Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
ورواه أيضًا الدارقطني (١/ ٣٨٨)، والبيهقي (٣/ ١٦٣) وغيرهما من طريق حسين بن عبد الله، وقد اختلف عليه، وجمع الدارقطني في سننه وجوه الاختلاف إلَّا أنَّ علَّته حسين بن عبد الله الهاشمي المدني ضعيف، ضعَّفه ابن معين وأبو حاتم، وقال النسائي: متروك، وقال الجوزجاني: "ولا يُشَتَغَل بحديثه". ومع ذلك قال البيهقي: وهو بما تقدّم من شواهده يقوى".
انظر للمزيد التلخيص "الحبير" (٢/ ٤٨) و"المنة الكبرى" (٢/ ١٥٠).
• وعن أبي سعيد قال: جمع رسولُ الله ﷺ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وأخَّر المغرب وعجَّل العشاء فصلاهما جميعًا.
حسن: رواه الطبراني في الأوسط (٧٩٩٠) عن موسى بن هارون، قال: حدّثنا محمد بن عبد الواهب الحارثي، قال: حدّثنا أبو شهاب الحناط، عن عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد فذكره.
ورواه البزار "كشف الأستار" (٦٨٦) عن إبراهيم بن هانئ، عن محمد بن عبد الواهب مختصرًا بلفظ: "إنَّ النبيَّ ﷺ كان يجمع بين الصلاتين في السفر".
وقال: "لا نعلمه عن أبي سعيد إلا من هذا الوجه، ومحمد ثقة مشهور بالعبادة".
وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ١٥٩): "ورواه الطبراني في الأوسط وقال: تفرَّد به محمد بن عبد الوهاب الحارثي، ورواه البزار مختصرًا وقال: محمد بن عبد الوهاب ثقة مشهور بالعبادة، قلت: وبقية رجاله ثقات" انتهى.
قلت: لم يظهر لي ما هو الصحيح: محمد بن عبد الوهاب، أو محمد بن عبد الواهب؟ ولكن أيًّا كان فقد وثَّقه البزَّار، وبقيَّة الرجال ثقات كما قال الهيثمي، وقد ترجم ابن حبان في الثقات (٩/ ٨٣) فقال: محمد بن عبد الوهاب .. فليراجع ذلك.
• وعن ابن مسعود كان رسول الله ﷺ يجمع بين الصلاتين في السفر.
حسن: رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٨) وعنه أبو يعلى "المقصد العلي" (٣٥٢)، والبزار في مسنده (٥/ ٤١٤)، والطبراني في "الكبير" كلهم من طريق عيسى، نا ابن أبي ليلى، عن أبي قيس الأودي، عن هزيل، عن ابن مسعود.
عيسى هو: ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري ثقة وأبوه عبد الرحمن بن أبي ليلى ثقة أيضًا.
وأبو قيس الأودي هو: عبد الرحمن بن ثَروان مختلف فيه غير أنه أصدوق ربما خالف" كما قال الحافظ في التقريب، ومثله لا بأس به في الاستشهاد وهو من رجال البخاريّ.
قال الهيثمي في "المجمع" (٢٩٦٦): "رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في "الكبير" ورجال أبي يعلى رجال الصحيح".
قلت: وهو كذلك ورجال البزّار مثله.
стр. 1787
فقه هذا الباب:
استدل بعض أهل العلم بقول ابن عمر: كان رسول الله ﷺ إذا عجل به السير جمع بين المغرب والعشاء بأنَّ الجمع لا يجوز في السفر وهو نازل مقيم غير سائر إلَّا في عرفة لأجل اتصال الوقوف، وإنَّما شرع الجمع إذا جدَّ به السير لتخفيف المشقَّة.
وتعقبه ابن المنذر فقال: "ولعلَّ بعض من لم يتسع في العلم يحسب أن الجمع بين الصلاتين في السفر لا يجوز إلَّا في الحال التي يَجِدُّ بالمسافر السيرُ، وليس ذلك كذلك، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه جمع بين الظهر والعصر، وهو نازل غير سائر، ثم أخرج حديث معاذ بن جبل من طريق هشام، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فكان لا يروح حتى يبرد، ويجمع بين الظهر والعصر، فإذا أمسى جمع بين المغرب والعشاء.
فقال: فدلَّ قوله: فكان لا يروح على أنه جمع بينهما، وهو نازل غير سائر، ثم استدل بحديث مالك: فأخر الصلاة يومًا ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا يدل على أنَّه جمع بين الصلاتين، وهو نازل غير سائر. وليس هذا خلافًا للذي ذكره ابن عمر، لأنَّ الجمع بينهما جائز نازلًا وسائرًا. حكى ابن عمر ما رأى من فعله، وذكر معاذ ما فعل، فأخبر كل واحد منهما ما رأى، فالجمع بين الصلاتين في السفر جائز نازلًا وسائرًا كما فعل النبي ﷺ ، ولم يذكر أحد عن النبي ﷺ أنَّه نهى عن الجمع بين الصلاتين في السفر في حال دون حال، فيوقف عن الجمع بينهما لنهي النبي ﷺ انتهى. "الأوسط" (٢/ ٤٢٠).
وقلت في "المنة الكبرى" (٢/ ١٤٣): "والقيد في حديث ابن عمر وأنس بن مالك لمن جدَّ به السير للغالب، وليس شرطًا في الجمع، لما نرى إطلاق الأمر في أحاديث الجمع" انتهى.
٩ - باب الجمع بين الصلاتين في الحضر
• عن عبد الله بن عباس أنَّه قال: صلَّى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا في غير خوف ولا سفر.
قال مالك: أرى ذلك كان في مطرٍ.
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة في السفر (٤) عن أبي الزبير المكي، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس.
ورواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٠٥) عن يحيى بن يحيى، قال: قرات على مالك به مثله.
قال أبو الزبير: فسألت سعيدًا: لِم فعل ذلك؟ فقال: سأل ابن عباس كما سألتني، فقال: أراد أن لا يُحرج أحدًا من أمّته.
ورواه الشيخان: البخاري في مواقيت الصلاة (٥٤٣)، ومسلم (٧٠٥/ ٥٦) من حديث حماد بن
стр. 1788
زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد (وهو أبو الشعثاء) عن ابن عباس أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى بالمدينة سبعًا وثمانيًا: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
زاد البخاري: فقال أيوب: لعلَّه في ليلةٍ مطيرة؟ قال: عسي.
وأيوب هو: السختياني.
والمقول له هو: جابر بن زيد أبو الشعثاء.
وللحديث أسانيد أخرى ذكرها مسلم منها: ما رواه حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير وفيه: في غير خوف ولا مطر. وفيه رد على من قال إن ذلك كان لمطرٍ.
ويبدو أن ابن خزيمة أيضًا لم يقف على متن الحديث ففي ذكر المطر. انظر صحيحه (٢/ ٨٦).
وفي رواية عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر حتى غربت الشمسُ وبدت النجومُ. وجعل الناس يقولون. الصلاة. الصلاة. قال: فجاءه رجل من بني تميم، لا يفتُر ولا ينثني: الصلاةَ الصلاةَ. فقال ابن عباس: أتُعلمني بالسنة؟ لا أم لك! . ثمَّ قال: رأيتُ رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
وفي رواية: لا أمَّ لك أتعلمنا بالصلاة؟ ! وكنَّا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله ﷺ . قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء. فأتيتُ أبا هريرة فسألتُه، فصدَّق مقالتَه.
وهذه الروايات كلُّها صحيحة وهي في صحيح مسلم.
ورويا أيضًا: البخاري (١١٧٤)، ومسلم (٥٥) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار به.
قال عمرو بن دينار: قلت يا أبا الشعثاء! أظنُّه أخَّر الظهر وعجَّل العصر، وعجل العشاء وأخَّر المغرب، فقال: وأنا أظنُّه.
فهم بعض أهل العلم من قول أبي الشعثاء بأنَّه جمع صوري وهو أن يؤخِّر الأولى إلى آخر وقتها، ويقدِّم الثانية عقبها في أوّل وقتها.
والصواب أن الجمع الصوري لم يقع من النّبيّ ﷺ ، وإنّما هو ظنٌّ وتخمين من أبي الشّعثاء - واسمه جابر بن زيد -، وقد ضعَّف غير واحد من أهل العلم الجمع الصور لما فيه من المشقة أكثر من أدائها في وقتها، والنّبي ﷺ إنما أراد بالجمع رفع الحرج والمشقة عن أمته.
وقوله: فأتيت أبا هريرة فصَدَّق مقالته. هذا هو الصحيح من تصديق أبي هريرة لحديث ابن عباس. ولا يصح ما رُوي عنه مرفوعًا كما سيأتي.
وأما ما رُوي عن ابن عمر قال: جمع لنا رسول الله ﷺ مقيمًا غير مسافر بين الظهر والعصر والمغرب، فقال رجل لابن عمر: لِم ترى النبي ﷺ فعل ذلك؟ قال: لأن لا يحرج أمته إن جمع رجلٌ.
فهو ضعيف، رواه عبد الرزاق (٤٤٣٧) عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن عبد الله بن عمر فذكره.
стр. 1789
قال البخاري: "لم يسمع ابن جريج من عمرو بن شعيب". يعني أنه دلّسه.
وكذلك ما رُوي عن أبي هريرة: "جمع رسول الله ﷺ بين الصلاتين في المدينة من غير خوف" فهو ضعيف.
رواه البزار "كشف الأستار" (٦٨٩) عن الحسن بن أبي زيد، ثنا عثمان بن خالد، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره.
وعثمان بن خالد هو: الأموي العثماني أبو عفان المدني قال فيه البخاري والنسائي وأبو أحمد الحاكم: "منكر الحديث"، وقال ابن حبان: يروي المقلوبات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به.
وقال الهيثمي في المجمعه (٢/ ١٦١): "هو ضعيف" وقال الحافظ في "التقريب": "متروك الحديث".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف، رواه تمام (٤٣٣) من حديث الربيع بن يحيى، نا سفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر فذكره.
ظاهرة السلامة، ولكن قال ابن أبي حاتم في "العلل" (٣١٣): سمعت أبي وقيل له: حديث محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﷺ في الجمع بين الصلاتين فقال: "حدثنا الربيع بن يحيى، عن الثوري غير أنه باطل عندي، هذا خطأ لم أدخله في التصنيف، أراد أبا الزبير، عن جابر، أو أبا الزبير عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، والخطأ من الربيع" انتهى.
قلت: الربيع بن يحيى أبو الفضل البصري الأشناني من رجال البخاري قال فيه أبو حاتم: ثقة ثبت، وذكره ابن حبان في الثقات، ولكن قال ابن قانع: ضعيف، وقال الدارقطني: ضعيف ليس بالقوي، يخطئ كثيرًا، حدَّث عن الثوري، عن ابن المنكدر، عن جابر جمع النبي ﷺ بين الصلاتين. وهذا حديث ليس لابن المنكدر فيه ناقة ولا جمل. وهذا يسقط مائة ألف حديث" وقال أبو حاتم: في العلل: باطل عن الثوري. انظر: "تهذيب التهذيب" (٣/ ٢٥٣).
وفي الباب أيضًا حديث ابن مسعود وسيأتي في الباب الذي يليه.
فقه الباب:
أحاديث هذا الباب تدل على جواز الجمع بين الصلاتين في الحضر من غير خوف ولا مطر ولا مرض إلا أن الترمذي ادَّعَى في أوَّل كتابه "العلل" الذي في آخر السنن: جميع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين. أحدهما حديث ابن عباس "إن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر ولا مطر".
والثاني: قول النبي ﷺ : "إذا شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه".
فأما قوله في حديث ابن عباس ففيه نظر من وجهين:
الوجه الأول: أنَّه لم يذكر علَّة حديث ابن عباس بعد أن رواه عن طريق حبيب بن أبي ثابت كما
стр. 1790
مضى عند مسلم إلَّا قوله: وقد رُوي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في غير هذا، ثم رواه عن أبي سلمة يحيى بن خلف البصري، حدّثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حَنَش، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: "من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر" (١٨٨).
وقال: "حَنَش هذا هو: أبو علي الرحبي - وهو حُسَين بن قيس - وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعَّفه أحمد وغيره، والعمل على هذا عند أهل العلم، أن لا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر، أو بعرفة، ورخَّص بعض أهل العلم من التابعين في الجمع بين الصلاتين للمريض، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: يجمع بين الصلاتين في المطر.
وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق. ولم ير الشافعي للمريض أن يجمع بين الصلاتين".
قلت: ورواه الدارقطني (١/ ٣٩٥)، والحاكم (١/ ٢٧٥)، والبيهقي (٣/ ١٦٩) أيضًا كلهم من طريق المعتمر بن سليمان به مثله.
قال الحاكم: "حَنَش بن قيس الرحبي، يقال له: أبو علي من أهل اليمن سكن الكوفة ثقة".
وتعقبه الذهبي فقال: "بل ضعَّفوه". وقال الدارقطني: "الرحبي متروك".
وقال البيهقي: "تفرد به حسين بن قيس أبو علي الرحبي، المعروف بِحَنَش وهو ضعيف عند أهل النقل، لا يحتج بخبره".
إذا لا ينهض هذا الحديث أن يكون معارضًا لحديث ابن عباس الصحيح الثابت، وإن كان الترمذي لم يُبين درجته من الصحة.
والثاني: لم يترك العمل على حديث ابن عباس، بل قال به بعض السلف على أن لا يتخذه عادة.
قال الخطابي في معالمه في شرح هذا الحديث: "هذا حديث لا يقول به أكثر الفقهاء، وإسناده جيِّد، إلَّا ما تكلموا فيه من أمر حبيب، وكان ابن المنذر يقول به، ويحكيه عن غير واحد من أصحاب الحديث، وسمعت أبا بكر القفَّال يحكيه عن أبي إسحاق المروزي. قال ابن المنذر: ولا معنى لحمل الأمر فيه على عذر من الأعذار، لأن ابن عباس قد أخبر بالعلة فيه وهو قوله: أراد أن لا يُحرِج أمَّته. وحكي عن ابن سيرين أنَّه كان لا يرى بأسًا أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة، أو شيء ما لم يتخذه عادة" انتهى.
وكذلك رد النووي في شرح مسلم على قول الترمذي وقال: "أما حديث ابن عباس فلم يجمعوا على ترك العمل به، بل لهم أقوال، فذكر هذه الأقوال.
١٠ - باب من قال: إن الجمع في المدينة مِن غير عُذْرٍ كان جمعًا صوريًّا
• عن عبد الله بن مسعود قال: ما رأيتُ النبي ﷺ صلَّى صلاة لغير ميقاتها، إلَّا صلاتين، جمع بين المغرب والعشاء، وصلى الفجر قبل ميقاتها. وفي رواية: وذلك
стр. 1791
بجمع - أي المزدلفة.
متفق عليه: رواه البخاري في الحج (١٦٨٢)، ومسلم في الحج (١٢٨٩) كلاهما من طريق الأعمش قال: حدثني عُمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود فذكره. والرواية الثانية ذكرها مسلم.
قال الشوكاني في "النيل" (٢/ ٤٩١): "فنفى ابن مسعود مطلق الجمع، وحصره في جمع "المزدلفة" مع أنه ممن روى حديث الجمع بالمدينة كما تقدم، وهو يدل على أن الجمع الواقع بالمدينة صوري، ولو كان جمعًا حقيقيًّا لتعارض روايتان، والجمع ما أمكن المصير إليه هو الواجب".
قلت: فيه من الملاحظات: الأولى: حديث ابن مسعود ضعيف.
أخرجه الطبراني في "الأوسط" "مجمع البحرين" (٩٣٨) عن علي، ثنا الحسين بن ميسرة الرازي، ثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن عبد الرحمن بن ثَروَان، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود قال: جمع رسول الله ﷺ بين الأولى والعصر، والمغرب والعشاء، فقيل له في ذلك فقال: "صنعت هذا لكي لا تحرج أمتي".
قال الطبراني: "لم يرو عن الأعمش إلا عبد الله، ولا عنه إلا الحسين".
وتابعه أحمد بن حاتم، ومن طرقه أخرجه في "الكبير" (١٠/ ٢٦٩) ثنا عبد الله بن عبد القدوس به فذكره.
قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ١٦١): "وفيه عبد الله بن عبد القدوس ضعَّفه ابن معين والنسائي، وثَّقه ابن حبان، وقال البخاري: صدوق إلَّا أنَّه يروي عن أقوام ضعفاء، قلت: وقد روي هذا عن الأعمش، وهو ثقة" انتهى.
قلت: وضعَّفه أيضًا أبو داود والدارقطني. وقال عبد الله بن أحمد: "سألت ابن معين عنه فقال: ليس بشيء رافضي خبيث. فمثله لا يلتفت إلى حديثه وأما قول الحافظ في التقريب "صدوق رمي بالرفض وكان أيضًا يخطئ" من حقه أن يطلق عليه لفظ "ضعيف".
والثانية: ونفي ابن مسعود الجمع لا يدل على عدم ثبوته، وقد شهد بذلك أبو هريرة.
والثالثة: حمله على الجمع الصوري فيه حرج ومشقة، والنبي ﷺ أراد رفع الحرج عن أُمَّته. والله تعالى أعلم.
وأما بقية الأحاديث في الصلاة بالمزدلفة فانظر في كتاب الحج.
١١ - باب ما جاء في تعجيل الظهر في السفر
• عن أنس بن مالك يقول: كان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلًا لم يرتحل حتى يُصلي الظهر. فقال له رجل: وإن كان بنصف النهار؟ قال: وإن كان بنصف النهار.
стр. 1792
حسن: رواه أبو داود (١٢٠٥)، والنسائي (٤٩٨) كلاهما من حديث يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: حدثني حمزة العائذي قال: سمعت أنس بن مالك فذكره.
وإسناده حسن لأجل حمزة العائذي وهو: ابن عمرو الضَبّي البصري وثَّقه النسائي، وقال أبو حاتم: شيخ. وهو من رجال مسلم، وبقية رجاله ثقات.
وصححه ابن خزيمة (٩٧٥)، ورواه الإمام أحمد (١٢٢٠٤) كلاهما من حديث شعبة به مثله.
وجاء الحديث من وجه آخر عن أنس بن مالك قال: كنَّا إذا كنَّا مع رسول الله ﷺ في السفر فقلنا: زالت الشمس أو لم تزُل صلَّى الظهر ثم ارتحل.
رواه أبو داود (١٢٠٤) عن مسدد، حدّثنا أبو معاوية عن المِسْحاج بن موسى، قال: قلت لأنس بن مالك: حدِّثنا ما سمعتَ مِن رسول الله ﷺ فذكره.
ورواه أيضًا الإمام أحمد (١٢٠٠) عن أبي معاوية به مثله.
وإسناده حسن لأجل المسحاج بن موسى وثَّقه ابن معين وأبو داود. وقال أبو زرعة: لا بأس به.
والحديث الأول يفسِّر معنى الحديث الثاني في قوله: زالت الشمس أو لم تزل، يعني به تعجيل الظهر عن وقتها المعتاد، بحيث إنَّ بعض الناس لم يظهر لهم زوال الشمس لا قبل وقتها كما فهم ابن حبان فحكم على الحديث بأنه منكر، وقال في مسحاج بن موسى: لا يجوز الاحتجاج به، وبناء عليه أدخله في "المجروحين" (١٠٧٤).
١٢ - باب ترك التطوع في السفر
• عن عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه، قال: صحبتُ ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلَّى لنا الظهر ركعتين، ثم أَقبل وأَقبلنا معه حتى جاء رحلَه (أي منزلَه) وجلس وجلسنا معه. فحانت منه التِفاتةٌ نحوَ حيث صلَّى. فرأى ناسًا قيامًا. فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يُسبِّحون. قال: لو كنتُ مسبِّحًا لأتممتُ صلاتي. يا ابن أخي! إني صَحِبتُ رسول الله ﷺ في السفر. فلم يزد على ركعتين حتَّى قبضه الله، وصَحِبتُ أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتَّى قبضه الله، وصَحِبتُ عمر فلم يزد على ركعتين حتَّى قبضه الله. ثم صَحِبتُ عثمان فلم يزد على ركعتين حتَّى قبضه الله. وقد قال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: ٢١].
متفق عليه: رواه البخاري في تقصير الصلاة (١١٠٢)، ومسلم في صلاة المسافرين (٦٨٩) كلاهما من حديث عيسى بن حفص به، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري مختصرًا ومجملًا.
стр. 1793
ورويا أيضًا من حديث عمر بن محمد، عن حفص بن عاصم قال: مرضتُ مرضًا. فجاء ابن عمر يعودُني. قال: وسأله عن السُبحة في السفر فقال: صَحِبتُ رسول الله ﷺ فما رأيتُه يُسَبِّح، ولو كنتُ مسبحًا لأتممت. وقد قال الله تعالى: واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري مختصرًا.
وعمر بن محمد هو: ابن زيد بن عبد الله بن عمر.
• عن عثمان بن عبد الله بن سراقة قال: كنا في سفر، ومعنا ابن عمر فسألته فقال: رأيتُ رسول الله ﷺ لا يسبح في الصلاة في السفر قبل الصلاة ولا بعدها.
صحيح: رواه الإمام أحمد (٥٠١٢) عن يزيد بن هارون قال: أخبرنا ابن أبي ذئب، عن عثمان بن عبد الله بن سراقة، فذكر الحديث، وإسناده صحيح.
ومراده بالتسبيح هنا السنة الراتبة، وإلَّا فقد صحَّ عنه أنَّه كان يُسبِّح على ظهر دابته حيث كان وجهه.
قال الشافعي: وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يتنفل ليلا وهو يَقْصر.
وسئل الإمام أحمد عن التطوع في السفر فقال: أرجو أن لا يكون بالتطوع في السفر بأس.
وأمَّا ما روي عن البراء بن عازب الأنصاري قال: صَحِبتُ رسول الله ﷺ ثمانية عشر سفرًا، فما رأيتُه ترك ركعتين إذا زاغتِ الشمس قبل الظهر.
فهو حديث ضعيف. رواه أبو داود (١٢٢٢)، والترمذي (٥٥٠) كلاهما من حديث الليث بن سعد، عن صفوان بن سُليم، عن أبي بُسرة الغفاري، عن البراء بن عازب فذكره.
قال الترمذي: هذا حديث غريب، قال: وسألت محمدًا - يعني البخاري - عنه فلم يعرفه إلا من حديث الليث بن سعد، ولم يعرف اسم أبي بُسرة، ورآه حسنًا".
قلت: أبو بُسرة - بضم الباء وسكون السين - لا يعرف كما قال الذّهبي.
ولم يوثقه غير ابن حبان فهو مجهول.
١٣ - باب لا تؤدى الفريضة على الراحلة دون النافلة
• عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: رأيتُ النبي ﷺ يُصَلِّي على راحلته حيث توجهتْ به.
وفي رواية: رأيت رسول الله ﷺ وهو على راحلته يُسَبِّح، يومئْ برأسه قِبل أيِّ وجه توجَّه، ولم يكن رسول الله ﷺ يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة.
متفق عليه: رواه البخاري في تقصير الصلاة (١٠٩٣، ١٠٩٧، ١١٠٤) واللفظ له، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٠١) كلاهما من حديث الزّهريّ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعه به.
• عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يُسَبِّح على الراحلة قبل أيِّ وجه توجه، ويُوتر عليها، غير أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة.
стр. 1794
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٠٠/ ٣٩) من حديث ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه فذكره.
وعلَّقه البخاري في تقصير الصلاة (١٠٨٩) فقال: وقال الليث، حدثني يونس به وفيه، قال سالم: كان عبد الله يُصلِّي على دابته من اللَّيل وهو مسافر، ما يُبالي حيث ما كان وجهه. قال عبد الله: فذكره.
فقول البخاري: وقال اللَّيث يحتمل أن يكون مُعلَّقًا، ويحتمل أن يكون عطفًا على ما سبق من الإسناد على يحيى بن بكير، قال: حدّثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن ربيعة الذي سبق في أوَّل الباب.
• عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ يُصلي على راحلته حيث تَوجَّهَتْ، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة.
صحيح: رواه البخاري في كتاب الصلاة (٤٠٠) عن مسلم بن إبراهيم، حدّثنا هشام (الدستوائي) قال: حدّثنا يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر فذكره.
• عن عطاء بن أبي رباح أنَّه سأل عائشة: هل رُخِّص للنساء أن يُصلين على الدواب؟ قالت: لم يُرخص له في ذلك في شِدَّة، ولا رخاء.
قال محمد (وهو ابن شعيب): هذا في المكتوبة
حسن: رواه أبو داود (١٢٢٨) عن محمود بن خالد، حدّثنا محمد بن شُعيب، عن النعمان بن المنذر، عن عطاء بن أبي رباح، فذكره.
ورجاله ثقات غير النعمان بن المنذر وهو الغاني أبو الوزير الدمشقي، فقد تكلم فيه النسائي فقال: ليس بذاك القوى.
وذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٥٣٠) وقال ابن سعد: كان كثير الحديث.
ونقل المنذري في مختصر أبي داود عن الدارقطني قال: تفرد به النعمان بن المنذر، عن سليمان بن موسى، عن عطاء، هذا آخر كلامه. وقال هو: النعمان بن المنذر - هذا - غسَّاني دمشقي ثقة، كنيته أبو الوزير. انتهى.
والملاحَظُ أنه لا يوجد في سنن أبي داود سليمان بن موسى فتأكد من صحة كلام الدارقطني.
ورُوي عن عمرو بن عثمان بن علي بن مُرَّة، عن أبيه، عن جدِّه أنَّهم كانوا مع النبي ﷺ في سيرٍ، فانتهَوْا إلى مضيق، وحضرتِ الصلاةُ فمُطِروا السماءُ من فوقهم، والبِلَّةُ من أسفَلَ مِنهم، فأذَّن رسول الله ﷺ وهو على راحلته، وأقام، فتقدم على راحلته فصلَّى بهمُ يومئُ إيماءً. يجعل السجودَ أخْفضَ من الركوع.
стр. 1795
رواه الترمذي (٤١١) عن يحيى بن موسى، حدثنا شبابةُ بن سوَّار، حدّثنا عمر بن الرماح البلخي، عن كثير بن زياد، عن عمرو بن عثمان بن علي به فذكره.
قال الترمذي: غريب تفرَّد به عمر بن الرماح، وهو لا يُعرف إلَّا من حديثه. وقد روى عنه غير واحد من أهل العلم، وكذلك روي عن أنس بن مالك أنَّه صلَّى في ماء وطين على دابَّتِه. والعمل على هذا عند أهل العلم، وبه يقول أحمد وإسحاق" انتهى.
وهذا الحديث رواه أيضًا أحمد (١٧٥٧٣)، والبيهقي (٢/ ٧) كلاهما من طريق عمر بن ميمون بن الرماح به مثله، وقال البيهقي: "في إسناده ضَعْف، ولم يثبت من عدالة بعض رواته ما يوجب قبول خبره، ويحتمل أن يكون ذلك في شدَّة الخوف" انتهى.
قلت: لعله يقصد عمرو بن عثمان وأبوه عثمان بن يعلى بن مُرَّة فإنَّهما لا يعرفان قال الحافظ في "التقريب": "عمرو بن عثمان بن يعلى بن مُرَّة الثقفي "مستور" وقال عن أبيه: عثمان بن يعلى بن مُرَّة "مجهول".
وما قاله الهيثمي في "المجمع" (٢/ ١٦١): رواه أبو داود من حديث يعلى بن مُرَّة ... فهو سَبْقٌ قلمٍ، وإنَّما الذي رواه هو الترمذي، وهو القائل: "غريب تفرَّد به عمر بن الرماح".
ثم قوله: رجاله موثقون، أي وثَّقهم ابن حبان، وإلَّا ففيهم من المجاهيل كما سبق، وابن حبان عرف بتوثيق المجاهيل واعتمد عليه الهيثمي في توثيقهم.
وأما قول الترمذي: وكذلك رُوي عن أنس بن مالك أنَّه صلَّى في ماء وطين على دابَّته، فهو ممَّا رواه الطبراني في "الكبير" عن ابن سيرين قال: أقبلنا على أنس بن مالك من الكوفة حتَّى إذا كُنَّا بِأطيط أصبحنا والأرض طين وماء، فصلَّى المكتوبة على دابَّةٍ، ثمَّ قال: ما صلَّيت المكتوبة قط على دابَّتي قبل اليوم.
قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ١٦٢): "رجاله ثقات".
• عن عبد الله بن دينار قال: كان عبد الله بن عمر يُصَلِّي في السفر على راحلته أينما توجَّهت يومئُ، وذكر عبد الله أنَّ النبي ﷺ كان يفعله.
متفق عليه: رواه البخاري في تقصير الصلاة (١٠٩٦) عن موسى بن إسماعيل، عن عبد العزيز بن مسلم، قال: حدّثنا عبد الله بن دينار فذكره.
ورواه مالك في قصر الصلاة (٢٦) عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ كان يُصَلِّي على راحلته في السفر حيث توجهتْ به.
ورواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٠٠/ ٢٧) عن يحيى بن يحيى قال: قرأتُ على مالك بن أنس فذكره، فلم يذكر مالك في حديثه الإيماء فهل هما حديثان، أو حديث واحد إلا أن عبد الله بن دينار مرة ذكر الاسماء، ومرة أخرى لم يذكره، فكل روى بما سمع منه.
стр. 1796
• عن عبد الله بن عمر أنَّه قال: رأيتُ رسول الله ﷺ يُصلي وهو على حمار، وهو متوجِّه إلى خيبر.
صحيح: رواه مالك في قصر الصلاة (٢٥) عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبي الحُباب سعيد بن يسار، عن عبد الله بن عمر فذكره.
ورواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٠٠/ ٣٥) عن يحيى بن يحيى النيسابوري، قال: قرات على مالك به مثله.
هذا الحديث مما ذكره الدارقطني في التتبع (ص ٣٩٠) وقال بعد أن ذكر حديث مسلم من طريق عمرو بن يحيى المازني: "وخالفه أبو بكر بن عمر، عن أبي الحباب، فقال: على البعير، وكذلك قال جابر وغيره عن النبي ﷺ وأخرجهما، ولم يخرج البخاري حديث عمرو بن يحيى، وأخرج الآخر، ومن روى أن النبي ﷺ صلى على حمارٍ فهو وهم، والصواب من فعل أنس" انتهى.
وكذلك قال النسائي وغيره: بأن عمرو بن يحيى المازني وهم في ذكر الحمار في هذا الحديث، الأن سفر خيبر طويل ولا يتصور قطع هذه المسافات على الحمار.
وقال غيره: "عمرو بن يحيى المازني ثقة، وثقه أبو حاتم، والنسائي، وقال ابن عدي، عمرو بن يحيى المازني روى عنه الأئمة، وهم: أيوب، وعبيد الله، والثوري، وشعبة، ومالك، وابن عيينة، وغيرهم، وهو لا بأس برواية هؤلاء الأئمة عنه".
وهذا الحديث مما روى مالك عنه، وإخراج مسلم له في صحيحه دليل على أنه لم يهم فيه، فإن الركوب على الحمار وقع في سفر النبي ﷺ إلى خيبر، وركوب الراحلة في حديث أبي بكر بن عمر وقع في سفره إلى مكة، فلا منافاة بين الأمرين.
• وعن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يُصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجههُ، قال: وفيه نزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: ١١٥].
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٠٠/ ٣٣) من حديث عبد الملك بن أبي سليمان، قال: حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عمر فذكره.
• عن أنس بن سيرين قال: استقبلنا أنسًا حين قَدِم من الشام، فتلقيناه بعين التمر، فرأيتُه يُصَلِّي على حمار ووجهه من ذا الجانب - يعني عن يسار القبلة - فقلت: رأيتك تُصَلِّي لغير القبلة، فقال: لولا أني رأيتُ رسول الله ﷺ فعله لم أفعله.
متفق عليه: رواه البخاري في تقصير الصلاة (١١٠٠)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٠٢) كلاهما من حديث همام، حدّثنا أنس بن سيرين فذكره واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم سواء إلَّا أنَّه
стр. 1797
قال فيه: "حين قدم الشامَ".
قال النووي: "هكذا هو في جميع نسخ مسلم، وكذا نقله القاضي عياض عن جميع الروايات لصحيح مسلم. قال: وقيل إنه وهم، وصوابه: قدم من الشام كما جاء في صحيح البخاري، لأنهم خرجوا من البصرة للقائه حين قدم من الشام.
وقال: رواية مسلم صحيحة، ومعناه: تلقيناه في رجوعه حين قدم الشام، وإنَّما حذف ذكر رجوعه للعلم به. انتهى.
لم يبيِّن في هذه الرواية كيفية صلاة أنس، وذكره مالك في قصر الصلاة (٢٦) عن يحيى بن سعيد قال: رأيتُ أنس بن مالك في السفر وهو يُصَلِّي على حمار، وهو متوجِّه إلى غير القبلة، يركع ويسجد إيماءً من غير أن يضع وجْهَه على شيء.
• عن أنس بن مالك أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا سافر، فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكَّبر، ثم صلَّى حيث وجَّهه رِكابُه.
حسن: رواه أبو داود (١٢٢٥) عن مسدَّد، حدثنا رِبْعيُّ بن عبد الله بن الجارود، حدثني عمرو بن أبي الحجاج، حدثني الجارود بن أبي سبرة، حدثني أنس بن مالك فذكره.
قال المنذري: إسناده حسن.
قلت: وهو كما قال فإنَّ رِبعي بن عبد الله بن الجارود، وشيخُ شيخه (جده الجارود بن أبي سبرة) صدوقان.
وأخرجه أيضًا الإمام أحمد (١٣١٠٩) عن يزيد بن هارون، قال: أخبرنا ربعي بن الجارود بن أبي سبرة التميمي به مثله.
فنسب رِبعي إلى جده، وهو: ابن عبد الله. إلَّا أنَّ هذا الحديث يخالف سائر الأحاديث السابقة، إذ أنَّه قيد باستقبال ناقته القبلة عند التكبير، والأحاديث السابقة أطلقت أنَّه كان يصلِّي عليها قِبَلَ أيِّ جهة توجَّهت به.
وهذا الاعتراض أبداه أيضًا الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى في "زاد المعاد" (١/ ٤٧٦).
ويجاب على هذا بأنَّ المرَّات التي لمَّا كبَّر النبي ﷺ كان متوجهًا إلى القبلة لأجل السفر، لا لأجل الصلاة. فظن أنس أنه لم يكبِّر حتَّى استقبل بناقته القبلة، ولما كبَّر في مرَّات أخرى قِبل أي جهة توجَّهت به ناقُته لم يكن أنس موجودًا في تلك الأسفار. - والله تعالى أعلم -.
١٤ - باب أن السجدتين من المتنفل على الراحلة تكون في الإيماء أخفض من الركوع
• عن جابر بن عبد الله قال: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة، قال: فجئتُ وهو
стр. 1798
يُصَلِّي على راحلته نحو المشرق، والسجود أخفضُ من الركوع.
حسن: رواه أبو داود (١٢٢٧)، والترمذي (٣٥١) كلاهما من حديث وكيع، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره.
ورواه ابن خزيمة (١٢٧٠) وعنه ابن حبان (٢٥٢٣) من حديث ابن جريج قال: أخبرنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل أبي الزبير وهو محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي المكي حسن الحديث.
• * *
стр. 1799
جموع أبواب صلاة الخوف ِ
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [سورة النساء: ١٠١، ١٠٢].
قال الخطابي في معالم السنن: "صلاة الخوف أنواع، وقد صلاها رسول الله ﷺ في أيام مختلفة، وعلى أشكال متباينة، يتوخَّى في كلِّ ما هو أحوط للصلاة، وأبلغ في الحراسة، وهي على اختلاف صورها مُؤتَلِفَة في المعاني".
وقال ابن حِبَّان: "هذه الأخبار ليس بينها تضادٍّ ولا تهاتُر، ولكنَّ المصطفى ﷺ صلَّى صلاة الخوف مرارًا في أحوال مختلفة بأنواع متباينة، على حسب ما ذكرناها، أراد ﷺ به تعليم أُمَّتِه صلاةَ الخوف، أنَّه مباح لهم أن يُصلُّوا أيَّ نوع من الأنواع التسعة التي صلاها رسول الله ﷺ في الخوف على حسب الحاجة إليها، والمرءُ مباح له أن يُصلِّي ما شاء عند الخوف من هذه الأنواع التي ذكرناها، إذْ هي من اختلاف المباح من غير أن يكون بينها تضادٌّ، أو تهاتُر" (٧/ ١٤٥).
١ - باب ما جاء أن الإمامَ يصلِّي لكلِّ طائفة ركعة، ثم يسلِّم، وتقضي كلُّ طائفةٍ ركعةً لنفسها
• عن الزهري قال: أخبرني سالم أنَّ عبد الله بن عمر قال: غزوت مع رسول الله ﷺ قِبل نجدٍ، فوازينا العدوَّ فصافَفْنا لهم، فقام رسول الله ﷺ يُصَلِّي لنا، فقامت طائفة معه يُصلِّي، وأقبلت طائفة على العدوِّ، وركع رسولُ الله ﷺ بمن معه، وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطَّائفة التي لم تصلِّ، فَجَاؤا فركع رسُولُ الله ﷺ بهم ركعةً، وسجَدَ سَجْدتَينِ ثم سلَّم، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعةً، وسجد سجدتين.
متفق عليه: رواه البخاري في الخوف (٩٤٢) وفي المغازي (٤١٣٣)، ومسلم في صلاة
стр. 1800
المسافرين (٨٣٩) كلاهما من حديث الزهري واللفظ للبخاري. ولم يذكر مسلم أنَّ ذلك كان في غزوةٍ قبل نجدٍ.
• عن صالح بن خوَّات، عمَّن صلَّى مع النبي ﷺ يوم ذات الرِّقاع، صلاة الخوفِ، أنَّ طائفة صفَّت معه، وطائفةٌ وُجاهَ العدو، فصلَّى بالذين معه ركعةً، ثمَّ ثبت قائمًا وأتمُّوا لأنفسهم، ثمَّ انصرفوا فصفُّوا وُجاهَ العَدُوِّ، وجاءَت الطائفة الأخرى فصَلَّي بهمُ الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسًا، وأتمُّوا لأَنفُسِهِمْ، ثمَّ سَلَّمَ بهم.
متفق عليه: رواه مالك في صلاة الخوف (١) عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوَّات، عمَّن صلَّي مع رسول الله ﷺ فذكره.
ورواه البخاري في المغازي (٤١٢٩) عن قتيبة بن سعيد، ومسلم في صلاة المسافرين (٨٤٢) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به مثله.
وقوله: "عَمَّن صلَّى مع رسول الله ﷺ " هو سهل بن أبي حثمة كما في رواية أخرى عند البخاري في المغازي (٤١٣١)، ومسلم في صلاة المسافرين (٨٤١) كلاهما من طريق شعبة عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوّات بن جبير عن سهل بن أبي حَثْمة فذكره.
ورواه مالك في صلاة الخوف (٢) عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوَّات، أنَّ سهلَ بنَ أبي حَثْمة حدَّثه، أنَّ صلاة الخوف أن يقوم الإمام ومعه طائفة من أصحابه، وطائفة مواجهة العدوِّ، فيركع الإمام ركعة، ويسجد بالذين معه، ثم يقوم، فإذا استوى قائمًا ثبت، وأتموا لأنفسهم الركعة الباقية، ثمَّ يُسلمون وينصرفون والإمام قائم، فيكونون وجاه العدوّ، ثم يُقبل الآخرون الذين لم يُصلوا فيكبِّرون وراء الإمام، فيركع بهم الركعة ويسجد، ثم يُسلِّم، فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية، ثم يسلِّمون. انتهى. إلا أنه موقوف.
قال الترمذي: "لم يرفعه يحيى بن سعيد الأنصاري عن القاسم بن محمد، وهكذا روي أصحاب يحيى بن سعيد الأنصاري موقوفًا، ورفعه شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد".
ونقل الترمذي عن الإمام أحمد قال: "قد رُوي عن النبي ﷺ صلاة الخوف على أوجه، وما أعلم في هذا الباب إلا حديثًا صحيحًا، واختار حديث سهل بن أبي حثمة" (٢/ ٤٥٤).
وقال مالك: "وحديث القاسم بن محمد، عن صالح بن خَوَّات أحبُّ ما سمعتُ إليَّ في صلاة الخوف".
وقال ابن عبد البر: الحديث سهل في الموطأ موقوف عند جماعة من الرواة عن مالك، ومثله لا يقال من جهة الرأي، وقد رُوي مرفوعًا مسندًا".
قلت: وهو كما قال، فإنَّه جاء في الصحيحين وغيرهما مسندًا مرفوعًا.
стр. 1801
٢ - باب ما جاء أنَّ الإمام يصلِّي بكلِّ طائفةٍ ركعةً، ثم ينتظر حتى تقضي كل طائفة لنفسها ثم يسلم مع الجميع
• عن جابر غزونا مع رسول الله ﷺ قومًا من جُهينة، فقاتلونا قتالًا شديدًا، فلما صلينا الظهر قال المشركون: لو مِلْنا عليهم ميلةً لاقتطعناهم، فأخبر جبريل رسولَ الله ﷺ ذلك، فذكر ذلك لنا رسول الله ﷺ قال وقالوا: إنَّه ستأتيهم صلاةٌ هي أحبُّ إليهم من الأولاد، فلمَّا حضرت العصر، قال: صَفَّنا صَفَّين، والمشركون بيننا وبين القبلة، قال فكَبَّرَ رسول الله ﷺ وكَبَّرنا، وركع فركعنا، ثُمَّ سَجَدَ وسَجَدَ معه الصَّفُّ الأول، فلما قاموا سجد الصَّف الثاني، ثم تأخَّر الصف الأول وتقدم الصف الثاني، فقاموا مقام الأول، فكبر رسول الله ﷺ وكَبَّرْنا، وركع فركعنا، ثم سَجَدَ وسَجَد معه الصف الأوَّلُ، وقام الثاني، فَلَمَّا سَجَدَ الصف الثاني، ثم جلسُوا جميعًا، سَلَّم عَلَيهم رسولُ الله ﷺ .
قال أبو الزبير: ثُمَّ خَصَّ جابرٌ أن قال: كما يُصَلِّي أمَرَاؤُكم هؤلاء.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٤٠/ ٣٠٨) عن أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا أبو الزبير، عن جابر فذكره.
• عن جابر بن عبد الله، قال: شَهِدْتُ مع رسول الله ﷺ صلاةَ الخوف، فصَفَّنا صَفَّين: صَفٌّ خلف رسول الله ﷺ والعدُوُّ بيننا وبين القبلة، فكَبَّرَ النبي ﷺ وكَبَّرْنا جميعًا، ثُمَّ ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسَهُ من الركوع ورفعنا جَميعًا، ثُمَّ انْحدَرَ بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المُؤَخَّرُ في نحر العَدُوِّ، فلما قضى النبي ﷺ السجود، وقام الصف الذي يليه، انحدَرَ الصف المؤُخَّر بالسجود، وقاموا، ثم تقدَّم الصف المُؤَخَّر، وتأخَّر الصف المُقَدَّمُ، ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسَهُ من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مُؤَخَّرا في الركعة الأولى، وقام الصف المُؤَخَّر في نحور العَدُوِّ، فلما قضى النبي ﷺ السُجُودَ والصف الذي يليه، انحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بالسجود، فسجدوا، ثم سلَّم النبي ﷺ وسلَّمنا جميعًا.
قال جابر: كما يصنع حرسُكم هؤلاء بأمرائهم.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٤٠) عن محمد بن عبد الله بن نُمير، حدثنا أبي، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر فذكره.
стр. 1802
• عن أبي عيَّاش الزُّرَقي، قال: كُنَّا مع رسول الله ﷺ بِعُسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلَّينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غِرَّة، لقد أصبنا غَفْلة, لو كُنَّا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القَصْر بين الظهر والعصر، فلمَّا حضرتِ العصر قام رسول الله ﷺ مستقبل القبلة، والمشركون أمامه، فصفَّ خلف رسول الله ﷺ صفٌّ، وصفّ بعد ذلك الصفِّ صفٌّ آخر فركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذين يلونه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلمَّا صلَّى هؤلاء السجدتين وقاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصفُّ الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصفُّ الأخير إلى مقام الصفِّ الأوَّل، ثمَّ ركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصفُّ الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله ﷺ والصفُّ الذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعًا، فسلَّم عليهم جميعًا، فصلَّاها بعُسفان، وصلَّاها يوم بني سُلَيم.
صحيح: رواه أبو داود (١٢٣٦) عن سعيد بن منصور، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عيَّاشٍ الزُّرَقي فذكره.
قال المنذري: "وقال البيهقي: هذا إسناد صحيح، إلّا أنَّ بعض أهل العلم بالحديث يشك في سماع مجاهد من أبي عيَّاش، ثم ذكر الحديث بإسنادٍ جيِّد عن مجاهدٍ، قال: حدَّثنا أبو عيَّاش، وقال: بيّن فيه سماع مجاهد من أبي عيَّاش. هذا آخر كلامه، وسماعه منه متوجِّه؛ فإنَّه ذكر ما يدلُّ على أنَّ مولد مجاهد سنة عشرين، وعاش أبو عياش إلى بعد الأربعين، وقيل: إلى بعد الخمسين". انتهى كلام المنذري.
قلت: وصرَّح مجاهد بالتحديث في رواية شعبة، عن منصور، قال: سمعت مجاهدًا يحدِّث، عن أبي عياش الزُّرَقي، رواه الإمام أحمد (١٦٥٨١) عن محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، ورواه النسائي (١٥٥٠) من طريقين، عن محمد بن جعفر به مثله.
وصحّحه أيضًا ابن حبان (٢٨٧٦)، والحاكم (١/ ٣٣٧, ٣٣٨) فروياه من طريق منصور، عن مجاهد، قال في صحيح ابن حبان: حدثنا أبو عياش الزرقي فذكره.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
وصحّحه أيضًا الدارقطني (٢/ ٦٠)، والبيهقي (٣/ ٢٥٤, ٢٥٥) كما مضى.
• عن مروان بن الحكم، أنَّه سأل أبا هريرة: هل صلَّيت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة: نعم، قال مروان: متى؟ فقال أبو هريرة: عام غزوة نجد، قام رسول الله ﷺ إلى صلاة العصر، فقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدوِّ
стр. 1803
وظهورهم إلى القبلة، فكبَّر رسول الله ﷺ ، فكبروا جميعًا، الذين معه، والذين مقابل العدوِّ، ثمَّ ركع رسول الله ﷺ ركعة واحدة، وركعت الطائفة التي معه، ثم سجد فسجدت الطائفة التي تليه، والآخرون قيام مقابلي العدو، ثم قام رسول الله ﷺ ، وقامت الطائفة التي معه، فذهبوا إلى العدو، فقابلوهم، وأقبلت الطائفة التي كانت مقابلي العدو، فركعوا وسجدوا، ورسول الله ﷺ قائم كما هو، ثم قاموا فركع رسول الله ﷺ ركعةً أخرى وركعوا معه وسجد وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابلي العدو، فركعوا وسجدوا، ورسول الله ﷺ قاعد وَمن [كان] معه، ثم كان السلام، فسلَّم رسول الله ﷺ وسلَّموا جميعًا، فكان لرسول الله ﷺ ركعتان، ولكل رجل من الطائفتين ركعة واحدة.
صحيح: رواه أبو داود (١٢٤٠)، والنسائي (١٥٤٣) كلاهما من طريق عبد الله بن يزيد المُقري، حدثنا حيوة وابن لهيعة، قالا: أخبرنا أبو الأسود، أنَّه سمع عروة بن الزبير، يحدث عن مروان بن الحكم فذكره، واللفظ لأبي داود. وفي الإسناد ابن لهيعة وهو متكلم فيه إلَّا أنَّه مقرون، والنسائي لم يذكر اسمه وإنَّما قال: حيوة ورجل آخر. ورواه أيضًا البيهقي (٣/ ٢٦٤) من هذا الوجه إلَّا أنَّه قال: "فكان لرسول الله ﷺ ركعتين، ولكل رجل من الطائفتين ركعة ركعة، كذا قال. والصواب: لكل واحد من الطائفتين ركعتين ركعتين" انتهى.
قلت: وهو كما قال وسيأتي أيضًا ما يبين ذلك ولكن قوله: ولكل رجل من الطائفتين ركعة ركعة
- قد يحمل على أن ذلك مع رسول الله ﷺ ، ثم كل واحد منهم صلَّى ركعة لنفسه.
وصحّحه ابن خزيمة (١٣٦١)، والحاكم (١/ ٣٣٨) فروياه من هذا الطريق إلا أنَّهما لم يذكرا في الإسناد "ابن لهيعة".
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
قلت: مروان من رجال البخاري وحده، ولكنَّه ليس من رجال الإسناد وإنَّما ذُكر في الإسناد لأنه سائل عن صلاة الخوف، وإنَّما يرويه عروة عن أبي هريرة مباشرة، والدليل على ذلك ما رواه أبو داود (١٢٤١)، وابن خزيمة (١٣٦٢) كلاهما من حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن الأسود، عن عروة بن الزبير، عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى نجد، حتى إذا كُنَّا بذات الرقاع من نخل لقي جمعًا من غطفان فذكر معناه، ولفظه على غير لفظ حيوة، وقال فيه: حين ركع بمن معه وسجد، قال: فلما قاموا مشوا القهقرى إلى مصافِّ أصحابهم، ولم يذكروا استدبار القبلة، هذا كله في أبي داود.
وأمَّا ابن خزيمة ففيه صرَّح محمد بن إسحاق بالتحديث عن محمد بن عبد الرحمن بن الأسود بن نوفل -وكان يتيمًا في حِجْر عروة بن الزبير- ولم يُقرنه بمحمد بن جعفر بن الزبير، وفيه يقول عروة
стр. 1804
ابن الزبير: سمعت أبا هريرة، ومروان بن الحكم يسأله عن صلاة الخوف فذكر الحديث كما صرَّحَ أيضًا ابن إسحاق بالتحديث في رواية يونس بن بكير، رواه البيهقي (٣/ ٢٦٤) من طريقه عن محمد ابن إسحاق، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة، عن أبي هريرة قال: صلَّى رسول الله ﷺ بالناس صلاة الخوف، فصدع الناس صدعين. فقامت طائفة خلف رسول الله ﷺ ، وطائفة تجاه العدو، فصلى رسول الله ﷺ بمن خلفه ركعة، وسجد بهم سجدتين، ثم قام، وقاموا معه، فلما استوى قائمًا رجع الذين خلفه وراءهم القهقرى، فقاموا وراء الذين بإزاء العدوِّ، وجاء الآخرون فقاموا خلف رسول الله ﷺ فصلُّوا لأنفسهم ركعةً، ورسول الله ﷺ قائم، ثمَّ قاموا فصلَّي بهم رسول الله ﷺ أُخرى، فكانت لهم ولرسول الله ﷺ ركعتين، ثم جاء الذين بإزاء العدو، فصلوا لأنفسهم ركعة وسجدتين، ثم جلسوا خلف رسول الله ﷺ ، فسلم بهم جميعًا.
وشاركت عائشة في رواية هذه القصة كما يأتي.
وقول أبي هريرة: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى نجد ...
هذه الغزوة سُميِّت بأسماء منها:
- غزوة نجد. - وغزوة محارب. - وغزوة غَطَفَان. - وغزوة ذات الرِّقاع - ويوم القرد.
• عن عائشة قالت: كبر رسول الله ﷺ وكبرت الطائفة الذين صفوا معه، ثم ركع فركعوا، ثم سجد فسجدوا، ثم رفع فرفعوا، ثم مكث رسول الله ﷺ جالسًا، ثم سجدوا هم أنفسهم الثانية، ثم قاموا فنكصوا على أعقابهم يمشون القهقرَى، حتى قاموا من ورائهم، وجاءت الطائفة الأخرى فقاموا فكبَّروا، ثم ركعوا لأنفسهم ثم سجد رسول الله ﷺ فسجدوا معه، ثم قام رسول الله ﷺ وسجدوا لأنفسهم الثانية، ثم قامت الطائفتان جميعًا فصلوا مع رسول الله ﷺ فركع فركعوا، ثم سجد فسجدوا جميعًا، ثم عاد فسجد الثانية وسجدوا معه سريعًا كأسرع الإسراع جاهدًا لا يألون سراعًا، ثم سلَّم رسول الله ﷺ وسلَّموا فقام رسول الله ﷺ ، وقد شاركه الناس في الصلاة كلِّها.
حسن: رواه أبو داود (١٢٤٢) قال: وأما عبيد الله بن سعد فحدثنا قال: حدثني عمي، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، أن عروة بن الزبير حدثه، أن عائشة حدثته بهذه القصة، فقالت: فذكرت الحديث. وإسناده حسن لأجل محمد بن إسحاق وهو صدوق وقد صرَّح بالتحديث.
وعمُّ عبيد الله بن سعد هو: يعقوب بن إبراهيم بن سعد والحديث رواه الإمام أحمد (٢٦٣٥٦) عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، ومن هذا الطريق رواه ابن خزيمة (١٣٦٣)
стр. 1805
وعنه ابن حبان (٢٨٧٣)، ورواه أيضًا الحاكم (١/ ٣٣٦) كلهم من طريق يعقوب بن إبراهيم به.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم، وهو أتمُّ حديث وأشفاه في صلاة الخوف".
٣ - باب ما جاء للإمام أربع ركعات وللمأموم ركعتان ركعتان
• عن جابر، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا كُنَّا بذات الرقاع قال كُنَّا إذا أتينا على شجرةٍ ظليلةٍ تركناها لرسول الله ﷺ . قال فجاء رَجُلٌ من المشركين وسيفُ رسول الله ﷺ مُعَلَّقٌ بشجرةٍ، فأخذ سيف نبي الله ﷺ فاخترطه، فقال لرسول الله ﷺ أتخافُني؟ قال: "لا" قال: فمن يمنعك مني؟ قال: "الله يمنَعُني منك" قال فتهدَّدَهُ أصحابُ رسول الله ﷺ : فأغْمَدَ السيفَ وعَلَّقه، قال: فنُودِيَ بالصلاة، فصلَّي بطائفة ركعتين، ثم تأخَّرُوا، وصَلَّى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال فكانت لرسُول الله ﷺ أربعُ ركعَاتٍ، ولِلْقوم ركعتان.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٤٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفَّان، حدثنا أبان بن يزيد، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر فذكره.
وعلَّقه البخاري في المغازي (٤١٣٦) عن أبان بن يزيد به ثم قال: وقال مسدد، عن أبي عوانة، عن أبي بشر: اسم الرجل غَوْرَث بن الحارث، وقاتل فيها محارِبَ خصفةَ. انتهي.
يشير البخاري إلى ما رواه مسدد في مسنده، وعنه إبراهيم الحربي في كتابه "غريب الحديث" عن مسدد، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر قال: غزا رسول الله ﷺ محارب خصفة بنخل، فرأوا من المسلمين غِرَّة، فجاء رجل منهم يقال له: غَوْرَث بن الحارث حتى قام على رسول الله ﷺ له بالسيف، فذكره. وفيه: فقال الأعرابي: غير أني أعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلَّى سبيله، فجاء إلى أصحابه فقال: جئتكم من عند خير الناس.
ومن هذا الطريق رواه أيضًا ابن حبان في صحيحه (٢٨٨٣)، ورواه أيضًا (٢٨٨٢) من طريق آخر عن قتادة، عن سليمان اليشكري -وهو ابن قيس- أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة في الخوف: أين أنزل، وأين هو؟ فقال: خرجنا نتلقَّى عِيرًا لقريش أتت من الشام، حتى إذا كنا بنخل جاء رجل إلى رسول الله ﷺ وسيفه موضوع، فذكر الحديث نحوه.
وله أسانيد أخرى غير أن ما ذكرته هو أصحهما.
ولجابر أحاديث أخري سبق بعضها تدل على تعدد القصة.
ورُوي عن أبي بكرة قال: صلَّى النبي ﷺ في خوفٍ الظهر، فصفَّ بعضهم خلفه، وبعضهم بإزاء العدوِّ، فصلي بهم ركعتين ثم سلَّم، فانطلق الذين صلوا معه، فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء
стр. 1806
أولئك فصلوا خلفه فصلي بهم ركعتين ثم سلَّم. فكانت لرسول الله ﷺ أربعًا، ولأصحابه ركعتين ركعتين. وبذلك كان يُفتي الحسن.
رواه أبو داود (١٢٤٨)، والنسائي (١٥٥١) كلاهما من طريق أشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة فذكره. واللفظ لأبي داود. ولم يذكر النسائي فتوى الحسن.
وصحّحه ابن حبان (٢٨٨١) فرواه من هذا الوجه.
وفي الإسناد الحسن وهو: البصري مدلس وقد عنعن، وبقية رجاله ثقات، وقد شعر أبو داود بعِلَّة هذا الحديث فقال: وكذلك رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر، عن النبي ﷺ ، وكذلك قال سليمان اليشكري، عن جابر، عن النبي ﷺ ، انتهي.
قلت: إذًا حديث أبي بكرة يكون شاهدًا لحديث جابر، ولكن أعلَّه ابن القطان بأن أبا بكرة، أسلم بعد وقوع صلاة الخوف بمدة. قال الحافظ: وهذه ليست بعلة، فإنه قد يكون مرسل صحابي.
ثم قال أبو داود: وكذلك في صلاة المغرب: يكون للإمام ست ركعات، وللقوم ثلاث ثلاث.
قلت: وصله ابن خزيمة (١٣٦٨) عن محمد بن معمر بن ربعي العتيبي، ثنا عمرو بن خليفة البكراوي، ثنا أشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة، أنَّ النبي ﷺ صلَّى بالقوم صلاة المغرب ثلاث ركعات، ثم انصرف، وجاء الآخرون فصلَّي بهم ثلاث ركعات، فكانت للنبي ﷺ ستّ ركعات، وللقوم ثلاث ثلاث، ومن طريق ابن خزيمة رواه الدارقطني (٢/ ٦١)، قال الحاكم (١/ ٣٣٧): سمعت أبا علي الحافظ يقول: "هذا حديث غريب، أشعث الحمراني لم يكتبه إلَّا بهذا الإسناد".
وقال الحاكم: "وإنه صحيح على شرط الشيخين".
وعمرو بن خليفة البكراوي كنيته أبو عثمان، ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٢٢٩) وقال: "وربما كان في بعض رواياته مناكير" وترجمة الحافظ في "اللسان" ولم يخرج عنه الشيخان البتة، ولعل من مناكيره ذكر صلاة المغرب فإنه انفرد عما رواه الثقات عن أشعث.
٤ - باب من قال: وفي الخوف ركعة
• عن ابن عباس قال: فرضَ الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٦٨٧) من طرق عن مجاهد وغيره، عن ابن عباس فذكره.
قال به بعض أهل العلم في شدة الخوف منهم: عطاء وطاوس والحسن ومجاهد والحكم وحماد وقتادة وغيرهم كلهم جميعًا قالوا: في شدة الخوف ركعة واحدة يومئ بها إيماءً".
وقال إسحاق بن راهويه: "أمَّا عند الشدَّة فتُجزِيك ركعة واحدة، تومئ بها إيماءً، فإن لم تقدر فسجدة واحدة، فإن لم تقدر فتكبيرة، لأنَّها ذكر الله".
стр. 1807
وأمَّا سائر أهل العلم فقالوا: إنَّ صلاة شدَّة الخوف لا ينقص منها من العدد شيئًا، ولكن يصلِّي على حسب الإمكان ركعتين، أي وجه يوجهون إليه، رجالًا ورُكبانًا، يومئون إيماءً، وبه قال أصحاب الرأي ومالك والشافعي، وقال الإمام أحمد: كل حديث رُويَ في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز، وقال: ستَّة أوجه، أو سبعة أوجه تُروي فيه كلُّها جائز. انظر "معالم الخطابي".
وما قال به الإمام أحمد هو من أعدل الأقوال تجنُّبًا من التأويل أو التضعيف كما سيأتي من كلام البيهقي ﵀ تعالي.
• عن ابن عباسٍ أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى بذي قَرَدٍ، وصفَّ الناس خلفه صفَّين، صفًّا خلفه، وصفًّا موازي العدوِّ، فصلى بالذي خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلَّي بهم ركعة، ولم يقضوا.
صحيح: رواه النسائي (١٥٣٥) عن محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الجهم، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس فذكره.
وصحّحه ابن خزيمة (١٣٨٤)، وابن حبان (٢٨٧١)، والحاكم (١/ ٣٣٥) والحديث في مسند الإمام أحمد (٢٠٦٣) كلهم من طريق سفيان به مثله.
ولم يذكر لفظه ابن خزيمة وإنما أحاله على لفظ حديث حذيفة الآتي بعده وقال في آخره: ولم يقضوا.
ثم روي عَقِبه حديث ابن عباس كما مضى في أوَّل صلاة السفر وفيه: وفي "الخوف ركعة".
ورواه أيضًا البيهقي (٣/ ٢٦٢) من طريق سفيان به مثله.
ثم قال: قال سفيان: فكان للنبي ﷺ ركعتين، ولكل طائفة ركعة.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه الألفاظ.
قلت: وهذا وهم منه فإن أبا بكر بن أبي الجهم -واسمه عبد الله وهو العدويّ، وقد ينسب إلى جده- ليس من رجال البخاري، وإنَّما أخرج له مسلم وحده، غير أنَّه ثقة.
ولكن نقل البيهقي (٣/ ٢٦٢) عن الشافعي أنَّه ترك هذا الحديث بحجَّة أنَّ جميع الأحاديث في صلاة الخوف مجتمعة على أنَّ على المأمومين من عدد الصّلاة ما على الإمام، وكذلك أصل الفرض في الصلاة على الناس واحد في العدد، ولأنَّه لا يثبت عندنا مثله لشيء في بعض إسناده.
قال البيهقي: هذا حديث لم يخرجه البخاري ولا مسلم في كتابيهما وأبو بكر بن أبي الجهم يتفرد بذلك هكذا عن عبيد الله بن عبد الله، وقد يحتمل أن يكون مثل صلاته بعُسفان، فإنَّ قوله: ثم ذهب هؤلاء إلى مصافِّ أولئك، وجاء أولئك أراد به تقدُّم الصف المؤخَّر، وتأخُّر الصفِّ المقدَّم.
وقد روى الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ما دلَّ على ذلك مع اختلاف فيه عن الزهري وقت حراسة أحد الصفين".
هكذا يؤول البيهقي حديث أبي بكر بن أبي الجهم أو يُضعِّفه لأنه لم يخرجه الشيخان ولذا تعقبه
стр. 1808
ابن التركماني قائلًا: "أخرجه النسائي ولم يُعلِّله بشيء، وعدم تخريجهما له ليس بعلَّةٍ كما ذكرنا مرارًا، وابن أبي الجهم ثقة أخرج له مسلم فلا يضره تفرده. كيف وقد جاء له شواهد ذكرها البيهقي" انتهي.
وقوله: "صلَّي بذي قَرَد": بقافٍ مثناةٍ مفتوحةٍ وراءٍ مهملة مفتوحةٍ، وآخره دالٌ -جبل يبعد عن المدينة شمالًا شرقيًّا خمسة وثلاثين كيلًا تقريبًا .. معجم الأمكنة الوارد ذكرها في صحيح البخاري (٢٥٢).
• عن ثعلبة بن زَهدم قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال: أيُّكم صلَّي مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا. فصلَّي بهؤلاء ركعةً، وبهؤلاء ركعة، ولم يقضوا.
صحيح: رواه أبو داود (١٢٤٦)، والنسائي (١٥٣١) كلاهما من طريق يحيى، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثني أشعث بن سُليم، عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زهدم فذكره.
ورجاله ثقات، إنَّما الخلاف في ثعلبة بن زهدم في صحبته، والراجح أنَّه من الطبقة الأولى من التابعين.
وصححه ابن خزيمة (١٣٤٣) من طريق محمد بن بشار وهو بندار، وأبي موسى محمد بن المثنى كلاهما عن يحيى بن سعيد به مثله وقال: ولم يقضوا هذا لفظ حديث أبي موسى.
وقال بندار: عن أشعث بن أبي الشعثاء ولم يقل: "ولم يقضوا". وأشعث بن أبي الشعثاء هو: ابن سُليم.
ثم روى عن محمد بن أبي موسى قالا: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا سفيان، حدثني أبو بكر ابن أبي الجهم، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عبد الله بن عباس أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى بذي قَرَدٍ، قال أبو موسى: مثل حديث حذيفة.
وذكر بندار الحديث مثل حديث حذيفة. وقال في آخره: "ولم يقضوا". انتهى.
فبين ابن خزيمة الخلاف بين حديثي ابن عباس وحذيفة ففي حديث حذيفة. قال أبو موسي: "لم يقضوا". ولم يقل ذلك بندار.
وفي حديث ابن عباس قال بندار: ولم يقضوا.
والظاهر منه أن أبا موسى لم يقل في حديث ابن عباس: لم يقضوا.
وحديث حذيفة رواه أيضًا الإمام أحمد (٢٣٢٦٨)، والحاكم (١/ ٣٣٥) كلاهما من طريق سفيان إلَّا أنَّ الإمام أحمد أحال لفظ الحديث على حديث ابن عبَّاس، وزيد بن ثابت.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وجعل حديث ابن عباس شاهدًا لحديث حُذيفة.
ولحديث حذيفة طرق أخرى عند الإمام أحمد إلَّا أنَّها ضعيفة.
стр. 1809
• عن القاسم بن حسان قال: أتيت زيد بن ثابت فسألتُه عن صلاة الخوف فقال: صلَّي رسول الله ﷺ وصفٌّ خلْفه، وصفٌّ بإزاء العدوُ، فصلَّى بهم ركعةً، ثمَّ ذهبوا إلى مصافٍّ إخوانهم، وجاء الآخرون، فصلَّى بهم ركعة، ثمَّ سلَّم، فكان للنبي ﷺ ركعتان ولكل طائفة ركعةٌ.
حسن: رواه النسائي (١٥٣١)، والإمام أحمد (٢١٥٩٣)، وابن خزيمة (١٣٤٥)، وابن حبان (٢٨٧٠)، والبيهقي (٣/ ٢٦٢) كلهم من طريق سفيان، عن الرُّكَين الفزاري، عن القاسم بن حسان فذكره، واللفظ لابن حبان، وأمَّا النسائي فأحال على حديث حذيفة، والإمام أحمد أحال على حديث ابن عباس، وابن خزيمة أحال على حديث حذيفة، وإسناده حسن فإنَّ القاسم بن حسَّان وهو العامري الكوفي روى عنه اثنان ووثقه أحمد بن صالح كما ذكره ابن شاهين في "ثقاته" (١٠٩٤) وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٣٠٥) واعتمده ابن خزيمة وابن حِبَّان فأخرجا الحديث في صحيحيهما.
وأمَّا ما قاله ابن القطَّان: لا يُعْرف حاله. فقد عَرفتَ من علم حاله فوثَّقه.
وقال الذهبي في الكاشف: "وُثق" ونقل عن البخاري في الميزان أنه قال: حديثه منكر، رولا يُعرف، ثم ذكر له شيئًا.
وأورد له من حديثه عن ابن مسعود فلعله يقصد به هذا الحديث بعينه، وأمَّا في التاريخ الكبير فلم يذكر فيه شيئًا، وذكره أيضًا ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه شيئًا. والله أعلم.
وبقية رجال الإسناد من رجال الصحيح.
• عن جابر بن عبد الله أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى بهم صلاة الخوف، فقام صفٌّ بين يديه، وصف خلفه، صلَّى بالذين خلفه ركعة وسجدتين، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا في مقام أصحابهم، وجاء أولئك فقاموا مقام هؤلاء، وصلَّى بهم رسول الله ﷺ ركعةً وسجدتين، ثم سلَّم، فكانت للنبي ﷺ ركعتان، ولهم ركعة.
صحيح: رواه النسائي (١٥٤٥) عن إبراهيم بن الحسن، عن حجاج بن محمد، عن شعبة، عن الحكم، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله فذكره.
ورواه الإمام أحمد (١٤١٨٠) وصحّحه ابن خزيمة (١٣٤٧)، وابن حبان (٢٨٦٩) كلهم من حديث شعبة به مثله. وإسناده صحيح.
ورواه النسائي من وجه آخر عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي قال: أنبأني يريد الفقير وفيه: ثم سلَّم النبي ﷺ ، فسلَّم الذين خلفه، وسلَّم أولئك. أخرجه عن أحمد بن المقدام، حدثنا يزيد بن زُريع، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي به مثله هكذا مختصرًا.
стр. 1810
ولكن رواه ابن خزيمة (١٣٦٤) عن أحمد بن المقدام العجلي، عن يزيد بن زُريع، وأبو داود الطيالسي (١٨٩٨) عن المسعودي مطولًا ومفصلًا وهذا لفظ أبي داود:
عن يزيد بن صُهَيب الفقير، قال: سألتُ جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر، أَقَصْرٌ هما؟ قال جابر: إنَّ الركعتين في السفر ليسَتَا بقَصْر، إنما القصرُ ركعةٌ عند القِتال. قال: ثُمَّ أنشأ يُحدِّثُ أنه كان مع رسول الله ﷺ عند القتال، إذْ حضرت الصلاةُ، فقام رسول الله ﷺ ، فصَفَّ طائفةً خلفَه، وقامت طائفةٌ وجُوهُها قِبَلَ وُجُوه العدُوِّ، فصَلَّي بهم ركعةً، وسجد بهم سجدتين، ثمَّ إن الذين صلَّوا خلْفَهُ انطلقُوا فقامُوا مقامَ أولئِكَ، فجاءَ أولئكَ فَصَفُّوا خلْفَ رسولِ الله ﷺ ، فصلَّي بهم ركعةً، وسجد بهم سجدتَين، ثمَّ إنَّ رسولَ الله ﷺ جلس، فسلَّم وسلَّمَ الذين خَلْفَه، وسَلَّمُوا أولئكَ، فكانتْ لرسول الله ﷺ ركعتين، وللقوم ركعة ركعة، ثم قرأ يزيد: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [سورة النساء: ١٠٢] والمسعودي مختلط إلَّا أنَّه توبع كما سبق.
٥ - باب صلاة الخوف رجالًا وركبانًا
• عن ابن عمر قال: صلَّى رسول الله ﷺ صلاةَ الخوف في بعض أيَّامِه، فقامت طائفة معه، وطائفة بإزاء العدوِّ، فصلَّى بالذين معه ركعة، ثم ذهبوا، وجاء الآخرون فصلَّي بهم ركعة، ثم قضت الطائفتان ركعة ركعة.
قال ابن عمر: فإذا كان خوف أكثر من ذلك فصلِّ راكبًا أو قائمًا، تومئُ إيماءً.
متفق عليه: رواه البخاري في الخوف (٩٤٣)، ومسلم في صلاة المسافرين (٨٣٠/ ٣٠٦) كلاهما من حديث موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر فذكره، واللفظ لمسلم واختصره البخاري وجعل قول ابن عمر: "إن كانوا أكثر من ذلك فليصلوا قيامًا وركبانًا" مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، ورجح الحافظ رفعه بعد أن استقصى جميع طرق حديث ابن عمر.
ورواه مالك في صلاة الخوف (٣) عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان إذا سُئلُ عن صلاة الخوف قال: يتقدم الإمام وطائفة من الناس، فيُصلي بهم الإمام ركعة، وتكون طائفة منهم بينه وبين العدو لم يُصلُّوا فإذا صلي الذين معه ركعة استأخرُوا مكان الذين لم يُصلوا، ولا يُسلِّمون. ويتقدم الذين لم يُصلَّوا فيُصلون معه ركعة، ثم ينصرفُ الإمامُ، وقد صلَّى ركعتين، فتقوم كلُّ واحدة من الطائفتين فيصلون لأنفسهم ركعة ركعة، بعد أن ينصرف الإمامُ، فيكون كلُّ واحدةٍ من الطائفتين قد صلوا ركعتين، فإن كان خوفًا هو أشدّ من ذلك صلَّوا رجالًا قيامًا على أقدامِهم، أو رُكْبانًا مُسْتَقْبلي القبلة أو غير مُستقْبِليها.
قال مالك: قال نافع لا أرى عبد الله بن عمر حدثه إلا عن رسول الله ﷺ .
ورواه البخاري في كتاب التفسير (٥٣٥) من طريق مالك به مثله.
стр. 1811
وأمَّا ما رواه سماك الحنفي عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : "إنَّه صلَّى بهؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة، في صلاة الخوف" ولم يذكر قضاءَهم ركعة أخرى، فقد قال البيهقي: "وقد رُوينا عن سالم ونافع عن ابن عمر، أن كلّ واحدة من الطائفتين قضَوا ركعتهم، والحكم للإثبات في مثل هذا". انتهى. "السنن الكبرى" (٣/ ٢ ٦٣).
٦ - باب يحرس بعضهم بعضًا في صلاة الخوف
• عن ابن عبَّاسٍ قال: قام النبي ﷺ ، وقام الناس معه فكبَّر وكبَّروا معه، وركع وركع ناس منهم، ثم سجد وسجدوا معه، ثم قام للثانية فقام الذين سجلوا وحرسوا لإخوانهم، وأتتِ الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه، والناس كلهم في صلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضًا.
صحيح: رواه البخاري في الخوف (٩٤٤) عن حيوة بن شريح، قال: حدثنا محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس فذكره.
• عن ابن عبَّاسٍ قال: ما كانت صلاة الخوف إلا سجدتين كصلاة أحراسكم هؤلاء اليوم خلف أئمتكم هؤلاء إلا أنَّها كانت عُقَبًا، قامت طائفة منهم وهم جميعًا مع رسول الله ﷺ ، وسجدتْ معه طائفة منهم، ثم قام رسول الله ﷺ وقاموا معه جميعًا، ثم ركع وركعوا معه جميعًا، ثم سجد فسجد معه الذين كانوا قيامًا أوَّل مَرَّة، فلمَّا جلس رسول الله ﷺ والذين سجدوا معه في آخر صلاتهم سجد الذين كانوا قيامًا لأنفسهم، ثم جلسوا فجمعهم رسول الله ﷺ بالتسليم.
حسن: رواه النسائي (١٥٣٥) عن عبد الله بن سعد بن إبراهيم، قال: حدثني عمي، قال: حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وعم عبيدالله هو: يعقوب بن إبراهيم بن سعد، وعنه رواه الإمام أحمد (٢٣٨٢)، والبيهقي (٣/ ٢٥٨) وإسناده حسن لأجل محمد بن إسحاق، فإنَّه صدوق إذا صرَّح بالتحديث.
وقوله: أنّها كانت عُقَبًا، أي تُصلِّي طائفة بعد طائفة، فهم يتعاقبونها تعاقب الغُزَاةِ.
٧ - باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً
• عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ لمَّا رجع من الأحزاب: "لا يُصَلِّيَنَّ أحدٌ العصرَ إلَّا في بني قُريظة" فأدرك بعضَهم العصرُ في الطريق، فقال بعضُهم: لا نُصلِّي حتَّى تأتيها، وقال بعضُهم: بل نُصلِّي، ولم يُرِد مِنَّا ذلك، فذُكِر للنبي ﷺ فلم يُعنِّف واحدًا منهم.
стр. 1812
متفق عليه: رواه البخاري في صلاة الخوف (٩٤٦) وفي المغازي (٤١١٩)، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٧٠) كلاهما عن عبد الله بن محمد ابن أسماء الضُّبعي، حدثنا جويرية بن أسماء، عن نافع، عن عبد الله فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم: نادي فينا رسول الله ﷺ يوم انصرف عن الأحزاب: "أن لا يُصَلِّينَّ أحد الظهرَ إلَّا في بني قريظة" فتخوَّف ناسٌ فوتَ الوقت فصلّوْا دون بني قُريظة، وقال آخرون: لا نُصَلِّي إلَّا حيث أمرنا رسول الله ﷺ وإن فاتنا الوقت. قال: فما عَنَّفَ واحدًا من الفريقين" انتهى.
قال الحافظ في الفتح (٧/ ٤٠٨) أكثر المخرجين ذكروا لفظ "الظهر" كما ذكره مسلم إلَّا أنَّ بعض أصحاب السِّيَرِ ذكروا لفظَ العصر، ثمَّ حاول الجمع بين اللفظين ثم رجح لفظ مسلم، وقال عن البخاري: لعله كتبه من حفظه، ولم يُراعِ اللَّفظ كما عُرِف من مذهبه في تجويز ذلك، بخلاف مسلم فإنَّه يحافظ على اللَّفظ كثيرًا، وإنَّما لم أُجوِّز عكسَه لموافقةِ من وافق مسلمًا على لفظِهِ بخلاف البخاري" انتهى.
ومن التأويلات التي ذكرها قوله: وقد جمع بعض العلماء بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان صلَّى الظهر، وبعضهم لم يُصلِّها، فقيل لمن لم يُصَلِّها: لا يُصلِّينَّ أحد الظهرَ، ولمن صلَّاها لا يُصلِّين أحدٌ العصر. وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى: الظهر، وقيل للطائفة التي بعدها العصر. ثم قال الحافظ: وكلاهما جمع لا بأس به. انتهي.
• عن ابن عبد الله بن أُنَيس، عن أبيه قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى خالد بن سفيان الهُذَلي، وكان نحو عُرَنَة وعرفات. فقال: اذهب فاقتله، قال: فرأيتُه وحضرت صلاةُ العصر، فقلت: إنِّي لأخاف أن يكون بيني وبينه ما إن أؤخِّر الصلاة. فانطلقت أمشي، وأنا أصلِّي أومئ إيماءً نحوه. فلما دنُوت منه قال لي: من أنت؟ قلت: رجل من العرب، بلغني أنك تَجمع لهذا الرجل، فجئتك في ذاك، قال: إني لفي ذاك، فمشيتُ معه ساعةً حتى إذا أمكنني علوتُه بسيفي حتى برد.
وزاد رزين: وكان ساكنا بعُرنة، وكان يجمع لقتال رسول الله ﷺ وفيه: قلتُ: إني لا أعرفه. قال: "إنه ثائر الرأس، كأنه شيطان، إذا رأيته لم يخفَ عليك؟ " قال: فجئتُه فرأيتُه وعرفتُه.
حسن: رواه أبو داود (١٢٤٩) عن أبي معمر عبد الله بن عمرو، حدثنا عبد الوارث، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن ابن عبد الله بن أُنَيس، عن أبيه فذكره.
ومن هذا الوجه رواه ابن خزيمة (٩٨٢) وحسَّن إسنادَه الحافظ في "الفتح" (٢/ ٤٣٧).
стр. 1813
قلت: وفيه علَّتان: إحداهما محمد بن إسحاق فإنه مدلس وقد عنعن. والثانية: ابن عبد الله بن أُنَيس، يقال هو: عبد الله بن عبد الله ترجمه البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٣٧).
فأما العلة الأولى وهي تدليس ابن إسحاق فقد صرَّح به في مسند الإمام أحمد (١٦٠٤٧)، وابن خزيمة (٩٨٣)، وابن حبان (٧١٦٠) كلهم من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير به في حديث طويل وهذا نصُّ الإمام أحمد:
قال: دعاني رسولُ الله ﷺ فقال: "إنَّه قد بلغني أنَّ خالد بن سفيان بن نُبَيح الهُذَلي، يجمَعُ لي الناس ليغزُوَني وهو بعُرَنة، فأتِهِ فاقتُلْه" قال: قلتُ: يا رسول الله! انعتْهُ لي حتَّى أعرفَه، قال: "إذا رَأَيْتَهُ وَجَدْتَ لهُ إقْشَعْريرةً". قال: فخرجتُ متوشِّحًا بسيفي حتَّى وقعتُ عليه، وهو بعُرَنَة مع ظُعُنٍ يرتادُ لهن منزلًا، وحين كان وقتُ العصر، فلما رأيتُه وجدتُ ما وصَفَ لي رسولُ الله ﷺ من الإقشعريرة، فأقبلتُ نحوه، وخشيتُ أن يكون بيني وبينه محاولةٌ تشغلُني عن الصلاة، فصليتُ وأنا أمشي نحوه أومئ برأسي الركوع والسجود، فلمَّا انتهيتُ إليه، قال: من الرجل؟ قلتُ: رجلٌ من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل، فجاءك لهذا. قال: أجل أنا في ذلك. قال: فمشيتُ معه شيئًا، حتَّى إذا أمكَنَني حَمَلْتُ عليه السيف حتَّي قتلتُه، ثم خرجتُ، وتركت ظعائنَه مُكِبّاتٍ عليه، فلمَّا قدِمتُ على رسول الله ﷺ فرآني، فقال: "أَفْلَحَ الوَجْهُ"، قال: قلتُ: قتلتُه يا رسول الله! قال: "صدَقْتَ" قال: ثم قام معي رسولُ الله ﷺ ، فدخل بي بيته، فأعطاني عصًا، فقال: "أمْسِكْ هذِهِ عِنْدَكَ، يا عبد الله بن أُنَيْس"، قال: فخرجتُ بها على الناس، فقالوا: ما هذا العصا؟ قال: قلتُ: أعطانيها رسولُ الله ﷺ ، وأمرني أن أُمسكها، قالوا: أوَ لا ترجِعُ إلى رسول الله ﷺ فتسألَه عن ذلك؟ قال: فرجعتُ إلى رسول الله ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ الله! لم أعطَيْتَني هذه العصا؟ قال: "آيَةُ بيني وبَيْنَكَ يومَ القِيَامَةِ، إنَّ أقْلَّ النَّاس المُتَخَصِّرُونَ يومئذٍ" قال: فقَرَنها عبد الله بسيفه، فلم تزل معه حتى إذا مات أمر بها فصُبَّتْ معه في كفنه، ثم دُفنا جميعًا. واللفظ لأحمد ومثله عند ابن حبان، وأما ابن خزيمة، فأحال على لفظ عبد الوارث.
وأما العلة الثانية وهي جهالة ابن عبد الله بن أُنَيس فهو لم ينفرد به في أصل القصة، بل تابعه أكثر من واحد، كما أن له إسنادًا آخر عند البيهقي في "الدلائل" (٤/ ٤٠، ٤١) وبهذه المتابعات والطرق يصل الإسناد إلى الحسن، إن شاء الله تعالي.
وقولي: زاد رزين: ذكره ابن الأثير في "جامع الأصول" (٥/ ٧٥٠).
стр. 1814
جموع أبواب صلاة الضُّحى
١ - باب استحباب صلاة الضُحى وأقلُّها ركعتان وأكملها ثمان ركعات
• عن عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: ما حدثنا أحدٌ رأى النبي ﷺ يُصَلِّي الضُّحى غير أمِّ هانئ، فإنَّها قالت: إنَّ النبي ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة، فاغتسل، وصلَّى ثماني ركعات، فلم أر صلاة قط أخفَّ منها، غير أنَّه يُتم الركوع والسجود.
متفق عليه: رواه البخاريّ في كتاب التهجد (١١٧٦)، ومسلم في صلاة المسافرين (٣٣٦/ ٨٠) كلاهما من طريق شعبة، حدثنا عمرو بن مُرَّة، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى فذكره.
ورواه مالك في كتاب قصر الصلاة (٢٨) عن أبي النضر مولي عمر بن عبيد الله، أنَّ أبا مُرَّة مولي عقيل بن أبي طالب أخبره، أنَّه سمع أمَّ هانئ بنت أبي طالب تقول: ذهبتُ إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدتُه يغتسل، وفاطمة ابنتُه تستره بثوبٍ، قالت: فسلمتُ عليه. فقال: "من هذه؟ " فقلتُ: أم هانئ بنت أبي طالب. فقال: مرحبا بأمِّ هانيء" فلمَّا فرغ من غسله، قام فصلَّى ثماني ركعات، ملتحفًا في ثوب واحد، ثم انصرف. فقلت: يا رسول الله! زعم ابنُ أمِّي عليٌّ أنَّه قاتلٌ رجلًا أجرتُه: فلانُ بن هُبَيرة. فقال رسول الله ﷺ : "قد أجَرْنا من أجَرْتِ يا أمَّ هانئ" قالت أم هانيء: وذلك ضُحىً.
ورواه البخاري في كتاب الصلاة (٣٥٧)، ومسلم في صلاة المسافرين (٣٣٦/ ٨٢) كلاهما من طريق مالك به مثله.
ورواه أبو داود (١٢٩٠) من وجه آخر عن أمِّ هانئ أنِّ النبي ﷺ يوم الفتح صلَّي سُبْحةَ الضُّحي ثمان ركعات يُسلِّم من كلِّ ركعتين. وإسناده صحيح.
وقولها: "ذهبت إلى رسول الله ﷺ " أي إلى بيتها؛ فإن النبي ﷺ دخل بيتها وهي خارجة منه، فدخلت والنبي ﷺ يغتسل، وفاطمة تستره.
وهذه صلاة الفتح، ولذا لم يُر أن النبي ﷺ صلاها بعد ذلك، ولكنْ صادف أنه صلاها في وقت الضحى فاشتهرت بصلاة الضحى.
وقد ثبت عن بعض الصحابة أن النبي ﷺ لم يصلّ صلاة الضحى قط كما سيأتي في باب من لم ير سنية صلاة الضحى أصلا.
• عن أنس بن سيرين قال: سمعتُ أنسًا يقول: قال رجل من الأنصار: إنِّي لا أستطيع الصلاة معك -وكان رجلًا ضخمًا- فصنع للنبي ﷺ طعامًا فدعاه إلى
стр. 1815
منزله، فبسط له حصيرًا، ونَضَحَ طرف الحصير فصلَّي عليه ركعتين. فقال رجل من آل الجارود لأنس: أكان النبي ﷺ يصلِّي الضُحى؟ قال: ما رأيتُه صلَّاها إلا يوَمئِذٍ.
صحيح: رواه البخاري في الأذان (٦٧٠) عن آدم، وفي التهجد (١١٧٩) عن علي بن الجعد، كلاهما عن شعبة قال: حدثنا أنس بن سيرين، فذكره.
ورواه ابن ماجة (٧٥٦)، وابن حبان (٥٢٩٥) فأدخلا بين أنس بن سيرين وأنس بن مالك: "عبد الحميد بن المنذر بن الجارود".
فقال الحافظ في "الفتح" (٢/ ١٥٨): "اقتضى ذلك أن في رواية البخاري انقطاعًا، وهو مندفع بتصريح أنس بن سيرين بسماعه عن أنس، فحينئذ رواية ابن ماجة إما من المزيد في متَّصِلِ الأسانيد، وإمَّا أن يكون فيها وهم لكون ابن الجارود كان حاضرًا عند أنس لما حدَّث بهذا الحديث، وسأله عما سأله من ذلك، فظنَّ بعض الرواة أنَّ له فيه رواية" انتهى.
تنبيه: وقع في كلام الحافظ في قوله قبل هذا: وذلك أن البخاري أخرج هذا الحديث من رواية شعبة (كما سبق) وأخرجه في موضع آخر من رواية خالد الحذاء (وهو في كتاب الأدب ٦٠٨٠) كلاهما عن أنس بن سيرين، "عن عبد الحميد بن المنذر بن الجارود، عن أنس".
فقوله: "عن عبد الحميد بن المنذر" خطأ من الناسخ؛ لأنه لو ثبت في رواية البخاري الثانية ذكر "عبد الحميد بن المنذر" لما كان للحافظ التعقب عليه، ثم بعد الرجوع إلى رواية خالد الحذاء تبين أنه لا يوجد فيه ذكر "عبد الحميد بن المنذر" في الإسناد، فتنبه.
وقوله: رجل من الأنصار هو: عتبان بن مالك الأنصاري، لأن قصته شبيهة بقصته كما مضتْ.
• عن معاذة أنَّها سألت عائشة: كم كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي صلاة الضُّحى؟ قالت: أربع ركعات ويزيد ما شاء.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧١٩) عن شيان بن فروُّخ، حدّثنا عبد الوارث،
حدثنا يزيد (يعني الرِشْك) حدثتني معاذةُ فذكرت الحديث.
وسيأتي منها قولُها: ما رأيت رسول الله ﷺ يُصلي الضحى قط. كما سياتي أنه يُصلي الضُّحي
إذا جاء من مغيبه فالنفي يحمل على عدم المواظبة، والإثبات يحمل على مجيئه من السفر. لأن هذه
الأحاديث كلها صحيحة.
• عن أبي ذرٍّ، عن النبي ﷺ قال: "يُصبح على كلِّ سُلامَى من أحدكم صدقةٌ، فكلُّ تسبيحةٍ صدقة، وكلُّ تحميدة صدقةٌ، وكلُّ تهليلةٍ صدقةٌ، وكلُّ تكبيرةٍ صدقةٌ، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ، ويُجزِئُ من ذلك ركعتان يركعهما من الضُّحى".
стр. 1816
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٢٠) عن عبد الله بن محمد بن أسماء الضُبَعي، حدثنا مهدي (وهو ابن ميمون) حدثنا واصل مولى أبي عيينة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يُعْمَر، عن أبي الأسود الدُولي، عن أبي ذر فذكره.
ورواه أبو داود (٥٢٤٣) عن أحمد بن منيع، عن عباد بن عباد عن واصل به وفيه من الزيادة: "تسليمُه على من لقي صدقةٌ، وإماطتُة الأذى عن الطريق صدقةٌ، وبُضْعتُه أهلَه صدقة" قالوا: يا رسول الله يأتي شهوةً وتكون له صدقةٌ؟ قال: "أرأيت لو وَضَعها في غير حقها أكان يأثم" قال: "ويُجزئ من ذلك كله ركعتان من الضُّحي" غير أنه لم يذكر بين يحيي بن يعمر وأبي ذر "أبا الأسود الدُولي" وثبت سماع يحيى من أبي ذر وغيره من الصحابة فالظاهر أنه روى الحديث على وجهين.
وقوله: "بالسُّلامَى" أراد به كل عظم ومفصل يعتمد عليه في الحركة. وأصل السلامي: عظم في فِرسن البَعير، ويجمع: السلاميات. "شرح السنة" (٤/ ١٤٢).
• عن أبي ذر قال: أوصاني حبيبي ﷺ بثلاثة لا أدعُهن إن شاء الله تعالى أبدًا.
أوصاني بصلاة الضُّحى، وبالوتر قبل النوم، وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر.
صحيح: رواه النسائي (٢٤٠٤) عن علي بن حجر، قال: حدثنا إسماعيل، حدثنا محمد بن أبي حرملة، عن عطاء بن يسار، عن أبي ذرٍّ فذكره.
إسناده صحيحٌ، وقد صحّحه أيضًا ابن خزيمة (١٠٨٣) فرواه عن علي بن حجر السعدي، والإمام أحمد (٢١٥١٨) عن سليمان بن داود الهاشمي، كلاهما عن إسماعيل به مثله.
وإسماعيل هو: ابن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزُّرَقي من رجال الجماعة.
• عن أبي الدرداء وأبي ذر، عن رسول الله ﷺ عن الله أنَّه قال: "ابن آدم اركع لي من أوَّل النهار أربع ركعات أكفِك آخِرَه".
حسن: رواه الترمذي (٤٧٥) عن أبي جعفر السمناني، حدثنا أبو مُسْهِر، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء وأبي ذر فذكراه.
وإسناده حسن لأجل إسماعيل بن عياش فإنه صدوق في روايته عن أهل بلده، ويحبر بن سعد من بلده الحمص الشامي، وبقية رجاله ثقات.
قال الترمذي: "حسن غريب".
ورواه الإمام أحمد (٢٧٤٨٠) من وجه آخر عن أبي المغيرة، قال: حدثنا صفوان، قال: حدثني شُريح بن عبيد الحضرمي وغيره عن أبي الدرداء نحوه.
قال الهيثمي (٣٤١٠) رواه أحمد ورجاله ثقات.
قلت: وهو كما قال إلَّا أنَّ فيه انقطاعًا، فإن شريح بن عبيد لم يسمع من أبي الدّرداء.
стр. 1817
• عن أبي الدرداء قال: أوصاني حبيبي بثلاث، لن أدعَهن ما عِشتُ: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاةِ الضُّحى، وبأن لا أنامَ حتى أوتر.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٢٢) عن هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع، قالا: حدثنا ابن أبي فُديك، عن الضّحاك بن عثمان، عن إبراهيم بن عبد الله بن حُنين، عن أبي مُرة مولى أم هانيء، عن أبي الدرداء فذكره.
• عن بريدة يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "في الإنسان ثلاثمائة وستون مفْصلًا، فعليه أن يتصدق عن كل مفْصلٍ منه بصدقةٍ" قالوا: ومن يُطيق ذلك يا نبي الله؟ قال: "النخاعة في المسجد تدفِنُها، والشيء تُنحّيه عن الطريق، فإن لم تجد فركعتا الضُّحي تُجزئك".
حسن: رواه أبو داود (٥٢٤٢) عن أحمد بن محمد المروزي، قال: حدثني علي بن حسين، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عبد الله بن بريدة، قال: سمعتُ أبي بريدةَ فذكر الحديث.
وإسناده حسن للكلام في حين وهو: ابن واقد المروزيّ غير أنَّه حسن الحديث.
وقد أخرجه ابن خزيمة (١٢٢٦)، وابن حبان (١٦٤٢, ٢٥٤٠) كلاهما من طريق حسين بن واقد به مثله.
• عن عِتبان بن مالك: أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى في بيته سُبْحةَ الضُّحي، فقاموا وراءه فصلّوا بصلاته.
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٣٧٧٣) عن عثمان بن عمر، حدثنا يونس، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عِتْبان بن مالك فذكره.
ورواه أيضًا (١٦٤٧٩) عن يحي بن آدم، قال: حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري به ولفظه: صلَّى رسول الله ﷺ ضُحّي، وسلَّمنا حين سلَّم، وأنه -يعني- صلَّى بهم في مسجدٍ عندهم، وصحّحه ابن خزيمة (١٢٣١) ورواه من طريق عثمان بن عمر به مثله.
وأصل حديث عِتبان عند مالك في قصر الصلاة (٨٦) عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيعلاالأنصاري أنَّ عِتبان بن مالك كان يؤُم قومه، وهو أعمى، وأنَّه قال لرسول الله ﷺ : إنَّها تكون الظُّلمةُ، والمطرُ، والسيلُ، وأنا رجلٌ ضريرُ البصرِ، فصَلِّ يا رسول الله! في بيتي مكانًا اتخذه مُصلًّى، فجاءه رسول الله ﷺ فقال: "أين تحبُّ أن أصلِّيَ؟ فأشار له إلى مكانٍ من البيت. فصلَّي فيه رسول الله ﷺ .
ورواه البخاري في الأذان (٦٦٧) عن إسماعيل، قال: حدثني مالك به مثله. ورواه هو أيضًا في مواضع منها في الصلاة -المساجد في البيوت- (٤٢٥) ومنها في الأذان (٨٣٨, ٨٤٠).
стр. 1818
ومسلم في المساجد (٣٣/ ٢٦٣) من طرقٍ غير مالك، عن ابن شهاب به مختصرًا ومطوَّلًا.
ورواه البغوي في "شرح السنة" (٤/ ١٣٦) من طريق عثمان بن عمر، نا يونس، عن الزهري، به ولفظه: "صلَّى في بيته سُبحة الضُّحى، فقاموا وراءه فصلَّوا". وقال: "متفق على صحته".
وفيه نظر، فإن الشيخين لم يخرجا اللفظ الذي ساقه البغوي وحديث يونس عن الزهري رواه البخاري في المغازي (٤٠١٠) وليس فيه لفظ الضُحى، ولكن ذكره البخاري معلَّقًا وبوَّبه بقوله:
"صلاة الضُّحى في الحضر قاله عِتْبان بن مالك، عن النبي ﷺ " "الفتح" (٣/ ٥٦) وأشار الحافظ إلى رواية الإمام أحمد عن عثمان بن عمر، عن يونس به.
• عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي بثلاث، لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضُّحى، ونوم على وتر.
متفق عليه: رواه البخاري في التهجد (١١٧٨)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٢١) كلاهما من طريق شُعبة، حدثنا عباس الجُريري -وهو ابن فروُّخ- عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة فذكره، واللفظ للبخاري.
وفي لفظ مسلم: "وركعتي الضُّحي".
وزاد أحمد (١٠٥٥٩)، وابن خزيمة (١٢٢٣) من طريق سليمان بن أبي سليمان، عن أبي هريرة بعد قوله: وصلاة الضُّحى- "فإنَّها صلاة الأوَّابين".
ولكن سليمان بن أبي سليمان قال فيه الدارقطني: مجهول، ولم يوثقه غير ابن حبان وسيأتي حديث زيد بن أرقم: "صلاة الأوَّابين حين ترمض الفِصال" وهي صلاةُ الضُّحى.
• عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ بعثًا، فأعظَموا الغنيمةَ وأسرعوا الكرَّة، فقال رجل: يا رسول الله! ما رأينا بعثًا قط أسرع كرَّةٌ، ولا أعظم منه غنيمةً من هذا البعث؟ فقال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بأسرع كرَّةً منه، وأعظم غنيمةً! رجل توضأ في بيته فأحسن وضوءَه، ثم عمد إلى المسجد فصلَّي فيه الغداةَ، ثم عقَّب بصلاة الضَّحْوةِ، فقد أسرع الكرَّة وأعظم الغنيمة".
حسن: رواه أبو يعلي (٦٥٢٨) عن أبي (وهو ابن أبي شيبة) حدثنا حاتم (ابن إسماعيل) عن حُميد بن صَخْرٍ، عن المقبري، عن أبي هريرة فذكره.
قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٣٥): رجاله رجال الصحيح.
قلت: وهو كما قال إلَّا أنَّ حميد بن صخر وإن كان من رجال مسلم وهو مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
стр. 1819
أبي بكر بن أبي شيبة به مثله.
وأورده المنذري في "الترغيب والترهيب" (١/ ٤٦٣) وقال كما قال الهيثمي وزاد: والبزار وابن حبان في صحيحه، وبين البزار في روايته أن الرجل أبو بكر ﵁. انتهى.
• عن نُعيم بن هَمَّار، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يقول الله : يا ابنَ آدم لا تُعجزني من أربعِ ركعاتٍ في أوَّل نهارك، أَكْفِك آخره".
حسن: رواه أبو داود (١٢٨٩) عن داود بن رُشيد، ثنا الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن كثير بن مُرَّة، عن نُعيم بن هَمَّار فذكره.
إسناده صحيح ورجاله ثقات غير أن الوليد بن مسلم كان يدلس تدليس التسوية، وقد صرَّح بالتحديث في رواية الإمام أحمد (٢٢٤٧٠) فإنه رواه عن الوليد بن مسلم قال: حدثنا سعيد، يعني ابن عبد العزيز إلَّا أنَّه سقط من السند "كثير بن مُرَّة" بين مكحول ونُعيم بن هَمَّار.
ولم أجد من نَصَّ على سماع مكحول من نُعَيم بن هَمَّار، وقد ثبت ذكر كثير بن مُرَّة في الأسانيد الأخرى، منها ما رواه الإمام أحمد (٢٢٤٧٥) عن أبي سعيد مولى بني هاشم، حدثنا محمد بن راشد الدمشقي، حدثنا مكحول، عن كثير بن مرة الحضرمي، عن نعيم بن هَمَّار فذكر الحديث. وهذا الإسناد رجاله ثقات غير محمد بن راشد الدمشقي فهو صدوق.
كما رواه أيضًا الإمام أحمد بأسانيد أخرى بذكر كثير بن مُرَّة، وكذا رواه أيضًا ابن حبان (٢٥٣٣) من وجه آخر عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن كثير بن مُرَّة، عن قيس الجُذامي، عن نُعَيم بن همَّار، فأدخل بين كثير بن مُرَّة ونُعَيم "قيس الجذامي".
ورواه أيضًا ابن حبان (٢٥٣٤) من وجه آخر عن الوليد بن مسلم، ثنا الوليد بن سليمان بن أبي السائب، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن نعيم بن همار الغطفاني فذكره. وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقد صرَّح الوليد بن مسلم بالتحديث.
وأمَّا ما رواه أحمد (٢٢٤٧٣) عن أبي مُرَّة الطائفي عن رسول الله ﷺ مثله فجعل بعض أهل العلم اعتمادًا على هذه الرواية بأنَّ أبا مُرَّة من الصحابة، ولذا افرده الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٣٦) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، ولم يجزم بصحبته الحافظ في "التقريب" فقال في ترجمة "أبي مرة" شيخ لمكحول، يقال: له صحبة، وقيل: الصواب: أنه كثير بن مُرَّة. انتهى.
قلت: هذا الأخير هو أقرب إلى الصّواب.
لأن الإمام أحمد رواه عن يحيى بن إسحاق، قال: أخبرني سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن أبي مرة الطائفي قال: سمعتُ النبي ﷺ فذكر الحديث. وسبق أن رواه عن الوليد بن مسلم، حدثنا سعيد -يعني ابن عبد العزيز- حدثنا مكحول، عن نعيم بن همار (٢٢٤٧٠).
قال المزي في "التحفة" (٩/ ٢٨٨) بعد أن عزا حديث أبي مُرَّة إلى النسائي في الكبري:
стр. 1820
المحفوظ حديث سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن كثير بن مرة، عن نعيم بن همار، وقيل: عن مكحول، عن كثير بن مرة، عن قيس الجذامي، عن نعيم بن همار" انتهى.
وكثير بن مُرَّة الحضرميّ الحمصيّ من الثانية، قال الحافظ في التقريب: ووهم من عدّه من الصحابة. وهو ثقة. انتهى.
• عن عقبة بن عامر الجُهني أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله يقول: يا ابن آدم! اكفني أوَّل النهار بأربع ركعاتٍ، أكفِك بهنَّ آخرَ يومِك".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٧٣٩٠)، وأبو يعلى (١٧٥٧) كلاهما من طريق يزيد بن هارون، حدثنا أبان بن يزيد العَطَّار، عن قتادة، عن نُعيم بن هَمَّار، عن عقبة بن عامر فذكره.
وإسناده صحيح، وقتادة وإن كان مدلَّسًا فقد صرَّح بالتحديث عند الإمام أحمد في رواية أخرى (١٧٧٩٤) رواه عن عفَّان، قال: أخبرنا أبان، قال: حدثنا قتادة، قال: حدثنا نعيم بن همار به مثله.
ونعيم بن همار وعقبة بن عامر كلاهما صحابيان فصحَّ الحديث من وجهين، ولا يُعل أحدُهما الآخر.
قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٣٥): "رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله رجال ثقات".
• عن النوَّاس بن سمعان قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "قال الله : ابن آدم، لا تعجزنَّ من أربع ركعات في أوَّل النهار، أكْفِك آخِرَه".
صحيح: قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٣٦): رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات". إلا أني لم أقف على إسناده، وهذا الحكم مبني على قول الهيثمي، ثم وقفت على كلام العيني في عمدة القاري (٧/ ١٤٧) فقال: حديث النواس بن سمعان عند الطبراني في الكبير من رواية أبي إدريس الخولاني، قال: سمعت النواس بن سمعان، فذكر الحديث، وقال: "إسناده صحيح".
• عن أبي أمامة قال: إنَّ رسول الله ﷺ قال: "من خرج من بيته متطهَّرًا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضُّحى لا ينصبه إلَّا إيَّاه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة إِثرَ صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليَّين".
حسن: رواه أبو داود (٥٥٨) وأحمد (٢٢٣٠٤) كلاهما من طريق يحيى بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة فذكره. واللفظ لأبي داود.
وإسناده حسن لأجل الكلام في القاسم وهو: ابن عبد الرحمن الشامي الدمشقي مختلف فيه، وثقه ابن معين والعجلي والترمذي وغيرهم، وضعَّفه البعض بأنَّ عِنده مناكير، وقد قيل: إنَّ المناكير عمَّن رواه عنه من الضعفاء، وأما الثقات فلا، والخلاصة فيه أنَّه حسن الإسناد إذا لم يرو ما يُنْكَر عليه.
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: بعث رسولُ الله ﷺ سَريَّةً، فغَنِموا، وأسْرَعوا الرجْعَة، فتحدَّث الناس بقُرْبِ مغْزاهم، وكثرة غَنيمتِهم، وسرعة رَجْعتِهم،
стр. 1821
فقال رسول الله ﷺ : "ألا أدلُّكم على أقرب منه مغزىّ، وأكثرَ غَنيمةً، وأوشك رجْعَةً؟ من توضَّأ ثمَّ غدا إلى المسجد لسُبحةِ الضُّحى، فهو أقربُ مغرّى، وأكثرُ غَنيمَةً، وأوشك رَجْعَةً".
حسن: رواه الإمام أحمد (٦٦٣٨) عن حسن، حدثنا ابن لهيعة، حُدثني حُييُّ بن عبد الله، أن أبا عبد الرحمن الحُبُلي حدَّثه، عن عبد الله بن عمرو فذكره.
وإسناده حسن فإنَّ حييَّ بن عبد الله مختلف فيه، وخلاصة القول فيه كما قال ابن عدي: أرجو أنَّه لا بأس به إذا روى عنه ثقة.
وابن لهيعة فيه كلام معروف، إلَّا أنَّه توبع؛ فقد رواه الطبراني في "الكبير" (١٠٠ - قطعة من الجزء ١٣ - ١٤) من وجه آخر عن ابن وهب، حدّثني حيي، بإسناده مثله.
وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٣٥): "رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة وفيه كلام، ورجال الطبراني ثقات، لأنه جعل بدل ابن لهيعة ابن وهب".
وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (١/ ٤٦٣): "رواه أحمد من رواية ابن لهيعة، والطبراني بإسناد جيد".
• عن علي قال: إنَّ رسول الله ﷺ كان يُصَلَّي من الضَّحى.
حسن: رواه الإمام أحمد (٦٨٢) عن سليمان بن داود، أخبرنا شعبةُ، عن أبي إسحاق، سمع عاصم بن ضمْرة، عن علي فذكره.
وسليمان بن داود هو: ابن الجارود أبو داود الطيالسي صاحب المسند (ت ٢٠٤) والحديث في مسنده (١٢٩) من هذا الوجه وعنه رواه النسائي في الكبري (٤٧١).
ورواه ابن خزيمة في صحيحه (١٢٣٢) عن محمد بن عبد الله المخرَّمي، ثنا أبو عامر، عن شعبة به مثله. قال المخرَّمي: هكذا حدثنا به مختصرًا.
قلت: هذا حديث مختصر من حديث طويل، انظر: تطوع النبي ﷺ في النهار، جموع أبواب النوافل التابعة للفرائض وفيه: إذا كان الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند العصر صلى ركعتين. فهذه صلاة الضُّحى قاله ابن خزيمة.
وإسناده حسن لأجل عاصم بن ضمْرة.
وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٣٥): "رجال أحمد ثقات".
وأما ما رُوي عن أبي أمامة، وعتبة بن عبد الله السلمي حدثاه عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من صلى صلاة الصبح في جماعة، ثم ثبت في المسجد يسبح الله سبحة الضُّحى كان له كأجر حاج ومعتمر، تامًّا له حجته وعمرته" فهو ضعيف.
стр. 1822
رواه الطبراني في الكبير (٨/ ١٧٤، ١٨٠، ١٨١) (١٧/ ١٢٩) من طرق عن الأحوص بن حكيم، عن عبد الله بن عامر، عن أبي أمامة وعتبة، وفي بعض طرقه عن أبي أمامة وحده.
قال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ١٠٤): وفيه الأحوص بن حكيم وثقه العجلي وغيره، وضعَّفه جماعة، وبقية رجاله ثقات. وفي بعضهم خلاف".
وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (١/ ٢٩٦): "رواه الطبراني وإسناده جيد".
قلت: ليس إسناده بجيد، فإنَّ الأحوصّ بنَ حكيم تكلَّم فيه أهل العلم، فقال ابن معين: ليس بشيء، وقال السعدي: ليس بالقوي في الحديث، وقال النسائي: ضعيف.
وفي التقريب: أطلق الحافظ عليه كلمة: "ضعيف الحفظ".
وكذلك ما رُوي عن معاذ بن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يُسبّح ركعتي الضُّحى، لا يقول إلَّا خيرًا، غُفِر له خطاياه، وإن كانت أكثر من زبد البحر".
رواه أبو داود (١٢٨٧) عن محمد بن سلمة المرادي، حدثنا ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن زبَّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه فذكر الحديث.
وإسناده ضعيف فإن زبان بن فائد -بالفاء- البصري قال فيه ابن معين: شيخ ضعيف، وقال الإمام أحمد: أحاديثه مناكير، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدَّا. وأطلق عليه حافظ كلمة "ضيف الحديث".
وكذلك ما رُوي عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: "لأن أذكر الله تعالى من طلوع الشمس أكبِّر وأهللُ وأسبح، أحبُّ إلي من أن أُعتق أربعًا من ولد إسماعيل، ولأن أذكر الله من صلاة العصر إلى أن تغيب الشمسُ أحبُّ إلي من أن أعتق كذا وكذا من وَلَد إسماعيل".
رواه أحمد (٢٢١٨٥)، والطبراني في "الكبير" (٨٠٢٨) وفي "الدعاء" (١٨٨٢) في الجميع من طريق سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي طالب الضُبعي، عن أبي أمامة فذكره.
وعلي بن زيد - هو ابن جدعان ضعيف.
٢ - باب ما جاء في عدم مواظبة النبي ﷺ على صلاة الضُّحي خشية أن تُفرض على أمته
• عن عائشة أنها قالت: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ يُصلِّي سُبحةَ الضُّحى قط، وإني لأُسَبِّحُها، وإن كان رسول الله ﷺ ليدعُ العملَ، وهو يُحبُّ أن يعملَه خشية أن يعمل به الناسُ فيُفرضَ عليهم.
стр. 1823
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٢٩) عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة
فذكرت مثله.
رواه البخاري في التهجد (١١٢٨) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في صلاة المسافرين (٧١٨) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به مثله.
ثم روى مالك عن زيد بن أسلم، عن عائشة: أنها كانت تُصلي الضُّحي ثماني ركعات، ثم تقول: لو نُشر لي أبوايَّ ما تركتُهن.
وفيه انقطاع، لأن زيد بن أسلم لم يسمع من عائشة.
ورواه النسائي في "الكبرى" (٤٨٤) بشيء من التفصيل من طريق عاصم بن عمر بن قتادة، عن جدته رُميثة قالت: أصبحتُ عند عائشة، فلمَّا أصبحنا، قامت فاغتسلت، ثم دخلت بيتًا لها، فأجافتِ البابَ، قلت: يا أم المؤمنين! ما أصبحتُ عندكِ إلَّا لهذه الساعة، قالت: فادخلي، قالت: فدخلتُ. فقامت، فصلَّتْ ثماني ركعات، لا أدري أقيامهنَّ أطولُ أم ركوعهنَّ، أم سجودهنَّ؟ ثم التفَتتْ إلىَّ فضربتْ فخذيّ، فقالت: يا رْميثةُ! رأيتُ رسول الله ﷺ يُصليها، ولو نُشر لي أبوايَّ على تركها ما تركتُها.
ورواه الإمام أحمد (٢٥٠٧٨) مختصرًا عن وكيع، حدثنا أبي، عن سعيد بن مسروق، عن أبان ابن صالح، عن أم حكيم، عن عائشة فذكرت باختصار.
وأم حكيم هي: رميثة الصحابية جدة عاصم بن عمر. قال المزي: قيل: إنها رميثة بنت حكيم.
قلت: وقيل غير ذلك.
وفي إسناد الإمام أحمد والد وكيع وهو: الجراح بن مُليح مختلف فيه.
قال الحافظ في التقريب: "صدوق يهم".
وقول عائشة: "ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ يُصلى سبحة الضُّحى قط" لعلها قصدت عدم مداومته، وإلا فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه ﷺ صلَّاها إلَّا انَّه لم يُداوم عليها خشيةَ أن تُفرضَ.
• عن أبي هريرة قال: ما رأيتُ النبي ﷺ صلى الضُّحي قط إلَّا مرةً واحدةً.
حسن: رواه الإمام أحمد (٩٧٥٨) عن وكيع، والبزار "كشف الأستار" (٦٩٦) من طريق قبيصة كلاهما عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن للكلام في عاصم وأبيه غير أنهما صدوقان.
قال البزّار: لا نعلم رواه عن عاصم إلا سفيان، ورواه عن سفيان قبيصةُ ووكيع.
قلت: وهو كما قال، ورواه أيضًا النسائي في "الكبرى" (٤٧٩) من طريق وكيع، إلَّا أنَّه لم يذكر المستثني، وهو قول أبي هريرة: "إلَّا مَرَّة واحدة"، والبزّار من طريق قبيصة، عن سفيان به.
ونفي أبي هريرة محمول على علمه.
стр. 1824
٣ - باب من رأى أنَّ صلاة الضُّحي إذا رجع من السَّفر
• عن عبد الله بن شقيق قال: قلتُ لعائشة: أكان النبي ﷺ يُصَلِّي الضُّحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مَغِيبِه.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧١٧) عن يحيى بن يحيى، أخبرنا يزيد بن زُريع، عن سعيد الجُريري، عن عبد الله بن شقيق به مثله.
ويحمل عليه حديث عائشة رواه ابن حبان في صحيحه (٢٥٣١) قالت: دخل رسول الله ﷺ بيتي فصلي الضُّحى ثمان ركعات. وفيه المطلب بن عبد الله بن حنطب يروي عن عائشة، وفي سماعه منها اختلاف وأكثر الأئمة على أنه لم يسمع منها. قال أبو حاتم: لم يدرك عائشة، وعامة حديثه مراسيل. وقال أبو زرعة: أرجو أن يكون سمع منها.
وقد ثبت في صحيح مسلم أنها قالت: كان رسول الله ﷺ لا يُصلِّي الضُّحى أربع ركعات ويزيد ما شاء، ولعلها تقصد من الزيادة هذه الثمانية.
ولأهل العلم عدة أقوال في الجمع بين أقوال عائشة، انظر: "الفتح" (٣/ ٥٦)، وأشهرها ما قاله ابن حبان في صحيحه (٦/ ٢٧١): إثبات عائشة صلاة الضُّحى للمصطفى ﷺ أرادت به في البيت دون مسجد الجماعة، لأنه ﷺ قال: "أفضل صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة" انتهى.
قال الحافظ بعد أن عزا هذا الجمع إلى المحب الطبري وبأنه أخذه من كلام ابن حبان: "ويُعكِّر عليه حديث الباب -وهو قولها: ما رأيت رسول الله ﷺ سبَّح سُبحةَ الضُّحي، وإني لأسبِّحها- قال: ويجاب عنه بأن المنفي صفة مخصوصة" انتهى.
• عن ابن عمر قال: إنَّ النبي ﷺ لم يكن يصلي الضَّحى إلا أن يقدم من غَيبةٍ.
حسن: رواه ابن خزيمة (١٢٢٩) عن إسحاق بن إبراهيم الصّواف، نا سالم بن نوح العطار، أخبرنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
رواه أيضًا ابن حبان في صحيحه (٢٥٢٨) عن أبي عروبة، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف به مثله.
وإسناده حسن لأجل الكلام في سالم بن نوح العطار تكلم فيه ابن معين والنسائي. وقال الإمام أحمد: ما بحديثه بأس.
والراوي عنه الصواف هو: إسحاق بن إبراهيم بن محمد الصواف الباهلي أبو يعقوب البصري من شيوخ البخاري.
• عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله ﷺ في سفر صلي سُبحة الضُّحى ثمان ركعات، فلما انصرف قال: "إنِّي صلَّيتُ صلاة رغبةٍ ورَهْبةٍ، سألت ربِّي ثلاثًا.
стр. 1825
فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة. سألتُه أن لا يبتلي أمتي بالسنين، ففعل، وسألتُه أن لا يُظهر عليهم عدوَّهم، ففعل، وسألته أن لا يلبِسَهم شيعًا فأبى عليَّ".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٢٤٨٦)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٤٨٩) كلاهما من طريق عمرو ابن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن الضحاك بن عبد الله القرشي حدَّثه، عن أنس بن مالك فذكره. وصححه ابن خزيمة (١٢٢٨)، والحاكم (١/ ٣١٤).
ولكن قال البخاري في "تاريخه" (٤/ ٣٣٤): "الضحاك بن عبد الله القرشي، عن أنس، روي عنه بكير بن الأشج، إن لم يكن ابن خالد فلا أعرفه".
قلت: الظاهر هو: الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد الأسدي الحزامي من رجال مسلم والسنن وهذا الذي ترجمه المزي في تهذيب الكمال، والحافظ في فروعه وقال فيه: "صدوق يهم" وقال فيه أبو حاتم: "يكتب حديثه ولا يحتج به".
وأما الضحاك بن عبد الله بن خالد فلا يوجد في كتب الحديث، والغالب أن الرواة حذفوا اسم أبيه، ونسبوه إلى جده فوقع الالتباس في اسمه، وهو أمر شائع في كتب الرجال.
فالخلاصة: أنه رجل واحد لا اثنان، ولذا نفي البخاري معرفته للثاني.
٤ - باب من لم ير سنية صلاة الضُّحى أصلًا
• عن مورق قال: قلت لابن عمر أتصلِّي الضُّحي؟ قال: لا، قلت: فعمر؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا، قلت: فالنبي ﷺ ؟ قال: لا إخاله.
صحيح: رواه البخاري في التهجد (١١٧٥) عن مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، عن توبة، عن مورُّق به مثله.
• عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، أن أباه رأى أناسًا يصلون صلاة الضُّحى فقال: أما إنَّهم يصلون صلاة ما صلاها رسول الله ﷺ ولا عامَّة أصحابه.
حسن: رواه الدارمي (١٤٦٣)، والنسائي في الكبري (٤٨٠) كلاهما من حديث معاذ بن معاذ، قال: حدثني شعية، عن فُضيل بن فضالة، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي بكرة فذكره.
وفُضيل بن فَضالة هو: القيسي البصري. قال علي بن المدني: لا نعرف أحدًا روي عن هذا الشيخ غير شعبة، ووثقه ابن معين وابن شاهين وغيرهما. وهو حسن الحديث.
٥ - باب صلاة الأوَّابين هي الضُّحي
• عن زيد بن أرقم أنَّه رأى قومًا يصلون من الضُّحي فقال: أما لقد علموا أنَّ الصلاة في غير هذه الساعة أفضلُ، إن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الأوَّابين حين
следующие страницы →