Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
ابن أبي شيبة (٢/ ٢٩٢) من طريق بكر بن عبد الله المزني به مثله.
وأما ما رُوي عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يصلي في الحجرة، وأنا في البيت فيفصل بين الشفع والوتر بتسليم يُسمعناه فهو منقطع. رواه الإمام أحمد (٢٤٥٣٩) من طريق عمر بن عبد العزيز؛ عن عائشة، وعمر بن عبد العزيز لم يدرك عائشة، وكذلك قاله أيضًا الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٤٢).
١٩ - باب تخيير المُوتِر بين الواحدة والثلاث والخمس
• عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "الوتر حقٌّ على كلِّ مسلم، فمن أحبَّ أن يُوتِرَ بخمس فليفعل، ومن أحب أن يُوتِرَ بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يُوتِرَ بواحدةٍ فليفعل".
صحيح: رواه أبو داود (١٤٢٢) عن عبد الرحمن بن المبارك، حدَّثني قُريش بن حَيَّان العجلي، حدثنا بكر بن وائل، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري فذكره.
رواه النسائي (١٧١٠، ١٧١١) من طريق دُوَيد بن نافع والأوزاعي، وابن ماجه (١١٩٠) عن الأوزاعي وحده - كلاهما عن الزهري به مثله.
وإسناده صحيح، وقد اختلف على الزهري فرواه عنه بكر بن وائل والأوزاعي ودُوَيد بن نافع مرفوعًا، وتابعهم على رَفعِه سفيان بن حُسَين ويونس وسفيان بن عيينة، وغيرهم.
ورواه الحاكم (١/ ٣٠٢) من وجه آخر عن الأوزاعي وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد تابعه محمد بن الوليد الزبيدي وسفيان بن عيينة، وسفيان بن حسين ومعمر بن راشد، ومحمد بن إسحاق وبكر بن وائل على رفعه".
قلت: وخالف هؤلاء جماعة فأوقفوه على أبي أيوب، والحُكْمُ لِمَن رفع لأنَّهم أكثر عددًا، وإليه يشير الحاكم بقوله: "لست أشكُّ أنَّ الشيخين تركاهذا الحديث لتوقيف بعض أصحاب الزهري إياه، هذا مما لا يُعَلِّل مثل هذا الحديث".
وهذا الحديث مخرَّج في "المية الكبرى" (٢/ ٣٣٧، ٣٣٨)، انظر للمزيد فيه.
٢٠ - باب من لم يستطع أن يُوتر يومِئُ إيماءً برأسه
• عن أبي أيُّوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "أوتِر بخمس، فإن لم تستطِع فبثلاث، فإن لم تستطِع فبواحدة، فإن لم تستطِع فأومئ إيماءً".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٣٥٤٥) عن يزيد، حدثنا سفيان بن حسين عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري، فذكر الحديث.
ومن هذا الطريق رواه أبو داود الطيالسي (٥٩٤)، والشاشي في مسنده (١١١١)، والحاكم (١/
стр. 1752
٣٠٣) وعنه البيهقي (٣/ ٢٤).
وقد تُكلم في رواية سفيان بن حسين عن الزهري؛ فأكثر الأئمَّة على أنَّه ضعيف فيه، وثقةٌ في غيره؛ لأنَّ صحيفة الزهري اختلطت عليه، ولكن تابعه على هذه الزيادة عبد الله بن بُديل الخُزاعي، عن الزهري به فرواه مثله.
وعبد الله بن بُدَيل فيه كلام يسير غير أنه يُقبلُ إذا توبع.
٢١ - باب النهي عن تشبيه صلاة الوتر بصلاة المغرب
• وعن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "لا تُوتروا بثلاث، أوتروا بخمس أو بسبع، ولا تُشبه بصلاة المغرب".
صحيح: رواه الدارقطني (٢/ ٢٤) والحاكم في المستدرك (١/ ٣٠٤) كلاهما من طريق عبد الله بن سليمان بن الأشعث، ثنا أحمد بن صالح، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرنا سليمان بن بلال، عن صالح بن كَيْسان، عن عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره.
ورواه البيهقي (٣/ ٣١) من وجه آخر عن أحمد بن صالح به مثله.
قال الدارقطني: "رواته كلهم ثقات" ورواه ابن حبان في صحيحه (٢٤٢٩) من طريق عبد الله بن وهب به مثله.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
ورواه محمد بن نصر في كتاب الوتر (٤٥)، وعنه الحاكم في المستدرك من وجه آخر عن عِراك بن مالك، عن أبي هريرة ولفظه: "لا توتروا بثلاث تُشبهوا بالمغرب، ولكن أوتروا بخمس، أو بسبع، أو بتسع، أو بإحدى عشرة، أو أكثر من ذلك" وقد روى البعض حديث عِراك بن مالك، عن أبي هريرة موقوفًا. انظر "السنن الكبرى" (٣/ ٣١، ٣٢).
قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (٢/ ١٤) بعد أن عزاه إلى الدارقطني وابن حبان والحاكم: "رجاله كلهم ثقات، ولا يضره وقفُ من أَوقفه".
وقد جاء المنع في هذا الحديث بالثلاث خوفًا من التشيه بصلاة المغرب، مع أن الوتر بالثلاثِ جائز بدون خلاف؛ لما ثبت في الأحاديث الصحيحة، فحمل العلماء النهي عن الثلاثِ إذا كان بالجلستين وتسليمٍ، وأما إذا كان الثلاث بجلسة واحدة وتسليم، أو بتسليمين. ينتفي التشبيه بصلاة المغرب. والله أعلم.
وأما ما رُوي عن ابن مسعود مرفوعًا: "وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب" ففي إسناده يحيى بن زكريا، يقال له ابن أبي الحواجب ضعيف، ولم يرو عن الأعمش مرفوعًا غيره، هكذا قال
стр. 1753
الدارقطني (٢/ ٢٨) بعد أن رواه من طريق يحيى بن زكريا الكوفي، ثنا الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي، عن عبد الله بن مسعود فذكره.
٢٢ - باب ما يقرأ به في الوتر
• عن أُبَيِّ بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ يوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
صحيح: رواه أبو داود (١٤٢٣)، وابن ماجه (١١٧١)، وأحمد (٢١١٤١) كلهم من حديث عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبو حفص الأبَّار، قال: حدَّثنا الأعمش، عن طلحة وزُبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبْزي، عن أبيه، عن أبَيِّ بن كعب فذكره، وزاد ابن ماجه بين طلحة وزبيد "ذر" وهو: ابن عبد الله المرهبي ثقة من رجال الجماعة.
وهذا إسناد صحيح، وقد صحّحه النووي في الخلاصة (١٨٨٦)، كما صحّحه أيضًا ابن حبَّان (٢٤٣٦)، والحاكم (٢/ ٢٥٧) كلاهما من حديث أبي حفص الأبّار، به، مثله.
• عن ابن عبد الرحمن بن أبْزى، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ كان يُوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وكان يقول إذا سلَّم: سبحان الملك القدوس ثلاثًا ويرفع صوتَه بالثالثة.
صحيح: رواه النسائي (١٧٣٢) عن عمرو بن يزيد، قال: حدثنا بهز بن أسد، قال: حدثنا شُعبة، عن سلمة وزُبيد، عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبْزى فذكره.
وذر هو: ابن عبد الله المُرهي الهمداني، وابن عبد الرحمن بن أبزى اسمه: سعيد وهو ثقة.
وأخرجه أيضًا النسائي من عِدَّة طرق عن ذَرٍّ، كما رواه أيضًا عبد الرزاق (٤٦٩٧)، والإمام أحمد (١٥٣٥٤) كلاهما من طريق ذَرٍّ به مثله.
وإسناده صحيح، ورجاله ثقات، وعبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولاهم له صحبة، وقال أبو حاتم: أدرك النبي ﷺ وصلى خلفه.
قال البغوي: ابن أبزي هو: سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، يروي عن أبيه عبد الرحمن. ويُروى هذا عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبي بن كعب، عن النبي، "شرح السنة (٤/ ٩٨).
قلت: يظهر منه أن عبد الرحمن بن أبزى أوَّلًا كان يروي عن أُبَيِّ بن كعب، ثم تيسر له العلم بالحديث مباشرة من فعل رسول الله ﷺ لأنه صحابي كما أكَّد به البخاري والترمذي وأبو حاتم وغيرهم فبدأ يروي بدون ذكر أبي بن كعب، فالحديث من مسنده، ومن مسند أبي بن كعب، ولا حاجة إلى تخطئة أحد الطريقين.
• عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث، يقرأ في الأولى: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ
стр. 1754
رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
صحيح: رواه النسائي (١٧٠٢)، والدارمي (١٥٩٦) كلاهما من طريق أَبِي أُسَامة، حدَّثنا زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره، هذا إسناد صحيح.
وتابعه يونس عند ابن ماجه (١١٧٢) وإسرائيل عند أحمد (٢٧٢٦) والدارمي (١٦٣٢)، وشريك عند الترمذي (٤٦٢) كلهم عن أبي إسحاق به مثله. إلا أن بعض هؤلاء تأخر سماعُهم من أبي إسحاق مثل يونس بن أبي إسحاق، فإنه سمع من أبيه بعد ما اختلط.
قال النووي في الخلاصة (١٨٨٥): "رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح".
وأما ما رواه زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق موقوفًا على ابن عباس كما رواه النسائي فالحجة لمن وصله.
• عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ أوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
صحيح: رواه النسائي (١٧٤٣) عن بشر بن خالد، قال حدثنا شَبابهُ، عن شعبة، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين فذكره.
قال أبو عبد الرحمن النسائي: لا أعلم أحدًا تابع شَبابة على هذا الحديث، خالفه يحيى بن سعيد. انتهى.
قلت: شَبابَه ثقة حافظ، فلا يضر تفرده، وعدم متابعة له، وأما حديث يحيى بن سعيد فهو حديث آخر مع اتحاد الإسناد فمثل هذه المخالفة لا تضر، وسبق ذكر حديث يحيى بن سعيد عن شعبة، عن قتادة، عن زُرارة، عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ صلَّى الظهر، فجاء رجل فقرأ خلفه: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فلما فرغ قال: "أيكم قرأ؟ " فقال رجل: أنا. قال: "قد عرفتُ أن بعضكم خالجنيها" وهو مخرج في صحيح مسلم (٣٩٨).
• عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين التي يُوتر بعدهما: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ويقرأ في الوتر بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.
حسن: رواه الدارقطني (٢/ ٣٤، ٣٥)، والحاكم (١/ ٣٠٥) وعنه البيهقي (٣/ ٣٧) عن الحسين بن إسماعيل، ثنا أبو حاتم الرازي، ثنا سعيد بن عفير، ثنا يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة فذكرته.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
وإسناده حسن، لأن يحيى بن أيوب الغافقي مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وثقه البخاري وأبو داود وغيرهما، وتكلم فيه النسائي وابن سعد، واستشهد به البخاري، واحتج به مسلم.
стр. 1755
وصحّحه ابن حبان (٢٤٣٢) ورواه من وجه آخر عن سعيد بن عفير به مثله.
والظاهر من قولها: "التي يوتر بعدهما" أنه يصلي ركعة منفصلة عن الثنتين. ولكن رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي من وجه آخر عن سعيد بن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب به وفيه: "وكان يقرأ في الثالثة ... " فذكر بقية الحديث.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وسعيد بن عفير إمام أهل مصر بلا مدافعة، وقد أتى بالحديث مفسرًا مُصَلَّحًا دالًا على أنَّ الركعة التي هي الوتر في الثانية، غير الركعتين اللتين قبلها".
قلت: لا يحتاج إلى تخطئة أحدٍ، فإنه ﷺ لعله صلَّى مرَّةً منفَصِلًا، وأخرى متَّصِلًا كما ثبت في الأحاديث الصحيحة.
وهذا الإسناد هو أصح ما رُوي به حديث عائشة، وأشار إليه الترمذي بعد ما روي من طريق خُصَيف هو (٤٦٣)، وأبو داود (١٤٢٤)، وابن ماجه (١١٧٣)، وأحمد (٢٥٩٠٦)، والحاكم (٢/ ٥٢٠، ٥٢١) كلّهم من طريق خُصيف، عن عبد العزيز بن جُريج، قال: سألت عائشة أم المؤمنين بأيِّ شيءٍ كان يوتر رسول الله ﷺ ؟ فقالت: فذكر مثل حديث أُبَيِّ بن كعب، وزاد في الثالثة بعد قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين.
قال الترمذي: "حسن غريب".
وقال الحاكم: إسناده صحيح.
قلت: بل إسناده ضعيف لضعف عبد العزيز بن جريج المكي والد عبد الملك قال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال العجلي: لم يسمع من عائشة، وأخطأ خُصَيف فصرَّح بسماعه منها. وقال الدارقطني: مجهول.
قال الحافظ في "نتائج الأفكار" (ص ٥١٢) لعل تحسينه بالطريق المتقدمة؛ لأن الحافظ حَسَّن طريق يحيى بن أيوب الغافقي. كما أنَّ النووي أقرَّ بتحسين الترمذي في "الخُلاصة" (١٨٨٣).
والإسنادان يقوي بعضهما بعضًا، فلا نكارة في قراءة المعوذتين في الوتر.
وقد سئل الإمام أحمد عن قراءة المعوذتين في الوتر فقال: "ولم لا يقرأ" ولكن الذي نختار أن يقرأ في الوتر بـ ﴿سَبِّحِ﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
وكذلك سئل مالك عن القراءة في الوتر فقال: "ما زال الناس يقرؤون بالمعوذات في الوتر، وأنا أقرأ بها في الوتر".
وفي الباب ما روي عن أبي موسى أنه صلى باصحابه، وهو مرتحل من مكة إلى المدينة، فصلي العشاء ركعتين، وسلم. ثم قام فقرأ مائة آية من سورة النساء في ركعة، فأنكر ذلك عليه، فقال: "ما ألوت أن أضع قدمي حيث وضع رسول الله ﷺ قدمه، وأن أصنع مثل ما صنع رسول الله ﷺ .
стр. 1756
رواه النسائي (١٧٢٨)، وأبو داود الطيالسيّ (٥١٤)، وأحمد (١٩٧٦٠)، والبيهقي (٣/ ٢٥) كلّهم من طريق عاصم بن سليمان الأحول، عن أبي مجلز قال: صلى أبو موسى بأصحابه، فذكره. وفيه انقطاع بين أبي مجلز وهو لاحق بن حميد فإنه لم يدرك أبا موسى المتوفي سنة (٥٠ هـ) لأن علي بن المديني قال: "لم يلحق سمرة (المتوفى سنة ٥٨ هـ) ولا عمران (المتوفي سنة ٥٢ هـ") انتهى قوله.
وقال يحيى بن معين: "لم يسمع من حذيفة".
٢٣ - باب ما يُدعى به في قنوت الوتر
• عن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ كان يقول في آخر الوتر: "اللهم إني أعوذ برضاك من سَخَطِك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصِي ثناءً عليك أنت كما أَثْنَيتَ على نفسك".
صحيح: رواه أبو داود (١٤٢٧)، والترمذي (٣٥٦١)، والنسائي (١٧٤٨)، وابن ماجه (١١٧٩) كلهم من طريق حماد بن سلمة، قال: حدثني هشام بن عمرو الفزاري، عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، عن علي بن أبي طالب فذكره.
وأخرجه أيضًا الحاكم (١/ ٣٠٦) من هذا الوجه وقال: "صحيح الإسناد".
قلت: وهو كما قال فإسناده صحيح. ورجاله ثقات. هشام بن عمرو الفزازي ثقة، وثَّقه أحمد وابن معين وأبو حاتم وغيرهم، وما قاله الحافظ في التقريب عنه: "مقبول" فيبدو أنه سبق قلم منه.
قال أبو داود: هشام أقدم شيخ لحماد، وبلغني عن يحيى بن معين أنه قال: لم يرو عنه غير حماد بن سلمة.
• عن الحسن بن علي قال: علَّمني رسول الله ﷺ كَلِمَاتٍ أقولُهنَّ في الوتر: "اللَّهُمَّ اهدني فيمن هديتَ، وعافِني فيمن عافيتَ، وتولَّني فيمن تولَّيتَ، وبارك لي فيما أعطيتَ، وقِنِي شرَّ ما قضيتَ، إنَّك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنَّه لا يَذِلُّ من واليتَ، ولا يَعِزُّ من عاديتَ، تباركتَ ربَّنا وتعاليتَ".
صحيح: رواه أبو داود (١٤٣٥)، والترمذي (٤٦٤)، والنسائي (١٧٤٥)، وابن ماجه (١١٧٨) كلهم من طريق أبي إسحاق، عن بُريد بن أبي مريم السلولي، عن أبي الحوراء، عن الحسن بن علي فذكره.
ورواه الإمام أحمد (١٧١٨) عن وكيع، عن يونس بن أبي إسحاق عن بُريد بن أبي مريم السلولي به، "علَّمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر" ثم ذكر الكلمات مثله.
وكذا رواه الطبراني (٢٧١٢) وابن نصر في كتاب الوتر (٦٢) من طريق وكيع به. وصحّحه ابن خزيمة (١٠٩٥) ورواه من هذا الطريق.
стр. 1757
ولكن رواه شعبة عن بُريد بن أبي مريم به ولم يذكر القنوت ولا الوتر، رواه ابن خزيمة (١٠٩٦)، وابن حبان (٧٢٢، ٩٤٥) كلاهما من طريق شعبة، عن بُريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء قال: سَأَلتُ الحسن بن علي علام تذكر من رسول الله ﷺ فقال: كان يُعلمنا هذا الدعاء ... فذكر مثلَ حديث وكيع.
قال ابن خزيمة: "وشعبة أحفظ من عدد مثل يونس بن أبي إسحاق، وأبو إسحاق لا يُعلَمُ أَسَمِع هذا الخبرَ من بُرَيد، أو دلَّسه عنه. اللَّهمَّ إلَّا أن يكون كما يدَّعِي بعضُ علمائِنا أنَّ كلَّ ما رواه يونس، عمَّن روى عنه أبوه أبو إسحاق هو ما سمعه يونس مع أبيه ممَّن روى عنه. ولو ثبت الخبر عن النَّبي ﷺ أنَّه أمر بالقنوت في الوتر، أو قنت في الوتر لم يَجُز عندي مخالفة خبر النَّبيِّ ﷺ .
ولستُ أعلمه ثابتًا. وقد روى الزهري، عن سعيد بن المسيِّب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ ﷺ لم يكن يقنتُ إلَّا أن يدعو لقوم على قوم.
فإذا أراد أن يدعو على قوم، أو لقوم قنت حين يرفع رأسه من الركعة الثانية من صلاة الفجر" انتهى.
وأيَّد الحافظ في التلخيص (١/ ٢٤٧) ما قاله ابن خزيمة وابن حبَّان أنَّ قول أبي إسحاق وابنه في ذكر القنوتِ والوتر، تفرُّدٌ بأنَّ الدولابي رواه في "الذرية الطاهرة" له، والطبراني في الكبير من طريق الحسن بن عبيد الله، عن بُريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء به وفيه: وكلمات علمنيهن فذكرهن. قال بُريد: فدخلت على محمد بن علي في الشعب فحدثتُه فقال: صدق أبو الحوراء هنَّ كلمات علَّمناهنَّ، نقولهنَّ في القنوت. وقد رواه البيهقي من طرقٍ قال في بعضها قال بُريد بن أبي مريم: فذكرت ذلك لابن الحنفية فقال: إنَّه للدُّعاء الذي كان أبي يدعو به في صلاة الفجر" انتهى ملخَّصًا.
وقد ثبت عن عدد من الصحابة أنَّهم ما كانوا يقنتون في الوتر إلا في النصف الآخر من رمضان منهم علي وأُبيُّ بنُ كعبٍ وابن عمر وغيرهم، بل روي أبو الشعثاء قال: سألت ابن عمر عن القنوت فقال: ما رأيتُ أحدًا يفعله، وعن أبي المهزم: صحبت أبا هريرة عشر سنين. فما رأيتهُ يقنت في وتره.
قال الزعفراني عن الشافعي: أحبُّ إليَّ أن يقنتوا في الوتر في النصف الآخر، ولا يقنتْ في سائر السنة، ولا في رمضان، إلا في النصف الآخر. وروى غيره عن الشافعي أن النبي ﷺ كان يقنت به في الصُّبْحِ.
وقال أبو داود: قلت لأحمد: القنوت في الوتر السَّنِة كلِّها؟ قال: إن شاء.
قلت: فما تختار؟ قال: أما أنا فلا أقنت إلَّا في النصف الباقي، إلَّا أن أُصلِّي خلف إمام يقنت فأقنت معه. انظر كتاب الوتر، لمحمد بن نصر (ص ١٢٣، ١٢٤).
وأما ما رواه النسائي (١٧٤٦) من زيادة في آخر الدعاء: "وصلَّى الله على النَّبيِّ محمد" مِن طريق ابن وهبٍ، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن علي، عن الحسن بن علي قال: علَّمني رسول الله ﷺ هؤلاء الكلمات ... ثم ذكر الدعاء، وزاد في آخره:
стр. 1758
الصلاة على النبي ﷺ ففيه انقطاع، فإنَّ عبد الله بن علي وهو: ابن الحسين بن علي لم يلق الحسن بن علي بن أبي طالب، وأمَّا الصلاة على النبي ﷺ في آخر أدعية القنوت عامة فقد ثبتت ذلك في إمامة أُبَيٍّ بن كعب الذي كان يصلي بالناس في عهد عمر بن الخطاب فكان بعد أن يدعو على الكفرة ويلعنهم: "ثم يُصلي على النبي ﷺ ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير .. ، رواه ابن خزيمة (١١٠٠).
٢٤ - باب القنوت بعد الركوع
• عن محمد بن سيرين، قلت لأنس: هل قنت رسول الله ﷺ في الصبح؟ قال: نعم، بعد الركوع يسيرًا.
متفق عليه: رواه البخاري في الوتر (١٠٠١)، ومسلم في المساجد (٦٧٧/ ٢٩٨) كلاهما من حديث أيوب، عن محمد بن سيرين به مثله.
قوله: "يسيرًا" أي أيامًا، كما بين ذلك عاصم في روايته الآتية.
• عن عاصم بن سليمان الأحول قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت، فقال: قد كان القنوتُ. قلت: قبل الركوع أو بعده، قال: قبله .. قال: فإن فلانًا أخبرني عنك قلت: بعد الركوع، فقال: كذَب، إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهرًا، أراه بعث قومًا يقال لهم: القُرَّاء زُهاء سبعين رجلًا إلى قوم من المشركين دون أولئك. وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد: "فقنت رسول الله ﷺ شهرًا يدعو عليهم".
متفق عليه: رواه البخاري في الوتر (١٠٠٢)، ومسلم في المساجد (٦٧٧/ ٣٠١) كلاهما من طريق عاصم به واللفظ للبخاري.
وقوله: كذب بمعنى أخطأ
• عن محمد بن سيرين قال: حدَّثني من صلَّى مع النبيِّ ﷺ صلاة الغداة. فلمَّا رفع رأسه من الركعة الثانية قام هُنَيَّةً.
صحيح: رواه أبو داود (١٤٤٦)، والنسائي (١٠٧٣) كلاهما من طريق بشر بن مفضَّل، حدثنا يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين فذكره.
وإسناده صحيح، وجهالة الصحابي الذي صلَّى مع النبيِّ ﷺ لا تضرُّ.
وقوله: هُنيَّة - أي القدر اليسير من الوقت.
فقه البابِ:
وقد ثبت أن القنوت كان بعد الرفع من الركوع في حديث أبي هريرة كما مضى وكما سيأتي.
وعن العوام بن حمزة قال: سألت أبا عثمان النهدي عن القنوت في الصبح فقال: بعد الركوع.
стр. 1759
قلت: عمَّن؟ قال: عن أبي بكر وعمر وعثمان وعن الحسن، وأنَّ أُبَيَّ بن كعب أمَّ الناسَ في خلافة عمر في رمضان فقنت بعد النصف بعد الركوع، انظر "كتاب الوتر" لمحمد بن نصر (ص ١٣٢).
وبه قال مالك والشافعي وأحمد وغيرهم كما ثبت ذلك في الأخبار الصحيحة.
وفي رواية عند الإمام أحمد: القنوت قبل الركوع وبعده جائز والمختار بعده.
٢٥ - باب من قال: إنّ القنوت في الوتر قبل الرّكوع
فيه حديث أبي بن كعب الذي رواه النسائي (١٦٩٩)، وابن ماجه (١١٨٢) كلاهما من طريق سفيان، عن زبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أُبي بن كعب، فذكر الحديث. وزاد في آخره: "وكان يقنت قبل الرّكوع".
وقد مضى الحديث في باب ما يقرأ في الوتر.
قال النسائي في "الكبرى" (١٤٣٦) "طبعة الرسالة" قد روي هذا الحديث غير واحد عن زبيد، فلم يذكر أحدٌ منهم فيه: "ويقنت قبل الركوع".
وقال أبو داود: روي عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أُبي بن كعب، أنّ رسول الله ﷺ قنت - يعني في الوتر - قبل الركوع.
قال أبو داود: روي عيسى بن يونس هذا الحديث أيضًا عن فطر بن خليفة، عن زُبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب، عن النبيّ ﷺ ، مثله.
وروي عن حفص بن غياث، عن مسعر، عن زيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب: "أنّ رسول الله ﷺ قنت في الوتر قبل الركوع".
قال أبو داود: وحديث سعيد، عن قتادة رواه يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، لم يذكر القنوت، ولا ذكر أبيًّا.
وكذلك رواه عبد الأعلى ومحمد بن بشر العبديّ، وسماعه بالكوفة مع عيسى بن يونس، ولم يذكروا القنوت.
وقد رواه أيضًا هشام الدستوائي وشعبة عن قتادة ولم يذكرا القنوت.
وحديث زبيد رواه سليمان الأعمش وشعبة وعبد الملك بن أبي سليمان وجرير بن حازم كلّهم عن زبيد. لم يذكر أحدٌ منهم القنوت إلّا ما رُوي عن حفص بن غياث عن مسعر عن زيد، فإنه قال في حديثه: "إنه قنت قبل الركوع".
قال أبو داود: وليس هو بالمشهور من حديث حفص، نخاف أن يكون عن حفص عن غير مسعر" انتهى كلام أبي داود من سنته (٢/ ١٣٥).
قلت: ولكن سبق أن ذكرنا أن النسائي وابن ماجه روياه أيضًا من طريق سفيان، عن زبيد
стр. 1760
القنوت قبل الركوع إلا أن النسائي أعلّه بالتفرّد، فلعلّ الخطأ من دون سفيان.
ثم روى البيهقي (٣/ ٤١) من حديث ابن مسعود وابن عباس وضعّفهما.
ثم الصّحيح الثابت من حديث أنس، أنّ النبيّ ﷺ قنت بعد الركوع شهرًا يدعو على حي من أحياء العرب، ثم تركهـ. رواه البخاري (٤٠٨٩)، ومسلم (٦٧٧).
ولكن روى عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، أنه سئل عن القنوت بعد الركوع أو عند فراغٍ من القراءة؟ فقال: "لا، بل عند فراغٍ من القراءة". رواه البخاريّ (٤٠٨٨).
قال الأثرم: قلت لأحمد: يقول أحدٌ في حديث أنس: "أنّ النبي ﷺ قنت قبل الركوع" غير عاصم الأحول؟ فقال: ما علمتُ أحدًا يقوله غيره. خالفهم كلّهم: هشام عن قتادة، والتيمي عن أبي مجلز، وأيوب عن ابن سيرين، وغير واحد عن حنظلة السدوسي كلهم عن أنس: "أن النبيّ ﷺ قنت بعد الركوع".
قيل لأحمد بن حنبل: سائر الأحاديث أليس إنما هي بعد الركوع؟ قال: بلى؛ خفاف بن إيماء، وأبو هريرة. قلت: لأبي عبد الله: فلم ترخِّص إذًا في القنوت قبل الركوع، وإنما صحَّ بعده؟ فقال: القنوت في الفجر بعد الركوع، وفي الوتر يختار بعد الركوع، ومن قنت قبل الرّكوع فلا بأس لفعل الصحابة واختلافهم، فأمّا في الفجر فبعد الركوع" ذكره ابن الجوزي في "التحقيق" (٢/ ٤٥١، ٤٥٢).
وقال الحافظ ابن القيم في "زاد المعاد" (١/ ٢٨٢): "أحاديث أنس كلّها صحاح يصدّق بعضها بعضًا، ولا تتناقض. والقنوت الذي ذكره قبل الركوع غير القنوت الذي ذكره بعده، والذي وقّته غير الذي أطلقه. فالذي ذكره قبل الركوع هو إطالة القيام للقراءة، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ : "أفضل الصلاة طول القنوت" [رواه مسلم (٧٥٦)]، والذي ذكره بعده: هو إطالة القيام للدعاء، فعله شهرًا يدعو على قوم ويدعو لقوم".
فجعل القنوت قبل الركوع بمعنى إطالة القيام بالقراءة، وجعل القنوت بعد الركوع إطالة القيام بالدعاء، ثم استمر يطيل هذا الركن الدعاء والثناء إلى أن فارق الدنيا، وإليه أشار ثابت في قوله: "كان أنس يصنع شيئًا لم أركم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل: قد نسي، وبين السجدتين حتى يقول القائل: قد نسي". رواه الشيخان: البخاري (٨٢١)، ومسلم (٤٧٢).
ثم قال ابن القيم ﵀: "ولما صار القنوت في لسان الفقهاء وأكثر الناس هو هذا الدعاء المعروف "اللهم اهدني فمين هديت ... إلى آخره" وسمعوا أنه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا، وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة، حملوا القنوت في لفظ الصحابة على القنوت في اصطلاحهم. ونشأ من لا يعرف غير ذلك، فلم يشك أنّ رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا مداومين عليه كلّ غداة. وهذا هو الذي نازعهم فيه جمهور العلماء وقالوا: لم يكن هذا من فعله الراتب، بل لا يثبت عنه أنه فعله" انتهى.
стр. 1761
٢٦ - باب في القنوت في النازلة قبل الركوع وبعده
• سئل أنس بن مالك عن القنوت في صلاة الصبح فقال: كنا نقنتُ قبل الركوع وبعده.
صحيح: رواه ابن ماجه (١١٨٣) عن نصر بن علي الجهضميِّ قال: حدثنا سهل بن يوسف، قال: حدثنا حُميد، عن أنس بن مالك فذكره.
قال البوصيري: "إسناده صحيح ورجاله ثقات".
قلت: وهو كما قال: ورواه أيضًا عبد الرزاق (٤٩٦٦) عن أبي جعفر، حُميد به قال: قلت له: كيف كنتُم تقنتون؟ قال: كل ذلك، قبل الركوع وبعده.
وبه قال الإمام أحمد والمختار عنده بعد الركوع كما سبق.
٢٧ - باب ما كان يقوله النبي ﷺ بعد التسليم من صلاة الوتر
• عن أُبّي بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس في آخر صلاته في الوتر يقول: يعني بعد التسليم: "سبحان الملك القدُّوس" ثلاثًا.
صحيح: رواه النسائي (١٦٩٩) من طريق سفيان، عن زُبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أَبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب فذكره في حديث سبق تخريجه في باب ما يقرأ به في الوتر.
٢٨ - باب ما جاء في بدءِ القنوت
• عن أنس قال: بعث النبي ﷺ سبعين رجلًا لحاجةٍ، يقال لهم القُرَّاء، فعرض لهم حيَّان من بني سُليم: رِعْلٌ وذَكْوان عند بئرٍ يُقال لها بئرُ مَعونة، فقال القومُ: والله! ما إيَّاكُم أردنا، إنَّما نحن مجتازون في حاجة للنبي ﷺ فقتلوهم، فدعا النبي ﷺ عليهم شهرًا في صلاة الغَداة، وذلك بَدْؤُ القُنوتِ وما كنا نَقنُتُ.
قال عبد العزيز: وسأل رجل أنسًا عن القنوت: أبعد الركوع، أو عند فَراغٍ من القراءة؟ قال: لا بل عند فَراغٍ من القراءةِ.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٨٨) عن أبي معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز، عن أنس فذكره.
٢٩ - باب ما جاء في استحباب القنوت في الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازِلةٌ والجَهْرُ به
• عن أنس بن مالك قال: دعا النبيُّ ﷺ على الذين قَتَلوا - يعني - أصحابه ببئر مَعونة ثلاثين صباحًا، حين يدعو على رِعْلٍ ولَحيانَ وعُصيَّةَ عَصَتِ الله ورسولَه.
стр. 1762
قال أنس: فأنزل الله تعالى لنبيِّه ﷺ في الذين قُتِلوا أصحابِ ببئرِ مَعونة قرآنًا قرأناه حتَّى نُسخ بعدُ: "بَلِّغُوا قومَنا فقد لَقِينا ربَّنا، فرضي عنَّا، ورضينا عنه".
متفق عليه: رواه مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك فذكره.
ورواه البخاري في المغازي (٤٠٩٥) عن يحيى بن بكير، ومسلم في المساجد (٦٧٧) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك واللفظ للبخاري، وزاد مسلم "وذكوان" بعد "رِعْلٍ".
وفي رواية عند البخاريّ (٤٠٩١) عن موسى بن إسماعيل، ثنا همَّام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس أنَّ النبيَّ ﷺ بعث خالَهُ - أخٌ لأمِّ سُلَيم - في سبعينَ راكبًا، وكان رئيسَ المشركينَ عامرُ بن الطُّفَيل خَيَّرَ بينَ ثلاثِ خِصالٍ فقال: يكون لكَ أهلُ السهلِ ولي أهل المَدَر، أو أكونَ خَليفتَكَ، أو أغزوكَ بأهل غَطَفان بألفٍ وألف. فطُعِنَ عامرٌ في بيتِ أمِّ فلانٍ فقال: غُدَّةٌ كغدَّةِ البَكر، في بيتِ امرأةٍ من آلِ بني فلان. ائتوني بِفَرَسي، فمات على ظَهرِ فرَسِه، فانطلق حرامٌ أخو أمِّ سلَيم، وهو رجلٌ أعرج ورجل من بني فلان قال: كونا قريبًا حتى آتِيَهم، فإن آمَنوني كنتم، وإن قتلوني أتيتم أصحابَكم، فقال: أتُؤَمِّنوني أُبلِّغْ رسالةَ رسولِ الله ﷺ ؟ فجعل يُحدِّثُهم، وأومَئوا إلى رجل فأتاهُ من خلفهِ فطعَنَه، قال همَّامٌ أحسبُه حتى أنفَذَهُ بالرُّمح، قال: الله أكبرُ، فزتُ وربِّ الكعبة، فلُحِق الرجل فقُتلوا كلُّهم غير الأعرج كان في رأسِ جبل، فأنزَل الله علينا ثمَّ كان من المنسوخ "إنا قد لَقينا ربَّنا، فرضي عنّا وأرضانا" فدعا النبي ﷺ عليهم ثلاثينَ صباحًا، على رِعل وذكوان وبني لَحيانَ وعُصيَّة الذين عَصَوا الله ورسوله ﷺ ".
فجمع النبيُّ ﷺ في الدعاء على بني لَحيان وبني عُصَيَّة الذين غادروا بأصحاب عاصم بن ثَابت أمير سرية غزوة الرجيع، وعلى رِعْل وذكوان الذين غادروا بالقراء السبعين وقتلوهم عند بئر مَعونة، وذلك لقربهما في الوقوع، بل زعم الواقدي أن خبر بئر مَعونة وخبر أصحاب الرجيع جاء إلى النبي ﷺ في ليلة واحدة، ولذا جمع أنس بن مالك في الدعاء بين رِعْل وذكوان، وعُصَيَّة وبني لَحيان.
• عن أنس بن مالك أنَّ رِعْلًا وذكوانَ وعُصَيَّةَ وبني لَحيانَ استمدوا رسول الله ﷺ على عدوٍّ فأمدَّهم بسبعين من الأنصار، كنَّا نُسمِّيهم القُراءَ في زمانهم كانوا يحتطبون بالنهار، ويُصلُّون بالليل، حتَّى كانوا ببئر مَعونة، قتلوهم وغدروا بهم، فبلغ النبيَّ ﷺ فقنت شهرًا يدعو في الصبح على أحياء من أحياءِ العرب: على رِعْلٍ وذكوان وعُصَيَّةَ وبني لَحْيانَ.
قال أنس: فقرأنا فيهم قرآنًا، ثم إنَّ ذلك رُفِع: "بَلِّغوا عَنَّا قومنا أنَّا لقينا ربَّنا فرضي عنا وأرضانا".
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٩٠) عن عبد الأعلى بن حماد، حدثنا يزيد بن
стр. 1763
زُريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس فذكره واللفظ له.
ورواه مسلم في المساجد (٦٧٧/ ٣٠٣، ٣٠٤) من وجه آخر عن قتادة، عن أنس مختصرًا.
• عن أَبِي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يقول حين يَفْرُغُ مِن صلاة الفجر من القراءة، ويكبِّر، ويرفع رأسه "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" ثم يقول وهو قائم: "اللهم أنْجِ الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدُدْ وَطْأتك على مُضَرَ، واجعلها عليهم كَسِنِيِّ يوسفَ. اللهم العَنْ لَحْيانَ ورِعْلًا وذَكوانَ وعُصَيَّة عصتِ الله ورسولَه" ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أُنزل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨].
وفي رواية: قنت بعد الركعة في صلاةٍ شهرًا.
وفي رواية قال أبو هريرة: والله! لأُقَرِّبَنَّ بكم صلاة رسول الله ﷺ ، فكان أبو هريرة يقنت في الظهر، والعِشاء الآخرة، وصلاة الصبح، ويدعو للمؤمنين، ويلعَنُ الكفار.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٥٦٠)، ومسلم في المساجد (٦٧٥) كلاهما من طريق ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة فذكر الحديث واللفظ لمسلم، وأمَّا البخاري فاختصره ولم يُسمِّ في رواياته "لَحْيان ورِعل وذكوان وعُصَيَّة" وإنَّما قال: "اللهم الْعَنْ فلانًا وفلانًا" لأحياء من العرب حتَّى أنزل الله فذكر الآية. إلَّا أنَّ مُسلمًا جعل نزول الآية منقطعًا فإنه رواه من طريق يونس بن يزيد عن الزهري به مثله، ثم قال: "ثم بلغنا أنه ترك لما أنْزِل فذكر الآية" فلم يبين الزهري عمَّن بلغه ولكن رواه البخاري من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري موصولًا، ولم يقل فيه: بلغنا. فلا يُعَلُّ رواية الزهري برواية مسلم عن يونس بن يزيد.
وزاد أحمد في روايته عن يزيد بن هارون، عن محمد، عن أبي سلمة ثم قال: "الله أكبر وخرَّ ساجدًا".
وفي رواية عند مسلم قال أبو هريرة: ثم رأيتُ رسول الله ﷺ ترك الدعاء بعد. فقلت: أُرى رسولَ الله ﷺ قد ترك الدعاء لهم، قال: فقيل: وما تراهم قد قدِموا؟
والآية نزلت في غزوة أحد كما ثبت في صحيح مسلم (١٧٩١) عن أنس أن النبي ﷺ كسِرتْ رُباعيتُه يومَ أحد، وشُجَّ في رأسه فجعل يَسْلُتُ الدمَ عنه ويقول: "كيف يُفْلح قوم شجوا نبيَّهم، وكسروا رُباعيتَه، وهو يدعوهم إلى الله" فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨].
وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة والربيع.
ولكن قصة رِعْل وذكوان كانت بعد أحد في غزوة بئر مَعونة قال الحافظ في "الفتح" (٧/ ٣٦٦):
стр. 1764
"وهذا إن كان محفوظًا احتمل أن يكون نزول الآية تراخَى عن قِصَّة أحد، لأنَّ قِصَّة رِعْلٍ وذكوان كانت بعدها. ثمَّ قال: وفيه بُعْدٌ. والصواب أنَّها نزلت في شأن الذين دعا عليهم بسبب قِصَّة أُحُد. ويُؤيِّد ذلك ظاهر قوله في صدر الآية: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي يقتلهم ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أي يخزيهم، ثم قال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فَيُسلِموا ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: إن ماتوا كُفَّارًا". انتهى.
قلت: لنا أن نفرق بين الدُّعاء على الكُفَّار، وبين القنوت. فلعل النبيَّ ﷺ دعا على الكفار يوم أحد بالهلاك في غير القنوت.
وأما القنوت فكان بدؤه كما قال أنس بعد بئر مَعونة فإنه قال: "وذلك بدؤ القنوت، وما كُنَّا نقنتُ" ولعل الآية نزلت مرتين.
وقوله: "كَسِنِي يوسف" أي اجعلها سِنين شِدادًا ذوات قَحط وغلاء. والسَّنَة - كما ذكره أصحاب اللغة: الجدب يقال: أخذتهم السَّنة، إذا أجدبوا وأقحطوا.
• عن خُفَاف بنِ إيماء الغِفاري قال: قال رسول الله ﷺ في صلاة: "اللهم العَنْ بني لَحيان ورِعْلًا وذكوانَ، وعُصَيَّةَ عَصَوا الله ورسوله. غِفار غَفَر الله لها، وأسلم سالمها الله".
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٧٩) من حديث ابن وهب، عن الليث، عن عِمران بن أبي أَنَس، عن حنظلة بن علي، عن خُفاف بن إيماء فذكره.
وفي رواية: ركع رسول الله ﷺ ، ثم رفع رأسه فقال: "غِفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، وعُصَيَّة عصى الله ورسولَه. اللهم العَنْ بني لَحيان. والعَنْ رِعْلًا وذكوان" ثم وقع ساجدًا، قال خُفاف: فَجُعِلتْ لعنةُ الكفرة من أجل ذلك.
• عن ابن عمر أنه سمع رسولَ الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول: "اللهم العَن فلانًا وفلانًا وفلانًا" بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمِده، ربنا ولك الحمد" فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨].
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٦٩) عن يحيى بن عبد الله السلمي، أخبرنا عبد الله (وهو ابن المبارك) أخبرنا معمر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه فذكره.
ثم قال: وعن حنظلة بن أبي سفيان، سمعتُ سالم بن عبد الله يقول: كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوان بن أمية، وسُهيل بن عمرو، والحارث بن هشام. فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
قوله: وعن حنظلة - هو عطف على معمر، والراوي عنه هو عبد الله بن المبارك، إلا أنه مرسل،
стр. 1765
فإن سالم بن عبد الله بن عمر لم يدرك النبي ﷺ ، والثلاثة الذين سماهم قد أسلموا يوم الفتح، ولعل هذا هو السر في نزول قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ انظر: الفتح.
ووصله الترمذي (٣٠٠٤) بذكر "عن أبيه" وذكر فيه "أبا سفيان" بدلًا من "سهيل بن عمرو" ولكن في إسناده عمر بن حمزة الراوي عن سالم، وهو: عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ضعَّفه النسائي وقال: أحمد: أحاديثه مناكير، والخُلاصة كما في التقريب: "ضعيف".
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب يُستغرب من حديث عمر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه.
وقد رواه الزهري عن سالم، عن أبيه، لم يعرفه محمد بن إسماعيل من حديث عمر بن حمزة، وعرفه من حديث الزهري". انتهى.
• عن ابن عمر أنه سمع النبيَّ ﷺ حين رفع رأسه من صلاة الصبح من الركعة الأخيرة قال: "اللهمَّ العَنْ فُلانًا وفُلانًا" يدعو على أُناس من المنافقين. فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨].
صحيح: رواه النسائي (١٠٧٨) عن إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه فذكره.
وإسناده صحيح، والحديث في مصنف عبد الرزاق (٤٠٢٧) وعنه رواه الإمام أحمد (٦٣٤٩)، وابن خزيمة (٦٢٢)، وابن حبان (١٩٨٧).
فقه الباب:
لا خلاف بين أهل العلم بأنَّه إذا نزلت بالمسلمين نازلةٌ يستحب لها القنوت في جميع الصلوات. ويُترك عند عدمها إلَّا الشافعي فإنَّه يرى استمرار القنوت في صلاة الصبح دائمًا، وتأوَّل الجمهور قوله: "ثمَّ تركه، أي: ترك اللَّعن والدعاء على أولئك القبائل المذكورة في الحديث. وتأوَّل الشافعيُّ ومن وافقه بأنَّه تركه في الصلوات الأربع، ولم يتركه في صلاة الصبح لما رُويَ عن أنسٍ في حديثٍ ضعيفٍ: "ما زال رسول الله ﷺ يقنُتُ في صلاة الصبح حتَّى فارق الدنيا" كما سيأتي في باب ترك القنوت.
قال الإمام أحمد: لا يقنت في صلاة الفجر إلَّا عند نازلةٍ تنزِلُ بالمسلمين، فيدعو الإمام لجيوش المسلمين.
وقال سفيان: إن قنت في الصبح فحسنٌ، وأختار ترك القنوت فيها.
٣٠ - القنوت في الصبح والمغرب
• عن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ كان يقنتُ في الصبح والمغرب.
стр. 1766
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٧٨) من حديث شعبة، عن عمرو بن مُرَّةَ، قال: سمعتُ. ابن أبي ليلى، قال: حدثنا البراء بن عازب فذكره.
٣١ - باب ما جاء في ترك القنوت بعد زوال سببه
• عن أنس أن رسول الله ﷺ قنت شهرًا يدعو على أحياء من أحياء العرب، ثم تركهـ.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٨٩)، ومسلم في المساجد (٦٧٧/ ٣٠٤) من حديث هشام، عن قتادة، عن أنس فذكره، واللفظ لمسلمٍ ولفظ البخاري: "قنت رسول الله ﷺ شهرًا بعد الركوع يدعو على أحياء مِن العربِ".
• عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قنت بعد الركعة في صلاته شهرًا إذا قال: "سمع الله لمن حمده" يقول في قنوته: "اللهمَّ أَنج الوليد بن الوليد، اللهمَّ نَجِّ سلمة بن هشام، اللهمَّ نَجِّ عيَّاش بن أبي ربيعة، اللهمَّ نَجِّ المستضعفين من المسلمين، اللهمَّ اشدد وطأتك على مُضَرَ. اللهمَّ اجعلها عليهم سنين كَسِنِي يوسف"، قال أبو هريرة: ثمَّ رأيتُ رسول الله ﷺ ترك الدعاء بَعدُ. فقلتُ: أُرى رسول الله ﷺ قد ترك الدعاء لهم، قال: فقيل: وما تراهم قد قدموا؟ .
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٧٥/ ٢٩٥) من طريق الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره وقد سبق.
قوله: قدموا: أي كان ذلك الدعاء لهم لأجل تخليصهم من أيدي الكَفَرة وقد خلصوا منهم، وجاؤوا للمدينة، فما بقى حاجة بالدعاء لهم بذلك وأما دعاؤه على الكفرة فمنهم من أسلم، ومنهم من مات، فما بقي حاجة كذلك.
قال ابن حبان (٥/ ٣٢٤) بعد أن رواه من طريق الوليد بن مسلم به: "في هذا الخبر بيان واضح أن القنوت إنَّما يُقنَتُ في الصلوات عند حدوث حادثة ... فإذا عُدِم مثل هذه الأحوال لم يُقْنَت حينئذٍ. إذا المصطفى ﷺ كان يقنتُ على المشركين، ويدعو للمسلمين بالنجاة. فلما أصبح يومًا من الأيام ترك القنوت. فذكر ذلك أبو هريرة فقال النبي ﷺ : "أما تراهم قد قدموا".
• عن أبي مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: "يا أبتِ إنَّك قد صليتَ خلْفَ رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب ههنا بالكوفة نحوًا من خمس سنين، أكانوا يَقْنُتُون؟ قال: أي بُنيَّ محدَثٌ".
صحيح: رواه الترمذي (٤٠٢)، وابن ماجه (١٢٤١)، والإمام أحمد (١٥٨٧٩) كلُّهم من طريق يزيد بن هارون، قال: أخبرنا أبو مالك قال: فذكر الحديث. وإسناده صحيح.
قال الترمذي: حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم.
стр. 1767
وأبو مالك اسمه: سعد بن طارق بن أَشْيَم. انتهى.
قلت: طارق بن أَشْيم بوزن أحَمر، صحابي له أحاديث، ذكره البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ٣٥٢) وقال: "له صحبة"، وكذا ذكره ابن سعد في الطبقات (٦/ ٣٧) فلا يجوز أن يشكك في صحبته.
قال مسلم: لم يرو عنه غير ابنه. كذا في التقريب.
وهذا الحديث رواه أيضًا النسائي (١٠٨٠) عن قتيبة بن سعيد عن خلف بن خليفة، عن أبي مالك الأشجعي به مثله.
وصحّحه ابن حبان (١٩٨٩) ورواه عن الحسن بن سفيان، حدثنا قتيبة بن سعيد به مثله.
ورواه الإمام أحمد (٢٧٢٠٩) عن حسين بن محمد، حدثنا خلف به، وفيه: كان أبي قد صلَّى خلف رسول الله ﷺ وهو ابن ست عشرة سنة ... فذكر بقية الحديث مثله.
ومثله رواه أيضًا (٢٧٢١٠) عن يزيد بن هارون، عن أبي مالك.
وخلف بن خليفة، هو ابن صاعد الأشجعي مولاهم، وإن كان قد اختلط بآخره، ولكن تابعه عليه غيره.
وقوله: أي بُنيَّ محدثٌ، يعني استمرار القنوت في صلاة الصبح لغير نازلة، وإلَّا فقد ثبت أنه ﷺ قنت في الصيح وغيرها من الصلوات عند النوازل.
وأما ما رُوي عن أنس بن مالكٍ قال: "ما زال رسول الله ﷺ يقنُت في صلاة الصبح حتى فارق الدنيا" فهو ضعيف.
رواه عبد الرزاق في مصنفه (٤٩٦٤) وعنه الإمام أحمد (١٢٦٥٧)، ومن طريقه الدارقطني (٢/ ٣٩) قال عبد الرزاق: عن أبي جعفر - يعني الرازي -، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك فذكره.
ورواه البيهقي (٢/ ٢٠٠١) عن الحاكم من وجه آخر، عن أبي جعفر الرازي به مثله. قال الحاكم: "إسناده صحيحٌ سنده، ثقةٌ رواته"، تعقبه التركماني فقال: كيف يكون سنده صحيحًا, وراويه عن الربيع أبو جعفر عيسى بن ماهان الرازي متكلم فيه. قال ابن حنبل والنسائي: ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: يهم كثيرًا وقال الفلاس: سيء الحفظ، وقال ابن حبان: يُحدِّث بالمناكير عن المشاهير". انتهى.
قلت: وهو كما قال، وقد قال ابن المديني: كان يُخلِّط، وقال يحيي: كان يخطئ، وأعتقد أن هذا الحديث مما أخطأ فيه أبو جعفر الرازي، فإن الروايات الصحيحة عن أنسٍ أنَّ رسول الله ﷺ قنت شهرًا ثمَّ تركهـ.
٣٢ - باب ما جاء أنّ النبيّ ﷺ ما كان يقنت إلا إذا دعا لقوم أو على قوم
• عن أبي هريرة، أنّ النبيّ ﷺ كان لا يقنت إلا أن يدعو الأحد، أو يدعو على
стр. 1768
أحد، وكان إذا قال: "سمع الله لمن حمده" قال: "ربّنا ولك الحمد، اللهم انج" فذكر الحديث.
صحيح: رواه ابن خزيمة (٦١٩) عن محمد بن يحيى، نا أبو داود، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره.
وأصله في صحيح البخاري (٤٥٦٠) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا إبراهيم بن سعد بإسناده، فذكره كما مضى.
وعزاه ابن الجوزي في "التحقيق" (٢/ ٤٣١) إلى ابن حبان (ولم أجده في النسخ المطبوعة) وقال صاحب "التنقيح": "رواته ثقات". وقال الحافظ ابن حجر في "الدراية" (١/ ١٩٥) معلقًا عليه: "وعند ابن خزيمة مثله، وإسناد كل منهما صحيح".
• عن أنس بن مالك: "أنّ النبيَّ ﷺ كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم، أو على قوم".
صحيح: رواه ابن خزيمة (٦٢٠) عن محمد بن محمد بن مرزوق الباهلي، حدّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، فذكره.
وأخرجه الخطيب في كتاب "القنوت" له: أخبرني عبيد الله بن أبي الفتح، ثنا المعافى بن زكريا، ثنا محمد بن مرزوق، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاريّ، بإسناده، مثله. ذكره ابن الجوزي في "التحقيق" (٢/ ٤٣١) وقال صاحب "التنقيح": "هذا إسناد صحيح، والحديث نصٌّ في أنّ القنوت مختص بالنازل".
٣٣ - باب تأمين المأمومين خلف الإمام إذا دعا في القنوت
• عن ابن عباس قال: قنت رسول الله ﷺ شهرًا متتابِعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح في دبر كلِّ صلاة إذا قال: "سمع الله لمن حمده" من الركعة الآخرة. يدعو على أحياء من بني سُليم، على رِعْلٍ وذكوَانَ وعُصيَّة. ويُؤَمِّنُ مَن خَلفَه.
حسن: رواه أبو داود (١٤٤٣) عن عبد الله بن معاوية الجُمحي، حدَّثنا ثابت بن يزيد، عن هلال بن خَبَّاب، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسنٌ لأجل هِلال بن خبَّاب فإنه مختلف فيه غير أنَّه صدوق يُحسَّن حديثه، وقد تغير بآخره.
وصحّحه ابن خزيمة (٦١٨) ورواه من طريق ثابت بن يزيد أبو زيد الأحول، ورواه الإمام أحمد (٢٧٤٦) عن عبد الصمد وعفان، قالا: حدثنا ثابت به، وزادا بعد قوله: "يؤمِّن مَن خَلفَه" "وأرسل إليهم يدعوهم إلى الإسلام فقتلوهم".
قال عكرمة: "هذا مفتاح القنوت".
стр. 1769
ووهمَ الحاكم (١/ ٢٢٥، ٢٢٦) فقال: على شرط البخاري، والصواب أنه ليس على شرط البخاري؛ لأن هلالًا ليس من رجاله وإنما هو من رجال السنن.
٣٤ - باب رفع اليدين في دعاء القنوت
• عن أنس بن مالك في قصة القرّاء وقتلهم، قال: فقال لي أنس: لقد رأيتُ رسول الله ﷺ كلّما صلّى الغداة رفع يديه يدعو عليهم، يعني على الذين قتلوهم.
حسن: رواه البيهقي (٢/ ٢١١) عن علي بن صقر بن نصر السّكري بغداد في سويقة غالب من كتابه، ثنا عفان بن مسلم، ثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، فذكره.
قال النووي في "شرح المهذب" (٣/ ٥٠٠): "إسناده صحيح أو حسن".
قال البيهقي: إنّ عددًا من الصحابة رفعوا أيديهم في القنوت، وقال: عن أبي رافع قال: صليت خلف عمر بن الخطاب فقنت بعد الركوع، ورفع يديه وجهر بالدّعاء. وقال: وهذا عن عمر صحيح.
وأمّا مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدّعاء، فقال النووي في "شرح المهذب" (٣/ ٥٠٠): "فإن قلنا لا يرفع اليدين لم يشرع المسح بلا خلاف، وإن قلنا: يرفع، فوجهان: أشهرهما أنه يستحبّ، والثاني: لا يمسح. وهذا هو الصحيح، صحّحه البيهقيّ.
قال البيهقي: لستُ أحفظ في مسح الوجه هنا عن أحد من السّلف شيئًا، وإن كان يُروى عن بعضهم في الدّعاء خارج الصلاة، فأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت فيه خبر، ولا أثر، ولا قياس, فالأولى أن لا يفعله، ويقتصر على ما نقله السلف عنهم رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة". "السنن الكبرى" (٢/ ٢١٢).
وأما ما رُوي عن ابن عباس في مسح الرجل وجهه بيديه بعد فراغه من الدعاء فهو ضعيف، رواه ابن ماجه (١١٨١) عن أبي كريب ومحمد بن الصباح قالا: حدَّثنا عائذ بن حبيب، عن صالح بن حسَّان الأنصاري، عن محمد بن كعب القُرظي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعوت الله فادعُ بباطن كفيك، ولا تدعُ بظهورهما، فإذا فرغْتَ فامسحْ بهما وجهَك".
وإسناده ضعيف جدًّا. فإن صالح بن حسّان منكر الحديث كما قال البخاري، وقال النسائي: متروك الحديث.
ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٣٦) من طريقه بصيغة التمريض.
وتابعه عيسى بن ميمون عن محمد بن كعب به ولفظه: "إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم، ثم لا تردُّوها حتَّى تمسحوا بها وجوهَكم".
وفي رواية: "فإنَّ الله جاعل فيها بركة".
وعيسى بن ميمون هذا قال فيه ابن حبان: يروي أحاديث كلها موضوعات. وقال النسائي: ليس بثقة،
стр. 1770
وقال البخاري: صاحب مناكير عن محمد بن كعب. وضعَّفه أيضًا ابن معين والفلاس وغيرهما.
قال أبو داود: سمعت أحمد وسئل عن الرجل يمسح وجهه بيديه إذا فرغ في الوتر فقال: لم أسمع فيه بشيء، وقال: وعيسى بن ميمون الذي روى حديث ابن عباس ليس هو ممن يحتج بحديثه، وكذلك صالح بن حسان.
وكذلك لا يصح ما روي عن عمر بن الخطاب قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه.
رواه الترمذي في جامعه (٣٣٨٦)، وعبد بن حميد (٣٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٣٦) كلهم من طريق حماد بن عيسى الجهني، عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى وقد تفرد به، وهو قليل الحديث، وقد حدث عنه الناس، وحنظلة بن أبي سفيان هو ثقة، وثّقه يحيى بن سعيد القطان".
قلت: حماد بن عيسى بن عبيدة الجهني ضعيف، ضعّفه أبو داود، وأبو حاتم، وابن حبان وغيرهم.
وسئل أبو زرعة عن هذا الحديث فقال: "هو حديث منكر، أخاف ألا يكون له أصل". "العلل" (٢١٠٦).
• * *
стр. 1771
جموع أبواب صلاة المسافر
١ - باب صلاة المسافر
• عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ أنَّها قالت: فُرضت الصلاةُ ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأُقِرَّتْ صلاةُ السفر، وزيد في صلاة الحضر.
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة في السفر (٨) عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة فذكرته.
رواه البخاري في الصلاة (٣٥٠) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في صلاة المسافرين (٦٨٥) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به مثله.
ورواهما أيضًا من حديث سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: الصلاة أوّلُ ما فُرضتْ ركعتين. فأُقِرَّتْ صلاة السفر، وأُتِمَّت صلاة الحضر.
قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تُتِم؟ قال: تأولتْ ما تأوَّل عثمان. البخاري (١٠٩٠).
ورواه ابن خزيمة (٩٤٤)، وابن حبان (٢٧٣٨) كلاهما من طريق محبوب بن الحسن، عن داود ابن أبي هند، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عائشة وزادا فيه: "وتركت صلاة الفجر لطول القراءة، وصلاة المغرب لأنها وتر النهار".
وإسناده حسن لأجل محبوب بن الحسن وهو: محمد بن الحسن بن هلال ابن أبي زينب، أبو جعفر أو أبو الحسن، لقبه: محبوب، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. أخرج له البخاري مقرونًا.
ومعنى قول عروة: تأوَّلَتْ ما تأول عثمان: قال الجمهور: معنى تأويلهما أنَّهما رأيا القَصْرَ جائزًا لا واجبًا، وقيل غير ذلك. قاله النووي في "الخلاصة" (٢/ ٧٢٥).
وأما ما رُويَ عن عثمانَ مرفوعًا: "من تأهَّل في بلد فليصلِّ صلاة المقيم" فهو حديث ضعيف.
رواه الإمام أحمد (٤٤٣) عن أبي سعيد، يعني مولى بني هاشم، حدثنا عكرمة بن إبراهيم الباهلي، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن أبيه، أن عثمان بن عفان صلَّى بِمِنىَ أربع ركعاتٍ، فأنكره الناس عليه، فقال: يا أيُّها الناس! إنِّي تأهَّلت بمكة منذ قَدِمتُ، وإنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: فذكر الحديث.
فيه عكرمة بن إبراهيم الباهلي نقل الحافظ في "التعجيل" عن الحسيني أنه قال: "ليس بالمشهور".
وقال أبو زرعة: "لا أعرف حاله" ولكن تعقبه الحافظ بأنه: "مشهور وحاله معروفه" ظنًّا منه أنه عكرمة بن إبراهيم الأزدي، ثم نقل كلام أهل العلم في تضعيف الأزدي، وقال: ينظر فيمن نسبه باهِلِيًّا.
стр. 1772
قلت: وفي كلا الحالين سواء كان باهِلِيًّا أو أزديًّا فالإسناد ضعيف.
وفي الإسناد أيضًا عبد الرحمن بن أبي ذُباب لم يوثقه غير ابن حبان فهو في مرتبة "مقبول" عند الحافظ.
ومن تأويلات عثمان ما بيَّنه هو نفسه: إنما يقصر الصلاة من حمل الزاد والمزاد، وحل وارتحل. ذكره الطحاوي في "شرحه" (١/ ٤٢٦) وذكره فيه تأويلات أخرى أيضًا. انظر للمزيد "أحكام السفر والإقامة" (٤٩) لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وخلاصته ما قاله النووي بأنَّ عثمان كان يرى القصر جائزًا لا واجبًا.
• عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاةَ على لسان نبيكم في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٦٨٧) من طرق عن مجاهد وغيره عن ابن عباس، وعن موسى بن سلمة الهُذَلي قال: سألت ابن عباس: كيف أُصَلِّي إذا كنتُ بمكة، إذا لم أُصَلِّ مع الإمام. فقال: ركعتين. سنة أبي القاسم ﷺ .
• عن عمر قال: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، والفطر والأضحى ركعتان، تمام غير قَصْرٍ على لسان محمد ﷺ .
حسن: رواه ابن ماجة (١٠٦٤) من طريق يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، عن عمر فذكره.
وإسناده حسن لأجل يزيد بن زياد بن أبي الجعد الأشجعي فإنه "صدوق".
ومن هذا الوجه رواه ابن خزيمة في صحيحه (١٤٢٥)، والبيهقي (٣/ ١٩٩).
وخالفه سفيان الثوري فرواه عن زبيد ولم يذكر كعب بن عُجْرة بين ابن أبي ليلى وعمر. ومن هذا الوجه رواه النسائي (١٥٦٦)، والإمام أحمد (٢٥٧)، وابن حبان (٢٧٨٣)، وسفيان أحفظ من يزيد بن زياد بن أبي الجعد، ولذا رجَّح أبو حاتم رواية الثوري. انظر: "العلل" (١/ ١٣٨).
قلت: تابعه على ذلك شعبة عند النسائي (١٤٤٠) وشريك بن عبد الله عند ابن ماجة (١٩٦٣) فروياه عن زبيد ولم يذكرا "كعب بن عُجْرة" بين عبد الرحمن بن أبي ليلى وعمر بن الخطاب.
واختلف أهل العلم في سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من عمر بن الخطاب فقال النسائي وغيره: "إنه لم يسمع منه". وأثبته مسلم في مقدمة صحيحه قائلًا: "وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى، وحفظ عن عمر بن الخطاب ... وصحب عليًّا، وروى عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ حديثًا".
فمرة روايته عن كعب بن عُجرة، عن عمر بن الخطاب، وأخرى عنه مباشرة فيُحكم على الأوَّل بأنّه: المزيد في متصل الأسانيد، أو كان أولًا سمع من كعب بن عجرة، ثم تيسر له السماع من عمر بن الخطاب فروى زبيد على وجهين وتلاميذه كل منهم روى على وجه واحد. والله أعلم بالصواب.
стр. 1773
• عن أُمَيَّة بن عبد الله بن خالد بن أَسِيد أنَّه قال لعبد الله بن عمر: إنَّا نَجِد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن. ولا نجد صلاة السفر في القرآن. فقال له عبد الله بن عمر: يا ابن أخي! إنَّ الله بعث إلينا محمدًا ﷺ ، ولا نعلم شيئًا، وإنَّما نفعل كما رأينا محمدًا ﷺ يفعل.
حسن: رواه ابن ماجة (١٠٦٦)، والنسائي (١٤٣٤) وصحّحه ابن خزيمة (٩٤٦)، وابن حبان (١٤٥١)، والحاكم (١/ ٢٥٨) كلهم من طريق الليث بن سعد، قال: حدثني ابن شهاب، عن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أمية بن عبد الله بن خالد فذكره.
وقال الحاكم: هذا حديث رواته مدنيون ثقات.
ورجاله ثقات غير عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن فإنَّه لم يوثّقه إلَّا ابن عبد الرحيم البرقي كما في التهذيب، مع إخراج ابن خزيمة وابن حبان والحاكم له، ولذا قال الحافظ في التقريب: "صدوق" وأظنه كذلك، وقد روى عنه جمع إلَّا أنَّ البخاري قال فيه: "لا يصح حديثه" قلت: وهذا لا يمنع من تحسينه. والله تعالى أعلم.
وقرَّر البيهقي (٣/ ١٣٦) هذا الإسناد، وانتقد جماعةً رووا عن ابن شهاب فلم يقيموا إسناده.
قلت: ومن هؤلاء الإمام مالك، فإنه رواه عن ابن شهاب، عن رجل من آل خالد بن أسيد، أنه سأل عبد الله بن عمر فذكره. قصر الصلاة (٧).
قال ابن عبد البر: هكذا يَروِي مالكٌ هذا الحديثَ عن ابن شهاب، وسائر أصحاب ابن شهاب يروونه عن ابن شهاب، عن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، عن ابن عمر. انتهى.
فأسقط مالك رجلًا كما أنه لم يسم الرجل من آل خالد بن أسيد.
٢ - باب جواز تقصير الصلاة في السفر ولو كان الطريق آمنًا
• عن يعلى بن أُمَيَّةَ قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فقد أمِن الناس. فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه. فسألتُ رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٦٨٦) من طرق عن عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن بابَيْهِ، عن يعلى بن أمية فذكره.
ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، يحدث عن
стр. 1774
عبد الله بن باباه به ومن هذا الطريق رواه الترمذي (٣٠٣٤)، وأبو داود (١١٩٩).
وأما النسائي (٣/ ١١٦)، وابن ماجة (١٠٦٥) فروياه من طريق عبد الله بن إدريس مثل مسلم.
قال الشافعي: "فدلَّ رسول الله ﷺ على أن القصر في السفر بلا خوف صدقة من الله، والصدقة رخصة لا حتم من الله أن يقصروا".
وقالت عائشة: كل ذلك فعل رسول الله ﷺ أتمَّ في سفره، وقصر.
• عن عدي بن ثابت قال: سمعتُ البراء يُحدِّث عن رسول الله ﷺ أنَّه كان في سفر فصلَّى العشاء الآخِرة. فقرأ في إحدى الركعتين: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾.
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٧٦٧)، ومسلم في الصلاة (٤٦٤) كلاهما من حديث شعبة، عن عدي بن ثابت فذكره.
وقال البراء في رواية: "فَمَا سَمِعتُ أحدًا أحسنَ صوتًا منه".
• عن ابن عبَّاس أنَّ رسول الله ﷺ خرج من المدينة إلى مكة، لا يخاف إلا الله رب العالمين، فصلَّى ركعتين.
صحيح: رواه الترمذي (٥٤٧)، والنسائي (١٤٣٥) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا هُشيم، عن منصور بن زاذان، عن ابن سيرين، عن ابن عباس فذكره.
قال الترمذي: "حسن صحيح".
ورواه الإمام أحمد (١٨٥٢) عن هُشيم به وزاد في آخر الحديث: "حتى رجع".
وهُشيم هو: ابن بَشِير السلمي من رجال الجماعة إلَّا أنَّه كان يدلِّس، وقد ثبت التَّصريح بالتحديث في رواية الطبراني (١٢٨٦٣) فانتفت عنه تهمة التدليس ثمَّ له متابعة فقد رواه النسائي أيضًا من وجه آخر عن محمد بن سيرين به مثله.
تنبيه: لقد وقع انقلابٌ في المتن في سنن النسائي في الموضع الأوّل فقال: "خرج من مكة إلى المدينة" والعكس هو الصّحيح.
• عن عبد الله بن مسعود يقول: صلَّيت مع رسول الله ﷺ في السفر ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمرَ ركعتين.
صحيح: رواه النسائي (١٤٣٩) عن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: أخبرني أبي، أخبرنا أبو حمزة - وهو السُّكَّري - عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله فذكره.
وإسناده صحيح. ويبدو أنَّه اختصار لما رواه الشيخان عنه كما سيأتي في قَصْر الصلاةِ في مِنًى.
٣ - باب استحباب قصر الصلاة في السفر
• عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله يُحِبُّ أن تُؤتَى رُخَصُه، كما
стр. 1775
يكره أن تُؤْتَى معصيتُه".
حسن: رواه الإمام أحمد (٥٨٧٣)، والبزار "كشف الأستار" (٩٨٨) كلاهما من حديث عبد العزيز بن محمد (وهو الدراوردي) عن عُمارة بن عَزِيَّة، عن حرب بن قيس، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
وإسناده حسن لأجل حرب بن قيس فإنَّه لم يوثِّقه غير ابن حبان، وروى عنه جمع، وقال عنه راويه عمارة بن غزيَّة: كان حرب رِضًا. وهو من رجال التعجيل.
وصحّحه ابن حبان (٢٧٤٢) فرواه من طريق قتيبة بن سعيد، حدثنا الدراوردي به مثله، ورواه الإمام أحمد (٥٨٦٦) عن قتيبة بن سعيد إلَّا أنَّه لم يذكر "حرب بن قيس" بين عُمارة ونافع، فالذي يظهر أنَّه سقط خطأً. لأنَّ ابنَ حبَّان رواه عن قتيبة وأثبته وقد تابع يحيى بن أيوب - وهو الغافقي - الدراوردي في ذكر حرب بن قيس بين عمارة ونافع، ومن طريقه رواه ابن خزيمة (٩٥٠) إلَّا أنَّه تحرَّف فيه "يحيى بن أيُّوب" إلى "يحيى بن زياد".
• عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله يحب أن يؤتى رُخَصُهُ كما يُحِبُّ أن يؤتى عزائمه".
حسن: رواه الطبراني في "الكبير" (١١/ ٣٢٣)، والبزار "كشف الأستار" (٩٩٠) كلاهما من طريق حسين بن محمد الذارع، ثنا حصين بن نمير، ثنا هشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن لأجل حسين بن محمد الذارع، وثَّقه النسائي، وقال أبو حاتم: "صدوق"، وذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج الحديث في صحيحه (٣٥٤) من هذا الطريق.
قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٦٢): "رجال البزار ثقات وكذلك رجال الطبراني".
قلت: وللحديث أسانيد أخرى غير أن ما ذكرته أصحها.
ورُوي هذا الحديث عن الصحابة الآخرين أيضًا ولكن لم يصح منها إلَّا ما ذكرته.
• عن حفصٍ، عن أنس بن مالك أنَّه قال: انطلق بنا إلى الشام إلى عبد الملك، ونحن أربعون رجلًا من الأنصار ليفْرِضَ لنا. فلما رجع وكنا بفجِّ الناقة صلى بنا الظهر ركعتين، ثم سلَّم، ودخل فُسْطَاطَه، وقام القوم يُضيفون إلى ركعتيه ركعتين أخْريين. قال: فقال: قبَّح الله الوجوه، فوالله! ما أصابتِ السنةَ، ولا قَبِلتِ الرخصةَ، فأشهد لسمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن أَقوامًا يتعمقون في الدين، يمرُقُون كما يمرُقُ السهمُ من الرمية".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٢٦١٥) عن حسين بن محمد، حدثنا خلف، عن حفص، عن أنس فذكره.
стр. 1776
وإسناده حسن لأجل خلف وهو: ابن خليفة بن صاعد وثقه ابن سعد والعجلي، وقال ابن معين والنسائي: لا بأس به، وقال أبو حاتم: "صدوق".
قلت: ومثله بحسن حديثه، وهو من رجال مسلم.
وحفص هو: ابن أخي أنس بن مالك، واسم أبيه عمر، وسماه البخاري "عبد الله" وترجم له في التاريخ الكبير (٢/ ٣٦٠) فقال: حفص بن عبد الله بن أبي طلحة، ابن أخي أنس الأنصاري، سمع منه خلف بن خليفة. وروى النضر بن محمد، عن عكرمة بن عمار قال: حدثني حفص بن عمر بن أبي طلحة: صبحت أنس بن مالك إلى الشام، فرأى قومًا يتطوعون في السفر، فتردد البخاري في اسم أبيه، ولكن ترجمته باسم حفص بن عبد الله يشير إلى ترجيح أن اسم أبيه "عبد الله"، ورجَّح الحافظ في التهذيب أن اسمه: "عمر" والله أعلم بالصواب، وهو صدوق، وثَّقه الدارقطني، وقال أبو حاتم: "صالح الحديث". وذكره ابن حبان في الثقات.
والمرفوع منه أخرجه البزار وغيره، وسيذكر في الموضع المناسب.
تنبيه: تحرف في "المجمع" (٢٩٤١): خلف عن حفص إلى "خلف بن حفص" فقال الحافظ الهيثمي: "رواه أحمد، وخلف بن حفص لم أجد من ترجمه" فلعله كان هكذا في نسخة أحمد عنده.
٤ - باب من أين يبدأ المسافر القصر
• عن أنس يقول: صلَّيتُ مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعًا، وصلَّيتُ معه العصر بذي الحُليفة ركعتين.
متفق عليه: رواه البخاري في تقصير الصلاة (١٠٨٩)، ومسلم في صلاة المسافرين (٦٩٠) كلاهما من حديث سفيان، حدثنا محمد بن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة سمعا أنس بن مالك يقول: فذكره. وله أسانيد أخرى في الصّحيحين.
• عن جُبَير بن نفير قال: خرجت مع شُرحبيل بن السِّمْط إلى قرية على رأس سبعة عشر، أو ثمانية عشر ميلًا. فصلى ركعتين فقلت له. فقال: رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين، فقلت له. فقال: إنَّما أفعل كما رأيتُ رسول الله ﷺ يفعل. صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٦٩٢) من طرق عن عبد الرحمن بن مهدي، ثنا شعبة، عن يزيد بن خُمير، عن حبيب بن عبيد، عن جبير بن نفير فذكره.
ورواه أيضًا من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة بهذا الإسناد وقال: عن ابن السِّمْط. ولم يُسمِّ شُرحبيلَ، وقال: إنه أتى أرضًا يقال لها: دُومين من حِمص، على رأس ثمانية عشر ميلًا.
• عن يحيى بن يزيد الهُنَّائي قال: سألت أنس بن مالك: عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميالٍ، أو ثلاثة فراسخ - شعبةُ الشَّاكُ -
стр. 1777
صلَّى ركعتين.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٦٩١) عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره، عن غُندَر (وهو محمد بن جعفر) عن شعبة، عن يحيى بن يزيد الهُنَائي فذكره، وهو في "المصنف" (٢/ ٣٣٢ تحقيق اللحام).
ورواه الإمام أحمد (١٢٣١٣) عن محمد بن جعفر به وقال في أول الحديث: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة، قال: كنتُ أخرج إلى الكوفة، فأصلي ركعتين حتى أرجع. وقال أنس: كان رسول الله ﷺ فذكره.
ورواه أبو داود (١٢٠١) نحو لفظ مسلم، ورواه البيهقي (٣/ ١٤٦) عن أبي داود والحاكم من طريق محمد بن جعفر به وفيه يقول يحيى بن يزيد الهُنَائي: وكنت أخرج إلى الكوفة فأصلي ركعتين حتى أرجع. فقال أنس: فذكره. فظهر منه أن الذي يخرج هو يحيى بن يزيد الهُنَائي.
قوله: "إذا خرج مسيرة ثلاثة أميالٍ، أو مسيرة ثلاثة فراسخَ".
معناه: بداية القصر للمسافرِ، لا غاية السفرِ، وإلى هذا أشار القرطبي ﵀ في المفهم (٢/ ٣٣٢).
ونقل الحافظ في "الفتح" (٢/ ٥٦٧) عن النووي: أن أهل الظاهر ذهبوا إلى أن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال. وكأنهم احتجوا في ذلك بما رواه مسلم وأبو داود من حديث أنس ... وقال الحافظ: "وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحُهُ. وقد حمله من خالفه على أنَّ المراد به المسافة التي يبتدأ منها القصر، لا غاية السفر، ولا يخفى بعد هذا الحمل، مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة - يعني من البصرة - فأصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع فقال أنس: فذكر الحديث، فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يبدأ القصر منه" انتهى.
ولكن الظاهر أن المسافة المقدرة في حديث أنس هي بداية القصر.
وأما تحديد مسافة السفر فالصحيح ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية، ورجحه تلميذه الحافظ ابن القيم قائلًا: بأن النبي ﷺ لم يحدَّ لأمته مسافةً محدودةً للقصر والفطر. بل أطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمم في كل سفر، وأما ما يُروى عنه من التحديد باليوم، أو اليومين، أو الثلاثة، فلم يصح عنه منها شيء البتة" انتهى. انظر: "زاد المعاد" (١/ ٤٨١).
وأما كلام الفقهاء في تحديد مسافة القصر فانظره في "المنة الكبرى" (٢/ ١٣١).
٥ - باب كم يقيم مقصِّرًا
• عن أنس يقول: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يُصلي ركعتين
стр. 1778
ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة. قلت: كم أقام بمكة؟ قال: عشرًا.
متفق عليه: رواه البخاري في تقصير الصلاة (١٠٨١)، ومسلم في صلاة المسافرين (٦٩٣) كلاهما من حديث يحيى بن أبي إسحاق، قال سمعتُ أنسًا يقول: فذكره.
وفي رواية عند مسلم يقول: خرجنا من المدينة إلى الحج، ثم ذكر مثله.
فأنس يشير إلى قيام النبي ﷺ في حجة الوداع، لأنه دخل مكة صبح رابعة من ذي الحجة، وهو يوم الأحد، وبات بالمحصب ليلة الأربعاء. وفي تلك الليلة أعمرت عائشة من التنعيم، ثم طاف ﵇ طواف الوداع سحرًا قبل صلاة الصبح من يوم الأربعاء، وخرج صبيحته، وهو الرابع عشر. قاله المندري. انظر "نصب الراية" (٢/ ١٨٤) وحديث ابن عباس الآتي يختص بفتح مكة.
• عن ابن عباس قال: أقام النبي ﷺ تسعة عشر يَقْصُر، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا.
صحيح: رواه البخاري في تقصير الصلاة (١٠٨٠) من طريق أبي عوانة عن عاصم وحُصَين، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
ورواه أبو داود وغيره وفيه "سبع عشرة".
قال البيهقي (٣/ ١٥١): "اختلفت هذه الروايات في "تسع عشرة" و"سبع عشرة" وأصحهما عندي رواية من روى "تسع عشرة" وهي الرواية التي أودعها محمد بن إسماعيل البخاري في الجامع الصحيح. فأخذ من رواها، ولم يختلف عليه على عبد الله بن المبارك، وهو أحفظ من رواه عن عاصم الأحول" انتهى.
وهو يشير إلى ما رواه البخاري في المغازي (٤٢٩٨) عن عبدان، عن عبد الله (ابن المبارك) أخبرنا عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس أقام النبي ﷺ بمكة تسعة عشر يومًا يصلِّي ركعتين. انتهى.
قلت: وتابعه أبو عوانة كما تراه وأبو شهاب، البخاري (٤٢٩٩) كلاهما عن عاصم مثل رواية عبد الله بن المبارك.
انظر: لمزيد من التفصيل: "المنة الكبرى" (٢/ ١٣٨).
وقول ابن عباس: "وإن زدنا أتممنا" هو مذهبه، وإلا فقد ثبت عن غير واحِدٍ من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين أنَّهم كانوا يقصرون الصلاة بدون تحديد المدة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وتُقصر الصلاة في كل ما يسمى سفرًا، سواء قلَّ أو كثر. ولا يتقدر بمدَّة. وهو مذهب الظاهرية، ونصره صاحب المغني فيه، وسواء كان مباحًا أو محرَّمًا. ونصره ابن عقيل في موضع، وقال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد والشافعي: وسواء نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أولا، وروي هذا عن جماعة من الصحابة". "الاختبارات الفقهية لشيخ الإسلام" (ص ٦٩).
قلت: أقام أنس بن مالك بالشام شهرين يصلِّي ركعتين.
стр. 1779
وأقام ابن عمر باذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة.
ووفد سعد بن أبي وقاص إلى معاوية فأقام عنده شهرًا يقصر الصلاة، أو شهر رمضان فيفطر.
وعن الحسن قال: كُنَّا مع عبد الرحمن بن سمرة ببعض بلاد فارس سنتين فكان لا يجمع، ولا يزيد على ركعتين.
وعن الحسن أيضًا أنه أقام مع أنس بن مالك بنيسابور سنتين فكان يصلي ركعتين ركعتين. انظر تخاريج هذه الآثار في "نصب الراية" (٢/ ١٨٥).
• عن جابر بن عبد الله قال: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصُر الصلاة. صحيح: رواه أبو داود (١٢٣٥) عن الإمام أحمد، وهو في مسنده (١٤١٣٩) عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر فذكره.
والحديث في "مصنف" عبد الرزاق (٤٣٣٥) ومن طريقه أخرجه بن حبان في صحيحه (٢٧٥٢)، والبيهقي (٣/ ١٥٢).
ورجال إسناده ثقات، إلا أن أبا داود أعلَّه قائلًا: "غير معمر يُرسله لا يسنده".
وقال البيهقي: "تفرَّد معمر بروايته مسندًا، ورواه علي بن المبارك وغيره عن يحيى عن ابن ثوبان، عن النبيّ ﷺ مرسلًا".
قلت: حديث علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: أقام النبي ﷺ بتبوك عشرين ليلة يُصلي صلاة المسافر ركعتين، رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٤) من طريقه.
قلت: والحديث روي من وجهين: أحدهما مسندًا. رواه معمر كما سبق.
والثاني: مرسلًا. رواه علي بن المبارك وغيره.
والحكم في هذه الحال لمن زاد حسب القواعد الحديثية. وقد نصّ البخاري وغيره أنّ زيادة الثقة مقبولة.
فليس كلّ تفرد يُعلّ به الحديث، فإن ذكر التفرد قد يكون من الإخبار دون الإعلال. مثل بيان الاختلاف على الراوي كما يفعله كثيرًا النسائي في كتابه "الكبرى"، و"المجتبى"، والدارقطني في "العلل" لأنّ أغلب السنن رويت من أوجه كثيرة، ودور المحدّث الفقيه هو اختيار ما صح منها كما فعل الإمام البخاري انتقى صحيحه من ستمائة ألف حديث وجلس فيه أكثر من خمس عشرة سنة، فليس كلُّ ما اختاره في "صحيحه" يعلّ بالأسانيد التي تركها.
وذكره النوويُّ فقال: "الحديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم، ولا يقدح فيه تفرُّد معمر، فإنَّه ثقة حافظ، فزيادته مقبولة". انظر: "الخلاصة" (٢٥٦٧، ٢٥٦٨).
قلت: وأقرَّه الزيلعيّ بعد أن نقل قوله هذا. انظر: "نصب الراية" (٢/ ١٨٦).
стр. 1780
وأما ما رُوي عن عمران بن حُصين قال: غزوتُ مع رسول الله ﷺ ، وشهدتُ معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، ويقول: "يا أهل البلد! صلوا أربعًا، فإنا قوم سَفْرٌ" فهو ضعيف.
رواه أبو داود (١٢٢٩)، والترمذي (٥٤٥) كلاهما من طريق علي بن زيد بن جُدْعان، عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين فذكره واللفظ لأبي داود. ولفظ الترمذي: سئل عمران بن حُصين عن صلاة المسافر. فقال: حججتُ مع رسول الله ﷺ فصلَّى ركعتين، وحججت مع أبي بكر فصلَّى ركعتين، ومع عمر فصلَّى ركعتين، ومع عثمان ست سنين من خلافته، أو ثماني سنين فصلَّى ركعتين. قال الترمذي: "حسن صحيح".
قلت: بل هو ضعيف، لأنَّ فيه علي بن زيد بن جُدْعان تكلَّم فيه أحمد وأبو زرعة، وأبو حاتم والنسائي والجوزجاني وغيرهم.
قال المنذري في مختصر أبي داود: "في إسناده علي بن زيد بن جُدْعان، وقد تكلم فيه جماعة من الأئمَّة. وقال بعضهم: هو حديث لا تقوم به حجة لكثرة اضطرابه".
قلت: ورواه الإمام أحمد (١٩٨٦٥) من الطريق نفسه وزاد فيه: "إلا المغرب"، كما أنَّ سياقه أطول من هذا، فإنَّه جمع فيه بين الغزوة والحج والعمرة.
٦ - باب الصلاة بمكة للمسافر
• عن موسى بن سلمةَ الهُذَليِّ قال: سألت ابن عبَّاسٍ: كيف أصلِّي إذا كنت بمكة إذا لم أصلِّ مع الإمام؟ فقال: ركعتين سنة أبي القاسم ﷺ .
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٦٨٨) من طرق عن محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة قال: سمعتُ قتادة يحدِّث عن موسى بن سلمة الهُذَلي فذكره.
٧ - باب قَصْر الصلاة في منًى
• عن عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلَّى بنا عثمان بمنىً أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع ثم قال: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه - وسلم بمنًى ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمنًى ركعتين، وصليت مع عمر بمنًى ركعتين، فليت حَظِّي من أربع ركعات ركعتان متقبَّلتان.
متفق عليه: رواه البخاري في تقصير الصلاة (١٠٨٤)، ومسلم في صلاة المسافرين (٦٩٥) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا عبد الواحد، عن الأعمش، قال: حدَّثنا إبراهيم، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد فذكره.
انظر تأويلات عثمان في إتمام الصلاة في مِنًى في أول جموع صلاة المسافر.
стр. 1781
• وعن ابن عمر قال: صلى رسول الله ﷺ بمنًى ركعتين. وأبو بكر بعده. وعمر بعد أبي بكر، وعثمان صدرًا من خلافته، ثم إنَّ عثمان صلى بعدُ أربعًا. فكان ابن عمر إذا صلَّى مع الإمام صلَّى أربعًا، وإذا صلَّاها وحده صلَّى ركعتين.
متفق عليه: رواه البخاري في تقصير الصلاة (١٠٨٢)، ومسلم في صلاة المسافرين (٦٩٤/ ١٧) كلاهما من حديث عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر فذكر الحديث، واللفظ لمسلم، وفي رواية عند مسلم من طريق حفص بن عاصم، عن ابن عمر، قال: صلَّى النبي ﷺ بمنًى صلاة المسافر، وأبو بكر وعمر، وعثمان ثماني سنين، أو قال: ست سنين.
قال حفص: "وكان ابن عمر يُصلِّي بمنًى ركعتين، ثم يأتي فراشه. فقلت: أي عَمِّ! لو صلَّيت بعدها ركعتين. قال: لو فعلت لأتممتُ.
قال مسلم: حارثة بن وهب الخزاعي، هو: أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمه.
• عن أبي إسحاق قال: سمعتُ حارثة بن وهب يقول: صلى بنا النبي ﷺ آمَنَ مَا كَان - بِمِنًى ركعتين.
متفق عليه: رواه البخاري في تقصير الصلاة (١٠٨٣) من حديث شعبة، أنبأنا أبو إسحاق، قال سمعت حارثة بن وهب فذكره.
ورواه مسلم في صلاة المسافرين (٦٩٦) من حديث أبي الأحوص، عن أبي إسحاق به ولفظه: "صلَّيتُ مع رسول الله ﷺ بمنى - آمنَ ما كان الناسُ وأكَثَره - ركعتين".
٨ - باب الجمع بين الصلاتين في السَّفر
• عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا عجل به السيرُ يجمعُ بين المغرب والعِشاء.
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٣) عن نافع، عن عبد الله بن عمر فذكره.
رواه مسلم في قصر صلاة المسافرين (٧٠٣) من طريق مالك به مثله.
ورواه الشيخان: البخاري في تقصير الصلاة (١١٠٦)، ومسلم، كلاهما من حديث سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه (هو عبد الله بن عمر) قال: كان النبي ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدَّ به السيرُ.
وعندهما أيضًا البخاري (١٠٩١)، ومسلم من طريقين أُخريَيْن عن الزّهريّ، عن سالم بن عبد الله أنَّ أباه قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا أعجلة السير في السفر يؤخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين صلاة العشاء.
وفي رواية عند مسلم من حديث عبيد الله، عن نافع، أنَّ ابن عمر كان إذا جدَّ به السير جمع بين
стр. 1782
المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفقُ، ويقول: إنّ رسول الله ﷺ كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء.
وفي المسند (٥١٢٠) أنَّ ابن عمر استُصِرخ على صفية وهو بمكة فسار حتى غربت الشمس، وبَدَتِ النجوم، فقال: إنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا عجل به أمر في سفر جمع بين هاتين الصلاتين، فسار حتى غاب الشفق، فنزل فجمع بينهما.
وفي البخاري معلقًا (١٠٩٢): وأخرَّ ابن عمر المغرب، وكان استُصرخَ على امرأته صفية بنت أبي عبيد، فقلت له (القائل هو سالم) الصلاة. فقال ير. فقلت: الصلاة، فقال: سِر، حتى سار ميلين، أو ثلاثة، ثم تزل فصلَّى ثم قال: هكذا رأيت النبي ﷺ يُصلِّي إذا أعجله السير.
ورواه بإسناد متَّصل في كتاب الجهاد (٣٠٠٠) عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: كنتُ مع عبد الله بن عمر بطريق مكَّة، فبلغه عن صفيَّة بنت أبي عبيد شدَّةُ وَجَع، فأسرع السَير، حتَّى إذا كان بعد غُرُوبِ الشفق نزل فصلَّى المغربَ والعتمةَ يجمعُ بينهما وقال: إنِّي رأيتُ النبيَّ ﷺ إذا جدَّ به السيرُ، أخرَّ المغربَ وجمعَ بينهما.
قال الحافظ ابن حجر: "فأفادت هذه الرواية تعيينَ السفر المذكور، ووقت انتهاء السير، والتصريح بالجمع بين الصلاتين" "الفتح" (٢/ ٥٧٣).
واستُصْرِخ: بالضم، أي اسُتِغيث بصوت مرتفع، وهو الصراخ بالخاء المعجمة.
وصفية هي: بنت أبي عبيد، وهي زوجة عبد الله بن عمر ولدت له واقدًا، وأبا بكر، وأبا عبيدة، وعبيد الله، وعمر، وحفصة، وسودة، وقد عاشت طويلة وأسنَّتْ، فكانت تطوف على الراحلة.
وأما ما رُوي عن ابن عمر قال: ما جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء فط في السفر إلا مرَّة. فهو منكر،
رواه أبو داود (١٢٠٩) عن قتيبة، حدّثنا عبد الله بن نافع، عن أبي مودود، عن سليمان بن أبي يحيى، عن ابن عمر فذكره.
في إسناده عبد الله بن نافع أبو محمد المخزومي، مولاهم المدني الصائغ ليِّن الحفظ تكلم عليه المنذري في المختصر بالتفصيل، وهو مخالف لما في الصحيحين وغيرهما، وقد أعلَّه أبو داود بأنَّه موقوف على ابن عمر قائلًا: "وهذا يُروى عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا على ابن عمر، أنَّه لم يُر ابن عمر جمع بينهما قط إلا تلك اللَّيلة - يعني ليلة استصرخ على صفيَّة، ورُوي عن مكحول، عن نافع أنه رأى ابن عمر فعل ذلك مرة أو مرتين" انتهى.
ولكن روايته في الصحيحين وغيرهما تدل على أنَّ من عادة النبيِّ ﷺ أنَّه كان يجمع بين الصلاتين في السفر، وعلى هذا فما رُوي من فعل ابن عمر بأنه لم ير جمع بين الصلاتين إلا ليلة استصرخ على صفية، أو جمع مرَّة أو مرَّتين مخالفٌ لفعل النبي ﷺ ، وكذلك لا يصح ما رواه أبو
стр. 1783
داود (١٢٦٢) من طريق محمد بن فُضيل، عن أبيه، عن نافع وعبد الله بن واقد، أنَّ مؤْذن ابن عمر قال: الصلاة. قال: سِرْ سِرْ حتَّى إذا كان قبل غروب الشفق نزل فصلي المغرب، ثم انتظر حتى غاب الشفق، وصلى العشاء، ثم قال: إنَّ رسول الله ﷺ كان إذا عجل به أمرٌ صنع مثل الذي صنعتُ، فسار في ذلك اليوم والليلة مسيرة ثلاث، فإنَّه شاذ، لأن فُضيل بن غزوان خالف أصحاب نافع، قال البيهقي (٣/ ١٦٠): "اتفقت رواية يحيى بن سعيد الأنصاري وموسى بن عقبة وعبيد الله بن عمر وأيّوب السختياني وعمر بن محمد بن زيد، عن نافع على أنَّ جمع ابن عمر بين الصلاتين كان بعد غيبوبةِ الشفق، وخالفهم من لا يُداليهم في حفظ أحاديث نافع، ثم قال: ورواية الحفاظ من أصحاب نافع أولي بالصّواب" انتهى.
وأعتقد أن الخطأ ليس من فُضيل بن غزوان لأنَّه ثقة ضابط، ولكن من ابنه محمد الذي وصفه بالوهم.
• عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغَ الشمسُ أخَّر الظهر إلى وقت العصر، ثم يجمع بينهما. وإذا زاغ صلى الظهر ثم ركب.
متفق عليه: رواه البخاري في تقصير الصلاة (١١١٢)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٠٤) كلاهما عن قتيبة بن سعيد عن المفضَّل بن فَضالة، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن أنس فذكره.
وفي رواية عند مسلم من وجه آخر عن عقيل بن خالد: إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر، أخَّر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما.
وعنده من وجه آخر عن عُقيل: إذا عجل عليه السفر يؤخر الظهر إلى أوَّل وقت العصر، فيجمع بينهما، ويؤخِّر المغرب حتَّى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيبُ الشفَقُ.
ورواه إسحاق بن راهويه بإسناده عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفر فزالت الشمس، صلَّى الظهر والعصر جميعًا ثم ارتحل. رواه البيهقي (٣/ ١٦٢) من طريق إسحاق بن راهويه قال النووي في "المجموع" (٤/ ٣٧٢): "إسناده صحيح".
وأقره الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٤٩) وأطال الكلام في التخريج.
وفيه جواز جمع التقديم.
وأما ما رواه البزار "كشف الأستار" (٦٨٨) من طريق محمد بن إسحاق، عن حفص قال: كان أن إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر إلى آخر وقتها وصلاها، وصلَّى العصر في أوَّل وقتها، ويصلي المغرب في آخر وقتها، ويصلي العشاء في أوَّل وقتها، ويقول: هكذا كان رسول الله ﷺ يجمع بين الصلاتين في السفر.
قال البزار: "لا نعلم أحدًا تابع حفص بن عبيد الله على هذه الرواية، ورواه الزّهريّ بخلاف ما رواه حفص" انتهى.
وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ١٦٠): "رواه البزار وفيه ابن إسحاق وهو ثقة ولكنَّه مدلس" انتهى.
стр. 1784
• عن معاذ بن جبل قال: إنّهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام تبوك فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، قال: فأخَّر الصلاة يومًا. ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل. ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا.
صحيح: رواه مالك في قصر الصلاة في السفر (٢) عن أبي الزبير المكي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن معاذ بن جبل فذكر في حديث طويل سيأتي في كتاب المعجزات وأبو الزبير مدلس، ولكنه صرَّح بالتحديث عند مسلم (٧٠٦/ ٥٣) فإنه رواه من طريق قُرَّة بن خالد، حدّثنا أبو الزبير، حدّثنا عامر بن واثلة، حدّثنا معاذ بن جبل فذكره.
وفيه: قال: فقلت: ما حمله على ذلك؟ قال: فقال: أراد أن لا يُحرِجَ أمَّتَه.
وقد جاء تفصيل هذا الحديث عند أبي داود (١٢٠٨) فرواه عن يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موْهَب الرملي الهمداني، حدّثنا المفضل بن فضالة والليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل: "أنّ رسول الله ﷺ كان في غزوة تبوك إذا زاغتِ الشمس قبل أن يرتحل جمع الظهر والعصر، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك. إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن يرتحل قبل أن تغيب الشمس أخَّر المغرب حتى ينزل للعشاء، ثم جمع بينهما".
وهذا إسناد حسن، من أجل هشام بن سعد المدني.
وأما ما رواه أبو داود (١٢٠٨)، والترمذي (٥٥٣)، والبيهقي (٣/ ١٦٣)، وابن حبان (١٤٩٨، ١٥٩٣) كلّهم من حديث قتيبة بن سعيد، أخبرنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن معاذ بن جبل، فذكره، مثله. فهو غير محفوظ.
أعله الأئمّة بأنّ قتيبة بن سعيد تفرد بهذا الإسناد وأخطأ فيه.
وقد أشار البخاري إلى أنّ بعض الضعفاء أدخله عليه، حكاه الحاكم في معرفة علوم الحديث (ص ١٨٣).
وقال أبو حاتم الرازي: "والذي عندي أنه دخل عليه حديثٌ في حدي؛ حدّثنا أبو صالح، حدّثنا الليث، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ".
وذكر الدارقطني حديث قتيبة في كتابه "العلل (٦/ ٤٢) وأشار إلى رواية الليث، عن هشام بن سعد ورجّحها حيث قال: "ورواه المفضل بن فضالة، عن الليث، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بهذه القصة بعينها، وهو أشبه بالصواب".
كذا قال: "المفضل بن فضالة عن الليث" والصواب: "والليث" فإن الليث من أقرانه وليس من شيوخه، ولم يذكره المزي في شيوخه.
ويفهم من هذا أنّ إعلال هؤلاء الأئمة للحديث إنما هو متوجه إلى حديث قتيبة فقط؛ ولذا قال
стр. 1785
البيهقي في "السنن" (٣/ ١٦٣): طوإنما أنكروا من هذا رواية يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل، فأما رواية أبي الزبير عن أبي الطفيل فهي محفوظة صحيحة".
قلت: ورواية أبي الزبير جاءت مجملة ومفضلة ولا تعارض بينهما.
وعمل أصحاب رسول الله ﷺ يقوي الرواية المفضلة.
حكى ابن المنذر عن سعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وابن عمر، وابن عباس، وأبي موسى الأشعري.
ومن التابعين طاوس، ومجاهد، وعكرمة.
ومن الأئمة الفقهاء: مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن.
وحكاه البيهقي عن عمر بن الخطاب، وعثمان أيضًا. انظر: المجموع (٤/ ٣٧١).
ومن هؤلاء من كانوا مع النبيّ ﷺ في غزوة تبوك وشاهدوا منه الجمع تقديمًا وتأخيرًا؛ ولأنه لا يتصور أنّهم فعلوا ذلك اجتهادًا بتقديم الصلاة عن وقتها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
ونقل الترمذي عن الشافعي وأحمد وإسحاق أنّهم قالوا: "لا بأس أن يجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما".
• عن ابن عباس أنَّ رسول الله ﷺ جمع بين الصلاة في سَفْرةٍ سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال سعيد: فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحرِج أمَّته.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٠٥/ ٥١) من طريق قرة، عن أبي الزبير، حدّثنا سعيد بن جبير، حدّثنا ابن عباس فذكره.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا ابن خزيمة (٩٦٧) هذا هو الصحيح عنه.
وأما ما رُوي عن ابن عباس قال: ألا أحدِّثكم عن صلاة رسول الله ﷺ في السفر؟ قال: قلنا: بلى. قال: كان إذا زاغت الشمس في منزله، جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، وإذا تم تزغ له في منزله سار حتَّى إذا حانت العصر نزل. فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حاني المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم تحِنْ في منزله ركب، حتى إذا حانت العشاء نزل، فجمع بينهما، فهو ضعيف.
رواه الإمام أحمد (٣٤٨٠) عن عبد الرزاق، وهو في "مصنفه" (٤٤٠٥) قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة وعن كريب أن ابن عباس قال فذكره.
стр. 1786
ورواه أيضًا الدارقطني (١/ ٣٨٨)، والبيهقي (٣/ ١٦٣) وغيرهما من طريق حسين بن عبد الله، وقد اختلف عليه، وجمع الدارقطني في سننه وجوه الاختلاف إلَّا أنَّ علَّته حسين بن عبد الله الهاشمي المدني ضعيف، ضعَّفه ابن معين وأبو حاتم، وقال النسائي: متروك، وقال الجوزجاني: "ولا يُشَتَغَل بحديثه". ومع ذلك قال البيهقي: وهو بما تقدّم من شواهده يقوى".
انظر للمزيد التلخيص "الحبير" (٢/ ٤٨) و"المنة الكبرى" (٢/ ١٥٠).
• وعن أبي سعيد قال: جمع رسولُ الله ﷺ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وأخَّر المغرب وعجَّل العشاء فصلاهما جميعًا.
حسن: رواه الطبراني في الأوسط (٧٩٩٠) عن موسى بن هارون، قال: حدّثنا محمد بن عبد الواهب الحارثي، قال: حدّثنا أبو شهاب الحناط، عن عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد فذكره.
ورواه البزار "كشف الأستار" (٦٨٦) عن إبراهيم بن هانئ، عن محمد بن عبد الواهب مختصرًا بلفظ: "إنَّ النبيَّ ﷺ كان يجمع بين الصلاتين في السفر".
وقال: "لا نعلمه عن أبي سعيد إلا من هذا الوجه، ومحمد ثقة مشهور بالعبادة".
وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ١٥٩): "ورواه الطبراني في الأوسط وقال: تفرَّد به محمد بن عبد الوهاب الحارثي، ورواه البزار مختصرًا وقال: محمد بن عبد الوهاب ثقة مشهور بالعبادة، قلت: وبقية رجاله ثقات" انتهى.
قلت: لم يظهر لي ما هو الصحيح: محمد بن عبد الوهاب، أو محمد بن عبد الواهب؟ ولكن أيًّا كان فقد وثَّقه البزَّار، وبقيَّة الرجال ثقات كما قال الهيثمي، وقد ترجم ابن حبان في الثقات (٩/ ٨٣) فقال: محمد بن عبد الوهاب .. فليراجع ذلك.
• وعن ابن مسعود كان رسول الله ﷺ يجمع بين الصلاتين في السفر.
حسن: رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٨) وعنه أبو يعلى "المقصد العلي" (٣٥٢)، والبزار في مسنده (٥/ ٤١٤)، والطبراني في "الكبير" كلهم من طريق عيسى، نا ابن أبي ليلى، عن أبي قيس الأودي، عن هزيل، عن ابن مسعود.
عيسى هو: ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري ثقة وأبوه عبد الرحمن بن أبي ليلى ثقة أيضًا.
وأبو قيس الأودي هو: عبد الرحمن بن ثَروان مختلف فيه غير أنه أصدوق ربما خالف" كما قال الحافظ في التقريب، ومثله لا بأس به في الاستشهاد وهو من رجال البخاريّ.
قال الهيثمي في "المجمع" (٢٩٦٦): "رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في "الكبير" ورجال أبي يعلى رجال الصحيح".
قلت: وهو كذلك ورجال البزّار مثله.
стр. 1787
فقه هذا الباب:
استدل بعض أهل العلم بقول ابن عمر: كان رسول الله ﷺ إذا عجل به السير جمع بين المغرب والعشاء بأنَّ الجمع لا يجوز في السفر وهو نازل مقيم غير سائر إلَّا في عرفة لأجل اتصال الوقوف، وإنَّما شرع الجمع إذا جدَّ به السير لتخفيف المشقَّة.
وتعقبه ابن المنذر فقال: "ولعلَّ بعض من لم يتسع في العلم يحسب أن الجمع بين الصلاتين في السفر لا يجوز إلَّا في الحال التي يَجِدُّ بالمسافر السيرُ، وليس ذلك كذلك، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه جمع بين الظهر والعصر، وهو نازل غير سائر، ثم أخرج حديث معاذ بن جبل من طريق هشام، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فكان لا يروح حتى يبرد، ويجمع بين الظهر والعصر، فإذا أمسى جمع بين المغرب والعشاء.
فقال: فدلَّ قوله: فكان لا يروح على أنه جمع بينهما، وهو نازل غير سائر، ثم استدل بحديث مالك: فأخر الصلاة يومًا ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا يدل على أنَّه جمع بين الصلاتين، وهو نازل غير سائر. وليس هذا خلافًا للذي ذكره ابن عمر، لأنَّ الجمع بينهما جائز نازلًا وسائرًا. حكى ابن عمر ما رأى من فعله، وذكر معاذ ما فعل، فأخبر كل واحد منهما ما رأى، فالجمع بين الصلاتين في السفر جائز نازلًا وسائرًا كما فعل النبي ﷺ ، ولم يذكر أحد عن النبي ﷺ أنَّه نهى عن الجمع بين الصلاتين في السفر في حال دون حال، فيوقف عن الجمع بينهما لنهي النبي ﷺ انتهى. "الأوسط" (٢/ ٤٢٠).
وقلت في "المنة الكبرى" (٢/ ١٤٣): "والقيد في حديث ابن عمر وأنس بن مالك لمن جدَّ به السير للغالب، وليس شرطًا في الجمع، لما نرى إطلاق الأمر في أحاديث الجمع" انتهى.
٩ - باب الجمع بين الصلاتين في الحضر
• عن عبد الله بن عباس أنَّه قال: صلَّى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا في غير خوف ولا سفر.
قال مالك: أرى ذلك كان في مطرٍ.
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة في السفر (٤) عن أبي الزبير المكي، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس.
ورواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٠٥) عن يحيى بن يحيى، قال: قرات على مالك به مثله.
قال أبو الزبير: فسألت سعيدًا: لِم فعل ذلك؟ فقال: سأل ابن عباس كما سألتني، فقال: أراد أن لا يُحرج أحدًا من أمّته.
ورواه الشيخان: البخاري في مواقيت الصلاة (٥٤٣)، ومسلم (٧٠٥/ ٥٦) من حديث حماد بن
стр. 1788
زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد (وهو أبو الشعثاء) عن ابن عباس أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى بالمدينة سبعًا وثمانيًا: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
زاد البخاري: فقال أيوب: لعلَّه في ليلةٍ مطيرة؟ قال: عسي.
وأيوب هو: السختياني.
والمقول له هو: جابر بن زيد أبو الشعثاء.
وللحديث أسانيد أخرى ذكرها مسلم منها: ما رواه حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير وفيه: في غير خوف ولا مطر. وفيه رد على من قال إن ذلك كان لمطرٍ.
ويبدو أن ابن خزيمة أيضًا لم يقف على متن الحديث ففي ذكر المطر. انظر صحيحه (٢/ ٨٦).
وفي رواية عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر حتى غربت الشمسُ وبدت النجومُ. وجعل الناس يقولون. الصلاة. الصلاة. قال: فجاءه رجل من بني تميم، لا يفتُر ولا ينثني: الصلاةَ الصلاةَ. فقال ابن عباس: أتُعلمني بالسنة؟ لا أم لك! . ثمَّ قال: رأيتُ رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
وفي رواية: لا أمَّ لك أتعلمنا بالصلاة؟ ! وكنَّا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله ﷺ . قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء. فأتيتُ أبا هريرة فسألتُه، فصدَّق مقالتَه.
وهذه الروايات كلُّها صحيحة وهي في صحيح مسلم.
ورويا أيضًا: البخاري (١١٧٤)، ومسلم (٥٥) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار به.
قال عمرو بن دينار: قلت يا أبا الشعثاء! أظنُّه أخَّر الظهر وعجَّل العصر، وعجل العشاء وأخَّر المغرب، فقال: وأنا أظنُّه.
فهم بعض أهل العلم من قول أبي الشعثاء بأنَّه جمع صوري وهو أن يؤخِّر الأولى إلى آخر وقتها، ويقدِّم الثانية عقبها في أوّل وقتها.
والصواب أن الجمع الصوري لم يقع من النّبيّ ﷺ ، وإنّما هو ظنٌّ وتخمين من أبي الشّعثاء - واسمه جابر بن زيد -، وقد ضعَّف غير واحد من أهل العلم الجمع الصور لما فيه من المشقة أكثر من أدائها في وقتها، والنّبي ﷺ إنما أراد بالجمع رفع الحرج والمشقة عن أمته.
وقوله: فأتيت أبا هريرة فصَدَّق مقالته. هذا هو الصحيح من تصديق أبي هريرة لحديث ابن عباس. ولا يصح ما رُوي عنه مرفوعًا كما سيأتي.
وأما ما رُوي عن ابن عمر قال: جمع لنا رسول الله ﷺ مقيمًا غير مسافر بين الظهر والعصر والمغرب، فقال رجل لابن عمر: لِم ترى النبي ﷺ فعل ذلك؟ قال: لأن لا يحرج أمته إن جمع رجلٌ.
فهو ضعيف، رواه عبد الرزاق (٤٤٣٧) عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن عبد الله بن عمر فذكره.
стр. 1789
قال البخاري: "لم يسمع ابن جريج من عمرو بن شعيب". يعني أنه دلّسه.
وكذلك ما رُوي عن أبي هريرة: "جمع رسول الله ﷺ بين الصلاتين في المدينة من غير خوف" فهو ضعيف.
رواه البزار "كشف الأستار" (٦٨٩) عن الحسن بن أبي زيد، ثنا عثمان بن خالد، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره.
وعثمان بن خالد هو: الأموي العثماني أبو عفان المدني قال فيه البخاري والنسائي وأبو أحمد الحاكم: "منكر الحديث"، وقال ابن حبان: يروي المقلوبات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به.
وقال الهيثمي في المجمعه (٢/ ١٦١): "هو ضعيف" وقال الحافظ في "التقريب": "متروك الحديث".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف، رواه تمام (٤٣٣) من حديث الربيع بن يحيى، نا سفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر فذكره.
ظاهرة السلامة، ولكن قال ابن أبي حاتم في "العلل" (٣١٣): سمعت أبي وقيل له: حديث محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﷺ في الجمع بين الصلاتين فقال: "حدثنا الربيع بن يحيى، عن الثوري غير أنه باطل عندي، هذا خطأ لم أدخله في التصنيف، أراد أبا الزبير، عن جابر، أو أبا الزبير عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، والخطأ من الربيع" انتهى.
قلت: الربيع بن يحيى أبو الفضل البصري الأشناني من رجال البخاري قال فيه أبو حاتم: ثقة ثبت، وذكره ابن حبان في الثقات، ولكن قال ابن قانع: ضعيف، وقال الدارقطني: ضعيف ليس بالقوي، يخطئ كثيرًا، حدَّث عن الثوري، عن ابن المنكدر، عن جابر جمع النبي ﷺ بين الصلاتين. وهذا حديث ليس لابن المنكدر فيه ناقة ولا جمل. وهذا يسقط مائة ألف حديث" وقال أبو حاتم: في العلل: باطل عن الثوري. انظر: "تهذيب التهذيب" (٣/ ٢٥٣).
وفي الباب أيضًا حديث ابن مسعود وسيأتي في الباب الذي يليه.
فقه الباب:
أحاديث هذا الباب تدل على جواز الجمع بين الصلاتين في الحضر من غير خوف ولا مطر ولا مرض إلا أن الترمذي ادَّعَى في أوَّل كتابه "العلل" الذي في آخر السنن: جميع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين. أحدهما حديث ابن عباس "إن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر ولا مطر".
والثاني: قول النبي ﷺ : "إذا شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه".
فأما قوله في حديث ابن عباس ففيه نظر من وجهين:
الوجه الأول: أنَّه لم يذكر علَّة حديث ابن عباس بعد أن رواه عن طريق حبيب بن أبي ثابت كما
стр. 1790
مضى عند مسلم إلَّا قوله: وقد رُوي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في غير هذا، ثم رواه عن أبي سلمة يحيى بن خلف البصري، حدّثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حَنَش، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: "من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر" (١٨٨).
وقال: "حَنَش هذا هو: أبو علي الرحبي - وهو حُسَين بن قيس - وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعَّفه أحمد وغيره، والعمل على هذا عند أهل العلم، أن لا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر، أو بعرفة، ورخَّص بعض أهل العلم من التابعين في الجمع بين الصلاتين للمريض، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: يجمع بين الصلاتين في المطر.
وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق. ولم ير الشافعي للمريض أن يجمع بين الصلاتين".
قلت: ورواه الدارقطني (١/ ٣٩٥)، والحاكم (١/ ٢٧٥)، والبيهقي (٣/ ١٦٩) أيضًا كلهم من طريق المعتمر بن سليمان به مثله.
قال الحاكم: "حَنَش بن قيس الرحبي، يقال له: أبو علي من أهل اليمن سكن الكوفة ثقة".
وتعقبه الذهبي فقال: "بل ضعَّفوه". وقال الدارقطني: "الرحبي متروك".
وقال البيهقي: "تفرد به حسين بن قيس أبو علي الرحبي، المعروف بِحَنَش وهو ضعيف عند أهل النقل، لا يحتج بخبره".
إذا لا ينهض هذا الحديث أن يكون معارضًا لحديث ابن عباس الصحيح الثابت، وإن كان الترمذي لم يُبين درجته من الصحة.
والثاني: لم يترك العمل على حديث ابن عباس، بل قال به بعض السلف على أن لا يتخذه عادة.
قال الخطابي في معالمه في شرح هذا الحديث: "هذا حديث لا يقول به أكثر الفقهاء، وإسناده جيِّد، إلَّا ما تكلموا فيه من أمر حبيب، وكان ابن المنذر يقول به، ويحكيه عن غير واحد من أصحاب الحديث، وسمعت أبا بكر القفَّال يحكيه عن أبي إسحاق المروزي. قال ابن المنذر: ولا معنى لحمل الأمر فيه على عذر من الأعذار، لأن ابن عباس قد أخبر بالعلة فيه وهو قوله: أراد أن لا يُحرِج أمَّته. وحكي عن ابن سيرين أنَّه كان لا يرى بأسًا أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة، أو شيء ما لم يتخذه عادة" انتهى.
وكذلك رد النووي في شرح مسلم على قول الترمذي وقال: "أما حديث ابن عباس فلم يجمعوا على ترك العمل به، بل لهم أقوال، فذكر هذه الأقوال.
١٠ - باب من قال: إن الجمع في المدينة مِن غير عُذْرٍ كان جمعًا صوريًّا
• عن عبد الله بن مسعود قال: ما رأيتُ النبي ﷺ صلَّى صلاة لغير ميقاتها، إلَّا صلاتين، جمع بين المغرب والعشاء، وصلى الفجر قبل ميقاتها. وفي رواية: وذلك
следующие страницы →