Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
العصر، ثم دخل بيتي فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله! صليت صلاةً لم تكن تصليها. فقال: "قدم عَليَّ مال، فشغلني عن ركعتين كنت أركعهما قبل العصر، فصليتهما الآن" فقلت: يا رسول الله! أفنقضيهما إذا فاتَتْنا؟ قال: "لا".
رواه الإمام أحمد (٢٦٦٧٨)، وأبو يعلى (٧٠٢٨)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٤٨) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ذكوان، عن أم سلمة، فذكرت مثله.
وصحّحه ابن حبان (٢٦٥٣) فرواه من هذا الطريق. وأخرجه الطحاوي (١/ ٣٠٦) واحتج به على أنه من خصائصه ﷺ .
وأورده الحافظ في "الفتح" (٢/ ٦٤، ٦٥) وضعَّفه.
وذلك لأن حماد بن سلمة وإن كان أحد الأئمة، ولكن تغير حفظه بآخره، وكان أثبت الناس في ثابت، أما في غيره فليس كذلك فروايته عن الأزرق بن قيس لا يخلو من وهم، وهو تفرد بزيادة في هذا الحديث ولم يوافق عليها أحد من كان في طبقته.
وكذلك رواه أبو داود (١٢٨٠) من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ذكوان مولى عائشة أنها حدثته أن رسول الله ﷺ كان يُصلي بعد العصر وينهى عنه، ويواصل وينهى عن الوصال.
وفي إسناده محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن.
وفيه أيضًا إشارة إلى اختصاصه باستدامة هاتين الركعتين بعد وقوع القضاء بما فعل في بيت أم سلمة، كما قال البيهقي (٢/ ٤٥٨).
وذهب ابن الزبير إلى جواز الصلاة بعد العصر وسيأتي ما يدل على ذلك.
• قال عبد العزيز بن رفيع: رأيتُ عبد الله بن الزبير يُصلي ركعتين بعد العصر، ويُخبِر أن عائشة ﵂ حدَّثتْه أن النبي ﷺ لم يدخُل بيتها إلا صلاهما".
صحيح: رواه البخاري في الحج (١٦٣١) عن الحسن بن محمد هو الزعفراني، حدثنا عبيدة بن حُميد، حدثني عبد العزيز بن رُفيع فذكره.
وللحديث تفصيل: رواه الإمام أحمد (٢٥٥٠٦) عن علي بن عاصم، قال: أخبرنا حنظلة السدوسي، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: صلى معاوية بالناس العصر، فالتفت فإذا أُناس يصلون بعد العصر، فدخل ودَخَلَ عليه ابن عباس وأنا معه، فأوسَعَ له معاويةُ على السَّرير، فجَلَسَ معه، قال: ما هذه الصلاةُ التي رأيتُ الناس يُصلُّونها، ولم أر النبي ﷺ يُصَلِّيها ولا أمَرَ بها؟ ! قال: ذاك ما يُفْتيهم ابن الزبير، فدخل ابن الزبير، فسَلَّمَ، فجلس، فقال معاوية: يا ابن الزبير! ما هذه الصلاةُ التي تأمُرُ الناسَ يُصلُّونها، لم نر رسول الله ﷺ صَلَّاها، ولا أمَرَ بها؟ قال: حدثتني عائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ صلَّاها عندها في بيتها، قال: فأمَرَني معاويةُ ورجلًا آخر أن نأتيَ
стр. 1577
عائشةَ، فنسألَها عن ذلك؟ قال: فدَخَلْتُ عليها، فسَألْتُها عن ذلك، فأخبرتُها بما أخْبَرَ ابنُ الزبير عنها، فقالت: لم يَحْفَظ ابن الزبير، إنما حدَّثْتُه أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى هذه الركعتين بعد العصر عندي، فسألتُهُ، قلتُ: إنَّك صَلَّيْتَ ركعتين لم تكن تُصَلِّيْهما؟ قال: "إنَّه كان أتاني شيءٌ، فَشُغِلتُ في قِسْمَتِهِ عَنِ الركعتين بعدَ الظُّهْرِ، وأتاني بلالٌ، فناداني بالصلاة، فكَرِهْتُ أنْ أحْبِسَ الناسَ فَصَلَّيْتُهُما" قال: فَرَجَعْتُ فأخبرتُ معاوية. قال: قال ابن الزبير: أليسَ قد صَلَّاهما؟ لا نَدَعهما، فقال له معاوية: لا تزال مُخَالفًا أبدًا.
وعلي بن عاصم وهو الواسطي وشيخه حنظلة ضعيفان.
ورواه أيضا ابن ماجه (١١٥٩) مختصرًا وفيه يزيد بن أبي زياد ضعيف، وللحديث أسانيد أخرى كلها ضعيفة وبعضها أسند الخبر إلى أم سلمة.
٥ - باب الرخصة في الصلاة بعد العصر إذا كانت الشّمس مرتفعة
• عن علي بن أبي طالب قال: نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة بعد العصر إلا أن تكون الشمس بيضاء نقية مرتفعة.
حسن: رواه أبو داود (١٢٧٤)، والنسائي (٥٧٣) كلاهما من طريق منصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف، عن وهب بن الأجدع، عن علي ﵁. ورجاله ثقات غير وهب بن الأجدع فقد وثَّقه العجلي وابن حبان، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث.
قلت: مثله يحسن حديثه، وأما الحافظ فقال فيه في التقريب: "ثقة" والحق أن يقال فيه "صدوق".
وأخرجه ابن خزيمة (١٢٨٤، ١٢٨٥) وعنه رواه ابن حبان في صحيحه (١٥٦٢) عن منصور به ولفظه: "لا يُصلى بعد العصر إلا أن تكون الشمسُ مرتفعة".
قال ابن خزيمة: "هذا حديث غريب، سمعتُ محمد بن يحيى يقول: وهب بن الأجدع قد ارتفع عنه اسم الجهالة، وقد روى عنه الشعبي أيضًا وهلال بن يساف".
وقال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٦٣): "رواه أبو داود بإسناد صحيح قوي".
وأما البيهقي فأبدى تحفظه عن قبول هذا قائلًا: هذا حديثُ واحدٍ، وما مضى في النهي عنها ممتد إلى غروب الشمس حديثُ عددٍ، فهو أولى أن يكون محفوظًا وقد رُوِي عن عليٍّ ما يخالف هذا، وروي ما يوافقه" (٢/ ٤٥٩).
هو يقصد بالمخالفة ما سبق ذكره في باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر.
وقال الحافظ في "الفتح": "ورُوِي عن ابن عمر تحريم الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وإباحتها بعد العصر حتى تصفرَّ، وبه قال ابنُ حزمٍ، واحتج بحديث علي بن أبي طالب وذكر الحديث، ثم قال: والمشهور إطلاق الكراهة في الجميع". انتهى.
стр. 1578
وقال في "التلخيص" (١/ ١٨٥) بعد أن ذكر حديث علي بن أبي طالب: "وظاهره مخالف لما تقدم مع صحَّةِ إسناده".
قلت: الوقت وقتان: وقت ضيق، ووقت موسع.
فأما الضيق فهما عند طلوع الشمس وعند غروبها، وهذا لا خلاف بين أهل العلم في تحريم الصلاة عندهما.
وأما الوقت الموسع فهما من صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ومن صلاة العصر حتى تغرب الشمس، فالجمهور على تحريم الصّلاة في هذين الوقتين.
ويرى جماعة من أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم بأنه لا بأس بالصّلاة فيهما. ومن هؤلاء: ابن عمر لما رواه مرفوعًا: "لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس" ورواه أيضًا البخاري بإسناده عنه قال: "أصلِّي كما رأيتُ أصحابي يصلون، لا أنهى أحدًا يُصلي بليل ولا نهار ما شاء غير أن لا تحرَّوا طلوع الشمس ولا غروبها" (٥٨٩)، وقالت مثله عائشة كما مضى من حديثها في إيهام عمر في النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر، وإنما النهي أن يتحرَّى أحد طلوع الشمس وَغروبها.
وفي صحيح ابن حبان (١٥٦٨) من رواية شعبة، عن المِقدام بن شُريح، عن أبيه قال: سألتُ عائشة عن الصلاة بعد العصر فقالت: صَلِّ إنما نهى رسولُ الله ﷺ عن الصلاة إذا طلعت الشمس.
ومنهم بلال، فقد روى الإمام أحمد (٢٣٨٨٧)، والطبراني (١٠٧٠) من رواية شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن بلال قال: لم يكن يُنهى عن الصلاة إلا عند طلوع الشمس، فإنها تطلع بين قرني الشيطان.
وإسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح، ورواه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٥٤) من طريق سفيان الثوري، عن قيس بن مسلم به إلا أنه ذكر فيه غروب الشمس مكان طلوعها.
وممن رخّص في الصّلاة بعد العصر والشمس مرتفعة: علي بن أبي طالب، وتميم الداري، وأبو أيوب، وأبو موسى، وزيد بن خالد الجهني، وابن الزبير، والنعمان بن بشير، وأم سلمة، ﵃ جميعًا.
ومن التابعين: الأسود، ومسروق، وشريح، وعمرو بن ميمون، وعبد الرحمن بن الأسود، وعبيدة، والأحنف بن قيس، وطاوس. وحكي رواية عن أحمد.
قال إسماعيل بن سعيد الشالَنجي: سألت أحمد: هل ترى بأسًا أن يصلي الرجل تطوعًا بعد العصر، والشمس بيضاء مرتفعةً: قال: لا نفعله، ولا نُعيب فاعله.
ويظهر من قولهم أنهم كانوا يمنعون عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لمشابهة الكفار في سجودهم للشمس في هذين الوقتين، وأما قبل الطلوع وقبل الغروب فكانوا يرون أن المنع منه
стр. 1579
سدًّا للذريعة، وبهذا علل عمر بن الخطاب عندما ضرب بِدُرّته تميمًا الداريَّ وهو يصلي بعد العصر فلما انتهى من صلاته قال: لِمَ ضربتي؟ قال: لأنّك ركعت هاتين الركعتين وقد نهيتُ عنهما. قال: إني قد صليتُهما مع من هو خير منك؛ رسول الله ﷺ ، فقال عمر: إنه ليس بي إيّاكم أيّها الرّهط، ولكني أخاف أن يأتي بعدكم قومٌ يصلُّون ما بين العصر إلى المغرب حتى يمروا بالساعة التي نهي رسول الله ﷺ أن يُصلي فيها كما صلوا بين الظهر والعصر، ثم يقولون: قد رأينا فلانًا وفلانًا يصلون بعد العصر.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٦٧٩) وفيه عبد الله بن صالح وفيه كلام إلا أنه حسن الحديث.
وكذلك وقعت هذه القصة مع زيد بن خالد أن عمر رآه يصلي بعد العصر ركعتين، فمشى إليه فضربه بالدرة وهو يُصلي، فلما انصرف قال: دعها يا أمير المؤمين! فوالله! لا أدعها أبدًا بعد إذ رأيت رسول الله ﷺ يُصليهما. فجلس إليه عمر فقال: يا زيد! لولا أني أخشى أن يتخذها الناس سُلَّمًا إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما.
رواه الإمام أحمد (١٧٠٣٦) وفيه رجال غير معروفين.
فمن رأى أن النهي في هذين الوقتين سدًّا للذريعة في الصلاة في وقت الكراهة لم يُحرم.
ومن تمسك بالنص العام ذهب إلى تحريم الصلاة في هذين الوقتين.
حكى الترمذي عن أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور.
ولم يذكر مسلم في صحيحه التعليل الذي ذكر في قصة عمر سدًّا للذريعة فقد رواه في صلاة المسافرين (٨٣٦) من حديث المختار بن فلفل قال: سألت أنس بن مالك، عن التطوع بعد العصر فقال: كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر. انتهى.
٦ - باب ما جاء في الرخصة في الصلاة بمكة في كل وقت
• عن جبير بن مطعم يبلغ به النبي ﷺ قال: "لا تمنعوا أحدًا يطوف بهذا البيت، ويصلي أي ساعة شاءَ من ليل أو نهار".
وفي رواية: "يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحدًا".
حسن: رواه أبو داود (١٨٩٤)، والترمذي (٨٦٨)، والنسائي (٥٨٥)، وابن ماجه (١٢٥٤) كلهم من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن باباه، عن جبير بن مطعم فذكره واللفظ لأبي داود. وإسناده حسن من أجل أبي الزبير.
ورواه ابن خزيمة في صحيحه (١٢٨٠) من هذا الطريق، ومن طريق ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع عبد الله بن باباه فذكر نحوه.
стр. 1580
فقد صرَّح فيه ابن جريج وشيخه بالتحديث والسماع، وأما ابن حبان فاختار أن يروي عن شيخه ابن خزيمة من الطريق الأولى وليس فيه التحديث، ثم رواه من طريق ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن أبا الزبير حدثه، عن ابن باباه (١٥٥٢، ١٥٥٣).
ورواه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٤٤٨) من طريق سفيان به. وقال: صحيح على شرط مسلم.
وأما ما رُوِي عن أبي ذر أنه أخذ بحلْقَةِ باب الكعبة، فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا صلاة بعد العصر حتى تغربَ الشمس، ولا بعد الفجر حتى تطلع الشمسُ إلا بمكة" فهو ضعيف.
رواه أحمد (٢١٤٦٢)، والطبراني في الأوسط (٨٥١)، والدارقطني (١/ ٤٢٤)، والبيهقي (٢/ ٤٦١) كلهم من طريق عبد الله بن مؤمل، عن حُميد مولى عفراء، عن قيس بن سعد، عن مجاهد، عن أبي ذر فذكر الحديث.
إلا أن حميد مولى عفراء سقط في مسند أحمد. وهو ضعيف كما قال البيهقي وغيره. ومجاهد لم يسمع من أبي ذر كما قال ابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ٤٥)، ورواه ابن خزيمة (٢٧٤٨) وقال: أنا أشك في سماع مجاهد من أبي ذر.
وفيه أيضًا عبد الله بن مؤمل ضعيف إلا أن إبراهيم بن طهمان قد تابعه عن حميد ومن طريقه رواه البيهقي.
قال ابن عبد البر بعد أن تكلم على حديث أبي ذر وضعَّفه: "ففي حديث جبير بن مطعم ما يُقوِّيه مع قول جمهور علماء المسلمين به. وذلك أن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير والحسن والحسين وعطاء وطاوس ومجاهدًا والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير كانوا يطوفون بعد العصر، وبعضهم بعد الصبح أيضًا، ويصلون بأثر فراغهم من طوافهم ركعتين في ذلك الوقت. وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود بن علي. وقال مالك بن أنس: من طاف بالبيت بعد العصر أخر ركعتي الطواف حتى تغرب الشمس، وكذلك من طاف بالبيت بعد الصبح لم يركعهما حتى تطلع الشمس وترتفع. وقال أبو حنيفة: يركعهما إلا عند غروب الشمس وطلوعها واستوائها".
٧ - باب من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ولو كان الوقت مكروهًا
• عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاةً فليصلِّ إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه: ١٤].
متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٩٧) عن أبي نعيم وموسى بن إسماعيل، قالا: حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس فذكر مثله.
قال موسى: قال همام: سمعته يقول بعد: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ وقال حبان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس، عن النبي ﷺ نحوه.
ورواه مسلم في المساجد (١٨٤) عن هدَّاب بن خالد، حدثنا همام به مثله.
стр. 1581
ورواه من طرق أخرى عن أبي عوانة، عن قتادة به ولم يذكر "لا كفارة لها إلا ذلك".
وبوَّب البخاري بقوله: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، ولا يُعيد إلا تلك الصلاة" اسْتُفِيد منه أنه لا يجب غير إعادتها، وذهب مالك إلى أن من ذكر بعد أن صلى صلاة أنه لم يُصل التي قبلها، فإنه يُصلي التي ذكر، ثم يُصلي التي كان صلاها مراعاة للترتيب. انتهى.
ويحتمل أنه أشار بقوله: "ولا يعيد إلا تلك الصلاة" ما وقع في بعض طرق حديث أبي قتادة عند مسلم في قصة النوم عن الصلاة حيث قال: "فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها" فصارت الإعادة مرتين: عند ذكرها، وعند حضور مثلها من الوقت الآتي. انظر: "الفتح" (٢/ ٧١) وهو الحديث الآتي.
• عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يُصَلِّ الصلاة حتى يجيءَ وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليُصلها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها".
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٨١) من طريق ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة في حديث طويل سبق تخريجه في الأذان.
وقوله: "فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها" معناه أن وقت صلاة الصبح لم يتحول إلى ما بعد طلوع الشمس، فإذا كان الغد فصلُّوا في وقتها المعتاد.
ولكن رواه أبو داود (٤٣٨) من طريق خالد بن سُمير قال: قدم علينا عبد الله بن رباح الأنصاريّ من المدينة فقال: حدثني أبو قتادة فذكر الحديث بطوله وفيه: "فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحًا فليقض معها مثلها" وهذا يدل على قضاء الفائتة مرتين، مرة في الحال عند الذكر، ومرة في الغد في وقتها المعتاد.
وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، قال الخطابي: يشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب ليحوز فضيلة الوقت في القضاء، وتعقبه الحافظ في الفتح" (٢/ ٧١) فقال: "ولم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك، بل عدوا الحديث غلطًا من راويه.
وحكى ذلك الترمذي وغيره عن البخاري. وقال: ويؤيد ذلك ما رواه النسائي من حديث عمران بن حصين: أنهم قالوا: يا رسول الله! ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال النبي ﷺ : "لا ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم" انتهى.
قلت: قد يكون هذا الخطأ من خالد بن سُمير السّدوسيّ فإنه وصف بالوهم في حفظه فلعله روى الحديث بالمعنى فأخطأ فيه، فإنه لم يتابع على حديثه هذا.
وأما ما أشار إليه الحافظ بقوله: "لا ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم" في حديث عمران عند النسائي فلم أجده لا في الكبرى ولا في الصغرى، ولكن رواه الإمام أحمد (١٩٩٦٤) عن يزيد قال: أخبرنا هشام. وروح، قال: حدثنا هشام، عن الحسن، عن عمران بن حصين فذكر قصة
стр. 1582
تعريب النبي ﷺ وفيه فقالوا: يا رسول الله! ألا نُعبدها في وقتها من الغَدِ؟ قال: "أينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم؟ " ورواه أيضًا ابن خزيمة (٩٩٤) وعنه ابن حبان في صحيحه (١٤٦١) عن محمد بن يحيى الذهلي، نا يزيد بن هارون به مثله.
ورواه ابن حبان (٢٦٥٠)، واليهقي (٢/ ٢١٧) من أوجه أخرى عن هشام به مثله. وروح هو: ابن عبادة. وهشام هو: ابن حسان.
ورجاله رجال الصحيح إلا أن فيه الحسن البصري وهو مدلِّس وقد عنعن، وقد قيل إنه لم يسمع من عمران بن حصين ولكن أثبت الحاكم في "المستدرك، (١/ ٢٧٤) صحة سماعه من عمران بن حصين وفي مسند أحمد (١٩٩٦٥) عقب الرّواية السّابقة، حدثنا معاوية، حدثنا زائدة، عن هشام، قال: زعم الحسنُ أن عمران بن حصين حدَّثه قال: أسرَينا مع النبي ﷺ ليلة فذكر الحديث.
وسبق تخريج هذا الحديث في أبواب الأذان. باب الأذان للفائت.
• عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من نسي صلاةً أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها".
حسن: رواه البزّار "كشف الأستار" (٣٩٤) عن أحمد بن المقدام، ثنا إسماعيل ابن عُلية، عن عُيينة، عن أبيه، عن أبي بكرة فذكر الحديث.
قال البزار: لا نعلمه عن أبي بكرة إلا من هذا الوجه، ولم يحدث به عن ابن عُلية إلا أحمد بن المقدام. انتهى.
وقال الهيثمي في "المجمع" (١/ ٣٢٢): "رواه البزار ورجاله موثقون".
قلت: وهو كما قال، فإن أكثر رجال الإسناد صدوق وهم من رجال التهذيب.
• عن أبي جُحَيْفة قال: كان رسول الله ﷺ في سفره الذي ناموا فيه حتى طلعتِ الشمسُ فقال: "إنكم كنتُم أمواتًا، فرد الله إليكم أرواحكم، فمن نام عن صلاة فليصلها إذا استيقظ، ومن نسي صلاة فليصل إذا ذكر".
حسن: رواه أبو يعلى المقصد العلي (٢٠٣) عن أبي خيثمة، ثنا الفضل بن دُكين، ثنا عبد الجبار بن العباس الهمداني، عن عون بن أبي جُحَيْفة، عن أبيه فذكر مثله.
وإسناده حسن لأجل عبد الجبار بن العباس الهمداني الشِبامي تكلم فيه من قبل حفظه غير أنه حسن الحديث.
قال الهيثمي في "المجمع" (١٨٠٣): رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير، ورجاله ثقات".
وفي الباب عن أبي سعيد الخدري رواه أبو يعلى "المقصد العليُّ" (٢٠٤) وفيه الحسن مدلس وقد عنعن، وعن عبد الله بن مسعود في قصة تعريس النبي ﷺ رواه أحمد (٣٧١٠) وأبو يعلى
стр. 1583
"المقصد العلي" (٢٠٢)، وفيه عبد الرحمن بن عبد الله المسعوديّ مختلط والرّاوي عنه عبد الرحمن بن مهدي روى عنه بعد الاختلاط. وفيه من النكارة أنّ الحارس في هذه القصة عبد الله بن مسعود نفسه والصّحيح أنه بلال كما في صحيح مسلم وغيره.
وعن سمرة بن جندب رواه البزار "كشف الأستار" (٣٩٧) وفيه يوسف بن خالد السَّمْتي كذاب كما قال الهيثمي.
وفي أحاديث الباب دليل على أنه متى ذكرها في وقت أو في غير وقت فإنه يُصليها، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال أهل الكوفة: من نام عن صلاة العصر فاستيقظ عند غروب الشمس فلا يُصلي حتى تغرب الشمس. وكذلك مَن استيقظ عند طلوع الشمس فلا يُصلي حتى تطلع الشمس.
انظر كلام الترمذي على حديث أبي قتادة (١٧٧)، وحديث أنس (١٧٨).
• * *
стр. 1584
جموع أبواب السترة
١ - باب ما جاء في تحري الصّلاة إلى سترة كالأسطوانة ونحوها
• عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه كان يُعَرِّضُ راحِلتَه فيُصَلِّي إليها. قال نافع: أفرأيتَ إذا هبَّتِ الركابُ؟ قال: كان يأخذ هذا الرحلَ فيُعدِّله فيُصلي إلى آخِرَتِه - أو قال: مؤخَّرِه - وكان ابن عمر يفعلُه.
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٥٠٧)، ومسلم في الصلاة (٥٠٢) كلاهما من طريق معتمر بن سليمان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر فذكر مثله واللفظ للبخاري.
ولفظ مسلم مختصر: "كان يُعرض راحلته وهو يصلي إليها".
وفي لفظ: "كان يصلي إلى راحلته".
وفي لفظ: "إن النبي ﷺ صلى إلى بعير".
قوله: "يُعرّض" بتشديد الراء، أي يجعلها عرضًا أي معترضة بينه وبين القبلة.
وقوله: "هبَّتِ الركاب" أي: هاجتِ الإبل، يقال: هبَّ الفحلُ إذا هاج، وهبَّ البعير في السير إذا نشط. والركاب الإبل التي يسار عليها ولا واحد لها من لفظها.
والمعنى أنّ الإبل إذا هاجت شوشت على المصلي لعدم استقرارها، فيعدل عنها إلى الرحْلِ فيجعله سترة.
وقوله: "آخرته أو مؤخَّره "المراد بها العود الذي في آخر الرحْلِ الذي يستند إليها الراكب.
وفي الموطأ (١/ ١٥٥) كان ابن عمر يكره أن يمرَّ بين يدي النساء، وهنَّ يصلين، وفي رواية: أنه كان لا يمر بين يدي أحد، ولا يدع أحدًا يمرَّ بين يديه.
• عن ابن عمر، أنّ رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه، فيصلي إليها، والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمن ثمَّ اتّخذ الأمراء.
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٤٦٤)، ومسلم في الصلاة (٥٠١) كلاهما من حديث عبد الله بن نمير، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
• عن أنس بن مالك، قال: كان النبيّ ﷺ إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام، ومعنا عُكَّازة أو عصا، أو عنزة، ومعنا إداوة، فإذا فرغ من حاجته ناولناه الإدارة.
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٥٠٠)، ومسلم في الطهارة (٢٧١) كلاهما من حديث
стр. 1585
شعبة، عن عطاء بن أبي ميمونة، أنه سمع أنس بن مالك يقول (فذكره). واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
• عن طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وضع أحدُكم بين يديه مِثل مؤخِرةِ الرحْلِ فليُصلِّ. ولا يبالي من مرَّ وراء ذلك".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٩٩) من طريق أبي الأحوص، عن سماك عن موسى بن طلحة، عن أبيه فذكر مثله.
والرواية الثانية من طريق عمر بن عبيد الطنافسي، عن سماك به. ومن هذا الطريق رواه ابن خزيمة (٨٠٥) وعنه ابن حبان (٢٣٨٠) في صحيحيهما.
قال عطاء: آخِرةُ الرحْلِ: ذراع فما فوقه. أسنده أبو داود (٦٨٦) من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء فذكر مثله.
قلت: مؤخِرة الرحل: هي الخشبة التي يستند إليها الراكب كما ذكره النووي.
• عن عائشة أن رسول الله ﷺ سئل في غزوة تبوك عن سترة المصلي فقال: "كمُؤخِرةِ الرحْل".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٥٠٠) من طريق أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة، عن عائشة فذكرت مثله.
• عن سَبْرة بن معبد الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : إذا صلَّى أحدكم فليستتر الصلاته، ولو بسهم".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٥٣٤٠) عن زيد (بن الحُباب) قال: أخبرني عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده فذكر مثله. ورواه أيضًا (١٥٣٤٢) عن يعقوب بن إبراهيم، حدثنا عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : اسُترةُ الرجل في الصلاة السهمُ، وإذا صلَّى أحدكم فليستتِرْ بسهمٍ".
ورواه أيضًا الطبراني في الكبير" (٦٥٤٢) من طريق زيد بن الحباب، وأبو يعلى (٩٤١) من طريق يعقوب بن إبراهيم به وصحّحه ابن خزيمة (٨١٠)، والحاكم (١/ ٢٥٢) فروياه من طريق إبراهيم بن سعد، والبيهقي (٢/ ٢٧٠) من طريق حرملة بن عبد العزيز، والطبراني في "الكبير" (٦٥٤١) من طريق سبرة بن عبد العزيز، كلهم عن عبد الملك به مثله.
وتحرف عبد الملك بن الربيع في ابن خزيمة فقال: عبد الملك، هو ابن عبد العزيز بن سبرة، وعند الحاكم: عبد الملك بن عبد العزيز بن الربيع بن سبرة.
ولعل الصواب هو: عبد الملك أخو عبد العزيز، فتحرف أخو إلى ابن، وسقط الربيع من
стр. 1586
الإسناد، إذ هو: عبد الملك بن الربيع بن سَبْرة بن معبد الجهني، روي عن أبيه، وعنه ابنا أخيه سبرة وحرملة ابنا عبد العزيز، وإبراهيم بن سعد وزيد بن الحباب ويعقوب بن إبراهيم بن سعد وغيرهم.
وثقه العجلي وقال الذهبي: صدوق إن شاء الله، وأخرج له مسلم متابعة. وروي عن ابن معين تضعيفه. وهو جرح مجمل، ولذا اكتفى الحافظ بتوثيق العجلي له، وقد صحَّح الترمذي حديثه: إذا بلغ الغلامُ سبع سنين أُمِر بالصلاة ... " وصحَّح الحاكم على شرط مسلم. فمثله يحسن حديثه وخاصة إذا كانت له شواهد.
• عن يزيد بن أبي عُبيد، قال: كنت آتي مع سلمة بن الأكوع فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف، فقلت: يا أبا مسلم! أراك تتحرّى الصّلاة عند الأسطوانة؟ قال: فإني رأيت النبيَّ ﷺ يتحرَّى الصلاة عندها.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلاة (٥٠٢)، ومسلم في الصلاة (٥٠٩/ ٢٦٤) كلاهما من حديث مكي بن إبراهيم، قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد، فذكره.
• عن علي، قال: لقد رأيتنا ليلة بدر، وما منا إنسان إلا نائم إلا رسول الله ﷺ ، فإنه كان يُصلي إلى شجرة، ويدعو حتى أصبح، وما كان منا فارس يوم بدر غير المقداد بن الأسود.
صحيح: رواه الإمام أحمد (١١٦١) عن محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت حارثة بن مُضرِّب يحدّث عن علي، فذكره. وإسناده صحيح.
٢ - باب ما يقطع الصلاة
• عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قام أحدكم يُصلي، فإنه يستُره إذا كان بين يديه مثلُ آخِرة الرحْلِ، فإذا لم يكن بين يديه مثلُ آخِرةِ الرحْلِ فإنه يقطعُ صلاتَه الحمارُ والمرأةُ والكلب الأسودُ". قلت: يا أبا ذر! ما بالُ الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي! سألت رسولَ الله ﷺ كما سألتني فقال: "الكلب الأسود شيطان".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٥١٠) من طرق عن يونس، عن حُميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر فذكر مثله.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يقطع الصلاةَ المرأةُ والحمارُ والكلبُ، ويقي ذلك مثلُ مؤخِرَةِ الرحْلِ.
صحيح: رواه مسلم (٥١١) عن إسحاق بن إبراهيم، نا المخزومي، ثنا عبد الواحد (وهو ابن
стр. 1587
زياد) ثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصمِّ، ثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة فذكره.
• عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "يقطعُ الصلاةَ الكلب الأسودُ، والمرأة الحائض".
صحيح: رواه ابن ماجه (٩٤٩) عن أبي بكر بن خلاد الباهلي، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، قال: حدّثنا شعبةُ، قال: حدّثنا قتادةُ، قال: حدّثنا جابر (ابن زيد)، عن ابن عباس فذكره.
ورواه الإمام أحمد (٣٢٤١) عن يحيى بن سعيد.
ورواه أبو داود (٧٠٣) عن مسدد، والنسائي (٧٥٢) عن عمرو بن علي، كلاهما عن يحيى بن سعيد به وقرن النسائي هشامًا بشعبة. ثم قال: قال يحيى: رفعه شعبةُ.
وعلَّله أبو داود بقوله: وقَّفه سعيد وهشام وهمام، عن قتادة، عن جابر على ابن عباس. انتهى.
وقد رجح أهل العلم رواية شعبة لما فيه مِنْ زيادة علم، وشعيةُ حافظ حجة، فزيادته مقبولة كما هو معروف عند أهل العلم بالحديث.
ولذا أخرجه ابن خزيمة (٨٣٢)، وابن حبان (٢٣٨٧) في صحيحيهما.
ونقل ابن أبي حاتم عن أبيه: "هو صحيح عندي" قاله ردًّا على ما ذكره يحيى بن سعيد قال: أخاف أن يكون وهم. "العلل" (١/ ٢١٠).
ولحديث ابن عباس إسناد آخر وهو ما رواه أبو داود (٧٠٤)، عن محمد بن إسماعيل البصري، حدّثنا معاذ، حدّثنا هشام، عن يحيى، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أحسبه عن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلّى أحدكم إلى غير سترة فإنه يقطع صلاته: الكلب، والحمار، والخنزير، واليهودي، والمجوسي، والمرأة. وتجزئ عنه إذا مروا بين يديه على قذفة بحجر".
قال أبو داود: "في نفسي من هذا الحديث شيء، كنتُ أذاكر به إبراهيم وغيره فلم أر أحدًا جاء به عن هشام، ولا يعرفه. ولم أر أحدًا يحدث به عن هشام، وأحسب الوهم من ابن أبي سمينة - يعني محمد بن إسماعيل البصري مولى بني هاشم - والمنكر فيه ذكر المجوسي، وفيه "على قذفة بحجر" وذكر الخنزير، وفيه نكارة.
قال أبو داود: ولم أسمع هذا الحديث إلا من محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة، وأحسبه وهم، لأنه كان يحدّثنا من حفظه" انتهى.
قلت: محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة ثقة، من رجال الصحيح، وإنما علة هذا الحديث شك الراوي في رفعه مع النكارة في بعض ألفاظه، وعنعنة يحيى وهو ابن أبي كثير فإنه مدلس.
• عن أنس أن النبي ﷺ قال: "قطع الصلاةَ الكلبُ والحمارُ والمرأةُ".
حسن: رواه البزار الكشف الأستار" (٥٨٢) عن يحيى بن محمد بن السكن، ثنا يحيى بن كثير، ثنا شعبة، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس، عن النبي ﷺ فذكر الحديث.
стр. 1588
قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٦٠): "رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح".
قلت: وهو كما قال، والإسناد حسن لأجل يحيى بن محمد بن السكن القرشي البزار، وهو وإن كان من رجال البخاري إلا أنه حسن الحديث.
٣ - باب من قال: المرأة لا تقطع الصلاة
• عن عبد الله بن شداد قال: سمعتُ خالتي ميمونة زوج النبي ﷺ أنها كانت تكون حائضًا لا تُصلِّي، وهي مفترشةٌ بحذاءِ مسجد رسولِ الله ﷺ وهو يُصلِّي على خمرته، إذا سجد أصابني بعض ثوبه.
وفي رواية: "كان رسول الله ﷺ يُصلي وأنا حِذاءَه وأنا حائض، وربما أصابني ثوبُه إذا سجد".
وفي رواية: كان النبي ﷺ يُصلي، وأنا إلى جنبه نائمة".
متفق عليه: رواه البخاري في الطهارة (٣٣٣)، وفي الصلاة (٣٧٩)، ومسلم في الصلاة (٥١٣) كلاهما من طرق عن سليمان الشيباني، عن عبد الله بن شداد به فذكر مثله.
اسُتدِل بهذا الحديث على أن المرأة لا تقطع الصلاة، إلا أن ألفاظ الحديث لا تدل على جواز المرور بين يدي المصلي، وإنما تدل على جواز القعود أمام المصلي أو جنبه.
• عن عائشة ذُكر عندها ما يقطعُ الصلاةَ: الكلبُ والحمارُ والمرأة. فقالت: شبهتمونا بالحُمر والكلاب. والله! لقد رأيتُ النبي ﷺ يُصلي وإني على السرير، بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجةُ، فأكره أن أجلسَ فأوذيَ النبي ﷺ فأنْسِلُّ من عند رجليه.
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٥١٤)، ومسلم في الصلاة (٢٧٠) (الرقم الصغير) كلاهما عن عمر بن حفص بن غياث، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا الأعمش، قال: حدّثنا إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة فذكرت مثله.
قال الأعمش: وحدثني مسلم، عن مسروق، عن عائشة.
ورواه مسلم من طريق أبي بكر بن حفص، عن عروة بن الزبير، قال: قالت عائشةُ: ما يقطع الصلاة؟ قال: فقلنا: المرأة والحمارُ. فقالت: إن المرأة لدابةُ سوءٍ! لقد رأيتُني بين يدي رسول الله ﷺ معترضة، كاعتراضي الجنازةِ وهو يُصلِّي.
ورواه مالك في صلاة الليل (٢) عن أبي النضْر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: كنتُ أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجْلايَ في قبلته، فإذا سجد غمزني، فقبضتُ رِجْلَيَّ. فإذا قام بسطتُهما. قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح.
стр. 1589
ورواه البخاري في الصلاة (٣٨٢) عن إسماعيل (وهو ابن أبي أويس)، ومسلم في الصلاة (٢٧٢) (الرقم الصغير) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به مثله.
ولحديث عائشة هذا طرق أخرى في الصحيحين وغيرهما.
والذي رواه شعبةُ عن سعد بن إبراهيم، عن عروة، عن عائشة وقال فيه: أحسبها قالت: وأنا حائض.
رواه أبو داود (٧١٠) عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة به.
وقال: رواه جماعة عن جماعة - وسماهم - ولم يذكروا: "حائضًا".
• عن عائشة أن النبي ﷺ صلَّى وهي معترضة بين يديه وقال: "أليس هُنَّ أمهاتكم وأخواتكم وعماتكم".
حسن: رواه أحمد (٢٤٣٥٩) عن يونس، حدّثنا داود، يعني ابن أبي فُرات، عن إبراهيم بن ميمون الصائغ، عن عطاء، عن عروة، عن عائشة فذكرته.
وإسناده حسن لأجل إبراهيم بن ميمون الصائغ فإنه صدوق كما في التقريب. وقد وثَّقه ابن معين والنسائي. وقال أبو زرعة: ليس به بأس. وله متابع دون قوله: "أليس هن أمهاتكم ... ".
وبقية الرجال ثقات، يونس هو: ابن محمد المؤدب، وعطاء هو: ابن أبي رباح.
قال السندي: قوله: أليس هنَّ - أي النساء - أي فكيف يقطعن الصلاة عليكم بمرورهن.
• عن أم سلمة قالت: كان فراشها حيال مسجد رسول الله ﷺ . وفي رواية: كان يفرش لي حيال مصلى رسول الله ﷺ فكان يُصلي وأنا حياله.
صحيح: روه أبو داود (٤١٤٨)، وابن ماجه (٩٥٧) كلاهما من طريق يزيد بن زُريع، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أمها فذكرته. وإسناده صحيح.
ورواه الإمام أحمد (٤١٤٨)، وأبو يعلى (٩٥٧) من طريق وهيب، والطبراني في "الكبير" (٢٣/ ٣٥٠) من طريق وهب بن بقية - كلاهما عن خالد الحذاء به مثله.
ووهيب هو: ابن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم، ووهب بن بقية هو: ابن عثمان الواسطي وكلاهما ثقتان من رجال الصحيح. فزيادتهما مقبولة.
الجمع بين الأحاديث من البابين:
لقد نقل الترمذي عن الإمام أحمد بعد أن أخرج حديث أبي ذر: "قال أحمد: الذي لا أشك فيه أن الكلب الأسود يقطع الصلاة. وفي نفسي من الحمار والمرأة شيء. قال إسحاق: لا يقطعها شيء إلا الكلب الأسود" (٢/ ١٦٣).
قلت: لأنه لم يجد في الكلب الأسود ما يعارضه، وقد وجد في الحمار حديث ابن عباس الآتي، وفي المرأة حديث عائشة.
стр. 1590
وأما حديث أبي ذر فذهب بعض أهل العلم إلى نسخه بحديث أبي سعيد وهو ضعيف رواه أبو داود (٧١٩) وغيره عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤا ما استطعتم، فإنما هو شيطان" وفيه مجالد بن سعيد الهمداني وهو سيء الحفظ.
وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة عند الدارقطني، وجابر عند الطبراني في "الأوسط"، وأبي أمامة عند الطبراني في "الكبير" وهي كلها ضعيفة لا تنتهض للاحتجاج بها.
ومع هذا ذهب إلى النسخ الطحاوي وابن عبد البر وغيرهما.
ومنهم من جعل أحاديث القطع ضعيفةً، وجعل ما يخالفها أقوى وأثبت. ذهب إليه الإمام الشافعي وقوَّى هذا الرأي في كتابه "اختلاف الحديث".
ومنهم من ذهب إلى التأويل مثل الخطابي فقال: "وقد يحتمل أن يتأول حديث أبي ذر على أن هذه الأشخاص إذا مرت بين يدي المصلي قطعتْه عن الذكر، وشغل قلبَه عن مراعاة الصلاة، فذلك معنى قطعها للصلاة، دون إبطالها من أملها حتى يكون فيها وجوب الإعادة" "معالم السنن".
٤ - باب الصلاة خلف النائم
• عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يُصلي، وأنا راقدةٌ معترضةً على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترتُ.
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٥١٢)، ومسلم في الصلاة (٢٦٨/ ٥١٢) كلاهما من حديث هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرت مثله. ولحديث عائشة طرق أخرى بعضها سبق ذكرها.
٥ - بابُ كراهية الصلاة خلف النائم
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "نُهيتُ أن أُصَلِّي خلف المتحدِّثين والنِّيام".
حسن: رواه الطبراني في الأوسط" "مجمع البحرين" (٧٤٧) عن محمد بن الفضل السقطي، ثنا سهل بن صالح الأنطاكي، ثنا شجاع بن الوليد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
قال الطبراني: "لم يرو عن محمد بن عمرو إلَّا شُجاع، تفرد به سهل.
قلت: لا يضرُّ تفرُّدُ سهل بن صالح وهو: ابن حكيم الأنطاكي، أبو سعيد البزار، فقد وثَّقه أبو حاتم وغيره.
ولكن قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٦٢): "فيه محمد بن عمرو بن علقمة، اختلف في الاحتجاج به".
قلت: محمد بن عمرو بن علقمة الليثي روى له البخاري مقرونًا بغيره، ومسلم في المتابعات قال الذهبي: "شيخ مشهور حسن الحديث، مكثر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وقد أخرج له
стр. 1591
الشيخان متابعة".
وأما شيخ الطبراني فهو ثقة كما قال الخطيب في "تاريخ بغداد" (٢/ ١٥٣).
ومثله يحسن حديثه وفي الباب أحاديث أخرى ولكن كلها ضعيفة، منها ما رُوِي عن ابن عباس ولا تصلوا خلف النائم والمتحدِّث".
رواه أبو داود (٦٩٤)، وابن ماجه (٩٥٩) كلاهما من حديث محمد بن كعب، عن ابن عباس فذكر الحديث. قال أبو داود: رُوي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية. وهذا الطريق أمثلها وهو ضعيف أيضًا".
قلت: وهو كما قال، ففي إسناد أبي داود رجل لم يُسم، وفي إسناد ابن ماجه: أبو المِقْدام وهو: هشام بن زياد بن أبي يزيد المدني متروك.
قال الخطابي في معالمه: هذا حديث لا يصح عن النبي ﷺ لضعف سنده، وعبد الله بن يعقوب لم يُسمِّ من حدَّثه عن محمد بن كعب. وإنَّما رواه عن محمد بن كعب رجلان كلاهما ضعيف، تمام بن بَزِيع وعيسى بن ميمون، وقد تكلم فيهما يحيى بن معين والبخاري.
ورواه أيضًا عبد الكريم أبو أمية، عن مجاهد، عن ابن عباس، وعبد الكريم متروك. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلَّى، وعائشه نائمة معترضة بينه وبين القبلة".
قلت: قال الحافظ في الفتح (١/ ٥٨٧): "كَرِه مجاهد وطاوس ومالك الصلاة إلى النائم خشية أن يبدو منه ما يُلْهي المصلي عن صلاته. وظاهر تصرف المصنف (يقصد به الإمام البخاري الذي بوَّبَ بقوله: الصلاة خلف النائم. وأورد فيه حديث عائشة المذكور) أن عدم الكراهية حيث يحصل الأمن من ذلك". انتهى. وبهذا يجمع بين الحديثين.
٦ - باب سترة الإمام سترة من خلفه
• عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يومَ العيد أمر بالحَرْبَةِ فتوضع بين يديه فيصلِّي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمن ثَمَّ اتخذها الأمراءُ.
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٤٩٤)، ومسلم في الصلاة (٥٠١) كلاهما من طريق عبد الله بن نمير، حدّثنا عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
واختصره البعض بقوله: "أن النبي ﷺ كان تُركزُ له الحربة فيصلي إليها" رواه البخاري (٤٩٨) عن مسدد، قال: حدّثنا يحيى (ابن سعيد) عن عبيد الله به، وفي مسلم من طريق محمد بن بشر، عن عبيد الله: "يركز العنَزَةَ ويصلي إليها" وفي رواية: تركز له العنزةُ فيصلي إليها".
والحربة والعنزة واحدة، والحربة إذا كانت قصيرة يقال لها عنزة. والعنزة كالرمح، لكن سنانها
стр. 1592
في أسفلها بخلاف الرمح فإنه في أعلاها.
• عن عون بن أبي جُحيفة قال: سمعت أبي أن النبي ﷺ صلى بهم بالبطحاء - وبين يديه عنزة - الظهرَ ركعتين، والعصر ركعتين، تمر بين يديه المرأةُ والحمارُ.
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٤٩٥) عن أبي الوليد، قال حدّثنا شعبة، عن عون بن أبي جُحيفة فذكر مثله.
ورواه هو (٣٧٦)، ومسلم في الصلاة (٥٠٣) من طريق عمر بن أبي زائدة، حدّثنا عون بن أبي جحيفة في حديث طويل سبق تخريجه في كتاب الطهارة، باب استعمال فضل الوضوء.
وقوله: "تمر بين يديه" أي: أمامه بعد العنزة.
• عن ابن عباس قال: أَقبلْتُ راكبًا على أتانٍ، وأنا يومئذ ناهزتُ الاحتلامَ، ورسول الله ﷺ يُصلي للناس بمنى. فمررتُ بين يدي بعض الصف. فنزلتُ فأرسلتُ الأتان ترتع، ودخلت في الصّف. فلم ينكر ذلك عليَّ أحدٌ.
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٣٨) عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس فذكر مثله.
ورواه البخاري في العلم (٧٦) عن إسماعيل بن أبي أويس، وفي الصلاة (٤٩٣) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في الصلاة (٥٠٤) عن يحيى بن يحيى، كل هؤلاء الثلاثة عن مالك بن أنس به مثله إلا أن البخاري زاد بعد قوله: يُصلِّي بالناس بمنى: "إلى غير جدار".
قال البيهقي ﵀: "هذه اللفظة ذكرها مالك بن أنس في هذا الحديث في كتاب المناسك، ورواه في كتاب الصلاة دون هذه اللفظة. ورواه الشافعي في القديم كما رواه في المناسك، وفي الجديد كما رواه في الصلاة "السنن الكبرى" (٢/ ٢٧٣). وبوَّب عليه البيهقي بقوله: "مَن صلَّى إلى غير سترة".
وذكر أبو داود (٧١٦) حديث ابن عباس في الرد على أن الحمار لا يقطع الصلاة عن أبي الصهباء قال: تذاكرنا ما يقطع الصلاة عند ابن عباس، فقال: جئت أنا وغلام من بني عبد المطلب على حمار ورسول الله ﷺ يُصلي. فنزلتُ ونزل، وتركنا الحمار أمام الصف، فما بالاه. وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب فدخلت بين الصف فما بالي ذلك.
أخرجه عن مسدد، حدّثنا أبو عوانة، عن منصور، عن الحكم، عن يحيى الجزار، عن أبي الصهباء فذكر مثله.
وإسناده لا بأس به. وأبو الصهباء مختلف فيه غير أنه جيد الحديث.
وفي رواية (٧١٧) عن عثمان بن أبي شيبة وداود بن مِخْراق الفريابي، قالا: حدّثنا جرير، عن منصور، بهذا الحديث بإسناده قال: جاريتان من بني عبد المطلب اقتتلتا فأخذهما. قال عثمان:
стр. 1593
ففرع بينهما. وقال داود: فنزع إحداهما من الأخرى، فما بالى ذلك.
وأخرج أيضًا النسائي (٧٥٥) من وجه آخر عن الحكم بعض هذه الألفاظ.
ورجاله ثقات غير داود بن مخراق فإنه صدوق وهو مقرون، وصحّحه ابن خزيمة (٨٣٧) فأخرجه من وجه آخر عن يوسف بن موسى، ثنا جرير، عن منصور به مثل لفظ داود بن مخراق.
وتبويب البخاري ﵀ لحديث عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس بقوله: "باب سترة الإمام سترةٌ لمن خلفه" يُشعر بأنّ الحمار ما كان يمر أمام النبي ﷺ ، وإنما كان أمام بعض الصفوف، والنبي ﷺ ما كان يصلي إلا إلى سترة، فسترته هي سترة لمن خلفه أيضًا، لأنه لم يأمر أبدًا للمأمومين باتخاذ السترة.
وهذا الذي فهمه أيضًا ابن خزيمة فقال بعد أن أخرج حديث أبي الصهباء: (٨٣٥): "هذا الخبر ظاهره كخبر عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أن الحمار إنما مَرَّ بين يدي أصحاب النبي ﷺ ، لا بين يدي رسول الله ﷺ ، وليس فيه أن النبي ﷺ عَلِم بذلك، فإن كان في الخبر أن النبي ﷺ علم بمرور الحمار بين يدي بعض من كان خلفه، فجائز أن تكون سترة النبي ﷺ كانت سترة لمن خلفه، إذ النبي ﷺ قد كان يستر بالحربة إذا صلى بالمصلَّى. ولو كانت سترتُه لا تكون سترة لمن خلفه لاحتاج كلُّ مأموم أن يستتر بحربةٍ كاستتار النبي ﷺ بها. فحمل العنزة للنبي ﷺ يستتر بها دون أن يأمر المأمومين بالاستتار خلفه، كالدليل على أن سترة الإمام تكون سترة لمن خلفه" (٢/ ٢٥).
وهو الذي فهمه النووي في شرح مسلم فذكر من فوائده: أن سترة الإمام سترة لمن خلفه. ونقل عن القاضي اتفاق أهل العلم بأنه سترة لمن خلفه.
وأما ما رُوِيَ عن أنس مرفوعًا: "سترة الإمام سترة لمن خلْفه" فهو ضعيف، رواه الطبراني في "الأوسط" (١/ ٢٨٧) وفي إسناده سويد بن عبد العزيز ضعيف. "مجمع الزوائد" (٢/ ٦٢).
قلت: سويد بن عبد العزيز بن النمير السلمي مولاهم، الدمشقي قال فيه أحمد: متروك الحديث. وتكلم فيه ابن معين وأبو حاتم والنسائي.
ورواه عبد الرزاق (١/ ١٨) عن عبد الله بن عمر نحوه موقوفًا عليه.
وفيه أيضًا عبد الله بن عمر، وهو العمري المكبر "ضعيف".
٧ - باب منعُ المارِّ بين يدي المصلِّي
• عن أبي صالح السمَّان قال: رأيتُ أبا سعيدٍ الخدري في يوم جمعة، يصلِّي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شابٌّ من بني أبي مُعَيْطٍ أن يجتاز بين يديه فدفع أبو سعيد في صدْره، فنظر الشابُّ فلم يجد مساغًا إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فَدَفعَهُ أبو سعيد أشد من الأولى، فنال من أبي سعيد، ثم دخل على مروان، فشكا إليه ما لِقيَ
стр. 1594
من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفَهُ على مروان، فقال: ما لَكَ ولابنِ أخيكَ يا أبا سعيد؟ قال: سمعْتُ النبي ﷺ يقول: "إذا صَلَّى أحدكم إلى شيء يستُرُه من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفَعْه، فإنْ أَبى فَلْيُقَاتِلْهُ، فإنَّما هوَ شيطان".
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٥٠٩)، ومسلم في الصلاة (٥٠٥) كلاهما من طريق سليمان بن المغيرة، قال: حدثنا حُميد بن هلال العَدَوِي، قال: حدثنا أبو صالح السمَّان فذكره.
واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه إلا أنه زاد بعد قوله: من الدفعة الأولى: "فَمَثَل قائمًا، فنال من أبي سعيد، ثم زاحمَ الناسَ".
وقوله: "مساغًا" أي: طريقًا يمكنه المرور منها.
وقوله: "فمثل" بفتح الميم، وبفتح الثاء وضمها، ومعناه انتصب، والمضارع: يمثُلُ ومنه الحديث: "من أحبَّ أن يمثُلَ له الناس قيامًا".
ورواه مالك في قصر الصلاة (٣٣) عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان أحدكم يُصلِّي، فلا يدع أحدًا يمرُّ بين يديه، وليدرأُه ما استطاعَ، فإن أبَى فليقاتله، فإنّما هو شيطانٌ" بدون قصة.
ورواه مسلم (٥٠٥) عن يحيى بن يحيى، عن مالك به مثله.
وكذلك رواه محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم به مختصرًا بدون القصة، وزاد فيه: "وليَدْنُ منها"، ورواه أبو داود (٦٥٨)، وابن ماجه (٩٠٤) كلاهما عن محمد بن العلاء أبي كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان به وإسناده حسن لأجل محمد بن عجلان إلا أنه توبع ومن طريقه رواه ابن حبان في صحيحه (٢٧٧٢).
ورواه أبو داود (٦٩٩) أيضًا من وجه آخر عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "من استطاع منكم أن لا يَحُول بينه وبين قبلته أحد فليفعل" وفيه مسرة بن معبد اللخمي تُكُلِّم فيه غير أنه حسن الحديث.
ورواه الإمام أحمد (١١٧٨٠) وفيه خَنْقُ النبي ﷺ للشيطان انظر باب دفع الجن وخنقه في الصلاة.
• عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان أحدكم يُصلِّي فلا يدعْ أحدًا يمرُّ بين يديه، فإن أبى فليقاتلْه، فإن معه القرينَ".
صحيح: أخرجه مسلم في الصلاة (٥٠٦) عن هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع كلاهما عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك.
ح وعن إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا أبو بكر الحنفي - كلاهما يعني ابن أبي فديك وأبا بكر الحنفي، عن الضحاك بن عثمان، عن صدقة بن يسار، عن عبد الله بن عمر فذكر الحديث مثله.
стр. 1595
ورواه ابن خزيمة (٨٠٠) وعنه ابن حبان (٢٣٦٢) عن محمد بن بشار بُنْدار، عن أبي بكر الحنفي به وفيه: "لا تُصلّ إلا إلى سترة ... "، والذي رواه الحسن بن داود المنكدري، عن ابن أبي فديك، عن الضحاك وزاد فيه: "فإن معه العُزَّى" فهو شاذ، فإن المنكدري وإن كان لا بأس به إلا أنه تفرد بهذه الزيادة. رواه ابن ماجه (٩٥٥) عن هارون بن عبد الله الحمَّال والحسن بن داود المنكدري كلاهما عن ابن أبي فديك به.
• عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يُصلي، فمَرَّت شاةٌ بين يديه، فساعاها إلى القبلة حتى ألزق بطْنَه بالقبلة.
صحيح: رواه ابن خزيمة (٨٢٧)، وابن حبان (٢٣٧١)، والحاكم (١/ ٢٥٤) كلهم من طريق جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم والزبير بن خِرِّيت، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكر مثله.
قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري.
ورواه البيهقي (٢/ ٢٦٨) من طريق يحيى بن أبي بكير، ثَنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن صهيب البصري عن ابن عباس أنه قال: كان رسولُ الله ﷺ يُصلي فأراد جَدْي أن يمرَّ بين يديه فجعل يتقيه.
وإسناده جيد، فإن صهيب البصري أبو الصهباء مختلف فيه. فقال أبو زرعة: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وضعفه النسائي، وقد توبع متابعة قاصرة في رواية هذا الحديث.
والجَدْي - يفتح الجيم، وسكون الدال - ولد المَعْز.
وأما ما رواه أبو داود (٧٠٩) من طريق شعبة فإنه لم يذكر الواسطة بين يحيى الجزار وابن عباس، ويحيى الجزار لم يسمع من ابن عباس ففيه انقطاع.
وكذلك ما رواه أحمد (١٩٦٥) من طريق الحجاج، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن ابن عباس صلى النبي ﷺ في فضاء ليس بين يديه شيءٌ.
قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٦٦): "رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه الحجاج بن أرطأة، وفيه ضعف".
• عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده قال: هبطنا مع رسول الله ﷺ من ثنية أذاخِر، فحضرت الصلاة - يعني فصلى إلى جدار - فاتخذه قبلةً، ونحن خلفه، فجاءتْ بَهْمةٌ تمر بين يديه. فما زال يُدارِيها حتى لصق بطْنَه بالجدار. ومرتْ من ورائه. أو كما قال مسدد.
حسن: رواه أبو داود (٧٠٨) حدّثنا مسدد، حدّثنا عيسى بن يونس، حدّثنا هشام بن الغاز، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره.
والحديث رواه البيهقي (٢/ ٢٦٨) من طريق مسدد به مثله، إلا أنه لم يذكر، أو كما قال مسدد،
стр. 1596
فعُرف منه أنه قول أبي داود قاله احتياطًا.
وإسناده حسن لأجل عمرو بن شعيب فإنه صدوق.
٨ - باب إِثمُ المارِّ بين يدي المصلِّي
• عن بُسْر بن سعيد، أن زيد بن خالد الجُهني أرسله إلى أبي جُهيم يسأله: ماذا سمع من رسول الله ﷺ في المارِّ بين يدي المُصَلِّي؟ فقال أبو جُهيم: قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه؟ لكان أن يقِفَ أربعين خيرًا له من أن يمرَّ بين يديه".
قال أبو النَّضْر: لا أدري: قال أربعين يومًا، أو شهرًا، أو سنةً؟ .
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٣٤) عن أبي النَّضْرِ مولى عمر بن عبد الله، عن بُسْر بن سعيد فذكر مثله.
ورواه البخاري في الصلاة (٥١٠) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في الصلاة (٥٠٧) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به مثله.
وأبو جُهيم هو: ابن الحارث بن الصمة الأنصاري الصحابي.
والمرسل هو: زيد بن خالد الجهني.
والذي رواه سفيان بن عيينة، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد قال: أرسلوني إلى زيد بن خالد فهو مقلوب. رواه ابن ماجه (٩٤٤) عن هشام بن عمار، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، فذكر مثله.
وفيه قال سفيان: "فلا أدري أربعين سنة، أو شهرًا، أو صباحًا، أو ساعةً".
هكذا وقع الشك في تحديد المدة. ولكن رواه البزار في مسنده عن أحمد بن عبدة، ثنا سفيان، عن سالم أبي النضر، عن بُسْر بن سعيد قال: أرسلني أبو جُهَيم إلى زيد بن خالد أسأله عن المار بين يدي المُصَلِّي فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقوم أربعين خريفًا خيرًا له من أن يمر بين يديه".
"نصب الراية" (٢/ ٧٩)، قال الشيخ: وفيه فائدتان:
إحداهما: قوله: "أربعين خريفًا".
والثانية: إن متنه عكس متن الصحيحين، فالمسؤول في لفظ الصحيحين هو: أبو الجُهيم، وهو الراوي عن النبي ﷺ ، والمسؤول الراوي عند البزار - زيد بن خالد. ونسب ابن القطان وابن عبد البر الوهم فيه إلى ابن عيينة، وأطال الكلام فيه.
قلت: وقد رواه ابن ماجه (٩٤٥) أيضًا عن سفيان على الجادة، قال: حدّثنا علي بن محمد، قال: حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن سالم أبي النضْر، عن بسر بن سعيد أن زيد بن خالد أرسل إلى
стр. 1597
جُهيم الأنصاري يسأله: ما سمعت من النبي ﷺ في الرجل الذي يمر بين يدي الرجل وهو يُصلي؟ فذكر مثله على الشك الذي سبق. وسفيان هذا: الغالب أنه ابن عيينة الذي في السند السابق.
إذًا الخطأ ليس من سفيان، وإنما من الذي قبله.
والذي رُوِي عن أبي هريرة مرفوعًا: "لو يعلم أحدكم ما له في أن يَمُرَّ بين يدي أخيه، معترضًا في الصلاة، كان لأنْ يُقِيم مائة عامٍ خير له من الخُطْوةِ التي خَطاها" فهو ضعيف.
رواه ابن ماجه (٩٤٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدّثنا وكيع، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن عمه، عن أبي هريرة فذكر مثله.
ورواه أيضًا الإمام أحمد (٨٨٣٧) ولكن وقع قلب في الإسناد، فرواه عن محمد بن عبد الله، يعني أبا أحمد الزبيري، قال: أخبرنا عبيد الله، يعني ابن عبد الله بن موْهَب، قال: أخبرني عمي عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن أبي هريرة فذكر مثله.
فالعم هو: عبيد الله بن عبد الله بن موهب، وابن أخيه هو: عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب.
وعبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب ليس بالقوي وعمه اسمه: عبيد الله بن عبد الله بن موهب مجهول وقال أحمد: أحاديثه مناكير، ومع هذا أخرجه ابن خزيمة (٨١٤)، وابن حبان (٢٣٦٥) في صحيحهما كلاهما من طريق عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب به مثله.
وصحّحه أيضًا المنذري في "الترغيب والترهيب" (١/ ٣٧٧) وحسنه السيوطي في "الجامع الصغير" (٥/ ٣٣٧) وهذا يدل على تساهلهم.
قال الترمذي بعد أن رواه من طريق مالك: "والعمل عليه عند أهل العلم. كَرِهوا المرور بين يدي المصلِّي، ولم يَرَوا أن ذلك يقطع صلاةَ الرجلِ" (٢/ ١٦٠).
٩ - باب قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلي والسترة ؟
• عن سهل بن سعد قال: كان بين مُصلَّى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممرُّ الشاة.
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٤٩٦)، ومسلم في الصلاة (٥٠٨) كلاهما من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد الساعدي فذكره.
وفي لفظ أبي داود (٦٩٦): "وكان بين مقام النبي ﷺ وبين القبلة ممرُّ عَنْزٍ".
• عن سهل بن أبي حَثْمة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدْنُ منها، لا يقطعُ الشيطانُ عليه صلاته".
صحيح: رواه أبو داود (٦٩٥)، والنسائي (٧٤٨) كلاهما من طريق سفيان، عن صفوان بن سُلَيم، عن نافع بن جبير، عن سهل بن أبي حثْمة فذكر مثله ولفظهما سواء، إلا أن أبا داود قال: يبلغ به النبي ﷺ .
стр. 1598
وإسناده صحيح، وصحّحه ابن خزيمة (٨٠٣) وابن حبان (٢٣٧٣)، والحاكم (١/ ٢٥١)، وقال: صحيح على شرط الشيخين"، وأَعلَّه أبو داود فقال: رواه واقد بن محمد، عن صفوان، عن محمد بن سهل، عن أبيه، أو عن محمد بن سهل، عن النبي ﷺ ، قال بعضهم: عن نافع بن جبير، عن سهل بن سعد، واختلف في إسناده". انتهى.
وأسند البيهقي في روايات هؤلاء، ومنها ما تركها أبو داود وهي رواية داود بن قيس، عن نافع بن جبير مرسلًا ثم قال: قد أقام إسناده سفيان بن عيينة وهو حافظ حجة".
وبهذا نفى العلة التي أبداها أبو داود، وصحَّ الحديث.
١٠ - باب السترة بمكة وغيرها
• عن أبي جُحيفة قال: خرج رسول الله ﷺ بالهاجِرة، فصلى بالبطحاء الظهرَ والعصرَ ركعتين، ونصب بين يديه عَنَزَةً. وتوضأ فجعل الناس يتمسَّحون بِوَضوئه.
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٥٠١) عن سليمان بن حرب، قال: حدّثنا شعبةُ، عن الحكم، عن أبي جحيفة فذكر مثله.
ورواه هو ومسلم (٥٠٣) من أوجه أخرى وسبق تخريجه في الطهارة، باب استعمال فضل الوضوء.
وأما ما روي عن المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا فَرَغَ من سبعة جاء حتى يحاذي بالركن، فصلَّى ركعتين في حاشية المطاف، وليس بينه وبين الطُّوَّاف أحد. فهو ضعيف.
رواه ابن ماجه (٢٩٥٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السَّهْمِي، عن أبيه، عن المطلب فذكر مثله.
قال ابن ماجه: هذا بمكة خاصة.
ورواه النسائي (٢٩٥٩)، وابن خزيمة (٨١٥) من طريق ابن جريج به مثله.
ورواه أبو داود (٢٠١٦) عن أحمد بن حنبل، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثني كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن بعض أهله، عن جده أنه رأى النبي ﷺ يُصَلِّي مما يلي باب بني سَهْم، والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترةٌ.
قال سفيان: ليس بينه وبين الكعبة سترة.
قال سفيان: كان ابن جريج أخبرنا عنه قال: أخبرنا كثير عن أبيه، قال: فسألتُه فقال: ليس من أبي سمعتُه، ولكن من بعض أهلي، عن جدي. انتهى.
ففي الإسناد علل:
منها: أنه منقطع فإن كثير بن كثير لم يسمع من أبيه.
ومنها: أنه سمع من بعض أهله، وهم لا يعرفون.
стр. 1599
ومنها: كثير بن المطلب بن أبي وداعه لم يوثقه غير ابن حبان، ولذا قال الحافظ: "مقبول"، أي: إذا توبع، ولكنه لم يتابع عليه.
وأشار إلى ضعف الحديث، في "الفتح" (١/ ٥٧٦) بقوله: "رجاله موثقون إلا أنه معلول".
وعلى صحة الحديث فإنه لا يدل على عدم الحاجة إلى السترة في مكة لحمله على أن الطائفين كانوا يمرون وراء موضع السجود، أو وراء ما يقع فيه نظر الخاشع.
قال السندي في حاشية النسائي: "ومن لا يقول به يحمله على أن الطائفين كانوا يمرون وراء موضع السجود، أو وراء ما يقع فيه نظر الخاشع".
وبوَّب عليه ابن خزيمة بقول: باب ذكر الدليل على أن التغليظ في المرور بين يدي المصلى إذا كان المصلي يصلي إلى سترة، وإباحة المرور بين يدي المصلي إذا صلى إلى غير سترة. انتهى.
والبخاري رحمه الله تعالى استدل بحديث أبي جحيفة بأنه لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة فإن لم يذكر في الباب غير حديث أبي جحيفة.
وكان ابن عمر يُصلي في مكة ولا يدع أحدًا يمر بين يديه ويقول يحيى بن أبي كثير: رأيتُ أنس بن مالك دخل المسجد الحرام، فركز شيئًا، أو هيأ شيئًا يصلي عليه. رواه ابن سعد (٧/ ١٨) وغيره بإسناد صحيح.
قال الحافظ في الفتح: "المعروف عند الشافعية أن لا فرق في منع المرور بين يدي المصلي بين مكة وغيرها. واغْتَفَرَ بعض الفقهاء ذلك للطائفين للضرورة دون غيرهم، وعن الحنابلة جواز ذلك في جميع مكة".
• * *
стр. 1600
جموع أبواب ما يصلى فيه
١ - باب ما جاء في الصّلاة في ثوب واحد وصفة لبسه
• عن أبي هريرة أن سائلًا سأل رسولَ الله ﷺ عن الصّلاة في ثوب واحد. فقال: "أو لِكُلِّكم ثوبان؟ ".
متفق عليه: رواه مالك في صلاة الجماعة (٣٠) عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكره. ورواه البخاريّ في الصّلاة (٣٥٨)، ومسلم في الصّلاة (٥١٩) كلاهما من طريق مالك.
ورواه أيضًا البخاريّ (٣٦٥) عن سليمان بن حرب، قال حَدَّثَنَا حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن محمد (وهو ابن سيرين) عن أبي هريرة فذكر مثله وفيه: ثمّ سأل رجل عمر، فقال: إذا وسَّع الله فأوسعوا، جمع رجل عليه ثيابه، صلى رجل في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقَباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء، في تُبَّان وقباء، في تبان وقميص، قال: وأحسبه قال: في تبان ورداء".
ورواه مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب فاكتفى بالمرفوع، ولم يذكر قول عمر.
وقول النَّبِيّ ﷺ : "أو لِكُلِّكم ثوبان" يدل على ضيق الحال التي كانوا عليها.
يقول أبو هريرة: رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء، إمَّا إزار وإمَّا كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بده كراهية أن تُري عورتُه".
رواه البخاريّ في الصّلاة (٤٤٢) عن يوسف بن عيسى قال: حَدَّثَنَا ابن فُضيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة فذكره.
• عن أبي هريرة قال: قال النَّبِيّ ﷺ : "لا يُصلِّي أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتقيه شيء".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصّلاة (٣٥٩)، ومسلم في الصّلاة (٥١٦) كلاهما من طريق أبي الزّناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. وزاد مسلم: "منه شيء".
وقوله: "ليس على عاتقيه شيء، أي: أنه لا يتزر في وسطه، ولا يشد طرفي الثوب في حقويه، بل يتوشح بهما على عاتقيه ليحصل الستر لجزء من أعالي البدن، وإن كان ليس بعورة.
أو لكون ذلك أمكن في ستر العورة. كذا في الفتح.
والجمهور على أنَّ النهي نهي أدب، فإنه إذا غطَّى ما بين سرته وركبته صحتّ صلاته، ولكن
стр. 1601
السُّنة أن يُصلي في إزار ورداء إذا وجدهما. كذا في "شرح السنة" (٢/ ٤٢٢) وسيأتي من حديث أبي هريرة، ما يؤيِّد هذا.
وقال الإمام أحمد وبعض السَّلف: لا تصح صلاته إذا قَدِر على وضع شيء على عاتقه إِلَّا بوضعه لظاهر الحديث.
• عن أبي هريرة يقول: أشهد أنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من صلَّى في ثوبٍ واحدٍ فليُخالف بين طرفيه".
صحيح: رواه البخاريّ في الصّلاة (٣٦٠) عن أبي نُعيم، قال: حَدَّثَنَا شيبان (هو ابن عبد الرحمن) عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة. قال - أي يحيى بن أبي كثير - سمعتُه - أو كنت سألتُه - قال - أي عكرمة - سمعتُ أبا هريرة فذكره.
قوله: سمعتُه - أي قال يحيى: سمعت عكرمة، ثمّ تردد هل سمعه ابتداء، أو جواب سؤال منه.
قلت: السماع ابتداء أو بعد سؤال، فالسماع حاصل، والبخاري رحمه الله تعالى احتاط في استعمال صيغة الأداء، لأن يحيى بن أبي كثير وصف بالتدليس.
ولكن نقل الحافظ عن الإسماعيلي أنه قال: "لا أعلم أحدًا ذكر فيه سماع يحيى بن عكرمة - قال: يعني بالجزم، قال: وقد رويناه من طريق حسين بن محمد، عن شيبان بالتردد في السماع أو الكتابة أيضًا". قال الحافظ: "قد رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن يزيد بن هارون عن شيبان نحو رواية البخاريّ. قال: "سمعتُه" أو "كنت سألته فسمعته". انتهى.
قلت: وهذا يؤكد ما ذهب إليه البخاريّ من سماع يحيى بن أبي كثير عن عكرمة.
ومعنى الحديث كما قال البغوي في "شرح السنة" (٢/ ٤٢٣): "المراد منه أنه لا يشدّ الثوب على وسطه، فيصلي مكشوف المنكبين، بل يتَّزِرُ به، ويرفع طرفيه، فيخالفُ بينهما، ويشده على عاتقه، فيكون بمنزلة الإزار والرداء، وهذا إذا كان الثوب واسعًا، فإن كان ضيقًا شده على حَقْوِه".
والدليل عليه ما سيأتي من حديث جابر.
• عن محمد بن المنكدر قال: دخلتُ عليّ جابر وهو يُصَلِّي في ثوب ملتحفًا به، ورداؤه موضوع. فلمّا انصرف قلنا: يا أبا عبد الله! تُصَلِّي ورداؤك موضوع؟ قال: نعم، أحببتُ أن يراني الجهالُ مثلكم. رأيتُ النَّبِيّ ﷺ يصلي هكذا.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصّلاة (٣٧٠) عن عبد العزيز بن عبد الله، قال: حَدَّثَنِي ابن أبي المواليّ، عن محمد بن المنكدر فذكر مثله.
وفي صحيح مسلم (٥١٨) عن أبي الزُّبير المكي أنه رأي جابر بن عبد الله يُصَلِّي في ثوبٍ متوشِّحًا به، وعنده ثيابه. وقال: إنه رأى رسول الله ﷺ يصنع ذلك. رواه من طريق سفيان وعمرو بن الحارث، عن أبي الزُّبير.
стр. 1602
ورواه الإمام أحمد (١٤٤٦٩) من طريق ابن جريج، قال: قال أبو الزُّبير، قال جابر بن عبد الله، قال رسول الله ﷺ : "من صلى في ثوب واحد فليتعطَّفْ به" رواه عن محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، ومن طريقه رواه أيضًا ابن حبان في صحيحه (٢٢٩٩) ورجاله ثقات.
وقوله: "فليتعطَّف به" أي: ليرتده، وسمي الرداء عِطافًا لوقوعه على عِطْفي الرّجل، وهما ناحينا عنقه.
وقد ثبت مثل هذا أيضًا عن أبي هريرة أنه سئل: هل يُصلِّي الرّجل في ثوب واحد. فقال: نعم، فقيل له: هل أنت تفعل ذلك؟ فقال: نعم، إني لأصلي في ثوب واحد، وإن ثيابي لَعَلَى المِشْجَبِ.
رواه مالك في صلاة الجماعة (٣١) عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: سُئِل أبو هريرة فذكره. وأخرجه ابن خزيمة (٧٥٨)، وابن حبان (٢٢٩٦) كلاهما من طريق سفيان، عن الزهري به مع الحديث المرفوع الذي سبق ذكره في أول الباب.
• عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: ذهبتُ إلى رسول الله ﷺ عام الفتح فوجده يغتسل، وفاطمة ابنته نستره بثوب، قالت: فسلَّمتُ عليه، فقال: "من هذه؟ " فقلت: أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: "مرحبا بأم هانئ" فلمّا فرغ من غُسله، قام فصلي ثماني ركعات ملتحفًا في ثوب واحد، ثمّ انصرف.
متفق عليه: رواه مالك في كتاب قصر الصّلاة (٢٨) عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، أن أبا مرة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره، أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول فذكرت الحديث.
ورواه البخاريّ في الصّلاة (٣٥٧)، ومسلم في الحيض (٣٣٦) مختصرًا كلاهما من طريق مالك وسبق الحديث في كتاب الطهارة، باب الاستار في الغسل، وسأني في صلاة الضُحى.
• عن عمر بن أبي سلمة: أنَّه رأى رسول الله ﷺ يُصلي في ثوب واحد، مشتملًا به في بيت أم سلمة، واضعًا طرفيه على عاتقه.
متفق عليه: رواه مالك في صلاة الجماعة (٢٩) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة فذكره.
ورواه البخاريّ في الصّلاة (٣٥٤، ٣٥٥، ٣٥٦)، ومسلم في الصّلاة (٥٦١٧) من غير طريق مالك، عن هشام بن عروة به مثله.
وفي رواية عند مسلم: "متوشِّحًا" ولم يقل "مشتمِلًا".
وفي رواية أخرى: "ملتحفًا مخالفًا بين طرفيه".
والملتحف والمتوشِّح هو المخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو الاشتمال على منكبيه.
• عن سهل بن سعد قال: كان رجال يُصلُّون مع النَّبِيّ ﷺ عاقِدي أُزْرِهم على أعناقهم
стр. 1603
كهيئة الصبيان. وقال للنساء: "لا ترفعنَّ رُءوسَكنَّ حتَّى يستوي الرجال جلوسًا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصّلاة (٣٦٢) حَدَّثَنَا مسدد، قال: حَدَّثَنَا يحيى (هو ابن سعيد القطان)، عن سفيان، قال: حَدَّثَنِي أبو حازم، عن سهل بن سعد فذكره واللَّفظ له، والظاهر أن فاعل قال للنساء هو النَّبِيّ ﷺ .
ولكن رواه مسلم في الصّلاة (٤٤١) عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان به وفيه: فقال قائل: "يا معشر النساء! لا ترفعنَّ رؤوسكن حتَّى يرفع الرجال، فقيل: القائل هو بلال قال ذلك بحكم النَّبِيّ ﷺ . وكان ذلك لئلا تقع أبصارهنَّ على عورات الرجال لضيق أُزُرهم.
• عن أبي سعيد الخدريّ أنه دخل على النَّبِيّ ﷺ فرآهُ يُصلِّي على حصيرٍ يسجد عليه قال: "ورأيته يصلِّي في ثوبٍ واحدٍ متوشِّحًا به".
صحيحٌ: رواه مسلم في الصّلاة (٥١٩) من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: حَدَّثَنِي أبو سعيد الخدريّ فذكره. وفي رواية: "واضعًا طرفيه على عاتقيه".
قال النوويّ: "المشتمل والمتوشِّح والمخالف بين طرفيه معناه واحد هنا. قال ابن السِّكِّيت: التوشُّح أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليُسرى، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليُمنى، ثمّ يعقدهما على صدره. وفيه جواز الصّلاة في ثوب واحد". انتهى.
• عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: قَدِمْنا على نبي الله ﷺ فجاء رجل فقال: يا نبي الله! ما ترى في الصّلاة في الثوب الواحد؟ قال: فأطلق رسول الله ﷺ إزاره، طارق به رداءَه فاشتمل بهما، ثمّ قام فصلي بنا نبي الله ﷺ . فلمّا أن قضى الصّلاة قال: "أو كلكم يجد ثوبين؟ ".
حسن: أخرجه أبو داود (٦٢٩) عن مسدد، حَدَّثَنَا ملازم بن عمرو الحنفيّ، حَدَّثَنَا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه فذكر الحديث.
وإسناده حسن لأجل قيس بن طلق بن عليّ الحنفي فإنه "صدوق".
وأخرجه أيضًا ابن حبان (٢٢٩٧) من طريق ملازم بن عمرو به مثله.
• عن سلمة بن الأكوع قال: قلت يا رسول الله! إني رجل أصيد أفأصلي في القميص الواحد؟ قال: نعم وازْرُرْه ولو بشوكة".
حسن: رواه أبو داود (٦٣٢)، والنسائي (٧٦١) كلاهما من طريق موسى بن إبراهيم، عن سلمة بن الأكوع فذكر مثله.
وإسناده حسن لأجل موسى بن إبراهيم، وهو ابن عبد الرحمن بن أبي ربيعة المخزوميّ، اشتبه على بعض النقاد هذا بموسى بن محمد بن إبراهيم الذي قال فيه أبو داود ضعيف، وكره أحمد
стр. 1604
الرواية عنه. وأمّا موسى بن إبراهيم المخزومي هذا فلم ينقل عن أحد تضعيفه بل قال فيه ابن المديني: "وَسَط" ووثَّقه ابن حبان وأخرج حديثه هو وشيخه ابن خزيمة في صحيحيهما: ابن خزيمة (٧٧٧، ٧٧٨)، وابن حبان (٢٢٩٤)، وقال الحاكم (١/ ٢٥٠): "هذا حديث مديني صحيح، فإن موسى هذا هو: ابن إبراهيم بن عبد الله المخزومي".
وقال ابن خزيمة: موسى بن إبراهيم هذا هو: ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة. وأنا أظنه: ابن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن أبي ربيعة، أبوه إبراهيم هو الذي ذكره شرحبيل بن سعد أنه دخل وإبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن أبي ربيعة على جابر بن عبد الله في حديث طويل ذكره". انتهى.
وحسَّنه أيضًا النوويّ في المجموعه (٣/ ١٧٥)، والخلاصة (١/ ٣٢٨).
وقد صرَّح موسى بن إبراهيم بسماعه من سلمة بن الأكوع عند الحاكم في المستدرك (١/ ٢٥٠).
وما رواه الطحاويّ (١/ ٣٨٠) من طريق موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة بن الأكوع لا يُعِلُّ ما صحَّ، فإن فيه خطأ في موضعين: أحدهما قوله: موسى بن محمد بن إبراهيم، فهو مما اشتبه على بعض الرواة، والثاني: قوله عن أبيه، وقد ثبت سماع موسى بن إبراهيم، كما قلت، عن سلمة بن الأكوع بدون واسطة.
قوله: "وازرره" وفي رواية: "وزرَّه" أي ربّط جيبه لئلا تظهر عورتُك.
وأمّا ما رُوي عن ابن عمر أنَّه كان يصلِّي محلول إزاره وقال: رأيت رسول الله ﷺ يفعله" فهو ضعيف جدًّا.
رواه ابن خزيمة (٧٧٩)، والحاكم (١/ ٢٥٠) وعنه البيهقيّ (٢/ ٢٤٠) من طريق الوليد بن مسلم، ثنا زهير بن محمد التميميّ، ثنا زيد بن اسلم، قال: رأيت ابن عمر يصلِّي محلول إزاره فسألته عن ذلك فقال: فذكره.
قال البيهقيّ: تفرّد به زهير بن محمد. وبلغني عن أبي عيسى الترمذيّ أنه قال: سألت محمدًا يعني البخاريّ عن حديث زهير هذا. فقال: "أنا أتقي هذا الشّيخ كأن حديثه موضوع. وليس هذا عندي زهير بن محمد. وكان أحمد بن حنبل يضعّف هذا الشّيخ، ويقول: هذا شيخ ينبغي أن يكونوا قلبوا اسمه".
قلت: زهير بن محمد هو التميمي أبو المنذر الخراسانيّ، سكن الشام ثمّ الحجاز. رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضُعِّف بسببها. وكان الوليد بن مسلم الراوي عنه من الشاميين.
• عن أنس، قال: آخر صلاة صلَّاها النَّبِيّ ﷺ مع القوم، صلّى في ثوب واحد متوشِّحًا به خلف أبي بكر.
صحيح: رواه النسائيّ (٢/ ٧٩)، وأحمد (١٢٦١٧)، وابن حبان (٢١٢٥)، والبيهقي في
стр. 1605
"الدلائل" (٧/ ١٩٢) كلّهم من حديث حميد الطّويل، عن أنس، فذكره.
وقد صرَّح حميد بالسَّماع عن أنس في بعض المصادر.
ولكن رواه الترمذيّ (٣٦٣)، والبيهقي في "الدلائل" (٧/ ١٩٢) وغيرهما عن حميد الطّويل، عن ثابت، عن أنس، فذكره.
قال الترمذيّ: "حسن صحيح. قال: وهكذا رواه يحيى بن أيوب، عن حميد، عن ثابت، عن أنس. وقد رواه غير واحد عن حميد، عن أنس. ولم يذكروا فيه: عن ثابت، ومن ذكر فيه عن ثابت فهو أصح" انتهى.
قلت: بلى كلاهما صحيح؛ لأنَّه ثبت سماع حميد عن أنس، كما ثبت سماعه عن ثابت عن أنس؛ فلعله سمع منهما جميعًا.
وقوله: "متوشِّحًا به" أي ملتحفًا بثوبه. والتوشح أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليُسرى، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليُمنى ثمّ يعقدهما على صدره.
٢ - باب من السنة أن يُصلِّي في إزار ورداء
• عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: نهى رسول الله ﷺ أن يصلِّي في لِحاف لا يتوشَّح به، والآخر أن تُصلي في سراويل وليس عليك رداء".
حسن: رواه أبو داود (٦٣٦) قال: حَدَّثَنَا محمد بن يحيى الذهليّ، حَدَّثَنَا سعيد بن محمد، حَدَّثَنَا أبو تُميلة، حَدَّثَنَا أبو المُنيب عبيد الله العتكيّ، عن عبد الله بن بريدة به فذكر مثله.
وإسناده حسن من أجل أبي المنيب عبد الله العتكي.
وقد صحَّحه الحاكم (١/ ٢٥٠) فرواه من طريق أبي تُميلة يحيى بن واضح به مثله. وقال: "صحيح على شرط الشّيخين ولم يخرجاه، واحتجا بأبي تُميلة، وأمّا أبو المنيب المروزي فإنه عبيد الله بن العتكي من ثقات المراوِزة، وممن يجمع حديثه في الخراسانيين".
قلت: ليس كما قال؛ فإنَّ أبا المنيب عبد الله بن عبد الله العَتَكي المروزيّ ليس من رجال الشّيخين، وإنما أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
تكلم فيه البخاريّ وأدخله في "الضّعفاء" فقال أبو حاتم: "هو صالح يحول من كتاب الضعفاء" وثَّقه النسائيّ وقال أبو داود: لا بأس به.
وهذا الحديث ضعَّفه ابن عبد البر في "التمهيد" (٦/ ٣٧٤) لضعف فيه أعتقد يقصد به "أبو المنيب" ولمعارضته للأحاديث السابقة ثمّ قال: "ولو صحَّ كان معناه الندب لمن قدر".
قلت: أما تضعيف أبي المنيب فيرده ما ذكرته، وأمّا معارضته للأحاديث الصحيحة فليس
стр. 1606
بصحيح لوجود شواهد بمعناه كما مضى فقوله: أن تصلي في سراويل وليس عليك رداء فهو بمعني حديث أبي هريرة: "ليس على عاتقيه شيء" فإن من السنة أن يُصلِّي في إزار ورداء إذا وجدهما كما سبق النقل عن البغويّ، وحديث بريدة يؤيِّد ما قاله البغوي.
وقوله: "ولو صحَّ كان معناه الندب لمن قدر" كلام متجه.
٣ - باب إذا كان الثوب ضيقًا يتزر به، ولا يشتمل اشتمال اليهود
• عن سعيد بن الحارث قال: سألنا جابر بن عبد الله عن الصّلاة في الثوب الواحد. فقال: خرجتُ مع النَّبِيّ ﷺ في بعض أسفاره، فجئتُ ليلةً لبعض أمري، فوجدتُه يُصلي، وعليَّ ثوب واحد فاشتملتُ به، وصليتُ إلى جانبه، فلمّا انصرف قال: "ما السُرى يا جابر؟ " فأخبرته بحاجتي. فلمّا فرغت قال: ما هذا الاشتمالُ الذي رأيتُ؟ "، قلت: كان ثوب، يعني ضاق. قال: فإن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصّلاة (٣٦١) عن يحيى بن صالح، حَدَّثَنَا فُلَيح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، قال: سألت جابر بن عبد الله عن الصّلاة في الثوب الواحد فذكره.
ورواه مسلم في كتاب الزهد والرقائق (٣٠١٠) من وجه آخر عن عبادة بن الوليد بن الصَّامت قال: خرجتُ أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحيّ من الأنصار قبل أن يهلِكوا في حديث طويل وفيه: ثمّ مضينا حتَّى أتينا جابر بن عبد الله في مسجده وهو يُصَلِّي في ثوب واحد مشتملًا به. تخطي القوم حتَّى جلستُ بينه وبين القبلة. فقلت: يرحمك الله أتُصلِّي في ثوب واحد، ورداؤك إلى جنبك؟ قال: فقال يده في صدري هكذا. وفرق بين أصابعه وقوَّسها: أردتُ أن يدخُل عليَّ الأحمقُ مثلُك فيراني كيف أصنع؟ فيصنع مثلَه.
ثمّ قال جابر: سِرنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بطن بُواط وذكر صلاته مع رسول الله ﷺ وقال: وكانت عليَّ بردةٌ ذهبتُ أن أخالف بين طرفيها، فلم يبلغ ليّ، وكانت لها ذباذبُ فنكّستُها، ثمّ خالفتُ بين طرفيها. ثمّ تواقصتُ عليها، ثمّ جئت حتَّى قمتُ عن يسار رسول الله ﷺ ، فأخذ بيدي فأدارني حتَّى أقامني عن يمينه ... فجعل رسول الله ﷺ يرمُقَني وأنا لا أشعر. ثمّ فطِنتُ به. فقال: "هكذا بيده" يعني شُدَّ وَسَطَك. فلمّا فرغ رسول الله ﷺ قال: "يا جابر" قلت: لبيك يا رسول الله! قال: "إذا كان واسِعًا فخالف بين طرفَيه، وإذا كان ضيِّقًا فاشدده على حِقْوِك".
• وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ ، أو قال: قال عمر: "إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما، فإن لم يكن إِلَّا ثوب واحد فليتزر به، ولا يشتمل اشتمال اليهود".
صحيح: رواه أبو داود (٦٣٥) عن سليمان بن حرب، حَدَّثَنَا حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن
стр. 1607
نافع، عن ابن عمر به فذكر مثله.
وإسناده صحيح، وقد صحَّحه ابن خزيمة (٧٦٩) فرواه من طريق عبد الوهّاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب به ولفظه: "إذا صلى أحدكم في ثوب واحد فليشده على حِقوه، ولا تشتملوا كاشتمال اليهود".
ورواه أيضًا (٧٦٦) من طريق أبي بحر عبد الرحمن بن عثمان البكراويّ، حَدَّثَنَا سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن نافع، قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي في ثوب واحد، فقال: ألم أكن أكسك ثوبين؟ قال: قلت: بلى، قال: أرأيت لو أرسلتك في حاجة أكنت منطلقًا في ثوب واحد؟ قلت: لا قال: فالله أحق أن تزين له، ثمّ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذا لم يكن لأحدكم إِلَّا ثوب واحد فليشُدَّ به حِقْوَه، ولا يشتمِل به اشتمال اليهود". انتهى.
ولم يتردد نافع في هذه الروايات كما تردد في رواية أبي داود بين رفيه إلى النَّبِيّ ﷺ وبين وقفه على عمر بن الخطّاب، والأخذ باليقين أولى من الأخذ بالشك، وقد أكد بأنه مرفوع في رواية أخرى أخرجها الإمام أحمد (٩٦) عن يعقوب، حَدَّثَنَا أبيّ، عن ابن إسحاق، كما حَدَّثَنِي عنه نافع مولاه قال: كان عبد الله بن عمر يقول: إذا لم يكن للرجل إِلَّا ثوب واحد فليأتزر به، ثمّ ليصلِّ فإني سمعت عمر بن الخطّاب يقول ذلك. ويقول: لا تلتحفوا بالثوب إذا كان وحده كما تفعل اليهود.
قال نافع: "ولو قلت لك: إنه أسند ذلك إلى رسول الله ﷺ لرجوت أن لا أكون كذبتُ".
ورواه البيهقيّ (٢/ ٢٣٦) من طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب عن نافع، قال: احتسبت له في علف الركاب. وذكر الحديث فقال: قال رسول الله ﷺ ، أو قال عمر، وأكثر ظني أنه قال: قال رسول الله ﷺ فذكر الحديث.
قال البيهقيّ: ورواه اللّيث بن سعد، عن نافع هكذا بالشك.
قلت: وقوله: أكثر ظني ... هذا يكفي لثبوت الرفع إلى النَّبِيّ ﷺ ؛ لأنه لولا غلب عليه جانب الرفع لما قال مثل هذا.
وقوله: "اشتمال اليهود" وهو أن يجلل بدنَه الثوبَ ويَسْدِله من غير أن يُشيل طرفَه. كذا قاله الخطابي.
٤ - باب النهي عن اشتمال الصّماء في الصّلاة
• عن أبي سعيد الخدريّ قال: نهى رسول الله ﷺ عن لبستين، واللبستان: اشتمال الصماء، والصماء: أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحد شِقَّيه ليس عليه ثوب، واللبسة الأخرى: احتباؤُه بثوبه وهو جالس، ليس على فرجه منه شيء.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٢٠) واللّفظ له، ومسلم في البيوع (١٥١٢) غير أنه لم يذكر تفسير اللبستين، كلاهما من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عامر بن سعد، أن
стр. 1608
أبا سعيد الخدريّ أخبره فذكر الحديث.
قال الحافظ: "ظاهر سياق البخاريّ أن التفسير المذكور فيها مرفوع، وهو موافق لما قاله الفقهاء، وعلى تقدير أن يكون موقوفًا فهو حجة على الصَّحيح؛ لأنه تفسير من الراوي لا يخالف ظاهر الخبر". "الفتح" (١/ ٤٧٧).
وقوله: "فيبدو أحد شقيه" أي فييدو منه فرجُه.
وقيل: الصماء هو اشتمال اليهود، وقد جاء النهي عنه في حديث ابن عمر، فيكون الصماء واشتمال اليهود بمعنى واحد.
والصماء: بالصاد المهملة والمد. قال أهل اللغة: هو أن يُجلِّل جسده بالثوب، لا يرفع منه جانبًا، ولا يُبقي ما يخرج منه يده.
قال ابن قُتَيبة: سُميِّت صنماء، لأنه يسد المنافذ كلها فتصير كالصخرة الصماء التي ليس فيها فرق.
وقال الفقهاء: هو أن يلتحف بالثوب، ثمّ يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فيصير فرجه باديًا.
قال النوويّ: فعلى تفسير أهل اللغة يكون مكروهًا لئلا يعرض له حاجة فيتعسَّر عليه إخراج يدِه، فيلحقه الضرر، وعلى تفسير الفقهاء يحرم لأجل انكشاف العورة. انظر: "فتح الباري" (١/ ٤٧٧).
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن بيعتين، وعن لِبْسَتين، وعن صلاتين وعن اشتمال الصماء، وعن الاحتباء في ثوب واحد يُفْضِي بفرجه إلى السّماء.
متفق عليه: رواه البخاريّ في مواقيت الصّلاة (٥٨٤) عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة فذكره.
وفي كتاب اللباس (٥٨١٩) عن محمد بن بشار، حَدَّثَنَا عبد الوهّاب، حَدَّثَنَا عبيد الله، عن خُبيب بن عبد الرحمن به نحوه.
ورواه مسلم في البيوع (١٥١١) من طرق عن عبيد الله بن عمر، عن خبيب بن عبد الرحمن به إِلَّا أنه اختصر الحديث، ولم يذكر موضع الشاهد منه.
وعبيد الله هو: ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ.
والحديث سيأتي بالتفصيل في البيوع.
٥ - باب النهي عن الإسبال في الصّلاة
• عن ابن مسعود قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من أسبل إزاره في صلاته خيلاء فليس من الله في حِلٍّ ولا حرامٍ".
صحيح: رواه أبو داود (٦٣٧) عن زيد بن أخزم، حَدَّثَنَا أبو داود، عن أبي عوانة، عن عاصم،
стр. 1609
عن أبي عثمان، عن ابن مسعود فذكره. وإسناده صحيح.
وأبو داود هو: الطيالسيّ، رواه في مسنده (٣٤٩) عن أبي عوانة وثابت أبي زيد. وقال: رفعه أبو عوانة، ولم يرفعه ثابت. وفيه قصة وهي: أنه رأى أعرابيًّا عليه شَمْلَةٌ قد ذيَّلَها وهو يُصَلِّي فقال له: إن الذي يجرُّ ثوبه من الخَيَلاءِ في الصّلاة ليس من الله في حِلّ ولا حرام".
وأعلّه أيضًا أبو داود صاحب السنن قائلًا: "روي هذا جماعة عن عاصم موقوفًا على ابن مسعود منهم: حمّاد بن سلمة وحمّاد بن زيد وأبو الأحوص وأبو معاوية".
قلت: أبو عوانة هو: الوضَّاح بن عبد الله اليشكري مشهور بكنيته. انفرد برفع الحديث وهو "ثقة ثبت" كما في التقريب، اعتمده أبو داود صاحب السنن والبزّار (١٨٨٤)، والنسائي في الكبرى وغيرهم، فكلهم رووه من طريقه، فيجب قبول هذه الزيادة كما هو معروف في علل الحديث، لا سيما أن مثل هذا لا يقال بالرأيّ، ويشهد له أحاديث النهي عن إسبال الإزار مطلقًا - وستأتي هذه الأحاديث في كتاب اللباس - فكيف لمن يُسْبل إزاره وهو في الصّلاة واقف أمام الله ، والحال هذه تقتضي الخشوعَ والخضوعَ.
٦ - باب النهي عن السدل في الصّلاة
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن السدل في الصّلاة، وأن يُغطي الرّجل فاه.
حسن: رواه أبو داود (٦٤٣) عن محمد بن العلاء وإبراهيم بن موسى، عن عبد الله بن المبارك، عن الحسن بن ذكوان، عن سليمان الأحول، عن عطاء. قال إبراهيم: عن أبي هريرةَ فذكر الحديث.
وإسناده حسن للكلام في الحسن بن ذكوان غير أنه حسن الحديث قال ابن عدي: يروي أحاديث لا يرويها غيره وأرجو أنه لا بأس به". وذكره ابن حبان في الثّقات.
وصحَّح هذا الحديث شيخه ابن خزيمة (٧٧٢) فأخرجه من طريق عبد الله بن المبارك به مثله.
قال أبو داود: "رواه عِسْل عن عطاء، عن أبي هريرة أن النَّبِيّ ﷺ نهى عن السدل في الصّلاة". قلت: هذه متابعة لما سبق، ووصله الترمذيّ (٣٧٧٨) فقال: حَدَّثَنَا هنَّاد، حَدَّثَنَا قبيصة، عن حمّاد بن سلمة، عن عِسْل بن سفيان، عن عطاء (هو ابن أبي رباح) به مثله.
قال الترمذيّ: "حديث أبي هريرة لا نعرفه من حديث عطاء، عن أبي هريرة مرفوعًا إِلَّا من حديث عِسْل بن سفيان".
قلت: والأمر ليس كما قال، بل يرده ما سبق، غير أن عِسْل بن سفيان ضعيف ولكن متابعة الحسن بن ذكوان له ترفع الحديث إلى درجة الحسن.
وأمّا الحاكم (١/ ٢٥٣) فرواه من طريق الحسين بن ذكوان، عن الأحول، وصحّحه على شرطهما.
стр. 1610
والحسين بن ذكوان هو: المعلم وهو ثقة معروف من رجال الجماعة وهو غير الحسن بن ذكوان أبو سلمة مختلف فيه، فلعله التبس على الحاكم فصحّحه على شرط الشّيخين، وأصاب البيهقيّ (٢/ ٢٤٢) فرواه عن عبد الله بن المبارك، عن الحسن بن ذكوان به مثله.
ورواه ابن ماجة (٩٦٦) على الصواب ولكن الشطر الثاني فقط.
والسَّدْل هو: إرسال الثوب حتَّى يُصيب الأرض، وهو بمعنى الإسبال، هكذا فَسَّره الخطّابي.
وفي "النهاية": السَّدل أنه يلتحف بثوبه، ويدخل يديه من داخل، فيركع ويسجد وهو كذلك، وكانت اليهود تفعله.
وأمّا قوله: "وأن يُغَطّي الرّجل فاه" قال الخطّابي: كان من عادة العرب التلثُّم بالعمائم على الأفواه، فنُهوا عن ذلك إِلَّا أن يعرض للمصلي التثاؤبُ فيُعَطِّي فمه عند ذلك للحديث الذي جاء فيه".
٧ - باب الصّلاة في الثوب الأحمر
• عن أبي جحيفة قال: خرج النَّبِيّ ﷺ في حلة حمراء مشمِّرًا صلى بالناس ركعتين.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصّلاة (٣٧٦)، ومسلم في الصّلاة (٥٠٣) كلاهما من طريق عمر بن أبي زائدة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه فذكره في حديث طويل وسبق ذكره في الطّهارة باب استعمال فضل الوضوء. وانظر أيضًا جموع أبواب السترة.
تبويب البخاريّ "الصّلاة في الثوب الأحمر" يشير إلى الجواز، وقد كره الحنفية الصّلاة في الثوب الأحمر مستدلين بحديث عبد الله بن عمرو قال: مر بالنبي ﷺ رجل وعليه ثوبان أحمران، فسلم عليه، فلم يرد عليه.
رواه أبو داود (٤٠٦٩)، والتِّرمذيّ (٢٨٠٧) كلاهما من طريق إسحاق بن منصور، أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو فذكر الحديث.
قال الترمذيّ: حسن غريب من هذا الوجه. هذا آخر كلامه.
قلت: في إسناده أبو يحيى القتات، بقاف ومثناة مُثقلة الكوفي. قال المنذري: لا يحتج بحديثه.
وقال ابن معين: في حديثه ضعف. وقال ابن حبان: فَحُش خطؤه وكَثُر وهمه حتى سلك مسلك غير العدول في الروايات.
وقال الحافظ: هو حديث ضعيف الإسناد. وإن وقع في بعض نسخ الترمذيّ أنه قال: حديث حسن لأن في مسنده كذا. وعلى تقدير أن يكون مما يحتج به فقد عارضه ما هو أقوى منه، وهو واقعة عين، فيحتمل أن يكون ترك الرد عليه بسبب آخر" آخر كلامه.
٨ - باب من صلى في حرير ثمّ نزعه
• عن عقبة بن عامر قال: أهْدِي إلى النَّبِيّ ﷺ فَرُّوج حريرٍ فلبسه، فصلى فيه، ثمّ
стр. 1611
انصرف فنزعه نزعًا شديدًا كالكاره له وقال: "لا ينبغي هذا للمتقين".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصّلاة (٣٧٥)، ومسلم في اللباس (٢٠٧٥) كلاهما من طريق اللّيث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر فذكره.
قال الحافظ ابن حجر: "وظاهر هذا الحديث أن صلاته ﷺ فيه كانت قبل تحريم لبس الحرير، ويدل على ذلك حديث جابر عند مسلم (في اللباس ٢٠٧٠) ولفظه: لَبِس النَّبِيّ ﷺ يومًا قَباءً من ديباج أُهْدِيَ له، ثمّ أوشك أن نزعه. فأرسل به إلى عمر بن الخطّاب. فقيل له: قد أوْشك ما نزعتَه يا رسول الله. فقال: "نهاني عنه جبريل" فجاءه عمر بكي. فقال: يا رسول الله! كرهتَ أمرًا، وأعطيتنيه فما لي؟ قال: "إني لم أعطِكه لتلْبسه. إنّما أعطيتكهـ تبيعه" فباعه بألْفي درهم.
وقال أيضًا: ويدل عليه أيضًا مفهوم قوله: "لا ينبغي هذا للمتقين" لأنَّ المتقي وغيره في التحريم سواء ...
وقال: فلا حجة فيه لمن أجاز الصّلاة في ثياب الحرير، لكونه ﷺ لم يُعِدِ الصّلاة. لأن ترك إعادتها لكونها وقعت قبل التحريم، وأمّا بعده فعند الجمهور تجزئ لكن مع التحريم، وعن مالك: يُعيد في الوقت". انتهى.
٩ - باب كراهية الصّلاة في ثوب له أعلام
• عن عائشة أن النَّبِيّ ﷺ صلى في خميصةٍ لها أعلام فنظر إلى أعلامها نظرةً، فلمّا انصرف قال: "اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وائتُوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها أَلْهَتْنِي آنفًا عن صلاتي".
وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قال النَّبِيّ ﷺ : "كنتُ أنظر إلى عَلَمِها، وأنا في الصّلاة، فأخاف أن تفتِنِّي".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصّلاة (٣٧٣)، ومسلم في المساجد (٥٥٦) كلاهما من حديث ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة واللّفظ للبخاريّ.
وأمّا ما علّقه البخاريّ عن هشام فوصله مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا وكيع، عن هشام به ولكن لفظه: أن النَّبِيّ ﷺ كانت له خميصةٌ لها علم، فكان يتشاغل بها في الصّلاة. فأعطاها أبا جهْم، وأخذ كِساءً له أنْبِجانيًّا. فلعل هشامًا كان يروي على اللفظين. واللّفظ الثاني له متابع، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، أن عائشة قالت: أَهدى أبو جَهْم بن حذيفة لرسول الله ﷺ خميصةً شاميةً لها عَلَمٌ. فشهد فيها الصّلاة. فلمّا انصرف قال: "رُدِّي هذه الخميصة إلى أبي جَهْم، فإني نظرتُ إلى عَلَمها في الصّلاة، فكاد يفتِنُنِي" رواه مالك في الصّلاة (٦٧) عن علقمة بن أبي علقمة به.
стр. 1612
وأم علقمة اسمها: مرجانة وهي مقبولة، لأنَّها توبِعَتْ متابعة قاصرة. وبهذا يكون إسناد مالك حسنًا.
ثمّ رواه مرسلًا عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ ليس خَميصةً لها علَمٌ، ثمّ أعطاها أبا جهم، وأخذ من أبي جهم أنْبَجَانِيةً له، فقال يا رسول الله! ولِم! فقال: "إني نظرتُ إلى علمها في الصّلاة".
قال ابن عبد البر: هذا مرسل عند جميع الرواة عن مالك.
وقوله: خميصة: وهي كساء مربع من صوف.
وقوله: "بأنْبَجَانِية: قال القاضي عياض: رُوِينا بفتح الهمزة وكسرها، وبفتح الباء وكسرها أيضًا في غير مسلم، وبالوجهين ذكرها ثعلب.
قال: ورُوِيناه بتشديد الياء في آخرها، وبتخفيفها معًا في غير مسلم. إذ هو في رواية لمسلم: (بأنْبَجَانِية) مشدد مكسور على الإضافة إلى أبي جهم، وعلى التذكير كما جاء في الرواية الأخرى: "كساء له أنْبَجَانِيا"، قال ثعلب: هو كل ما كثف، قال غيره: هو كساء غليظ لا علم له، فإذا كان للكساء علم فهو خميصة، فإن لم يكن فهو: أنْبَجَانِية. كذا في شرح النوويّ.
وقال ابن الأثير في النهاية: كساء أنْبَجَانِي منسوب إلى مَنْبِج، المدينة المعروفة، وهي مكسورة الباء، ففتحتْ في النسب، وأبدلتْ الميم همزة، وقيل: إنها منسوبة إلى موضع اسمه: أَنْبِجان وهو أشبه.
١٠ - باب الصّلاة في النِّعال
• عن سعيد بن يزيد الأزدي قال: سألتُ أنس بن مالك: أكان النَّبِيّ ﷺ يُصلِّي في نعليه؟ قال: نعم.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصّلاة (٣٨٦) وفي اللباس (٥٨٥٠)، ومسلم في المساجد (٥٥٥) كلاهما من طريق أبي مَسْلَمة سعيد بن يزيد الأزدي به مثله.
جعل ابن دقيق العيد الصّلاة في النعال من الرُّخَص، لا من المستحبّات.
قلت: وإذا لم أجد من أهل العلم من نصَّ على أن الصّلاة فيه من الزينة التي أمر الله بها.
• عن أنس بن مالك قال: لم يخلع النَّبِيّ ﷺ نعليه في الصّلاة إِلَّا مرة، فخلع القومُ نعالهم، فقال النَّبِيّ ﷺ : "لِمَ خلعتُم نعالكم؟ قالوا: رأيناك خلَعْتَ فخلعنا. فقال: "إنَّ جبريل ﵇ أخبرني أن بها قذرًا".
حسن: رواه الطبرانيّ في "الأوسط" (٤٣٠٥) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حَدَّثَنِي إبراهيم بن الحجاج الساميّ، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن المثنى، قال: حَدَّثَنَا ثمامة، عن أنس فذكره.
ورواه البزّار "كشف الأستار" (٦٠٥) من وجه آخر عن عبد الله بن المثنَّى به مختصرًا.
قال الهيثميّ في "المجمع" (٢٢٦٠) رجال الطبرانيّ رجال الصَّحيح، ورواه البزّار باختصار.
стр. 1613
قلت: ليس كما قال، فإن إبراهيم بن حجَّاج السَّاميّ، بالمهملة، أبو إسحاق البصري ليس من
رجال الصَّحيح، وإنما هو من رجال النسائيّ غير أنه ثقة.
وعبد الله بن المثنى وإن كان من رجال البخاريّ إِلَّا أنه ضُعِّف من قبل حفظه، غير أنه حسن الحديث.
وثُمامة هو: ابن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاريّ، روى عن جده، من رجال الشّيخين.
قال البزّار: لا نعلمه عن أنس إِلَّا من هذا الوجه.
قلت: وهو كما قال إِلَّا أنه شاهد قويٌّ لحديث أبي سعيد الخدريّ، وهو الحديث الآتي.
• عن أبي سعيد الخدريّ قال: بينما رسول الله ﷺ يُصَلِّي بأصحابه إذ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فلمّا رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلمّا قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: "ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ " قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا. فقال رسول الله ﷺ : "إن جبريل ﵇ أتانيّ، فأخبرني أن فيها قذرًا" أو قال: "أذًى" وقال: "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرًا، أو أذًى فليمسحه وليصلِّ فيهما".
صحيح: رواه أبو داود (٦٥٠) عن موسى بن إسماعيل، ثنا حمّاد، عن أبي نُعامة السعديّ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ فذكر مثله.
وإسناده صحيح. وحماد هو ابن سلمة كما في مسند الإمام أحمد (١١١٥٣) وصحّحه ابن خزيمة (١٠١٧)، والحاكم (١/ ٢٦٠) كلاهما من طريق حمّاد بن سلمة. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
• عن شدَّاد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : "خالفوا اليهود، فإنَّهم لا يصلون في نِعالهم، ولا خِفافهم".
حسن: رواه أبو داود (٦٥٢) عن قُتَيبة بن سعيد، ثنا مروان بن معاوية الفزاريّ، عن هلال بن ميمون الرمليّ، عن يعلى بن شداد بن أوس، عن أبيه فذكر الحديث.
وفيه هلال بن ميمون، وشيخه يعلى بن شداد صدوقان وصحّحه ابن حبان (٢١٨٦)، والحاكم (١/ ٢٦٠) وروياه من طريق مروان بن معاوية، قال الحاكم: صحيح. وزاد ابن حبان في حديثه: "والنصارى".
• عن عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: رأيتُ رسول الله ﷺ يُصلِّي حافيًا ومنتعِلًا.
حسن: رواه أبو داود (٦٥٣)، وابن ماجة (١٠٣٨) كلاهما من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره.
стр. 1614
وعمرو بن شعيب صدوق. انظر للمزيد: باب الانصراف عن اليمين وعن الشمال في جموع أبواب التسليم.
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلَّى أحدكم فليلبس نعليه، أو ليخلعهما بين رجليه، ولا يؤذي بهما غيره".
صحيح: رواه ابن خزيمة (١٠٠٩) عن يونس بن عبد الأعلى، نا ابن وهب، نا عياض بن عبد الله القرشيّ، وغيره، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
وعنه رواه ابن حبان في صحيحه (٢١٨٣)، ورواه أيضًا الحاكم (١/ ٢٥٩) من طريق عبد الله بن وهب به مثله. وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه".
ولكن رواه أبو داود (٦٥٥) من طريق محمد بن الوليد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحدًا، ليجعلهما بين رجليه، أو ليصلي فيهما".
ورواه ابن حبان في صحيحه (٢١٨٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٦٠) كلاهما من طريق محمد بن الوليد به مثله. وصحّحه الحاكم، . ومحمد بن الوليد هو: الزُّبيدي من رجال الشّيخين.
قلت: فزاد فيه "عن أبيه".
وقد ثبت سماع سعيد بن أبي سعيد وأبيه من أبي هريرة، فلعله سمعه أولًا من أبيه، ثمّ سمعه من أبي هريرة فروى الحديث على وجهين، ولا حاجة إلى تخطئة محمد بن الوليد أو عباض بن عبد الله القرشي فكلاهما ثقتان، وما دام أمكن الجمع فلا حاجة إلى ترجيح.
وأمّا ما رواه ابن ماجة (١٤٣٢) من طريق عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة: "الزم نعليك قدميك، فإن خلعتهما فاجعلهما بين رجليك، ولا تجعلهما عن يمينك، ولا عن يمين صاحبك، ولا وراءك، فتُوذي من خلفك" فهو ضعيف جدًّا فإن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد ضعَّفه ابن معين وأبو زرعة والنسائي والحاكم وابن عدي وغيرهم، وقال الحافظ: "متروك".
• عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يصلِّي قائمًا وقاعدًا، وحافيًا ومنتعلًا.
حسن: رواه الإمام أحمد (٧٣٨٤) حَدَّثَنَا سفيان، عن عبد الملك بن عُمَير، عن أبي الأوبر، عن أبي هريرة فذكره.
ورواه البزّار "كشف الأستار" (٦٠١) من وجه آخر عن عبد الله بن عُمَير به، وإسناده حسن لأجل أبي الأوبر وقد سماه ابن معين والنسائي وغيرهما: زيادًا الحارثيّ، وثَّقه ابن حبان، قال الحافظ في العجيل (٣٤٣): "وقد جزم الحُسيني بأنه أبو الأوبر، وهو معروف، ولكنه مشهور بكنيته أكثر من اسمه، وقد سماه زيادًا النسائيّ والدولابي وأبو أحمد الحاكم وغيرهم، ووثَّقه ابن معين وابن حبان وصحَّح حديثه". انتهى.
стр. 1615
وتردد فيه الحافظ الهيثميّ فقال مرة: "لم أجد من ترجمه بثقة، ولا ضعف". "مجمع الزوائد" (٢/ ٥٤) وأخرى: "ثقة" (٨/ ٢٩٣).
انظر للمزيد: الانصراف عن اليمين والشمال بعد التسلم.
وللحديث إسناد آخر أخرجه أبو الشّيخ في "أخلاق النَّبِيّ ﷺ " (ص ١٢٠) عن إبراهيم بن محمد بن الحارث، نا محمد بن عمرو بن جَبَلَة، نا محمد بن مروان العُقَيليّ، عن هشام، عن محمد، عن أبي هريرة قال: إن النَّبِيّ ﷺ صلى حافيًا ومنتعلًا.
وفيه محمد بن مروان بن قدامة العُقيلي مختلف فيه غير أنه حسن الإسناد. قال أبو داود: ثقة صدوق، وذكره ابن حبان في الثّقات.
• عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشِخّير، عن أبيه قال: "رأيتُ رسول الله ﷺ يُصَلِّي في نعليه".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٦٣٠٩) عن عبد الرزّاق، حَدَّثَنَا معمر، عن سعيد الجُريريّ، عن أبي العلاء به مثله.
والحديث في "مصنف عبد الرزّاق" (١٥٠٠).
ورواه البزّار "كشف الأستار" (٦٠٣) عن أحمد بن عبدة، ثنا يزيد بن زُريع، ثنا الجُريريّ، به وفيه: رأيت النَّبِيّ ﷺ صلي في نعليه، ثمّ بزق، ثمّ دلكها بنعله.
ورواه أيضًا الإمام أحمد (١٦٣١٠) عن عبد الرزّاق، ثنا معمر، عن سعيد الجُريريّ، عن أبي العلاء به وفيه. رأيت رسول الله ﷺ يُصَليّ، ثمّ تنخَّم تحت قدمه، ثمّ دلكها بنعله وهي في رجله.
وإسناده صحيح، ورجاله ثقات، وسعيد الجُريري وإن كان اختلط بأخره فإن معمرًا ويزيد بن زُريع رويا عنه قبل الاختلاط.
وصحّحه ابن حبان (٢١٨٤) فرواه من وجه آخر عن كهمس بن الحسن، عن أبي العلاء، عن أبيه، أنه رأى النَّبِيّ ﷺ يُصَلِّي وعليه نعل مخصوفة.
• عن عائشة قالت: رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائمًا وقاعدًا، ويُصلي منتعِلًا وحافيًا، وينصرف من الصّلاة عن يمينه وعن يساره.
حسن: رواه الطبرانيّ في "الأوسط" (١٢٣٥) عن أحمد، قال: حَدَّثَنَا يحيى بن حكيم المقدِّمُ، قال: حَدَّثَنَا مخلد بن يزيد الحرانيّ، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عطاء، عن عائشة. فذكرت الحديث.
ورجاله ثقات غير مَخلد بن يزيد فهو متكلم فيه من قبل حفظه غير أنه حسن الحديث، وهو من رجال الشّيخين.
следующие страницы →