← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

وأمّا الأمر الثاني وهو قول النسائيّ: "لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث غير أبي داود وهو ثقة، ولا أحسب هذا الحديث إِلَّا خطأ" ففيه تخطئة الثّقات بالظنِّ، كما أن أبا داود لم ينفرد به، بل رواه أيضًا محمد بن سعيد بن الأصبهانيّ، ثنا حفص بن غيات، عن حُميد بن قيس، عن عبد الله بن شقيق عنها فذكرت مثله. رواه البيهقيّ (٢/ ٣٠٥) عن الحاكم، قال: أخبرني محمد بن صالح بن هانئ، ثنا السري بن خزيمة، ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني به. وعزاه الحافظ في "التلخيص" إلى ابن خزيمة أيضًا إِلَّا أني لم أجده في مظانه. وقد رواه ابن خزيمة في موضعين، باب صفة الصّلاة جالسًا إذا لم يقدر على القيام (٩٧٨) وفي باب التربع في الصّلاة إذا صلى المرءُ جالسًا (١٢٣٨) وفي كِلا الموضعين رواه من طريق أبي داود الحفري. قال الحافظ بعد ذكر متابعة محمد بن سعيد بن الأصفهاني لأبي داود: "فظهر أنه لا خطأ فيه". ٣١ - باب ذكر من نوى قيام الليل فغلبه النوم • عن عمر بن الخطّاب قال: قال رسول الله ﷺ : "من نام عن حِزْبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتِب له كأنَّما قرأه من الليل". صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٤٧) من حديث ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن السائِب بن يزيد وعبيدالله بن عبد الله، أخبراه عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ، قال: سمعت عمر بن الخطّاب فذكره. والحزب: ما يجعله الرّجل على نفسه من قراءةٍ أو صلاةٍ. • عن أبي الدّرداء يَبلغُ به النَّبِيَّ ﷺ قال: "من أتى فِراشَهُ، وهو ينوي أن يقومَ فيُصَلِّي من الليل فغلبتْه عيناه حتَّى يُصبِحَ كُتِبَ له ما نوى، وكان نومُه صدقةً عليه من ربِّه". حسن: رواه النسائيّ (١٧٨٧)، وابن ماجة (١٣٤٤) كلاهما عن هارون بن عبد الله الحمَّال، قال: حَدَّثَنَا الحسين بن عليّ الجُعفيّ، عن زائدة، عن سليمان الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبدة بن أبي لُبابة، عن سُويد بن غَفَلَة، عن أبي الدّرداء فذكره. وأخرجه ابن خزيمة (١١٧٢)، والحاكم (١/ ٣١١) من طريق حبيب بن أبي ثابت. وأعلّه النسائيّ وابن خزيمة بالوقف. وأمّا الحاكم فقالي: "صحيح على شرط الشّيخين ولم يخرجاه، والذي عندي أنهما أعلاه بتوقيف من روى عن زائدة" انتهى. قلت: وهو كما قال فقد خالفه معاوية بن عمرو فرواه عن زائدة من قول أبي الدّرداء، أخرجه الحاكم. ورواه أيضًا عبد الرزّاق (٤٢٢٨) عن سفيان عن عبدة بإسناده عن أبي ذرّ أو أبي الدّرداء موقوفًا. وهذا الموقوف رواه أيضًا النسائيّ وابن خزيمة.

стр. 1717

ولكن رواه شعبة، عن عبدة بن أبي لبابة، عن سويد بن غفلة أنه عاد زِر بن حُبيش في مرضه فقال أبو ذرّ، أو أبو الدّرداء - شكَّ شعبة - قال رسول الله ﷺ فذكر الحديث مرفوعًا، رواه ابن حبَّان (٢٥٨٨) من طريق مسكين بن بكير، عن شعبة به. ولكن فيه محمد بن سعيد الأنصاري أبو إسحاق الحراني الراوي عن مسكين بن بكير لم يوثقه غير ابن حبَّان. وقال الحافظ في التقريب: "شيخ". إِلَّا أنَّ هذا الطريق يقوي الطريق السابق الذي فيه حبيب بن أبي ثابت، فيكون المرفوع حكما وإسنادًا وإن كان بعض أهل العلم رجّحوا الموقوف ثمّ قالوا: وحكمه الرفع لأنه مثل هذا لا يقال بالرأي. • عن عائشة زوج النَّبِيّ ﷺ ﷺ قالت: قال: رسول الله ﷺ : "ما من امرئ تكون له صلاة بليلٍ يَغلِبُه عليها نومٌ إِلَّا كتب الله له أجر صلاتِه، وكان نومُه عليه صدقةً". حسن: رواه مالك في صلاة الليل (١) عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن جبير، عن رجل عنده رضًا، أنه أخبره أن عائشة أخبرت فذكرت الحديث. ورواه أبو داود (١٣١٤)، والنسائي (١٧٨٥) كلاهما من طريق مالك به مثله. ورجاله ثقات غير الرّجل المبهم الذي لم يُسم وقد وصف بالرضا، ولكن الصَّحيح في هذا أنه لا يقبل توثيق المبهم حتَّى يُسمى، فوجدنا الرّجل الرضا هو الأسود بن يزيد كما رواه النسائيّ (١٧٨٦) عن أبي داود قال: حَدَّثَنَا محمد بن سليمان، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفر الرازيّ، عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن جبير، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة فذكرتِ الحديث. والأسود بن يزيد النخعي ثقة مكثر فقيه، ولكن قال النسائيّ: أبو جعفر الرازي ليس بالقوي في الحديث. فالذي يظهر أن الصَّحيح من هذه الأسانيد هو الذي فيه الرّجل المبهم مع توثيقه من تلميذه سعيد بن جبير وقد عرفنا أنه الأسود بن يزيد، فإن رواية أبي جعفر الرازي مع ضعَّفه يُقوِّي هذا الاحتمال. ورواه أيضًا ابن أبي الدُّنيا في "كتاب التهجد" (٢٠٦) من طريق أبي داود الطَّيالسيّ - وهو في مسنده (١٥٢٧). عن ورقاء، عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن جبير، عن عائشة، فذكرت نحوه، وفيه انقطاع؛ فإنَّ سعيد بن جبير لم يسمع من عائشة. وأورده المنذري في "الترغيب والترهيب" وعزاه إلى ابن أبي الدُّنيا وقال: "إسناده جيّد، رواته محتجّ بهم في الصَّحيح". انتهى. ٣٢ - باب ترك القيام للمريض • عن جندب بن عبد الله البجلي قال: اشتكى النَّبِيّ ﷺ فلم يَقُم ليلةً أو ليلتين. متفق عليه: رواه البخاريّ في التهجد (١١٢٤) عن أبي نُعيم، قال: حَدَّثَنَا سفيان، عن الأسود بن قيس قال: سمعتُ جنديًا يقول فذكر الحديث هكذا مختصرًا، وساقه في فضائل القرآن تامًّا (٤٩٨٣) عن أبي نُعيم، حَدَّثَنَا سفيان، عن الأسود بن قيس قال: سمعتُ جندبًا يقول: اشتكى النَّبِيّ

стр. 1718

- ﷺ فلم يَقُم ليلةً، أو ليلتين، فأتتْه امرأةٌ فقالت: يا محمد! ما أرى شيطانك إِلَّا قد تركك. فأنزل الله : ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [سورة الضحى: ١ - ٣]. ورواه أيضًا مسلم في كتاب الجهاد (١٧٩٧/ ١١٥) من حديث سفيان به مثله. ٣٣ - باب قضاء صلاة الليل بالنهار إذا فاتت لمرض أو شغل أو نوم • عن عائشة قالت: كان نبيُّ الله ﷺ إذا صلَّى صلاةً أحب أن يدوامَ عليها، وكان إذا غلبه نوم، أو وجع عن قيام الليل صلَّى من النهار ثنتي عشرةَ ركعةً. ولا أعلم نبيَّ الله ﷺ قرأ القرآن كلَّه في ليلة. ولا صلَّى ليلة إلى الصبح، ولا صام شهرًا كاملًا غير رمضان. صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٤٦) عن محمد بن المثنى العنزيّ، حَدَّثَنَا محمد بن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن زرارة، أن سعد بن هشام بن عامر أراد أن يغزو في سبيل الله، فقدم المدينة وسألَ أم المؤمنين عن أشياء منها عن صلاة رسول الله ﷺ في الليل فذكرت مثله في حديث طويل كما مضى في باب جامع صلاة النَّبِيّ ﷺ في الليل. ٣٤ - باب ما جاء في إحياء معظم اللَّيلة أو كلّها أحيانًا • عن خَبَّاب بن الأرَتِّ قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة فأطالها فقالوا: يا رسول الله! صليتَ صلاة لم تكن تُصليها. قال: "أجل، إنها صلاة رغبةٍ ورهبةً، إنِّي سألت الله فيها ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدةً، سألتُه أن لا يُهلك أمتي بسنةٍ فأعطانيها، وسألتُه أن لا يُسلِّط عليهم عدوًّا من غيرهم، فأعطانيها، وسألتُه أن لا يُذيق بعضَهم بأسَ بعضٍ فمنعنيها". صحيح: رواه الترمذيّ (٢١٧٥)، والنسائي (١٦٣٨) كلاهما من حديث الزّهريّ، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن خبَّاب بن الأَرَتِّ، عن أبيه فذكر الحديث واللّفظ للترمذي. ولفظ النسائيّ: أنه راقب رسول الله ﷺ الليلة كلّها حتَّى كان مع الفجر، فلمّا سلَّم رسول الله ﷺ من صلاته جاءه خَبَّاب. فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي! لقد صليت الليلة صلاةً ما رأيتك صليت نحوها، فقال رسول الله ﷺ : "أجل" فذكر الحديث وفيه: "سألت ربي أن لا يُهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا، فأعطانيها. وسألت ربي أن لا يُظهر علينا عدوًّا من غيرنا، فأعطانيها. وسألت ربي أن لا يلبسنا شيعًا فمنعنيها". ورواه أيضًا الإمام أحمد (٢١٠٥٣)، والطَّبرانيّ (٣٦٢١) من طريق الزّهريّ، ولفظ أحمد مثل لفظ النسائيّ.

стр. 1719

قال الترمذيّ: "حسن صحيح غريب". قلت: وهو كذلك فإن رجاله ثقات، وإسناده صحيح. وقوله: "صلاة رغبة ورهبة" أي: صلاة دعوت فيها راغبًا في الإجابة، وراهبًا عن ردها. ٣٥ - باب كراهية إحياء الليلة كلِّها بالصلاة • عن عائشة قالت: ولا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كلَّه في ليلة، ولا صلَّى ليلةً إلى الصبح، ولا صام شهرًا كاملًا غير رمضان. صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٤٦) في حديث طويل في جامع صلاة الليل من طريق قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام بن عامر، عن عائشة فذكرت الحديث. وسبق ذكر هذا الحديث بكاملهِ في جامع صلاة النَّبِيّ ﷺ في الليل. ٣٦ - باب من نَعَس في صلاته فليرقد حتَّى يذهب عنه النوم • عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا نَعَس أحدُكم وهو يُصَلِّي فليرقُدْ حتَّى يذهب عنه النومُ، فإن أحدكم إذا صَلَّى وهو ناعِسٌ لا يدري لعلّه يذهبُ يستغفر فيسبُّ نفسَه". متفق عليه: رواه مالك في صلاة الليل (٣) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرت مثله. ورواه البخاي في الوضوء (٢١٢) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٨٦) - من طرق - كلاهما عن مالك بن أنس به مثله. • عن أنس، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "إذا نعَس أحدُكم في الصّلاة فلينَمْ حتَّى يعلمَ ما يقرأ". صحيح: رواه البخاريّ في الوضوء (٢١٣) عن أبي معمر، قال: حَدَّثَنَا عبد الوارث، حَدَّثَنَا أيوب، عن أبي قِلابة، عن أنس فذكره. ورواه النسائيّ (٤٤٣) من وجه آخر عن أيوب به ولفظه: "إنْ نعس أحدكم في صلاته فلينصرف وليرقُدْ". • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول: فليضطجع". صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٨٧) عن محمد بن رافع، حَدَّثَنَا عبد الرزّاق، حَدَّثَنَا معمر، عن همام بن مُنَبِّه قال: هذا ما حَدَّثَنَا أبو هريرة، عن محمد رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها هذا. وهو في مصنف عبد الرزّاق (٥٠٠) وزاد فيه قبل "فليضطجع" "فلينصرفْ".

стр. 1720

وهذا الحديث مما انفرد به مسلم عن البخاريّ، وأمّا قول الحافظ البغوي في "شرح السنة" (٤/ ٥٨): "هذا حديث متفق على صحته، أخرجه مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزّاق ... " ففيه وهم، لأن البخاريّ لم يخرج هذا الحديث لا من طريق همام بن منبه ولا من غيره، ومن عادة البغوي أنه إذا قال: "متفق عليه" فهو يقصد به الشيخان، إِلَّا أنه لا يلتزم ببيان طريقة إخراجهما، فأحيانًا يذكر طريقهما، وأحيانًا يكتفي بذكر طريق أحدهما، ولكن أصل الحديث فيهما فتنبه. وقوله: "فاستعجم" أي: استَبْهَمَ واستغلق. ٣٧ - باب المداومة على العمل وإن قل َّ • عن علقمة قال: سألت أم المؤمنين عائشة قلت: يا أم المؤمنين! كيف كان عمل النَّبِيّ ﷺ هل كان يخصُّ شيئًا من الأيام؟ قالت: لا، كان عملُه دِيمةً، وأيّكم يستطيع ما كان النَّبِيّ ﷺ يستطيع. متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٦٦)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٨٣) من حديث جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة فذكره. • عن مسروق قال: قلت لعائشة أي العمل كان أحبَّ إلى رسول الله ﷺ ؟ فقالت: الدائم. متفق عليه: رواه البخاريّ في التهجد (١١٣٢)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٤١) كلاهما من طريق أبي الأحوص، عن الأشعث بن سُليم، عن أبيه، عن مسروق فذكر الحديث، انظر باب قيام النَّبِيّ ﷺ في أوقات مختلفة من الليل. • عن عائشة أنها قالت: سُئِل النَّبِيّ: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومها وإن قل" وقال: "اكْلَفُوا من الأعمال ما تُطِيقون". متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٦٥)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٨٢/ ٢١٦) كلاهما من حديث شعبة، عن سعد بن إبراهيم، أنه سمع أبا سلمة يحدث عن عائشة فذكرت الحديث واللّفظ للبخاريّ، ولم يذكر مسلم الجزء الثاني من الحديث. • عن عائشة أن النَّبِيّ ﷺ كان يحتجر حصيرًا بالليل فيصلِّي، ويبسطه بالنهار فيجلس عليه، فجعل الناس يثوبونَ إلى النَّبِيّ ﷺ فيصلون بصلاته حتَّى كثروا فأقبل فقال: "يا أيها الناس! خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يَملُّ حتَّى تملُّوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قلَّ". متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٦١)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٨٢) كلاهما من حديث عبد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي سلمة، عن عائشة فذكرته. واللّفظ للبخاريّ،

стр. 1721

ولفظ مسلم قريب منه. • عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "أحب الأعمالِ إلى الله تعالى أدومُها وإن قلَّ" وكانت عائشة إذا عملت العملَ لزِمَتْه. صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٨٣/ ٢١٨) من حديث سعد بن سعيد، أخبرني القاسم بن محمد، عن عائشة فذكرته. • عن عائشة أن النَّبِيّ ﷺ دخل عليها وعندها امرأة قال: "من هذه؟ " قالت: فلانة، تذكر من صلاتها. قال: "مَهْ! عليكم بما تطيقون، فواللهِ! لا يملُّ اللهُ حتَّى تَمَلُّوا". وكان أحبَّ الدينِ إليهِ ما دام عليه صاحبه. متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٤٣)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٨٥/ ٢٢١) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد، عن هشام، قال: أخبرني أبي، عن عائشة فذكرت مثله واللّفظ للبخاريّ. ورواه البخاريّ أيضًا في التهجد (١١٥١) عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كانت عندي امرأة من بني أسد، ثمّ ذكرت مثله، إِلَّا أن مالكًا لم يرو هذه الرواية في رواية يحيى الليثي المتداول عندنا، وإنما رواه في صلاة الليل (٤) عن إسماعيل بن أبي حكيم، أنه بلغه أن رسول الله ﷺ سمع امرأة من الليل تُصَلِّي فقال: "من هذه؟ " فقيل له: هذه الحولاءُ بنتُ تُوَيْتِ لا تنامُ الليلَ. فكره ذلك رسول الله ﷺ حتَّى عُرفت الكراهية في وجهه ثمّ قال: فذكرت الحديث نحوه. وهذا منقطع، والذي وصله البخاريّ لم يكن من هذا الطريق، بل رواه من طريق عبد الله بن مسلمة القعنبيّ، وهو تفرّد بروايته عن مالك في الموطأ دون بقية رواته، فإنهم اقتصروا منه على طرف مختصر. كذا قاله ابن عبد البر. انظر: "الفتح" (٣/ ٣٧). قلت: ورواه مسلم (٧٨٥) من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروةُ بن الزُّبير أن عائشة أخبرتْه أن الحولاءَ بنتَ تُوَيْتِ بن حبيب بن أسد بن عبد العُزَّى مرتْ بها، وعندها رسول الله ﷺ . فقلت: هذه الحولاءَ بنتَ تُوَيْتِ، وزعموا أنها لا تنام الليلَ. فقال رسول الله ﷺ : "لا تنامُ الليل! خذوا من العمل ما تطيقون. فواللهِ لا يَسْأَمُ الله حتَّى تسْأَمُوا" ووقعت القصة مثل هذا لزينب كما في الذي بعده. • عن أنس بن مالك قال: دخل النَّبِيّ ﷺ فإذا حبل ممدود بين الساريتين. فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترتْ تعلقتْ، فقال النَّبِيّ ﷺ : "لا، حُلوا ليُصلِّ أحدكم نشاطَه فإذا فتر فليقعُد". متفق عليه: رواه البخاريّ في التهجد (١١٥٠)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٨٤) كلاهما من

стр. 1722

حديث عبد الوارث، عن عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس فذكره، واللّفظ للبخاريّ. ولفظ مسلم قريب منه إِلَّا أنه قال: "كَسِلَتْ أو فترتْ أمْسَكتْ به" فقال: "حُلُّوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسِلَ أو فَتَر قعد" وفي رواية "فليقعُد". وزينب هي: بنت جحش أم المؤمنين كذا ادعى أكثر الشراح، ولكن رُوي من وجوهٍ أخرى أنها: حمنة بنت جحش. منها: ما رواه أبو داود (١٣١٢) عن زياد بن أيوب وهارون بن عباد الأزديّ، أن إسماعيل بن إبراهيم حدَّثهم، حَدَّثَنَا عبد العزيز عن أنس قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد، وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: "ما هذا الحبل؟ " فقيل: يا رسول الله! هذه حمنة بنت جحش تُصلي، فإذا أعيتْ تعلقتْ به. فقال رسول الله ﷺ : "لتُصل ما أطاقتْ، فإذا أعيتْ فلتجلس". قال زياد: فقال: ما هذا؟ " فقالوا: لزينب تُصلي، فإذا كسلتْ، أو فترتْ أمسكتْ به، فقال: "حُلُّوه"، فقال: "ليُصلِّي أحدكم نشاطَه، فإذا كسل، أو فتر فليقعد". هارون بن عباد الأزدي أبو محمد الأنطاكي "مقبول" كما قال الحافظ، إِلَّا أنه لم يتابع على ذلك فهو لين الحديث. وبقية رجاله ثقات رجال الشّيخين، إسماعيل بن إبراهيم هو: ابن مقسم المعروف بابن عليه. وتابعه على ذلك مرسل، ومسند من وجه آخر عن أنس. ومنها: ما رواه الإمام أحمد (١٢٩١٥، ١٣٦٩٠) وأبو يعلى (٣٨٣١) مرسلًا، كلاهما عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: رأى رسول الله ﷺ حبلًا ممدودًا بين سارتين، فقال: "لمن هذا؟ " فقالوا: لحمنة بنت جحش تُصلي فذكره، وإسناده صحيح غير أنه مرسل لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى تابعي. ومنها: ما رواه أحمد (١٢٩١٦، ١٣٦٩٢) مسندًا عقب المرسل عن عبد الرحمن، حَدَّثَنَا حمّاد، عن حميد، عن أنس، عن النَّبِيّ ﷺ مثله. أي مثل مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى. وهذا إسناد صحيح، إِلَّا أن حميدًا وهو الطّويل كان كثير التدليس عن أنس، وجعله الحافظ في المرتبة الثالثة، والمرسل يقوي المسند. ولفظ زياد بن أيوب أن القصة وقعت لزينب، وهي كما قال أكثر الشراح: زينب بنت جحش أم المؤمنين"، وتابعه على ذلك جماعة من الحفاظ عند مسلم، فالذي يترجح أن القصة وقعت لزينب كما في الصحيحين، ولا يمنع أن تقع مثل هذا لحمنة بنت جحش أيضًا، وجمع الحافظ بين القضيتين بصورة غريبة فانظرها إن شئت في "فتح الباري". وأمّا ما رواه ابن خزيمة (١١٨١) من حديث أبي حبيب مسلم بن يحيى مؤذن مسجد بني رفاعة، ثنا شعبة، عن عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس بن مالك أن ذلك كان لميمونة بنت الحارث، فقد

стр. 1723

حكم عليه الحافظ بأنه شاذ. ٣٨ - باب الاقتصاد في العبادة وكراهية التّشديد فيها • عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال لي رسول الله ﷺ : "ألم أُخْبرَ أَنَّك تقومُ الليلَ وتصومُ النهارَ؟ " قلت: إني أفعل ذلك. قال: "فإنَّك إن فعلت ذلك هَجَمَتْ عينُك، ونَفِهَتْ نفسك، وإنَّ لنفسِك حقًّا، ولأهلك حقًّا، فصُم وأفطِر، وقُم ونَمُ". متفق عليه: رواه البخاريّ في التهجد (١١٥٣)، ومسلم في الصوم (١١٥٩/ ١٨٨) كلاهما عن سفيان، عن عمرو، عن أبي العباس، قال: سمعتُ عبد الله بن عمرو فذكره. وعمرو هو: ابن دينار. وأبو العباس هو: السائب بن فروخ ويعرف بالشاعر. قوله: هَجَمَتْ: ضَعُفَتْ لكثرة السهر. وقوله: نَفِهتُ: أي كلَّت. ولهذا الحديث قصة طويلة رواها الإمام أحمد (٦٤٧٧) عن هُشيم، عن حصين بن عبد الرحمن ومغيرة الضَّبِّي، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: زوَّجني أبي امرةً من قريشٍ، فلمّا دَخَلَتْ عليَّ جَعَلْتُ لا أنحاشُ لها، ممَّا بي من القوّة على العبادة، من الصوم والصلاة، فجاء عمرو بن العاص إلى كَنَّتِه، حتَّى دخل عليها، فقال لها: كيف وَجَدْتِ بَعْلَكِ؟ قالت: خَيْرُ الرِّجال، أو كخير البُعُولَة، مِن رجل لم يُفَتِّشْ لنا كَنَفًا، ولم يَعْرفْ لنا فِرَاشًا! فَأَقْبَل عليَّ، فَعَذَمَني وعضَّني بلسانه، فقال: أنْكحْتُك امرأةً من قريش ذاتَ حَسَبٍ، فَعَضَلْتَها، وَفَعَلْتَ وَفَعَلْتَ! ثمّ انطلق إلى النَّبِيّ ﷺ ، فشكانيّ، فأرسل إليَّ النَّبِيّ ﷺ ، فأتيته، فقال لي: "أَتَصُومُ النَّهَارَ؟ " قلتُ: نعم، قال: "وتَقُومُ اللَّيْلَ؟ " قلتُ: نعم، قال: "لكنِّي أصومُ وأفْطِرُ، وأُصلِّي وأنامُ، وأمَسُّ النساءَ، فمن رَغِبَ عن سُنَّتِي، فليس مِنِّي"، قال: "اقْرَأِ القرآنَ في كل شهرٍ"، قلت: إني أجدُني أقْوَى من ذلك، قال: "فاقرأه في كل عشرةِ أيامٍ"، قل: إني أجدُني أقْوى من ذلك، قال أحدُهما: إما حُصَيْنٌ وإما مغيرة: قال: "فاقرأه في كلِّ ثلاثٍ"، قال: ثمّ قال: "صُمْ في كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيام"، قلت: إني أقوى من ذلك، قال: لم يَزَلْ يَرْفَعُنِي حتَّى قال: "صُمْ يومًا وأفْطِرْ يومًا، فإنه أفضلُ الصيامِ، وهو صيامُ أخي داود ﷺ ". قال حُصين في حديثه: ثمّ قال ﷺ : "فإنَّ لكل عابدٍ شِرَّةً، ولكل شِرَّةٍ فَتْرَة، فإمَّا إلى سُنَّة، وإما إلى بِدْعة، فمن كانت فَتْرَتُه إلى سُنَّةٍ، فقد اهتدى، ومن كانت فَتْرَتُه إلى غير ذلك، فقد هَلَكَ". قال مجاهد: فكان عبد الله بن عمرو، حيثُ ضَعُف وكَبِير، يصومُ الأيامَ كذلك، يَصِلُ بعضَها إلى بعض، ليتقوَّى بذلك، ثمّ يُفطِرُ بِعَدِّ تلك الأيام، قال: وكان يقرأ في كُلٍّ حزبه كذلك، يزيدُ أحيانًا، ويَنْقُصُ أحيانًا، غير أنه يُوفي العَدَد، إما في سَبْعٍ، وإما في ثلاثٍ، قال: ثمّ كان يقولُ بعد ذلك: لأن أكونَ قَبْلُتُ رخصةَ رسول الله ﷺ أحبُّ إليَّ مما عُدلَ به أو عَدَل، لكنِّي فارقتُه على أمرٍ أكرهُ أن

стр. 1724

أًخَالِفَه إلى غيره، وإسناده صحيح. ومن طريق مغيرة الضَّبِّي رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٥٢) إِلَّا أنه اختصره. • عن مجاهد قال: دخلت أنا ويحيى بن جعدة على رجل من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ قال: ذكروا عند رسول الله ﷺ مولاة لبني عبد المطلب، فقال: إنها تقومُ الليلَ وتصومُ النهارَ. قال: فقال رسول الله ﷺ : "لكني أنا أنام وأُصلِّي، وأصوم وأُفطِر، فمن اقتدي بي فهو منِّي، ومن رَغِبَ عن سُنَّتِي فليس مِنِّي، إنَّ لكل عملٍ شِرَّةً ثمّ فترةً، فمن كانت فترتُه إلى بدعةٍ فقد ضلَّ، ومن كانت فترتُه إلى سنةٍ فقد اهتدى". صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٣٤٧٤) عن يحيى بن سعيد، حَدَّثَنَا جرير، عن منصور، عن مجاهد قال فذكره. قال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ١٩٣): "رواه أحمد، ورجاله رجال الصَّحيح". ولكن رواه الطبرانيّ في الكبير (٢/ ٣٢٠) والطحاوي في مشكله (١٢٣٨) من طريق يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن جعدة بن هبيرة قال: ذُكِر للنبي ﷺ فذكر الحديث مثله. فجعل الحديث من مسند جعدة بن هبيرة وهو القرشي المخزوميّ، أمه أم هانئ بنت أبي طالب، مختلف في صحبته فقال البخاريّ وأبو حاتم وابن حبان: "إنه من التابعين" وجزم المزي والبغوي بأنه له صحبة، إِلَّا أنهم نفوا الرواية عنه وقالوا: له رؤية وليس له رواية، وعلى هذا فما رُوي عن النَّبِيّ ﷺ يكون مرسلًا، وهذا المرسل يقوي ما رواه مجاهد عن رجل من الأنصار، لأنه غير هذا، فكأن لمجاهد شيخين أحدهما الأنصاري والثاني القرشي. وللحديث إسناد آخر رواه البزّار "كشف الأستار" (٧٢٤) من طريق جرير، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كانت مولاة للنبي ﷺ تصوم النهار وتقوم الليل فذكر نحوه. قال البزّار: "لا نعلم إِلَّا عن ابن عباس، وليس له عنه إِلَّا هذا الطريق بهذا اللّفظ، تفرّد به مسلم". قلت: مسلم هو الأعور - هكذا نسبه الطحاويّ في مشكله (١٢٤١) بعد أن رواه من طريق محمد بن خازم، عن مسلم الأعور به مثله. والأعور هذا هو: مسلم بن كيسان الضَبِّي وهو ضعيف باتفاق أهل العلم، روى له الترمذيّ وابن ماجة. وأمّا قول الهيثميّ في "المجمع"، (٢/ ٢٥٨) رواه البزّار ورجاله رجال الصَّحيح، فهو ظن منه بأنَّ مسلمًا هذا هو: ابن عمران البطين وهو من رجال الجماعة. والشرة: بالكسرة - الحدَّة والنشاط. • عن عائشة زوج النَّبِيّ ﷺ قالت: دخلت عليَّ خويلةُ بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السُلمية - وكانت عند عثمان بن مظعون - قالت: فرأى رسول الله

стр. 1725

- ﷺ بذاذة هيئتِها، فقال لي: "يا عائشه! ما أبذَّ هيئة خُوَيْلةَ؟ " قالت: فقلتُ: يا رسول الله! امرأةُ لا زَوْجَ لها يَصُوم النَّهار ويقوم الليل فهي كَمَنْ لا زوجَ لها، فتركت نفسها وأضاعتها، قالت: فبعث رسولُ الله ﷺ إلى عثمان بن مظعون فجاءه، فقال: "يا عثمانُ! أَرَغْبَةٌ عن سُنَّتِي؟ " قال: فقال: لا والله يا رسول الله! ولكن سُنَّتك أطْلُبُ، قال: "فإنِّي أنامُ وأصَلِّي، وأصُومُ وأفْطِرُ، وأَنْكِحُ النِّساء، فاتَّق الله يا عُثمانُ! فإِنَّ لأهْلك عليك حقًّا، وإن لضَيْفِك عليك حقًّا، وإنَّ لنَفْسك عليكَ حقًّا، فصُم وأفطِر، وصلِّ ونَمْ". حسن: رواه الإمام أحمد (٢٦٣٠٨) عن يعقوب (بن إبراهيم بن سعد الزهري) قال: حَدَّثَنَا أبيّ، عن ابن إسحاق، قال: حَدَّثَنِي هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. وإسناده حسن لأجل محمد بن إسحاق وهو صدوق مدلِّس، ولكنه صرَّح بالتحديث فانتفت عنه تهمة التدليس. ورواه أبو داود (١٣٦٩) عن عبيد الله بن سعد، قال: حَدَّثَنَا عمي، حَدَّثَنَا أبي، عن ابن إسحاق به مختصرًا، وفيه ابن إسحاق لم يصرح بالتحديث. وعم عبيد الله بن سعد هو: يعقوب بن إبراهيم بن سعد. • عن سعد بن أبي وقَّاص قال: لما كان من أمر عثمان بن مظعون الذي كان ممن ترك النساء بعث إليه رسولُ الله ﷺ فقال: "يا عثمان! إني لم أُومَر بالرهبانيّة، أَرَغِبْتَ عن سنّتي؟ قال: لا يا رسول الله! قال: "إنَّ من سنَّتِي أن أصلِّي وأنام، وأصوم وأطعم، وأنكح وأطلق، فمن رغب عن سنَّتي فليس منِّي، يا عثمان! إنَّ لأهلك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا" قال سعد: فوالله! لقد كان أجمع رجالٌ من المسلمين على أنَّ رسول الله ﷺ إن هو أقرَّ عثمان على ما هو عليه أن نختصي فنتبتَّلَ. حسن: رواه الدَّارميّ (٢١٧٣) عن محمد بن يزيد الحزاميّ، ثنا يونس بن بكير، قال: حَدَّثَنِي ابن إسحاق، حَدَّثَنِي الزّهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقَّاص فذكره. وإسناده حسن لأجل الكلام في يونس بن بكير فقد تكلم فيه النسائيّ، ومشاه غيره. وهو لا بأس به في الشواهد. والحديث مخرج في الصحيحين البخاريّ (٨٠٧٤)، ومسلم (١٤٠٢) من طريق ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقَّاص باختصار بلفظ: "رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، لو أذن له لاختصينا" وسيأتي في كتاب النكاح وللحديث شاهد من حديث أبي موسى قال: دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النَّبِيّ ﷺ فرأَيْنَها سَيِّئَةَ الهيْئَةِ، فقُلن: ما لَكِ،

стр. 1726

مَا فِي قُرَيْشٍ رَجُلٌ أَغْنَى مِنْ بَعْلِكِ، قَالَتْ مَا لَنَا مِنْهُ شَيْءٌ؟ أَمَّا نَهَارُهُ فَصَائِمٌ وَأَمَّا لَيْلُهُ فَقَائِمٌ، قَالَ: فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَذَكَرْنَ ذَلِكَ لَهُ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ فقَالَ: "يَا عُثْمَانُ أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٍ قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي؟ قَالَ: "أَمَّا أَنْتَ فَتَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، صَلِّ وَنَمْ، وَصُمْ وَأَفْطِرْ" قَالَ: فَأَتَتْهُمُ الْمَرْأَةُ بَعْدَ ذَلِكَ عَطِرَةً كَأَنَّهَا عَرُوسٌ، فَقُلْنَ لَهَا: مَهْ، قَالَتْ: أَصَابَنَا مَا أَصَابَ النَّاسَ. رواه ابن حبان (٣١٦) عن أحمد بن عليّ بن المثنى، حَدَّثَنَا محمد بن الخطّاب البلدي الزاهد، حَدَّثَنَا أبو جابر محمد بن عبد الملك، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى فذكره. وفيه محمد بن الخطّاب البلدي الزاهد قال فيه أبو حاتم: "ليس بقوي"، "الجرح والتعديل" (٨/ ٥). وقال الهيثميّ في "المجمع" (٤/ ٣٠١، ٣٠٢): رواه أبو يعلى والطَّبرانيّ بأسانيد، وبعض أسانيد الطبرانيّ رجالها ثقات". وسيأتي في كتاب النكاح حديث أنس بن مالك المخرج في الصحيحين البخاريّ (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١) وفيه: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا. أما والله! إني لأخشاكم الله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". واللّفظ للبخاريّ. وله شاهد آخر عن أبي أمامة قال: خرج رسول الله ﷺ من بيت عثمان بن مظعون فوقف على الباب فقال: "ما لك يا كحيلة متبذلةً؟ أليس عثمان شاهدًا" قالت: بلى، وما اضْطَجَعَ على فراشٍ منذ كذا وكذا، يصوم النهار فلا يُفطر، فقال: "مُرِيه أن يَأتيني"، فلمّا جاء، قالت له: فانطلق إليه، فوجده في المسجد، فجلس إليه فأعرض عنه، فبكى، ثمّ قال: قد علمت أنه قد بلغك عني أمر، قال: "أنت الذي تصُومُ النهار، وتقومُ الليل، لا يَقَعُ جَنْبُك على فِراش، قال عثمان: قد فعلت ذلك ألتمس الخبر، فقال النَّبِيّ ﷺ : "لِعَيْنِك حَظٌّ، ولِجِسدِكَ حَظٌّ، ولزوجِكَ حَظٌّ، فصُم وأفطر، ونَمْ وقُم، وأْتِ زوجكَ، فإني أنا أصوم وأفطرُ، وأنام وأصلي، وآتِي النساء، فمن أخذ بسُنَّتِي فقد اهْتَدى، وَمَنْ تَرَكَهَا ضَلَّ، وإنَّ لِكُلِّ عَمل شِرَّةً، ولكل شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فإذا كانتِ الفَتْرَةُ إلى الغَفْلَة، فهِيَ الهَلَكَةُ، وإذا كانتِ الفَتْرَةُ إلى الفَريضة، فلا يَضُر صِاحبَها شيئًا، فخُذْ منَ العَمَل ما تُطِيقُ، فإني إنَّما بُعِثْتُ بالحنيفيَّة السَّمْحَة، فلا تُثْقِل عليكَ عبادَة رَبِّكَ لا تدري ما طُولُ عُمْرِك؟ ". قال الهيثميّ في "المجمع" (٣٥٦٩): "رواه الطبرانيّ في الكبير، وفيه عليّ بن زيد وهو ضعيف. ٣٩ - باب ما جاء أن الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [سورة العنكبوت: ٤٥]. • وعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النَّبِيّ ﷺ فقال: إن فُلانًا يُصَلِّي بالليل، فإذا أصبح سرق، قال: إنه سينهاه ما تقول".

стр. 1727

صحيح: رواه الإمام أحمد (٩٧٧٨) حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا الأعمش، قال: أُرَي أبا صالح، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده صحيح، والشك من الأعمش في صحابي الحديث، هل هو أبو هريرة أم جابر كما في حديث البزّار، وهذا الشك لا يضر في صحة الحديث. وحديث أبي هريرة رواه البزّار "كشف الأستار" (٧٢٠) من طريق محاضر بن المورع، وابن حبان (٢٥٦٠) من طريق عيسى بن يونس، كلاهما عن الأعمش به بدون شك. قال الهيثميّ في "المجمع" (٢/ ٢٥٨): "رواه أحمد والبزّار ورجاله رجال الصَّحيح" قلت: وهو كما قال إِلَّا أن محاضر بن المورع وإن كان من رجال مسلم ولكنه اختلف فيه، قال الإمام أحمد: "سمعت منه أحاديث لم يكن من أصحاب الحديث كان مُغَفَّلًا جدًّا" وقال أبو حاتم: "ليس بالمتين" وقال النسائيّ: "ليس به بأس". • عن جابر قال: قال رجلٌ للنَّبيّ ﷺ : "إنَّ فلانًا يصلي، فإذا أصبح سرق، قال: "سينهاه ما تقول". حسن: رواه البزّار "كشف الأستار" (٧٢٢) عن محمد بن موسى الحرشيّ، ثنا زياد بن عبد الله، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر، فذكره. ورواه أيضًا (٧٢١) عن يوسف بن موسى، ثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبي صالح، قال: أُراه عن جابر، فذكره. "قال البزّار: "وهذا اختلف فيه كما ترى". قلت: لم يختلف في الإسناد الأوّل، وزياد بن عبد الله هو الطفل البكائيّ العامريّ من رجال الشّيخين، ولم يشك فيه الأعمش بأن هذا الحديث من مسند جابر، وكذلك رواه قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، بدون شك. رواه ابن أبي الدُّنيا في "التهجّد" (٣٨٢) عن عليّ بن الجعد، أخبرنا قيس بن الربيع، بإسناده. ولكن قيس بن الرّبيع تغيّر لما كبر، وأدخل عليه ابنُه ما ليس من حديثه فحدَّث به، ولعل الاختلاف الذي وقع في شيخ الأعمش يعود إليه ولكن من حيث الجملة أنه تابع في جعل الحديث من مسند جابر بدون شك، ولا بعد أن يكون للأعمش فيه شيخان، كما لا يبعد أن يكون لأبي صالح فيه شيخان من الصّحابة، وهما أبو هريرة وجابر، والله تعالى أعلم. قوله: "سينهاه ما تقول" قال ابن حبان: "إنَّ العرب تضيفُ الفعل إلى نفسه، كما تضيف إلى الفاعل، أراد النَّبِيّ ﷺ أن الصّلاة إذا كانت على الحقيقة في الابتداء والانتهاء يكون المصلي مجانبًا للمحظورات معها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. انتهى.

стр. 1728

جموع أبواب صلاة الوتر ١ - باب ما جاء في تأكيد الوتر وأنه سنة وليس بواجب • عن أبي مُحيريز أنَّ رجلًا من بني كِنانة يُدعى المُخْدَجِيَّ سمع رجلًا بالشام يكنَّى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب. فقال المُخْدَجِيَّ: فَرُحتُ إلى عبادة بن الصَّامت، فاعترضتُ له وهو رائع إلى المسجد. فأخبرته بالذي قال أبو محمد، فقال عبادةُ: كذب أبو محمد، سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "خمسُ صلواتٍ كتبهنَّ الله على العباد، فمن جاء بهن لم يُضيّعْ مِنه شيئًا استخفافًا بحقهنّ كان له عند الله عهد أن يدخله الجنّة. ومن لم يأت بهِنَّ فليس له عند الله عهد. إن شاء عذَّبه، وإن شاء أدْخَلَه الجنّة". صحيح: رواه مالك في صلاة الليل (١٤) عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن ابن محيريز فذكره. ورواه أبو داود (١٤٢٠)، والنسائي (٤٦١) كلاهما من طريق مالك به مثله. ورواه ابن ماجة (١٤٠١) من طريق محمد بن يحيى بن حبَّان به مثله. قال المنذري: "قال أبو عمر النَّمْري": "لم يُخْتَلَف عن مالك في إستاد هذا الحديث وهو حديث صحيح ثابت". وصحّحه ابن حبَّان (١٧٣٢) ورواه من طريق يحيى بن سعيد به مثله. إِلَّا أنه قال: جاء رجل إلى عُبادة بن الصَّامت ولم يسمه. ورواه أيضًا من طرق عن محمد بن يحيى بن حبَّان به مثله وسمي الرّجل المُخْدَجِيّ - وهو - أبو رفيع (١٧٣١، ٢٤٧١). وأبو محمد: رجل من الأنصار له صحبة. وقوله: كذب بمعنى أخطأ، لم يرد به تعمدَ الكذبِ الذي هو ضِدُّ الصدقِ، لأنَّ الكذب إنّما يجري في الأخبار، وأبو محمد هذا إنّما أفتى فتيا، ورأي رأيًا فأخطأ فيما أفتي به، أفاده الخطّابي. والمُخْدَجِيّ هو: أبو رافع، وقيل: رُفَيع، تفرّد بالرواية عنه عبد الله بن مُحَيريز، ولم يُؤثَر توثيقه عن غير ابن حبَّان ورواية مالك عنه توثيق عند بعض أهل العلم، لأنَّه لا يروي إِلَّا عن ثقات. إِلَّا أنَّه لم ينفرد به بل تابعه عبد الله الصُّنابحي وسبق تخريجه في أوائل كتاب الصّلاة، باب في تأكيد الصلوات والمحافظة عليها. كما تابعه أيضًا أبو إدريس الخولاني عند أبي داود الطيالسي (٥٧٤)

стр. 1729

فرواه عن زمعة، عن الزّهريّ، عن أبي إدريس الخولاني قال: كنت في مجلسٍ من أصحاب النَّبِيّ ﷺ فيهم عُبادة بن الصَّامت فذكروا الوتر. فقال بعضهم: واجب، وقال بعضهم: سنة، فقال عبادة بن الصَّامت فذكر نحوه إِلَّا أنَّ فيه: قال جبريل: يا محمد! إن الله يقول: إنِّي قد فرضت على أمَّتك خَمسَ صلوات إلخ. فجعل الحديث قدسيًّا، وزمعة هو: ابن صالح الجَنَدي ضعيف وحديثه عند مسلم مقرون. فلعلَّ هذا التصرُّف منه. فجعل فرضية الصلوات الخمس منسوبة إلى الله على الأصل الثابت، وإن كان في حديث عُبادة بن الصَّامت ليس من الحديث القدسي. • عن أبي هريرة عن النَّبِيّ ﷺ قال: "إنَّ الله وِتر يحبُّ الوتر". متفق عليه: رواه البخاريّ في الدعوات (٦٤١٠)، ومسلم في الذكر (٢٦٧٧) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النَّبِيّ ﷺ ، وأول الحديث: "لله تسعةٌ وتسعون اسمًا من حفظها دخل الجنّة". ثمّ قال: "إنَّ الله وتر يحب الوتر" واللّفظ لمسلم، وزاد البخاريّ: "مائة إِلَّا واحدًا"، وهذه الزيادة ذكرها أيضًا مسلم ولكن من وجه آخر عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن أيوب، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة. • عن عليّ بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أهل القرآن! أوتروا، فإن الله وتر يحب الوتر". حسن: رواه أبو داود (١٤١٦) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا عيسى، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن عليّ بن أبي طالب فذكره. هذا إسناد حسن فإن عاصمًا هو: ابن ضمرة السلولي قد اختُلف فيه فضعَّفه ابن حبَّان وابن عديّ، ووثَّقه ابن المديني وابن معين وأحمد وغيرهم والخُلاصة فيه أنَّه حسن الحديث. ورواه الترمذيّ (٤٥٣)، والنسائي (١٦٧٥)، وابن ماجة (١١٦٩)، والإمام أحمد (١٢٦٢) كلّهم من طريق أبي بكر بن عَيَّاش، عن أبي إسحاق به وزادوا في أول الحديث من قول عليّ بن أبي طالب "الوتر ليس بحتم كصلاتكم المكتوبة، ولكن سنَّ رسول الله ﷺ "كما عند الترمذيّ، وأوتر رسول الله ﷺ عندهما، ثمّ قال: "يا أهل القرآن ... إلخ" الحديث. قال الترمذيّ: "حديث حسن". ثمّ قال الترمذيّ: روي سفيان الثوري وغيره عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن عليّ قال: "الوتر ليس بحتم كهيئة الصّلاة المكتوبة، ولكن سنةٌ سنَّها رسول الله ﷺ "حَدَّثَنَا بذلك محمد بن بشار، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان، عن أبي إسحاق به. أي موقوفًا. وقال: وهذا أصح من حديث أبي بكر بن عَيَّاش، وقد رواه منصور بن المعتمر عن أبي إسحاق نحو رواية أبي بكر بن عَيَّاش. انتهى.

стр. 1730

قلت: وهو كما قال فإنَّ سفيان الثوري كان سماعه من أبي إسحاق الذي اختلط قديمًا ومن طريقه رواه أيضًا الإمام أحمد (٦٥٢، ٧٦١، ٩٢٧). وكذلك رواه شعبة عنه. رواه الإمام أحمد (٨٤٢). وكذلك رواه شريك عنه، رواه الإمام أحمد (١٢٢٠) فكل هؤلاء رووا عن أبي إسحاق موقوفًا على عليّ بن أبي طالب. ورواه زكريا بن أبي زائدة وأبو بكر بن عَيَّاش عن أبي إسحاق مرفوعًا، وتابعهما منصور بن المعتمر كما قال الترمذيّ. قلت: وكذلك جرير، ومن طريقهما رواه ابن نصر في "جزء صلاة الوتر" (١). وصحّحه ابن خزيمة (١٠٦٧)، والحاكم (١/ ٣٠٠) بعد أن روياه من طريق أبي بكر بن عَيَّاش. قلت: ويشهد له حديث المُخْدَجِيّ الذي سبق. • عن أبي تميم الجيشانيّ، أن عمرو بن العاص خطب الناس يوم جُمعةٍ فقال: إن أبا بَصْرة حَدَّثَنِي أن النَّبِيّ ﷺ قال: "إنَّ الله زادكم صلاةً، وهي الوتر، فصلوها فيما بين صلاة العِشاء إلى صلاة الفجر". صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٣٨٥١)، والطَّبرانيّ في الكبير (٢/ ٣١٣) (٢١٦٨) كلاهما من حديث عبد الله بن المبارك، أخبرنا سعيد بن يزيد، حَدَّثَنِي ابن هُبَيرة، عن أبي تميم الجيشاني فذكره. وزاد أحمد: قال أبو تميم: فأخذ بيدي أبو ذرٍّ فسار في المسجد إلى أبي بَصْرَةَ، فقال له: أنت سمعتُ رسول الله ﷺ يقول ما قال عمرو؟ قال أبو بَصْرَةَ: أنا سمعته من رسول الله ﷺ . وإسناده صحيح. وابن هُبَيْرة هو: عبد الله بن هُبَيْرة السَّبائي المِصري ثقة من رجال مسلم. وسعيد بن يزيد هو: الحميري القِتْباني ثقة من رجال مسلم أيضًا. وتابعه عبد الله بن لهيعة فرواه أيضًا عن عبد الله بن هُبَيْرة. قال: سمعت أبا تميم الجيشاني يقول: سمعت عمرَو بنْ العاص يقول: أخبرني رجلٌ من أصحاب النَّبِيّ ﷺ يقول: "إنَّ الله زادكم صلاةً فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصُّبح. الوترَ الوترَ" ألا وإنَّه أبو بَصْرَة الغِفاري. قال أبو تميم: فكنت أنا وأبو ذرّ قاعدَين. قال: فأخذ بيدي أبو ذرّ، فانطلقنا إلى أبي بَصْرَة، فوجدناه عند الباب الذي يلي دارَ عمرِو بن العاص، فقال أبو ذرّ: يا أبا بصرة! أنت سمعت النَّبِيّ ﷺ يقول: "إنَّ الله زادكم صلاة، فصلوها فيما بين صلاة العِشاء إلى صلاة الصبح، الوترَ الوترَ؟ "، قال: نعم، قال: أنت سمعتَه؟ قال: نعم، قال: أنت سمعتَه؟ قال: نعم". انتهى. رواه الإمام أحمد (٢٧٢٢٩) عن يحيى بن إسحاق، والطَّبرانيّ في الكبير عن أسد بن موسى، كلاهما عن ابن لهيعة به مثله واللّفظ لأحمد، ولفظ الطبرانيّ نحوه.

стр. 1731

وابن لهيعة اختلط بعد أن احترقتْ كتبه، ولكن سمع منه يحيى بن إسحاق قبل احتراقها، ورواه أيضًا الطّحاويّ في مشكله (٤٤٩١) من طريق أبي عبد الرحمن المقري، وهو عبد الله بن يزيد قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن لهيعة به فذكره، وأبو عبد الرحمن المقري أيضًا ممن سمع منه قبل احتراق كتبه. قال الهيثميّ في "المجمع" (٢/ ٢٣٩): "رواه أحمد والطَّبرانيّ في الكير، وله إسنادان عند أحمد، أحدهما رجاله رجال الصَّحيح، خلا عليّ بن إسحاق السلمي شيخ أحمد وهو ثقة". انتهى. وأمّا ما رُوِي عن عبد الله بن بريدة، عن أيه قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "الوتر حق فمن لم يوتر فليس مِنَّا، الوتر حق فمن لم يوتر فليس مِنَّا، الوتر حق فمن لم يوتر فليس مِنَّا". فهو ضعيف: رواه أبو داود (١٤١٩)، وأحمد (٢٣٠١٩)، والحاكم (١/ ٣٠٥)، والبيهقي (٢/ ٤٧٠) كلّهم من طرق عن عبيد الله بن عبد الله العتكيّ، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح، والعتكي أبو المنيب مروزي ثقة". وتعقبه الذّهبيّ فقال: "قال البخاريّ: عنده مناكير". انظر أيضًا: التاريخ الكبير (٥/ ٣٨٨). وقال العقيلي: "لا يتابع على حديثه". وقال البيهقيّ: "لا يُحتجُّ به". وأورد النوويّ هذا الحديث في "الخُلاصة" (١٨٦٤) في فصلِ الضعيفِ. وكذلك ما رواه أبو هُريرة مرفوعًا: "من لم يوتر فليس مِنَّا"، رواه أحمد (٢/ ٤٤٣)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ٢٩٧) قالا: حَدَّثَنَا وكيع، ثنا الخليل بن مُرَّة، عن معاوية بن قُرَّة، عن أبي هُريرة، عن النَّبِيّ ﷺ . وفي الإسناد علتان. الأوّلى: الخليل بن مُرَّة البصري؛ قال فيه أبو حاتم: ليس بالقويّ، وقال البخاريّ: منكر الحديث، وقال في موضع آخر: لا يصح حديثه، وقال في "التاريخ الكبير" (٣/ ١٩٩): "فيه نظر". والمعروف أنه إذا قال في شخص: "فيه نظر" فهو في أردأ المنازل. العلة الثانية: الانقطاع؛ فإن معاوية بن قُرَّة لم يسمع من أبي هريرة ولم يَلْقَه، كما نص على ذلك الإمام أحمد وغيره. وكذلك لا يصح ما رواه أبو عُبَيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود مرفوعًا: "إنَّ الله وترٌ يحب الوترَ، أوتروا يا أهل القرآن" فقال له أعرابي: ما يقول رسول الله ﷺ ؟ قال: "ليس لك ولا لأصحابك". رواه أبو داود (١٤١٧)، وابن ماجة (١١٧٠) كلاهما عن عثمان بن أبي شيبة، قال: حَدَّثَنَا أبو حفص الأبَّار، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي عبيدة، عن أبيه فذكره، واللّفظ لابن ماجة، وأمّا أبو داود فأحال على لفظ عليّ بن أبي طالب.

стр. 1732

وإسناده ضعيف لأجل الانقطاع، لأن أبا عيدة على الراجح لم يسمع من أبيه. وكذلك لا يصح ما رُوِي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله وتر يحب الوتر" قال نافع: "وكان ابن عمر لا يصنع شيئًا إِلَّا وترًا". رواه الإمام أحمد (٥٨٨٠) عن هارون، أخبرنا ابن وهب، سمعت عبد الله بن عمر، يُحدِّث عن نافع، عن عبد الله بن عمر فذكره. وعبد الله بن عمر هو العُمَري ضعيف، ضعَّفه النسائيّ وغيره. قال ابن حِبَّان: كان ممن غلب عليه الصلاح حتَّى غفل عن الضبط. ورواه البزَّار "كشف الأستار" (٧٤٣) من وجه آخر عن عدي بن الفضل، ثنا أيوب، عن نافع به، ولم يذكر قول نافع، وعدي بن الفضل هو التيمي أبو حاتم البصري ضعيف جدًّا تركَ أبو زرعةَ حديثَه وضعَّفه النسائيّ وغيره، وله حديث واحدٌ في الكتب الستة رواه ابن ماجة في النهي عن البول قائمًا، وسبق تخريجه في كتاب الطهارة، فلا تغترْ بقول الهيثميّ في "المجمع" (٢/ ٢٤٠): "رواه أحمد والبزّار، ورجاله موثَّقون". وكذلك لا يصح حديث ابن عباس قال: إنَّ رسول الله ﷺ خرج إليهم يُرَى البِشْرُ والسرورُ في وجهِهِ فقال: "إنَّ الله أمدَّكم بصلاة وهي الوتر". رواه الدَّارقطنيّ (٢/ ٣٠) وقال: فيه النضر أبو عمر الخزاز، ضعيف. ورواه الطبرانيّ أيضًا في معجمه عن نضر أبي عمر، قال الزيلعي: قال الدَّارقطنيّ: النضر أبو عمر الخزاز ضعيف. انتهى من نصب الراية (٢/ ١١٠). وذكره الهيثميّ عن ابن مسعود، وعزاه إلى البزّار والطَّبرانيّ في الكبير وقال: وفيه النضر أبو عمر؛ ضعيف، انظر "مجمع الزوائد" (٢/ ٢٤٠). وقال ابن الجوزي: قال النسائيّ: النضر أبو عمر متروك، وقال أحمد: ليس بشيء، ولا يحلُّ لأحدٍ أن يَروِي عنه. انظر "العلل المتناهية" (١/ ٤٥٢). وكذلك حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله زادكم صلاة، وهي الوتر" لا يصح. رواه أحمد من طريقين: الأوّل: قال: حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، "مسند أحمد" (٦٦٩٣). والثاني: قال: حَدَّثَنَا محمد بن سواء أبو الخطّاب الدوسيّ، قال: سألت المثنى بن الصَّبَّاح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله زادكم صلاة، فحافظوا عليها، وهي الوتر". فكان عمرو بن شعيب يرى أن يعاد الوتر ولو بعد شهر، "مسند أحمد". (٦٩١٩).

стр. 1733

الطريق الأوّل: فيه حجَّاج بن أرطاة؛ ضعيف وهو معروف بالتدليس. قال ابن أبي خيثمة، عن يحيى: ابن أرطاة ومحمد بن إسحاق عندي سواء، وتركت الحجاج عمدًا ولم أكتب عنه حديثًا قط. وقال أبو زرعة: صدوق يدلس. وقال أبو حاتم: صدوق يدلس عن الضعفاء، يكتب حديثه، وأمّا إذا قال: "حدثنا" فهو صالح لا يُرتاب في صدقه وحفظه، وإذا لم يبيِّن السماع لا يُحتج بحديثه، انظر "التهذيب" (٢/ ١٩٦). والطريق الثاني: فيه المثنى بن الصَّبَّاح، ضعيف. وإلى هذا الطريق أشار الهيثميّ وضعّفه. انظر "مجمع الزوائد" (٢/ ٢٤٠). وعند أحمد رواية أخرى بلفظ: "إنَّ الله حرَّم على أمَّتي الخمر والميسر، وزادني صلاةَ الوترِ". وفيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن رافع، وهو مجهول قاله الهيثميّ. ورواه الدَّارقطنيّ (٢/ ١٣) بإسناد آخر عن محمد بن عبيد الله العرزميّ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "مكثنا زمانًا لا نزيد على الصلوات الخمس، فأمرنا رسول الله ﷺ فاجتمعنا، فحَمِد الله وأثنى عليه ثمّ قال: "إنَّ الله قد زادكم صلاة" فأمرنا بالوتر. قال الدَّارقطنيّ: محمد بن عبيد الله ضعيف"، انتهى. ونقل ابن الجوزي عن النسائيّ وأحمد والفلاس: أنه متروك الحديث. انظر "العلل المتناهية" (١/ ٢٥٢). وكذلك لا يصح حديث خارجة بن حُذافة العدوى مرفوعًا: "إنَّ الله قد أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر". رواه أبو داود (١٤١٨)، والتِّرمذيّ (٤٥٢)، وابن ماجة (١١٦٨)، كلّهم من طرق عن يزيد بن أبي حَبيبٍ، عن عبد الله بن راشد الزَّوْفيِّ، عن عبد الله بن أبي مُرَّة الزَّوْفيِّ، عن خارجة بن حُذافة فذكر الحديث. وفيه الزوفيان مجهولان، عبد الله بن مُرَّة. ويقال له عبد الله بن أبي مُرَّة أيضًا، وأشار البخاريّ إلى أن روايته عن خارجة منقطعة، وقال الذّهبيّ في "الضعفاء" (٢٣٠٦) تابعي مجهولٌ. ولكن جعله الحافظ ابن حجر في التقريب في مرتبة "صدوق". فلعل ذلك لتوثيق العجليّ، وذكر ابن حبَّان له في الثّقات، وكان حقه أن يجعله في درجة "مقبول" وهذا الذي نقله محقق كتاب تهذيب الكمال في الحاشية، إِلَّا أن نسخ التقريب الخمس التي لدي كلّها متفقة على قوله: "صدوق"، ولعلّ هذا سبق قلم من المحقق حفظه الله. والله أعلم. وقال الترمذيّ: هذا حديث غريبٌ لا نَعرِفه إِلَّا من حديث يزيد بن أبي حبيبٍ. وقال الحاكم: صحيح الإسنادِ. قال الذّهبيّ في ترجمة عبد الله بن راشد، قال: رواه عنه يزيد بن أبي حبيب، وخالد بن يزيد،

стр. 1734

قيل: لا يعرف سماعه من ابن أبي مُرَّة، وقال: ولا هو بالمعروف، وذكره ابن حبَّان في الثقات". انتهى. انظر "ميزان الاعتدال" (٣/ ٤٢٠). ثمّ قال في ترجمة عبد الله بن أبي مُرَّة: له عن خارجة في الوتر لم يصح. انظر "الميزان" (٢/ ٥٠١). وقال ابن الجوزي: قال البخاريّ: لا يُعرف سماع عبد الله بن راشد من ابن أبي مُرَّة. "العلل المتناهية" (١/ ٤٥٣). وقال البيهقيّ بعد نقل الحديث: قال البخاريّ: لا يُعرف سماع بعضِهِم من بعض. وقال الحافظ في "التلخيص" (١/ ١٦): "ضعَّفه البخاي وقال ابن حبَّان: إسنادٌ منقطعٌ ومتنٌ باطلٌ"، وقال في الثّقات (٧/ ٣٥) - في ترجمة عبد الله بن راشد: "يروي عن عبد الله بن أبي مُرَّة، إن كان سمع منه، روى عنه يزيد بن أبي حبيب: "إنَّ الله زادكم صلاة وهي الوتر" من اعتمده فقد اعتمد إسنادًا مشوِّشًا". انتهى. وأمّا خارجة بن حذافة فهو قرشيٌّ عدويّ، وله حديث الوتر فقط، ذكره العلماء في كُتُبِ الآحاد والمثاني ابن أبي عاصم. انظر "الاستيعاب" (٢/ ٧١). وفي الباب أحاديث أخرى لا تصح. انظر المزيد منها في "المنة الكبرى" (٢/ ٣٢٦ - ٣٤٠). ٢ - باب أداء صلاة الوتر على الدابة • عن سعيد بن يسار قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر بطريق مكة قال سعيد: فلمّا خشيتُ الصبح، نزلتُ فأوترتُ، ثمّ أدركتُه، فقال لي عبد الله بن عمر: أين كنتَ؟ فقلت له: خشيتُ الصبحَ، فنزلتُ فأوترتُ، فقال عبد الله: أليس لك في رسول الله أُسوَةٌ؟ فقلت: بلى. والله! فقال: إن رسول الله ﷺ كان يُوتر على البعير. متفق عليه: رواه مالك في صلاة الليل (١٥) عن أبي بكر بن عمر، عن سعيد بن يسار به مثله. ورواه البخاريّ في الوتر (٩٩٩) عن إسماعيل بن أبي أويس، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٠٠/ ٣٦) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به مثله. وأبو بكر بن عمر هو: ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب. وفي رواية: كان رسول الله ﷺ يُسبّح على الرّاحلة قِبَل أي وجه توجَّه ويُوتر عليها غير أنه لا يصلِّي عليها المكتوبة. رواه البخاريّ (١٠٩٨) قال: وقال اللَّيثُ: "وهو عطف على السابق" قال: حَدَّثَنِي يونس، عن ابن شهاب، قال: قال سالم: كان عبد الله يُصلي على دابته من اللّيل وهو مسافر، ما يبالي حيث ما كان وجهه. قال ابن عمر: وكان رسول الله ﷺ يُسبح على الراحلة فذكره واللّفظ للبخاريّ. ورواه مسلم (٣٩) عن ابن وهب، عن يونس ولم يذكر فيه فعلَ ابنِ عمرَ. ورواه أيضًا البخاريّ (١٠٠٠) من وجه آخر عن جُوَيرِية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر

стр. 1735

قال: كان النَّبِيّ ﷺ يُصلِّي في السفر على راحلته، حيث توجهتْ به يومئُ إيماء صلاةَ الليل إِلَّا الفرائض، ويُوتر على راحلته. وقوله: "يوتر على راحلته" دليل للجمهور على أن الوتر ليس بواجب ولذا جاز أداؤه على الراحلة. قال الطحاويّ: "ذُكر عن الكوفين أن الوتر لا يُصلَّى على الراحلة، وهو خلاف السنة الثابتة واستدل بعضهم برواية مجاهد أنه رأي ابن عمر نزل فأوتر. وليس ذلك بمعارض لكونه أوتر على الراحلة؛ لأنه لا نزاع أن الصّلاة على الأرض أفضل. وروى عبد الرزّاق من وجه آخر أن ابن عمر كان يوتر على راحلته. وربما نزل فأوتر" انتهى. انظر: "الفتح" (٢/ ٤٨٨، ٤٨٩). قلت: وعليه يُحمَل حديث جابر بن عبد الله مع ضعف فيه: كان رسول الله ﷺ يصلِّي في السفر حيث توجهتْ به راحلتُه، فإذا أراد المكتوبة أو الوتر أناخ فصلَّى بالأرض. رواه ابن خزيمة (١٢٦٣) عن يعقوب الدورقيّ، نا محمد بن مصعب، نا الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله فذكره. وإسناده ضعيف: محمد بن مصعب القُرقُسائي - بقافين قال فيه النسائيّ: ضعيف، وقال الخطيب: كان كثير الغلط لتحديثه من حفظه، وقال ابن حبَّان: ساء حفظه، وعلى صحة إسناده يقال فيه: من الجائز أن بنيخ راحلته فيوتر على الأرض، فإن النَّبِيّ ﷺ فعل الفعلين، وهذا من الاختلاف المباح مع أن أخبار ابن عمر في وتر النَّبِيّ ﷺ على الراحلة أكثر أسانيد وأثبت وأصح من خبر جابر كما قال ابن خزيمة. وفي معناه ما رُوي عن ابن عباس أن النَّبِيّ ﷺ كان يوتر على راحلته، رواه ابن ماجة (١٢٠١) عن محمد بن يزيد الأَسْفاطيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو داود، قال: حَدَّثَنَا عبَّاد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وفيه عبَّاد بن منصور أكثر الأئمة على تضعيفه مع اتهامه بالتدليس. ٣ - باب إيقاظ النَّبِيّ ﷺ أَهْلَهُ للوتر • عن عائشة قالت: كان النَّبِيّ ﷺ يُصَلِّي وأنا راقدةٌ معترضةً على فراشه، فإذا أراد أن يُوتر أَيقظني فأَوترتُ. متفق عليه: رواه البخاريّ في الوتر (٩٩٧) عن مسدد، قال: حَدَّثَنَا يحيى، قال: حَدَّثَنَا هشام، قال: حَدَّثَنِي أبيّ، عن عائشة فذكرته. ورواه مسلم في المسافرين (٧٤٤) من وجه آخر عن تميم بن سلمة، عن عروة بن الزُّبير، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي من الليل، فإذا أوتر قال: "قومي فأوتري يا عائشة". وفي رواية من وجه آخر من حديث القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يُصلِّي

стр. 1736

صلاته بالليل، وهي معترضةٌ بين يديه، فإذا بقي الوتر أيقظها فأوترتْ. ٤ - باب ليجعل آخر صلاته وِترًا • عن عبد الله بن عمر، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا". متفق عليه: رواه البخاريّ في الوتر (٩٩٨)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٥١/ ١٥١) كلاهما من حديث يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر فذكر الحديث. ورواه مسلم من طريق ابن جريج قال: أخبرني نافع أن ابن عمر كان يقول: من صلَّى من الليل فليجعل آخر صلاته وِتْرًا قبل الصبح، كذلك كان رسول الله ﷺ يأمرهم. انتهى. ٥ - باب ما روي في نقض الوتر لم يثبت في نقض الوتر شيءٌ مرفوعٌ، وإنما رُويَ ذلك عن عبد الله بن عمر، وهو إذا نام على وتر، ثمّ قام يُصلِّي من الليل صلَّى ركعة إلى وِتره الأوّل فيشفع به، ثمّ يُوتر في آخر صلاته كما رواه مالك في الموطأ في كتاب صلاة الليل (١٩) عن نافع أنه قال: كنتُ مع عبد الله بن عمر بمكة. والسماءُ مُغيمة. فخشي عبد الله الصبحَ، فأوتر بواحدة، ثمّ انكشف الغيمُ فرأى أن عليه ليلًا فشفع بواحدةٍ، ثمّ صلَّى بعد ذلك ركعتين ركعتين. فلمّا خشي الصبحَ أوتر بواحدة. وقد رُوي مثلُ قول ابن عمر في ذلك عن عليّ بن أبي طالب، وعثمان وعبد الله بن مسعود وأسامة، وبه قال جماعة من أهل العلم منهم عروة بن الزُّبير ومكحول وعمرو بن ميمون وغيرهم. وحجّتهم في ذلك حديث ابن عمر "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" وبه بوَّب البخاريّ فكأنه يميل إلى ذلك وأيضًا من حُجَجِهم قوله ﷺ : "الوتر ركعة من آخر الليل" وقوله ﷺ : "فإذا خشي أحدكم الصبح أوتر بركعة واحدة". وأمّا النهي عن الوترين في ليلة واحدة فقد جاء عن قيس بن طلق، عن أبيه كما في الباب الآتي. ٦ - باب النهي عن وترين في ليلة • عن قيس بن طلق قال: زارنا طلق بن عليّ في يوم من رمضان، وأمسى عندنا وأفطر، ثمّ قام بنا الليلة وأوتر بنا، ثمّ انحدر إلى مسجده فصلى بأصحابه، حتَّى إذا بقي الوتر قدَّم رجلًا فقال: أوتر بأصحابك، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا وتران في ليلة". حسن: رواه أبو داود (١٤٣٩)، والتِّرمذيّ (٤٧٠)، والنسائي (١٦٧٩) كلّهم من طريق ملازم بن عمرو، حَدَّثَنَا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق فذكره، واللّفظ لأبي داود، وعندهما مثله غير

стр. 1737

أنهما لم يذكرا القصة. قال الترمذيّ: حسن غريب. قلت: إسناده حسن لأجل قيس بن عمرو فإنه صدوق وقد سبق في كتاب الوضوء، باب ترك الوضوء من مس الذكر، تحسين هذا الإسناد. وصحّحه ابن خزيمة (١١٠١)، وابن حبَّان (٢٤٤٩) وروياه من هذا الطّريق. ورواه أيضًا الإمام أحمد (١٦٢٩٦) من حديث ملازم بن عمرو السُحيميّ، حَدَّثَنَا جدّي عبد الله بن بدر قال: وحدّثني سراج بن عقبة أن قيس بن طلْقٍ حدَّثهما أن أباه طلق بن علي أتانا في رمضان فذكر بقية الحديث مثله. فسراج بن عُقبة متابع لعبد الله بن بدر، وهذا الحديث دليل لمن قال بعدم نقض الوتر. فقد رُويَ عن أبي بكر الصديق أنه كان يوتر قبل النوم، ثمّ يقوم يصلِّي ركعتين ركعتين، ولا يُعيد الوتر. وكانت عائشة أم المؤمين تقول: أوتران في ليلة؟ إنكارًا منها لنقض الوتر. وبه قال عمر بن الخطّاب، وسعد، وعمار بن ياسر، وابن عباس، وأبو هريرة وغيرهم من الصّحابة، وهو قول مالك وأحمد والشافعيّ، وأهل الكوفة. قال الترمذيّ: وهذا أصح، لأنَّه قد رُوِيَ من غير وجه أنَّ النَّبِيّ ﷺ صلَّى بعد الوتر"، أي ولم يوتر بعده. ٧ - باب ما جاء في ساعات الوتر أول الليل وأوسطه وآخره • عن عائشة قالت: مِن كُلِّ الليل قد أوتر رسولُ الله ﷺ فانتهى وِتره إلى السَّحَر. وفي رواية: من كلِّ اللَّيلِ قد أوتر رسولُ الله ﷺ من أوَّلِ اللَّيل، وأوسطه، وآخره. فانتهى وِتْرُه إلى السَّحَر. متفق عليه: رواه البخاريّ في كتاب الوتر (٩٩٦)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٤٥) كلاهما من حديث الأعمش قال: حَدَّثَنِي مسلم (وهو أبو الضُّحى) عن مسروق، عن عائشة فذكرته واللّفظ لهما. والرّواية الثانية عند مسلم من طريق يحيى بن وَثَّاب، عن مسروق عنها. • عن غُضَيف بن الحارث قال: قلت لعائشة: أرأيت رسول الله ﷺ يغتسل من الجنابة في أول الليل أو في آخره؟ قالت: ربما اغتسل في أول الليل، وربما اغتسل في آخره، قلت: الله أكبر الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، قلت: أرأيت رسول الله ﷺ كان يوتر أول الليل أم في آخره؟ قالت: ربما أوتر في أول الليل، وربما أوتر في آخره. قلت: الله أكبر الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة.

стр. 1738

حسن: رواه أبو داود (١/ ١٥٢، ١٥٣) (٢٢٦) واللّفظ له، والنسائي (١/ ١٢٥) (٢٢٢، ٢٢٣) مقتصرًا على الجزء الأوّل كلاهما من طريق عُبادة بن نُسَيّ، عن غُضيف بن الحارث فذكر الحديث. وقد مضى الحديث في كتاب الغسل، باب الجُنُب يؤخِّر الغسلَ. ورواه ابن خزيمة (١٠٨١) من وجه آخر عن معاوية بن صالح أن عبد الله بن أبي قيس حدَّثه أنه سأل عائشة كيف كان رسول الله ﷺ بوتر آخر الليل أو أوَّلَه؟ قالت: كل ذلك كان يفعل، ربما أوتر أول الليل، وربما أوتر من آخره، فقلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعةً. • عن عليّ قال: مِن كُلِّ الليل قد أوتر رسولُ الله ﷺ من أوله، وأوسطه وانتهى وِتره إلى السحر. حسن: رواه ابن ماجة (١١٨٦) من حديث شعبة عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة، عن عليّ بن أبي طالب فذكره. وإسناده حسن لأجل عاصم وهو حسن الحديث. وصحّحه ابن خزيمة (١٠٨٠) ورواه من هذا الوجه. وأمّا ما رُوي عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري قال: كان رسول الله ﷺ يوتر أول الليل وأوسطه وآخره فهو منقطع. رواه الإمام أحمد (١٧٠٧١)، والطَّبرانيّ في الكبير (١٧/ ٦٧٩، ٦٨٠)، والأوسط (٦٩٨٥)، والصغير (٦٨٦) كلّهم من طرق عن إبراهيم بن يزيد النخعيّ، عن أبي عبد الله الجَدَليّ، عن أبي مسعود فذكره. قال شعبة: لم يسمع إبراهيم النخعي من أبي عبد الله الجدلي "جامع التحصيل" (ص ١٤٢). ٨ - باب ما جاء في الوقت المختار للوتر هو آخر الليل لِمن قويَ عليه وتقديمه لغيره • عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليُوتِر أوَّلَه، ومن طمع أن يقوم آخره فليُوتِر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل". وفي رواية: "أيكم خاف أن لا يقومَ من آخر الليل فليوتر، ثمّ ليرقُد، ومَن وثِق بقيام من الليل فليُوتِر من آخِره. فإن قراءة آخر الليل محضورة، وذلك أفضل". صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٥٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا حفص وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر فذكره. والرّواية الثانية عند مسلم أيضًا من وجه آخر عن أبي الزُّبير، عن جابر فذكره. • عن أبي قتادة أن النَّبِيّ ﷺ قال لأبي بكر: "متي تُوتر؟ " قال: أوتر من أول

стр. 1739

الليل، وقال لعمر: "متى تُوتر؟ " قال: آخر الليل. فقال لأبي بكر: "أخذ هذا بالحزم" وقال لِعُمَر: "أخذ هذا بالقوة". صحيح: رواه أبو داود (١٤٣٤) قال: حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن أبي خلف، حَدَّثَنَا أبو زكريا [يحيى بن إسحاق السَّيْلحيني] حَدَّثَنَا حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة فذكره. أخرجه ابن خزيمة (١٠٨٤)، وعنه الحاكم (١/ ٣٠١)، والبيهقي (٣/ ٣٥) عن بشر بن موسى، عن يحيى بن إسحاق السَّيْلَحيني به مثله. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". ولكن قال ابن خزيمة: "هذا عند أصحابِنا عن حمّاد مرسل، ليس فيه أبو قتادة" كذا قال ولم يذكر سبب ذلك. • عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: "أي حينٍ تُوتِر؟ قال: أول الليل بعد العتمة. قال: "فأنت يا عمر؟ " فقال: آخر الليل. فقال النَّبِيّ ﷺ : "أما أنت يا أبا بكر فأخذت بالوُثْقى، وأمّا أنت يا عمر فأخذت بالقوة". حسن: رواه ابن ماجة (١٢٠٢) قال: حَدَّثَنَا أبو داود سليمان بن تَوْبة، قال: حَدَّثَنَا يحيى بن أبي بكر، قال: حَدَّثَنَا زائدة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله فذكره. وإسناده حسن لأجل الكلام في عبد الله بن محمد بن عقيل غير أنه حسن الحديث. وزائدة هو: ابن قدامة. ومن طريقه رواه الإمام أحمد (١٤٣٢٣)، وأبو داود الطيالسي (١٧٧٦)، وأبو يعلى (١٨٢١) وغيرهم. ويشهد له حديث ابن عمر أن النَّبِيّ ﷺ قال لأبي بكر: "متى توتر؟ " قال: أوتر ثمّ أنام. قال: "بالحزم أخذت"، وسأل عمر فقال: متى توتر؟ " فقال: أنام ثمّ أقوم من الليل فأوتر قال: "فِعْلي فعلتَ". وفي رواية: "فعلَ القويّ فعلت". رواه ابن خزيمة (١٩٨٥)، وابن حبَّان (٢٤٤٦)، والحاكم (١/ ٣٠١)، والبيهقي (٣/ ٣٦) كلّهم من طريق محمد بن عباد المكيّ، قال: حَدَّثَنَا يحيى بن سُليم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر فذكر الحديث. ومن هذا الطريق رواه أيضًا ابن ماجة إثر رواية جابر بن عبد الله إِلَّا أنه لم يسق لفظه. قال الحاكم: صحيح. وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة": "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات". قلت: فيه يحيى بن سُلَيم الطائفي تكلم في حفظه، وخاصة من روايته عن عبيد الله بن عمر، قال البخاريّ: يروي أحاديث عن عبيد الله بهم فيها. وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وهو منكر الحديث

стр. 1740

عن عبيد الله بن عمر، ولذا تجنب الشيخان من روايته عنه. والخلاصة فيه: أنه حسن الحديث فيما روي عن غير عبيد الله بن عمر. وأمَّا أبو حاتم فقال: "شيخ صالح محله الصدق، لم يكن بالحافظ، يكتب حديثه ولا يحتج به". وفي الباب عن أبي هريرة: رواه البزار "كشف الأستار" (٧٣٦)، والطبراني في الأوسط (٥٠٥٩) وفيه سليمان بن داود اليمامي ضعيف. قال البزار: سليمان بن داود لا يتابع على حديثه، وليس بالقوي، وأحاديثه تدل على ضعفه. انتهى. وبه ضعَّفه الهيثمي في "مجمعه" (٢/ ٢٤٥). وعن عقبة بن عامر: رواه الطبراني في "الكبير" (١٧/ ٣٠٣) وفيه ابن لهيعة، وبه أعلّه الهيثميّ في "مجمعه" أيضًا. ٩ - باب ما جاء في أداء صلاة الوتر قبل النوم • عن أبي هريرة قال: "أوصاني خليلي بثلاثٍ. لا أدعهن حتَّى أموت، صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضُّحى، ونومٌ على وترٍ". متفق عليه: رواه البخاري في التهجد (١١٧٨)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٢١) كلاهما من طريق شعبة، حدثنا عباس الجُريري - وهو ابن فَرُّوخ - عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة فذكره. • عن أبي الدرداء قال: "أوصاني حبيبي بثلاث، لن أدعهن ما عشتُ: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضُّحى، وأن لا أنام حتى أوتر". صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٢٢) عن هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع، قالا: حدثنا ابن أبي فُدَيك، عن الضحاك بن عثمان، عن إبراهيم بن عبد الله بن حُنين، عن أبي مُرَّة مولى أمِّ هانئ، عن أبي الدرداء فذكره. • عن أبي ذر قال: "أوصاني حبيبي ﷺ بثلاثة لا أدعُهن إن شاء الله تعالى أبدًا. أوصاني بصلاة الضُّحى، وبالوتر قبل النوم، وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر". صحيح: رواه النسائي (٢٤٠٤) عن علي بن حجر، قال: حدثنا إسماعيل، حدثنا محمد بن أبي حرملة، عن عطاء بن يسار، عن أبي ذرٍّ فذكره. إسناده صحيح، وقد صحّحه أيضًا ابن خزيمة (١٠٨٣)، فرواه عن علي بن حجر السعدي، والإمام أحمد (٢١٥١٨) عن سليمان بن داود الهاشمي، كلاهما عن إسماعيل به مثله. وإسماعيل هو: ابن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزُّرَقي من رجال الجماعة.

стр. 1741

١٠ - باب ما جاء من المبادرة لأداء صلاة الوتر قبل طلوع الفجر، ومن تعمَّد تأخيره حتى طلع الفجر فلا وتر له عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "أوتروا قبل أن تُصبِحوا". صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٥٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد فذكره. ثم رواه مسلم من وجه آخر عن يحيى بن أبي كثير قال: أخبرني أبو نضرة العوفي - وهو المنذر بن مالك بن قَطَعَة - أن أبا سعيد أخبرهم، أنهم سألوا النبي ﷺ عن الوتر فقال: فذكره. وروى ابن ماجه (١١٨٩) هذا الحديث عن محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير به. قال محمد بن يحيى: "في هذا الحديث دليل على أن حديث عبد الرحمن واهٍ". قلت: وهو يشير إلى الحديث الذي بعده في باب قضاء الوتر. • عن أبي سعيد الخدري أن النبيَّ ﷺ قال: "مَن أدرك الصبحَ فلم يوتر فَلا وِتْر له". صحيح: أخرجه ابن خزيمة (١٠٩٢)، وابن حبان (٢٤٠٨)، والحاكم (١/ ٣٠١، ٣٠٢) كلهم من طريق هشام، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد .. فذكره. وصحّحه الحاكم على شرط مسلم. • عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "بادروا الصُبح بالوتر". صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٥٠) من طريق ابن أبي زائدة، أخبرني عاصم الأحول، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر فذكره. • عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إذا طلع الفجر، فقد ذهب كلُّ صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل طلوع الفجر". حسن: رواه الترمذي (٤٦٩) عن محمود بن غيلان، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. قال النووي في الخلاصة (١٩٠٦): "رواه الترمذي بإسناد صحيح". وقال الترمذي: "سليمان بن موسى قد تفرد به على هذا اللفظ، ورُوي عن النبي ﷺ : "لا وتر بعد صلاة الصبح". قلت: سليمان بن موسى هو: الأموي مولاهم، الدمشقي الأشدق، وثَّقه الدارمي وابن سعد، وتكلم فيه البخاري والنسائي، والخلاصة فيه كما في التقريب: "صدوق فقيه، في حديثه بعض لين، وخلط قبل موته بقليل" فتصحيح النووي له فيه نظر، وأكثر أحواله أنه حسن لأجل سليمان بن موسى ولعل من تخليطه رواه مرَّةً مرفوعا، وأخرى موقوفًا.

стр. 1742

فقد رواه الحاكم (١/ ٣٠٢)، والبيهقي (٢/ ٤٧٨) كلاهما من طريق حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج، أخبرني سليمان بن موسى، ثنا نافع أن ابن عمر كان يقول: من صلَّى من اللَّيل فليجعل آخر صلاته وِترًا، فإنَّ رسول الله ﷺ أمر بذلك، فإذا كان الفجرُ فقد ذهب صلاةُ اللَّيلِ والوِترُ، لأنَّ رسول الله ﷺ قال: "أوتروا قبل الفجر". قال الحاكم: "صحيح الإسناد". قلت: وليس كما قال، فإنَّ ابن جريج وإن صرَّح بالإخبار، فانتفت عنه تُهمة التدليس. ولكن آفته سليمان بن موسى، فإمَّا أنه اختلط عليه، أو أنَّه سمع ابن عمر هكذا مرَّة يرويه مرفوعًا، وأخرى موقوفًا مستنبطًا من قول النبي ﷺ فهو موافق لما رواه مسلم "وبادروا الصبح بالوتر". وأما قول الترمذي وروي عن النبيِّ ﷺ : "لا وِتر بعد صلاة الصبح" فهو ضعيفٌ جدًّا، رواه ابن نصر في كتاب الوتر (٦٩) وعبد الرزاق (٤٥٩١) كلاهما من طريق أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: نادى منادي رسول الله ﷺ : "لا وتر بعد الفجر"، وأبو هارون العبدي هو: عُمارة بن جُوَين، أصحاب الحديث لا يحتجون بروايته، وهو ضعيف جدًّا، وقد رَموه بالكذب. قال ابن نصر: "هذا حديثٌ لو ثبت لكان حجَّةً لا يجوز مخالفته غير أن أصحاب الحديث لا يحتجون برواية أبي هارون العبدي". وهو كذلك فإن أبا هارون العبدي ضعيف جدًّا. ولكن ثبت من حديث أبي سعيد الخدري أنه "من أدركه الصبح ولم يوتر فلا وتر له" وهو حديث صحيح، فيحمل هذا على من تعمد ترك الوتر حتى أدركه الصبح. ١١ - باب ما جاء في قضاء الوتر • وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "من نام عن وتره، أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكره". صحيح: رواه أبو داود (١٤٣١) عن محمد بن عوف، حدثنا عثمان بن سعيد، عن أبي غسان محمد بن مطرف المدني، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد فذكره. وإسناده صحيح. وأخرجه الحاكم (١/ ٣٠٢)، وعنه البيهقي (٢/ ٤٨٠) من وجه آخر عن عثمان بن سعيد (بن كثير بن دينار) عن أبي غسان به مثله. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين". قلت: هذا الإسناد أصح ما روي به هذا الحديث. وله أسانيد أخرى ضعيفة منها ما رواه الترمذي (٤٦٥)، وابن ماجه (١١٨٨) كلاهما من حديث

стр. 1743

عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، به مثله. وعبد الرحمن بن زيد ضعيف، أهل الحديث لا يحتجون به. إلى هذا أشار محمد بن يحيى، ولكن لا تعارض بين الحديثين فحديث أبي سعيد الأول "أوتروا قبل أن تصبحوا" يدل على أن وقت صلاة الوتر ينتهي بطلوع الفجر، فمن تعمد، ولم يوتر قبل طلوع الفجر فلا وتر له، والحديث الثاني يدل على أنَّ من نام عن وتره، أو نسيه فليصلها إذا ذكرها، أي: قضاءً؛ لأنَّ وقته قد خرج وعليه يحمل حديث ابن عمر السابق وإذا كان عبد الرحمن بن زيد بن أسلم واه، فله إسناد آخر صحيح كما سبق. قال محمد بن نصر بعد أن روى حديث أبي سعيد: "والذي ذهب إليه جماعة من أصحابنا أن من طلع عليه الفجر، ولم يوتر، فإنه يوتر ما لم يُصلِّ الغداةَ اتِّباعًا للأخبار التي رُوِيت عن أصحاب النبي ﷺ أنَّهم أوتروا بعد الصبح، وقد رُويَ عن النبي ﷺ أيضًا أنه أوتَرَ بعد ما أصبح، فإذا صلَّى الغداةَ. فإن جماعة من أصحابنا قالوا: لا يقضي الوتر بعد ذلك، وقد رُويَ ذلك عن جماعة من المتقدِّمين أيضًا إلى هذا ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم من أصحابنا". "كتاب الوتر" (ص ١٥٦). وقال أيضًا: "والذي أقول به أنه يُصلي الوتر ما لم يُصل الغداة. فإذا صلَّى الغداة فليس عليه أن يقضيه بعد ذلك، وإن قضاه على ما يقضي التطوع فحسن. قد صلى رسول الله ﷺ الركعتين قبل الفجر بعد طلوع الشمس في الليلة التي نام فيها عن صلاة الغداة حتى طلعت الشمس، وقضى الركعتين اللتين كان يُصليهما بعد الظهر بعد العصر في اليوم الذي شُغل فيه عنهما. وقد كانوا يقضون صلاة الليل - إذا فاتتهم بالليل - نهارًا فذلك حسن، وليس بواجب"، "كتاب الوتر" (١٦٤). وأما ما رُوي عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يُصبح فيوتر، ففيه أبو نَهيك مختلف في توثيقه فجهله ابن عبد البر ووثقه غيره، كما أن فيه انقطاعا فإنه لم يثبت سماعه عن عائشة. رواه الإمام أحمد (٢٦٠٥٨)، والطبراني في "الأوسط" (٢١٥٣)، والبيهقي (٢/ ٤٧٩) كلهم من طريق ابن جريج قال: أخبرني زياد (وهو ابن سعد الخراساني) أن أبا نَهيك أخبره أن أبا الدرداء كان يخطب الناسَ أن لا وتر لمنْ أدرك الصبحَ فانطلق رجال من المؤمنين إلى عائشة، فأخبروها، فقالت: كان رسول الله ﷺ يُصبح فيوتر. انتهى. ورواه البيهقي أيضًا من حديث حاتم بن سالم البصري، ثنا عبد الوارث بن سعيد، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: ربما رأيتُ النبي ﷺ يُوتر، وقد قام الناس لصلاة الصبح. قال البيهقي: تفرد به حاتم بن سالم البصري، ويقال له الأعرجي، وحديث ابن جريج أصح من ذلك.

стр. 1744

ورواه أيضًا بإسناده عن ابن عمر أن النبي ﷺ أصبح فأوتر. قال: كذا وجدتُه في الفوائد الكبير. ثم رواه عن أبي مجلز قال: أصبح ابن عمر، ولم يوتر، أو كان يُصبح ثم أوتر. وهذا أشبه. انتهى. يعني الموقوف أصح. ١٢ - باب أداء ركعتين بعد الوتر • عن أبي سلمة قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ فقالت: "كان يُصلي ثلاث عشرة ركعة. يُصلي ثمان ركعات، ثم يُوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع". صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٣٨/ ١٢٦) عن محمد بن المثنى، حدثنا ابن أبي عدي، حدثنا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة فذكره. وأما ما روي عن أم سلمة أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس. فالصّواب فيه أنه من فعل أم سلمة نفسها، كما قال العقيلي في الضعفاء. والحديث رواه الترمذي (٤٧١)، وابن ماجه (١١٩٥) كلاهما عن محمد بن بشار، حدثنا حماد بن مسعدة، قال: حدثنا ميمون بن موسى المرئي، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة فذكرته. وميمون بن موسى تكلم فيه النسائي وأبو أحمد الحاكم، وقال الساجي: كان يدلس وقال ابن حبان: منكر الحديث يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الإثبات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. ومشّاه أبو حاتم وأبو داود. كما أن فيه الحسن وهو مدلس وقد عنعن، وأمه اسمها: "خيرة" وهي مولاة أم سلمة. ذكرها ابن حبان في الثقات ووثَّقها ابن حزم. • عن أبي أمامة كان رسول الله ﷺ يُوتر بِتِسع حتَّى إذا بَدُن وكَثُر لحمُه أوتر بسبعٍ، وصلَّى ركعتين وهو جالس، يقرأ فيهما: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. حسن: رواه أحمد (٢٢٣١٣)، والطبراني في الكبير (٨/ ٣٣٢)، والبيهقي (٣/ ٣٣)، ومحمد بن نصر في كتاب الوتر (٥٥) كلهم من طريق عُمارة بن زاذان، ثنا أبو غالب، عن أبي أمامة فذكره. ورواه الإمام أحمد (٢٢٢٤٦)، والطبراني، والبيهقي (٨/ ٣٣٢) كلهم من طريق عبد الصمد، يعني ابن عبد الوارث، ثنا أبي، عن عبد العزيز بن صُهَيب، عن أبي غالب، عن أبي أُمامة فذكرهُ مختصرًا وهو قوله: "كان يُصلِّي ركعتين بعد الوتر، وهو جالس يقرأ فيهما .... ". قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٤١): "رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات". قلت: وإسناده حسن من أجل الكلام في أبي غالب غير أنه حسن الحديث. وعمارة بن زاذان فيه كلام يسير إلا أنه توبع؛ ولذا قد يكون وهم في رواية هذا الحديث عن ثابت،

стр. 1745

عن أنس، قال: كان النبيّ ﷺ يوتر بتسع ركعات، فلما أسنَّ وثقل أوتر بسبع، وصلى ركعتين وهو جالس يقرأ فيهنّ بالرحمن والواقعة. قال أنس: ونحن نقرأ بالسور القصار ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١]، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ونحوهما. رواه ابن خزيمة (١٠٧٩) من طريقين عن عمارة بن زاذان، عن ثابت، به. فإنه لم يتابع على هذه الرواية. ولذا قال البيهقي (٣/ ٣٣): "وخالف عمارة بن زاذان في قراءة النبي ﷺ فيهما سائر الرواة" ونقل عن البخاري أنه قال: عمارة بن زاذان ربما يضطرب في حديثه. وقد رُوي أيضًا عن أنس بن مالك، أنّ النبيّ ﷺ كان يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس ويقرأ في الركعة الأولى بأمّ القرآن، و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. رواه البيهقي (٣/ ٣٣) وغيره عن بقية بن الوليد، عن عتبة بن أبي حكيم، عن قتادة، عن أنس، فذكره. وبقية بن الوليد مدلّس وقد عنعن، وعتبة بن أبي حكيم ضعيف. وأعلّه البيهقيّ بعتبة بن أبي حكيم، وأبي غالب الذي في حديث أبي أمامة. • عن ثوبان قال: كُنَّا مع رسول الله ﷺ في سفر فقال: "إن هذا السفر جهد وثقل، فإذا أوتر أحدكم فليركع ركعتين، فإن استيقظ وإلّا كانتا له". حسن: رواه الطبراني في الكبير (٢/ ٨٧)، والبزار "كشف الأستار" (٦٩٢) كلاهما من حديث عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن ثوبان فذكره. وعزاه الهيثمي في "المجمع" (٢/ ١٦٣) إلى البزار وحده، وهو تقصير منه، ثم عزاه مرَّةً أخرى (٢/ ٢٤٦) إلى الكبر والأوسط ولم يعز إلى البزار وفيه تقصير أيضًا، وقال في الموضعين: "فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، واختلف في الاحتجاج به"، وقال في الموضع الثاني: "وفيه كلام". قلت: وهو كما قال، ولكنه توبع، فقد رواه الدارمي (١٦٠١)، وابن خزيمة (١١٠٦)، وابن حبان (٢٥٧٧) كلهم من طريق عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، عن شريح بن عيد، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، به مثله. ولكن سقط في صحيح ابن حبان "عن أبيه" بين عبد الرحمن بن جبر وين ثوبان، وهو لابد منه كما في المصادر الأخرى. وكذلك اختلف لفظ الدارمي من قوله: "هذا السفر" إلى "هذا السهر" وأَعتقد أنه أيضًا خطأ. وبهذه المتابعة ارتفع الحديث إلى درجةِ الصحيح لغيره. وفي الحديث دليل على أن أداء الركعتين بعد الوتر لا كراهية فيه. قال ابن خُزيمة: "إن الصلاة بعد الوتر مباحة لجميع من يريد الصلاة بعده، وأن الركعتين اللتين كان النبي ﷺ يُصليهما بعد الوتر لم يكونا خاصة للنبي ﷺ دون أمته؛ إذ النبي ﷺ قد أمرنا

стр. 1746

بالركعتين بعد الوتر، أمر ندب وفضيلة، لا أمر إيجاب وفريضة". انتهى. وقيَّده ابن حبان للمسافر الذي يخاف أن لا يستيقظ للتهجد، ولكن هل هذا كان من دأب رسول الله ﷺ فيرى النووي رحمه الله تعالى أنه لم يكن من دأبه ﷺ أداء الركعتين بعد الوتر، وإنما فعل مرة أو مرتين لبيان الجواز للأحاديث المشهورة: "اجعلوا آخر صلاتكم وترًا". ويرى محمد بن نصر أن قوله: "اجعلوا آخر صلاتكم وترًا" اختيارًا لا إيجابًا، لأن ابن عمر هو الراوي عن رسول الله ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم وترًا" وهو الذي كان يشفع وتره. وروي عنه أنه سئل عمن قام من الليل وقد أوتر قبل أن ينام فصلَّى مثنى مثنى، ولم يشفع وتره. فقال: ذلك حسن جميل، فدل فتياه أنه رأى قوله: "اجعلوا آخر صلاتكم وترًا" اختيارًا لا إيجابًا. ١٣ - باب وتر النبي ﷺ بركعة • عن أنس بن سيرين قال: سألت ابن عمر؛ قلت: أرأيت الركعتين قبل صلاة الغداة أطيل فيهما القراءة؟ فقال: "كان النبي ﷺ يُصَلِّي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعةٍ، ويُصلي الركعتين قبل صلاة الغداة. وكأن الأذانَ بأُذُنَيه". متفق عليه: رواه البخاري في صلاة الوتر (٩٩٥)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٤٩/ ١٥٧) كلاهما من حديث حماد بن زيد، قال: حدثنا أنس بن سيرين فذكره، واللفظ للبخاري، وسبق لفظ مسلم وهو قريب منه مع بعض الزيادات. وقوله: "كأن الأذان بأُذُنَيه" قال حماد: أي بسرعة. • عن ابن عمر أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن صلاة الليل فقال رسول الله ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى. فإذا خشي أحدكم الصبح فصلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلَّى". متفق عليه: رواه مالك في صلاة الليل (١٣) عن نافع وعبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فذكره. ورواه البخاري في الوتر (٩٩٠) ومسلم في صلاة المسافرين (٧٤٩) كلاهما من طريق مالك به. • عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "الوتر ركعة من آخر الليل". صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٥٢) عن شيبان بن فَرُّوخ، حدثنا عبد الوارث، عن أبي التيَّاح، قال: حدثني أبو مِجْلَز، عن ابن عمر فذكره. ورواه أيضًا شعبة، عن قتادة، عن أبي مِجْلَز به مثله. وأوتر معاوية بعد العشاء بركعة، وعنده مولى لابنِ عباسٍ. فأتى ابن عباس فقال: دعه فإنه صحب رسول الله ﷺ . وفي رواية: قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية، فإنه ما أوتر إلا بواحدة. قال:

стр. 1747

إنه فقيه. رواه البخاري في فضائل أصحاب النبي ﷺ (٣٧٦٤، ٣٧٦٥) من طريقين عن ابن أبي مليكة، قال: أوتر معاوية فذكره. • عن أبي مِجْلَز قال: سألت ابن عباس عن الوتر، فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ركعةٌ من آخر اللَّيل" وسألت ابن عمر فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ركعة من آخر الليل". صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٥٣) عن زهير بن حرب، حدثنا عبد الصمد، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن أبي مِجْلَز فذكره. • عن عائشة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ كان يُصلِّي من الليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ اضطجع على شقه الأيمن. صحيح: رواه مالك في صلاة الليل (٨) عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة فذكرته. ورواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٣٦) عن يحيى بن يحيى، عن مالك به مثله وزاد في آخر الحديث: "حتى يأتيه المؤذِّن فيصلي ركعتين خفيفتين". ورواه أيضًا من طريق عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب به وفيه: كان رسول الله ﷺ يُصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر؛ إحدى عشر ركعة. يُسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدةٍ ... ١٤ - وتر النبي ﷺ بثلاث ركعات • عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضانَ؟ قالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضانَ، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعةً، يُصلِّي أربعًا فلا تسأل عن حُسنِهن وطُولِهِن، ثم يُصلِّي أربعًا فلا تسأل عن حُسنِهنَّ وطُولِهِنَّ، ثمَّ يُصَلِّي ثلاثًا. متفق عليه: رواه مالك في صلاة الليل (٩) عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف فذكره. ورواه البخاري في التهجد (١١٤٧)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٣٨) كلاهما من طريق مالك به. • عن أبي بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الركعة الثانية بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ولا يسلم إلا في آخرهن، ويقول: يعني بعد التسليم: "سبحان الملك القدوس ثلاثًا".

стр. 1748

صحيح: رواه النسائي (١٧٠١) عن يحيى بن موسى قال: أنبأنا عبد العزيز بن خالد، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عزْرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أَبْزَى، عن أبيه، عن أبَيِّ بن كعب فذكره. وإسناده صحيح. ١٥ - باب وتر النبي ﷺ بخمس • عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يُصلِّي من اللَّيل ثلاث عشرة ركعة، يُوتر من ذلك بخمس، ولا يجلس في شيء إلا في آخرها. صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٣٧) من طرق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. وزاد الترمذي (٤٥٩): فإذا أذن المؤذن قام فصلى ركعتين خفيفتين. ورواه النسائي (١٧١٧) من وجه آخر عن هشام واختصر على قولها: "كان يوتر بخمس ولا يجلس إلا في آخرهن". قال الترمذي: رأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم الوتر بخمس، وقالوا: لا يجلس في شيء مِنهنَّ إلَّا في آخرهِنَّ. وقال: وسألت أبا مصعب المديني عن هذا الحديث فقلت: كيف كان النبي ﷺ يوتر بالتسع والسبع؟ قال: يُصلي مثنى مثنى، ويُسلم، ويوتر بواحدة" انتهى. قلت: هذا التفسير مُخالفٌ لما قالته عائشة: ولا يجلس في شيء إلا في آخرها. ١٦ - وتر النبي ﷺ بتسع ركعات • عن عائشة كان النبي ﷺ يُصلي ثمان ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيجلس ويذكر ربه ، ويدعو ويستغفر، ثم ينهض ولا يُسَلِّم، ثم يصلِّي التاسعة، فيقعد فيحمد ربَّه ويذكره ويدعوه، ثمَّ يُسلّم تسليمًا يُسمعنا. صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٤٦) من حديث قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام بن عامر، عن عائشة في حديث طويل سبق ذكره كاملًا في جامع صلاة النبي ﷺ في الليل. ١٧ - باب ما جاء في الوتر بثلاث عشرة وبسبع • عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث عشرة ركعة، فلما كبر وضعف أوتر بسبع. حسن: رواه الترمذي (٤٥٧)، والنسائي (١٧٠٩) كلاهما من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن يحيى بن الجزار، عن أمِّ سلمة فذكرته. قال الترمذي: "حديث حسن".

стр. 1749

قلت: وهو كذلك فإن يحيى بن الجزار العرني كما سبق "صدوق"، ورواه الحاكم (١/ ٣٠٦) من هذا الوجه وقال: صحيح على شرط الشيخين. وهذا وهم منه فإن يحيى بن الجزار روي له مسلم وحده وقد سبق قول الدارقطني بأن حديث عائشة أشبه بالصّواب من حديث أمِّ سلمة. قلت: ولكن لا يمنع هذا من صحة الحديثين، وإن كان حديث عائشة أصح لأن أبا معاوية وهو: محمد بن خازم ثقة، حافظ، وأحفظ الناس لحديث الأعمش فلا يُضعف لمخالفة غيره. ثم قال الترمذي: "وقد رُوي عن النبي ﷺ الوتر بثلاث عشرة، وإحدى عشرة، وتسع، وسبع، وخمس، وثلاث، وواحدة". ثم قال: قال إسحاق بن إبراهيم: "معني ما رُوي أن النبي ﷺ كان يُوتر بثلاث عشرة قال: معناه أنه كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة مع الوتر، فنُسبت صلاة الليل إلى الوتر. واحتج بما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "أوتروا يا أهل القرآن" قال: إنما عني به قيام اللَّيل، يقول: إنما قِيام اللَّيل على أصحاب القرآن". انتهى قلت: وليس قوله هذا يُحمل على الإطلاق فقد ثبت أنَّ النبي ﷺ صلى الوتر من واحدة إلى سبع بتسليم واحد، وقال محمد بن نصر في "كتاب الوتر": الأمر عندنا أنَّ الوتر بواحدة وبثلاث وخمس وسبع وتسع، كل ذلك جائز حسن على ما روينا من الأخبار عن النبي ﷺ وأصحابه من بعده. وقال سفيان: إن شئت أوترت بخمس، وإن شئت أوترت بثلاث، وإن شئت أوترت بركعة، وقال محمد بن سيرين: "كانوا يوترون بخمس، وبثلاث، وبركعة، ويرون كل ذلك حسنًا". انتهى • عن عبد الله بن أبي قيس قال: قلتُ لعائشة: بكم كان رسول الله ﷺ يوتر؟ قالت: كان يُوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يُوتر بأنقص من سبع، ولا بأكثر من ثلاث عشرة. صحيح: رواه أبو داود (١٣٦٢) عن أحمد بن صالح ومحمد بن سلمة المرادي، قالا: حدثنا ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس فذكره. قال أبو داود: "زاد أحمد بن صالح: ولم يكن يُوتر بركعتين قبل الفجر. قلت: ما يُوتر؟ قالت: لم يكن يدع ذلك. ولم يذكر أحمد (هو ابن صالح): و"ست وثلاث". انتهى قلت: إسناده صحيح. ورواه الإمام أحمد (٢٥١٥٩) عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية به، وفيه: وكان لا يدعُ ركعتين. قال البيهقي: "وهذا يحتمل أن يريد به ثلاث لا يفصل بينهن بجلوس ولا تسليم، فيكون في معني رواية هشام بن عروة" "السنن الكبرى" (٣/ ٢٨). وهو يقصد به ما رواه مسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله

стр. 1750

- ﷺ يصلي ثلاث عشرة ركعة، يوتر منها بخمس، ولا يجلس في شيء منها حتى يجلس في آخرهن فيسلم. وسبق ذكره. وقلت: ويحتمل أن تكون أرادت بثلاث مع أربع، وثلاث مع ست، وثلاث مع ثمان ... الثلاث بتسليمتين الاثنتان خفيفتان، ثم ركعة، وما قبلها أربع، أو ست، أو ثمان طويلة لقولها: فلا تسأل عن حسنهن وطولهن. وقد يكون المراد بالثلاث بالجلسة والتسليم في آخرهن، كما جاء في بعض طرق حديث سعد بن هشام بن عامر الطويل المذكور في باب جامع صلاة النبي ﷺ في الليل بأنه ﷺ ما كان يُسلم في ركعتي الوتر. إلا أني تتبعتُ طرق حديث سعد بن هشام بن عامر فلم أجد في حديثه أنه أوتر بثلاث. ١٨ - باب ما جاء من الفصل بين الشفع والوتر • عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ يفصِلُ بين الوتر والشفع بتسليمة ويُسمعنا. حسن: رواه الإمام أحمد (٥٤٦١)، والطبراني في الأوسط (٧٥٧) كلاهما من حديث عتَّاب بن زياد، حدثنا أبو حمزة - يعني السُّكَّري -، عن إبراهيم - يعني الصائغ -، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. وصحّحه ابن حبان (٢٤٣٥) وأخرجه من طريق عتاب بن زياد به. وعتَّاب بن زياد وثقه أبو حاتم وابن سعد، وهو "صدوق" من رجال ابن ماجه كما في التقريب. وأبو حمزة السكري اسمه: محمد بن ميمون وهو ثقة فاضل من رجال الجماعة. وإبراهيم الصائغ هو: إبراهيم بن ميمون الصائغ المروزي وثقه ابن معين والنسائي وهو حسن الحديث روي له أبو داود والنسائي والبخاري معلقًا. قال الحافظ الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٤٣) بعد أن عزاه إلى الطبراني في الأوسط وحده: "وفيه إبراهيم بن سعيد وهو ضعيف". قلت: ليس كما ظنَّ رحمه الله تعالى بل هو: إبراهيم بن ميمون الصائغ، وأما إبراهيم بن سعيد المدني فهو منكر الحديث كما قال صاحب الميزان، والملاحظة الثانية أن الحافظ الهيثمي قصَّر في العزو إلى الطبراني فقط، وفاته العزو إلى الإمام أحمد. وهذا المرفوع يُقوّيه فعل ابن عمر راوي الحديث الذي كان من أشدِّ الناس اتِّباعًا فإنَّه كان يُسلم بين الركعة والركعتين في الوتر حتَّى يأمر ببعض حاجته. رواه مالك في صلاة الليل (٢٠) ومن طريقه البخاري في الوتر (٩٩١) عن نافع، عنه. وروي سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيحٍ عن بَكْر بن عبد الله المزني، قال: صلَّى ابن عمر ركعتين، ثمَّ قال: يا غلام! . ارحل لنا، ثمَّ قام فأوتر بركعة. انظر: "الفتح" (٢/ ٤٨٢) وكذلك رواه أبو بكر

стр. 1751

ابن أبي شيبة (٢/ ٢٩٢) من طريق بكر بن عبد الله المزني به مثله. وأما ما رُوي عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يصلي في الحجرة، وأنا في البيت فيفصل بين الشفع والوتر بتسليم يُسمعناه فهو منقطع. رواه الإمام أحمد (٢٤٥٣٩) من طريق عمر بن عبد العزيز؛ عن عائشة، وعمر بن عبد العزيز لم يدرك عائشة، وكذلك قاله أيضًا الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٤٢). ١٩ - باب تخيير المُوتِر بين الواحدة والثلاث والخمس • عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "الوتر حقٌّ على كلِّ مسلم، فمن أحبَّ أن يُوتِرَ بخمس فليفعل، ومن أحب أن يُوتِرَ بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يُوتِرَ بواحدةٍ فليفعل". صحيح: رواه أبو داود (١٤٢٢) عن عبد الرحمن بن المبارك، حدَّثني قُريش بن حَيَّان العجلي، حدثنا بكر بن وائل، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري فذكره. رواه النسائي (١٧١٠، ١٧١١) من طريق دُوَيد بن نافع والأوزاعي، وابن ماجه (١١٩٠) عن الأوزاعي وحده - كلاهما عن الزهري به مثله. وإسناده صحيح، وقد اختلف على الزهري فرواه عنه بكر بن وائل والأوزاعي ودُوَيد بن نافع مرفوعًا، وتابعهم على رَفعِه سفيان بن حُسَين ويونس وسفيان بن عيينة، وغيرهم. ورواه الحاكم (١/ ٣٠٢) من وجه آخر عن الأوزاعي وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد تابعه محمد بن الوليد الزبيدي وسفيان بن عيينة، وسفيان بن حسين ومعمر بن راشد، ومحمد بن إسحاق وبكر بن وائل على رفعه". قلت: وخالف هؤلاء جماعة فأوقفوه على أبي أيوب، والحُكْمُ لِمَن رفع لأنَّهم أكثر عددًا، وإليه يشير الحاكم بقوله: "لست أشكُّ أنَّ الشيخين تركاهذا الحديث لتوقيف بعض أصحاب الزهري إياه، هذا مما لا يُعَلِّل مثل هذا الحديث". وهذا الحديث مخرَّج في "المية الكبرى" (٢/ ٣٣٧، ٣٣٨)، انظر للمزيد فيه. ٢٠ - باب من لم يستطع أن يُوتر يومِئُ إيماءً برأسه • عن أبي أيُّوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "أوتِر بخمس، فإن لم تستطِع فبثلاث، فإن لم تستطِع فبواحدة، فإن لم تستطِع فأومئ إيماءً". حسن: رواه الإمام أحمد (٢٣٥٤٥) عن يزيد، حدثنا سفيان بن حسين عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري، فذكر الحديث. ومن هذا الطريق رواه أبو داود الطيالسي (٥٩٤)، والشاشي في مسنده (١١١١)، والحاكم (١/

стр. 1752

٣٠٣) وعنه البيهقي (٣/ ٢٤). وقد تُكلم في رواية سفيان بن حسين عن الزهري؛ فأكثر الأئمَّة على أنَّه ضعيف فيه، وثقةٌ في غيره؛ لأنَّ صحيفة الزهري اختلطت عليه، ولكن تابعه على هذه الزيادة عبد الله بن بُديل الخُزاعي، عن الزهري به فرواه مثله. وعبد الله بن بُدَيل فيه كلام يسير غير أنه يُقبلُ إذا توبع. ٢١ - باب النهي عن تشبيه صلاة الوتر بصلاة المغرب • وعن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "لا تُوتروا بثلاث، أوتروا بخمس أو بسبع، ولا تُشبه بصلاة المغرب". صحيح: رواه الدارقطني (٢/ ٢٤) والحاكم في المستدرك (١/ ٣٠٤) كلاهما من طريق عبد الله بن سليمان بن الأشعث، ثنا أحمد بن صالح، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرنا سليمان بن بلال، عن صالح بن كَيْسان، عن عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. ورواه البيهقي (٣/ ٣١) من وجه آخر عن أحمد بن صالح به مثله. قال الدارقطني: "رواته كلهم ثقات" ورواه ابن حبان في صحيحه (٢٤٢٩) من طريق عبد الله بن وهب به مثله. وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". ورواه محمد بن نصر في كتاب الوتر (٤٥)، وعنه الحاكم في المستدرك من وجه آخر عن عِراك بن مالك، عن أبي هريرة ولفظه: "لا توتروا بثلاث تُشبهوا بالمغرب، ولكن أوتروا بخمس، أو بسبع، أو بتسع، أو بإحدى عشرة، أو أكثر من ذلك" وقد روى البعض حديث عِراك بن مالك، عن أبي هريرة موقوفًا. انظر "السنن الكبرى" (٣/ ٣١، ٣٢). قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (٢/ ١٤) بعد أن عزاه إلى الدارقطني وابن حبان والحاكم: "رجاله كلهم ثقات، ولا يضره وقفُ من أَوقفه". وقد جاء المنع في هذا الحديث بالثلاث خوفًا من التشيه بصلاة المغرب، مع أن الوتر بالثلاثِ جائز بدون خلاف؛ لما ثبت في الأحاديث الصحيحة، فحمل العلماء النهي عن الثلاثِ إذا كان بالجلستين وتسليمٍ، وأما إذا كان الثلاث بجلسة واحدة وتسليم، أو بتسليمين. ينتفي التشبيه بصلاة المغرب. والله أعلم. وأما ما رُوي عن ابن مسعود مرفوعًا: "وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب" ففي إسناده يحيى بن زكريا، يقال له ابن أبي الحواجب ضعيف، ولم يرو عن الأعمش مرفوعًا غيره، هكذا قال

стр. 1753

الدارقطني (٢/ ٢٨) بعد أن رواه من طريق يحيى بن زكريا الكوفي، ثنا الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي، عن عبد الله بن مسعود فذكره. ٢٢ - باب ما يقرأ به في الوتر • عن أُبَيِّ بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ يوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. صحيح: رواه أبو داود (١٤٢٣)، وابن ماجه (١١٧١)، وأحمد (٢١١٤١) كلهم من حديث عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبو حفص الأبَّار، قال: حدَّثنا الأعمش، عن طلحة وزُبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبْزي، عن أبيه، عن أبَيِّ بن كعب فذكره، وزاد ابن ماجه بين طلحة وزبيد "ذر" وهو: ابن عبد الله المرهبي ثقة من رجال الجماعة. وهذا إسناد صحيح، وقد صحّحه النووي في الخلاصة (١٨٨٦)، كما صحّحه أيضًا ابن حبَّان (٢٤٣٦)، والحاكم (٢/ ٢٥٧) كلاهما من حديث أبي حفص الأبّار، به، مثله. • عن ابن عبد الرحمن بن أبْزى، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ كان يُوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وكان يقول إذا سلَّم: سبحان الملك القدوس ثلاثًا ويرفع صوتَه بالثالثة. صحيح: رواه النسائي (١٧٣٢) عن عمرو بن يزيد، قال: حدثنا بهز بن أسد، قال: حدثنا شُعبة، عن سلمة وزُبيد، عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبْزى فذكره. وذر هو: ابن عبد الله المُرهي الهمداني، وابن عبد الرحمن بن أبزى اسمه: سعيد وهو ثقة. وأخرجه أيضًا النسائي من عِدَّة طرق عن ذَرٍّ، كما رواه أيضًا عبد الرزاق (٤٦٩٧)، والإمام أحمد (١٥٣٥٤) كلاهما من طريق ذَرٍّ به مثله. وإسناده صحيح، ورجاله ثقات، وعبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولاهم له صحبة، وقال أبو حاتم: أدرك النبي ﷺ وصلى خلفه. قال البغوي: ابن أبزي هو: سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، يروي عن أبيه عبد الرحمن. ويُروى هذا عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبي بن كعب، عن النبي، "شرح السنة (٤/ ٩٨). قلت: يظهر منه أن عبد الرحمن بن أبزى أوَّلًا كان يروي عن أُبَيِّ بن كعب، ثم تيسر له العلم بالحديث مباشرة من فعل رسول الله ﷺ لأنه صحابي كما أكَّد به البخاري والترمذي وأبو حاتم وغيرهم فبدأ يروي بدون ذكر أبي بن كعب، فالحديث من مسنده، ومن مسند أبي بن كعب، ولا حاجة إلى تخطئة أحد الطريقين. • عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث، يقرأ في الأولى: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ

стр. 1754

رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. صحيح: رواه النسائي (١٧٠٢)، والدارمي (١٥٩٦) كلاهما من طريق أَبِي أُسَامة، حدَّثنا زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره، هذا إسناد صحيح. وتابعه يونس عند ابن ماجه (١١٧٢) وإسرائيل عند أحمد (٢٧٢٦) والدارمي (١٦٣٢)، وشريك عند الترمذي (٤٦٢) كلهم عن أبي إسحاق به مثله. إلا أن بعض هؤلاء تأخر سماعُهم من أبي إسحاق مثل يونس بن أبي إسحاق، فإنه سمع من أبيه بعد ما اختلط. قال النووي في الخلاصة (١٨٨٥): "رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح". وأما ما رواه زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق موقوفًا على ابن عباس كما رواه النسائي فالحجة لمن وصله. • عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ أوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. صحيح: رواه النسائي (١٧٤٣) عن بشر بن خالد، قال حدثنا شَبابهُ، عن شعبة، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين فذكره. قال أبو عبد الرحمن النسائي: لا أعلم أحدًا تابع شَبابة على هذا الحديث، خالفه يحيى بن سعيد. انتهى. قلت: شَبابَه ثقة حافظ، فلا يضر تفرده، وعدم متابعة له، وأما حديث يحيى بن سعيد فهو حديث آخر مع اتحاد الإسناد فمثل هذه المخالفة لا تضر، وسبق ذكر حديث يحيى بن سعيد عن شعبة، عن قتادة، عن زُرارة، عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ صلَّى الظهر، فجاء رجل فقرأ خلفه: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فلما فرغ قال: "أيكم قرأ؟ " فقال رجل: أنا. قال: "قد عرفتُ أن بعضكم خالجنيها" وهو مخرج في صحيح مسلم (٣٩٨). • عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين التي يُوتر بعدهما: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ويقرأ في الوتر بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. حسن: رواه الدارقطني (٢/ ٣٤، ٣٥)، والحاكم (١/ ٣٠٥) وعنه البيهقي (٣/ ٣٧) عن الحسين بن إسماعيل، ثنا أبو حاتم الرازي، ثنا سعيد بن عفير، ثنا يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة فذكرته. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". وإسناده حسن، لأن يحيى بن أيوب الغافقي مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وثقه البخاري وأبو داود وغيرهما، وتكلم فيه النسائي وابن سعد، واستشهد به البخاري، واحتج به مسلم.

стр. 1755

وصحّحه ابن حبان (٢٤٣٢) ورواه من وجه آخر عن سعيد بن عفير به مثله. والظاهر من قولها: "التي يوتر بعدهما" أنه يصلي ركعة منفصلة عن الثنتين. ولكن رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي من وجه آخر عن سعيد بن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب به وفيه: "وكان يقرأ في الثالثة ... " فذكر بقية الحديث. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وسعيد بن عفير إمام أهل مصر بلا مدافعة، وقد أتى بالحديث مفسرًا مُصَلَّحًا دالًا على أنَّ الركعة التي هي الوتر في الثانية، غير الركعتين اللتين قبلها". قلت: لا يحتاج إلى تخطئة أحدٍ، فإنه ﷺ لعله صلَّى مرَّةً منفَصِلًا، وأخرى متَّصِلًا كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وهذا الإسناد هو أصح ما رُوي به حديث عائشة، وأشار إليه الترمذي بعد ما روي من طريق خُصَيف هو (٤٦٣)، وأبو داود (١٤٢٤)، وابن ماجه (١١٧٣)، وأحمد (٢٥٩٠٦)، والحاكم (٢/ ٥٢٠، ٥٢١) كلّهم من طريق خُصيف، عن عبد العزيز بن جُريج، قال: سألت عائشة أم المؤمنين بأيِّ شيءٍ كان يوتر رسول الله ﷺ ؟ فقالت: فذكر مثل حديث أُبَيِّ بن كعب، وزاد في الثالثة بعد قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين. قال الترمذي: "حسن غريب". وقال الحاكم: إسناده صحيح. قلت: بل إسناده ضعيف لضعف عبد العزيز بن جريج المكي والد عبد الملك قال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال العجلي: لم يسمع من عائشة، وأخطأ خُصَيف فصرَّح بسماعه منها. وقال الدارقطني: مجهول. قال الحافظ في "نتائج الأفكار" (ص ٥١٢) لعل تحسينه بالطريق المتقدمة؛ لأن الحافظ حَسَّن طريق يحيى بن أيوب الغافقي. كما أنَّ النووي أقرَّ بتحسين الترمذي في "الخُلاصة" (١٨٨٣). والإسنادان يقوي بعضهما بعضًا، فلا نكارة في قراءة المعوذتين في الوتر. وقد سئل الإمام أحمد عن قراءة المعوذتين في الوتر فقال: "ولم لا يقرأ" ولكن الذي نختار أن يقرأ في الوتر بـ ﴿سَبِّحِ﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وكذلك سئل مالك عن القراءة في الوتر فقال: "ما زال الناس يقرؤون بالمعوذات في الوتر، وأنا أقرأ بها في الوتر". وفي الباب ما روي عن أبي موسى أنه صلى باصحابه، وهو مرتحل من مكة إلى المدينة، فصلي العشاء ركعتين، وسلم. ثم قام فقرأ مائة آية من سورة النساء في ركعة، فأنكر ذلك عليه، فقال: "ما ألوت أن أضع قدمي حيث وضع رسول الله ﷺ قدمه، وأن أصنع مثل ما صنع رسول الله ﷺ .
следующие страницы →