Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
ظهره، فإذا سجد نحَّاه عنه.
رواه ابن عدي في "الكامل" (١/ ٣٦٢) عن يحيى بن محمد البختري، ثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا أبي، ثنا الأشعث، عن الحسن، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، يعني أنسا فذكر مثله.
وقد حسن إسناده الحافظ في التلخيص (١/ ٤٥) ولكن فيه الحسن البصري وهو مدلس وقد عنعن.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يسجد فيجئ الحسن والحسين فيركبُ على ظهره، فيطيل السجودَ فيقال: يا نبي الله! أطلت السجودَ؟ فيقول: "ارتحلني ابني، فكرهتُ أن أعجلَه" رواه أبو يعلى (٣٤١٥ تحقيق الأثري) من طريق محمد بن ذكوان، عن ثابت، عن أنس فذكر مثله.
قال الهيثمي في "المجمع" (٩/ ١٨١): فيه محمد بن ذكوان وثَّقه ابن حبان، وضعَّفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح".
قلت: محمد بن ذكوان هو: البصريّ الأزديّ قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: منكر الحديث ضعيف، وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه وضعَّفه أيضًا الدارقطني. والخلاصة أنه "ضعيف" كما قال الحافظ في التقريب.
٢ - باب ما جاء في قتل الحية والعقرب في الصّلاة
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "اقتلوا الأسودين في الصّلاة: الحية والعقرب".
صحيح: رواه أبو داود (٩٢١)، والترمذي (٣٩٠)، والنسائي (١٢٠٢)، وابن ماجة (١٢٤٥) كلهم من طرق عن يحيى بن أبي كثير، عن ضمضم بن جَوْسٍ، عن أبي هريرة فذكر مثله. واللّفظ لأبي داود.
ورواه أحمد (١٠١١٦) من طريق يحيى بن أبي كثير قال: حدَّثني ضمضم. وفيه تصريح يحيى بالتحديث لأن يحيى بن أبي كثير وُصِف بالتدليس.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وصحّحه أيضًا ابن خزيمة (٨٦٩)، وابن حبان (٢٣٥١)، والحاكم (١/ ٢٥٦) وقال: "هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه. وضمضم بن جَوْسٍ من ثقات أهل اليمامة. سمع من جماعة من الصحابة، وروى عنه يحيى بن أبي كثير، وقد وثقه أحمد بن حنبل".
وفي الباب عن ابن عباس في حديث طويل. رواه الحاكم (٤/ ٢٧٠) وفيه هشام بن زياد متروك، ومحمد بن معاوية كذّبه الدارقطني كذا قال الذهبي في تلخيص المستدرك.
ومعنى الحديث: أن قتل الأسودين الحيّة والعقرب في الصّلاة لا يُفْسِدُ الصّلاة، لأن قتلهما
стр. 1647
واجب، والمصلي بعد الفراغ من قتلهما يبني على ما صلى، ويُتِمّ بقية صلاته.
٣ - باب ما جاء في رجوع القَهْقَرَى في الصّلاة أو تقدم فيها
• عن سهل بن سعد قال: أقام بلال الصلاة. فتقدم أبو بكر فصلّى. فجاء النبي ﷺ يمشي في الصفوف يشُقُّها شقًّا حتى قام في الصف الأول. فأخذ الناس بالتصفيح. قال سهل: هل تدرون ما التصفيح؟ هو التصفيق. وكان أبو بكر لا يلتفتُ في صلاته، فلما أكثروا التفت، فإذا النبي ﷺ في الصف فأشار إليه: مكانك. فرفع أبو بكر يديه فحمِدَ الله ثم رجع القهقَرى وراءه. وتقدم النبي ﷺ فصلى.
متفق عليه: رواه البخاري في العمل في الصلاة (١٢٠١)، ومسلم في الصّلاة (٤٢١/ ١٠٣) كلاهما من حديث عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد واللفظ للبخاري.
وسبق تخريجه في أبواب الإمامة.
وفيه جواز العمل القليل في الصلاة لتأخر أبي بكر عن مقامه إلى الصف الذي يليه، وأن من احتاج إلى مثل ذلك يرجع القَهْقَرَى ولا يستدبر القِبلَة، ولا ينحرف عنها.
• عن سهل بن سعد قال: أرسل رسولُ الله ﷺ إلى امرأة من الأنصار أن مُرِي غلامَكِ النجارَ يعملُ لي أعوادًا أُكلِّم الناسَ عليها. فعمل هذه الثلاث درجات، ثم أمر بها رسولُ الله ﷺ فوُضِعتْ هذا الموضعَ. ولقد رأيتُ رسول الله ﷺ قام عليه، فكبَّر وكبَّر الناس وراءه وهو على المنبر. ثم رفع فنزل القَهْقَرَى حتى سجد في أصل المنبر. ثم عاد حتى فرغ من صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: "يا أيها الناس! إنما فعلتُ هذا لتأتموا بي، ولِتعلَّموا صلاتي".
وفي رواية: فاستقبل القبلة، وكبَّر وقام الناس خلفه. فقرأ وركع، وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه حتى رجع القَهْقَرَى فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر ثم ركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القَهْقَرَى حتى سجد بالأرض. فهذا شأنه.
متفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (٩١٧)، ومسلم في المساجد (٥٤٤/ ٤٥) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القاريُّ القرشي الإسكندراني، قال حدثنا أبو حازم بن دينار أن رجالًا أتوا سهل بن سعد الساعدي وقد امتروا في المنبر مِمَّ عودُه، فسألوه عن ذلك. فقال: والله! إني لأعرف مما هو، ولقد رأيتُه أول يوم وُضع، وأول يوم جلس عليه رسول الله ﷺ فذكر مثله.
والرواية الثانية رواها البخاري (٣٧٧) عن علي بن عبد الله حدثنا سفيان، حدثنا أبو حازم قال: سألوا
стр. 1648
سهل بن سعد: من أي شيء المنبر. فقال: ما بقي بالناس أعلم مني، هو من أثْلِ الغابة فذكر مثله.
وقوله: "امتروا"، وفي رواية مسلم: تماروا أي اختلفوا وتنازعوا.
وقوله: "أَثل" بفتح الهمزة وسكون المثلثة، شجر معروف.
• عن أنس بن مالك قال: إن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع رسول الله ﷺ الذي توفي فيه. حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة. كشف رسولُ الله ﷺ سِتْر الحجرةِ. فنظر إلينا وهو قائم كأن وجْهَه ورقةُ مُصحفٍ. ثم تبسَّم رسولُ الله ﷺ ضاحِكًا، قال: فبُهِتْنَا ونحن في الصلاة من فرحٍ بخروج رسولِ الله ﷺ . ونكص أبو بكر على عَقِبَيه ليصلَ الصفَّ. وظنَّ أن رسول الله ﷺ خارج للصلاة. فأشار إليهم رسول الله ﷺ بيده أن أتموا صلاتكم. قال: ثم دخل رسول الله ﷺ فأرخى السِتْر. قال: فتوفي رسولُ الله ﷺ من يومه ذلك.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٧٥٤) وفي مواضع أخرى من طرق عن ابن شهاب، قال أخبرني أنس فذكره.
ورواه مسلم في الصلاة (٤١٩) من طرق عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح، عن ابن شهاب به واللفظ له.
قال مسلم: وحديث صالح أتم وأشبع.
• عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لقد رأيتُ في مقامي هذا كل شيء وُعِدْتُه، حتى لقد رأيتُي أريد أن آخذ قِطْفًا من الجنة حين رأيتموني جعلتُ أتقدَّمُ، ولقد رأيتُ جهنَّم يَحْطِمُ بعضُها بعضًا حين رأيتموني تأخَّرتُ. ورأيت فيها عمرو بن لُحيّ، وهو الذي سيَّبَ السوائب".
متفق عليه: رواه البخاري في العمل في الصلاة (١٢١٢)، ومسلم في الكسوف (٩٠١/ ٣) كلاهما من رواية يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة في حديث طويل في صلاة الكسوف وسيأتي.
٤ - باب الرخصة في المشي في الصلاة عند الحاجة
• عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي والباب عليه مغلق، فجئت فاستفتحت، فمشى، ففتح لي، ثم رجع إلى مصلاه. وذُكِرَ أن الباب كان في القبلة.
حسن: رواه أبو داود (٩٢٢)، والترمذي (٦٠١)، والنسائي (١٢٠٦) كلهم من طرق عن بُرد بن سنان الشامي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة فذكرته.
стр. 1649
وصحّحه ابن حبان (٢٣٥٥)، ورواه الإمام أحمد (٢٤٠٢٧) كلاهما من هذا الوجه.
وإسناده حسن لأجل الكلام في بُرد بن سنان الشامي فقد تكلم فيه أبو حاتم وضعَّفه ابن المديني، ووثَّقه ابن معين، والنسائي وغيرهما، وقال أبو زرعة: لا بأس به.
فمثله لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن، وقال الترمذي: "حسن غريب".
قلت: وهو كما قال. فإن برد بن سنان تفرد به وهو حسن الحديث. وقيَّد البعضُ بأن ذلك في صلاة التطوع.
• عن الأزرق بن قيس قال: كنا على شاطِئ نهر بالأهواز، قد نَضَبَ عنه الماءُ. فجاء أبو برزة الأسلَمِي على فرس، فصلى وخَلَّى فرسَه، فانطلقتِ الفرَسُ. فترك صلاتَه وتبعها حتى أدركها، فأخذها ثم جاء فقضى صلاتَه، وفينا رجل له رأي، فأقبل يقول: انظروا إلى هذا الشيخ، ترك صلاتَه من أجل فرَسٍ. فأقبل فقال: ما عَنَّفَنِي أحد منذ فارقتُ رسولَ الله ﷺ وقال: إن منزلي متراخٍ، فلو صليت وتركت لم آتِ أهلي إلى الليل. وذكر أنه صحب النبي ﷺ فرأى من تيسيره.
وفي رواية قال: وإني غزوت مع رسول الله ﷺ ست غزوات أو سبع غزوات وثمان، وشهدت تيسيره، وإنِّي إن كنتُ أن أرجع مع دابتي أحب إليَّ من أن أدعها ترجع إلى مألفها فيشق عَليَّ.
صحيح: رواه البخاري في الأدب (٦١٢٧) عن أبي النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن الأزرق بن قيس به مثله.
ورواه ابن خزيمة (٨٦٦) عن أحمد بن عبدة، أخبرنا حماد، يعني ابن زيد به إلا أن فيه: أنه رأى أبا برزة الأسلمي يصلي، وعَنَانُ دابته في يده. فلما ركع انفلت العنان من يده، وانطلقتِ الدابة. قال: فنكص أبو برزة على عقبيه، ولم يلتفِتْ حتى لحق الدابة، فأخذها، ثم مشى كما هو، ثم أتى مكانه الذي صلى فيه فقضى صلاته فأتمها ثم سلَّم ...
وفيه أنه لم يقطع الصلاة، وإنما مشى ليمسكها.
وتُؤيده الرواية الثابتة عند البخاري في العمل في الصلاة (١٢١١) عن آدم، حدثنا شعبةُ، حدثنا الأزرق بن قيس، قال: كنا بالأهواز نُقاتِل الحروريةَ. فبينا أنا على جُرُفِ نهرٍ إذا رجلٌ يُصلِّي، وإذا لِجام دابته بيده. فجعلتِ الدابةُ تنازِعُه، وجعل يتبعها، قال شعبة: هو أبو برزة الأسلمي، فجعل رجل من الخوارج يقول: اللهم! افعل بهذا الشيخ فلما انصرف الشيخ قال: إني سمعتُ قولكم، ثم ذكر بقية الحديث.
وتؤيِّدُه أيضًا ما ثبت في روايات أخرى: "فأخذها ثم رجع القَهْقَرَى".
стр. 1650
الجمع بين الروايتين أن قوله ترك الصلاة، ليس بمعنى قطع الصلاة، بل بمعنى أنه تبع الدابة ليمسكها، وهو لا يزال في صلاته.
وفي الحديث حجة للفقهاء في قولهم: "إن كلَّ شيء يُخشى إتلافه من متاع وغيره يجوز قطع الصلاة لأجله" إن كان تَرَكَ الصلاة بمعنى قَطَعَ الصلاة وأَبْطَلَها.
٥ - باب ما جاء في التسبيح والتصفيق في الصّلاة
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء".
متفق عليه: رواه البخاري في العمل في الصلاة (١٢٠٣)، ومسلم في الصلاة (٤٢٢) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكر مثله.
وفي رواية عند مسلم قال ابن شهاب: وقد رأيتُ رجالًا من أهل العلم يُسَبِّحُون ويُشِيرون.
• عن سهل بن سعد قال: قال النبي ﷺ : "ما لي رأيتُكم أَكْثرتُم التصفيق، من رَابَهُ شيء في صلاته فليُسَبِّح، فإنه إذا سبَّح التفِتَ إليه، وإنما التصفيق للنساء".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٨٤)، ومسلم في الصلاة (٤٢١) كلاهما من طريق مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد في حديث طويل سبق تخريجه في أبواب الإمامة.
٦ - باب إزالة البصاق من قبلة المسجد في الصلاة
• عن ابن عمر قال: إن النبي ﷺ رأى نُخامةً في قبلة المسجد، وهو يُصلي بين يدي الناس فحتَّها، ثم قال حين انصرف: "إن أحدَكم إذا كان في الصّلاة فإن الله قِبَل وجهِه، فلا يتنخَّمنَّ أحدٌ قِبل وجهه في الصّلاة".
صحيح: رواه البخاري في الأذان (٧٥٣) عن قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ليث، عن نافع، عن ابن عمر فذكر مثله.
وقال: رواه موسى بن عقبة وابن أبي روَّاد، عن نافع.
قلت: أصل الحديث في الصحيحين وموطأ مالك، كما سبق إلا أن أحدا منهم لم يذكر قوله: "وهو يُصَلِّي" وسيأتي ذلك بالتفصيل في أبواب المساجد.
وقوله: "رواه موسى بن عقبة": وصله مسلم (٥٤٧/ ٥١) ولم يذكر أيضًا "وهو يُصَلِّي".
وقوله: "رواه ابن أبي روّاد": وصله أحمد (٤٩٠٨) وفيه التصريح بأن الحكَّ كان بعد الفراغ من الصّلاة. فلعله يقصد بهذه المتابعة أصل الحديث.
انظر للمزيد: كتاب المساجد.
стр. 1651
٧ - باب مسح الحصى في الصلاة
• عن مُعيقيب قال: ذكر النبي ﷺ المسح في المسجد، يعني الحصى فقال: "إن كنت لا بدَّ فاعِلًا فواحدة".
متفق عليه: رواه البخاري في العمل في الصلاة (١٢٠٧) من حديث شيبان، ومسلم في المساجد (٥٤٦) من حديث هشام الدستوائي، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن معيقيب فذكره.
واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري: أن النبيّ ﷺ قال في الرجل يُسَوِّي التراب حيث يسجد قال: "إن كنت فاعِلًا فواحدة".
فإذا ثبت للتراب ثبت للحصى أيضًا. فعدل البخاري عن الحصى لأن قول الراوي: يعني الحصى يحتمل أن يكون هذا التفسير من الصحابي. فأخذ باليقين وقاس عليه الحصى فبوَّب بمسح الحصى في الصّلاة.
ومُعَيقب: بضم الميم وفتح العين، ابن أبي فاطمة الدوسي، أسلم قديمًا بمكة، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، ثم جاء إلى المدينة وكان على خاتم النبيّ ﷺ ومات سنة ستة وأربعين.
• عن جابر بن عبد الله قال: كنتُ أصلي الظهر مع رسول الله ﷺ فآخذ قبضة من الحصى لتبرد في كفِّي أضعها لجبتهي أسجد عليها لشدة الحرّ.
حسن: رواه أبو داود (٣٩٩)، والنسائي (١٠٨١) كلاهما من حديث عباد بن عباد، حدثنا محمد بن عمرو، عن سعيد بن الحارث الأنصاري، عن جابر بن عبد الله فذكر مثله.
وإسناده حسن من أجل محمّد بن عمرو الليثي، وصحّحه ابن حبان (٢٢٧٦) فرواه من طريق عبد الوهاب الثقفي، حدثنا محمد بن عمرو به ولفظه: كُنَّا نُصلي مع النبيّ ﷺ في شدّة الحرِّ، فيعمدُ أحدنا إلى قبضة من الحصى، فيجعلها في كفِّه هذه، ثم في كفِّه هذه، فإذا بردتْ سجد عليها.
وأما ما رُوِيَ عن جابر قال: سألت النبيّ ﷺ عن مسح الحصى في الصلاة فقال: "واحدة ولو تمسك عنها خير لك من مائة ناقة كلها سود الحدق" فهو ضعيف رواه أحمد (١٤٢٠٤) وابن خزيمة (٨٩٧)، وعبد بن حميد (١١٤٥) كلهم من طرق عن ابن أبي ذئب، عن شرحبيل بن سعد، عن جابر فذكره.
شرحبيل بن سعد: ضعَّفه النسائي وغيره، وقد اختلط آخره فلا بد له من متابعة.
• عن أبي ذَرٍّ، عن النبيّ ﷺ : "إذا قام أحدكم إلى الصّلاة، فإنّ الرّحمة تواجهه، فلا يمسح الحصى".
وفي رواية: "فلا يمس الحصى".
حسن: رواه أبو داود (٩٤٥)، والترمذي (٣٧٩)، والنسائي (١١٩٠)، وابن ماجة (١٠٢٧)،
стр. 1652
وأحمد (٢١٣٣٠) كلّهم من طرق عن سفيان، عن الزهري، عن أبي الأحوص شيخ من أهل المدينة، عن أبي ذر فذكره. واللفظ لأبي داود.
وقال الترمذي: "حسن"، وصحّحه ابن خزيمة (٩١٣، ٩١٤)، وابن حبان (٢٢٧٣، ٢٢٧٤)، والحاكم (١/ ٢٣٦)، كلهم من هذا الوجه.
وإسناده حسن من أجل أبي الأحوص.
٨ - باب رد السلام بالإشارة في الصلاة
• عن جابر أنه قال: إن رسول الله ﷺ بعثني لحاجة ثم أدركتُه وهو يَسير (قال قتيبة: يُصَلِّي) فسلَّمتُ عليه. فأشار إليَّ. فلما فرغ دعاني فقال: "إنك سلَّمتَ آنفًا وأنا أصلي" وهو موجه حينئذ قبل الشَرق.
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٤٠) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر فذكر مثله.
ورواه أيضًا عن أحمد بن يونس، حدثنا زهير قال: حدثني أبو الزبير، عن جابر وفيه: وهو يُصَلِّي على بعيره فكلَّمتُه: فقال لي بيده هكذا (وأومأ زهير بيده) ثم كلمتُه فقال لي هكذا (فأومأ زهير أيضًا بيده نحو الأرض).
ورواه ابن خزيمة (٨٨٩) من طريق خلاد الجُعفي، يعني ابن يزيد، عن زهير به وفيه: وهو على حمار له وهو يُصلي: فكنت أكلمه فأومأ إليَّ بيده.
ورواه النسائي (١١٩١) من وجه آخر عن عمرو بن الحارث، قال: حدثني أبو الزبير به وفيه: فسلَّمت عليه فأشار بيده، ثم سلَّمتُ عليه فأشار بيده، فانصرفتُ. فناداني: "يا جابر! "، فناداني الناس: يا جابر! فأتيتُه. فقلت: يا رسول الله! إني سلَّمتُ عليك فلم تردّ عليَّ فقال: "إنِّي كنت أُصلِّي".
• عن ابن عمر قال: أتى رسول الله ﷺ مسجد قُباء يُصلي فيه. فجاءت رجال من الأنصار يسلمون عليه. فسألت صُهيبًا، وكان معه: كيف كان رسول الله ﷺ يرد عليهم؟ قال: كان يشير بيده.
صحيح: رواه النسائي (١١٨٧)، وابن ماجة (١٠١٧) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر فذكر مثله. ومن هذا الطريق رواه ابن خزيمة في صحيحه (٨٨٨).
ورواه أبو داود (٩٢٥)، والترمذي (٣٦٧)، والنسائي (١١٨٦) كلهم عن قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن نابِل صاحب العباءِ، عن ابن عمر، عن صهيب أنه قال: مررت برسول الله ﷺ وهو يُصَلِّي، فسلَّمتُ عليه، فردَّ إليَّ إشارةً وقال: ولا أعلمه إلا قال: إشارة بإصْبعه.
стр. 1653
وفيه نابل فإنه غير مشهور كما قال النسائي. وقال في موضع آخر: "ثقة" وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الحافظ: "مقبول" يعني عند المتابعة وقد توبع.
وبقية رجاله ثقات. قال الترمذي: "حديث صُهيب حسن لا نعرفه إلا من حديث الليث عن بكير". انتهى.
وقوله: لا أعلمه إلا قال ... قائله هو الليث بن سعد كما صرّح بذلك الدارمي (١٣٦٧) بعد أن رواه عن أبي الوليد وهو الطيالسي، ثنا الليث بن سعد به مثله.
وللحديث إسناد آخر من طريق هشام بن سعد، حدثنا نافع قال: سمعتُ عبد الله بن عمر يقول: خرج رسول الله ﷺ إلى قباء يصلِّي فيه. قال: فجاءته الأنصار فسلَّموا عليه وهو يُصلِّي، قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلّمون عليه وهو يُصَلِّي؟ قال: يقول هكذا، وبَسَطَ كفَّه. وبسط جعفر بن عون كفَّه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق.
رواه أبو داود (٩٢٧) عن الحسين بن عيسى الخراساني الدامغاني، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا هشام بن سعد فذكر مثله. ورواه الترمذي (٣٦٨) عن محمود بن غيلان، حدثنا وكيع، عن هشام بن سعد به مختصرًا وقال: حسن صحيح. وقال أيضًا: قصة حديث صُهيب غير قصة حديث بلال وكلا الحدثين عندي صحيح. وإن كان ابن عمرو روي عنهما فاحتمل أن يكون سمع منهما جميعًا. انتهى.
• عن عمار بن ياسر أنه سلَّم على النبي ﷺ وهو يُصلي، فردَّ عليه.
صحيح: رواه النسائي (١١٨٨) عن محمد بن بشار، قال حدثنا وهب - يعني ابن جرير - قال: حدثنا أبي، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن محمد بن علي، عن عمار بن ياسر فذكر مثله.
وإسناده صحيح. عطاء هو: ابن أبي رباح، ومحمد بن علي هو: ابن الحنفية.
ورواه الإمام أحمد (١٨٧١٨) عن عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا أبو الزبير، عن محمد بن علي ابن الحنفية، عن عمار فذكر مثله.
اختلف في هذا الرّد، فجعل النسائي بأنه كان بالإشارة لأنه روى الحديث تحت باب: ردّ السلام بالإشارة في الصلاة.
وأورد الحازمي تحت باب ما نُسخ من الكلام في الصلاة وأسند عن سفيان بن عيينة بأنه قال: "هذا عندي منسوخ" "الاعتبار" (ص ٧١).
قلت: الأمر يحتمل الاثنين، فإذا كان بالكلام فهو قبل نسخه، وإذا كان بالإشارة فهو بعد نسخه. ولكن روي ابن قانع في "معجم الصحابة" (٢/ ٢٤٩) عن محمد بن محمد بن حيان التمَّار بالبصرة، نا أبو سلمة قال: سمعتُ جرير بن حازم قال: سمعتُ قيسًا - يعني ابن سعد - يحدِّثُ عن عطاء، عن محمد بن علي أن عمار بن ياسر مرَّ بالنبي ﷺ وهو يُصَلِّي، فسلَّم عليه فأشار إليه.
стр. 1654
فإن صحَّ هذا فهو تأكيد للاحتمال الثاني.
ويستفاد من أحاديث الباب بأنه لا بأس برد السلام في الصلاة بالإشارة، ويجوز أن يرد بعد الخروج من الصّلاة كما رد النبي ﷺ السلام علي ابن مسعود بعد فراغه من الصلاة.
وقال أبو حنيفة: لا يرد السلامَ ولا يُشير.
٩ - باب الإشارة في الصّلاة
• عن عائشة قالت: اشتكى رسولُ الله ﷺ ، فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه، فصلى رسول الله ﷺ جالسًا فصلوا بصلاته قيامًا. فأشار إليهم أن اجلسوا. فلما انصرف قال: "إنما جُعِل الإمام ليُؤْتَمَّ به فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلَّى جالسًا فصلوا جلوسًا".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٨٨) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. ورواه مسلم في الصلاة (٤١٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبدة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرتِ الحديث واللفظ له.
قال البيهقي (٢/ ٢٦١): قال حماد، عن هشام، عن أبيه في هذا الحديث: "فأومأ إليهم بيده أن اجلِسوا".
قلت: رواية حماد هذه أخرجها مسلم، ولكن لم يذكر لفظه، وإنما أحال على لفظ حديث عبدة بن سليمان، وليس فيه: فأومأ إليهم بيده.
• عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: أتيتُ عائشة زوج النبي ﷺ حين خُسفَتِ الشمسُ، فإذا الناس قيام يصلّون، وإذا هي قائمة تُصلي. فقلت: ما للناس؟ فأشارت بيدها نحو السماء. وقالت: سبحان الله. فقلت: آية؟ فأشارتْ نعم.
متفق عليه: رواه مالك في الكسوف (٤) عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء فذكرت مثله.
ورواه البخاري في الوضوء (١٨٤) عن إسماعيل (ابن أبي أويس) عن مالك، ومسلم في الكسوف (٩٠٥) من أوجه أخر عن هشام به مثله.
• عن جابر قال: اشتكى رسولُ الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا. فأشار إلينا فقعدنا.
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤١٣) من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن جابر في حديث طويل.
стр. 1655
• عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان يشير في الصلاة.
صحيح: رواه أبو داود (٩٤٣) عن أحمد بن محمد بن شبويه ومحمد بن رافع قالا: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك فذكره.
وإسناده صحيح. وهو في مصنف عبد الرزاق (٣٢٧٦) ومن طريقه رواه ابن خزيمة (٨٨٥)، وابن حبان (٢٢٦٤) في صحيحيهما.
وأما ما رواه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ : "التسبيح للرجال" يعني في الصلاة: "والتصفيق للنساء، من أشار في صلاته إشارةً تُفهمُ عنه فليُعِد لها" يعني الصلاة. فالجزء الثاني منه منكَرٌ.
رواه أبو داود (٩٤٤) عن عبد الله بن سعيد، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن الأخنس، عن أبي غَطفان، عن أبي هريرة فذكر مثله.
قال أبو داود: "هذا الحديثُ وهم".
قلت: وهو كما قال فعلته محمد بن إسحاق وهو مدلِّس وقد عنعن، وأتى بحديث يخالف حديث الثقات، فالنكارة إما منه، أو عَمَّن دلَّسَه.
قال الدارقطني (٢/ ٨٣): "قال لنا ابن أبي داود: (أبو غطفان هذا رجل مجهول. وآخر الحديث زيادة في الحديث. ولعله من قول ابن إسحاق. والصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يشير في الصلاة رواه أنس وجابر وغيرهما عن النبي ﷺ . قال الدارقطني: رواه ابن عمر وعائشة أيضًا" انتهى.
قلت: أما تعليل ابن أبي داود بأبي غطفان بأنه مجهول ففيه نظر، فقد روى عنه جماعة، ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة وقال: كان قد لزم عثمان، وكتب له، وكتب أيضًا لمروان. ووثَّقه ابن معين والنسائي وذكره ابن حبان في الثقات فمثله لا يُحكَم عليه بالجهالة فلعله اشتبه عليه برجل آخر. فانحصرت العلة في تدليس ابن إسحاق ونكارتِه في متن الحديث، وأما الجزء الأول منه فهو صحيح لكثرة شواهده.
١٠ - باب جواز قول العاطس في الصّلاة: الحمد لله
• عن رفاعة بن رافع قال: صليتُ خلف رسول الله ﷺ فعطستُ فقلت: الحمد الله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مباركًا عليه كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول الله ﷺ انصرف فقال: "من المتكلم في الصلاة؟ " فلم يتكلم أحد، ثم قاله الثانية: "مَن المتكلم في الصلاة؟ " فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثالثة: "مَن المتكلم في الصلاة؟ " فقال رفاعة بن رافع بن عفراء، أنا يا رسول الله! قال: كيف قلت؟ قال: قلت: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مباركًا عليه كما يحب ربُّنا ويرضى، فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده! لقد ابتدرها بضعةٌ وثلاثون ملكًا أيهم
стр. 1656
يصعد بها".
حسن: رواه أبو داود (٧٧٢)، والترمذي (٤٠٤)، والنسائي (٩٣١) كلهم عن قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا رفاعة بن يحيى بن عبد الله بن رفاعة بن رافع الزُرقي، عن عم أبيه معاذ بن رفاعة بن رافع، عن أبيه رفاعة بن رافع فذكره.
وإسناده حسن من أجل رفاعة بن يحيى إمام مسجد بني زُرَيْقٍ.
وكذلك معاذ بن رفاعة بن رافع فهو صدوق أيضًا، ولكن حكى أبو الفتح الأزدي عن عباس الدوري، عن ابن معين أنه قال فيه: ضعيف، وقال الأزدي: ولا يحتج بحديثه. إلا أن البخاري أخرج له، فأقل أحواله أنه حسن الحديث. وقد حسّنه أيضًا الترمذي. ولكن نقل الحافظ في ترجمة رفاعة بن يحيى أن الترمذي صحَّح هذا الحديث. وأعتقد أن الصواب هو تحسينه كما في غالب نسخ الترمذي.
وأصل هذا الحديث في صحيح البخاري (٧٩٩) عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نُعيم بن عبد الله المُجْمر، عن علي بن خلاد الزُرقي، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع الزّرقي قال: كنا نُصلي يومًا وراء رسول الله ﷺ فذكر الدّعاء، ولم يذكر فيه العطاس وسبق تخريجه في باب ما يقال بعد الرفع من الركوع. فلعل بعض الرواة اختصره فإن عطاسه وقع عند الرفع مع الركوع فأقر النبي ﷺ هذا الدّعاء في هذا المكان من الصلاة ومنع من قال به في غير هذا المكان من أجل العطاس.
وفي الباب عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: عطس شاب من الأنصار خلف رسول الله ﷺ وهو في الصلاة فقال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه حتى يرضى ربُّنا، وبعد ما يرضى من أمر الدنيا والآخرة. فلما انصرف رسول الله قال: "مَن القائل الكلمة؟ " قال: فسكت الشاب، ثم قال: "مَن القائل الكلمة فإنه لم يقل بأسًا" فقال: يا رسول الله! أنا قلتُها، لم أُرد بها إلا خيرًا. قال: "ما تناهت دون عرش الرحمن ﵎".
رواه أبو داود (٧٧٤) عن العباس بن عبد العظيم، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا شريك، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه فذكر الحديث.
وإسناده ضعيف فإن شريك بن عبد الله وعاصم بن عبيد الله العدويّ المدني ضعيفان لسوء حفظهما.
قال الترمذي بعد أن روى حديث رفاعة بن رافع: قال غير واحد من التابعين: إذا عَطَسَ الرجل في الصلاة المكتوبة فإنما يحمدُ الله في نفسه، ولم يُوسِّعوا في ذلك. وحمل حديث رفاعة بن رافع على أنه كان في التطوع.
قلت: فيه نظر، لأنه ثبت في رواية بشر بن عمر الزهراني، عن رفاعة بن يحيى أن تلك الصّلاة كانت المغرب. انظر: "الفتح" (٢/ ٢٨٦) وقال الحافظ: "العاطس في الصّلاة يحمد الله بغير كراهية".
ورُوي عن ابن عمر أنه كان يجهر بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وبه قال الإمام أحمد. انظر: "شرح السنة" (٣/ ٢٤٠).
стр. 1657
وأما تشميت العاطس فلا يجوز في الصلاة لحديث معاوية بن الحكم، لأنه من كلام الناس.
١١ - باب جواز البكاء في الصّلاة من خشية الله
• عن عبد الله بن الشِّخِّير قال: رأيتُ رسول الله ﷺ يُصلي، وفي صدره أزيزٌ كأزيز المِرجل من البكاء.
صحيح: رواه أبو داود (٩٠٤)، والنسائي (١٢١٤)، والترمذي في الشمائل (٣١٦) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن مطرف بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن أبيه فذكر مثله.
وإسناده صحيح، وصحّحه أيضًا ابن خزيمة (٩٠٠)، وابن حبان (٦٦٥)، والحاكم (١/ ٢٦٤) كلهم بهذا الإسناد.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
١٢ - باب ما جاء في النّفخ في الصّلاة
• عن عبد الله بن عمرو قال: كسفتِ الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ فصلَّى رسول الله ﷺ فأطال القيام، ثم ركع، فأطال الركوعَ، ثم رفع فأطال، قال شعبةُ: وأحسبه قال في السجود نحو ذلك. وجعل يبكي في سجوده وينفخُ ويقول: "رب لم تعِدْني هذا، وأنا استغفرك، لم تعِدْني هذا وأنا فيهم".
وفي رواية: ثم نفخ في آخر سجوده فقال: "أف أف" ثم قال: "ربِّ ألم تعِدْني أن لا تعذِّبهم وأنا فيهم، ألم تعِدْني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون؟ " فرغ رسول الله ﷺ مِن صلاته، وقد أمْحصتِ الشّمس. وساق الحديث بطوله وسيأتي في كتاب كسوف الشمس.
صحيح: رواه النسائي (١٤٩٦) من طريق غندر، عن شعبة، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو فذكر مثله. ورجاله كلهم ثقات إلا أن عطاء بن السائب قد اختلط، ولكن رواه شعبة عنه قبل الاختلاط. ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (٦٧٦٣) عن محمد بن جعفر وهو غندر عنه. كما رواه أيضًا (٦٨٦٨) عن عبد الرزاق، وهو في مصنفه (٤٩٣٨) عن سفيان، عن عطاء بن السائب به مختصرًا.
ومن هذا الوجه أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (١٣٩٣)، والحاكم (١/ ٣٢٩) إلا أنهما رويا بوجهين. الوجه الأول مثل رواية عبد الرزاق، والوجه الثاني: عن سفيان، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو مختصرًا. وفي إسنادهما مؤمل بن إسماعيل الراوي عن سفيان سيء الحفظ.
стр. 1658
ورواه أبو داود (١١٩٤) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد (وهو بن سلمة) عن عطاء بن السائب به وهي الرواية الثانية.
وحماد بن سلمة ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط وبعده وموافقته لشعبة تدل على أنه روى عنه هذا الحديث قبل الاختلاط.
وممن تابعه أيضًا عبد العزيز بن عبد الصمد، عن عطاء بن السائب به، رواه النسائي (١٤٨٢) عن هلال بن بِشْر، عن عبد العزيز بن عبد الصمد به وهو ممن سمع عنه أيضًا قبل الاختلاط.
وممن تابعهم أيضًا: محمد بن فُضيل، قال: حدثنا عطاء بن السائب به وهو ممن سمع منه بعد الاختلاط. رواه الإمام أحمد (٦٤٨٣) عنه، وهذه المتابعات تفيد بأن عطاء بن السائب لم يختلط في هذا الحديث.
ووالد عطاء هو: السائب بن مالك، أو ابن زيد الكوفي ثقة.
قال الخطابي: "وفي الحديث دليل على أن النفخ لا يقطع الصلاة إذ لم يكن له هجاء فيكون كلمة تامة. وقوله: "أُفْ" لا تكون كلامًا حتى تُشَدِّدَ الفاء فيكون على ثلاثة أحرف من التأفيف. كقولك: أفٍّ لكذا، فأما والفاء خفيفة فليس بكلام.
وأما ما رُوِي عن زيد بن ثابت قال: نهى رسول الله ﷺ عن النفخ في السجود، وعن النفخ في الشراب فهو ضعيف جدًّا. فيه خالد بن إلياس أو إياس، أبو الهيثم المدني العدوي إمام المسجد النبوي ضعيف جدًّا، قال الإمام أحمد والنسائي: متروك قال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث.
رواه الطبراني في الكبير قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٨٣) فيه خالد بن إلياس متروك.
في الباب أيضًا عن أبي هريرة وفيه عبد المنعم بن بشير منكر الحديث.
وفي الباب أيضًا عن أم سلمة قالت: رأى النبي ﷺ غلامًا لنا يقال له: أفلح إذا سجد نفخ فقال: "يا أفلح! ترِّبْ وجْهك" رواه الترمذي (٣٨١) عن أحمد بن منيع، حدثنا عبَّاد بن العوَّام، أخبرنا ميمون أبو حمزة، عن أبي صالح مولى طلحة، عن أم سلمة فذكرت مثله.
قال الترمذي: حديث أم سلمة إسناده ليس بذاك، وميمون أبو حمزة قد ضعَّفه بعض أهل العلم" انتهى.
قلت: وفيه أيضًا أبو صالح مولى طلحة لم يوثقه إلا ابن حبان ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول" ومن طريقه رواه ابن حبان في صحيحه (١٩١٣) قال: كنتُ عند أم سلمة زوج النبي ﷺ فأتاها ذو قرابتِها غلامٌ شاب ذو جمَّةٍ، فقام يُصَلِّي، فلما ذهب ليسجدَ نَفَخَ. فقالتْ: لا تفعل فإن رسول الله ﷺ كان يقول لغلام لنا أسود: "يا رباح! ترِّبْ وجهك".
ويقال اسمه زاذان كما في التقريب، ومن طريقه رواه الطبراني في "الكبير" (٢٣/ ٣٩٤) وحيث لم يوجد من تابعه فهو "لين الحديث" وأما ميمون أبو حمزة فقد تابعه عند ابن حبان داود بن أبي هند فرواه عن أبي صالح مولى آل طلحة كما سبق.
стр. 1659
وكذلك لا يصح بوجه من الوجوه: "من نفخ في الصّلاة فقد تكلم" أو بلفظ "النفخ في الصلاة كلام".
قال العلامة ابن القيم: "لا أصل له عن رسول الله ﷺ وإنما رواه سعيد في سننه عن ابن عباس من قوله إن صحَّ" "زاد المعاد" (١/ ٢٧٠).
والنفخ لا يكون كلامًا من حيث اللغة، لأنه ليس فيه هجاء إلا إنْ شُدِّدت الفاء فيكون على ثلاثة أحرف من التأفيف كما قال الخطابي وقال: "وأما والفاء خفيفة فليس بكلام والنافخ لا يُخرج الفاء في نفخة مشددةٍ، ولا يكاد يخرجها فاء صادقة من مخرجها بين الشفة السُفلى، ومقاديم الأسنان العليا، ولكنه يُغشيها من غير إطباق السنِّ على الشفة، وما كان كذلك لم يكن كلامًا".
ثم قال: "وقد قال عامة الفقهاء: إذا نفخ في صلاته فقال: "أف" فسدتْ صلاته إلا أبا يوسف فإنه قال: صلاته جائزة". انتهى.
١٣ - باب دفع الجن وخنقه في الصّلاة
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إنَّ عِفريتا من الجنِّ تفلَّتَ عليَّ البارحةَ - أو كلمة نحوها - ليقطعَ عليَّ صَلاتي. فأمكنني الله منه فأخذتُه فأردتُ أن أرْبُطَه على ساريةٍ من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كُلُّكم. فذكرْتُ دعوةَ أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [سورة ص: ٣٥] فرددتُه خاسئًا. عِفْريت: متمرد من إنس أو جان مثل زِبْنِيَة جماعتها الزَّبانية.
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٢٣)، ومسلم في المساجد (٥٤١) كلاهما عن محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد، قال: سمعتُ أبا هريرة فذكر الحديث واللفظ للبخاريّ.
وزاد مسلم في رواية النضر بن شُميل، عن شعبة بعد قوله: "فأمكنني الله منه": "فذعتُه" بالذال المعجمة، وتخفيف العين المهملة. بمعنى: خَنَقْتُه.
ثم قال مسلم: فأما ابن أبي شيبة (عن شبابة، عن شعبة) فقال في روايته: "فدعتُه" بالدال المهملة. بمعنى: دفعتُه دفْعًا شديدًا.
قال النووي: "وأنكر الخطابي المهملة وقال: لا تصح، وصحّحها غيره وصوَّبوها، وإن كانت المعجمة أوضح وأشهر. وفيه دليل على جواز العمل القليل في الصلاة".
وقوله: "ثم ذكرتُ قول أخي سليمان ... " أي: أن النبي ﷺ قد قدر على ربطه في سارية المسجد، فلما تذكر قول سليمان ﵇ امتنع من ذلك تواضعًا وتأدبًا. وتمكينه ﷺ لا ينافي قوله تعالى: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [سورة ص: ٣٥] إذ لا يبطل اختصاص تمام
стр. 1660
الملك لسليمان بهذا القدر.
وقوله: "حتى تنظروا إليه كلكم" فيه دليل على أن رؤيةَ الجنِّ غيرُ مستحيلةٍ، فأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] فإنه حكم الأعم والأغلبِ من الآدميين امتحنهم بذلك ليفْزَعُوا إليه ويستعيذوا به من شرهم. انظر: "شرح السنة" (٣/ ٢٧٠).
• عن عائشة أن النبي ﷺ كان يُصلِّي، فأتاه الشيطان فأخذه، فصرعه فخنقَه، قال رسول الله ﷺ : "حتى وجدتُ بردَ لسانه على يدي، ولولا دعوة أخي سليمان ﵇ لأصبح موثقًا حتى يراه الناس".
صحيح: رواه النسائي في "الكبرى" (١١٣٧٥) عن إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حصين، عن عبيد الله، عن عائشة فذكرت مثله.
وصحّحه ابن حبان فرواه في صحيحه (٢٣٥٠) من طريق محمد بن أبان، حدثنا أبو بكر بن عياش به مثله.
وحصين هو: ابن عبد الرحمن السلمي أبو الهذيل الكوفي من رجال الجماعة.
وعبيد الله بن عبد الله هو: ابن عتبة بن مسعود الهذلي من رجال الجماعة أيضًا. ومحمد بن أبان في إسناد ابن حبان هو الواسطي تكلم فيه الأزدي إلا أنه توبع عند النسائي.
• عن جابر بن سمرة قال: صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ صلاة الفجر، فجعل يَهْوِي بيده، قال خَلَفٌ: يَهْوِي في الصلاة قُدَّامَه. فسأله القومُ حين انصرف فقال: "إن الشيطان هو كان يُلْقِي عَلَيَّ شَرارَ النار ليَفْتِنَنِي عن صلاتي، فتناولتُه، فلو أخذتُه ما انفلتَ مني حتى يُناطَ إلى سارية من سواري المسجد، ينظر إليه وِلدانُ أهل المدينة".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢١٠٠٠) عن عبد الرزاق وخَلف بن الوليد، قالا: حدثنا إسرائيل، عن سماك أنه سمع جابر بن سمرة فذكر مثله.
وإسناده حسن لأجل سماك بن حرب. والحديث في مصنف عبد الرزاق (٢٣٣٨) من هذا الوجه. ورواه أيضًا الطبراني في الكبير (١٩٢٥) من طريق خلف بن الوليد به مثله.
وأمّا ما رواه الطبراني (٢٠٥٣)، والدارقطني (١/ ٣٦٥)، والبيهقي (٢/ ٤٥٠) من طرق عن المفضل بن صالح، عن سماك به بلفظ: صلَّينا مع رسول الله ﷺ صلاة مكتوبة، فضَمَّ يده في الصلاة. فلما قضى الصلاة قلنا يا رسول الله! أَحَدَثَ في الصّلاة شيء؟ قال: "لا إلا أن الشيطان أراد أن يمر بين يدي فَخَنقتُهُ حتى وجدتُ برد لسانه على يدي، وايم الله! لولا ما سبقني إليه أخي سليمان لنيط بسارية من سواري المسجد، حتى يُطيف به ولدان أهل المدينة"، فهو ضعيف، فيه المفضل بن صالح ضعَّفه البخاري وأبو حاتم كذا في "المجمع" (٢/ ٦١).
стр. 1661
• عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قام فصلَّى صلاة الصبح وهو خلْفَه، فقرأ، فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال: "لو رأيتموني وإبليس، فأهويتُ بيدي، فما زلتُ أخْنُقُه حتى وجدتُ برْد لُعابه بين أصْبعيَّ هاتين - الإبهام والتي تليها - ولولا دعوةُ أخي سليمان لأصبح مربوطًا بسارية من سواري المسجد، يتلاعبُ به صبيانُ المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحُولَ بينَه وبين القبلة أحدٌ فليفْعلْ".
حسن: رواه الإمام أحمد (١١٧٨٠) عن أبي أحمد، حدثنا مسرَّة بن معبد، حدثني أبو عبيد حاجب سليمان، قال: رأيتُ عطاء بن يزيد الليثي قائمًا يصلِّي، مُتعممًا بعمامةٍ سوداء، مرخي طرفَها من خلْفِه، مُصَفِّر اللحيةِ. فذهبتُ أمرُّ بين يديه فردَّني، ثم قال: حدثني أبو سعيد الخدري فذكر مثله.
وإسناده حسن لأجل مسرة بن معبد وهو: اللخمي الفلسطيني المقدسي اختلف فيه فقال أبو حاتم: شيخ لا بأس به، وذكره ابن حبان مرة في "الثقات" (٧/ ٥٢٤) وأخرى في "المجروحين" (١٠٩٣) فقال: "كان ممن ينفرد عن الثقات ما ليس من أحاديث الأَثبات على قلة روايته، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد". غير أنه حسن الحديث، ولذا قال الذهبي في "الكاشف": "وُثِّق" وقال الحافظ في "التقريب": "صدوق له أوهام".
وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٨٧): رواه أحمد ورجاله ثقات، غير أنه لم يذكر قوله: "من استطاع منكم ... ".
والحديث رواه أبو داود (٦٩٩) عن أحمد بن سريج الرازي، أخبرنا أبو أحمد الزبيري، أخبرنا مسرة بن معبد اللخمي به مقتصرًا على قوله: "من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل". انظر باب منع المار بين يدي المصلي.
وأبو أحمد هو: محمد بن عبد الله بن الزبير الزبيري من رجال الجماعة.
والذي رواه عبد بن حميد (٩٤٦) عن علي بن عاصم، ثنا أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "خرجتُ لصلاة الصبح فلقيني الشيطان في السدة، سدة المسجد فزحمني حتى إنِّي لأجد من شعره فاستمسكت منه فخنقتُه، حتى إني لأجد برد لسانه على يديَّ، فلولا دعوة أخي سليمان لأصبح مقتولًا تنظرون إليه" ففيه أبو هارون العبدي وهو: عمارة بن جُوَين - بجيم مصغرًا - مشهور بكنيته متروك، والبعض كذَّبَه.
وأما ما رُوِي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "مرَّ عليَّ الشيطانُ فأخذتُه فخنقتُه، حتى لأجد برْد لسانه في يدي فقال: أوْجَعتنِي أوْجَعتني" فهو منقطع، رواه الإمام أحمد (٣٩٢٦) عن أسود بن عامر، أخبرنا إسرائيل، قال: ذكر أبو إسحاق عن أبي عبيدة، عن عبد الله.
وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه، قال الهيثمي في "المجمع" (١/ ٢٨٨):
стр. 1662
"رواه أحمد، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، وبقية رجاله رجال الصحيح".
١٤ - باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة والتعوّذ منه
• عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله ﷺ فسمعناه يقول: "أعوذ بالله منك" ثم قال: "ألْعنُك بلعْنَةِ الله" ثلاثًا. وبسط يده كأنَّه يتناولُ شيئًا. فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله! قد سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك. ورأيناك بسطْتَ يدَك قال: "إنّ عدوَّ الله إبليسَ جاء بشهاب من نار ليجعله في وجْهِي، فقلتُ: أعوذ بالله منك. ثلاث مرات، ثم قلت: أَلْعنك بلعنة الله التامة، فلم يستَأْخِرْ ثلاث مرات، ثم أردتُ أَخْذَه. والله! لولا دعوةُ أخينا سليمان لأصبح مُوثقًا يلعبُ به ولدانُ أهل المدينة".
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٤٢) عن محمد بن سلمة المرادي، حدثنا عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، يقول: حدَّثني ربيعةُ بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء، فذكره.
قال القاضي عياض: قوله ﷺ : "ألْعنُك بلعنة الله، وأعوذ بالله منك" دليلُ الجواز الدعاءُ لغيره، وعلى غيره بصيغة المخاطبة خلافًا لابن شعبان من أصحاب مالك في قوله: إن الصّلاة تبطل بذلك".
قال النووي ﵀: "وكذا قال أصحابنا: تبطل الصلاة بالدعاء لغيره بصيغة المخاطبة كقوله للعاطس: رحمك الله، أو يرحمك الله. ولمن سلَّم عليه: وعليك السلام وأشباهه، والأحاديث السابقة في الباب الذي قبله في السلام على المصلي، تؤيد ما قاله أصحابنا. فيتأول هذا الحديث، أو يحمل على أنه كان قبل تحريم الكلام في الصلاة، أو غير ذلك" شرح مسلم.
• * *
стр. 1663
جموع أبواب صلاة الليل
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤].
وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦].
١ - باب ما جاء في اجتهاد النّبيّ ﷺ في قيام اللّيل لرفع الدرجات وعلو المراتب
• عن المغيرة بن شعبة قال: إن كان رسول الله ﷺ ليقوم - أو لَيُصلّي - حتى تَرِم قدماه - أو ساقاه - فيقال له: فيقول: "أفلا أكون عبدًا شكورًا".
متفق عليه: رواه البخاري في التهجد (١١٣٠)، ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنّة والنار (٢٨١٩) كلاهما من حديث زياد بن عِلاقة، عن المغيرة بن شعبة فذكره. واللفظ للبخاري.
وفي لفظ مسلم: أن النبي ﷺ صَلَّى حتى انتفختْ قدماه. فقيل له: أتكلَّفُ هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ . فقال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا".
• عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطَّر قدماه، فقالت عائشة: لِمَ تصنعُ هذا يا رسولَ الله! وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذَنْبِكَ وما تأخَّر؟ قال: "أَفلا أحبُّ أن أكون عبدًا شكورًا"، فلما كَثُر لحْمه صلَّى جالسًا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ، ثم ركع.
متفق عليه: رواه البخاري في تفسير سورة الفتح (٤٨٣٧)، ومسلم في كتاب صفة القيامة (٢٨٢٠) كلاهما من حديث عروة بن الزبير، عن عائشة واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم قريب منه.
قولها: "حتى تتفطّر قدماه" أي تشقّقت.
• عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي حتى تَرِم قدماه. قال: فقيل له: أتفعل هذا وقد جاءك: إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. قال: "أفلا
стр. 1664
أكون عبدًا شكورًا".
صحيح: رواه الترمذي في الشمائل (٢٦٠) عن أبي عمَّار (الحسين بن حُرَيث) حدثنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره.
وصحّحه ابن خزيمة (١١٨٤) ورواه من طريق الفضل بن موسى به مثله.
وإسناده حسن لأجل محمد بن عمرو فإنه صدوق، ولكن له طرق أخرى.
فقد رواه أيضًا الترمذي في الشمائل (٢٦١)، وابن ماجه (١٤٢٠) كلاهما من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يُصلي حتى تنتفخ قدماه كما عند الترمذي، وعند ابن ماجه: حتى تورَّمتْ قدماه وبقية الحديث نحوه وهذا إسناد حسن أيضًا.
ورواه النسائي (١٦٤٥) من وجه آخر عن سفيان، عن عاصم بن كُلَيب عن أبيه، عن أبي هريرة مختصرًا: كان رسول الله ﷺ يُصلِّي حتى تزلغ - يعني تشقَّقُ - قدماه. وهذا سند صحيح أيضًا، وهذه الطرق يُقوي بعضُها بعضًا فيصير الحديث صحيحًا.
• عن أنس بن مالك، قال: قام النّبيُّ ﷺ حتَّى تورّمتْ قدماه، أو ساقاه. قال: فقيل: يا رسول الله! قد غفر اللَّهُ لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟ قال: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا".
صحيح: رواه أبو يعلى (٢٩٠٠) عن عبد الله بن عون الخرّاز، حدّثنا محمد بن بشر، عن مسعر بن كدام، عن قتادة، عن أنس، فذكره.
أورده الهيثميّ في "المجمع" (٢/ ٢٧١) وعزاه إلى أبي يعلى، والبزّار، والطّبراني في "الأوسط" وقال: "رجاله رجال الصّحيح".
قلت: وهو كما قال، إلّا أنّ الحديث أُعلّ بأنّ المشهور عن مسعر، عن زياد بن علاقة، عن المغيرة بن شعبة، كما سبق في أوّل الباب، وهو الذي أخرجه الشيخان، ولكن لا يبعد أن يكون لهذا الحديث مخرجٌ آخر - وهو ما رواه محمد بن بشر - وهو العبديّ، وصف بأنّه ثقة حافظ، عن مسعر بن كدام، عن قتادة، عن أنس، فذكره.
وأنس بن مالك وهو خادم رسول الله ﷺ ، لقد اطلّع على فعل النبيّ ﷺ ما لم يطّلع عليه غيره، ويشهد لهذا الطريق ما رواه أبو الشيخ الأصبهانيّ في "أخلاق النبيّ ﷺ " (ص ١٦٠) عن أحمد بن محمد بن علي الخزاعيّ، نا قرّة بن حبيب، نا عبد الحكم، عن أنس بن مالك، قال: "تعبَّد رسولُ الله ﷺ حتَّى صار كالشِّن البالي، فقالوا: يا رسول الله! ما يحملك على هذا؟ أليس قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا".
إلّا أنّ فيه عبد الحكم وهو ابن عبد الله القسمليّ، ضعيف كما في التقريب، ولكن بمجموع الطريقين يدلان على أنّ لهذا الحديث أصلّا عن أنس أيضًا.
стр. 1665
فائدة: قال ابن خزيمة: "في هذا دلالة على أن الشّكر لله قد يكون بالعمل له، لأنَّ الشكر كلُّه لله، وقد يكون باللسان. قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سورة سبأ: ١٣] فأمرهم أن يعملوا شكرًا، فالشكر قد يكون بالقول والعمل جميعًا. لا على ما يتوهم العامة أن الشكر إنما يكون باللّسان فقط".
٢ - باب ما جاء في نسخ قيام الليل من الفرضِ إلى النافلة إلا في حق النبي ﷺ -
• عن سعد بن هشام بن عامر قال: قلت لأم المؤمنين عائشة: أَنبئِيني عن خُلُقِ رسول الله ﷺ ، فقالت: أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق رسول الله ﷺ كان القرآن. قال: فهممتُ أن أقومَ فبدا لي فقلت لها: أَنبئِيني عن قيام رسول الله ﷺ فقالت: أما تقرأ هذه السورة ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] قال: قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض القيام في أول هذه السورة، فقام نبي الله ﷺ وأصحابه حولًا، حتى انتفخت أقدامُهم، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا، ثم أنزل الله التخفيف في آخر السورة، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضةٍ.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٤٦) من طريق عبد الرزاق، وهو في مصنفه (٤٧١٤) عن عمر، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام بن عامر فذكره في حديث طويل كما سيأتي في جامع صلاة النبي ﷺ في الليل.
وعلى هذا يدل قول ابن عباس في قوله تعالى في سورة المزمل: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٢، ٣] نسختها الآية التي فيها: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] و ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ١] أولَه. وكانت صلاتهم لأول الليل، يقول: هو أجدرُ أن تحصوا ما فرض الله عليكم من قيام الليل، وذلك أنَّ الإنسان إذا نام لم يدرِ متى يستيقظ. وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] هو أجدر أنْ يفقهَ في القرآن. وقوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] يقول: فراغًا طويلًا.
رواه أبو داود (١٣٠٤) عن أحمد بن محمد المروزي بن شَبُّوَيْهِ، حدثني علي بن حسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن لأجل الكلام في علي بن حسين وهو ابن واقد فقد تكلم فيه النسائي وغيره، ومشّاه الآخرون غير أنه لا ينزل عن درجة الحسن.
وأما يزيد النحوي فهو: ابن أبي سعيد المروزي ثقة.
وقوله: لما نزلت أول المزمل كانوا يقومون نحوًا من قيامهم في شهر رمضان، حتى نزل آخرها، وكان بين أولها وآخرها سنة.
стр. 1666
رواه أبو داود (١٣٠٥) عن أحمد بن محمد - يعني المروزي -، حدثنا وكيع، عن مِسْعَر، عن سِماك الحنفي، عن ابن عباس فذكر مثله.
وإسناده حسن لأجل سِماك الحنفي، وهو: ابن الوليد أبو زميل وثقه أحمد وابن معين وغيرهما. وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس.
قلت: وهو حسن الحديث.
وأخرجه الحاكم (٢/ ٥٠٥) من طريق مِسعر به وقال: "صحيح الإسناد".
هذا الحكم خاص بأمة محمد ﷺ فإنه لا خلاف بين أهل العلم بأن قيام الليل ليس بواجب. قال الشافعي رحمه الله تعالى مستدلًّا بقوله تعالى: ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ أنها ناسخة لقيام الليل ونصفه وثلثه وما تيسر "الرسالة" (ص ١١٦).
ولكن وقع الخلاف بين السلف في حق النبي ﷺ هل كان فرضًا عليه أم لا؟ قال ابن القيم رحمه الله تعالى وهذا ملخص كلامه: "الطائفتان احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ قالوا: فهذا صريح في عدم الوجوب.
وقال الآخرون: أمره بالتهجد في هذه السورة كما أمره في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ ولم يجيء ما ينسخه عنه. وأما قوله تعالى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ فلو كان المراد به التطوع لم يخصه بكونه نافلة له، وإنما المراد بالنافلة الزيادة. ومطلق الزيادة لا يدل على التطوع قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ أي زيادة على الولد، وكذلك النافلة في تهجد النبي ﷺ زيادة في درجاته، وفي أجره ولهذا خصه بها، فإن قيام الليل في حق غيره مباح، ومكفِّر للسيئات، وأما النبي ﷺ فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهو يعمل في زيادة الدرجات وعلو المراتب، وغيره يعمل في التكفير".
ثم قال رحمه الله تعالى: "والمقصود أن النافلة في الآية لم يُرَد بها ما يجوز فعلُه وتركُه، كالمستحب والمندوب، وإنما المراد بها الزيادة في الدرجات، وهذا قدر مشترك بين الفرض والمستحب، فلا يكون قوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ نافيًا لما دلَّ عليه الأمر من الوجوب". انظر: "زاد المعاد" (١/ ٣٢٢، ٣٢٣).
٣ - باب ما جاء في قيام النبي ﷺ بآية من القرآن ليلة ً
• عن عائشة قالت: قام النبي ﷺ بآية من القرآن ليلةً.
صحيح: رواه الترمذي (٤٤٨) عن أبي بكر محمد بن نافع البصري، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن إسماعيل بن مسلم العبدي، عن أبي المتوكِّل الناجي، عن عائشة فذكر مثله.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه".
قوله: "حسن" فيه تقصير، والصواب أنه صحيح.
стр. 1667
قلت: وأبو بكر هو: محمد بن أحمد بن نافع العبدي البصري مشهور بكنيته، وينسب إلى جده، وهو من رجال مسلم. وبقية الرجال رجال الصحيح أيضًا ويشهد له حديث أبي ذر الآتي:
• عن أبي ذر قال: قام النبي ﷺ بآية حتى أصبح يردِّدُها. والآية: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨].
حسن: رواه النسائي (١٠١٠)، وابن ماجه (١٣٥٠) كلاهما من حديث يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا قُدامة بن عبد الله، قال: حدثتني جَسرة بنتُ دجاجةَ، قالت: سمعتُ أبا ذر فذكره.
وأخرجه الحاكم (١/ ٢٤١) من هذا الوجه، وصحّحه.
وصحّحه أيضًا البوصيري في زوائد ابن ماجه، وذكره ابن خزيمة (١/ ٢٧١) بدون إسناد وعلَّق الخبر على الصحة. ورواه الإمام أحمد (٢١٣٢٨) عن محمد بن فُضيل، حدثني فُليت العامري - وهو قدامة بن عبد الله وزاد فيه: فلما أصبح، قلت: يا رسول الله! ما زلتَ تقرأ هذه الآية حتى أصبحت، تركع بها وتسجد بها؟ قال: "إني سألت ربي الشفاعة لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئًا".
وإسناده حسن لأجل جَسْرة بنت دَجَاجةَ العامرية، وثَّقه العجلي وابن حبان، وقال الدارقطني: يعتبر بحديثها، يعني في الشواهد والمتابعات. وإلا فهي "مقبولة". كما قال الحافظ في التقريب، وجعلها أبو نعيم في الصحابة، وهو وهم منه.
والخلاصة إن حديث أبي ذر يشهد له حديث عائشة، وله شاهد أيضًا من حديث أبي سعيد الآتي:
وأما ما رُوي عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ ردَّدَ آية حتى أصبح ففيه رجل لم يعرف من هو؟ رواه الإمام أحمد (١١٥٩٣/ ٢) عن زيد بن الحباب، أخبرني إسماعيل بن مسلم الناجي، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدري فذكره.
قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٧٣): "فيه إسماعيل بن مسلم الناجي ولم أجد من ترجمه".
قلت: ولم يترجم له الحافظ في "التعجيل" فلعله من رجال الكتب الستة نُسب إلى غير أبيه، أو غير مهنته، وأخشى أن يكون هو: إسماعيل بن مسلم المكي؛ لأنه في طبقته إلا أنه ضعيف جدًّا.
٤ - باب ما يستحب من الذكر عند القيام للتهجد
• عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجد قال: "اللهم! لك الحمدُ أنت قَيِّمُ السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمدُ لك ملكُ السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمدُ أنت نورُ السماوات والأرضِ، ولك الحمدُ أنت مالك السماوات والأرض، ولك الحمدُ أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاءُك حق،
стр. 1668
وقولك حق، والجنة حق والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة حق. اللهم! لك أسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكلتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ، فاغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ، وما أعلنتُ، أنت المقَدِّم، وأنت المؤخِّر لا إله إلا أنتَ لا إله غيرك".
قال سفيان: وزاد عبد الكريم أبو أمية: "ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ".
متفق عليه: رواه البخاري في التهجد (١١٢٠)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٦٩) كلاهما من حديث سفيان، عن سليمان بن أبي مسلم الأحول، عن طاوسٍ، سمع ابن عباس فذكره.
ورواه مالك في القرآن (٣٤) عن أبي الزبير المكي، عن طاوسٍ اليماني، عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة من جوفِ الليل يقول فذكر مثله، وفيه "أنت قيَّامُ السماوات والأرض" بدل من "قيِّم السماوات ... "، وقال في آخر الحديث: "أنت إلهي لا إله إلا أنت".
ورواه مسلم (٧٦٩) عن قتيبة بن سعيد، عن مالك.
وهو مخرج في "المنة الكبري" (٢/ ٣٨٥).
وفي رواية قال ابن عباس: إنَّ رسول الله ﷺ كان في التهجد يقول بعد ما يقول: الله أكبر.
• عن عُبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: "من تعارَّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمدُ، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم! اغفر لي، أو دعا، استُجيب له، فإن توضأ وصلَّى قُبلتْ صلاتُه".
صحيح: رواه البخاري في التهجد (١١٥٤) عن صَدَقَة بن الفضل، أخبرنا الوليد، عن الأوزاعي، قال: حدثني عُمير بن هانئ، قال: حدثني جنادةُ بن أبي أمية، حدثني عُبادة بن الصامت فذكره.
قال البغوي: "قوله: "تعارّ" أي استيقظ من النوم، وأصلُ التعارِّ: السَّهرُ والتقلبُ على الفراش، ويقال: إن التعارَّ لا يكون إلا مع كلامٍ وصوتٍ مأخوذ من عِرار الظليم، وهو صوته" "شرح السنة" (٤/ ٧٢).
وقال ابن التين: ظاهر الحديث أن معنى تعارَّ استيقظ، لأنه قال: "من تعارَّ فقال" فعطف القول على التعار".
• عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة أُمَّ المؤمين: بأيّ شيء كان نبيُّ الله ﷺ يفتح صلاتَه إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل
стр. 1669
افتتح صلاته: "اللهم! ربَّ جَبْرَائيل وميكائيل وإسرافيل. فاطرَ السماوات والأرض، عالمَ الغيب والشهادةِ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاءُ إلى صراط مستقيم".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٧٠) من طرق عن عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن فذكره.
• عن عاصم بن حُميد قال: سألت عائشة: بأي شيء كان يفتتح رسول الله ﷺ قيام الليل؟ فقالت: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، كان إذا قام كبَّر عَشرًا، وحَمِدَ الله عشرًا، وسبَّح عشرًا، وهلَّل عشرًا، واستغفر عشرًا، وقال: "اللهم! اغفر لي، واهدني، وارزقني" ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة.
حسن: رواه أبو داود (٧٦٦)، والنسائي (١٦١٨)، وابن ماجه (١٣٥٦) كلّهم من حديث زيد بن الحُباب، عن معاوية بن صالح، قال: حدثني أزهر بن سعيد، عن عاصم بن حُميد فذكره.
وإسناده حسن لأجل معاوية بن صالح بن حُدير، وثقه النسائي وغيره. وقال ابن عدي: هو عندي صدوق إلا أنه يقع في حديثه إفرادات.
وكذلك في الإسناد أزهر بن سعيد الحرازي حمصي "صدوق" كما قال الحافظ في التقريب.
وصححه ابن حبان (٢٦٠٢) فرواه من طريق ابن وهب، عن معاوية بن صالح به، مثله.
ورواه الإمام أحمد (٢٥١٠٢) عن يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، قال: حدثني ربيعة الجرشي قال: سألت عائشة فقلت: فذكر الحديث، إلا أنه لم يذكر "حمد الله عشرًا" وزاد بعد قوله "اللهم! اغفر لي ... " عشرًا، ولم يذكر "وعافني"، وزاد بعد "اللهم! إني أعوذ بك من الضيق يوم الحساب" عشرًا.
والأصبغ هو: ابن زيد أبو عبد الله الوراق الواسطي مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إلا أن ابن عدي قال في الكامل: "هذا إسناد غير محفوظ يرويه يزيد بن هارون، عن أصبغ، ولا أعلم روي عن أصبغ هذا غير يزيد بن هارون".
قلت: يزيد بن هارون حافظ ضابط من كبار شيوخ الإمام أحمد.
قال الإمام أحمد: "كان حافظًا للحديث". وقال ابن المديني: "ما رأيت أحفظ منه". وهذا الإسناد يقوي ما قبله.
٥ - باب قراءة العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران لمن قام لصلاة التهجد
• عن ابن عباس أنه بات ليلة عند ميمونة زوج النبي ﷺ وهي خالته، قال:
стр. 1670
فاضطجعتُ في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ وأهلُه في طولها. فنام رسول الله ﷺ حتى إذا انتصف الليلُ، أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ رسول الله ﷺ فجلس يمسح النومَ عن وجهه بيده ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران وهي قوله تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. [سورة آل عمران: ١٩٠ - ٢٠٠].
متفق عليه: رواه مالك في صلاة الليل (١١) عن مخرمة بن سليمان، عن كريب مولى ابن عباس به في حديث طويل سيأتي في باب عدد صلاة الليل.
ورواه البخاي في الوضوء (١٨٣) عن إسماعيل (وهو ابن أبي أويس)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٦٣/ ١٨٢) عن يحيى بن يحيى كلاهما عن مالك به.
٦ - باب ما جاء في الحثّ على قيام الليل
• عن علي بن أبي طالب أخبر أن رسول الله ﷺ طرقَه وفاطمةَ بنتَ النبي ﷺ ليلةً فقال: "ألا تُصلِّيان؟ " فقلت: يا رسول الله! أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يَبْعَثَنا بَعَثَنا. فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إليَّ شيئًا، ثم سمعتُه وهو مُوَلٍّ يضرب فخذه وهو يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [سورة الكهف: ٥٤].
متفق عليه: رواه البخاري في التهجد (١١٢٧)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٧٥) كلاهما من حديث الزهري، عن علي بن الحسين، أن حسين بن علي أخبره، عن علي بن أبي طالب فذكره.
• عن ابن عمر قال: كان الرجل في حياة رسول الله ﷺ إذا رأى رُؤيا قصَّها على رسول الله ﷺ ، فتمنَّيتُ أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله ﷺ ، وكنت غلامًا شابًا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ فرأيتُ في النوم كأنَّ ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطيّ البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتُهم فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار. قال: فلقينا ملك آخر فقال لي: لَم تُرَعْ. فقصصتُها على حفصة، فقصَّتْها حفصةُ على رسول الله ﷺ فقال: "نعم الرجل عبد الله لو كان يُصلي من الليل".
فكان بعدُ لا ينام من الليل إلا قليلًا.
متفق عليه: رواه البخاري في التهجد (١١٢١, ١١٢٢)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة (٢٤٧٩) كلاهما من طريق عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه،
стр. 1671
فذكره ولفظهما سواء. إلا أن مسلمًا كرر: أعوذ بالله من النار، ثلاث مرات. وكذا عند البخاري أيضًا (٣٧٣٨) والقائل: "فكان بعدُ لا ينام من النيل إلا قليلًا" هو سالم.
• عن أم سلمة قالت: استيقظ النبي ﷺ ذات ليلة فقال: "سبحان الله ماذا أُنزِل الليلة من الفِتن، وماذا فُتح من الخزائن، من يُوقِظُ صواحبَ الحُجُرات؟ يا رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا، عاريةٍ في الآخرةِ".
صحيح: رواه البخاري في التهجد (١١٢٦) عن ابن مقاتل، حدثنا عبد الله (هو ابن المبارك)، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن هند بنت الحارث، عن أم سلمة فذكرتِ الحديث.
وهذا الحديث رواه مالك في الموطأ في كتاب اللباس (٨) عن يحيى بن سعيد، عن ابن شهاب الزهري مرسلًا.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاةُ الليل".
صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١٦٣) عن قتيبة بن سعيد، ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حُميد بن عبد الرحمن الحِمْيري، عن أبي هريرة فذكره.
• عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ : "إذا أيقظ الرجلُ أهلَه من الليل، فصلَّيا، أو صلى ركعتين جميعًا كتبا في الذاكرين والذاكرات".
صحيح: رواه أبو داود (١٣٠٩)، وابن ماجه (١٣٣٥) كلاهما من طريق شيبان أبي معاوية، عن الأعمش، عن علي بن الأقمر، عن الأغرِّ، عن أبي سعيد وأبي هريرة فذكر الحديث.
إسناده صحيح والأغر هو: أبو مسلم المديني من رجال مسلم، وشيبان هو: ابن عبد الرحمن التميمي مولاهم أبو معاوية البصري من رجال الجماعة.
قال أبو داود: ولم يرفعه ابن كثير، ولا ذكر أبا هريرة جعله كلام أبي سعيد.
قلت: ومن رفع معه زيادة.
وقد صحّحه ابن حبان (٢٥٦٨)، والحاكم (١/ ٣١٦)، وروياه من هذا الطريق إلا أن الحاكم وهم في قوله: على شرط الشيخين، لأن الأغر لم يرو عنه البخاري إلا إن قصد غير الصحيح، فإنّ البخاري روى عنه في الأدب المفرد، وأما مسلم فأخرج عنه، إذًا هو على شرط مسلمٍ وحده، وقد أعِلَّ بأنه موقوف، ولكن الصواب أنه مرفوع، لأن من رفع عنده زيادة علم، فيجب قبولها لأنه ثقة.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله رجلًا قام من الليل، فصَلَّى وأيقظ امرأته، فإن أبتْ نضح في وجهها الماءَ، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلَّت وأيقظتْ زوجَها، فإن أبي نضحتْ في وجهه الماءَ".
стр. 1672
حسن: رواه أبو داود (١٣٠٨)، والنسائي (١٦١٠)، وابن ماجه (١٣٣٦) كلّهم من طريق يحيى بن سعيد، عن محمد بن عجلان، قال: حدثني القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكره ولفظه سواء عند الجميع.
وإسناده حسن لأجل محمد بن عجلان فإنه صدوق حسن الحديث.
وصحّحه ابن خزيمة (١١٤٨) وعنه ابن حبان (٢٥٦٧) كما صحّحه أيضًا الحاكم (١/ ٣٠٩) كلهم من طريق محمد بن عجلان، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
قلت: وهو كما قال فإن مسلمًا وإن كان أخرج لابن عجلان في الشواهد فإن الحاكم لا يفرق بين الشواهد والأصول فتنبه إلى ذلك.
وقال النووي في الخلاصة (١٩٩٣): رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح. قلت: بل هو حسن كما تقدم.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من حافظ على هؤلاء الصلوات المكتوبات لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ في ليلة مائة آية لم يكتب من الغافلين، أو كتب من القانتين".
صحيح: رواه ابن خزيمة (١١٤٢)، والحاكم (١/ ٣٠٨) كلاهما من طريق أبي حمزة السكري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة واللفظ لابن خزيمة، وأما الحاكم فرواه بدون شك وهو قوله: "ومن قرأ في ليلة مائة آية كتب من القانتين". وقال: "صحيح على شرط الشيخين".
قلت: وهو كما قال، ولكن رواه سعيد بن منصور (١٣٦) عن أبي الأحوص، عن أبي سنان، عن أبي صالح، فقال: عن أبي سعيد الخدري، أو عن أبي هريرة - على الشك - وأبو سنان هو: ضرار بن مرة الكوفي الشيباني، وثَّقه أبو حاتم والنسائي والعجلي وغيرهم، روي له مسلم وأصحاب السنن غير ابن ماجه، إلا أن أبا حمزة السكري وهو: محمد بن ميمون المروزي من رجال الجماعة وهو أوثق منه، وقد رواه بدون الشك، فيشبه أن يكون الصواب أنه من حديث أبي هريرة.
ورواه ابن خزيمة (١١٤٣)، والحاكم (١/ ٣٠٨, ٣٠٩) أيضًا كلاهما من حديث سعد بن عبد الحميد بن جعفر، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبيد الله بن سلمان، عن أبيه أبي عبد الله سلمان الأغرِّ، عن أبي هريرة فذكر نحوه. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
قلت: ليس كما قال، فإن سعد بن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري لم يرو عنه مسلم أصلًا، وإنما روى عنه أصحاب السنن غير أبي داود، ولذا رمز له الحافظ في التقريب بـ (ت س ق) غير أنه حسن الحديث.
وأما عبد الرحمن بن أبي الزناد فهو وإن كان مسلم لم يحتج به، إلا أنه روى عنه في المقدمة - كما
стр. 1673
رمز له الحافظ في التقريب "من" وقد سقط هذا المصطلح من بعض النسخ المطبوعة فتنبه -، والحاكم لا يفرق بين المقدمة وأصل الكتاب.
• عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله! إني إذا رأيتك طابَتْ نفسِي وقرَّتْ عَيني، فأنْبِئني عن كل شيء. فقال: "كل شيء خُلق من ماء" قال: قلت: أنْبِئْني عن أمر إذا أخذتُ به دخلتُ الجنةَ. قال: "أفْشِ السلامَ، وأَطْعِم الطعامَ، وصِلِ الأَرْحَام، وقُم بالليلِ والناسُ نِيام، ثم ادخُلِ الجنّةَ بسلامٍ".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٧٩٣٢) عن يزيد بن هارون، أخبرنا هَمَّام، عن قتادة، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة فذكره.
رجاله ثقات وإسناده صحيح. صحّحه ابن حبان (٥٠٨، ٢٥٥٩)، والحاكم (٤/ ١٢٩) وروياه من طريق همام وهو: ابن يحيى العوذي به مثله إلا أن الحاكم لم يذكر الجزء الأول من الحديث.
كما رواه أيضًا الإمام أحمد من طرق أخرى عن همام، انظر (٨٢٩٥, ٨٢٩٦, ١٠٣٩٩).
قال الهيثمي في "المجمع" (٥/ ١٦): "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح خلا أبا ميمونة، وهو ثقة".
قلت: وهو كما قال، فإن أبا ميمونة الفارسي المدني الأبار ثقة وثَّقه النسائي، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال ابن معين: أبو ميمونة الأبار صالح.
وفرّق البخاري وأبو حاتم ومسلم والحاكم أبو أحمد بن أبي ميمونة الأبار الذي روى عن أبي هريرة وعنه قتادة، وبين أبي ميمونة الفارسي واسمه سليم، روى عنه أبو النضر وغيره.
قلت: أبو ميمونة الذي عندنا هو المدني الأبار وهو ثقة كما رأيت فإنه هو الذي وثَّقه النسائي وغيره وهو من رجال السنن، وأما قول الدارقطني: "أبو ميمونة عن أبي هريرة، عنه قتادة مجهول يترك" فالحجة لمن علم على من لم يعلم كما هو معلوم، وأما أبو ميمونة الفارسي الذي وثَّقه الدارقطني في كناه فمن هو هذا؟ فإن الذي روى عنه يحيى بن أبي كثير وقتادة وهلال بن أبي ميمونة وأبو النضر هو صاحبنا الأبار ثقةٌ وهو المراد هنا.
• عن عبد الله بن أبي قيس قال: قالت عائشة ﵂: لا تدعْ قيام الليل، فإن رسول الله ﷺ كان لا يدعُه، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعدًا.
حسن: رواه أبو داود (١٣٠٧) عن محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شعبةُ، عن يزيد بن خُمير قال: سمعت عبد الله بن أبي قيس فذكره.
وأبو داود هو: الطيالسي، والحديث في مسنده (١٦٢٢) من هذا الوجه إلا أنه قال فيه: "عبد الله بن أبي موسى النصري" ومن طريقه رواه ابن خزيمة (١١٣٧) ولكنه جزم بأنه ابن أبي قيس وصحّحه أيضًا الحاكم (١/ ٣٠٨) فرواه عن أبي داود وقال فيه: "عبد الله بن أبي قيس"، وقال:
стр. 1674
"حديث صحيح على شرط مسلم".
قلت: وهو كما قال، إلَّا أن يزيد بن خمير وإن كان من رجال مسلم إلا أنه "صدوق" وبه صار الحديث حسنًا.
• عن عبد الله بن سَلام قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، وقيل: قَدِم رسول الله ﷺ ، قَدِم رسول الله ﷺ ، قَدِم رسول الله ﷺ ، فجئتُ في الناس لأنظر إليه، فلما استثبتُ وجهَ رسول الله ﷺ عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذّاب، وكان أوّلَ شيء تكلم به أن قال: "أيها الناس! أَفْشوا السلام، أَطْعِموا الطعامَ، وصلُّوا والناس نِيام، تدخلوا الجنة بسلام".
صحيح: رواه الترمذي (٢٤٨٥)، وابن ماجه (١٣٣٤) كلاهما من حديث يحيى بن سعيد وغيره، عن عوف بن أبي جميلة، عن زرارة بن أوفى، عن عبد الله بن سلام فذكره.
قال الترمذي: "صحيح".
ورواه أيضًا الحاكم (٣/ ١٣) من طريق هوذة بن خليفة، عن عوف بن أبي جميلة به، وزاد في الحديث: "وصِلوا الأرحام".
وقال: "صحيح على شرط الشيخين".
قلت: وهذا وهم منه فإن هوذة بن خليفة لم يُخرجا له، إنما أخرج له ابن ماجه وهو صدوق، ثم رواه من وجه آخر (٤/ ١٥٩، ١٦٠) عن يحيى بن سعيد القطان، عن عوف بن أبي جميلة به مثله.
وقال: "صحيح الإسناد".
• عن أبي مالك الأَشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة غرفةً يُرى ظاهِرُها من باطنها، وباطِنُها من ظاهرها، أعده الله لمن أطعم الطعام، وألانَ الكلام، وتابع الصيامَ، وصلى والناس نيام".
حسن: رواه أحمد (٢٢٩٠٥)، والطبراني في الكبير (٣٤٦٦) كلاهما من طريق عبد الرزاق - وهو في مصنفه (٢٠٨٨٣) - عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن معانق أو أبي معانق، عن أبي مالك الأشعري فذكره.
ومن هذا الطريق رواه أيضًا ابن خزيمة (٢١٣٧)، وابن حبان (٥٠٩) في صحيحيهما، إلا أن ابن حبان زاد في الحديث: "وأفشى السلام" ولم يذكر "الصيام" وهو ليس في نسخة عبد الرزاق، كما أنه ليس فيه: "ألَان الكلام" فالظاهر أنه يعود إلى اختلاف النسخ.
وإسناده حسن من أجل ابن معانق وهو: عبد الله بن معانق الأشعري كما قال أبو حاتم عقب الحديث. وكنيته أبو معانق، وثَّقه ابن حبان والعجلي، وهو من تابعي أهل الشام، وأبو مالك
стр. 1675
الأشعري له صحبة، واسمه الحارث بن الحارث وهو شامي أيضًا. فلقاؤهما ممكن، ومن استبعد فقد حاد عن الحق.
قال الهيثمي في "المجمع": رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات، وفاته عزوه إلى أحمد.
وقول ابن خزيمة: "لست أعرف ابن معانق، ولا أبا معائق الذي روى عنه يحيى بن أبي كثير" فقد عرفه غيره.
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كُتِب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنْطِرين".
حسن: رواه أبو داود (١٣٩٨) عن أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرنا عمرو، أن أبا سَويَّة حدَّثه أنه سمع ابن حُجيرة يخبر عن عبد الله بن عمرو بن العاص فذكر الحديث.
قال أبو داود: "ابن حجيرة الأصغر: عبد الله بن عبد الرحمن بن حُجيرة".
وصحّحه ابن خزيمة (١١٤٤)، وابن حبان (٢٥٧٢) كلاهما من حديث ابن وهب به، مثله.
وإسناده حسن لأجلِ أبي سويَّه واسمه: عبيد بن سَويَّة بن أبي سوية، ويقال له: أبو سويد المصري قال ابن حبان: أبو سويد اسمه حُميد بن سويد من أهل مصر، وقد وهم من قال: أبو سوية". انتهى.
قلت: ليس كما قال، فإن أكثر أهل العلم على أنه ابن سوية، وله ترجمة مفصلة في التهذيب، قال ابن ماكولا: "كان فاضلًا".
وقال ابن يونس: "كان رجلًا صالحًا كان يفسر القرآن" وقال أبو عمير الكندي: "كان فاضلًا، ثم أسند أنه مات سنة (٣٥) أي بعد المائة.
قلت: وحديثه حسن، وهو "صدوق" كما في التقريب.
وكذلك رُوي أيضًا عن تميم الداري مرفوعًا: "من قرأ بمائة آية في ليلة لم يكتب من الغافلين" رواه أحمد (١٦٩٥٨)، والدارمي (٣٤٥١) كلاهما من طريق زيد بن واقد، عن سليمان بن موسى، عن كثير بن مرة، عن تميم الداري فذكره.
وفيه انقطاع، فإن سليمان بن موسى وهو الأشدق لم يدرك كثير بن مرة، وله أسانيد أخرى كلها معللة.
وفي الباب أحاديث أخرى ستأتي في فضائل القرآن.
• عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة غرفةً يُرى ظاهرُها من باطنِها، وباطنُها من ظاهرها". فقال أبو موسى الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟
стр. 1676
قال: "لمن أَلانَ الكلامَ، وأطعمَ الطعامَ، وبات لله قائمًا والناس نيام".
حسن: رواه أحمد (٦٦١٥) عن حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حُيَي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، حدَّثه عن عبد الله بن عمرو فذكره.
وابن لهيعة فيه كلام مشهور، ولكنه توبع.
رواه الحاكم (١/ ٣٢١) من طريق ابن وهب، عن حُيَي بن عبد الله بهذا الإسناد، وقال: "صحيح على شرط مسلم". إلا أن السائل فيه: أبو مالك الأشعري، وكذلك رواه الطبراني في الكبير.
قال الهيثمي (٢/ ٢٥٤): "رواه أحمد والطبراني في الكبير وإسناده حسن".
قلت: وهو كما قال فإنّ ابن لهيعة، قد توبع، وأما حُيَي بن عبد الله بن شريح المُعافري فهو مختلف فيه غير أنه حسن الحديث وخاصة في الشواهد وهو من رجال السنن، وبهذا ظهر وهم الحاكم في قوله: "على شرط مسلم".
وقد رُوي مثل هذا عن علي بن أبي طالب، رواه الترمذي (١٩٨٤) و (٢٥٢٧) عن علي بن حُجر، حدثنا علي بن مُسْهِر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي بن أبي طالب قال: قال النبي ﷺ : "إن في الجنة غُرَفًا تُرى ظهورُها مِن بطونها، وبطونُها من ظُهورِها"، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: "لمن أطاب الكلامَ وأطْعم الطعامَ، وأَدامَ الصيامَ، وصلى لله بالليل والناس نيام".
قال الترمذي: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، وقد تكلم بعضُ أهل الحديث في عبد الرحمن بن إسحاق هذا من قبل حفظه، وهو كوفي، وعبد الرحمن بن إسحاق القرشي مدني، وهو أثبتُ من هذا، وكلاهما كانا في عصر واحد".
قلت: وهو كما قال فإن عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي هذا ضعَّفه ابن معين وأبو حاتم وابن حبان والعجلي.
وقال أحمد: ليس بشيء منكر الحديث، وأما عبد الرحمن بن إسحاق المدني فهو صدوق من رجال مسلم.
وفي الإسناد علة أخرى وهي النعمان بن سعد بن حَبْتة - بفتح المهملة وسكون الموحدة ثم مثناة - كوفي لم يوثقه غير ابن حبان ولذا قال الحافظ: "مقبول" أي حيث يتابع، ولكنه لم يتابع، فهو لين الحديث.
والحديث رواه أيضًا الإمام أحمد (١٣٣٨) والبزار "كشف الأستار" (٧٠٢)، وأبو يعلى (٤٣٨)، وابن خزيمة (٢١٣٦) كلهم من طريق محمد بن فُضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق به مثله.
قال ابن خزيمة: "إن صحَّ الخبر، فإن في القلب من عبد الرحمن بن إسحاق أبي شيبة الكوفي، وليس هو بعبد الرحمن بن إسحاق الملقب بعبَّاد الذي رَوَى عن سعيد المقبري والزهري وغيرهما،
стр. 1677
هو صالح الحديث، مدني سكن واسط، ثم انتقل إلى البصرة" انتهى.
• عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة يحبهم الله ، وثلاثة يُبغضهم الله ، وأما الذين يحبهم الله فرجل أتى قومًا فسألهم بالله، ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فمنعوه، فتخلفهم رجل بأعقابهم فأعطاه سِرًّا لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يُعدل به نزلوا فوضعوا رؤسَهُم فقام يتملَّقُني ويتلو آياتي، ورجل كان في سَرِيَّةٍ فلقوا العدوَّ، فانهزموا فأقبل بصدْره حتى يُقتَلَ أو يفتح الله له، والثلاثة الذين يُبغضهم الله : الشيخ الزاني والفقير المختال، والغني الظلوم".
حسن: رواه النسائي (٢٥٧٠)، والترمذي (٢٥٦٨) كلاهما عن محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور بن المعتمر قال: سمعت ربعي بن حِراش يحدث عن زيد بن ظبيان يرفعه إلى أبي ذر فذكر الحديث.
وأخرجه ابن خزيمة (٢٤٥٦ و ٢٥٦٤)، وابن حبان (٣٣٥٠ و ٤٧٧١) في صحيحيهما كلاهما من طريق محمد بن جعفر به. قال الترمذي: "هذا حديث صحيح".
وصحّحه أيضًا الحاكم (١/ ٤١٧) بعد أن رواه من طريق الإمام أحمد - وهو في مسنده (٢١٣٥٥) - عن محمد بن جعفر به.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
قلت: إسناده حسن من أجل زيد بن ظبيان ولم يخرج له الشيخان، وإنما أخرج له الترمذي والنسائي، ولم يوثقه غير ابن حبان، ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول" وهو كذلك لأنه توبع.
رواه الإمام أحمد (٢١٣٤٠) عن إسماعيل (وهو ابن علية) حدثنا الجريري، عن أبي العلاء بن الشِخّير، عن ابن الأحمس، قال: لقيت أبا ذر فقلت له: بلغني عنك أنك تحدث حديثًا عن رسول الله ﷺ ، فقال: أما إنه لا تخالُني أكذبُ على رسول الله ﷺ بعد ما سمعتُه منه فما الذي بلغك عني؟ قلت: بلغني أنك تقول: "ثلاثة يُحبهم الله، وثلاثة يشنؤُهم الله" قال: قلتُه وسمعتُه فذكر الحديث نحوه مع خلاف في البعض. فذكر من الثلاثة الذين يحبهم الله "والرجل يكون له الجارُ يؤذِيه جوارُه فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ظعن" بدلًا من الصدقة، والثلاثة الذين يبعضهم الله: "التاجر الحلّاف - أو البائع الحلَّاف - والبخيل المنان، والفقير المختال".
ولكن فيه ابن الأحمس، ويقال: ابن الأحمسي ذكره الحافظ في "التعجيل" (١٤٣٦): وقال: "روى عن أبي ذر، وعنه أبو العلاء بن الشخير".
وفيه إشارة إلى أنه مجهول، ولكن هو بالجملة يقوي رواية زيد بن ظبيان.
стр. 1678
والجُريري هو: سعيد بن إياس وهو ثقة من رجال الجماعة، ولكنه اختلط قبل موته بثلاث سنين، ورواية إسماعيل ابن علية كانت قبل موته.
ومن هذا الطريق رواه ابن منيع كما في "إتحاف الخيرة" (٥٩٩٠) وللحديث أسانيد أخرى والذي ذكرته أصحُّها.
وأما ما رُوِيَ عن عبد الله بن مسعود يرفعه: "ثلاثة يحبهم الله ... " فذكر نحوه فهو موقوف.
رواه الترمذي (٢٥٦٧) من طريق أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن منصور، عن ربعي بن حِراش، عن عبد الله بن مسعود فذكر الحديث.
قال الترمذي عقب حديث أبي ذر: "وهذا أصح من حديث أبي بكر بن عياش".
وروي أيضًا عن عبد الله بن مسعود يرفعه: "عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وِطَائِه ولِحافه، من بين أهله وحَيِّه إلى صلاته، فيقول ربنا: يا ملائكتي! انظروا إلى عبدي ثار من فراشِه ووِطَائه، ومن بين حيِّه وأهله إلى صلاته رغبةً فيما عندي، وشفقَةً مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله فانهزموا، فعَلم ما عليه من الفِرار، وما له في الرجوع، فرجع حتى أُهريق دمُه رغبةً فيما عِندي، وشفقَةً مما عندي، فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي، رجع رغبة فيما عندي، ورهبةً مما عندي، حتى أُهريق دمه".
الصّواب أنه موقوف على ابن مسعود: رواه الإمام أحمد (٣٩٤٩)، وأبو يعلى (٥٣٦١) كلاهما من طريق عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود فذكره.
قال الدارقطني في "العلل" (٥/ ٢٦٧): يرويه عطاء بن السائب، عن مرة، واختلف عنه، فرواه حماد بن سلمة، عن عطاء السائب، ووقفه خالد بن عبد الله عن عطاء. وروى هذا الحديث قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن عبد الله مرفوعًا، تفرد به يحيى الحماني، عن قيس، ورواه إسرائيل، واختلف عنه فقال أحمد بن يونس، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص وأبي الكنود، عن عبد الله موقوفًا، وقال يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة وأبي الكنود موقوفًا، والصحيح هو الموقوف" انتهى.
وكذا قال أيضًا البيهقي في "الأسماء والصفات": رواه أبو عبيدة عن ابن مسعود من قوله موقوفًا عليه.
وأورده المنذري في "الترغيب والترهيب" وقال: رواه الطبراني موقوفًا بإسناد حسن.
وأما الهيثمي فحكم في "المجمع" (٢/ ٢٥٥): رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني وإسناده حسن، وله عند الطبراني في الكبير نحوه موقوفًا، على ظاهر الإسناد، ولم يدرك العلة الخفية فيه.
وأما ما روي عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة يحبهم الله، ويضحك إليهم، ويستبشر
стр. 1679
بهم: الذي إذا انكشفتْ فئة قاتل وراءها بنفسه لله تعالى، فإما أن يُقتل، وإما أن ينصره الله ويكفيه، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه؟ ، والذي له امرأة حسنةٌ، وفراش ليِّن حسن، فيقومُ من الليل يذرُ شهوتَه، ويذكرني، ولو شاء رقد، والذي إذا كان في سفر، وكان معه ركبٌ فسَهِروا، ثم هجعوا فقام من السَّحَر في ضرَّاء سِرًّا" فهو ضعيف.
أخرجه الحاكم (١/ ٢٥) مختصرًا، والبيهقي مفصلا في "الأسماء والصفات" (٢/ ٢٢٠) كلاهما من طريق فُضيل بن سليمان، نا موسى بن عقبة، حدثني عبيد الله بن سلمان، عن أبيه، عن أبي الدرداء فذكر نحوه.
وإسناده ضعيف من أجل فُضيل بن سليمان وهو: النُميري فقد ضعفه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وأبو داود وغيرهم، وأما البخاري فقد أخرج له متابعة، وأما الهيثمي فعزاه في المجمع (٢/ ٢٥٥) إلى الطبراني وقال: "ورجاله ثقات". وذلك اعتمادا منه على توثيق ابن حبان له.
• عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قُربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم".
حسن: رواه ابن خزيمة (١١٣٥)، والحاكم (١/ ٣٠٨) وعنه البيهقي (٢/ ٥٠٢) كلهم من طريق عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن ثور بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي أمامة الباهلي فذكره. غير أن ابن خزيمة قال: ربيعة بن يزيد.
قال الحاكم: "صحيح على شرط البخاري".
وهذا وهم منه. فإن معاوية بن صالح وهو: ابن حدير لم يخرج له البخاري، وإنما أخرج له مسلم وهو "صدوق له أوهام" كما في "التقريب" ورمز له بـ (م).
ولكن في الإسناد عبد الله بن صالح كاتب الليث، وإن كان أخرج له البخاري في المعلقات إلا أنه مختلف فيه.
فقال النسائي: ليس بثقة، وقال الحاكم: ذاهب الحديث، وابن عدي سبر أحاديثه فقال: "هو عندي مستقيم الحديث إلا أنه يقع في أسانيده ومتونه غلط، ولا يتعمد الكذب".
قلت: وهنا لم يأتِ بشيء ينكر عليه، فلا مانع من الاستشهاد به لا الاحتجاج به.
وأما ما رواه الترمذي (٣٥٤٩) من طريق بكر بن خُنيس، عن محمد القرشي، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن بلال بن رباح، عن رسول الله ﷺ نحوه، وزاد في آخره: "ومَطرَدَة للداء عن الجسد" فإنه لا يُعلّ ما رواه عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح به.
قال الترمذي: "حديث غريب، لا نعرفه من حديث بلال إلا من هذا الوجه، ولا يصح من قبل إسناده، سمعت محمد بن إسماعيل يقول: محمد القرشي هو: محمد بن سعيد الشامي، وهو: محمد بن أبي قيس، وهو: محمد بن حسان، وقد تُرِك حديثه، وقد روي هذا الحديث معاوية بن
стр. 1680
صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ ، وهذا أصح من حديث أبي إدريس، عن بلال".
قلت: وهو كما قال فإن الشامي هذا هو المصلوب كذبوه، قتله المنصور على الزندقة وصلبه، وأما شيخه ربيعة بن يزيد فهو ثقة عابد كما في التقريب، والاسناد الأول ليس فيه متهم وهو حسن إن شاء الله.
وفي الباب أيضًا عن سلمان الفارسي ولفظه: "عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة لكم إلى الله ، ومُكفِّرة للسيئات، ومَنْهاة عن الإثم، ومَطرَدَة الداءِ عن الجسمِ" إلا أنه ضعيف لجهالة أحد رواته.
رواه الطبراني في "الكبير" (٦١٥٤) وفيه عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجون وثَّقه دُحَيْم وابن حبان وابن عدي، وضعَّفه أبو داود وأبو حاتم. كذا قال الهيثمي في "المجمع" (٣٥٢٠).
وأورده ابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٥٩٦ - ١٥٩٧) وذكر له عدة أحاديث منها الحديث المذكور وقال: ابن أبي الجون هذا مثل ابن أبي الرجال، وعامة أحاديثه مستقيمة، وفي بعضها بعض الإنكار، فلذلك ذكرته، وله غير ما ذكرت من الحديث، وقد روى عنه الوليد بن مسلم ونطراؤه من الناس من أهل دمشق، وأرجو أنه لا بأس به" انتهى.
وأما أبو داود فضعَّفه كما سبق، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.
وفيه أيضًا أبو العلاء الغَزِّي الراوي عن سلمان الفارسي مجهول، قال الذهبي: لا أعرفه.
وفي الباب ما روُي عن عبد الله بن عباس قال: ذكرت قيام الليل. فقال بعضُهم: إنّ رسول الله ﷺ قال: "نصفه وثلثه وربعه، فواق حَلْبِ ناقة، فواق حَلْبِ شاة".
رواه أبو يعلى "المقصد العلي" (٣٦٩) عن هارون بن معروف، ثنا ابن وهب، حدثني مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن ابن عباس فذكره. ومخرمة بن بكير حسن الحديث.
قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٥٢): "رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح".
وقال البوصيري في "إتحاف الخيرة" (٢٣٥٣): "رواه أبو يعلي بسند صحيح".
قلت: وهو كذلك إلا أنّ مخرمة بن بكير وهو من رجال مسلم روايته عن أبيه وجادة من كتابه كما قال أحمد وابن معين. وقال ابن المديني: "سمع من أبيه قليلًا"، والوِجادة مقبولة عند المحدثين.
ولكن علّته أنّ فيه انقطاعًا، فإنّ بكيرًا وهو ابن عبد الله بن الأشجّ لم يسمع من ابن عباس.
وقوله: فواق حلبِ ناقةٍ: أي: قدر ما بين الحلبتين من الراحةِ. كما في النهاية لابن الأثير.
وأمّا ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "شرف المؤمن صلاته باللّيل، وعزُّه استغناؤه عن النّاس". فهو ضعيف.
стр. 1681
رواه العقيليّ في "الضعفاء" (٢/ ٣٧) عن يحيى بن عثمان بن صالح، قال: حدّثنا داود بن عثمان الثغري، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ، عن أبي معاذ، عن أبي هريرة، فذكره.
قال العقليّ: "داود بن عثمان الثّغري كان يُحدِّث بمصر عن الأوزاعيّ وغيره بالبواطيل منها حديث يحيى بن عثمان" فذكره.
وقال: "هذا يُروى عن الحسن وغيره من قولهم، وليس له أصل مسند".
وأخرجه ابن الجوزيّ في "الموضوعات" (٢/ ٤٠٧) من طريق العقيليّ، وأقرّه على قوله السّابق، وذكر له شاهدًا من حديث سهل بن سعد مرفوعًا: "جاء جبريل إلى النبيّ ﷺ فقال: يا محمد! أحببْ من شئتَ فإنّك مفارقه، واعمل ما شئت فإنّك مجزي به، وعشّ ما شئت فإنّك ميّت، واعلم أنّ شرف المؤمن قيامه باللّيل، وعِزّه استغناؤه عن النّاس". وقال: "هذا لا يصح عن النبيّ ﷺ ، فإنّ في طريقه محمد بن حميد قد كذّبه أبو زرعة وابنُ وارة، وقال ابن حبان: ينفرد عن الثّقات بالمقلوبات. وفيه شيخه زافر بن سليمان، قال ابن عدي: لا يتابع على عامة ما يرويه". انتهى.
٧ - باب ذم ترك قيام اللّيل
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الله! لا تكن مثلَ فلانٍ كان يقومُ من اللّيل فترك قيام اللّيل".
متفق عليه: رواه البخاري في التهجد (١١٥٢) من طريق مبشر، وعبد الله بن المبارك، كلاهما عن الأوزاعي، حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص فذكره.
ثم قال البخاري: وقال هشام: حدثنا ابن أبي العشرين - قال: حدثنا الأوزاعي، قال حدثنا يحيى، عن عمر بن الحكم بن ثوبان، قال: حدثني أبو سلمة مثله. وتابعه عمرو بن أبي سلمة عن الأوزاعي". انتهى.
قال الحافظ في الفتح: "هشام هو ابن عمار، وابن أبي العشرين - بلفظ العدد - هو عبد الحميد بن حبيب كاتب الأوزاعي، وأراد المصنف (البخاري) بإيراد هذا التعليق التنبيه على أن زيادة عمر ابن الحكم - أي ابن ثوبان - بين يحيى وأبي سلمة من المزيد في متصل الأسانيد، لأن يحيى قد صرَّح بسماعه من أبي سلمة، ولو كان بينهما واسطة لم يصرح بالتحديث، ورواية هشام المذكورة وصلها الإسماعيلي وغيره".
"وقوله: تابعه عمرو بن أبي سلمة - أي تابع ابن أبي العشرين على زيادة عمر بن الحكم. ورواية عمر المذكورة وصلها مسلم في الصيام (١١٥٩/ ١٨٥) عن أحمد بن يُونس عنه. وظاهر صنيع البخاري ترجيح رواية يحيى عن أبي سلمة بغير واسطة. وظاهر صنيع مسلم يخالفه لأنه
стр. 1682
اقتصر على الرواية الزائدة، والراجح عند أبي حاتم والدارقطني وغيرهما صنيع البخاري، انتهى كلام الحافظ.
وصنيع مسلم لا يُعلّ بصنيع البخاري، لأن الظاهر أن يحيى بن أبي كثير سمع أولًا من عمر بن الحكم، عن أبي سلمة فوقع هذا لمسلم فروي من طريقه، ثم تسير له السماع من أبي سلمة مباشرةً فروي عنه، وهذا الذي وقع للبخاري فروي من طريقه، وعلى الطريق المزيد فترجح ما عند البخاري عما عند مسلمٍ لعلو إسناده.
• عن عبد الله بن مسعود قال: ذُكر عند رسول الله ﷺ رجل فقيل: ما زال نائمًا حتى أصبح، ما قام إلى الصلاة. فقال: ذاك رجل بال الشيطانُ في أُذُنِه - أو قال: في أذُنَيه".
متفق عليه: رواه البخاري في التهجد (١١٤٤)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٧٤) كلاهما من طريق منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود فذكر الحديث.
وقوله: "ما قام إلى الصلاة" يراد به صلاة الليل، وقد يراد به فريضة الصبح أيضًا.
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يَعقِد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاثَ عُقدٍ. يضربُ مكانَ كلِّ عُقدةٍ: عليك ليلٌ طويلٌ فارقد. فإن استيقظ فذكر الله انحلَّت عقدة، فإن توضأ انحلَّت عُقدةٌ، فإن صلَّى انحلَّتْ عُقَدُهُ. فأصبح نشيطًا طيِّب النفس، وإلا أصبح خبيث النفسِ كسْلان".
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٩٥) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكر الحديث. ورواه البخاري في التهجد (١١٤٢) من طريق مالك به مثله.
ورواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٧٦) من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد به وفيه: "وإذا توضأ انحلَّت عُقْدتان. فإذا صَلَّى انحلَّتِ العُقَدُ".
• عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من ذَكَرٍ ولا أُنثى إلا وعلى رأسه جرير معقودٌ ثلاثَ عُقَدٍ حين يرقُد، فإن استيقظَ فذكر اللهَ انحلتْ عقدةٌ، فإذا قام فتوضأَ انحلتْ عقدةٌ، فإذا قام إلى الصلاة انْحَلَّتْ عُقَدُه كلُّها".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٤٣٨٧) عن أبي معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه ابن خزيمة (١١٣٣) وعنه ابن حبان (٢٥٥٤) من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش وفيه: "على رأسه جرير معقود حين يرقُد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإذا قام فتوضأ وصلَّى انحلت العُقد".
стр. 1683
ورواه ابن خزيمة من طريق شيان، عن الأعمش، وزاد فيه: وأصبح خفيفًا".
ورواه أبو يعلى (٢٢٩٨) من طريق عبد الله بن نمير، عن الأعمش وزاد فيه:
"وأصبح نشطًا قد أصاب خيرًا، وإن هو نام لا يذكر الله أصبح عليه عقده ثقيلا".
ورواه ابن حبان (٢٥٥٦) من طريق عيسى بن يونس، عن الأعمش وزاد فيه:
"وإن أصبح ولم يذكر الله أصبح وعُقَدُه عليه، وأصبح ثقيلًا كسلانًا لم يُصب خيرًا".
وللحديث طرق أخرى عن الأعمش والتي ذكرتها هي أصحها.
قال ابن خزيمة: "الجرير - الحبل".
• عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يعالج نفسه إلى الطهور، وعليه عُقَدٌ فيتوضأ، فإذا وضَّأ يديه انحلَّتْ عُقدة، وإذا وضَّأ وجْهَه انحلَّتْ عقدةٌ، وإذا مسح برأسه انحلَّتْ عقدةٌ، وإذا وضَّأ رجليه انحلت عقدةٌ. فيقول الله للذين وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسَه يسألني، ما سألني عبدي فهو له".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٧٧٩٠) عن هارون، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن أبا عُشَّانة حدَّثه، أنه سمع عقبة بن عامر فذكر الحديث وصحّحه ابن حبان (٢٥٥٥) ورواه عن طريق ابن وهب به مثله.
وسبق تخريجه في كتاب الوضوء، باب ما جاء في ثواب الطهور.
• عن السائب بن يزيد أن شُريحًا الحضرمي ذُكر عند رسول الله ﷺ فقال: "لا يتوسد القرآن".
صحيح: رواه النسائي (١٨٧٣) عن سويد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله، قال: أنبأنا يونس، عن الزهري، قال: أخبرني السائب بن يزيد، فذكره.
رواه أيضًا أحمد (١٥٧٢٤)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٧٦) كلاهما من طريق عبد الله، وهو ابن المبارك به ولفظ أحمد: "ذاك رجل لا يتوسّد القرآن". وإسناده صحيح.
والذي قيل إنه: "مخرمة بن شريح" فهو وهم كما قال الحافظ في الإصابة (٢/ ١٤٧)؛ لأنه رواه الطبراني من طريق النعمان بن راشد، يحدث عن الزهري، والنعمان بن راشد سيء الحفظ، وله أسانيد أخرى إلا أنها كلها معلولة والصواب أنه: شريح الحضرمي، وشُريح الحضرمي هذا كان من أفضل أصحاب رسول الله ﷺ كما قال ابن عبد البر في الاستيعاب ثم ذكر الحديث.
وقوله: "لا يتوسَّد القرآنَ" بنصب القرآن على المفعولية، معناه أنه لا يجعل القرآن تحت رأسه فينام عليه، بل يقوم قيام الليل بما معه من القرآن، فيداوم على قراءته.
стр. 1684
وهذا الذي فهمه أيضًا النسائي فأخرج الحديث في السنن الكبرى (١٣٠٧) في باب الحثّ على قيام الليل. وفيه ذمّ لمن جعل القرآن كالوسادة، وغفل عن قيام الليل والتهجد.
٨ - باب جامع صلاة النبي ﷺ في الليل
• عن سعد بن هشام بن عامر أنه أراد أن يغزُوَ في سبيل الله، فَقَدِم المدينة، وأراد أن يبيع عقارًا بها، فيجعله في السلاح والكُراع، ويُجاهد الرُّوم حتى يموتَ، فلما قدِم المدينة لَقِيَ أُناسًا من أهل المدينة، فنَهوه عن ذلك، وأخبروه أن رَهْطًا سِتَّةً أرادوا ذلك في حياة رسول الله ﷺ ، فنَهاهم رسولُ الله ﷺ ، وقال: أليس لكم فيَّ أسوةٌ؟ فلما حدَّثوه بذلك راجع امرأته - وقد كان طلَّقها - وأشهد على رَجْعَتِها فأتى ابن عباسٍ، فسأله عن وِتْر رسول الله ﷺ ؟ فقال ابنُ عباسٍ: ألا أدُلُّك على من هو أعلم أهل الأرض بوتر رسولِ الله ﷺ ؟ قال: من؟ قال: عائشة، فَأتِها فسَلْها، ثم أتِني فَأَخبرني بردِّها عليك. قال: فانطلقتُ إليها، فأتيتُ على حكيم بن أفْلحَ، فاسْتَلْحَقْتُه إليها، فقال: ما أنا بقارِبِها، لأني نهيتُها أن تقولَ في هاتين الشِّيعَتَين شيئًا، فأبَتْ فيهما إلَّا مُضيًّا، قال: فأقسمتُ عليه فجاء، فانطلقنا إلى عائشةَ، فاستأذَنَّا عليها، فأذِنَت لنا، فدخلنا عليها، فقالتْ: حكيمٌ؟ فَعَرَفَتْه، فقال: نعم، فقالت: مَنْ معك؟ قال: سعدُ بنُ هشام. قالت: مَنْ هشام؟ قال: ابنُ عامر، فتَرَحَّمَتْ عليه، وقالت خيرًا - قال قتادة: وكان أصيبَ يوم أُحُدٍ - فقلت: يا أمَّ المؤمنين! أنبئيني عن خُلُق رسول الله ﷺ ، قالت: ألسْتَ تقرأ القرآنَ؟ قلت: بلى. قالت: فإن خُلُقَ نبيِّ الله ﷺ كان القرآنَ قال: فهَمَمْتُ أن أقومَ، ولا أسألَ أحدًا عن شيء حتى أموتَ، ثم بدا لي، فقلت: أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ فقالت: ألستَ تقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾؟ قلت: بلى، قالت: فإن الله افترض القيام في أوّل هذه السّورة، فقام نبي الله ﷺ وأصحابه حولًا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا [في السماء]، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعًا بَعْدَ فريضةٍ، قال: قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن وِتْرِ رسول الله ﷺ ، فقالت: كنا نُعِدُّ له سِواكَه، وطَهورَه، فيبعثه الله متى شاء أَنْ يبعثَه من الليل، فيتسوَّك ويتوضأ، ويصلِّي تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكُر الله ويحمدُه [ويَدْعوه، ثم ينهض ولا يسلِّم، ثم يقومُ فيصلِّي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمدُه ويدعوه]، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلِّي ركعتين بعد ما يسلِّمُ وهو
стр. 1685
قاعد، فتلك إحدى عشرَةَ ركعةً يا بُنيَّ! فلما أسَنَّ رسولُ الله ﷺ ، وأخذه اللحمُ، أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول، فتلك تسعٌ يا بنيّ! وكان نبيُّ الله ﷺ إذا صلى صلاةً أحبَّ أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نومٌ أو وَجَع عن قيام الليل صلَّى من النهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبيّ الله ﷺ قرأ القرآن كلَّه في ليلة، ولا صلَّى ليلة إلى الصبح، ولا صام شهرًا كاملًا غير شهر رمضان، قال: فانطلقت إلى ابن عباس فحدَّثْتُه بحديثها، فقال: صَدقَتْ، ولو كنتُ أقْرَبُها، أو أدخلُ عليها، لأتيتُها حتى تُشافِهَني به، قال: قلت: لو علمتُ أنك لا تدخلُ عليها ما حدَّثْتُك حديثها".
وفي رواية قال: "انطلقتُ إلى عبد الله بن عباس، فسألتُه عن الوتر؟ - وساق الحديث بقصته - وقال فيه: قالت: مَنْ هشام؟ قلتُ: ابنُ عامر، قالت: نِعْم المرء كان عامر، أصيب يومَ أُحُدٍ".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٤٦) عن محمد بن المثنى العنزي، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن زُرارة، أن سعد بن هشام بن عامر أراد فذكره.
ورواه أبو داود (١٣٤٣) من حديث: يحيى بن سعيد، عن سعيد به مثله إلا أنه قال فيه: كان يصلِّي ثمان ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيجلس، فيذكر الله ، ثم يدعو، ثم يُسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يُصلي ركعتين وهو جالس بعد ما يُسلم، ثم يصلي ركعة. فتلك إحدى عشرة ركعة.
والذي في صحيح مسلم: لا يُسلم في الثامنة بل يُصلي التاسعة، ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فتلك إحدى عشرة ركعة. فلعله فعل هذا مرةً وتلك أُخرى.
وقولها: ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو جالس: لعله ﷺ فعل مرة أو مرتين، أو مرات لبيان جواز الصلاة بعد الوتر، وبيان جواز النفل جالسًا وبه قال بعض أهل العلم، وعند الإمام أحمد رواية.
وأما جمهور السلف فذهبوا إلى أن آخرَ صلاة الليل الوترُ لما تواترت الروايات في الصّحيحين وغيرهما عن عائشة وغيرها من الصحابة الآخرين بأن آخر صلاة رسول الله ﷺ في الليل كان وترًا، كما ثبت من أمره ﷺ أيضًا: "اجعلوا آخر صلاتكم في الليل وترًا" وسوف يأتي مزيد من الفائدة.
٩ - باب التزيّن لقيام الليل
• عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ يُصلِّي من اللَّيل في بُرْدٍ له حضرمي متوشِّحًا به، ما عليه غيره.
حسن: أخرجه الإمام أحمد (٢٣٨٤) عن يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق حدّثني سلمة بن
следующие страницы →