حديث جرير، عن منصور، عن إبراهيم به وفيه "فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلَّم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: "إنه لو حدث في الصّلاة شيء لنبَّأتُكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ فذكروني. فإذا شك أحدُكم في صلاته فليتحرَّى الصواب. فليُتِمَّ عليه، ثم ليُسلم، ثم يسجد سجدتين".
وفي روايةٍ عند مسلمٍ (٩٥) عن حفص وأبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم به. "أن النبي ﷺ سجد سجْدَتَي السهو بعد السلام والكلام".
قال الترمذي: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، قالوا: إذا صلَّى الرجلُ الظهرَ خمْسًا فصلاتُه جائزة، وسجد سجدتي السهو، وإن لم يجلس في الرابعة، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال بعضهم: إذا صلى الظهر خمسًا، ولم يقعد في الرابعة مقدار التشهد فسدتْ صلاته، وهو قول سفيان الثوري وبعض أهل الكوفة"، "الترمذي" (٢/ ٢٣٩).
وقال الخطابي: "قال أبو حنيفة: إن كان لم يقعد في الرابعة قدر التشهد، وسجد في الخامسة فصلاته فاسِدَة، وعليه أن يستقبل الصلاة. وإن كان قد قعد في الرابعة قدر التشهد فقد تمت له الظهر، والخامسة تطوع وعليه أن يضيف إليها ركعة، ثم يتشهد ويُسلِّم، ويسجد سجدتي السهو وتمت صلاته".
قال: "ومتابعة السنة أولى، وإسناد هذا الحديث إسناد لا مزيد عليه في الجودة في إسناد أهل الكوفة".
وأما ما رُوي عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: "لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم" فهو ضعيف، ضعَّفه الحافظ في بلوغ المرام، وسبقه البيهقي وابن الجوزي وعبد الحق وغيرهم.
قلت: رواه أبو داود (١٠٣٨) قال: حدثنا عمرو بن عثمان والربيع بن نافع وعثمان بن أبي شيبة، وشجاع بن مَخْلَد - بمعنى الإسناد - أن ابن عياش حدثهم عن عبيد الله بن عبيد الكَلاعي، عن زهير - يعني: ابن سالم العنسِيّ، عن عبد الرحمن بن جُبَير بن نُفَيْر، قال عمرو وحده: عن أبيه، عن ثوبان فذكر مثله.
ورواه ابن ماجة (١٢١٩) عن هشام بن عمَّار وعثمان بن أبي شيبة قالا: حدثنا إسماعيل بن عياش به مثله.
وزهير بن سالم العَنسِيّ لم يوثقه غير ابن حبان: وقال الدارقطني: "حمصي منكر الحديث، روي عن ثوبان ولم يسمع منه".
وقال البيهقي (٢/ ٣٣٧): وهذا إسناد فيه ضَعف، وحديث أبي هريرة وعمران وغيرهما في
стр. 1558
اجتماع عدد من السهو عن النبي ﷺ ، ثم اقتصاره على السجدتين يخالف هذا".
يعني أنّ سجدتي السهو تتكرّر بتكرر السهو، بينما حديث أبي هريرة وعمران يدلان على سجدتي السهو فقط ولو تكرر السهو، ثم قد تبين أنّ سجدتي السهو قد تكونان في بعض الصور قبل التسليم.
وللحديث أسانيد أخرى عند الطبراني وغيره وهي أضعف من هذا.
وكذلك ما رُوِي عن عائشة قالت: قال رسول الله: "سجدتا السهو لكل زيادة ونقصان" ضعيف رواه البزار "كشف الأستار" (٥٧٤) قال: حدثنا حُميد بن الربيع، ثنا محمد بن بكَّار، ثنا حكيم بن نافع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكر الحديث مثله.
ورواه أبو يعلى "المقصد العَلِيُّ" (٣٢١) عن إسماعيل بن إبراهيم، ثنا حكيم بن نافع به مثله.
وحكيم بن نافع هو الرقي قال فيه أبو زرعة: ليس بشيء، ووثقه ابن معين. وجاء عنه تليينه.
وهذه الحديث ساقه ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٦٣٩) عن أحمد بن محمد بن منصور الحاسب وعلي بن سعيد الرازي، قالا: حدثنا محمد بن بكار.
وقال: حدثنا حمد بن حفص، قال: حدثنا الترجماني، قالا: حدثنا حكيم بن نافع به، ولفظه "سجدتان تجزئان من كل زيادة ونقصان" ولم يقل الحاسب وعلي: "تجزئان".
قال ابن عدي: وهذا الحديث لا أعلم رواه عن هشام بن عروة غير حكيم بن نافع، وروي عن أبي جعفر الرازي، عن هشام بن عروة: ويقال: إن أبا جعفر هو: كنيةُ حكيم بن نافع، فكأنَّ الحديث رجع إلى أنه لم يروه عن هشام غير حكيم. انتهى.
قال الذهبي في الميزان (١/ ٥٨٦): "وساق له ابن عديٍّ أحاديث ما هي بالمنكرة جدًّا، وجاء عن ابن معين تلْيينه".
وفيه إشارة إلى تضعيف الحديث، وللحديث أسانيد أخرى أضعف منها.
٣ - باب ما جاء في سجود السهو قبل التسليم وأنه لا تشهد فيه
• عن عبد الله ابن بُحينة، أنه قال: صلَّى لنا رسولُ الله ﷺ ركعتين، ثم قام فلم يجلس، فقام الناس معه. فلما قضى صلاته، ونظرنا تسليمه، كبَّر، ثم سجد سجدتين، وهو جالس قبل التسليم، سَلَّم.
متفق عليه: رواه مالك في الصلاة (٦٥) عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن عبد الله بن بحينة فذكر مثله.
ورواه البخاري في السهر (١٢٢٤) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في المساجد (٥٧٠) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به مثله.
ورواه مالك (٦٦) عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عبد الله بن بحينة أنه
стр. 1559
صلاة الظهر.
ورواه البخاري (١٢٢٥) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به مثله.
ورواه مسلم من وجه آخر عن يحيى بن سعيد به.
ورواه الترمذي (٣٩١) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث به وفيه: "فلما أتم صلاته سجد سجدتين، يُكبِّر في كل سجدةٍ وهو جالس قبل أن يُسَلِّم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس".
وقال: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم. وهو قول الشافعي، يري سجدتي السهو كله قبل السلام، ويقول: هذا الناسخ لغيره من الأحاديث، ويذكر أن آخر فعل النبي ﷺ كان على هذا".
ثم نقل قول الإمام أحمد: "ما رُوي عن النبي ﷺ في سجدتي السهو فيُستَعمَلُ كل على جهته. يرى إذا قام في الركعتين على حديث ابن بحينة بسجدهما قبل السلام، وإذا صلَّى الظهر خمسًا فإنه يسجدهما بعد السلام، وإذا سلَّم في الركعتين من الظهر والعصر فإنه يسجدهما بعد السلام، كل يُستعمل على جهته. وكل سهو ليس فيه عن النبي ﷺ ذكر فإن سجدتي السهو فيه قبل السلام.
وقال إسحاق نحو قول أحمد في هذا كله، إلا أنه قال: كل سهو ليس فيه عن النبي ﷺ ذكر فإن كانت زيادةً في الصلاة يسجدهما بعد السلام، وإن كان نقصانًا يسجدهما قبل السلام".
وذكر أيضًا قول أهل الكوفة والثوري بأن سجدتي السهو بعد السلام دائمًا.
٤ - باب من قام من الركعتين فإن استوى فلْيَمْضِ وإلا فيجلس
• عن قيس بن أبي حازم قال: صَلَّى بنا المغيرة بن شعبة، فقام من الركعتين قائمًا، فقلنا: سبحان الله، فأومأ وقال: سبحان الله، فمضى في صلاته، فلما قضى صلاته وسلَّم، سجد سجدتين وهو جالس، ثم قال: صلى بنا رسول الله ﷺ فاستوى قائمًا من جلوسه، فمضى في صلاته، فلما قضى صلاته سجد سجدتين وهو جالس، ثم قال: "إذا صلَّى أحدُكم فقام من الجلوس، فإن لم يَسْتَتِم قائمًا فليجلس، وليس عليه سجدتان، فإن استوى قائمًا فَلْيَمْضِ في صلاته، ولْيَسْجُدْ سجدتين وهو جالس".
صحيح: رواه الطّحاوي في "شرحه" (٢٤٩٩) عن ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، عن إبراهيم بن طهمان، عن المغيرة بن شُبيل، عن قيس بن أبي حازم فذكر مثله.
وإسناده صحيح. وإبراهيم بن طهمان إمام ثقة إلا أن المزي لم يذكره من رواة المغيرة بن شُبيل، فلعله لم يقف على هذا الإسناد، وقد نصَّ الحافظ ابن حجر في "الإتحاف" (١٣/ ٤٣٥) على هذا الإسناد كما هو، وتابعه أيضًا قيس بن الربيع، عن المغيرة بن شيل، وقد نصّ الحافظ في "الإتحاف" على ذلك أيضًا.
стр. 1560
إلا أن الدارقطني (١٤١٩) رواه عن قيس بن الربيع، عن جابر (وهو الجعفي)، عن المغيرة بن شُبيل. فهل وقع خطأ؟ أو أن قيسًا يروي من وجهين وقد تغيّر لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدّث به. والله تعالى أعلم.
ورواه أبو داود (١٠٣٦)، وابن ماجة (١٢٠٨) من طريق جابر الجُعفي، عن المغيرة بن شُبيل به نحوه.
وجابر الجعفي ضعيف قال المنذري: لا يحتج به، وقال أبو داود: ليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث.
ثم رواه أبو داود (١٠٣٧)، والترمذي (٣٦٥) كلاهما من طريق يزيد بن هارون، عن المسعودي، عن زياد بن عِلاقَة قال: صلَّى بنا المغيرة بن شعبة فذكر نحوه.
قال ابن الملقن في "البدر المنير" (٤/ ٢٢٣): "صحَّ عن زياد بن علاقة قال (فذكر الحديث").
وقال الترمذي: "حسن صحيح، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ ".
قلت: وهو يشير إلى ما سبق، وكذلك قال البيهقي في "المعرفة" (٣/ ٢٨٦): "جابر لا يحتج به غير أنه يُروي من وجهين آخرين، وحديثه أشهرهما بين الفقهاء".
عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي المسعودي صدوق اختلط قبل موته.
قال الحافظ: وضابطه أن من سمع منه بغداد فبعد الاختلاط.
قلت: يزيد بن هارون ممن سمع منه بعد الاختلاط. ورواه عنه أبو داود الطيالسي في مسنده (٦٩٥) وهو أيضًا ممن سمع منه بعد الاختلاط. ولكن اجتماعهما وموافقة غيره يجعل القلب يطمئن بأنه لم يختلط في هذا.
• عن عمرو بن العاص أنه صلى بالناس، فقام عن تشهده. فصاح به الناس فقالوا: سبحان الله! سبحان الله، فصلَّى كما هو، فلما تم صلاته سجد سجدتين ثم قال: يا أيها الناس! إنه لم يخف عليَّ الذي أردتم، ولم يمنعني من الجلوس إلا الذي صنعت من السنة.
صحيح: رواه ابن أبي عمر العدني قال: ثنا حيوة، أخبرني يزيد بن أبي حبيب، حدثني عبد الرحمن بن شِماسة، قال: صلي عمرو بن العاص بالناس فذكره.
قال البوصيري: إسناد رجاله ثقات "إتحاف المهرة" (٢١٠٦).
قلت: وهو كذلك، وقوله: "من السنة" أي: من سنة النبي ﷺ وفيه إشارة إلى أنه ﷺ فعل كما فعلت، أو أمر به. لأن جمهور المحدثين على أن قول الصحابي: "من السنة" حكمه حكم المرفوع.
• عن عقبة بن عامر الجهني قام، وعليه جلوس، فقال الناس: سبحان الله،
стр. 1561
سبحان الله، فلم يجلس، ومضى على قيامه، فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين، وهو جالس، فلما سلَّم قال: إنِّي سمعتكم آنفًا تقولون: سبحان الله، لكيما أجلس، لكن السنة الذي صنعت.
صحيح: رواه الحارث بن أبي أسامة "بغية الباحث" (١٨٧)، والحاكم (١/ ٣٢٥) كلاهما من طريق يزيد بن أبي حبيب، أنه سمع عبد الرحمن بن شماسة المهري، يقول: صلى بنا عقبة بن عامر فذكر مثله واللفظ للحاكم. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
قلت: الصواب أنه على شرط مسلم، فإن عبد الرحمن بن شِماسة - بكسر الشين المعجمة من رجال مسلم وأنه ثقة. ويبدو أن القصة وقعت من عمرو بن العاص وعقبة بن عامر، وكان عبد الرحمن بن شِماسة قد حضر الصلاة معهما جميعًا.
• وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ صلى بهم صلاة العصر، أو الظهر، فقام في الركعتين، فسبَّحُوا به فمضى في صلاته. فلما قضى الصلاة سجد سجدتين، ثم سلَّم.
صحيح: رواه البزار "كشف الأستار" (٥٧٦) عن الحسن بن يحيى الأزدي، ثنا أبو زيد سعيد بن الربيع، ثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن ضمضم بن جَوس، عن أبي هريرة فذكر مثله.
قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ١٥١): رواه البزار ورجاله ثقات.
وفي الباب عن عطاء بن أبي رباح قال: صلي ابن الزبير بالناس صلاة المغرب، فسلَّم فيها - أي في الركعتين - ثم قام إلى الحجر يستلمه فسَبَّحُوه به، فرجع فصلَّى الركعة الباقية. ثم سلَّم، وسجد سجدتين. فذُكِر ذلك لابن عباس فقال: ما أماط سنة نبيه ﷺ .
وفي رواية: أصاب وأصابوا.
رواه أبو يعلى وأحمد والبزار وابن أبي شيبة وعبد الرزاق ومسدد وأبو داود الطيالسي والحارث بن أبي أسامة والبيهقي من طرق، عن عطاء بن أبي رباح ولكن لم يسلم منها شيء.
وعن سعد بن أبي وقاص رواه البزار "كشف الأستار" (٥٧٥)، وأبو يعلى وأحمد بن منيع والحاكم (١/ ٣٢٢، ٣٢٣) والصواب أنه موقوف كما قال البزار.
وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ١٥١): "قال أبو عثمان عمرو بن محمد الناقد: لم نسمع أحدًا يرفع هذا الحديث غير أبي معاوية".
٥ - باب الإقامة لمن نسي ركعة من الصلاة
• عن معاوية بن خُدَيج أن رسول الله ﷺ صلى يومًا فسلَّم، وبقيت من الصلاة ركعةٌ، فأدركه رجل فقال: نسيت من الصلاة ركعة. فرجع فدخل المسجد، وأمر
стр. 1562
بلالًا فأقام الصلاة، فصلَّى للناس ركعة. فأخبرتُ بذلك الناسَ، فقالوا لي: أتعرف الرجل؟ قلت: لا إلا أن أراه فمرَّ بي، فقلت: هذا هو، فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله.
صحيح: رواه أبو داود (١٠٢٣)، والنسائي (٦٦٤) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا الليثُ - يعني ابن سعد - عن يزيد بن أبي حبيب، أن سويد بن سعيد أخبره عن معاوية بن خُديج فذكر مثله.
وإسناده صحيح، ومعاوية بن خُديج - بضم الحاء وفتح الدال، صحابي صغير أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بشهرين، وكان ممن صلى وراء النبي ﷺ صلاة المغرب فسها فيها النبي، ﷺ فسلَّم في الركعتين، رواها الحاكم (١/ ٢٦١) من طريق يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب فذكر مثله.
قال الحاكم: اختصره الليث بن سعد، عن ابن أبي حبيب، ثم روى من طريقه وقال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، وهو من النوع الذي يطلبان للصحابي متابعًا في الرواية على أنهما جميعًا قد خرَّجا مثل هذا".
وصححه أيضًا ابن خزيمة (١٠٥٢، ١٠٥٣) فروي من وجهين عن الليث بن سعد مختصرًا، وعن يحيى بن أيوب مفصلا كما قال الحاكم.
وقال رحمه الله تعالى: "هذه القصة غير قصة ذي اليدين، لأن المعْلِم النبي ﷺ أنه سها في هذه القصة طلحةُ بن عبيد الله، ومخبرُ النبي ﷺ في تلك القصة ذو اليدين، والسهوُ من النبي ﷺ في قصة ذي اليدين إنما كان في الظهر أو العصر، وفي هذه القصة إنما كان السهوُ في المغرب لا في الظهر ولا في العصر.
وقصة عمران بن حصين قصة الخِرباق قصة ثالثة، لأن التسليم في خبر عمران من الركعة الثالثة، وفي قصة ذي اليدين من الركعتين، وفي خبر عمران دخل النبي ﷺ حجرته ثم خرج من الحجرة، وفي خبر أبي هريرة، قام النبي ﷺ إلى خشبة معروضة في المسجد، فكل هذه أدلة على أن هذه القصص هي ثلاث قصص، سها النبي ﷺ مرَّة فسلَّم من الركعتين، وسها مرة أخرى فسلَّم في ثلاث ركعاتٍ، وسها مرةً ثالثة فسلَّم في الركعتين من المغرب، فتكلَّم في المرات الثلاث، ثم أتمَّ صلاته". انتهى
فقه الحديث:
قوله: "وأمر بلالًا فأقام الصلاة" الظاهر منه إقامة الصلاة المعروفة، وكذلك بوَّبه أيضًا النسائي، وأوَّل البعضُ بأن المقصود منه إعلام الناس بالصلاة، لا الإقامة المعروفة.
قلت: الإقامة المعروفة أيضًا المقصود منها الإعلام بالصلاة فلا حاجة إلى تأويل قول النبي ﷺ .
стр. 1563
جموع الأوقات المنهي عنها عن الصلاة فيها
١ - باب ثلاث ساعات كان النبي ﷺ ينهى عن الصلاة فيها
• عن عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات كان رسولُ الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو نقبر فيهن موتانا: حين تطلعُ الشمسُ بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميلَ الشمسُ، وحين تضيف الشمسُ للغروب حتى تغربَ.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٣١) عن يحيى بن يحيى، حدثنا عبد الله بن وهب، عن موسى بن علي، عن أبيه، قال: سمعتُ عقبة بن عامر الجهني يقول: فذكر الحديث.
وقوله: "بازغة" - أي طالعة.
وقوله: "تضيَّف" إذا مالت للغروب.
• عن عمرو بن عَبَسَة السُلمي قال: قلت: يا نبي الله! أخبرني عمَّا علمَّك الله وأجهلُه. أخبرني عن الصلاة. قال: "صَلِّ صلاة الصبح. ثم أقْصر عن الصلاة حتى تطلعَ الشمسُ حتى ترتفعَ، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صَلِّ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرُّمح، ثم أقْصِر عن الصلاة فإن حينئذ تُسْجرُ جَهنمُ، فإذا أقبل الفيءُ فصَلِّ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تُصلِّي العصر، ثم أقْصِر عن الصلاة حتى تغربَ الشمسُ، فإنها تغربُ بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٣٢) عن أحمد بن جعفر المعقري، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أُمامة قال: قال عمرو بن عَبَسَة فذكر قصة إسلامه في حديث طويل سبق ذكره في ثواب الوضوء.
وقد رُوي هذا الحديث من مسند أبي أمامة نفسه أنه سأل النبي ﷺ فقال: ما أنت؟ قال: "نبي" قال: إلى من أُرسِلت؟ قال: "إلى الأحمر والأسود" قال: أيُّ حينٍ تكره الصلاة؟ قال: "من حين تصلي الصبح حتى ترتفع الشمس قدر رُمْح، ومن حين تصفرَّ الشمسُ إلى غروبها" قال: فأي الدعاء أسمع؟ قال: "شطر الليل الآخر وأدبار المكتوبات" قال: فمتى غروب الشمس؟ قال: "من أول ما تصفَرُّ الشمس حين تدخلها صفرةٌ إلى حين أن تغربَ الشمسُ".
أخرجه عبد الرزاق (٣٩٤٨) عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الرحمن بن سابط، أن أبا أمامة
стр. 1564
سأل النبي ﷺ فذكر مثله.
ورجاله ثقات، وابن جريج مدلس ولكنه صرَّح بالإخبار إلا أن عبد الرحمن بن سابط لم يسمع من أبي أمامة كما قال ابن معين، ففيه انقطاع.
ورواه الإمام أحمد (٢٢٢٤٥) وأبو يعلى "إتحاف الخيرة" (١٢٧٢)، والطبراني في الكبير (٨١٠٥، ٨١٠٧)، والحارث بن أبي أسامة "إتحاف الخيرة" (١٢٧١) كلهم من طريق ليث، عن ابن سابط، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تصلوا عند طلوع الشمس، فإنها تطلع بين قرنَي شيطان، ويسجدُ لها كلُّ كافر، ولا عند غروبها فإنها تغرب بين قرنَي شيطان، ويسجد لها كل كافر، ولا نصفَ النهار فإنه عند سَجْر جهنَّم".
وليث هو: ابن أبي سليم بن زُنَيم، بالزاء والنون، مصغرًا وُصِف بسوء حفظه بعد اختلاطه، فكان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم كما قال ابن حبان، فأخشى أن يكون هذا الحديث من مسند عمرو بن عَبَسَة كما رواه مسلم وسبق تخريجه، فجعله من مسند أبي أمامة.
• عن أبي هريرة، قال: سأل صفوان بن المُعَطَّل رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله! إني سائلكَ عن أمْر أنتَ به عالمٌ وأنا به جاهِلٌ، قال: وَمَا هُوَ؟ " قال: هل من ساعات الليل والنهار ساعة تكره فيها الصلاة؟ قال: "نعم. إذا صليتَ الصبحَ، فَدع الصلاة حتى تطلع الشمس، فإنها تطلعُ بقرنَي الشيطان، ثم صلِّ فالصلاةُ محَضُورةٌ مُتَقَبَّلَةٌ حتى تَسْتَوي الشمسُ على رأسِكَ كالرُّمْح، فإذا كانت على رأسك كالرمح فَدَع الصَّلاة، فإنَّ تلك الساعة تُسْجَرُ فيها جَهَنَّمُ وتُفْتَحُ فيها أبْوابُها، حتى تَزِيغَ الشَّمْسُ عن حاجِبِكَ الأيْمَن، فإذا زَالَتْ فالصلاة محضورةٌ مُتَقبَّلَهٌ حتى تُصلِّي العصر. ثُمَّ دَعِ الصلاة حتى تغيبَ الشمس".
حسن: رواه ابن ماجه (١٢٥٢) عن الحسن بن داود المنكدري، حدثنا ابن أبي فُديك، عن الضحاك بن عثمان، عن المقبري، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن للكلام في الحسن بن داود غير أنه حسن الحديث وقد حسنه البوصيري في الزوائد. وسكت عليه الحافظ في "الفتح" (٢/ ٦٣).
وله متابعة عند ابن حبان (١٥٤٢)، والبيهقي (٢/ ٤٥٥) فروياه بإسنادهما من طريق ابن أبي فُدَيك (هو محمد بن إسماعيل بن أبي فُدَيك) به مثله.
قال البيهقي: ورواه عياض بن عبد الله القُرشي، عن سعيد المقبري بنحوه إلا أنه لم يُسمِّ السائل.
قلت: ومن طريقه رواه ابن خزيمة في صحيحه (١٢٧٥)، وعياض بن عبد الله هو: الفِهري المدني
стр. 1565
نزيل مصر، قال ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال البخاري: منكر الحديث.
ورواه أبو يعلى فجعله من مسند صفوان بن المعطل قال: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا حميد بن الأسود، ثنا الضحاك بن عثمان، عن المقبري، عن صفوان بن المعطل أنه سأل النبي ﷺ فذكر نحوه. "إتحاف الخيرة" (١٢٧٥).
وأشار البوصيري إلى رواية ابن ماجه وابن خزيمة.
• عن عبد الله بن مسعود قال: نُهِي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الفجر، أو قال: بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وبنصف النهار. قال: في شدة الحر.
حسن: رواه البزار "الكشف" (٦١٤) عن العباس بن جعفر، ثنا الوليد بن صالح، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زِر، عن عبد الله فذكره.
قال الهيثمي في "المجمع" (٣٣٥٨): "رواه أبو يعلى والبزار ورجالهما ثقات".
قلت: وعاصم هو: ابن بَهْدَلة تكلم فيه الدارقطني، والبزار من ناحية حفظه غير أنه "صدوق له أوهام" كما في التقريب.
والراوي عنه أبو بكر بن عياش الكوفي الحناط المقري. قال ابن عدي: "هو كوفي مشهور، وهو يروي عن أجلَّةِ الناس، وهو من مشهوري مشائخ الكوفة وقرائهم، وعن عاصم بن بَهدلة أحد القراء، هو في كل رواياته عن كل من روى عنه لا بأس به، وذلك أني لم أجد له حديثًا منكرًا إذا روى عنه ثقة".
تنبيه: هذا الحديث سقط من طباعة "مجمع الزوائد" القديمة ويوجد في طبعة محمد عبد القادر عطا.
وأما ما رُوِي عن عبد الله الصُنابحي أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشمس تطلع ومعها قرنُ الشيطان، فإذا ارتفعتْ فارقها، ثم إذا استوتْ قارنها. فإذا زالتْ فارقها، فإذا دَنتْ للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها" ونهى رسول الله ﷺ عن الصلاة في تلك الساعات.
رواه مالك في القرآن (٤٤) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصُنابحي فذكر مثله.
ورواه النسائي (٥٥٩) من طريق مالك به، وابن ماجه (١٢٥٣) من طريق معمر، عن زيد بن أسلم به وقال: فيه أبو عبد الله الصُنابحي وهو الصواب: واسمه عبد الرحمن بن غُسيلة وهو تابعي كما سبق الكلام عليه بالتفصيل في كتاب الطهارة باب ثواب الطهور.
وقال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٦٣): "حديث مرسل مع قوة رجاله".
قلت: وقوله: "ثم إذا استوت قارنها" يُخالف ما ثبت في الأحاديث الصحيحة "فإن حينئذ تسجر جهنم" كما في حديث عمرو بن عبسة، وصفوان بن المعطل.
وكذلك ما رُوِي عن مرة بن كعب، أو كعب بن مرة السلمي في حديث طويل فيه: "الصلاةُ
стр. 1566
مقبولة حتى تصلي الصبح، ثم لا صلاة حتى تطلعَ الشمسُ وتكون قِيدَ رُمْح أو رُمْحين، ثم الصلاة مقبولةٌ حتى يقوم الظِلُّ قيام الرمح، ثم لا صلاةَ حتى تزولَ الشمسُ، ثم الصلاةُ مقبولةٌ حتى تُصلي العصر، ثم لا صلاة حتى تغيبَ الشمسُ".
رواه الإمام أحمد (١٨٠٥٩) حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبةُ، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعْد، عن مرة بن كعب، أو كعب بن مرة فذكره.
قال شعبة: قال: وحدثني به منصور وذكر ثلاثة بينه وبين مرة بن كعب.
وفيه انقطاع فإن سالم بن أبي الجعد قيل لم يسمع من كعب بن مرة كما في التهذيب ورُوي عن سالم بن أبي الجعد، عن رجل، عن كعب بن مرة، ورجَّح الدارقطني في العلل هذا الإسناد الذي فيه رجل مبهم، وقيل غير ذلك.
وكذلك ما رُوي عن أبي قتادة عن النبي ﷺ أنه كَرِه الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة وقال: "إن جهنم تسجَّر إلا يوم الجمعة" ضعيف رواه أبو داود (١٠٨٣) وسيأتي في صلاة الجمعة.
٢ - باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر
• عن ابن عباس قال: شهد عندي رجال مرضِيون، وأرضاهم عندي عمر، أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرقَ الشمسُ، وبعد العصر حتى تغرُب.
متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٨١)، ومسلم في صلاة المسافرين (٨٢٦) كلاهما من طريق هشام، عن قتادة، قال: أخبرنا أبو العالية، عن ابن عباس فذكر مثله.
وهشام هو: ابن أبي عبد الله الدستوائي.
وأبو العالية: هو: الرياحي - بالياء - واسمه رفيع بالتصغير.
وقوله: وأرضاهم عندي عمر - هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم: سمعتُ غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ منهم عمر بن الخطاب. وكان أحبَّهم إليَّ.
• عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمسُ، وعن الصلاة بعد الصُبح حتى تطلع الشمسُ.
متفق عليه: رواه مالك في القرآن (٤٨) عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره.
ورواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٢٥) عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان به مثله.
ورواه البخاري في المواقيت (٥٨٨) عن محمد بن سلام، قال: حدثنا عبدةُ، عن عبيد الله، عن خُبيب، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ عن صلاتين بعد الفجر
стр. 1567
حتى تطلُع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس" كما رواه أيضًا في مواضع أخرى في حديث طويل. سيأتي ذكر كل جزء في مواضعه.
• عن أبي سعيد الخدري يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمسُ، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيبَ الشمسُ".
متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٨٦)، ومسلم في صلاة المسافرين (٨٢٧) كلاهما من حديث ابن شهاب، قال: أخبرني عطاء بن يزيد الجندعي الليثي، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول فذكر الحديث.
• عن معاوية قال: إنكم لتصلُّون صلاةً، لقد صحبنا رسولَ الله ﷺ فما رأيناه يُصَلِّيها. ولقد نهى عنها، يعني: الركعتين بعد العصر.
صحيح: رواه البخاري في المواقيت (٥٨٧) عن محمد بن أبان، قال: حدثنا غندر، قال: حدثنا شعبةُ، عن أبي التيَّاح، قال: سمعتُ حمرانَ بن أبان، يحدثُ عن معاوية فذكر الحديث.
وأبو التَّيَّاح هو: يزيد بن حُميد الضبعي.
• عن أبي بَصْرة الغِفاري قال: صلى بنا رسول الله ﷺ العصر بالمخمَّص فقال: "إن هذه الصلاة عُرضتْ على من كان قبلكم فضيَّعوها. فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين. ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد" والشاهد النجم.
صحيح: رواه مسلم في المسافرين (٨٣٠) من حديث خير بن نُعيم الحضرمي، عن عبد الله بن هبيرة السبَائي، عن أبي تميم الجيشاني، عن أبي بصرة فذكره.
• عن عبد الله بن عمرو قال: إن رسول الله ﷺ خطبهم وهو مُسْنِدٌ ظهره إلى الكعبة فقال: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الغداة حتى تطلع الشمسُ".
حسن: رواه الإمام أحمد (٦٩٧٠) عن عبد الصمد (ابن عبد الوارث) حدثنا خليفة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (عبد الله بن عمرو بن العاص) فذكر مثله.
ورواه أبو داود الطيالسي (٢٣٧٤) عن خليفة بن خياط به مثله، وهو في الحقيقة قطعة من الحديث الطويل يأتي كل قطعة منه في موضعه.
وخليفة بن خياط أبو هبيرة ذكره ابن حبان في "الثقات" (٦/ ٢٢٩).
وقد توبع كما سيأتي، وهو جد خليفة بن خياط بن خليفة بن خياط العُصفري أبو عمرو البصري، لقبه شباب، الأخباري من شيوخ البخاري وغيره مات سنة أربعين ومائتين.
رواه الإمام أحمد (٦٦٨١) عن يحيى (بن سعيد القطان) عن حسين (وهو ابن ذكوان) عن عمرو
стр. 1568
ابن شُعيب، عن أبيه، عن جده في حديث طويل وفيه: "لا صلاة بعد الغداة حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس" وهي متابعة قوية لما سبق.
قال الهيثمي في "المجمع" (٣٣٥٥): "رواه أحمد ورجاله ثقات".
وقال: "في الصحيح النهي عن الصلاة بعد طلوع الشمس".
• عن سلمة بن الأكوع قال: كنتُ أسافر مع رسول الله ﷺ فما رأيتُه صلى بعد العصر، ولا بعد الصبح قط.
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٦٥٣٥) عن عبد الرحمن بن مهدي، عن زهير. وحدثنا يحيى بن أبي بكير، قال: حدثنا زهير بن محمد، عن يزيد بن خُصَيفَة، عن سلمة بن الأكوع فذكره.
ورواه الطبراني في الكبير (٧/ ٤٠) عن حفص بن عمر، ثنا أبو حذيفة، ثنا زهير بن محمد به مثله.
ورجاله ثقات وإسناده صحيح ويزيد بن خُصيفة هو: يزيد بن عبد الله بن خُصيفة الكندي المدني مِن رجال الجماعة وثقه ابن معين وأحمد في رواية الأثرم وأبو حاتم والنسائي. وقال أحمد في رواية أبي داود عنه: "منكر الحديث". وهذا ليس بجرح فإن الإمام أحمد يُطلق هذه الكلمة على من يُغرب على أقرانه كما بينت ذلك بالتفصيل في كتابي "دراسات في الجرح والتعديل".
ولذا قال الهيثمي في "المجمع" (٣٣٥١): رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح. وهو كما قال إلا أنه فاته العزو إلى الطبراني في الكبير، وأما في الأوسط (٧٥٠٤) فرواه من طريق سعيد بن سلمة بن أبي الحُسام، قال: حدثنا يزيد بن خُصيفة، عن ابن سلمة بن الأكوع، عن سلمة فذكر مثله. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن سلمة إلا يزيد بن خُصيفة، تفرد به سعيد بن سلمة.
قلت: ليس كما قال فقد رواه عن يزيد بن خصيفة زهير بن محمد كما ترى، وابن سلمة بن الأكوع هو إياس من رجال الجماعة.
وأما سعيد بن سلمة بن أبي الحُسام العدوي مولاهم فضعَّفه النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، قال الحافظ: "صدوق صحيح الكتاب، يخطئ من حفظه" ولعل هذا مما أخطأ فيه فإنه زاد في الإسناد ابن سلمة بن الأكوع فإن صحت هذه الزيادة فهي المزيد في متصل الأسانيد.
وهذا الحديث لا يعارض ما روته عائشة وأم سلمة بأن النبي ﷺ كان يصلي ركعتين بعد العصر، فإن سلمة بن الأكوع يخبر عما رآه من فعل النبي ﷺ في الأسفار، وهما تُخبران بما كان يفعله النبي ﷺ في داخل البيت فلا تعارض بينهما كما سيأتي.
• عن أنس أن النبي ﷺ نهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الفجر حتى تطلع الشمس.
حسن: رواه البزار "كشف الأستار" (٦١٣) عن محمد بن المثنى أبي موسى، ثنا رَوح بن
стр. 1569
عبادة، عن أسامة بن زيد، عن حفص، عن أنس فذكره.
وإسناده حسن لأجل أسامة بن زيد وهو: الليثي مولاهم، أبو زيد المدني مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
ولأجل حفص وهو: ابن عبيد الله بن أنس بن مالك قال أبو حاتم: لا يثبت له السماع إلا من جده. يعني أنس بن مالك.
قلت: هو من رجال الشيخين وجعله الحافظ في مرتبة "صدوق" ذكر الحديث الهيثمي في "كشف الأستار"، ولم يذكره في "مجمع الزوائد".
قال البزار: "لا نعلم رواه عن حفص إلا أسامة".
قلت: ولا يضر هذا فإن أسامة صدوق ولم يأت بحديث منكر.
• عن علي قال: كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي على إثر كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا الفجر والعصر.
صحيح: رواه ابن خزيمة (١١٩٦) قال: ثنا بندار، ثنا عبد الرحمن، نا سفيان، ح وثنا محمد بن العلاء بن كُريب، ثنا أبو خالد الأحمر، ثنا سفيان، ح وثنا سَلْم بن جُنادة، ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي فذكر مثله.
قال ابن خزيمة: هذا لفظ حديث وكيع.
وأخرجه ضياء المقدسي في "المختارة" (٥٢١) عن ابن خزيمة.
قلت: ظاهر هذا الحديث يخالف ما سيأتي عن علي ﵁. وقد أشار البيهقي إلى هذه المخالفة.
• عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا بعد الصبح حتى ترتفع الشمس وتضحى".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٥٠١٠) عن يزيد، أخبرنا ابن أبي ذئب، عن مسلم الخبَّاط، عن ابن عمر، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُتلقَّى الركبانُ أو يبيع حاضر لبادٍ، ولا يخطبَ أحدكم على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدعَ، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيبَ الشمس، ولا بعد الصُّبح حتى ترتفع الشمسُ، أو تَضْحى.
ورواه أبو داود الطيالسي (٢٠٤١) عن ابن أبي ذئب به واكتفى بالنهي عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ويرتفع النهار، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمسُ. وبقية الحديث أورده في حديث آخر بالإسناد نفسه.
ورجاله ثقات ومسلم الخبَّاط هو: ابن أبي مسلم وهو ثقة أيضًا كان يبيع الخبط والحنطة وكان خياطًا فقيل له: الخبَّاط، والحنَّاط، والخياط. انظر "المؤتلف" للدارقطني (٢/ ٩٣٩).
стр. 1570
إلا أن ابن رجب في شرحه للبخاري باسم "فتح الباري" (٣/ ٢٧٠) يرى أنه حديث غريب منكر، ظنا منه أن هذا يخالف ما رواه ابن عمر في الصحيحين: "لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها"، والصواب أنه لا تعارض بينهما، ففي أحدهما النهي عن تحري الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها والآخر عام في النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد الصبح، والله أعلم.
وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "صلاتان لا يصلي بعدهما: الصبح حتى تطلع الشمس، والعصر حتى تغرب الشمس".
رواه الإمام أحمد (١٤٦٩)، وأبو يعلى (٧٣٣) كلاهما عن إسحاق بن عيسى، حدثني إبراهيم، يعني ابن سعد، عن أبيه، عن معاذ التيمي قال: سمعت سعد بن أبي وقاص فذكر الحديث.
ومعاذ التيمي لم يوثقه غير ابن حبان، ولم يرو عنه سوى سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ولذا فهو "مقبول" وهو من رجال "التعجيل" (١٠٤٩)، ورواه ابن حبان (١٥٤٩) من حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عنه. وقد توهم البعض بأنه معاذ بن عبد الرحمن التيمي وهو من رجال "التهذيب" أخرج له الشيخان ولذا قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٢٥): "رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله رجال الصحيح" والصواب أنه معاذ التيمي المكي ليس من رجال التهذيب أصلا.
وكذلك ما رواه نصر بن عبد الرحمن، عن جده مُعاذ أنه طاف مع معاذ بن عفراءَ فلم يُصَلِّ. فقلتُ: ألا تُصلي؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمسُ، ولا بعد الصبح حتى تطلع الشمس".
رواه النسائي (٥١٨) عن أبي داود، قال: حدثنا سعيد بن عامر الضبعي، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن نصر بن عبد الرحمن فذكر مثله.
ورواه أيضًا الإمام أحمد (١٧٩٢٦) عن محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة به مثله.
اختلف على شعبة فقال سعيد بن عامر ومحمد بن جعفر غندر هكذا.
قال الحافظ: وقال غيرهما: عن شعبة، عن سعد، عن نصر، عن جده معاذ بن عفراء أنه طاف فقال له معاذ رجل من قريش: ما لك لا تصلي فذكر الحديث.
انظر: تهذيب التهذيب (١٠/ ٤٢٨) ترجمة نصر بن عبد الرحمن الكناني.
ونصر بن عبد الرحمن لم يوثقه غير ابن حبان ولذا قال في التقريب: "مقبول" ومعاذ رجل من قريش لا يُعرف من هو؟ سواء كان جد نصر كما في رواية الضبعي وغندر، فإنه طاف مع معاذ وهو: ابن الحارث بن رفاعة المعروف بابن عفراء، وهي أمه، وهو صحابي معروف شهد بدرًا وما بعدها وهو من الأنصار. أو يكون هو جد نصر بن عبد الرحمن كما في رواية حفص بن عمر الحوضي رواه عنه البيهقي (٢/ ٤٦٤) والقائل له رجل آخر اسمه أيضًا معاذ، وهو رجل من قريش، وابن عفراء من الأنصار. فصار نصر بن عبد الرحمن مرة من قريش، وأخرى من الأنصار وهو اضطراب
стр. 1571
في الإسناد.
٣ - باب النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها
• عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا يتحرَّى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها".
متفق عليه: رواه مالك في القرآن (٤٧) عن نافع، عن عبد الله بن عمر فذكر الحديث.
ورواه البخاري في المواقيت (٥٨٥) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في صلاة المسافرين (٨٢٨) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به مثله.
وفي رواية عندهما: "لا تحرَّوا بصلاتكم طلوعَ الشمسِ ولا غروبَها".
وزاد مسلم: "فإنها تطلع بقرنَي شيطان" البخاري (٥٨٢) عن مسدد، قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن هشام، عن أبيه، قال: أخبرني ابن عمر، ومسلم من طرق عن هشام به.
ثم قال البخاري: وقال: حدثني ابن عمر - أي بالإسناد السابق من حديث مسدد به. قال ﷺ : "إذا طلع حاجب الشمس فأخِّروا الصلاة حتى ترتَفِع، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيبَ" تابعه عبدة. ومثله رواه مسلم أيضًا.
وأما حديث عبدة وهو: ابن سليمان فرواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٧٢) عن محمد، (يعني ابن سلام) عنه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عمر فذكر مثله.
وفي رواية عندهما: "ولا تحيَّنوا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرنَي شيطان، أو الشيطان" قال عبدة كما في البخاري: لا أدري أي ذلك قال هشام (٣٢٧٣).
وقوله: "فإنها تطلع بين قرني الشيطان" أي بالنسبة إلى من يشاهد الشمس عند طلوعها، فلو شاهد الشيطان لرآه منتصبًا عندها. كذا في "الفتح" (٦/ ٣٤٠).
• عن عائشة أنها قالت: لم يَدَعْ رسول الله ﷺ الركعتين بعد العصر، ثم قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تتحرَّوا طلوعَ الشمسَ، ولا غروبَها، فتصلوا عند ذلك".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٣٣/ ٢٩٦) عن حسن الحلُواني، ثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن عائشة فذكرت الحديث.
• عن عائشة أنها قالت: وَهِم عمر إنما نهى رسول الله ﷺ أن يُتحرَّى طلوعُ الشمس وغروبُها.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٣٣) عن محمد بن حاتم، حدثنا بهز، حدثنا وُهَيب، حدثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن عائشة فذكرت مثله.
قال البيهقي (٢/ ٤٥٣): "وإنما قالت ذلك لأنها رأت رسول الله ﷺ صلي الركعتين بعد
стр. 1572
العصر، وكانتا مما ثبت عنها وعن أم سلمة قضاء، وكان ﷺ إذا عمل عملًا أثبته".
• عن بلال قال: لم يكن يُنهى عن الصلاة إلا عند طلوع الشمس، فإنها تطلُع بين قرنَي الشيطان.
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٣٨٨٧) عن وكيع، عن شُعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شِهاب، عن بلال فذكره.
ورواه أيضًا الطبراني في الكبير (١٠٧٠) من طريق شعبة به مثله.
ورواه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٥٤) من طريق سفيان الثوري، عن قيس بن مسلم، به إلا أنه ذكر فيه "غروب الشمس"، مكان "طلوع الشمس" وكذلك روى الروياني في مسنده (٧٣٢) من حديث سفيان به، فلعل بلالًا نفسه مرة روى النَّهي "عن الصلاة عند طلوع الشمس" فروى عنه من سمع منه هذا، ثم روى النهي "عن الصلاة عند غروب الشمس" فروى عنه من سمع منه هذا فإذا جمع هذا مع ذاك أتى بالحديث الكامل موافقًا لرواية غيره.
ورجاله ثقات وإسناده صحيح، وقيس بن مسلم هو الجدلي من رجال الجماعة.
قال الهيثمي في "المجمع" (٣٣٥٤) رواه أحمد والطبراني في الكبير بمعناه، ورجال أحمد رجال الصحيح.
وقوله: "لم يكن يُنهي" فعل مبني للمجهول، والناهي هو النبي ﷺ .
• عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ قال: "لا تصلوا حين تطلع الشمس، ولا حين تسقُط، فإنها تطلع بين قرنَي شيطان، وتغرب بين قرنَي شيطان".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٠١٦٩) والبزار "كشف الأستار" (٦١٢)، والطبراني في الكبير (٦٩٧٣) كلُّهم من طريق شعبة، عن سِماك بن حرب قال: سمعتُ المهلب بن أبي صُفرة يحدث عن سمرة فذكر الحديث، وفي رواية: يخطب فقال: قال سمرة بن جندب فذكر الحديث.
وصححه ابن خزيمة (١٢٧٤) ورواه من طريق شعبة به مثله.
قلت: إسناده حسن لأجل سماك بن حرب وفيه كلام غير أنه حسن الحديث.
وفي رواية: أن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نُصلي أي ساعة شئنا من ليلٍ أو نهار، غير أنه أمرنا أن نجتنب طلوعَ الشمس وغروبها، وقال: إن الشيطان يغيب معها حين يغيب، ويطلع معها.
رواه البزار (٦١٠) من وجه آخر عن خبيب بن سليمان، عن أبيه سلمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب فذكر مثله.
كما رواه أيضًا من وجه آخر من حديث إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن سمرة أن النبي ﷺ قال: "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس وغروبها، فإنها تطلع في قرنَي شيطان، وتغرب في
стр. 1573
قرنَي شيطان".
وقال: أحاديث إسماعيل لا نعلم رواها عن الحسن غيره.
وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٢٥): رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير من طرق، ورجال أحمد ثقات.
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تصلوا عند طلوع الشمس ولا عند غروبها، فإنها تطلعُ وتغربُ على قرن شيطان، وصلوا بين ذلك ما شئتُم".
حسن: رواه أبو يعلى (٤٢١٦ تحقيق حسين سليم) عن محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا رَوح، حدثنا أسامة بن زيد، عن حفص بن عبد الله، عن أنس فذكره.
وإسناده حسن لأجل أسامة بن زيد وهو الليثي وقد سبق ذكر هذا الإسناد بلفظ حديث أنس. نهي النبي ﷺ عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الفجر حتى تطلع الشمس، رواه البزار.
فهل أنس روي بلفظين في مجلسين فكل من أبي يعلى والبزار وصل إليهما أحدهما، أو روي بلفظين في مجلس واحد، ولكن كل واحد منهما اكتفى بلفظ واحد فقط وهذا بعيد.
وأما الهيثمي فجمع بين اللفظين في مجمع الزوائد (٣٣٥٩) (تحقيق محمد عبد القادر عطا) مع عزو جزء منه إلى أبي يعلى وجزء منه إلى البزار، ولم أجده في الطبعة القديمة، ثم أورد كل جزء منه في "كشف الأستار" (٦١٣) وفي "المقصد العلي" (٣٤٥) وكذا الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" (٣١٥) عن أبي يعلى.
وأما ما رُوِيَ عن محمد بن حُيَي بن يعلى بن أمية، عن أبيه قال: رأيتُ يعلي يُصلي قبل أن تطلعَ الشمسُ، فقال له رجل: أو قيل له: أنت رجل من أصحاب رسول الله ﷺ تُصلي قبل أن تطلعَ الشمسُ؟ قال يعلى: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إن الشمس تطلع بين قرنَيْ شيطان" قال له يَعْلى: فإن تطلع وأنت في أمر الله خير من أن تطلع وأنت لاهٍ.
ففيه محمد وأبوه لا يُعرفان. رواه الإمام أحمد (١٧٩٥٩) عن أبي عاصم، حدثنا عبد الله بن أمية بن أبي عثمان القُرشي، قال: حدثنا محمد بن حُيَي بن يعلى بن أمية فذكر مثله.
قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٢٦): رواه أحمد وفيه حيي بن يعلي ولا يُعرف.
• عن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ نَهي أن يُصَلَّي إذا طلع قرنُ الشمسِ، أو غاب قرنُها، وقال: "إنها تطلع بين قرنَي شيطان" أو "من بين قرنَي شيطان".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢١٦٦١) عن عفَّان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن ابن سيرين، عن زيد بن ثابت فذكره. وإسناده صحيح.
وفي معناه ما رواه سعيد بن نافع قال: رآني أبو بَشير الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ وأنا أصلي صلاة الضُحى حين طلعتِ الشمس فعاب ذلك عليَّ ونهاني ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال:
стр. 1574
"لا تصلوا حتى ترتفع الشمس فإنها تطلع في قرنَي الشيطان".
رواه أحمد (٢١٨٨٩) والبزار في مسنده (٢٣٠٤) وأبو يعلى كما في "إتحاف الخيرة" (١٢٧٦) كلهم من طريق هارون بن معروف. قال: أخبرني مخرمة (بن بكير) عن أبيه، عن سعيد بن نافع فذكره.
وفيه سعيد بن نافع لم يوثقه أحد وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤/ ٢٩١) وذكر الراوي عنه بكير بن الأشج فقط وعداده في أهل المدينة فهو "مقبول" في اصطلاح الحافظ ابن حجر.
٤ - باب صلاة النبي ﷺ ركعتين بعد العصر
• عن عائشة قالت: ركعتان لم يكن رسول الله ﷺ يدعُهما سِرًّا ولا علانية، ركعتان قبل صلاة الصبح، وركعتان بعد العصر.
متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٩٢)، ومسلم في المسافرين (٨٣٥) كلاهما من طريق أبي إسحاق الشيباني، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة فذكرت مثله.
وعن شعبة، عن أبي إسحاق قال: رأيتُ الأسودَ ومسروقًا شهدا على عائشة قالت: ما كان النبي ﷺ يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلَّى ركعتين. رواه الشيخان من طريق شعبة.
وفي رواية عندهما من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عنها قالت: ابن أختي! ما ترك رسول الله ﷺ السجدتين بعد العصر عندي قط.
وفي رواية عند البخاري (٥٩٠) من وجه آخر قالت: وكان النبي ﷺ يصليهما، ولا يصليهما في المسجد مخافة أن يُثَقِّلَ على أمته، وكان يحب ما يُخفِّفُ عنهم.
• عن أبي سلمة قال: إنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله ﷺ يصليهما بعد العصر. فقالت: كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شُغِل عنهما أو نسيهما فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما. وكان إذا صَلَّى صلاةً أثبتها. تعني: داوم عليها.
صحيح: رواه مسلم في المسافرين (٨٣٥) من طريق إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرني محمد بن أبي حرملة، قال: أخبرني أبو سلمة فذكر مثله.
• عن كريب أنَّ ابن عباس والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن أزهر ﵃ أرسلوه إلى عائشة ﵂ فقالوا: اقرأ ﵍ مِنَّا جميعًا وسَلْها عن الركعتين بعدَ صلاةِ العصر وقُل لها: إنا أُخبِرْنا أنَّكِ تُصلِّينَهما، وقد بَلَغَنا أنَّ النبي ﷺ نهى عنها، وقال ابن عباس: وكنتُ أضربُ الناسَ مع عمر بن الخطاب عنها، قال كُرَيبٌ: فدخلتُ على عائشة ﵂ فبلَّغتُها ما أرسلوني، فقالت: سَلْ أمَّ سَلمةَ، فخَرجتُ إليهم فأخبرتُهم بقولها، فرَدُّوني إلى أمِّ سلمة بمثلِ ما
стр. 1575
أرسلوني به إلى عائشةَ، فقالت أمُّ سلمةَ ﵂: سمعتُ النبي ﷺ ينهي عنها، ثمَّ رأيتُه يُصلِّيهما حينَ صلَّى العصرَ، ثمَّ دَخَل عليَّ وعنِدي نِسوةٌ من بني حَرام منَ الأنصار فأرسلتُ إليهِ الجاريةَ فقلت: قومي بجَنبهِ قولي لهُ: تقولُ لكَ أمُّ سلمة يا رسولَ الله سمعتُكَ تنهي عن هاتَين وأراكَ تُصلِّيهما، فإن أشارَ بيدِه فاستأخِري عنهُ، ففعلَتِ الجاريةُ، فأشارَ بيده، فاستأخرَتْ عنهُ، فلما انصرَفَ قال: يا ابنَةَ أبي أميَّةَ! سألتِ عن الركعتين بعدَ العصر، وإنه أتاني ناسٌ من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتَين بعدَ الظهر، فهُما هاتانِ".
متفق عليه: رواه البخاري في كتاب السهو (١٢٣٣)، ومسلم في المسافرين (٨٣٤) كلاهما من طريق عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير، عن كريب فذكر مثله.
وفي رواية النسائي (٥٨٠) وغيره من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أم سلمة أن النبي ﷺ صلى في بيتها بعد العصر ركعتين مرة واحدة، وأنها ذكرت ذلك له فقال: "هما ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر فشُغِلتُ عنهما حتى صليت العصر" ومثله رواه أيضًا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عنها.
والروايات الصحيحة كلها تدل على أنه ﷺ أول ما صلاها صلاها قضاءً ثم أثبتها لنفسه بعد العصر فإنه ﷺ إذا صلى صلاة أثبتها كما ذكرت عائشة في الحديث السابق والمثبت مقدَّم على النافي، ثم لعل النبي ﷺ لم يواظب عليهما إلا في بيت عائشة ويُحمل عليه أيضًا حديث ابن عباس وهو وإن كان ضعيفًا: "إنما صلى النبي ﷺ الركعتين بعد العصر؛ لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ثم لم يَعُد لهما".
فيحمل النفي على علم الراوي فإنه لم يطَّلِع على ذلك، والمثبت مقدم على النافي كذا قال الحافظ ابن حجر.
قلت: وحديث ابن عباس رواه الترمذي (١٨٤) عن قتيبة، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكر الحديث.
وعطاء بن السائب مختلط، وجرير بن عبد الحميد ممن سمع منه بعد الاختلاط، ورواه أيضًا ابن حبان (١٥٧٥) من طريق حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عطاء بن السائب به، ووالد حميد وهو عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي الكوفي، وهو وإن كان ثقة من رجال مسلم إلا أنه سمع منه بعد الاختلاط أيضًا.
لقد نصَّ النسائيُّ على أن رواية حماد بن زيد وشعبة، وسفيان عنه جيدة. ومنهم من زاد الرابع وهو: حماد بن سلمة وهو مختلَف فيه. انظر: "الكواكب النيرات" رقم (٣٩)، فاختلف أهل العلم في تأويل حديث عائشة، وقد ثبت النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس.
فذهب الجمهور إلى أنه خاص بالنبي ﷺ ، لحديث أم سلمة قالت: صلى رسول الله ﷺ -
стр. 1576
العصر، ثم دخل بيتي فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله! صليت صلاةً لم تكن تصليها. فقال: "قدم عَليَّ مال، فشغلني عن ركعتين كنت أركعهما قبل العصر، فصليتهما الآن" فقلت: يا رسول الله! أفنقضيهما إذا فاتَتْنا؟ قال: "لا".
رواه الإمام أحمد (٢٦٦٧٨)، وأبو يعلى (٧٠٢٨)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٤٨) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ذكوان، عن أم سلمة، فذكرت مثله.
وصحّحه ابن حبان (٢٦٥٣) فرواه من هذا الطريق. وأخرجه الطحاوي (١/ ٣٠٦) واحتج به على أنه من خصائصه ﷺ .
وأورده الحافظ في "الفتح" (٢/ ٦٤، ٦٥) وضعَّفه.
وذلك لأن حماد بن سلمة وإن كان أحد الأئمة، ولكن تغير حفظه بآخره، وكان أثبت الناس في ثابت، أما في غيره فليس كذلك فروايته عن الأزرق بن قيس لا يخلو من وهم، وهو تفرد بزيادة في هذا الحديث ولم يوافق عليها أحد من كان في طبقته.
وكذلك رواه أبو داود (١٢٨٠) من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ذكوان مولى عائشة أنها حدثته أن رسول الله ﷺ كان يُصلي بعد العصر وينهى عنه، ويواصل وينهى عن الوصال.
وفي إسناده محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن.
وفيه أيضًا إشارة إلى اختصاصه باستدامة هاتين الركعتين بعد وقوع القضاء بما فعل في بيت أم سلمة، كما قال البيهقي (٢/ ٤٥٨).
وذهب ابن الزبير إلى جواز الصلاة بعد العصر وسيأتي ما يدل على ذلك.
• قال عبد العزيز بن رفيع: رأيتُ عبد الله بن الزبير يُصلي ركعتين بعد العصر، ويُخبِر أن عائشة ﵂ حدَّثتْه أن النبي ﷺ لم يدخُل بيتها إلا صلاهما".
صحيح: رواه البخاري في الحج (١٦٣١) عن الحسن بن محمد هو الزعفراني، حدثنا عبيدة بن حُميد، حدثني عبد العزيز بن رُفيع فذكره.
وللحديث تفصيل: رواه الإمام أحمد (٢٥٥٠٦) عن علي بن عاصم، قال: أخبرنا حنظلة السدوسي، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: صلى معاوية بالناس العصر، فالتفت فإذا أُناس يصلون بعد العصر، فدخل ودَخَلَ عليه ابن عباس وأنا معه، فأوسَعَ له معاويةُ على السَّرير، فجَلَسَ معه، قال: ما هذه الصلاةُ التي رأيتُ الناس يُصلُّونها، ولم أر النبي ﷺ يُصَلِّيها ولا أمَرَ بها؟ ! قال: ذاك ما يُفْتيهم ابن الزبير، فدخل ابن الزبير، فسَلَّمَ، فجلس، فقال معاوية: يا ابن الزبير! ما هذه الصلاةُ التي تأمُرُ الناسَ يُصلُّونها، لم نر رسول الله ﷺ صَلَّاها، ولا أمَرَ بها؟ قال: حدثتني عائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ صلَّاها عندها في بيتها، قال: فأمَرَني معاويةُ ورجلًا آخر أن نأتيَ
стр. 1577
عائشةَ، فنسألَها عن ذلك؟ قال: فدَخَلْتُ عليها، فسَألْتُها عن ذلك، فأخبرتُها بما أخْبَرَ ابنُ الزبير عنها، فقالت: لم يَحْفَظ ابن الزبير، إنما حدَّثْتُه أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى هذه الركعتين بعد العصر عندي، فسألتُهُ، قلتُ: إنَّك صَلَّيْتَ ركعتين لم تكن تُصَلِّيْهما؟ قال: "إنَّه كان أتاني شيءٌ، فَشُغِلتُ في قِسْمَتِهِ عَنِ الركعتين بعدَ الظُّهْرِ، وأتاني بلالٌ، فناداني بالصلاة، فكَرِهْتُ أنْ أحْبِسَ الناسَ فَصَلَّيْتُهُما" قال: فَرَجَعْتُ فأخبرتُ معاوية. قال: قال ابن الزبير: أليسَ قد صَلَّاهما؟ لا نَدَعهما، فقال له معاوية: لا تزال مُخَالفًا أبدًا.
وعلي بن عاصم وهو الواسطي وشيخه حنظلة ضعيفان.
ورواه أيضا ابن ماجه (١١٥٩) مختصرًا وفيه يزيد بن أبي زياد ضعيف، وللحديث أسانيد أخرى كلها ضعيفة وبعضها أسند الخبر إلى أم سلمة.
٥ - باب الرخصة في الصلاة بعد العصر إذا كانت الشّمس مرتفعة
• عن علي بن أبي طالب قال: نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة بعد العصر إلا أن تكون الشمس بيضاء نقية مرتفعة.
حسن: رواه أبو داود (١٢٧٤)، والنسائي (٥٧٣) كلاهما من طريق منصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف، عن وهب بن الأجدع، عن علي ﵁. ورجاله ثقات غير وهب بن الأجدع فقد وثَّقه العجلي وابن حبان، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث.
قلت: مثله يحسن حديثه، وأما الحافظ فقال فيه في التقريب: "ثقة" والحق أن يقال فيه "صدوق".
وأخرجه ابن خزيمة (١٢٨٤، ١٢٨٥) وعنه رواه ابن حبان في صحيحه (١٥٦٢) عن منصور به ولفظه: "لا يُصلى بعد العصر إلا أن تكون الشمسُ مرتفعة".
قال ابن خزيمة: "هذا حديث غريب، سمعتُ محمد بن يحيى يقول: وهب بن الأجدع قد ارتفع عنه اسم الجهالة، وقد روى عنه الشعبي أيضًا وهلال بن يساف".
وقال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٦٣): "رواه أبو داود بإسناد صحيح قوي".
وأما البيهقي فأبدى تحفظه عن قبول هذا قائلًا: هذا حديثُ واحدٍ، وما مضى في النهي عنها ممتد إلى غروب الشمس حديثُ عددٍ، فهو أولى أن يكون محفوظًا وقد رُوِي عن عليٍّ ما يخالف هذا، وروي ما يوافقه" (٢/ ٤٥٩).
هو يقصد بالمخالفة ما سبق ذكره في باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر.
وقال الحافظ في "الفتح": "ورُوِي عن ابن عمر تحريم الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وإباحتها بعد العصر حتى تصفرَّ، وبه قال ابنُ حزمٍ، واحتج بحديث علي بن أبي طالب وذكر الحديث، ثم قال: والمشهور إطلاق الكراهة في الجميع". انتهى.
стр. 1578
وقال في "التلخيص" (١/ ١٨٥) بعد أن ذكر حديث علي بن أبي طالب: "وظاهره مخالف لما تقدم مع صحَّةِ إسناده".
قلت: الوقت وقتان: وقت ضيق، ووقت موسع.
فأما الضيق فهما عند طلوع الشمس وعند غروبها، وهذا لا خلاف بين أهل العلم في تحريم الصلاة عندهما.
وأما الوقت الموسع فهما من صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ومن صلاة العصر حتى تغرب الشمس، فالجمهور على تحريم الصّلاة في هذين الوقتين.
ويرى جماعة من أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم بأنه لا بأس بالصّلاة فيهما. ومن هؤلاء: ابن عمر لما رواه مرفوعًا: "لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس" ورواه أيضًا البخاري بإسناده عنه قال: "أصلِّي كما رأيتُ أصحابي يصلون، لا أنهى أحدًا يُصلي بليل ولا نهار ما شاء غير أن لا تحرَّوا طلوع الشمس ولا غروبها" (٥٨٩)، وقالت مثله عائشة كما مضى من حديثها في إيهام عمر في النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر، وإنما النهي أن يتحرَّى أحد طلوع الشمس وَغروبها.
وفي صحيح ابن حبان (١٥٦٨) من رواية شعبة، عن المِقدام بن شُريح، عن أبيه قال: سألتُ عائشة عن الصلاة بعد العصر فقالت: صَلِّ إنما نهى رسولُ الله ﷺ عن الصلاة إذا طلعت الشمس.
ومنهم بلال، فقد روى الإمام أحمد (٢٣٨٨٧)، والطبراني (١٠٧٠) من رواية شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن بلال قال: لم يكن يُنهى عن الصلاة إلا عند طلوع الشمس، فإنها تطلع بين قرني الشيطان.
وإسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح، ورواه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٥٤) من طريق سفيان الثوري، عن قيس بن مسلم به إلا أنه ذكر فيه غروب الشمس مكان طلوعها.
وممن رخّص في الصّلاة بعد العصر والشمس مرتفعة: علي بن أبي طالب، وتميم الداري، وأبو أيوب، وأبو موسى، وزيد بن خالد الجهني، وابن الزبير، والنعمان بن بشير، وأم سلمة، ﵃ جميعًا.
ومن التابعين: الأسود، ومسروق، وشريح، وعمرو بن ميمون، وعبد الرحمن بن الأسود، وعبيدة، والأحنف بن قيس، وطاوس. وحكي رواية عن أحمد.
قال إسماعيل بن سعيد الشالَنجي: سألت أحمد: هل ترى بأسًا أن يصلي الرجل تطوعًا بعد العصر، والشمس بيضاء مرتفعةً: قال: لا نفعله، ولا نُعيب فاعله.
ويظهر من قولهم أنهم كانوا يمنعون عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لمشابهة الكفار في سجودهم للشمس في هذين الوقتين، وأما قبل الطلوع وقبل الغروب فكانوا يرون أن المنع منه
стр. 1579
سدًّا للذريعة، وبهذا علل عمر بن الخطاب عندما ضرب بِدُرّته تميمًا الداريَّ وهو يصلي بعد العصر فلما انتهى من صلاته قال: لِمَ ضربتي؟ قال: لأنّك ركعت هاتين الركعتين وقد نهيتُ عنهما. قال: إني قد صليتُهما مع من هو خير منك؛ رسول الله ﷺ ، فقال عمر: إنه ليس بي إيّاكم أيّها الرّهط، ولكني أخاف أن يأتي بعدكم قومٌ يصلُّون ما بين العصر إلى المغرب حتى يمروا بالساعة التي نهي رسول الله ﷺ أن يُصلي فيها كما صلوا بين الظهر والعصر، ثم يقولون: قد رأينا فلانًا وفلانًا يصلون بعد العصر.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٦٧٩) وفيه عبد الله بن صالح وفيه كلام إلا أنه حسن الحديث.
وكذلك وقعت هذه القصة مع زيد بن خالد أن عمر رآه يصلي بعد العصر ركعتين، فمشى إليه فضربه بالدرة وهو يُصلي، فلما انصرف قال: دعها يا أمير المؤمين! فوالله! لا أدعها أبدًا بعد إذ رأيت رسول الله ﷺ يُصليهما. فجلس إليه عمر فقال: يا زيد! لولا أني أخشى أن يتخذها الناس سُلَّمًا إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما.
رواه الإمام أحمد (١٧٠٣٦) وفيه رجال غير معروفين.
فمن رأى أن النهي في هذين الوقتين سدًّا للذريعة في الصلاة في وقت الكراهة لم يُحرم.
ومن تمسك بالنص العام ذهب إلى تحريم الصلاة في هذين الوقتين.
حكى الترمذي عن أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور.
ولم يذكر مسلم في صحيحه التعليل الذي ذكر في قصة عمر سدًّا للذريعة فقد رواه في صلاة المسافرين (٨٣٦) من حديث المختار بن فلفل قال: سألت أنس بن مالك، عن التطوع بعد العصر فقال: كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر. انتهى.
٦ - باب ما جاء في الرخصة في الصلاة بمكة في كل وقت
• عن جبير بن مطعم يبلغ به النبي ﷺ قال: "لا تمنعوا أحدًا يطوف بهذا البيت، ويصلي أي ساعة شاءَ من ليل أو نهار".
وفي رواية: "يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحدًا".
حسن: رواه أبو داود (١٨٩٤)، والترمذي (٨٦٨)، والنسائي (٥٨٥)، وابن ماجه (١٢٥٤) كلهم من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن باباه، عن جبير بن مطعم فذكره واللفظ لأبي داود. وإسناده حسن من أجل أبي الزبير.
ورواه ابن خزيمة في صحيحه (١٢٨٠) من هذا الطريق، ومن طريق ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع عبد الله بن باباه فذكر نحوه.
стр. 1580
فقد صرَّح فيه ابن جريج وشيخه بالتحديث والسماع، وأما ابن حبان فاختار أن يروي عن شيخه ابن خزيمة من الطريق الأولى وليس فيه التحديث، ثم رواه من طريق ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن أبا الزبير حدثه، عن ابن باباه (١٥٥٢، ١٥٥٣).
ورواه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٤٤٨) من طريق سفيان به. وقال: صحيح على شرط مسلم.
وأما ما رُوِي عن أبي ذر أنه أخذ بحلْقَةِ باب الكعبة، فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا صلاة بعد العصر حتى تغربَ الشمس، ولا بعد الفجر حتى تطلع الشمسُ إلا بمكة" فهو ضعيف.
رواه أحمد (٢١٤٦٢)، والطبراني في الأوسط (٨٥١)، والدارقطني (١/ ٤٢٤)، والبيهقي (٢/ ٤٦١) كلهم من طريق عبد الله بن مؤمل، عن حُميد مولى عفراء، عن قيس بن سعد، عن مجاهد، عن أبي ذر فذكر الحديث.
إلا أن حميد مولى عفراء سقط في مسند أحمد. وهو ضعيف كما قال البيهقي وغيره. ومجاهد لم يسمع من أبي ذر كما قال ابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ٤٥)، ورواه ابن خزيمة (٢٧٤٨) وقال: أنا أشك في سماع مجاهد من أبي ذر.
وفيه أيضًا عبد الله بن مؤمل ضعيف إلا أن إبراهيم بن طهمان قد تابعه عن حميد ومن طريقه رواه البيهقي.
قال ابن عبد البر بعد أن تكلم على حديث أبي ذر وضعَّفه: "ففي حديث جبير بن مطعم ما يُقوِّيه مع قول جمهور علماء المسلمين به. وذلك أن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير والحسن والحسين وعطاء وطاوس ومجاهدًا والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير كانوا يطوفون بعد العصر، وبعضهم بعد الصبح أيضًا، ويصلون بأثر فراغهم من طوافهم ركعتين في ذلك الوقت. وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود بن علي. وقال مالك بن أنس: من طاف بالبيت بعد العصر أخر ركعتي الطواف حتى تغرب الشمس، وكذلك من طاف بالبيت بعد الصبح لم يركعهما حتى تطلع الشمس وترتفع. وقال أبو حنيفة: يركعهما إلا عند غروب الشمس وطلوعها واستوائها".
٧ - باب من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ولو كان الوقت مكروهًا
• عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاةً فليصلِّ إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه: ١٤].
متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٩٧) عن أبي نعيم وموسى بن إسماعيل، قالا: حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس فذكر مثله.
قال موسى: قال همام: سمعته يقول بعد: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ وقال حبان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس، عن النبي ﷺ نحوه.
ورواه مسلم في المساجد (١٨٤) عن هدَّاب بن خالد، حدثنا همام به مثله.
следующие страницы →