Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
فقال رسول الله ﷺ : "ألا أدلُّكم على أقرب منه مغزىّ، وأكثرَ غَنيمةً، وأوشك رجْعَةً؟ من توضَّأ ثمَّ غدا إلى المسجد لسُبحةِ الضُّحى، فهو أقربُ مغرّى، وأكثرُ غَنيمَةً، وأوشك رَجْعَةً".
حسن: رواه الإمام أحمد (٦٦٣٨) عن حسن، حدثنا ابن لهيعة، حُدثني حُييُّ بن عبد الله، أن أبا عبد الرحمن الحُبُلي حدَّثه، عن عبد الله بن عمرو فذكره.
وإسناده حسن فإنَّ حييَّ بن عبد الله مختلف فيه، وخلاصة القول فيه كما قال ابن عدي: أرجو أنَّه لا بأس به إذا روى عنه ثقة.
وابن لهيعة فيه كلام معروف، إلَّا أنَّه توبع؛ فقد رواه الطبراني في "الكبير" (١٠٠ - قطعة من الجزء ١٣ - ١٤) من وجه آخر عن ابن وهب، حدّثني حيي، بإسناده مثله.
وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٣٥): "رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة وفيه كلام، ورجال الطبراني ثقات، لأنه جعل بدل ابن لهيعة ابن وهب".
وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (١/ ٤٦٣): "رواه أحمد من رواية ابن لهيعة، والطبراني بإسناد جيد".
• عن علي قال: إنَّ رسول الله ﷺ كان يُصَلَّي من الضَّحى.
حسن: رواه الإمام أحمد (٦٨٢) عن سليمان بن داود، أخبرنا شعبةُ، عن أبي إسحاق، سمع عاصم بن ضمْرة، عن علي فذكره.
وسليمان بن داود هو: ابن الجارود أبو داود الطيالسي صاحب المسند (ت ٢٠٤) والحديث في مسنده (١٢٩) من هذا الوجه وعنه رواه النسائي في الكبري (٤٧١).
ورواه ابن خزيمة في صحيحه (١٢٣٢) عن محمد بن عبد الله المخرَّمي، ثنا أبو عامر، عن شعبة به مثله. قال المخرَّمي: هكذا حدثنا به مختصرًا.
قلت: هذا حديث مختصر من حديث طويل، انظر: تطوع النبي ﷺ في النهار، جموع أبواب النوافل التابعة للفرائض وفيه: إذا كان الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند العصر صلى ركعتين. فهذه صلاة الضُّحى قاله ابن خزيمة.
وإسناده حسن لأجل عاصم بن ضمْرة.
وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٣٥): "رجال أحمد ثقات".
وأما ما رُوي عن أبي أمامة، وعتبة بن عبد الله السلمي حدثاه عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من صلى صلاة الصبح في جماعة، ثم ثبت في المسجد يسبح الله سبحة الضُّحى كان له كأجر حاج ومعتمر، تامًّا له حجته وعمرته" فهو ضعيف.
стр. 1822
رواه الطبراني في الكبير (٨/ ١٧٤، ١٨٠، ١٨١) (١٧/ ١٢٩) من طرق عن الأحوص بن حكيم، عن عبد الله بن عامر، عن أبي أمامة وعتبة، وفي بعض طرقه عن أبي أمامة وحده.
قال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ١٠٤): وفيه الأحوص بن حكيم وثقه العجلي وغيره، وضعَّفه جماعة، وبقية رجاله ثقات. وفي بعضهم خلاف".
وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (١/ ٢٩٦): "رواه الطبراني وإسناده جيد".
قلت: ليس إسناده بجيد، فإنَّ الأحوصّ بنَ حكيم تكلَّم فيه أهل العلم، فقال ابن معين: ليس بشيء، وقال السعدي: ليس بالقوي في الحديث، وقال النسائي: ضعيف.
وفي التقريب: أطلق الحافظ عليه كلمة: "ضعيف الحفظ".
وكذلك ما رُوي عن معاذ بن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يُسبّح ركعتي الضُّحى، لا يقول إلَّا خيرًا، غُفِر له خطاياه، وإن كانت أكثر من زبد البحر".
رواه أبو داود (١٢٨٧) عن محمد بن سلمة المرادي، حدثنا ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن زبَّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه فذكر الحديث.
وإسناده ضعيف فإن زبان بن فائد -بالفاء- البصري قال فيه ابن معين: شيخ ضعيف، وقال الإمام أحمد: أحاديثه مناكير، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدَّا. وأطلق عليه حافظ كلمة "ضيف الحديث".
وكذلك ما رُوي عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: "لأن أذكر الله تعالى من طلوع الشمس أكبِّر وأهللُ وأسبح، أحبُّ إلي من أن أُعتق أربعًا من ولد إسماعيل، ولأن أذكر الله من صلاة العصر إلى أن تغيب الشمسُ أحبُّ إلي من أن أعتق كذا وكذا من وَلَد إسماعيل".
رواه أحمد (٢٢١٨٥)، والطبراني في "الكبير" (٨٠٢٨) وفي "الدعاء" (١٨٨٢) في الجميع من طريق سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي طالب الضُبعي، عن أبي أمامة فذكره.
وعلي بن زيد - هو ابن جدعان ضعيف.
٢ - باب ما جاء في عدم مواظبة النبي ﷺ على صلاة الضُّحي خشية أن تُفرض على أمته
• عن عائشة أنها قالت: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ يُصلِّي سُبحةَ الضُّحى قط، وإني لأُسَبِّحُها، وإن كان رسول الله ﷺ ليدعُ العملَ، وهو يُحبُّ أن يعملَه خشية أن يعمل به الناسُ فيُفرضَ عليهم.
стр. 1823
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٢٩) عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة
فذكرت مثله.
رواه البخاري في التهجد (١١٢٨) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في صلاة المسافرين (٧١٨) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به مثله.
ثم روى مالك عن زيد بن أسلم، عن عائشة: أنها كانت تُصلي الضُّحي ثماني ركعات، ثم تقول: لو نُشر لي أبوايَّ ما تركتُهن.
وفيه انقطاع، لأن زيد بن أسلم لم يسمع من عائشة.
ورواه النسائي في "الكبرى" (٤٨٤) بشيء من التفصيل من طريق عاصم بن عمر بن قتادة، عن جدته رُميثة قالت: أصبحتُ عند عائشة، فلمَّا أصبحنا، قامت فاغتسلت، ثم دخلت بيتًا لها، فأجافتِ البابَ، قلت: يا أم المؤمنين! ما أصبحتُ عندكِ إلَّا لهذه الساعة، قالت: فادخلي، قالت: فدخلتُ. فقامت، فصلَّتْ ثماني ركعات، لا أدري أقيامهنَّ أطولُ أم ركوعهنَّ، أم سجودهنَّ؟ ثم التفَتتْ إلىَّ فضربتْ فخذيّ، فقالت: يا رْميثةُ! رأيتُ رسول الله ﷺ يُصليها، ولو نُشر لي أبوايَّ على تركها ما تركتُها.
ورواه الإمام أحمد (٢٥٠٧٨) مختصرًا عن وكيع، حدثنا أبي، عن سعيد بن مسروق، عن أبان ابن صالح، عن أم حكيم، عن عائشة فذكرت باختصار.
وأم حكيم هي: رميثة الصحابية جدة عاصم بن عمر. قال المزي: قيل: إنها رميثة بنت حكيم.
قلت: وقيل غير ذلك.
وفي إسناد الإمام أحمد والد وكيع وهو: الجراح بن مُليح مختلف فيه.
قال الحافظ في التقريب: "صدوق يهم".
وقول عائشة: "ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ يُصلى سبحة الضُّحى قط" لعلها قصدت عدم مداومته، وإلا فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه ﷺ صلَّاها إلَّا انَّه لم يُداوم عليها خشيةَ أن تُفرضَ.
• عن أبي هريرة قال: ما رأيتُ النبي ﷺ صلى الضُّحي قط إلَّا مرةً واحدةً.
حسن: رواه الإمام أحمد (٩٧٥٨) عن وكيع، والبزار "كشف الأستار" (٦٩٦) من طريق قبيصة كلاهما عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن للكلام في عاصم وأبيه غير أنهما صدوقان.
قال البزّار: لا نعلم رواه عن عاصم إلا سفيان، ورواه عن سفيان قبيصةُ ووكيع.
قلت: وهو كما قال، ورواه أيضًا النسائي في "الكبرى" (٤٧٩) من طريق وكيع، إلَّا أنَّه لم يذكر المستثني، وهو قول أبي هريرة: "إلَّا مَرَّة واحدة"، والبزّار من طريق قبيصة، عن سفيان به.
ونفي أبي هريرة محمول على علمه.
стр. 1824
٣ - باب من رأى أنَّ صلاة الضُّحي إذا رجع من السَّفر
• عن عبد الله بن شقيق قال: قلتُ لعائشة: أكان النبي ﷺ يُصَلِّي الضُّحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مَغِيبِه.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧١٧) عن يحيى بن يحيى، أخبرنا يزيد بن زُريع، عن سعيد الجُريري، عن عبد الله بن شقيق به مثله.
ويحمل عليه حديث عائشة رواه ابن حبان في صحيحه (٢٥٣١) قالت: دخل رسول الله ﷺ بيتي فصلي الضُّحى ثمان ركعات. وفيه المطلب بن عبد الله بن حنطب يروي عن عائشة، وفي سماعه منها اختلاف وأكثر الأئمة على أنه لم يسمع منها. قال أبو حاتم: لم يدرك عائشة، وعامة حديثه مراسيل. وقال أبو زرعة: أرجو أن يكون سمع منها.
وقد ثبت في صحيح مسلم أنها قالت: كان رسول الله ﷺ لا يُصلِّي الضُّحى أربع ركعات ويزيد ما شاء، ولعلها تقصد من الزيادة هذه الثمانية.
ولأهل العلم عدة أقوال في الجمع بين أقوال عائشة، انظر: "الفتح" (٣/ ٥٦)، وأشهرها ما قاله ابن حبان في صحيحه (٦/ ٢٧١): إثبات عائشة صلاة الضُّحى للمصطفى ﷺ أرادت به في البيت دون مسجد الجماعة، لأنه ﷺ قال: "أفضل صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة" انتهى.
قال الحافظ بعد أن عزا هذا الجمع إلى المحب الطبري وبأنه أخذه من كلام ابن حبان: "ويُعكِّر عليه حديث الباب -وهو قولها: ما رأيت رسول الله ﷺ سبَّح سُبحةَ الضُّحي، وإني لأسبِّحها- قال: ويجاب عنه بأن المنفي صفة مخصوصة" انتهى.
• عن ابن عمر قال: إنَّ النبي ﷺ لم يكن يصلي الضَّحى إلا أن يقدم من غَيبةٍ.
حسن: رواه ابن خزيمة (١٢٢٩) عن إسحاق بن إبراهيم الصّواف، نا سالم بن نوح العطار، أخبرنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
رواه أيضًا ابن حبان في صحيحه (٢٥٢٨) عن أبي عروبة، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف به مثله.
وإسناده حسن لأجل الكلام في سالم بن نوح العطار تكلم فيه ابن معين والنسائي. وقال الإمام أحمد: ما بحديثه بأس.
والراوي عنه الصواف هو: إسحاق بن إبراهيم بن محمد الصواف الباهلي أبو يعقوب البصري من شيوخ البخاري.
• عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله ﷺ في سفر صلي سُبحة الضُّحى ثمان ركعات، فلما انصرف قال: "إنِّي صلَّيتُ صلاة رغبةٍ ورَهْبةٍ، سألت ربِّي ثلاثًا.
стр. 1825
فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة. سألتُه أن لا يبتلي أمتي بالسنين، ففعل، وسألتُه أن لا يُظهر عليهم عدوَّهم، ففعل، وسألته أن لا يلبِسَهم شيعًا فأبى عليَّ".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٢٤٨٦)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٤٨٩) كلاهما من طريق عمرو ابن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن الضحاك بن عبد الله القرشي حدَّثه، عن أنس بن مالك فذكره. وصححه ابن خزيمة (١٢٢٨)، والحاكم (١/ ٣١٤).
ولكن قال البخاري في "تاريخه" (٤/ ٣٣٤): "الضحاك بن عبد الله القرشي، عن أنس، روي عنه بكير بن الأشج، إن لم يكن ابن خالد فلا أعرفه".
قلت: الظاهر هو: الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد الأسدي الحزامي من رجال مسلم والسنن وهذا الذي ترجمه المزي في تهذيب الكمال، والحافظ في فروعه وقال فيه: "صدوق يهم" وقال فيه أبو حاتم: "يكتب حديثه ولا يحتج به".
وأما الضحاك بن عبد الله بن خالد فلا يوجد في كتب الحديث، والغالب أن الرواة حذفوا اسم أبيه، ونسبوه إلى جده فوقع الالتباس في اسمه، وهو أمر شائع في كتب الرجال.
فالخلاصة: أنه رجل واحد لا اثنان، ولذا نفي البخاري معرفته للثاني.
٤ - باب من لم ير سنية صلاة الضُّحى أصلًا
• عن مورق قال: قلت لابن عمر أتصلِّي الضُّحي؟ قال: لا، قلت: فعمر؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا، قلت: فالنبي ﷺ ؟ قال: لا إخاله.
صحيح: رواه البخاري في التهجد (١١٧٥) عن مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، عن توبة، عن مورُّق به مثله.
• عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، أن أباه رأى أناسًا يصلون صلاة الضُّحى فقال: أما إنَّهم يصلون صلاة ما صلاها رسول الله ﷺ ولا عامَّة أصحابه.
حسن: رواه الدارمي (١٤٦٣)، والنسائي في الكبري (٤٨٠) كلاهما من حديث معاذ بن معاذ، قال: حدثني شعية، عن فُضيل بن فضالة، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي بكرة فذكره.
وفُضيل بن فَضالة هو: القيسي البصري. قال علي بن المدني: لا نعرف أحدًا روي عن هذا الشيخ غير شعبة، ووثقه ابن معين وابن شاهين وغيرهما. وهو حسن الحديث.
٥ - باب صلاة الأوَّابين هي الضُّحي
• عن زيد بن أرقم أنَّه رأى قومًا يصلون من الضُّحي فقال: أما لقد علموا أنَّ الصلاة في غير هذه الساعة أفضلُ، إن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الأوَّابين حين
стр. 1826
تَوْمَضُ الفصال".
وفي رواية: خرج رسول الله ﷺ على أهل قباء، وهم يُصلُّون. فقال: "صلاة الأوابين إذا رَمِضَت الفصالُ".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٤٨) الرواية الأولى من طريق إسماعيل ابن علية، عن أيوب، عن القاسم الشيباني، عن زيد بن أرقم فذكره، والرواية الثانية من طريق يحيى بن سعيد، عن هشام بن أبي عبد الله قال: حدثنا القاسم به فذكره. والقاسم هو: ابن عوف الشيباني، قال فيه أبو حاتم: "مضطرب الحديث ومحله عندي الصدق". ورآه شعبة وتركه ولم يَروِ عنه.
قلت: إلَاّ أنَّ مسلمّا انتقي من حديثه ما أصاب فيه.
وقد رواه أيوب السختياني عنه، عن ابن أبي أوفى مثله. أخرجه عبد بن حميد (٥٢٧) عن أبي نعيم، ثنا ابن عيينة، عن أيوب به مثله. فلا أدري هل هذا من اضطرابه؟ أم له فيه شيخان.
قوله: الأوَّاب - وهو المطيع، وقيل: الراجع إلى الطاعة.
وقوله: تَرْمَضُ: كعَلِم يَعْلَم -والرمضاء الرمل الذي اشتدت حرارته.
والفِصال جمع فصيل. وهو من أولاد الإبل إذا فُصِل عن أمِّه، واستغني عن الرضاع.
بالشمس، أي: حين تحترق أخفاف الفصال، وهي الصغار من أولاد الإبل، جمع فصيل، وذلك من شدة حر الرمل.
واستدلوا به على أنَّ تأخير الضُّحى إلى اشتداد الحر أفضل.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحافظ على صلاة الضُّحى إلا أوَّاب" قال: "وهي صلاة الأوَّابين".
حسن: رواه ابن خزيمة (١٢٢٤) عن محمد بن يحيى، نا إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الرقي ببغداد، ثنا خالد بن عبد الله، وحدثني محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
ورواه أيضًا الحاكم في "المستدرك" (١/ ٣١٤) من طريق إسماعيل بن عبد الله بن زرارة به مثله. وقال: "صحيح على شرط مسلم".
وهو وهم منه فإن إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الرقي ليس من رجال الستة أصلاً، إنما هو من رجال التميز كما قال الحافظ في التقريب، وهي إشارة إلى أنه ذكر ليتميز عن غيره. غير أنه "صدوق".
قال الذهبي في "الكاشف" في ترجمة إسماعيل بن عبد الله بن خالد العبدري الرقي السكري قاضي دمشق، وهو من رجال ابن ماجه.
قال: ووهم ابن عساكر فذكر بدله: إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الرقي وذا قديم الموت. انتهى ولكن أعل ابن خزيمة الحديث بقوله: "لم يتابع هذا الشيخ إسماعيل بن عبد الله على إيصال هذا
стр. 1827
الخبر. رواه الدراوردي عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة مرسلًا، ورواه حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة قوله".
وما قاله فيه نظر؛ فإن إسماعيل بن عبد الله لم ينفرد بإيصال هذا الحديث فقد رواه ابن عدي (٦/ ٢٢٠٥) من وجه آخر عن قيس بن حفص، ثنا محمد بن دينار، ثنا محمد بن عمرو بن علقمة به مثله.
ومحمد بن دينار الطاحي بصري، قال فيه ابن عدي: هو مع هذا حسن الحديث، وعامة حديثه ينفرد به".
قلت: إلا أنه لم ينفرد في هذا الحديث كما علمت.
٦ - باب ما جاء في أداء ركعتين بعد طلوع الشمس والتي يسميها البعض صلاة الإشراق وهي الضحي
• عن عمرو بن عَبَسَة السلمي قال: يا نبي الله أخبرني عما علَّمك الله وأجهلُه، أخبرني عن الصلاة؟ قال: "صَلِّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرنّي شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صَلِّ، فإن الصلاة مشهودة محضورة".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٣٢) في قصة إسلام عمرو بن عبسة، وقد تقدَّم في كتاب الطهارة، باب ثواب الوضوء.
وقوله: مشهودة ومحضورة: أي يشهدها الملائكة، ويحضرها أهل الطاعات.
وقوله: حتى ترتفع -يُشبه أن تكون صلاة الضُّحى؛ وقد أكّد الشيخ ابن باز ﵀ تعالي بأنّ صلاة الإشراق هي صلاة الضُّحى في أول وقتها، والأفضل فعلها عند ارتفاع الضُّحي. مجموع فتاوي (١١/ ٤٠١).
لأن صلاة الإشراق من قال باستحبابه نُصلَّى بعد الإشراف مباشرة كما رُوي عن أنس في حديث ضعيف وهو الآتي.
وأما ما رُوي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلَّى الغداة في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم يُصلي ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة" وقال: قال رسول الله ﷺ : "تامة تامة تامة" فهو ضعيف. رواه الترمذي (٥٨٦) عن عبد الله بن معاوية الجمحي، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا أبو ظلال، عن أنس بن مالك فذكره.
قال الترمذي: "حسن غريب".
قلت: في إسناده أبو ظلال وهو: هلال بن أبي هلال، ويقال ابن أبي مالك، واسم أبيه: ميمون، ويقال: سويد، ويقال: بريدة.
стр. 1828
قال ابن معين: أبو ظلال اسمه هلال ليس بشيء، وقال البخاري: مقارب الحديث، وغمزه أبو داود وضعفه النسائي وغيره.
وذكر ابن حبان في الضعفاء: أبا ظلال فقال: شيخ مغفل لا يجوز الاحتجاجُ به بحال، يَروي عن أنس ما ليس من حديثه. وذكر في الثقات: هلال بن أبي هلال وهو أيضًا يروى عن أنس، وعنه يحيي بن المتوكل.
وكلام المزي يقتضي أنهما واحد فلذلك ذكر يحيي بن المتوكل في الرواة عن أبي ظلال. وضعَّفه أيضًا الأزدي وأبو أحمد الحاكم وغيرهما.
والخلاصة أنه "ضعيف". انظر للمزيد: "تهذيب التهذيب" (١١/ ٨٤).
وكذلك ما رُوي عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ : "من صلى الصبح، ثم جلس في مجلسه حتى تمكنه الصلاة كان بمنزلة عمرة، وحجة متقبلتين".
رواه الطبراني في "الأوسط" (٥٦٠٢) وفيه الفضل بن الموفق، وفيه ضعف.
وكذلك ما رُوي عن الحسن بن علي قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من صلّى الغداة، ثم ذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، أو أربع ركعات، لم تمسَّ جلدَه النارُ".
أورده المنذريّ في الترغيب والترهيب، وعزاه إلى البيهقيّ وإسناده واهٍ.
وفي الباب أحاديث أخرى انظر "الترغيب والترهيب" (١/ ٢٩٤).
стр. 1829
جموع أبواب صلاة الاستسقاء
١ - باب التواضع والتبذل والتخشع والتضرُّع عند الخروج إلى الاستسقاء
• عن إسحاق بن عبد الله بن كنانة قال: أرسلني الوليد بن عتبة (وهو: ابن أبي سفيان بن حرب وكان أمير المدينة لعمِّه معاوية) إلى ابن عباس أسأله عن صلاة رسول الله ﷺ في الاستسقاء. فقال: خرج رسول الله ﷺ مُتبذِّلًا متواضعًا متضرِّعًا, حتى أتي المصلَّي، فرقي المنبر، فلم يخطب خُطَبَكم هذه، ولكن لم يزلْ في الدّعاء والتضرع والتكبير، وصَلَّى ركعتين كما يُصلِّي في العيد.
حسن: رواه أبو داود (١١٦٥)، والترمذي (٥٥٨)، والنسائي (١٥٠٨)، وابن ماجة (١٢٦٦) كلهم من طريق هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كِنانة، عن أبيه فذكره. وزاد ابن ماجه: "متخشِّعًا مترسَّلًا".
وإسناده حسن لأجل هشام بن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة قال فيه أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج له في صحيحه.
قال الترمذي: "حسن صحيح".
وأخرجه أيضًا ابن خزيمة (١٤٠٥، ١٤٠٨)، وابن حبان (٢٨٦٢)، والحاكم (١/ ٣٢٦)، والإمام أحمد (٢٠٣٩) كلهم من هذا الوجه، نحوه.
قال الحاكم: "هذا حديث رواته مصريون ومدنيون، ولا أعلم أحدا منهم منسوبًا إلى نوع من الجرح".
قلت: وهو كما قال.
و"التبذل": ترك التزين على جهة التواضع.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، وهو قول الشافعي، قال: يُصلَّي صلاة الاستسقاء نحو صلاة العيدين، يكبّر في الركعة الأولى سبعًا، وفي الثانية خمْسًا، واحتج بحديث ابن عباس.
ورُوي عن مالك بن أنس أنه قال: لا يكبِّر في صلاة الاستسقاء كما يكبر في صلاة العيدين، وقال النعمان أبو حنيفة: لا تُصلَّي صلاةُ الاستسقاء، ولا آمرهم بتحويل الرداء، ولكن يدّعُون ويرجِعُون بجملتهم". انتهى.
وأمَّا ما رُوي عن ابن عباس من التصريح بأن النبي ﷺ استسقي فصلَّي ركعتين وقرأ فيهما، وكبَّر في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات فهو ضعيف جدًّا، رواه البزار "كشف
стр. 1830
الأستار" (٦٥٩)، وفيه محمد بن عبد العزيز بن محمد بن عمر الزهري القرشي قال فيه البخاري والنسائي: "منكر الحديث". وترجمه ابن عدي في الكامل.
صفة صلاة الاستسقاء وأنها تكون بلا أذان ولا إقامة
لم يختلف الجمهور القائلون بمشروعية الاستسقاء أنَّها تُصلَّي كصلاة العيد: ركعتان بلا أذان ولا إقامة، وأنَّها تُبدأُ بالصلاة قبل الخطبة كما ثبت ذلك في أحاديث كثيرة، وسيأتي بعضٌ منها؛ لأن هذه الأحاديث ذُكرتْ متفرقة في الأبواب المختلفة.
وأمَّا ما رُوي عن أبي هريرة قال: خرج نبي الله ﷺ يومًا يستسقِي، فصلَّي بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثمَّ خطبنا، ودعا الله ، وحوَّل وجْهَه نحو القبلة رافعًا يديه، ثم قلَب رداءه، فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن. فهو ضعيف، رواه الإمام أحمد (٨٣٢٧) عن وهب بن جرير، ثنا أبي، قال: سمعتُ النعمان يحدث عن الزهري، عن حُميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة فذكره واختصره ابن خزيمة.
والحديث أخرجه أيضًا ابن ماجة (١٢٦٨)، وابن خزيمة (١٤٠٩)، والبيهقي (٣/ ٣٤٧) كلهم من طريق وهب بن جرير به مثله.
قال البيهقي: "تفرد به النعمان بن راشد عن الزهري" وهذا مُشعر بتضعيفه وقال في الخلافيات: "رواته ثقات".
قلت: في قوله: "رواته ثقات" فيه نظر، فإنَّ النعمان وهو: أبن راشد الجزري أبو إسحاق الرقي ضعَّفه أكثر الأئمة، قال يحيى بن سعيد: ضعيف جدًا. وقال أحمد: مضطرب الحديث، روي أحاديث مناكير، وقال أبو داود: ضعيف، وقال النسائي: ضعيف كثير الغلط، وقال في موضع آخر: أحاديثه مقلوبة.
وأما ابن معين فرُوي عنه: ضعيف، ورُوي عنه: ثقة، وأكثر تلاميذه نقلوا عنه تضعيفه.
ورواه ابن خزيمة في موضع آخر مفصلاً (١٤٢٢) ولفظه: أن النبي ﷺ خرج يومًا يستسقي، فصلي بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، قال: ثم خطبنا، ودعا الله، وحوَّلَ وجهه نحو القبلة رافعًا يديه، ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن. ثم قال ابن خزيمة: "في القلب من النعمان بن راشد، فإنَّ في حديثه عن الزهري تخليطًا كثيرًا، فإن ثبت هذا الخبر ففيه دِلالة على أنَّ النبي ﷺ خطب ودعا وقلب رداءه مرتين" مرة قبل الصلاة، ومرة بعدها".
قلت: أما قوله: "خطب ودعا وقلَب رداءه مرتين" فهو غير واضح من نص الحديث.
٢ - باب ما جاء أن الصلاة قبل الخطبة:
• عن عَبَّاد بن تميم، عن عمِّه قال: خرج النبي ﷺ إلى المُصلَّي يستسقي،
стр. 1831
واستقبل القبلة فصلَّى ركعتين، وقلب رداءه، قال سفيان: فأخبرني المسعودي، عن أبي بكر قال: جعل اليمين على الشمال.
متفق عليه: رواه البخاري في الاستسقاء (١٠٢٧) عن عبد الله بن محمد، ومسلم في الاستسقاء (٨٩٤/ ٢) عن يحي بن يحيى، كلاهما عن سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، سمع عباد بن تميم، عن عمه فذكره. واللفظ للبخاري.
وأمَّا مسلم فقال: "فاستسقى واستقبل القبلة، وقلب رداءه، وصلَّى ركعتين"، يعني أخّر الصلاة، وكذلك رواه البخاري أيضًا (١٢٠٠)، فإمّا أن يكون سفيان يروي على وجهين أو أنَّه روى على وجه، ولكن الرواة عنه لم يهتموا بلفظ الحديث.
وقول البخاري: "قال سفيان: فأخبرني المسعودي ... " جعله أكثر الشراح معلقًا، ولم يعدُّوا المسعودي من رجاله، ولكن قال ابن المواق: إن الظاهر أنه أخذه عن عبد الله بن محمد شيخه فيه، ولا يلزم من كونهم لم يعدوا المسعودي في رجاله أن لا يكون وصل هذا الموضع عنه، لأنه لم يقصد الرواية عنه، وإنما ذكر الزيادة التي زادها استطرادًا" وأقره الحافظ في "الفتح" (٢/ ٥١٥).
وقوله "عن أبي بكر" هو: ابن محمد بن عمرو بن حزم، وهو يروي عن عباد بن تميم، عن عمه، عن النبي ﷺ .
هكذا رواه ابن ماجة (١٢٦٧) من طريق سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن حزم مثل ما رواه ابنه عبد الله، وكذلك رواه أيضًا ابن خزيمة (١٤١٤)، والحميدي (٤١٦) إلا أنهما قرنا سفيان بالمسعودي، عن أبي بكر بن حزم.
وأبو بكر وابنه عبد الله كلاهما يرويان عن عباد بن تميم، ويظهر ذلك جليًّا كما رواه ابن خزيمة من طريق سفيان، ثنا المسعودي ويحيى، عن أبي بكر، فقلت لعبد الله بن أبي بكر: حديثٌ حدثنا يحيى والمسعودي، عن أبيك، عن عبَّاد بن تميم، قال: أنا سمعته من عباد بن تميم يحدث أبي, عن عبد الله بن زيد فذكر الحديث.
• عن عباد بن تميم، عن عمه أنَّ رسول الله ﷺ خرج بالناس يستسقي، فصلَّي بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما وحوَّل رداءه، ورفع يديه، فدعا واستسقى، واستقبل القبلة.
صحيح: رواه أبو داود (١١٦١)، والترمذي (٥٥١)، وعبد الرزاق (٤٨٨٩)، وأحمد (١٦٤٣٧) كلهم من حديث معمر، عن الزهري، عن عباد بن تميم، عن عمه فذكره. وإسناده صحيح.
قال الترمذي: "حسن صحيح". وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (١٧/ ١٧١): "أحسن الناس سياقة لهذا الحديث معمر عن الزهري".
وبهذا قالت الشافعية والمالكية بأن الصلاة قبل الخطبة، وهو المشهور عن الإمام أحمد، قال ابن عبد البر: "وعليه جماعة الفقهاء" والرواية الثانية عن الإمام أحمد أنه يخطب قبل الصلاة،
стр. 1832
وروي ذلك عن عمر وأنس وعائشة، وبه قال جماعة من التابعين، وعليه تدل الأحاديث الآتية في الباب الذي يليه.
٣ - باب الخطبة قبل الصلاة والجهر بالقراءة فيها
• عن عباد بن تميم، عن عمه، قال: خرج النبي ﷺ يستسقي، فتوجه إلى القبلة، يدعو، وحوَّل رداءه، ثم صلَّى ركعتين جهر فيهما بالقراءة.
صحيح: رواه البخاري في الاستسقاء (١٠٢٤) عن أبي نعيم، حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عباد بن تميم به مثله.
وحديث عباد بن تميم، عن عمَّه رواه مسلم إلَّا أنَّه لم يروه من طريق ابن أبي ذئب -الذي ذكر فيه الجهر بالقراءة-.
وقد أشار أيضًا أبو داود (١١٦٢) بأن ابن أبي ذئب قال: "وقرأ فيهما" قال: زاد ابن السرح (شيخ أبي داود): يريد الجهر.
قلت: وهو كما قال: فقد رواه النسائي (١٥٠٩، ١٥٢٢) وابن حبان (٢٨٦٤) كلاهما من طريق ابن أبي ذئب وصرَّح فيه بالجهر، ورواه أبو داود (١١٦١) والترمذي (٥٥٦) وأحمد (١٦٤٣٧) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عباد بن تميم، عن عمه وفيه: جهر بالقراءة فيهما.
• عن عباد بن تميم يقول: سمعتُ عبد الله بن زيد المازني يقول: خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى فاستسقي، وحوَّل رداءه حين استقبل القبلة.
متفق عليه: رواه مالك في الاستسقاء (١) عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، أنه سمع عباد بن تميم فذكره.
ورواه مسلم في الاستسقاء (٨٩٤) عن يحيى بن يحيى، عن مالك به مثله.
ورواه البخاري في الاستسقاء (١٠٢٨) من وجه آخر عن أبي بكر بن محمد، عن عباد بن تميم به نحوه.
وبهذا الحديث استدل أبو حنيفة رحمه الله تعالى بأن الاستسقاء لا صلاة فيه، وعارضه تلميذه محمد بن الحسن فقال: "في قولنا إن الإمام يصلي بالناس ركعتين، ثم يدعو ويحول رداءه فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، ولا يفعل ذلك أحد إلا الإمام" كذا قال في موطأ مالك. "التعليق الممجد" (٢/ ٧٦ - ٧٧). قال الشيخ اللكنوي: "خلافًا للشافعي ومالك وأحمد أخذًا مما ورد في مسند أحمد: إنّ القوم أيضًا حوّلوا أرديتهم مع رسول الله ﷺ والظاهر أنه اطّلع عليه، ولم ينكر عليهم" انتهي.
قلت: وهو سيأتي.
стр. 1833
٤ - باب من أدعية الاستسقاء
• عن عائشة قالت: شكي الناس إلى رسول الله ﷺ قُحُوطَ المطرِ، فأمر بمنبر، فوُضعَ له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبَّر، وحمد الله ، ثم قال: "إنكم شكوتم جَذْبَ دياركم، واستْخار المطر عن إبَّان زمانه عنكم، وقد أمر الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم"، ثم قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ , "لا إله إلا الله، يفعل ما يريد، اللهم! أنت الله لا إله إلا أنت الغَنيُّ ونحن الفقراء، أنْزِل علينا الغيثَ، واجعل ما أنزلت لنا قُوَّةً وبلاغًا إلى حين" ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع، حتى بدا بياض إبطيه، ثم حوَّل إلى الناس ظهره، وقلب -أو حوَّل- رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل، فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابةً، فرَعَدَتْ وبَرَقتْ، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأتِ المسجد حتى سالت السيول، فلما رأي سُرعتهم إلى الكِنِّ ضَحِك ﷺ حتى بدت نواجذُه فقال: "أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله".
حسن: رواه أبو داود (١١٧٣) عن هارون بن سعيد الإيلي، حدثنا خالد بن نِزَار، حدثني القاسم بن مبرور، عن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
قال أبو داود: وهذا حديث غريب إسناده جيِّدٌ، أهل المدينة يقرؤون ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وإن هذا الحديث حجة لهم. انتهى.
وإسناده حسن لأجل خالد بن نِزار وشيخه القاسم بن مبرور فإنهما نزلا عن درجة "ثقة" إلى درجة "الصدوق" مع الكلام الخفيف في الأول في حفظه ولذا قال فيه الحافظ: "صدوق يخطئ".
والحديث رواه كل من ابن حبان (٢٨٦٠)، والحاكم (١/ ٣٢٨) من طريق خالد بن نزار به. وقال: "صحيح على شرط الشيخين".
• عن شُرحبيل بن السِّمْط أنه قال لكعب: يا كعب بن مُرَّة! حدِّثنا عن رسول الله ﷺ واحذر. قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! استسق الله، فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: "اللهم اسِقنا غَيثًا مريئًا مريعًا طَبَقًا عاجلًا غير رائثٍ، نافِعًا غَيْرَ ضارٍ" قال: فما جَمَّعُوا حتى أُحْيوا، قال: فأتوه فَشَكَوا إليه المطر، فقالوا: يا رسول الله! تهدَّمتِ البيوتُ فقال: "اللهمَّ حوالينا ولا علينا" قال: فجعل
стр. 1834
السحابُ ينقطع يمينًا وشمالًا.
صحيح: رواه ابن ماجة (١٢٦٩) عن أبي كُريب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن سالم بن أبي الجعد، عن شُرحبيل بن الشِّمْط فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه أيضًا الإمام أحمد (١٨٠٦١) في سياق أطول، وفيه "طَبَقًا غَدقا". والحاكم (١/ ٢٣٨) كلاهما من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة فذكر الحديث. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
قوله: "مَريمًا" بفتح أوَّله المخصب الناجع، يقال: أمرع الوادي، ومَرُعَ مَرَاعةً.
وقوله: "طَبَقًا" بفتحتين، عامًا واسعًا مالئًا للأرض، مغطيًا لها كالطبق.
و"غَدَقًا" المطر الكبير القطر.
وقوله: "غير رائث" أي: غير متأخِّر ولا بطيئ.
• عن جابر بن عبد الله قال: أتتِ النبي ﷺ بواكي، فقال: "اللهم اسقنا غيثًا مُغيثًا مَريئًا مَريعًا نافعًا غير ضارٍ، عاجلًا غير آجل" قال: فأطبقت عليهم السماء.
صحيح: رواه أبو داود (١١٦٩) عن ابن أبي خلف، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا مسعر، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله فذكره.
وإسناده صحيح، ويزيد الفقير هو: ابن صهيب الكوفي المعروف بالفقير، وصحّحه ابن خزيمة (١٤١٦)، والحاكم (١/ ٢٣٧) وروياه من طريق محمد بن عبيد الطنافسي به.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
وقوله: "بواكي" جمع باكية، أي جاءت نفوس باكية، أو نساء باكيات.
• عن ابن عباس قال: جاء أَعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! لقد جئتُك من عند قوم ما يتزوَّد لهم راعٍ، ولا يخطِر لهم فحل، فصعد المنبر، فحمد الله ثم قال: "اللهم اسقِنا غَيثًا مُغيثًا مَريئًا طَبَقًا مَريعًا غَدَقًا، عاجلًا غير رائث".
ثم نزل، فما يأتيه أحد من وجه من الوجوه إلا قالوا: قد أُحيينا.
صحيح: رواه ابن ماجة (١٢٧٠) عن محمد بن أبي القاسم أبو الأحوص، قال: حدثنا الحسن ابن الربيع، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، قال: حدثنا حصين، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح.
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كان رسول الله ﷺ إذا استسقى قال: "اللهم اسق عبادَك وبهائمَك، وانشر رحمتَك، وأَحْيِ بلدَك الميتَ".
حسن: رواه أبو داود (١١٧٦) عن سهل بن صالح، حدثنا علَي بن قادم، أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره. وهذا إسناد حسن لأجل عمرو بن شعيب.
стр. 1835
هكذا رواه سفيان عن يحيى بن سعيد مسندًا.
ولكن رواه مالك في الاستسقاء (٢) وعنه أبو داود (١١٧٦) عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب مرسلًا.
والحكم لمن زاد، وقد رواه البيهقي (٣/ ٣٥٦) من وجه آخر عن يحيى بن سعيد مسندًا إلا أن في الطريق إليه سليمان بن داود المنقري الشاذكوني وهو متروك.
٥ - باب الدعاء في الاستسقاء قائمًا
• عن عباد بن تميم، أن عمه -وكان من أصحاب رسول الله ﷺ أخبره أن النبي ﷺ خرج بالناس يستسقي لهم، فقام فدعا الله قائمًا، ثم توجه قِبَلَ القبلة، وحوَّل رداءه فأُسقوا.
متفق عليه: رواه البخاري في الاستسقاء (١٠٢٣) ومسلم في الاستسقاء (٨٩٤/ ٤) كلاهما من حديث الزهري، قال: حدثني عباد بن تميم فذكره واللفظ للبخاري ومسلم لم يذكر موضع الشاهد منه.
٦ - باب رفع اليدين بالدعاء في الاستسقاء:
• عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وإنه يرفع حتى يُري بياضُ إبطيه.
متفق عليه: رواه البخاري في الاستسقاء (١٠٣١)، ومسلم في الاستسقاء (٨٩٥/ ٧) كلاهما من طريق ابن عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن أنس فذكر الحديث واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم مثله إلا أنه في رواية عبد الأعلى عن سعيد قال: "يُري بياض إبطه أو بياض إبطيه".
قال النووي في شرح مسلم: "هذا الحديث يوهم ظاهره أنه لم يرفع ﷺ إلا في الاستسقاء، وليس الأمر كذلك، بل قد ثبت رفع يديه ﷺ في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء، وهي أكثر من أن تحصر ... إلى أن قال: ويتأول هذا الحديث على أنه لم يرفع الرفع البليغ بحيث يُرى بياض إبطيه إلا في الاستسقاء".
• عن أبي هريرة قال: رأيت رسول الله ﷺ مادًا يديه، حتى رأيت بياض إبطيه. قال سليمان: ظننته يدعو في الاستسقاء.
صحيح: رواه ابن ماجه (١٢٧١)، وابن خزيمة (١٤١٣) كلاهما من طريق سليمان التيمي، عن بركة -وهو أبو الوليد-، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة فذكره. واللفظ لابن خزيمة، وإسناده صحيح.
• عن عُمير مولى آبي اللحم أنَّه رأى رسول الله ﷺ يستسقي عند أحجار الزيت
стр. 1836
قريبًا من الزوراء قائمًا يدعو يَستسقي رافعًا كفيه، لا يُجاوزُ بهما رأسَه مُقبل بباطن كفيه إلى وجهه.
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢١٩٤٤) عن هارون بن معروف، قال: قال ابن وهب: أخبرنا حيوة، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عمير فذكره. وإسناده صحيح.
وقد صححه ابن حبان (٨٧٩) وأخرجه من طريق حرملة، عن ابن وهب بهذا الإسناد. وحيوة هو: ابن شريح المصري.
وابن الهاد هو: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي.
ورواه أيضًا الإمام أحمد (٢١٩٤٥) عن هارون، عن ابن وهب، عن حيوة، عن عمر بن مالك، عن ابن الهاد. فأدخل بين حيوة وبين ابن الهاد "عمر بن مالك" وقد ثبت أن حيوة سمع من ابن الهاد، فيكون هذا الإسناد من المزيد في متصل الأسانيد.
وأمَّا ما رواه أبو داود (١١٦٨) من طريق ابن وهب، عن حيوة وعمر بن مالك، عن ابن الهاد فجعل عمر بن مالك قرينا لحيوة، فإن عمر بن مالك وهو الشرعبي قد شارك حيوة في روايته عن ابن الهاد، كما أن ابن وهب روى عنه. ذكره المزي في تهذيب الكمال فالإسناد صحيح من كلا الوجهين.
وللحديث إسناد آخر رواه الإمام أحمد (٢١٩٤٣) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن يزيد بن عبد الله، عن عمر مولي آبي اللحم، فذكره.
ولكن رواه الترمذي (٥٥٧)، والنسائي (١٥١٤) عن قتيبة بن سعيد وزادا بعد عمير مولي آبي اللحم "عن آبي اللحم" وعلَّل الترمذي هذه الرواية بالشذوذ قائلًا: "كذا قال ابن قتيبة في هذا الحديث "عن آبي اللحم" ولا نعرف له عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث الواحد، وعُمير مولي آبي اللحم قد روي عن النبي ﷺ أحاديث، وله صحبة" انتهى.
فإما أن يكون قتيبة بن سعيد لم يضبِط هذا الحديث فمرة يروى عن عمير مولى آبي اللحم، وأخرى عن آبي اللحم، أو وقع خطأ في مسند الإمام أحمد فإن المحققين زادوا: "آبي اللحم" من "جامع المسانيد" لابن كثير، "وأطراف المسند" لابن حجر، وقالوا: لم ترد هذه الزيادة في نسخة "م" و "ر" و"ق" وكانت في نسخة "ظ" ثم رمجت.
قلت: والذي يظهر من مراجعة مسند الإمام أحمد أنه لم يكن فيه "آبي اللحم" فإن الإمام أحمد أخرج هذا الحديث تحت ترجمة "عمير مولى آبي اللحم" علاوة على ما ذكره المحققون بأنه لا توجد ذكر "آبي اللحم" في كثير من النسخ. والله أعلم بالصواب.
والحديث أخرجه الحاكم (١/ ٣٢٧) من طريق يحيى بن بكير، عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن يزيد بن عبد الله، عن عمير مرفوعًا، ولم يذكر فيه "آبي اللحم" وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وعمير مولى آبي اللحم له صحبة".
стр. 1837
قلت: هذا يشعر بأن الحديث من مسند عمير مولى آبي اللحم.
كذا صحّحه الحاكم، ولكن علته أن بين يزيد بن عبد الله بن الهاد وبين عمير مولى آبى اللحم "محمد بن إبراهيم التيمي" كذا في الإسناد السابق، وكذلك قال الحافظ في التهذيب في ترجمة "يزيد بن عبد الله بن الهاد الليثي فقال: "الصحيح بينهما محمد بن إبراهيم التيمي"، انتهى.
وهذا يعني أنَّ في إسناد الحاكم انقطاعًا.
وآبي اللحم: بمد الهمزة، اسم فاعل من أبي، اسمه الحُويرث بن عبد الله الغفاري، وقيل: عبد الله بن عبد الملك، وقيل: خلف بن عبد الله، قُتل يوم حُنين شهيدًا سنة ثمان من الهجرة، قيل له: آبى اللحم، لأنه كان لا يأكل اللحم، وقيل: كان لا يأكل ما ذُبح على النصب.
فإذا كان استشهد يوم حنين سنة ثمان من الهجرة فمن المستبعد أن يكون هو راوي حديث الاستسقاء.
وقوله: "أحجار الزيت" موضع بالمدينة من الحرة، سميت بذلك لسواد أحجارها، كأنها طليت بالزيت.
وقوله: "الزوراء" موضع كان معروفًا عند سوق المدينة، مرتفع كالمغارة قرب المسجد، وأصبح الآن غير معروف، ولعله الآن دخل في توسعة المسجد النبوي.
٧ - باب رفع الأيدي في الاستسقاء مع الإمام
• عن أنس بن مالك قال: أتى رجل أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله ﷺ يوم الجمعة فقال: يا رسول الله! هلكتِ الماشية، هلك العيالُ، هلك الناسُ، فرفع رسول الله ﷺ يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون. قال: فما خرجنا من المسجد حتى مُطِرنا، فما زلنا نُمطَر حتى كانت الجمعة الأُخرى، فأتى الرجل إلى نبي الله ﷺ فقال: يا رسول الله! بَشِق المسافرُ، ومُنع الطريق.
متفق عليه: رواه البخاري في الاستسقاء (١٠٢٩) قال: قال أيوب بن سليمان، حدثني أبو بكر ابن أبي أويس، عن سليمان، عن بلال، قال يحيى بن سعيد: سمعت أنس بن مالك فذكره.
وقوله: قال أيوب بن سليمان ظاهره أنه معلق، والصحيح أنه متصل لأن أيوب بن سليمان من شيوخ البخاري كما هو رأي ابن الصلاح.
ورواه مسلم في الاستسقاء (٨٩٧) من وجه آخر عن أنس نحوه.
وقوله: "بَشِق" بفتح الباء وكسر الشين وبعدها قاف أي: ملَّ.
وقال الخطابي: وإنما هو "لَثق" بلام، يقال: لثق الطريق أي صار ذا وحل، ولثق الثوب إذا أصابه ندى المطر.
стр. 1838
٨ - باب جعل ظهر الكفين إلى السماء في دعاء الاستسقاء
• عن أنس أن النبي ﷺ استسقي، فأشار بظهر كفيه إلى السماء.
صحيح: رواه مسلم في الاستسقاء (٨٩٦) عن عبد بن حميد، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكره.
قال النووي في شرح مسلم: "قال جماعة من أصحابنا وغيرهم: السنة في كل دعاء لرفع بلاء كالقحط ونحوه أن يرفع يديه، ويجعل ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله جعل باطن كفيه إلى السماء واحتجوا بهذا الحديث".
٩ - باب دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة من غير استقبال القبلة
• عن أنس بن مالك أنَّه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! هلكتِ المواشي، تقطعتِ السبُلُ فادع الله، فدعا رسول الله ﷺ ، فمُطِرنا من الجمعة إلى الجمعة، قال: فجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! تهدَّمتِ البيوت، وانقطعتِ السّبُلُ، وهلكتِ المواشي، فقال رسول الله: "اللهم ظهورَ الجبال والآكام، وبطونَ الأودية، ومنابتَ الشجر".
قال: فانجابتْ عن المدينة انجياب الثوب.
وفي رواية: عن أنس أن رجلًا دخل المسجد يوم جمعةٍ من بابٍ كان نحو باب دار القضاء، ورسول الله ﷺ قائم يخطب. فاستقبل رسولَ الله ﷺ قائمًا ثم قال: يا رسول الله! هلكتِ الأموالُ، وانقطعتِ السبُلُ، فادعُ الله يُغيثُنا. فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: "اللهم أَغِثنا، اللهم أَغِثنا، اللهم أَغِثنا".
قال أنس: ولا والله! ما نرى في السماء من سحاب ولا قَزَعةً، ما بَيننا وبين سَلْعٍ من بيتٍ ولا دارٍ. قال: فطلعتْ من ورائه سحابةٌ مثلُ التُرسِ، فلما توسطتِ السماءَ انتشرتْ، ثم أمطرتْ، فلا والله ما رأينا الشمسَ سِتًّا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة -ورسول الله ﷺ قائم يخطب- فاستقبله قائمًا فقال: يا رسول الله! هلكتِ الأموال، وانقطعتِ السبُلُ فادعُ الله يُمْسِكها عنا. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثمَّ قال: "اللهمَّ حوالينا ولا علينا ........ ".
متفق عليه: الرواية الأولى رواها مالك في الاستسقاء (٣) عن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، عن أنس بن مالك فذكره.
ورواه البخاري في الاستسقاء (١٠١٦) من طريق مالك به مثله.
стр. 1839
والرواية الثانية رواها البخاري في الاستسقاء (١٠١٤)، ومسلم في الاستسقاء (٨٩٧) كلاهما عن قيتبة بن سعيد، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك فذكره. ولفظهما سواء.
قال شريك: فسألت أنس بن مالك: أهو الرجل الأول، قال: لا أدري.
قوله: "دار القضاء" هي دار عمر بن الخطاب، سميت دار القضاء لأنها بيعتْ في قضاء دين كان عليه، فكان يقال لها: دار قضاء دين عمر، ثم طال ذلك فقيل لها: دار القضاء، ومن فسر بأنها دار الإمارة فإنه لم يُصب.
وقوله: "ستًّا" أي: لم نَرَ الشمس ستةَ أيام، ولكن في أكثر الروايات "سبتًا" باسم أحد الأيام - أي: لم نَرَ الشمس أسبوعًا.
وقال النووي: قطعة من الزمان، لأنَّ أصل السبت: القطع.
وقوله: "اللَّهم حوالينا" المراد به صرف المطر عن الأبنية والدور.
وقوله: "اللَّهم على الآكام" من الإكام: بكسر الهمزة، وقد تُفتح وتُمد، جمع أكمة بفتحات.
قال الخطابي: هي الهضبة الضخمة، وقيل: الجبل الصغير، وقيل غير ذلك وهو المراد من قوله: "حوالينا".
وفي الحديث دليل لمن يقول: بأن الاستسقاء لا تُشرع فيه الصلاة.
وأجيب بأن المقصود هنا مجرد الدعاء، وأما صلاة الاستسقاء فثبتت بالأحاديث الأخرى.
• عن أنس قال: أصاب الناسَ سَنَهٌ على عهد رسول الله ﷺ ، فبيْنا رسول الله ﷺ يخطب على المنبر يوم الجمعة، قام أعرابي فقال: يا رسول الله! هلك المالُ، وجاعَ العِيَالُ، فادْعُ الله لنا أنْ يَسْقينا، قال: فرفع رسُولُ الله ﷺ يَدَيه، وما في السماء قزَعَةٌ، قال: فثار سحابٌ أمثالُ الجِبال، ثم لم يَنْزِلْ عن مِنْبَرِه حتَّى رأيتُ المَطَرَ يتحادَرُ على لِحَيَتِه، قال: فمُطرْنا يومَنا ذلك، وفي الغَد، ومن بعدِ الغدِ، والذي يليه إلى الجمعةِ الأخرى، فقام ذلك الأعرابي، أو رَجُلٌ غَيرُه، فقال: يا رسولَ الله! تَهَدَّمَ البناء، وغَرقَ المال، فادْعُ الله لنا، فرفع رسولُ الله ﷺ يَدَيْه وقال: "اللَّهمَّ حَوَالَيْنَا ولا علينا" فما جعل يُشيرُ بيده إلى ناحيةٍ من السماء إلا تفرَّجتْ، حتى صارتِ المدينةُ في مثل الجَوْبة، حتى سالَ الوَادي -وادي قناةَ- شهرًا قال: فلم يجئْ أحد من ناحيةٍ إلا حدَّث بالجَود.
متفق عليه: رواه البخاري في الاستسقاء (١٠٣٣)، ومسلم في الاستسقاء (٨٩٧/ ٩) كلاهما من طريق الأوزاعي قال: حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، قال: حدثني أنس بن
стр. 1840
مالك فذكره واللفظ للبخاري.
ولفظ مسلم نحوه. وفي رواية عند مسلم من وجه آخر عن ثابت البناني، عن أنس قال: كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقام إليه الناس فصاحوا، وقالوا: يا نبي الله! قحط المطرُ، واحمرَّ الشجِرُ، وهلكتِ البهائمُ، وساق الحديث. وفيه أيضًا: فَتَقَشَّعَتْ عن المدينة، فجعلتُ تُمطر حوالَيها، وما تُمطر بالمدينة قطرةٌ، فنظرتُ إلى المدينة، وإنها لفي مِثْل الإكليل.
وفي رواية أخرى: رأيت السحاب يتمزَّق كأنه الملاءُ حين تُطْوى.
وفي رواية: فحسر رسول الله ﷺ ثوبه، حتى أصابه من المطر. فقلنا: يا رسول الله! لم صنعت هذا؟ قال: "لأنه حديث عهد بربه تعالي".
قوله: "قزعة" بفتح القاف والزاي، أي سحاب متفرق.
وقوله: "حتى رأينا المطر يتحادر على لحيته" هذا يدل على أن السقف كان من جريد النخل.
وقوله: "مثل الجوبة" بفتح الجيم، وهي الحفر المستديرة الواسعة، المراد بها هنا: الفرجة في السحاب.
وقال الخطابي: المراد بالجّوبة هنا الترس.
وقال النووي: هي الفجوة ومعناه: تقطع السحاب عن المدينة، وصار مستديرًا حولها، وهي خالية منه.
وقوله: "وادي قَناة" بفتح القاف، أرض ذات مزارع بناحية أحد، وواديها أحد أودية المدينة المشهورة، كذا في الفتح.
وقال النووي: وادي قناة: اسم لواد من أودية المدينة، وعليه زروع لهم، فأضافه إلى نفسه، وفي رواية البخاري: سال الوادي -وادي قناة- على البدل.
وقوله: "إلَّا حدَّث بالجَود"-بفتح الجيم- المطر الغزير.
وقوله: "احمَّر الشجر" كناية عن يُبس ورقها، وظهور عودها.
وقوله: "تقشَّعتْ" أي زالت.
وقوله: "مثل الإكليل" وهو بكسر الهمزة، هي العصابة. وتطلق على كل محيط بالشيء، كذا في شرح النووي. ويسمى التاج إكليلًا لإحاطته بالرأس.
وقوله: "كأنه المُلاء حين تطوي" المُلاء: بضم الميم، وبالمدِّ، والواحدة ملاءة -بالضم والمد. وهي الريطة كالملحفة، كذا في شرح النووي، وهي كالملحفة التي تلتحف بها المرأة، ومعناه: تشبيه انقطاع السحاب وتجليلهِ بالملاءة المنشورة إذا طويت.
وقوله: "حسر رسول الله ﷺ ثوبه" معني حسر: كشف، أي: كشف بعض بدنه ليصيبه المطر.
стр. 1841
١٠ - باب ما جاء في تحويل الرّداء للإمام والمأمومين وصفته
• عن عَبَّاد بن تميم، عن عمِّه قال: خرج النبي ﷺ إلى المصلي يستسقي، واستقبل القبلة، فصلى ركعتين، وقَلَبَ رداءه.
قال سفيان: فأخبرني المسعودي، عن أبي بكر قال: جعل اليمين على الشمال.
متفق عليه: رواه البخاري في الاستسقاء (١٠٢٧)، ومسلم في الاستسقاء (٨٩٤/ ٢) كلاهما من طريق سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، سمع عباد بن تميم عن عمه فذكره واللفظ للبخاري.
• عن عبد الله بن زيد بن عاصم -وكان أحد رَهْطه- وكان عبد الله بن زيد من أصحاب النبيّ ﷺ قد شهد معه أُحُدًا، قال: قد رأيتُ رسول الله ﷺ حين استسقي لنا أطال الدّعاء، وأكثر المسألة، قال: ثم تحوَّل إلى القبلة، وحوّل رداءه فقلبه ظهرًا لبطن، وتحوّل النّاس معه.
حسن: رواه الإمام أحمد (١٦٤٦٥) عن يعقوب، قال: حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم الأنصاري، ثم المازني، عن عبد الله بن زيد بن عاصم، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، فإنه حسن الحديث إذا صرَّح.
وعبد الله بن زيد بن عاصم هو ابن كعب الأنصاريّ المازني -مازن الأنصار- الخزرجي الصحابي المشهور، روي صفة وضوء النبيّ ﷺ وغيره.
وهو عمّ عبد الله بن تميم بن غزية الأنصاري، وعبد الله بن زيد بن عاصم هو أخو أبيه لأمه.
وهو غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي فإنهما اتفقا في الاسم، واسم الأب والنسبة إلى الأنصار، ثم إلى الخزرج، وافترقا في اسم الجدّ والبطن الذي من الخزرج.
وفي الحديث دليل للجمهور بأن المأمومين يحولون رداءهم إذا حوّل الإمام رداءه. وبه قال مالك والشافعي وأحمد كما سبق.
واستثني ابن الماجشون النساء، فقال: لا يستحب في حقهنّ.
وقال الليث وأبو يوسف: يحول الإمام وحده. انظر: "الفتح" (٢/ ٤٩٨).
• عن عباد بن تميم، عن عمه قال: حوَّل رسول الله ﷺ رداءه، فجعل عِطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عِطافه الأيسر على عاتقه الأيمن، ثم دعا الله .
حسن: رواه أبو داود (١١٦٣) عن محمد بن عوف، قال: قرأت في كتاب عمرو بن الحارث -يعني الحمصي- عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، عن محمد بن مسلم (ثم أحال أبو داود على الإسناد السابق وقال: "ولم يذكر الصلاة" يعني عباد بن تميم المازني، عن عمه) فذكره.
стр. 1842
وهذا إسناد حسن، لأن عمرو بن الحارث الحمصي لم يوثقه غير ابن حبان، ولذا قال فيه الحافظ "مقبول".
قلت: وهو كما قال، لأنه توبع في أصل تحويل الرداء، ولم ينفرد به كما في الحديث الذي مضي، والذي سيأتي.
وقوله: "العطاف" قال الخطابي: أصل العطاف الرداء، وإنما أضاف العطاف إلى الرداء هاهنا، لأنه أراد أحد شقّي العطافي الذي عن يمينه، وعن شماله.
• عن عبد الله بن زيد قال: استسقى رسول الله ﷺ وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقُلتْ قَلَبَها على عاتقه.
حسن: رواه أبو داود (١١٦٤)، والنسائي (١٥٠٧) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز، عن عُمارة بن غَزِيَّة، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد فذكره.
وإسناده حسن من أجل عُمارة بن غَزِيَّة فهو حسن الحديث.
وصححه ابن خزيمة (١٤١٥)، وعنه ابن حبان (٢٨٦٧)، ورواه أيضًا الحاكم (١/ ٣٢٧) كلهم من طريق عبد العزيز -وهو ابن محمد الدراوردي- به مثله. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم".
١١ - باب استحباب الاستسقاء ببعض قرابة النبي ﷺ من ذوي الصلاح
• عن أنس أنَّ عمر بن الخطاب كان إذا قَحَطُوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسَّل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون.
صحيح: رواه البخاري في الاستسقاء (١٠١٠) عن الحسن بن محمد، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثني أبي عبد الله بن المشي، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس فذكره.
١٢ - باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط
• عن ابن مسعود قال: إن قريشًا لما استعصوا على النبي ﷺ دعا عليهم بسنين كَسِنيِّ يوسف، فأصابهم قحطٌ وجَهْدٌ حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظُر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجَهْد، فأنزل الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة الدخان: ١٠، ١١] قال: فأُتي رسولُ الله ﷺ فقيل: يا رسول الله! اسْتسْقِ الله لِمْضَرَ، فإنها قد هلكتْ، قال: "لِمُضَرَ؟ إنك لجريءٌ" فاستسقى فسُقوا. فنزلت: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهيةُ، فأنزل الله : ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ
стр. 1843
الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ قال: يعني يوم بدر.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٢١)، ومسلم في صفات المنافقين (٢٧٩٨/ ٤٠) كلاهما من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن مسلم بن صُبيح، عن مسروق، عن ابن مسعود فذكره واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه باختلاف يسير.
وفي الروايات الصّحيحة الأخرى أنَّ الذي طلب من النبي ﷺ كشف الجهْد هو أبو سفيان.
وأما ما جاء في صحيح البخاري (١٠٢٠) تحت الباب المذكور من قول البخاري، وزاد أَسباط عن منصور: فدعا رسولُ الله ﷺ فسُقُوا الغيثَ، فأطبقتْ عليهم سبْعًا، وشكا الناس كثرة المطر فقال: "اللهم حوالينا ولا علينا" فانحدرت السحابة عن رأسه فسُقوا الناسَ حولهم، فهو جزء من حديث أنس بن مالك المذكور في باب الاستسقاء في خطبة الجمعة من غير استقبال القبلة وهذه القصة وقعت في المدينة، والظاهر أن هذا وهم من أسباط بن نصر فإنه قد وُصف بكثرةِ الخطإِ وهو مع ذلك صاحب غرائب ...
وإليه يشير الشيخ ولي الله الدهلوي في جزء شرح تراجم أبواب صحيح البخاري" (ص ١٠٧) معلقًا على حديث عبد الله بن مسعود الذي ذكره البخاري تحت هذا الباب: "كأنه وقع وهم وخلط في هذا الطريق".
• * *
стр. 1844
جموع أبواب صلاة الكسوف
١ - باب الأمر بالصّلاة عند الكسوف وأنَّها سنة مؤكدة
• عن أبي مسعود البدري قال: قال النبي ﷺ : "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد من الناس، ولكنهما آيتان من آيات الله ، فإذا رأيتموهما فقوموا فصلوا".
متفق عليه: رواه البخاري في الكسوف (١٠٤١، ١٠٥٧) وفي بدء الخلق (٣٢٠٤)، ومسلم في الكسوف (٩١١) من طرق عن إسماعيل (هو ابن أبي خالد) عن قيس (هو ابن أبي حازم) عن أبي مسعود الأنصاري فذكره.
وزاد مسلم من وجه آخر عن سفيان ووكيع عن إسماعيل بهذا الإسناد وفيه: انكسفت الشمسُ يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفتْ لموت إبراهيم.
• عن المغيرة بن شعبة يقول: انكسفَتِ الشمس يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفَتْ لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموها فادعوا الله، وصلوا حتى ينجلي".
متفق عليه: رواه البخاري في الكسوف (١٠٦٠) وفي الأدب (٦١٩٩) مختصرًا، ومسلم في الكسوف (٩١٥) كلاهما من طريق زائدة قال: حدثنا زياد بن علاقة، قال: سمعتُ المغيرة بن شعبة فذكر الحديث واللفظ للبخاري.
ورواه أيضًا (١٠٤٣) من وجه آخر عن زياد بن عِلاقة بإسناده مثله.
ولم يذكر مسلم فقال الناس: انكسفتُ لموت إبراهيم"
قلت: ذكر أكثر أهل السيرة أن موت إبراهيم بن محمد رسول الله ﷺ كان في السنة العاشرة من الهجرة، وقيل قبل ذلك. والنبي ﷺ شهد موته وذرفتْ عيناه.
• عن ابن عمر أنه كان يُخبِر عن النبي ﷺ : "إنَّ الشمس والقمر لا يَخسفان الموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما فصلوا".
متفق عليه: رواه البخاري في الكسوف (١٠٤٢)، ومسلم في الكسوف (٩١٤) كلاهما من طريق ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن عبد الرحمن بن القاسم حدَّثه عن أبيه القاسم ابن محمد بن أبي بكر الصديق، عن عبد الله بن عمر فذكر الحديث، ولفظهما سواء.
• عن أبي موسى الأشعري قال: خسفتِ الشمس في زمان رسول الله ﷺ ، فقام
стр. 1845
فزِعًا يخشى أن تكون الساعةُ، حتى أتي المسجد، فقام يُصلِّي بأطول قيامٍ وركوعٍ وسجود، ما رأيتُه يفعله في صلاةٍ قطُّ، ثم قال: "إن هذه الآيات التي يُرسلَها الله, لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يرسلها يُخَوِّف بها عبادَه، فإذا رأيتم منها شيئًا فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره".
متفق عليه: رواه البخاري في الكسوف (١٠٥٩)، ومسلم في الكسوف (٩٢١) كلاهما عن محمد بن العلاء، قال: حدثنا أبو أسامة، عن بُريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى فذكره ولفظهما سواء.
٢ - باب النداء: "الصلاة جامعة" في الكسوف
• عن عبد الله بن عمرو قال: لما كُسِفتِ الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ نُودِيَ: إنَّ الصلاةَ جامعةٌ. فركع النبي ﷺ ركعتين في سجدةٍ، ثم قام فركع ركعتين في سجدة، ثم جلس، ثم جُلِّي عن الشمس.
قال: وقالت عائشة: ما سجدتُ سجودًا قط كان أطول منها، كذا في البخاري، وفي مسلم: ما ركعت ركوعًا قط ولا سجدتُ سجودًا قط كان أطول منه.
متفق عليه: رواه البخاري في الكسوف (١٠٥١)، ومسلم في الكسوف (٩١٠) كلاهما من طريق أبي معاوية (وهو شيبان النحوي) عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو فذكره.
ورواه أيضًا الشيخان: البخاري (١٠٤٥)، ومسلم كلاهما من طريق معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير إلَّا أنَّ البخاريَّ اقتصر على قوله: "لما كسفتِ الشمس على عهد رسول الله ﷺ نُودِي: إنَّ الصلاة جامعة".
والحديث عبد الله بن عمرو أسانيد أخرى خرجتها في باب ما جاء في النفخ في الصلاة.
٣ - باب أربع ركعات في ركعتين
• عن عائشة قالت: خسفتِ الشمسُ في عهد رسول الله ﷺ فصلَّي رسولُ الله ﷺ بالناس، فقامَ فأطال القيام، ثم ركع، فأطال الركوعَ، ثم قام، فأطال القيام، وهو دون القيام الأول، ثم ركع، فأطال الركوع، وهو دون الركوع الأول. ثم رفع فسجد، ثم فعل في الركعة الآخِرة مثل ذلك، ثم انصرف وقد تجلَّتِ الشمس. فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتُم ذلك فادعوا الله، وكِّبروا وتصدَّقوا، ثم قال: "يا أمة محمد! والله! ما من أحد أغْير من الله أن يزني عبدُه، أو
стр. 1846
تزني أمتُه، يا أمة محمد! والله! لو تعلمون ما أعلم لضحكتُم قليلًا ولبكيتُم كثيرًا".
متفق عليه: رواه مالك في صلاة الكسوف (١) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
ورواه البخاري في الكسوف (١٠٤٤) عن عبد الله بن مسلمة، ومسلم في الكسوف (٩٠١) عن قتيبة بن سعيد، كلاهما عن مالك.
• عن عبد الله بن عباس قال: انخسَفتِ الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ ، فصلَّي رسول الله ﷺ فقام قيامًا طويلًا نحوا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد. ثم انصرف وقد تجلت الشمس فقال: "إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحدٍ، ولا لحياته، فإذا رأيتُم ذلك فاذكروا الله، قالوا: يا رسول الله! رأيناك تناولتَ شيئًا في مقامك، ثم رأيناك كَعْكَعْتَ، قال ﷺ : "إنِّي رأيتُ الجنة، فتناولت عنقودًا، ولو أصبتُه لأكلتُم منه ما بَقِيَتِ الدنيا، وأُرِيتُ النار، فلم أَرَ منظرًا كاليوم قط أفظعَ، ورأيتُ أكثر أهلها النساء" قالوا: لِمَ يا رسول الله؟ قال: "لكُفرِهنَّ" قيل: يكفرن بالله؟ قال: "يكفُرنَ العَشيرَ، ويكفُرنَ الإحسانَ ولو أحسنت إلى إحداهنَّ الدهرَ كلَّه، ثم رأتْ منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط".
متفق عليه: رواه مالك في الكسوف (٢) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس، فذكره.
ورواه البخاري في الكسوف (١٠٥٢) من طريق عن مالك، به.
ورواه مسلم في الكسوف (٩٠٧) من وجه آخر عن زيد بن أسلم به، ورواه أيضًا عن محمد بن
رافع، حدثنا إسحاق (يعني ابن عيسي) أخبرنا مالك بإسناده مثله ولم يسق لفظه وإنما أحال على
الإسناد السابق.
وقوله: "كعكعت" من تكعكع وهو إذا توقف وأحجم.
ورواه مسلم من وجه آخر مختصرا عن كثير بن عباس، عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه صلي أربع ركعات في ركعتين. وأربع سجدات يوم كسفتِ الشمس بمثل حديث عروة، عن عائشة.
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لما كشفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نُودي: إن الصلاة جامعة فركع النبي ﷺ ركعتين في سجدة، ثم قام فركع ركعتين
стр. 1847
في سجدة، ثم جلس حتى جُلِّي عن الشمس.
متفق عليه: رواه البخاري في الكسوف (١٠٥١)، ومسلم في الكسوف (٩١٠) كلاهما من طريق أبي معاوية عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص فذكره، وسبق تخريجه.
قوله: ركعتين في سجدة -أي في كل ركعة ركعتان- وهو المَعْني بأربع ركعات في ركعتين.
وأما ما رواه أصحاب السنن من الاختصار على الركوع الواحد في كل ركعة فهو شاذ لأنَّ الذي رُوِي عن عبد الله بن عمرو حفظ منه طول السجود ولم يحفظ ركعتين في ركعة، وأبو سلمة حفظ ركعتين في ركعة وحفظ طول السجود. كما قال البيهقي (٣/ ٣٢٤).
• عن جابر بن عبد الله، قال: كسفتِ الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ في يوم شديد الحرِّ، فصلّى رسولُ الله ﷺ بأصحابه، فأطال القيام، حتى جعلوا يَخِرُّون، ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم سجد سجدتين، ثم قام فصنع نحوًا من ذاك. فكانت أربع ركعات وأربع سجداتٍ، ثم قال: "إنه غُرِضَ عليَّ كل شيء تولَجُونَهُ، فعُرِضَتْ علىَّ الجنةُ، حتى لو تناولْتُ منها قِطْفًا أخَذْتُه (أو قال تناولتُ منها قِطْفًا) فقصُرَتْ يَدِي عنه، وعُرِضَتْ علىَّ النارُ، فرأيتُ فيها امرأةً من بني إسرائيل تعذَّبُ في هِرَّةٍ لها، ربطتها فلم تُطْعِمْها، ولم تَدَعْهَا تأكلُ من حشَاشِ الأرض، ورأيتُ أبا ثُمامة عمرو بن مالك يَجُرُّ قُصْبَهُ في النار، وإنهم كانوا يقولون: إن الشمسَ والقمرَ لا يخسِفان إلا لموتِ عظيمٍ، وإنهما آيتان من آيات الله يُرِيكُمُوهُما، فإذا خَسَفَا فَصَلُّوا حتى يَنْجَلي".
صحيح: رواه مسلم في الكسوف (٩٠٤) عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدثنا إسماعيل ابن علية، عن هشام الدستوائي، قال: حدثنا أبو الزبير، عن جابر فذكره.
• عن أبي هريرة قال: كُسَفَتِ الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ فقام فصلَّى للناس، فأطال القيام ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم سجد فأطال السجود، ثم رفع ثم سجد فأطال السجود وهو دون السجود الأول، ثم قام فصلى ركعتين، وفعل فيهما مثل ذلك ثم سجد سجدتين يفعل فيهما مثل ذلك حتى فرغ من صلاته، ثم قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنَّهما لا ينكسفان لموت أحد ولا الحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله عزوجل وإلى الصلاة".
стр. 1848
حسن: رواه النسائي (١٤٨٣) عن محمد بن عبيدالله بن عبد العظيم، قال: حدثني إبراهيم سَبَلان، قال: حدثنا عباد بن عبادٍ المُهلبي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو وهو: ابن علقمة بن وقاص الليثي. وإبراهيم سَبَلان هو: ابن زياد.
٤ - باب ما جاء أن صلاة الكسوف ركعتان كسائر النوافل
• عن أبي بكرة قال: كُنَّا عند رسول الله ﷺ فانكسفت الشمسُ، فقام النبي ﷺ يجرُّ رداءَه حتى دخل المسجد، فدخلنا، فصلَّي بنا ركعتين حتى انجلتِ الشمسُ، فقال رسول الله ﷺ : "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، فإذا رأيتموهما فصلوا، وادعوا حتى يُكشفَ ما بكم".
صحيح: رواه البخاري في الكسوف (١٠٤٠) عن عمرو بن عون، قال: حدثنا خالد، عن يونس، عن الحسن، عن أبي بكرة فذكره.
ورواه البخاري أيضًا (١٠٤٨) من طريق حماد بن زيد، عن يونس، عن الحسن، عن أبي بكرة، وزاد فيه: "ولكن الله تعالى يخوِّف بها عبادَه".
وقال: وتابعه موسي، عن مبارك، عن الحسن قال: أخبرني أبو بكرة، عن النبي ﷺ : "إن الله يخوّفُ بهما عباده".
• عن عبد الرحمن بن سمرة قال: بينما أنا أرمي بأَسْهُمي في حياة رسول الله ﷺ إذ انكسفت الشمسُ فنبذتُهنَّ، وقلت: لأنظرنَّ إلى ما يحدث لرسول الله ﷺ في انكساف الشمس اليومَ، فانتهيتُ إليه وهو رافع يديه، يدعو ويُكبِّر ويحمد ويُهلِّل. حتى جُلِّي عن الشمس، فقرأ سورتين، وركع ركعتين.
وفي رواية: فأتيتُه وهو قائم في الصلاة رافع يديه، فجعل يُسَبِّح ويحمدُ ويُهلِّل ويُكبِّر ويدعو. حتي حُسر عنها، قال: فلما حُسِر عنها قرأ سورتين، وصَلَّى ركعتين.
صحيح: رواه مسلم في الكسوف (٩١٣) من طرق عن الجُريري عن أبي العلاء حيان بن عُمير، عن عبد الرحمن بن سمرة، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ فذكره.
والرواية الأولى تخالف الرواية الثانية في الظاهر لأن في الرواية الأولى صلى لما انكسفتِ الشمس، وفي الثانية وجَدَه وهو يصلي، وهذا هو الصحيح يجب حمل الرواية الأولى على الثانية، لأنه لم يقل أحد بابتداء الصلاة بعد انتهاء كسوف الشمسُ، وإنما الذي حصل هو أن الرواة جمعوا كل ما حصل من النبي ﷺ في هذه الفترة المذكورة من صلاة وتسبيح وتحميد وتهليل وتكبير وغيرها.
قال النووي في شرح مسلم: "وكانت السورتان بعد الانجلاء تتميمًا للصلاة، وتمتْ جملة
стр. 1849
الصلاة ركعتين أولها في حال الكسوف، وآخرها بعد الانجلاء".
وقوله: "ركع ركعتين" قال البيهقي (٣/ ٣٣٢): "يحتمل أن يكون مراده بذلك في كل ركعة، فقد روينا عن جماعة أثبتوه، والمثبت شاهد، فهو أولى بالقبول". وقال الذهبي في "مهذب السنن":
"يحتمل أنه أراد ركع ركعتين في كل ركعة".
٥ - باب ست ركعات في ركعتين
• عن جابر قال: انكسفت الشمسُ في عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم بن رسولِ الله ﷺ ، فقال الناس: إنما انكسفت لموت إبراهيم، فقام النبي ﷺ فصلي بالناس سِتَّ ركعات بأربع سجدات، بَدَأ فَكَبَّرَ، ثُمَّ قَرَأ فأَطَالَ الْقِرَاءةَ، ثم ركع نحوًا مِمَّا قَامَ. ثُمَّ رَفع رأسه من الركوع فقرأ قراءةً دون القراءة الأولى، ثم ركع نحوًا مما قام، ثم رفع رأسه من الركوع فقرأ قراءةً دونَ الثانية، ثم ركع نحوًا مما قام، ثم رفع رأسَه من الركوع. ثم انحَدَرَ بالسُّجُودِ فسجد سجدتين، ثم قام فركع أيضًا ثلاث ركعاتٍ، ليس فيها ركعةٌ إلا التي قبلها أطولُ من التي بعدها، وركوعُه نحوًا من سجوده، ثم تأَخَّر وتأَخَّرتِ الصُّفوف خلفه، حتى انتهينا. (وقال أبو بكر: حتى انتهى إلى النساء) ثم تقدم وتقدم الناسُ معه، حتى قام في مقامِه، فانصرفَ حين انصرفَ، وقد آضِتِ الشَّمْس، فقال "يا أيُّهَا الناسُ! إنَّما الشمسُ والقَمَرُ آيتان من آياتِ الله، وإنهما لا ينكَسِفان لمَوتِ أحدٍ من الناس (وقال أبو بكر: لِمَوتِ بَشَرٍ) فإذا رأيتُم شيئًا من ذلك فَصَلُّوا حتى تنجلِيَ، ما من شيء تُوعَدونه إلا قد رأيتُهُ في صلاتي هذه، لقد جيءَ بالنار، وذلكم حين رأيتُموني تأخَّرتُ مخافَةَ أن يُصيبَني من لفْحِها، وحتى رأيتُ فيها صاحب المحجَن يَجُرُّ قُصبَه في النار، كان يسرق الحاج بمحْجَنِه، فإن فُطِن له قال: إنما تَعَلَّقَ بمحجني، وإن غُفِلَ عنه ذهب به، وحتى رأيتُ فيها صاحبَةَ الهِرَّةِ التي رَبَطتْها فلم تُطْعِمْها، ولم تدَعْها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعًا، ثم جيءَ بالجنة، وذلكم حين رأيتموني تقدمتُ حتى قمتُ في مقامي، ولقد مددتُ يَدِي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه، ثم بدا لي أن لا أفعل، فما من شيء توعدونه إلا قد رأيتُه في صلاتي هذه".
صحيح: رواه مسلم في الكسوف (٩٠٤/ ١٠) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نُمير. ح وحدثنا محمد بن عبد الله بن نُمير، قال: حدثنا أبي، حدثنا عبد الملك عن عطاء، عن جابر فذكره.
стр. 1850
وقوله: وقد آضتِ الشمسُ" معناه رجعت إلى حالها الأول قبل الكسوف، وهو من أض يَئيضُ إذا رجع ومنه قولهم: أيضًا. وهو مصدر منه.
• عن عطاء يقول: سمعتُ عُبَيد بن عُمير يقول: حدثني من أصدِّقُ -حسبتُه يُريد عائشة- أن الشمس انكسفتْ على عهد رسول الله ﷺ فقام قيامًا شديدًا، يقوم قائمًا ثم يركع، ثم يقوم ثم يركع، ثم يقوم ثم يركع, ركعتين في ثلاث ركعات، وأربع سجدات، فانصرف، وقد تَجَلَّتِ الشمسُ، وكان إذا ركع قال: "الله أكبر" ثم يركع، وإذا رفع رأسه قال: "سمع الله لمن حمده" فقام فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "إن الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما من آيات الله يُخوِّفُ الله بهما عبادَه، فإذا رأيتُم كُسُوفًا فاذكروا الله حتى ينجليا".
صحيح: رواه مسلم في الكسوف (٩٠١) عن إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، قال: سمعت عطاءً فذكره.
ورواه من وجه آخر عن قتادة، عن عطاء بن أبي رباح، وفيه عن عائشة بدون شك، أن نبي الله ﷺ صلَّي ستَّ ركعات وأربعَ سجدات.
وقوله: "ركعتين في ثلاث ركعات" هو بمعنى قوله: "ست ركعات وأربع سجدات" أي: أنه صلى ركعتين، وفي كل ركعة ثلاث ركوع وسجدتان.
وفي سنن أبي داود (١١٧٧): "فقام النبي ﷺ قيامًا شديدًا ... حتى إن رجالًا يومئذ لَيُغشَي عليهم مما قام بهم، حتى إنَّ سِجال الماء لتُصَبُّ عليهم".
وأما ما ورد في نصب الراية (٢/ ٢٢٦) عن ابن عباس أنه ﵇ صلي في الكسوف فقرأ ثمَّ ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم سجد، وقال الأخرى مثلها. رواه مسلم عن طاوس، عن ابن عباس، فهذا وهم من المصنف رحمه الله تعالى، والصواب أنه: قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، يعني أربع ركعات كما سيأتي.
٦ - باب ثمان ركعات في ركعتين
• عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه صَلَّى في كسوف، قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم سجد، قال: والأخرى مثلها.
وفي رواية: صلى رسول الله ﷺ حين كسفتِ الشمسُ ثمان ركعات في أربع سجدات، وعن علي مثل ذلك.
صحيح: رواه مسلم في الكسوف (٩٠٩) من طريق يحيى، عن سفيان، قال: حدثنا حبيب، عن طاوس، عن ابن عباس فذكره.
стр. 1851
والرواية الثانية رواها (٩٠٨) من طريق إسماعيل ابن عُلية، عن سفيان.
وهذا حديث صحيح رواه أيضًا أبو داود (١١٨٣)، والترمذي (٥٦٠)، والنسائي (١٤٦٨) كلهم من طريق يحيي به، وقال الترمذي: حسن صحيح، وسكت عليه أبو داود والمنذري، وتكلم البيهقي (٣/ ٣٢٧) بما لا يشفي وهذا لفظه: "وأما محمد بن إسماعيل ﵀ فإنَّه أعرض عن هذه الروايات التي فيها خلاف رواية الجماعة، وقد رُوِينا عن عطاء بن يسار وكثير بن عباس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنَّه صلاها ركعتين في كل ركعة ركوعان، وحبيب بن أبي ثابت وإن كان من الثقات فقد كان يدلِّس، ولم أجده ذكر سماعه في هذا الحديث عن طاوس، ويحتمل أن يكون حمله عن غير موثوقٍ به عن طاوس" انتهى.
وكون الرواة رووا عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنَّه صلى ركعتين في كل ركعة ركوعان لا يمنع من صحة حديث حبيب بن أبي ثابت لإمكان التعدد، فإنه إذا جُمعت أحاديث الكسوف كما ستري فإنها تدل على أنها تكررت وتعددت صفاتها.
وقول مسلم: وعن علي مثل ذلك. هو الحديث الآتي:
• عن رجل يُدعى حنشًا قال: كسفتِ الشمسُ فصلَّى عَلِيٌّ للناس، فقرأ: ﴿يس﴾ أو نحوها. ثم ركع نحوًا من قدر سورة، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ثم قام قدر السورة يدعو ويُكبر، ثم ركع قدر قراءته أيضًا، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام أيضًا قدر السورة، ثم ركع قدر ذلك أيضًا حتى صلي أربع ركعات، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم سجد، ثم قام إلى الركعة الثانية ففعل كفعله في الركعة الأولى، ثم جلس يدعو ويَرْغَبُ، حتى انكشفتِ الشمس، ثم حدثهم أن رسول الله ﷺ كذلك فعل.
حسن لغيره: رواه الإمام أحمد (١٢١٦) عن يحيى بن آدم، حدثنا زهير، حدثنا الحسن بن الحُرّ، حدثنا الحكم بن عُتيبة، عن رجل يُدعى حنشا فذكره.
وصححه ابن خزيمة (١٣٨٨) ورواه من طريق زهير إلا أنه لم يسق لفظه كاملًا وإنما قال في آخر الحديث: "في هذا الخبر إنه ركع أربع ركعات في كل ركعة مثل خبر طاوس عن ابن عباس".
قلت: رجاله ثقات غير حنش وهو: ابن المعتمر الكوفي، مختلف فيه فقال أبو داود: ثقة.
وقال أبو حاتم: هو عندي صالح، وقال العجلي: تابعي ثقة.
وتكلم فيه النسائي وابن حبان وغيرهما والخلاصة فيه كما قال الحافظ في التقريب: "صدوق له أوهام" أي: هو صدوق إلا إذا ثبت أنه وهم فتُضعَّفُ روايته تلك. ولم أجد هنا ما يُضعَّف بسببه غير أنَّه انفرد برواية هذا الحديث عن علي بن أبي طالب ولا يَروِي عنه غيرُه، ولكن لا يمنع هذا من تحسين حديثه في الشواهد، ولذا أشار إليه مسلم ولم يخرجه لأنه ليس على شرطه.
стр. 1852
ولا يُعل بما رواه البيهقي (٣/ ٣٣٠) من طريق سليمان الشيباني، عن الحكم بن عُتيبة موقوفًا، ومن طريق الحسين بن الحر مرفوعًا. والحسن بن الحر ثقة فاضل فزيادته مقبولة.
يرى البيهقي رحمه الله تعالى بناء على توحيد القصة بأن النبي ﷺ صلى الكسوف يوم توفي ابنه إبراهيم ركعتين في كل ركعة ركوعين فقال: "من نظر إلى هذه القصة وفي القصة التي رواها أبو الزبير، عن جابر علم أنها قصة واحدة، وأن الصلاة التي أخبر عنها إنما فعلها يوم توفي إبراهيم بن رسول الله ﷺ . وقد اتفقت رواية عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، ورواية عطاء ابن يسار، وكثير بن عباس، عن ابن عباس، ورواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، ورواية أبي الزبير عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ إنما صلَّاها ركعتين في كل ركعة ركوعين، وفي حكاية أكثرهم قوله ﷺ يومئذ أن الشمسُ والقمر آيتان من آيات الله، لا تنخسفان الموت أحد، ولا لحياته دلالة على انه إنما صلاها يوم توفي ابنه، فخطب، وقال هذه المقالة ردًّا القولهم: إنما كسفتْ لموته. وفي اتفاق هؤلاء العدد مع فضل حفظهم دلالة على أنه لم يزد في كل ركعة على ركوعين، كما ذهب إليه الشافعي ومحمد بن إسماعيل البخاري رحمهما الله تعالي" انتهى. انظر: "السنن الكبرى" (٣/ ٣٢٦).
قلت: يرى البيهقي رحمه الله تعالى، وقبله ابن عبد البر أنَّ الصّحيح من صلاة الكسوف ركعتان، في كل ركعة ركوعان كما في حديث عائشة وغيرها.
وهو أصح ما في هذا الباب، والروايات التي تُخالفه مثل: في كل ركعة ثلاث ركوعات، أو أربع ركوعات، أو خمس ركوعات فكلها شاذة ومعلولة. وفيه نظر؛ فإن الروايات الصحيحة التي فيها الزيادات لا يحكم عليها بالشذوذ؛ لاحتمال أنَّ الذي ذكر الزيادة حضر من بداية الصلاة، والذي ذكر ركعتين في ركعة لعله حضر في وسط الصّلاة، أو أنها صلاة صلاها في وقت آخر، فإن البعض من هذه الصلوات لم يذكر فيها قوله ﷺ : إن الشّمس والقمر آيتان من آيات الله ... إلخ" والله تعالى أعلم.
وإلى بعض هذه التأويلات يشير البيهقي (٣/ ٣٣١) قائلًا: "ومِن أصحابنا من ذهب إلى تصحيح الأخبار الواردة في هذه الأعداد، وأن النبي ﷺ فعلها مرَّاتٍ، مرة ركوعين في كل ركعة، ومرة ثلاث ركوعات في كل ركعة، ومرة أربع ركوعات في كل ركعة، فأدَّى كل منهم ما حفظ، وإن الجميع جائز، وكأنه ﷺ كان يزيد في الركوع إذا لم ير الشمس قد تجلت. ذهب إلى هذا إسحاق ابن راهويه، ومِن بعدِه محمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الصبغي، وأبو سليمان الخطابي، واستحسنه أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر صاحب الخلافيات، والذي أشار إليه الشافعي من الترجيح أصح" انتهى.
قلت: ذهب الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم إلى ترجيح الروايات بأن النبي ﷺ لم يُصل إلا مرة واحدة، يوم توفي ابنه إبراهيم، في كل ركعة ركوعان وسجودان. وهو اختيار شيخ
стр. 1853
الإسلام ابن تيمية ﵀. انظر: "زاد المعاد" (١/ ٤٥٦).
وهو الذي نقله الترمذي في "العلل الكبير" (١/ ٢٩٩) عن البخاري رحمه الله تعالى فإنَّه قال: "أصح الروايات عندي في صلاة الكسوف أربع ركعات في أربع سجدات".
٧ - باب الجهر بالقراءة في الكسوف
• عن عائشة جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته، فإذا فرغ من قراءته كبَّر فركع، وإذا رفع من الركعة قال: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" ثم يُعاوِدُ القراءةَ في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات.
متفق عليه: رواه البخاري في الكسوف (١٠٦٥)، ومسلم في الكسوف (٩٠١/ ٥) كلاهما عن محمد بن مهران، قال: حدثنا الوليد، قال: أخبرنا ابن نمر، سمع ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة فذكرته واللفظ للبخاري ولفظ مسلم مختصرٌ.
قال البخاري: وقال الأوزاعي وغيره سمعتُ الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ أنَّ
الشمس خَسَفَتْ على عهد رسول الله ﷺ فبعث مناديًا بـ "الصلاةُ جامعةٌ" فتقدَّم فصلى أربع ركعات
في ركعتين، وأربع سجدات، قال: وأخبرني عبد الرحمن بن نَمِر سمع ابن شهاب مثله. قال الزهري: فقلت ما صنع أخوك ذلك، عبد الله بن الزبير، ما صلي إلا ركعتين مثل الصبح إذْ صلي بالمدينة قال: أجل، إنه أخطأ السنةَ، تابعه سفيان بن حسين وسليمان بن كثير، عن الزهري في الجهر. انتهي.
قلت: حديث سفيان بن حسين رواه الترمذي (٥٦٣)، وابن خزيمة (١٣٧٩) كلاهما من طريق إبراهيم بن صدقة، عن سفيان بن حسين واختصر الترمذي على قوله: صلي النبي ﷺ صلاة الكسوف وجهر بالقراءة فيها. وقال: حسن صحيح، ورواه ابن خزيمة بالتفصيل.
وابن نَمِر اسمه: عبد الرحمن، وهو دمشقي وثَّقه دُحَيم والذهلي وابن البرقي وآخرون، وضعَّفه ابن معين؛ لأنَّه لم يَروِ عنه غير الوليد، وليس له في الصحيحين غير هذا الحديث، وقد تابعه عليه الأوزاعي وغيره، "الفتح".
قلت: حديث الأوزاعي وغيره وصله مسلم في الكسوف (٩٠١/ ٤) عن محمد بن مهران الرازي، حدثنا الوليد بن مسلم، قال: قال الأوزاعي أبو عمرو وغيره: سمعت ابن شهاب الزهري يخبر عن عروة، عن عائشة: أنَّ الشمس خَسَفَتْ على عهد رسول الله ﷺ فبعث مناديا: "الصلاةُ جامعةٌ" فاجتمعوا وتقدم. وصلى أربع ركعات في ركعتين. وأربع سجدات، إلَّا أنَّ الأوزاعي لم يذكر هنا الجهر، وإنما نصَّ على خسف الشمسُ، وعبد الرحمن بن نَمِر نصَّ على الجهر، ولم ينص على خسف الشمسُ، والحديث واحد، كل ذكر جزءًا منه، فإذا جمعت هذه الأجزاء علم بذلك أن الجهر كان في خسف الشمس -أي في النهار- وهذا يُبطل من تأوَّل بأنَّ ذلك كان في خسف القمر
стр. 1854
بحجة أن الجهر في صلاة النهار لم يثبت، في حين روى أبو داود (١١٨٨) من وجه آخر عن الأوزاعي ونص فيه بالجهر، رواه عن العباس بن الوليد بن مزيد، عن أبيه، عن الأوزاعي، أخبرني الزهري، أخبرني عروة، عن عائشة أنَّ رسول الله ﷺ قرأ قراءة طويلة يجهر بها، يعني في صلاة الكسوف، ومن هذا الطريق رواه الحاكم (١/ ٣٣٤) وعنه البيهقي (٣/ ٣٣٦)، قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
قلت: وإلى هذا ذهب الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وجماعة من أصحاب الحديث فقالوا بالجهر في صلاة الكسوف.
وأما ما رواه الدارقطني (١/ ٦٤)، والبيهقي (٣/ ٣٣٦) من طريق سعيد بن حفص خال النُفيلي، حدثنا موسي بن أعين، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يُصلي في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات وأربع سجدات يقرأ في الركعة الأولى بالعنكبوت أو الروم، وفي الثانية بـ ﴿يس﴾ واللفظ للدارقطني، ولفظ البيهقي: قرأ في الأولى بالعنكبوت، وفي الثانية بلقمان أو الروم. فهو ضعيف.
قال ابن القطان: سعيد بن حفص خال الثقيلي لا أعرف حاله.
• عن محمود بن لبيد قال: كسفت الشمسُ يوم مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ فقالوا: كسفتِ الشمسُ لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، ألا وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتُموهما كذلك فافزَعوا إلى المساجد" ثم قام فقرأ فيما ترى بعض ﴿الر كِتَابٌ﴾ [سورة إبراهيم] ثم ركع، ثم اعتدل، ثم سجد سجدتين، ثم قام ففعل مثل ما فعل في الأولى.
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٣٦٢٩) عن يحيى بن آدم، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغَسيل، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لَبِيد فذكره.
ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٠٧) غير أن عبد الرحمن بن سليمان بن الغَسِيل فإنه حسن الحديث.
٨ - باب من قال لا يجهر في صلاة الكسوف
• عن عبد الله بن عباس قال: انخسفتِ الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ ، فصلّي رسول الله ﷺ فقام طويلًا نحوًا من قراءة سورة البقرة في حديث طويل.
متفق عليه: رواه مالك في الكسوف (٢) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس فذكره في حديث طويل، انظر الحديث الكامل في باب: أربع ركعات في ركعتين.
ورواه البخاري (١٠٥٢)، ومسلم (٩٠٧) كلاهما من طريق مالك.
стр. 1855
قال الشافعي: في هذا دليل على أنه لم يسمع ما قرأ، لأنه لو سمعه لم يقدره بغيره، ذكره البيهقي في "الكبري" (٣/ ٣٣٥).
قلت: وقد جاء التصريح من ابن عباس بأنه لم يسمع له صوتًا وهو ما رواه الإمام أحمد (٢٦٧٣)، وأبو يعلى (٢٧٤٥) عن حسن -يعني ابن موسي-، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: صليت مع رسول الله ﷺ الكسوف، فلم أسمع منه فيها حرفًا من القرآن. وابن لهيعة فيه كلام معروف.
ولكن رواه عنه عبد الله بن المبارك بهذا الإسناد، رواه الإمام أحمد (٢٦٧٤) عن علي بن إسحاق، عنه به ولفظه: "صليت خلف النبي ﷺ صلاة الخسوف، فلم أسمع منه فيها حرفًا واحًدا. وهذا إسناد حسن، لأن عبد الله بن المبارك سمع من ابن لهيعة قبل الاختلاط.
• عن عائشة قالت: كسفتِ الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ فخرج رسول الله ﷺ فقام فحزرتُ قراءته، فرأيتُ أنه قرأ بسورة البقرة، وساق الحديث، ثم سجد سجدتين، ثم قام فأطال القراءة، فحزرتُ قراءتَه فرأيتُ أنه قرأ بسورة آل عمران.
حسن: رواه أبو داود (١١٨٧) عن عبيد الله بن سعد، حدثنا عمي، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني هشام بن عروة وعبد الله بن أبي سلمة، عن سليمان بن يسار، كلهم قد حدثني عن عروة، عن عائشة فذكرته.
وإسناده حسن لأجل محمد بن إسحاق فإنه مدلس، ولكنه صرَّح بالتحديث.
وعبيد الله بن سعد هو: ابن إبراهيم بن سعد الزهري.
وعمه: يعقوب بن إبراهيم بن سعد.
وعبد الله بن أبي سلمة هو: الماجشون.
والحديث أخرجه الحاكم (١/ ٣٣٣) وقال: "صحيح على شرط مسلم".
وفي الباب عن سمرة بن جندب في حديث طويل قال: "فاستقدم فصلَّى، فقام بنا أطول ما قام بنا في صلاة قط، لا نسمع له صوتًا".
رواه أبو داود (١١٨٤)، والترمذي (٥٦٢)، والنسائي (١١٨٤)، وابن ماجة (١٢٦٤) وصحَّحه ابن خزيمة (١٣٩٧)، والحاكم (١/ ٣٢٩ - ٣٣١) كلّهم من طريق الأسود بن قيس، قال: حدثني ثعلبة بن عباد العبدي، من أهل البصرة أنه شهد خطبة يومًا لسمرة بن جندب قال: فقال سمرة بن جندب فذكره.
قال الترمذي: "حسن صحيح، وذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وهو قول الشافعي" انتهى.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
والصّواب أنه ليس على شرط أحدهما فإن ثعلبة بن عباد من رجال السنن فقط، وإنما أخرج له
стр. 1856
البخاري في خلق أفعال العباد، ثم هو مجهول، ذكره علي بن المديني في المجاهيل الذين يروي عنهم الأسود بن قيس. كما جزم أيضًا ابن حزم بأنه مجهول، وتبعه ابن القطان، وقال فيه الحافظ في التقريب "مقبول" أي: حيث يتابع، ولم يتابع فهو "لين الحديث".
وقد حكى الترمذي عن البخاري أنه قال: حديث عائشة أنه جهر أصح من حديث سمرة أنه أسر.
قال أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى في "شرح معاني الآثار" (١/ ٣٣٣): فذهب قوم إلى هذه الآثار فقالوا: هكذا صلاة الكسوف، لا يجهر فيها بالقراءة، لأنها من صلاة النهار، وممن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة ﵀. وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: يجهر فيها بالقراءة، وكان من الحجة لهم في ذلك أنه قد يجوز أن يكون ابن عباس وسمرة ﵄ لم يسمعاها من رسول الله ﷺ في صلاته تلك حرفًا، وقد جهر فيها لبعدهما منه، فهذا لا ينفي الجهر إذ كان قد رُوي عنه أنه قد جهر فيها. فذكر حديث عائشة ورجح الجهر قياسًا على الجمعة والعيدين والاستسقاء وهي كلها صلاة النهار فكذلك صلاة الكسوف ثم قال: وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى. انتهي.
وقد أجيب أيضًا بأن المثبت أولى، ويمكن تأويل هذه الأحاديث بأن قراءته ﷺ لم تكن عالية.
فأحيانًا يجهر، وأحيانًا يسر، وهو في صلاة واحدة، فمن سمع منه الجهر وهو قريب منه قال به، وإليه يشير صاحب المنتقي بعد إيراد حديث سمرة بن جندب: "وهذا يحتمل أنه لم يسمعه لبعده، لأن في رواية مبسوطة له: أتينا والمسجد قد امتلأ".
ويمكن حمله أيضًا على التعدد لمن قال بذلك، وإلا فقد رأى بعض أهل العلم أنَّ النبي ﷺ لم يُصلِّ صلاة الكسوف إلَّا مَرَّةً واحدة يوم توفي ابنه إبراهيم.
٩ - باب طول القيام في الكسوف
• عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: فزع النبي ﷺ يومًا -قالت: تعني يوم كسفتِ الشمس- فأخذ دِرْعًا حتى أُدِرك بردائه، فقام للناس قيامًا طويلًا، لو أن إنسانًا أتي لم يشعر أن النبي ﷺ ركع -ما حدَّث أنه ركع- من طول القيام.
وفي رواية: وقام قيامًا طويلًا، يقوم ثم يركع، وزاد: فجعلتُ أَنظر إلى المرأة أَسَنُّ مني، وإلى الأخرى: هي أسقَمْ مني.
وفي رواية: فقضيت حاجتي، ثم جئتُ ودخل المسجدَ، فرأيتُ رسولَ الله ﷺ قائمًا، فقمتُ معه، فأطال القيام حتى رأيتُني أريد أن أجلس. ثم أَلتفِتُ إلى المرأة الضعيفة، فأقول: هذه أضعفُ مني، فأقوم، فركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه فأطال القيام، حتى لو أن رجلًا جاء - خُيّل إليه أنه لم يركع.
стр. 1857
صحيح: هذه الروايات كلها رواها مسلم في الكسوف (٩٠٦/ ١٤، ١٥، ١٦) من طرق عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية بنت شيبة، عن أسماء بنت أبي بكر فذكرتها.
١٠ - باب ما عُرِض على النبي ﷺ ، في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار
• عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت: أتيتُ عائشةَ ﵂ زوج النبي ﷺ حين خسفت الشمسُ فإذا الناس قيام يصلون، وإذا هي قائمة تصلِّي، فقلت: ما للناس؟ فأشارتْ بيدِها إلى السماءِ، وقالت: سُبحانَ الله، فقلتُ: آيةٌ؟ فأشارت: أي نعم، قالتُ: فقُمْتُ حتى تجلَّاني الغَشْيُ، فجعلتُ أصُبُّ فوق رأسي الماء، فلمَّا انصرفَ رسولُ الله ﷺ حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "ما من شيءٍ كُنتُ لَمْ أرَهُ إلا قد رأيتُه في مقامي هذا، حتى الجنَّة والنارَ، ولقد أوحيَ إليَّ أنكم تُفْتَنُونَ في القُبُور مِثلَ -أو قَريبًا من- فِتْنَةِ الدَّجال، لا أدري أيَّتَهُما قالتْ أسماء، يُؤْتَي أحدُكمُ فيقال له: ما عِلْمُكَ بهذا الرَّجُلِ؟ ، فأما المؤمنُ، أو المُوقِنُ، لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماءُ، فيقولُ: محمَّدٌ رسولُ الله ﷺ ، جاءنا بالبينات والهُدي، فأجبنَا وآمنَّا واتبعنَا، فيقال له: نَمْ صالحًا، فقد علمنا إن كنت لموقِنًا. وأما المنافق، أو المرتاب -لا أدري أيتهما قالت أسماء- فيقول: لا أدري، سمعتُ الناس يقولون شيئًا فقلتُه.
متفق عليه: رواه مالك في الكسوف (٤) عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر فذكرته.
رواه البخاري في الكسوف (١٠٥٣) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
ورواه مسلم في الكسوف (٩٠٥) من طريق ابن نمير، عن هشام وفيه: فأطال رسول الله ﷺ القيام جدًّا حتى تجلَّاني الغشْيُ.
١١ - باب استحباب العِتاقة في كسوف الشمس
• عن أسماء بنت أبي بكر قالت: أمر النبي ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس.
صحيح: رواه البخاري في الكسوف (١٠٥٤) وفي العتق (٢٥١٩) من طريق زائدة بن قدامة، عن هشام، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء فذكرته.
هكذا رواه زائدة، عن هشام، وتابعه عَثَّام بن علي العامري، أخرجه البخاري في العتق (٢٥٢٠) وأشار البخاري إلى متابعة الدراوردي لهما عن هشام، وروى غيرهم قصة كسوف الشمس بالتفصيل إلا أنهم لم يذكروا فيه العتاقة، فالظاهر أن زائدة ومن تابعه لم يختصروه من التفصيل،
стр. 1858
وإنما سمعوا من هشام هكذا، أو هذا الجزء وحده فهو حديث جديد ومستقل.
١٢ - باب التّعوذ من عذاب القبر في الكسوف
• عن عاشة زوج النبي ﷺ ، أن يهودية جاءت تسألها، فقالت: أعاذَكَ الله من عذاب القبر، فسألتْ عائشةُ رسولَ الله ﷺ : أيُعَذَّبُ الناسُ في قبورِهم؟ فقال رسولُ الله ﷺ ، عائذًا بالله من ذلك، ثم ركبَ رسول الله ﷺ ، ذات غداةٍ، مركبًا، فخسَفَتِ الشمسُ، فرجع ضُحَي، فمرَّ بين ظهراني الحجر، ثم قام يُصلِّي وقام الناسُ وراءهُ، فقام قِيامًا طويلًا، ثم ركعَ رُكُوعًا طويلًا ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دونَ القيام الأول، ثم ركعِ ركوعًا طويلًا وهو دونَ الركوع الأول، ثم رفع فسجد، ثم قام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دونَ القيام الأوَّل، ثم ركع ركُوعًا طويلًا وهُوَ دُونَ الركوع الأوَّل، ثم رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرفَ فقال ما شاءَ اللهُ أن يقُولَ، ثم أمرَهم أن يَتَعوذُوا من عذاب القَبْرِ.
متفق عليه: رواه مالك في الكسوف (٣) عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة فذكرته.
ورواه البخاري في الكسوف عن عبد الله بن مسلمة (١٠٤٩) وعن إسماعيل (١٠٥٥) كلاهما عن مالك.
ورواه مسلم في الكسوف (٩٠٣) من وجه آخر عن يحيى بن سعيد نحوه مختصرًا وفيه: "إني قد رأيتكم تُفتنون في القبور كفتنة الدجال".
١٣ - باب خطبة الإمام في الكسوف
• عن عائشة قالت: خسفتِ الشمسُ في حياة النبي ﷺ ، فخرج إلى المسجد، نصف الناس وراءه، فكبَّر فاقترأ رسول الله ﷺ قراءةً طويلةً، ثم كبَّر فركع ركوعًا طويلًا. ثم قال: "سمع الله لمن حمده" فقام ولم يسجد وقرأ قراءةً طويلةً، هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبَّر وركع ركوعًا طويلًا، وهو أدنى من الركوع الأول، ثم قال: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم سجد، ثم قال في الركعة الآخرة مثل ذلك، فاستكمل أربع ركعات في أربع سجدات، وانجلت الشمسُ قبل أن ينصرف. ثم قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: "هما آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة".
стр. 1859
متفق عليه: رواه البخاري في الكسوف (١٠٤٦) مسلم في الكسوف (٩٠١/ ٣) كلاهما من طريق ابن شهاب، حدثني عروة، عن عائشة، فذكرته، واللفظ للبخاري.
وسبق حديث عنها رواه مالك، وعنه الشيخان وفيه التصريح بالخطبة.
كما وقع التصريح في رواية البخاري (١٠٤٧) عن شيخه سعيد بن عُفير، عن الليث.
• عن أسماء بنت أبي بكر قالت: فانصرف رسول الله ﷺ وقد تجلت الشمس، فخطب فحمد الله بما هو أهلُه ثم قال: "أما بعد".
متفق عليه: رواه البخاري في الكسوف (١٠٦١) معلقًا قائلًا: وقال أبو أسامة، حدثنا هشام، قال: أخبرتني فاطمة بنت المنذر، عن أسماء فذكرته هكذا مختصرًا. ووصله في كتاب الجمعة (٩٢٢) قائلًا: قال محمود، حدثنا أبو أسامة فذكر الحديث بطوله في قصة كسوف الشمس كما مضى.
ومحمود هو: ابن غَيلان أحد شيوخ البخاري.
قال الحافظ: وكلام أبي نعيم في "المستخرج" يُشعر بأنَّه قال: "حدثنا محمود".
رواه مسلم في الكسوف (٩٠٥) من وجه آخر عن هشام بإسناده نحوه.
وأما ما رُوي عن سمرة بن جندب في خطبته ﷺ في الكسوف وذكر فيه قول النبي ﷺ : "إنما أنا بشر رسول، فأذكركم بالله إن كنتم تعلمون أني قصرت عن تبليغ شيء من رسالات ربي ... " فيه ثعلبة بن عِباد العبدي مجهول سبق تخريجه في جموع أبواب الوحي.
стр. 1860
جموع أبواب صلاة الاستخارة، وصلاة المريض، والصلاة في السفينة، وصلاة التسبيح، وصلاة الحاجة، وصلاة الرّغائب
١ - صلاة الاستخارة
• عن جابر بن عبد الله قال: كان رسولُ الله ﷺ يُعلِّمُنا الاستخارةَ في الأمُور كما يُعلِّمنا السورة من القرآنِ يَقولُ: "إذا همَّ أحدُكم بالأمرِ فلْيَركعْ رَكعتَين من غَيرِ الفريضةِ، ثمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إني استخيرُكَ بِعلمكَ، وأستَقْدِرُكَ بقُدرَتِكَ، وأسأَلُكَ من فضلِكَ العظيم، فإنَّكَ تَقدِرُ ولا أقدِرُ، وتَعلَمُ ولا أعلَمُ وأنت علَّامُ الغُيوب، اللهُمَّ إن كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمرَ خيرٌ لي فِي دِيني ومَعاشي وعاقِبةِ أمري -أو قال: عاجل أمري وآجِلِه- فاقدُرْهُ لِي، ويَسِّرْهُ لي، ثمَّ باركْ لي فيه، وإن كنتَ تَعلمُ أنَّ هذا الأمرَ شَرٌّ لي في دِيني ومَعاشي وعاقبةِ أمري -أو قال: في عاجل أمري وآجلهِ- فاصرِفهُ عَنِّي واصرفني عنهُ، واقدُرْ لي الخيرَ حيثُ كان، ثمَّ أرضِني، قال: ويُسمِّي حاجَتَهُ".
صحيح: رواه البخاري في التهجد (١١٦٢) عن قتيبة قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الموالِ، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله فذكره.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد أحدكم أمرًا، فليقل: اللهم إني استخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تَقْدر ولا أقْدِر، وتعلمُ ولا أعلمُ، وأنت علَّامُ الغُيوب، اللهم إن كان كذا وكذا خيرًا لي في ديني، وخيرًا لي في معيشي، وخيرًا لي في عاقبةِ أمري، فاقدُرْه لي، وبارك لي فيه، وإن كان غير ذلك خيرًا لي فاقدُرْ لي الخير حيث ما كان، ورَضِّني بقدرك".
حسن: رواه ابن حبان (٨٨٦)، والبخاري في تاريخه (٤/ ٢٥٨)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٣٦٧)، والطبراني في الدعاء (١٣٠٦) كلهم من طرق عن ابن أبي فُديك، قال: حدثنا أبو المفضَّل بن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة فذكره واللفظ لابن حبان.
وابن أبي فديك هو: محمد بن إسماعيل من رواة الجماعة غير أنه "صدوق".
وأبو المفضل قال ابن حبان عقب الحديث: "اسمه شبل بن العلاء بن عبد الرحمن، مستقيم الأمر في الحديث".
следующие страницы →