← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وكذا رواه عليّ بن أبي طلحة، عند ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦١٤) وأبو جمرة عند الطبري (١٠/ ٥٥٠) والعوفيّ، كلهم عن ابن عباس. قال ابنُ كثير في تفسير هذه الآية: "فهذا أكثر وأثبت" انتهى قوله. قلت: وهو كما قال رحمه اللَّه تعالى، فإن أحدًا لا يشك في ترجيح وقفه من حيث الإسناد فمن الممكن أنه كان يوقف مرة، ويرفع أخرى ولكن الرّفع زيادة. والثانية: أن مثل هذا لا يقال بالرّأي. والثالثة: أنه من تفسير الصحابي، وما كان كذلك فهو في حكم الرفع، ولذا يخرّج الحاكم تفاسير الصحابة في المستدرك ويجعله على شرط الكتاب. انظر: (١/ ٥٥). والرابعة: إنّ هذا التفسير له شواهد كثيرة من الصّحابة الآخرين كما قال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣) عند شرحه لحديث عمر بن الخطّاب سئل عن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [سورة الأعراف: ١٧٢] فقال عمر: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ سئل عنها فقال: (فذكر الحديث) قال: ليس إسناده بالقائم. . . ولكن معنى هذا الحديث قد صحَّ عن النبيّ ﷺ في وجوه كثيرة ثابتة يطول ذكرها". قلت: حديث عمر بن الخطّاب هذا وغيره سيأتي تخريجه المفصّل في كتاب القدر - باب أحاديث القبضتين كما ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره، والسيوطي في الدر المنثور، والشوكاني في تفسيره فتح القدير (٢/ ٢٥١ - ٢٥٢) كثيرًا من الآثار الموقوفة والأحاديث المرفوعة في معناه. • عن أبي بن كعب ﵁ في قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٧٢، ١٧٣] قال: "جمعه له يومئذ جميعًا ما هو كائن منه إلى يوم القيامة، فجعلهم أرواحًا ثم صوَّرهم، ثم استنطقهم وتكلَّموا، وأخذ عليهم العهد والميثاق ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ قال: فإني أشهد عليكم السموات السبع، والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة: لم نعلم بهذا، اعلموا أن لا إله غيري ولا ربّ غيري، ولا تشركوا بي شيئًا، وأني سأرسل لكم رسلًا ينذرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي قالوا: نشهد أنَّك ربّنا وإلهنا لا ربّ لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك، فأقرّوا له يومئذ بالطّاعة، ورفع أباهم آدم إليهم فرأى فيهم الغني

стр. 212

والفقير، وحسَنَ الصورةِ ودون ذلك، فقال: يا ربّ، لو سويت بين عبادك؟ قال: إني أحببتُ أن أشكر، وأري فيهم الأنبياء مثل السرج عليه النور، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة فهو الذي يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [سورة الأحزاب: ٧]، وهو الذي يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [سورة الروم: ٣٠]، وفي ذلك قال: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [سورة النجم: ٥٦]، وفي ذلك قال: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [سورة الأعراف: ١٠٢] ". حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦١٥)، وابن جرير الطبريّ في تفسيره (١٠/ ٥٥٧)، والحاكم (٢/ ٣٢٣)، والضّياء في المختارة (١١٥٩) كلّهم من طرق عن أبي جعفر عيسي بن عبد اللَّه ابن ماهان، عن الرّبيع بن أنس، عن أبي العالية رُفيع، عن أُبيّ بن كعب من قوله. قال الحاكم: "صحيح الإسناد". قلت: الربيع بن أنس لم يبلغ درجة الثقة، ولكنه حسن الحديث. وفي الباب ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "إنّ اللَّه ﵎ لما خلق آدم مسح ظهره، فخرجت منه كلّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ونزع ضلعًا من أضلاعه فخلق منه حواء، ثم أخذ عليهم العهد ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف: ١٧٢] ". فذكر الحديث بطوله، وفيه قصة منح آدم أربعين سنة من عمره لداود. فهو ضعيف. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦١٤) عن العباس بن الوليد بن مزيد البيروتيّ قراءة، ثنا محمد بن شعيب، أخبرني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه زيد بن أسلم، أنه حدثه عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف. والحديث حسن بدون الإشهاد، وسيأتي في كتاب القدر. وكذلك في الباب أيضًا ما روي عن أبي أمامة مرفوعًا: "لما خلق اللَّه الخلق، وقضى القضية، أخذ أهل اليمين بيمينه، وأهل الشّمال بشماله، فقال: يا أصحاب اليمين، فقالوا: لبيك وسعديك، قال: ألستُ بربِّكم؟ قالوا: بلى. قال: يا أصحاب الشّمال، قالوا: لبيك وسعديك. قال: ألستُ بربِّكم؟ قالوا: بلى، ثم خلط بينهم، فقال قائلٌ: يا ربّ لم خلطت بينهم؟ قال: لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، أن يقولوا يوم القيامة: إنَّا كنَّا عن هذا غافلين، ثم ردَّهم في صلب آدم". وإسناده ضعيف، رواه ابن مردويه كما قال ابن كثير من طريق جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي

стр. 213

أُمامة، فذكر مثله. ومن هذا الطريق رواه أيضًا الطبراني في الكبير (٨/ ٢٨٧) مع اختلاف في بعض الألفاظ والسّياق. قال ابن كثير: جعفر بن الزبير ضعيف، ولكن تابعه بشر بن نمير وهو أضعف منه، ومن طريقه رواه أبو الشيخ في العظمة (٣٢٨). والخلاصة أن حديث أبي أمامة ضعيف. ٢ - باب ما جاء في ردّ الوسوسة قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٠، فصلت: ٣٦]. النَّزْغ والهمْز: الوسوسة. وقوله سبحانه حاكيًا عن يوسف ﵇: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [سورة يوسف: ١٠٠]. أي أفسد وأغرى. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [سورة الناس: ١ - ٦]. والخنَّاس هو الشّيطان يوسوس في صدر المرء، فإذا ذكر اللَّه خنس، أي انقبض وتأخّر. • وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يأتي الشّيطانُ أحدَكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربَّك؟ فإذا بلغه فليستعِذْ باللَّه ولينتهِ". وفي رواية: "فليقُل: آمنتُ باللَّه". متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٧٦)، ومسلم في الإيمان (١٣٤/. . .) كلاهما من حديث الليث بن سعد، قال: حدثني عُقيل بن خالد، قال: قال ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، قال: قال أبو هريرة (فذكر الحديث)، واللّفظ للبخاريّ. وأمّا مسلمٌ فأحال على حديث ابن أخي ابن شهاب، عن عمّه، قال: أخبرني عروةُ بن الزّبير، فذكر مثله. والرّواية الثانية عند مسلم من طريق سفيان، عن هشام، عن أبيه. ورواه أيضًا مسلمٌ من حديث محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، وفيه: "لا يزالُ النّاسُ يسألونكم عن العلم حتى يقولوا: هذا اللَّه خلقنا، فمن خلق اللَّه؟ " قال: وهو آخذ بيد رجل، فقال: صدق اللَّهُ ورسولُه، قد سألني اثنان وهذا الثالث، أو قال: سألني واحد، وهذا الثاني. وفي رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "لا

стр. 214

يزالون يسألونك يا أبا هريرة حتى يقولوا: هذا اللَّه، فمن خلق اللَّه؟ " قال: فبينما أنا في المسجد إذ جاءني ناسٌ من الأعراب، فقالوا: يا أبا هريرة، هذا اللَّه فمن خلق اللَّه؟ قال: فأخذ حصي بكفّه فرماهم. قال: قوموا، قوموا، صدق خليلي". ورواه عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يزالون يسألون حتى يقال: هذا اللَّه خلقنا، فمن خلق اللَّه ". قال: فقال أبو هريرة: فواللَّه إنِّي لجالس يومًا إذ قال لي رجلٌ من أهل العراق: هذا اللَّه خلقنا، فمن خلق اللَّه ؟ قال أبو هريرة: فجعلتُ إصْبعَيّ في أُذُنِيّ ثم صِحْتُ، فقلتُ: صدق اللَّه ورسولُه، اللَّه الواحد الصّمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد". رواه الإمام أحمد (٩٠٢٧) عن عفّان، حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، فذكره. وإسناده حسن، للكلام في عمر بن أبي سلمة، غير أنه حسن الحديث. ورواه عتبة بن مسلم مولى بني تميم عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وزاد فيه: "ثم ليتفُل عن يساره، وليستعذ باللَّه من الشَّيطان". رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٦٥٣) عن محمد بن منصور الطّوسيّ، ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبيّ، عن ابن إسحاق، حدثني عتبة بن مسلم، فذكره غير أنه لم يذكر فيه قصة رجل من أهل العراق. وعتبة بن مسلم هو المدني التّيميّ مولاهم، ثقة من رجال الصّحيحين. • عن أنس بن مالك يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "لن يبْرحَ النّاسُ يتساءلون حتى يقولوا: هذا اللَّهُ خالقُ كلِّ شيءٍ، فمن خلق اللَّه؟ ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٢٩٦) عن الحسن بن صبّاح، حدثنا شبابة، حدثنا ورقاءُ، عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن، سمعت أنس بن مالك، فذكر الحديث. ورواه مسلم في الإيمان (١٣٦) من وجه آخر عن مختار بن فُلْفُل، عن أنس، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "قال اللَّه : إنّ أمّتَك لا يزالون يقولون: ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا اللَّهُ خلق الخلق، فمن خلق اللَّه؟ ". وفي رواية لم يذكر: "قال اللَّه: إنّ أمّتك". • عن عائشة، أنّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إنّ أحدكم يأتيه الشّيطانُ فيقول: من خلقك؟ فيقول: اللَّه، فيقول: فمن خلق اللَّهَ؟ فإذا وجد ذلك أحدُكم فليقْرأْ: آمنتُ باللَّه ورسله، فإنَّ ذلك يُذهب عنه". صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٦٢٠٣)، والبزَّار -كشف الأستار (٥٠) -، وأبو يعلى (٤٧٠٤)

стр. 215

كلّهم من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وصحّحه ابن حبان (١٥٠)، ورواه من هذا الوجه ولفظه: "لن يدع الشّيطان أن يأتي أحدَكم فيقول: من خلق السموات والأرض؟ فيقول: اللَّه، فيقول: فمن خلقك؟ فيقول: اللَّه، فيقول: فمن خلق اللَّه، فإذا حسَّ أحدكم بذلك" فذكر بقية الحديث. هكذا رواه عدد منهم الضّحّاك بن عثمان الحزاميّ، وعبد اللَّه بن الأجلح، وإسماعيل بن عياش، ومروان بن معاوية، وسفيان الثوريّ، وليث بن سالم وغيرهم كما ذكره الدارقطنيّ، كلهم عن هشام ابن عروة عن أبيه، عن عائشة. قال البزّار: وهذا رواه غير واحد عن هشام، عن أبيه، عن أبي هريرة، وغير واحد عن عائشة منهم أبو صالح" انتهى. قلت: لعلّه قصد بذلك الرد على أبي زرعة في تخطئته لحديث عائشة، وقوله: "والصحيح حديث ابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن أبي هريرة "العلل" (٢/ ١٥٩)، وكذلك رجح الدارقطني في العلل (١٤/ ١٥٩)، أنه من حديث أبي هريرة، ولكن لا يمنع هذا أن يكون لعروة شيخان، أبو هريرة وعائشة، ولذا صححه غير واحد من أهل العلم حديث عائشة أيضًا. وفي الباب عن خزيمة بن ثابت، رواه الإمام أحمد (٢١٨٦٧)، والطبرانيّ (٣٧١٩)، وأبو يعلى كلّهم من طريق الحسن بن موسى الأشيب، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود، أنّه سمع عروة يحدِّث عن عمارة بن خزيمة، عن أبيه، فذكره. ومن هذا الوجه رواه أيضًا ابن أبي عاصم في "السنة" (٦٥٠). وفي الإسناد عبد اللَّه بن لهيعة، وفيه كلام معروف، ولم أجد من الرّواة عنه أحدًا من العبادلة الذين سمعوا منه قبل الاختلاط. وفي الباب أيضًا من حديث عبد اللَّه بن عمرو، رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (١٩١٧) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد اللَّه ابن عمرو. قال الطبرانيّ: "لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمرو إِلَّا مالك، ولا عن مالك إِلَّا ابن أبي أويس، تفرّد به أبو الطّاهر بن السرح. ورواه النّاس عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي هريرة". وذكره الهيثميّ في "المجمع" (١/ ٣٤)، ونسبه للطبرانيّ في "الأوسط والكبير" وقال: "رجاله رجال الصحيح خلا أحمد بن محمد بن نافع الطحّان شيخ الطبرانيّ". ولم يقل فيه شيئًا، فالظّاهر أنه لم يعرفه. • عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّ اللَّه تجاوز عن أُمّتي ما حدَّثتْ به

стр. 216

أنفسُها ما لم تعمل أو تتكلّم". قال قتادة: "إذا طلّق في نفسه فليس بشيء". متفق عليه: رواه البخاريّ في الطّلاق (٥٢٦٩)، ومسلم في الإيمان (١٢٧) كلاهما من طريق هشام، حدثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، فذكره، ولفظهما سواء إِلَّا أَنَّ مسلمًا لم يذكر قولَ قتادة. • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "نحن أحقُّ بالشّك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [سورة البقرة: ٢٦٠]، ويرحم اللَّه لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد. ولو لبثتُ في السِّجن طولَ ما لبث يوسفُ لأجبتُ الدَّاعيَ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأنبياء (٣٣٧٢)، ومسلم في الفضائل (٢٣٧٠: ١٥٢) كلاهما من حديث ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره. وقوله: "لأجبتُ الدّاعي" أي لأسرعتُ الإجابة في الخروج من السّجن. ٣ - باب أنّ الوسوسة من صريح الإيمان • عن أبي هريرة، قال: جاء ناسٌ من أصحاب النبيّ ﷺ فسألوه: إنَّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدُنا أن يتكلَّم به! ؟ قال: "وقد وجدتموه؟ " قالوا: نعم! قال: "ذاك صريحُ الإيمان". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٣٢) عن زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه الإمام أحمد (٩٨٧٦)، وابن منده في الإيمان (٣٤١)، وصحّحه ابنُ حبان (١٤٦) كلّهم من طريق شعبة، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أنَّهم قالوا: يا رسول اللَّه، إنَّا لنجد في أنفسنا شيئًا لأَنْ يكون حُمَّمة أحبّ إليه من أن يتكلَّم به! . قال: "ذاك محض الإيمان". وهذا إسناد حسن من أجل عاصم بن بهدلة، فإنّه حسن الحديث. • عن عبد اللَّه، قال: سئل النّبيُّ ﷺ عن الوسوسة، قال: "تلك محض الإيمان". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٣٣) عن يوسف بن يعقوب الصفّار، حدَّثني عليّ بن عثَّام، عن سُعير بن الخِمْس، عن مغيرة بن مقسم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه، فذكر الحديث. ورواه البغويّ في "شرحه" (٥٩) من وجه آخر عن محمد بن عبد الوهاب، قال: سمعتُ عليّ

стр. 217

ابن عثّام، يقول: أتيتُ سعير بن الخمس، فسألته عن حديث الوسوسة فلم يحدّثني، فأدبرتُ أبكي، ثم لقيني، فقال لي: تعالَ، حدثنا مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه، قال: سألنا رسول اللَّه عن الرّجل يجدُ الشّيء، لو خرَّ من السَّماء فتخطفه الطّير كان أحبَّ إليه من أن يتكلَّم به؟ قال النبيُّ ﷺ : "ذلك محضُ -أو صريح- الإيمان" انتهى. قال الخطّابي: "قوله: "صريح الإيمان" معناه أنّ صريح الإيمان هو الذي يمنعكم من قبول ما يلقيه الشّيطان في أنفسكم، والتصديق به، وليس معناه أنّ الوسوسةَ نفسَها صريحُ الإيمان، وذلك أنها إنّما تتولّد من فعل الشّيطان وتسويله، فكيف يكون إيمانًا صريحًا، وروي في حديث آخر أنّهم لما شكوا إليه ذلك قال: "الحمد للَّه الذي ردّ كيده إلى الوسوسة". وهو حديث ابن عباس الآتي. وقال النّوويّ: "معناه استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان، فإنّ استعظام هذا وشدّة الخوف منه، ومن النَّطق به فضلًا عن اعتقاده إنّما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالًا محقّقًا، وانتفت عنه الرّيبة والشّكوك". • عن ابن عباس قال: جاء رجلٌ إلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللَّه إنّ أحدنا يجدُ في نفسه -يُعرِّض بالشيء- لأن يكون حُمَمَةً أحبُّ إليه من أن يتكلّم به. فقال: "اللَّه أكبر! اللَّه أكبر! اللَّه أكبر! الحمد للَّه الذي ردّ كيده إلى الوسوسة". صحيح: رواه أبو داود (٥١١٢) عن عثمان بن أبي شيبة، وابن قدامة بن أعين، قالا: حدثنا جرير، عن منصور، عن ذر، عن عبد اللَّه بن شدّاد، عن ابن عباس، فذكره. قال أبو داود: وقال ابن قدامة بن أعين: "ردّ أمره" مكان "ردّ كيده". ورواه الإمام أحمد (٢٠٩٧)، وابن منده في الإيمان (٣٤٥)، وصحّحه ابن حبان (١٤٧) كلّهم من حديث منصور بإسناده مثله. ورواه ابنُ أبي عاصم في "السنة" (٦٥٨) من وجه آخر بإسناد حسن عن ابن عباس، به، مثله. وقوله: "الحمد للَّه الذي ردّ كيده. . . " أي كيد الشّيطان إلى الوسوسة التي لا يؤاخذ بها المرء، ولم يُمكنه من غير الوسوسة، وإلّا لسعى فيه كما يسعى في الوسوسة، بل جعل ذلك في يد الإنسان، فلذلك امتنع من التكلم" قاله السِّنديّ. وروى أبو داود (٥١١٠) بإسناد قوي عن أبي زميل قال: سألت ابن عباس فقلت: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: واللَّه ما أتكلم به، قال: فقال لي: أشيء من شك؟ قال: وضحك قال: ما نجا من ذلك أحد حتى أنزل اللَّه : ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية [سورة يونس: ٩٤]. قال: فقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئًا فقل: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].

стр. 218

٤ - باب ما ذكر في الذّات • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لم يكذب إبراهيم قط إِلَّا ثلاث كذبات، ثنتين في ذات اللَّه: قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [سورة الصّافات: ٨٩]، وقوله: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [سورة الأنبياء: ٦٣]-وفي شأن سارة-: "إنّكِ أختي" وذكر الحديث. متفق عليه: رواه البخاريّ في كتاب الأنباء (٣٣٥٨)، ومسلم في كتاب الفضائل (٢٣٧١) كلاهما من حديث أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. • عن أبي هريرة، قال: بعث رسول اللَّه ﷺ عشرة منهم خبيب الأنصاريّ، فأخبرني عبيد اللَّه بن عياض، أنّ ابنة الحارث أخبرته أنَّهم حين اجتمعوا استعار منها موسى يستحدّ بها، فلما خرجوا من الحرم ليقتلوه قال خبيب الأنصاريّ: ولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي شق كان اللَّه مصرَعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شِلو ممزّع فقتله ابن الحارث، فأخبر النّبيُّ ﷺ أصحابّه خبرهم يوم أصيبوا. صحيح: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٠٢) وبوّب عليه: ما يُذكر في الذّات والنّعوت وأسامي اللَّه عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزّهريّ، أخبرني عمرو بن أبي سفيان بن أسيد ابن خارجة الثّقفيّ حليف لبني زهرة وكان من أصحاب أبي هريرة، أنّ أبا هريرة قال (فذكره). وأمّا ما رُوي عن ابن عباس: فكّروا في كلِّ شيء، ولا تفكِّروا في ذات اللَّه، فإنّ بين السّماء السّابعة إلى كرسيّه ألف نور، وهو فوق ذلك. فهو موقوف ضعيف. رواه أبو جعفر بن أبي شيبة في كتاب "العرش" (١٦) واللّفظ له، من طريق خالد بن عبد اللَّه، وأبو الشّيخ في "العظمة" (١/ ٢١٤)، والبيهقيّ في "الأسماء والصّفات" (٦١٨) كلاهما من طريق عليّ بن عاصم الواسطيّ -كلاهما أعني خالدًا وعاصمًا- عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وفي "العظمة": سبعة آلاف سنةٍ نور، وفي "الأسماء والصفات" مختصرًا جدًّا، ولفظه: تفكّروا في كلّ شيء، ولا تفكّروا في ذات اللَّه. وإسناده ضعيف -مع وقفه- من أجل عطاء بن السّائب فإنه اختلط، وخالد وعاصم رويا عنه في حال اختلاطه، وقد رُوي مرفوعًا وهو ضعيف أيضًا. ولكن معناه صحيح؛ لأنّنا أُمرنا بالتفكير واستعمال النّظر في خلق اللَّه، وقد أثنى اللَّه على الذين يتفكّرون في خلق السموات والأرض، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ

стр. 219

وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [سورة آل عمران: ١٩٠، ١٩١]، وقد ذمّ اللَّه الذين لا يتفكّرون في خلقه تعالى ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [سورة غافر: ٢١]. وجاء النّهي عن التفكير في ذات اللَّه تعالى في حديث صحيح كما سيأتي. ٥ - باب ما جاء من الدّعوة إلى توحيد الإلهية قال اللَّه تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [سورة النساء: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: ٥٦]. وغيرها من الآيات وهي كثيرة في كتاب اللَّه؛ لأنّ دعوة الأنبياء ﵈ كانت لتوحيد الإلهية. قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية رحمه اللَّه تعالى: "إنّ عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع: فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث وهو توحيد الأفعال، وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنّون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأنّ هذا هو معنى قولنا: لا إله إلا اللَّه حتى يجعلوا معنى الإلهية القدرة على الاختراع، ومعلوم أنّ المشركين من العرب الذين بُعث إليهم محمد ﷺ أَولًا لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرّون بأنّ اللَّه خالقُ كلِّ شيء، حتّى إنّهم كانوا يقرّون بالقدر أيضًا وهم مع هذا مشركون". انظر: مجموع الفتاوى" (٣/ ٩٨). أحاديث هذا الباب كثيرة ستُذكر في مواضعها، وهنا أكتفي بذكر بعضها. • عن ابن عباس أنّ معاذًا قال: بعثني رسولُ اللَّه ﷺ إلى اليمن، فقال: "إنّك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادُعهم إلى شهادة أن لا إله إلّا اللَّه، وأنّي رسولُ اللَّه، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ اللَّه افترض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ اللَّه افترض عليهم ضدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإيّاك وكرائمَ أموالهم، واتقِ دعوةَ المظلوم فإنه ليس بينها وبين اللَّه حجاب". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٩٦)، ومسلم في الإيمان (١٩) كلاهما من طريق

стр. 220

زكريا بن إسحاق، عن يحيى بن عبد اللَّه بن صيفيّ، عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس، فذكره، ولفظهما سواء. ورواه البخاريّ (٧٣٧٢) عن عبد اللَّه بن أبي الأسود، حدثنا الفضل بن العلاء، ثنا إسماعيل بن أمية، عن يحيى بن عبد اللَّه بن صيفي، أنه سمع أبا معبد يقول: سمعتُ ابن عباس يقول: لما بعث النّبيُّ ﷺ معاذًا نحو اليمن قال له: "إنّك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أوّل ما تدعوهم إلى أن يوحّدوا اللَّه تعالى" ثم ذكر بقية الحديث مثله. وفي رواية عندهما البخاريّ (١٤٥٨): "فليكن أوّل ما تدعوهم إليه عبادة اللَّه ، فإذا عرفوا اللَّه. . . . ". أخرجاه عن شيخ واحد، وهو أميّة بن بِسْطام العيشيّ، عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن إسماعيل بن أمية، بإسناده مثله. • عن طارق بن أشيم الأشجعيّ، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "من قال: لا إله إلا اللَّه، وكفر بما يُعبد من دون اللَّه، حرُم ماله، ودمُه، وحسابُه على اللَّه". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٣) من طرق عن مروان بن معاوية الفزاريّ وغيره، عن أبي مالك سعد بن طارق الأشجعيّ، عن أبيه طارق بن أشيم الأشجعيّ، فذكره. • عن زيد بن سلّام، أنّ أبا سلّام حدّثه، أنّ الحارث الأشعريَّ حدّثه، أنّ النبي ﷺ قال: "إنّ اللَّه أمر يحيى بن زكريا بخمس كلماتٍ أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنه كادَ أن يُبْطئ بها، قال عيسى: إنّ اللَّه أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإمّا أن تأمرَهُم وإمّا أنْ آمرَهُم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتَني بها أن يُخسفَ بي أو أُعذّب، فجمع الناس في بيت المقدس فامتلأ المسجدُ وتَعدَّوا على الشُّرَف، فقال: إنّ اللَّه أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن. أوَّلُهن: أن تعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئًا، وإنَّ مَثَلَ مَنْ أشرك باللَّه كمثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو ورق فقال: هذه داري وهذا عملي، فاعمل وأدِّ إليَّ، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيِّدِه، فأيُّكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟ . وإنّ اللَّه أمَرَكم بالصّلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإنّ اللَّه يَنْصِبُ وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفتْ. وآمركم بالصِّيام، فإنَّ مَثَلَ ذلك كمثل رجل في عصابة معه صُرَّةٌ فيها مِسْك، فكلُّهم

стр. 221

يَعْجبُ -أو يُعجِبُه ريحُها- وإنَّ ريح الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك. وآمركم بالصَّدقة، فإنَّ مَثَلَ ذلك كمثل رجل أَسَرَهُ العَدُوُّ فأوثقوا بده إلى عنقه، وقدّمُوه ليضربوا عُنُقَه فقال: أنا أفديه منكم بالقليل والكثير ففدى نفسه منهم. وآمركم أن تذكروا اللَّه، فإنّ مَثَلَ ذلك كمثل رجل خرج العدُوُّ في أثره سِرَاعًا حتى إذا أتى على حِصْن حَصِينٍ فأَحْرَز نفسَه منهم، كذلك العبد لا يُحْرِز نفسَه من الشيطان إلا بذكر اللَّه". قال النّبيُّ ﷺ : "وأنا آمركم بخمسٍ اللَّه أمرني بهنّ: السّمع والطّاعة، والجهاد والهجرة، والجماعة، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يُراجِعَ، ومَنِ ادَّعى دَعْوَى الجاهليّة، فإنّه من جُثا جهنّم". فقال رجل: يا رسول اللَّه، وإن صلّى وصام؟ قال: "وإنْ صلّى وصام، فادْعُوا بدَعْوى اللَّه الذي سَمَّاكُم المسلمين المؤمنين عباد اللَّه". صحيح: رواه الترمذيّ (٢٨٦٣) عن محمد بن إسماعيل (البخاريّ) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان بن يزيد، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، أنّ أبا سلّام، حدّثه، فذكر مثله. قال الترمذيّ: "حديث حسن صحيح غريب. قال محمد بن إسماعيل (البخاريّ): "الحارث الأشعري له صحبة وله غير هذا الحديثه". ورواه أيضًا عن محمد بن بشّار، حدّثنا أبو داود الطّيالسيّ، حدّثنا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام، عن أبي سلّام، عن الحارث الأشعريّ، عن النبيّ ﷺ ، بمعناه. وقال: "هذا حديث حسن غريب، وأبو سلّام: اسمه ممطور، وقد رواه علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثيره". انتهى. قلت: ورواه أحمد (١٧١٧٠)، وصحّحه ابن خزيمة (١٨٩٥)، وابن حبان (٦٢٣٣)، والحاكم (١/ ٤٢١) كلّهم من طرق عن يحيى بن أبي كثير، به نحوه. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". ٦ - باب أن الإيمان باللَّه تعالى من أفضل الأعمال عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ سئل: أيّ العمل أفضل؟ فقال: "إيمان باللَّه ورسوله". قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل اللَّه". قيل: ثم ماذا؟ قال: "حجّ مبرور". متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٢٦)، ومسلم في الإيمان (٨٣) كلاهما من حديث إبراهيم ابن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره، ولفظهما سواء.

стр. 222

• عن أبي ذرّ، قال: سألتُ النّبيَّ ﷺ : أيّ العمل أفضل؟ قال: "إيمان باللَّه، وجهاد في سبيله، قلت: فأيُّ الرّقاب أفضل؟ قال: "أغلاها ثمنًا، وأنفسُها عند أهلها". قلت: فإن لم أفعل؟ قال: "تعين صانعًا، أو تصنع لأخرق" قال: فإن لم أفعل: "تدع النّاسَ من الشّر، فإنّها صدقة، تصدّق بها على نفسك". متفق عليه: رواه البخاريّ في العتق (٢٥١٨)، ومسلم في الإيمان (٨٤) كلاهما من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي مراوح، عن أبي ذرّ، فذكر الحديث، واللّفظ للبخاريّ. وفي لفظ لمسلم: "تَكُفُّ شرَّك عن النّاس، فإنّها صدقةٌ منك على نفسك". ٧ - باب أنّ الشّرك من أعظم الذّنوب قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٢]. • عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: سألت النّبيّ ﷺ : أيُّ الذّنب أعظمُ عند اللَّه؟ قال: "أن تجعل اللَّه نِدًّا وهو خلقك" قلت: إنّ ذلك لعظيم، قلت: ثم أيٌّ؟ قال: "وأن تقتل ولدَك تخاف أن يَطْعَم معك" قلت: ثم أيٌّ؟ قال: "أن تُزاني حليلة جارك". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٤٧٧)، ومسلم في الإيمان (٨٦) كلاهما عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد اللَّه، فذكره، ولفظهما سواء. ورواه الشّيخان أيضًا: البخاريّ (٤٧٦١، ٦٠٠١، ٦٨٦١، ٧٥٣٢)، ومسلم كلاهما من طرق عن جرير، به، وزاد في آخر الحديث: "فأنزل اللَّه تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] ". • وعن عبد اللَّه قال: لما نزلتْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [سورة الأنعام: ٨٢] شقّ ذلك على أصحاب رسول اللَّه ﷺ وقالوا: أيّنا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "ليس هو كما تظنون، إنّما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان: ١٣] ". متفق عليه: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٣٦٠)، ومسلم في الإيمان (١٢٤) كلاهما من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه. . . فذكر الحديث، ولفظهما سواء. وسُمّي الشّرك ظلمًا؛ لأنّ أصل الظّلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، ومن أشرك فقد جعل للَّه ندًّا، وهو من أعظم الظّلم. • عن أبي بكرة، قال: قال النبيُّ ﷺ : "ألا أُنبّئكم بأكبر الكبائر؟ " ثلاثًا. قالوا:

стр. 223

بلي يا رسول اللَّه. قال: "الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين" وجلس وكان متكئًا فقال: "ألا وقول الزّور". قال: فما زال يكرِّرها حتى قلنا: ليته سكت. متفق عليه: رواه البخاريّ في الشهادات (٢٦٥٤)، ومسلم في الإيمان (٨٧) كلاهما من طريق سعيد الجريريّ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، فذكره. وأبو بكرة أسمه نفيع بن الحارث الثقفيّ، سكن البصرة، ومات فيها سنة إحدى وخمسين. • عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "اجتنبوا السّبع الموبقات" قالوا: يا رسول اللَّه وما هنّ؟ قال: "الشّرك باللَّه، والسِّحر، وقتل النّفس التي حرّم اللَّه إلّا بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم، والتّولي يوم الزّحف، وقذف المحصَنات المؤمنات الغافلات". متفق عليه: رواه البخاريّ في الوصايا (٢٧٦٦)، ومسلم في الإيمان (٨٩) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد المدنيّ، عن أبي الغيب، عن أبي هريرة. • عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول اللَّه ما الكبائر؟ قال: "الإشراك باللَّه"، قال: ثم ماذا؟ قال: "ثم عقوق الوالدين"، قال: ثم ماذا؟ قال: "اليمين الغموس" قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: الذي يقتطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب". صحيح: رواه البخاريّ في استتابة المرتدين (٦٩٢٠) عن محمد بن الحسين بن إبراهيم، أخبرنا عبيد اللَّه، أخبرنا شيبان، عن فراس، عن الشعبيّ، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره. ورواه أيضًا في الأيمان والنّذور (٦٦٧٥) من وجه آخر عن شعبة، حدثنا فِراس بإسناده، وزاد فيه: "وقتل النّفس". واليمين الغموس سُمّي غَموسًا؛ لأنّها تغمسُ صاحبها في الإثم، ثم في النّار. • عن أنس، قال: سُئل النّبيّ ﷺ عن الكبائر قال: "الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين، وقتل النّفس، وشهادة الزّور". وفي رواية: "قول الزّور". متفق عليه: رواه البخاريّ في الشّهادات (٢٦٥٣)، ومسلم في الإيمان (٨٨) كلاهما من طريق شعبة، عن عبيد اللَّه بن أبي بكر بن أنس، عن أنس، فذكر الحديث، ولفظهما سواء وفي رواية عند مسلم: ذكر رسول اللَّه ﷺ الكبائر أو سُئل عن الكبائر، فقال: "الشرك باللَّه، وقتل النفس، وعقوق الوالدين". وقال: "ألا أُنّبئكم بأكبر الكبائر؟ " قال: "قول الزّور" أو "شهادة الزّور". قال شعبة: أكبر ظنّي أنّه "شهادة الزّور".

стр. 224

• عن أبي أيوب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من عبد يعبد اللَّه لا يُشرك به شيئًا، ويقيم الصّلاة، ويؤتي الزّكاة، ويجتنب الكبائر إلّا دخل الجنّة، فسألوه: ما الكبائر؟ فقال: "الإشراك باللَّه، والفِرار من الزّحف، وقتل النّفس". حسن: رواه ابن منده في الإيمان (٤٧٨) عن أحمد بن إسحاق بن أيوب، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا فُضيل بن سليمان، ثنا موسى بن عقبة، سمع عبيد اللَّه بن سليمان الأغرّ، عن أبيه، عن أبي أيوب، فذكره. قلت: وإسناده حسن؛ لأنّ فضيل بن سليمان مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث. وقال ابن منده: "هذا إسناد صحيح ولم يخرّجوه". ٨ - باب المبايعة على عدَم الإشراك باللَّه • عن عُبادة بن الصّامت -وكان شهد بدرًا، وهو أحد النّقباء ليلة العقبة- أنّ رسول اللَّه ﷺ قال -وحوله عصابة من أصحابه-: "بايعوني على أن لا تشركوا باللَّه شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف. فمن وفَّى منكم فأجره على اللَّه، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعُوقب في الدّنيا فهو كفّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره اللَّه فهو إلى اللَّه، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه". متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (١٨)، ومسلم في الحدود (١٧٠٩) كلاهما من حديث الزهريّ، عن أبي إدريس عائذ اللَّه بن عبد اللَّه، أنّ عبادة بن الصّامت قال (فذكر الحديث)، واللّفظ للبخاريّ. وروياه -البخاريّ (٣٨٩٣) - من وجه آخر عن الصّنابحيّ، عن عبادة بن الصّامت وفيه: "ولا ننتهب، ولا نعصي، فالجنة إن فعلنا ذلك، فإن غشينا من ذلك شيئًا كان قضاءُ ذلك إلى اللَّه". • عن عائشة قالت: كان النّبيُّ ﷺ يبايع النّساء بالكلام بهذه الآية: ﴿لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [سورة الممتحنة: ١٢]. قالت: وما مسَّتْ يدُ رسول اللَّه ﷺ يدَ امرأةٍ قطّ إلّا امرأةً يملكها. متفق عليه: رواه البخاريّ في الأحكام (٧٢١٤) عن محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة، فذكرته هكذا مختصرًا. ورواه ابن منده في الإيمان (٤٩٣) من طريق عبد الرزاق، بإسناده، مفصّلًا وجاء فيه: قالت عائشة أمُّ المؤمنين: جاءتْ فاطمةُ بنت عتبة بن ربيعة تبايع النّبيَّ ﷺ فأخذ عليها: ﴿لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ

стр. 225

شَيْئًا﴾ الآية قالت: فوضعتْ يدها على رأسها حتى أقام رسول اللَّه ﷺ ، فأعجب رسولَ اللَّه ﷺ ما رأى منها، فقالت لها عائشة: أقرّي أيتها المرأة، فواللَّه ما بايعنا إلّا على هذا. قالت: نعم إذا، فبايعها بالآية انتهى. وأخرجه البخاريّ (٥٢٨٨)، ومسلم في الإمارة (١٨٦٦) من طريق يونس بن يزيد، قال: قال ابن شهاب: أخبرني عروة بن الزبير، أنّ عائشة زوج النبيّ ﷺ قالت: كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول اللَّه ﷺ يُمتحنَّ بقول اللَّه ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَايَزْنِينَ﴾ [سورة الممتحنة: ١٢] قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا من المؤمنات فقد أقرّ بالمحنة. وهذا لفظ مسلم. وزاد البخاريّ: فكان رسول اللَّه ﷺ إذا أقْررن بذلك من قولهنّ، قال لهنّ رسول اللَّه ﷺ : "انطلقن فقد بايعتكُنّ" لا واللَّه ما مسّتْ يدُ رسول اللَّه يد امرأة قطّ غير أنه بايعهن بالكلام، واللَّه ما أخذ رسول اللَّه ﷺ على النساء إلّا بما أمره اللَّه، يقول لهنّ إذا أخذ عليهنّ: "قد بايعتكنّ" كلامًا. • عن جرير، قال: بايعتُ رسول اللَّه ﷺ على شهادة أن لا إله إلّا اللَّه، وأنّ محمّدًا رسول اللَّه، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، والسّمع والطّاعة، والنّصح لكلّ مسلم. متفق عليه: رواه البخاريّ في البيوع (٢١٥٧)، ومسلم في الإيمان (٥٦) كلاهما من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، قال: سمعتُ جريرًا، فذكر الحديث. واللّفظ للبخاريّ، وأمّا مسلم فلم يذكر: "بايعت على شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأنّ محمدًا رسول اللَّه". وقيس هو ابن أبي حازم البجليّ كوفيّ، أبو عبد اللَّه، مخضرم. • عن أمِّ عطيّة قالت: بايعنا رسول اللَّه ﷺ ، فقرأ علينا: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [سورة الممتحنة: ١٢]، ونهانا عن النّياحة، فقبضتْ امرأةٌ يدها، فقالت: أسعدتْني فلانة، أريد أن أجزيَها، فما قال لها النّبيُّ ﷺ شيئًا، فانطلقتْ ورجعتْ فبايعها. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٨٩٢)، ومسلم في الجنائز (٩٣٦: ٣٣) كلاهما من حديث حفصة بنت سيرين، عن أمّ عطيّة، فذكرتْه، واللّفظ للبخاريّ. • عن ابن عبّاس، قال: شهدتُ صلاة الفطر مع نبيّ اللَّه ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلُّهم يصلِّيها قبل الخطبة، ثم يخطب. قال: فنزل نبيُّ اللَّه ﷺ كأنّي أنظرُ إليه حين يُجلِّسُ الرّجالَ بيده، ثم أقبل يشقُّهم حتى جاء النّساء ومعه بلال. فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [سورة الممتحنة: ١٢] فتلا هذه الآية حتى فرغ منها، ثم قال حين فرغ منها: "أنتُنَّ على ذلك؟ " فقالت امرأةٌ واحدة، لم يُجبْه غيرُها منهنّ: نعم يا نبيَّ اللَّه، لا يُدري حينئذٍ من هي. قال: "فتصدَّقْنَ" فبسط بلالٌ ثوبه، ثم قال: "هلُمَّ فدًى لكنّ أبي وأمّي"! فجعلن يلقين

стр. 226

الفَتَخَ والخواتمَ في ثوب بلال. متفق عليه: رواه البخاريّ في العيدين (٩٧٩)، ومسلم في العيدين (٨٨٤) كلاهما من حديث عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن جريج، قال: أخبرني الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس، فذكره، واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ قريب منه. • عن عوف بن مالك الأشجعيّ قال: كنّا عند رسول اللَّه ﷺ تسعةً أو ثمانيةً أو سبعةً. فقال: "ألا تبايعون رسول اللَّه؟ " وكنّا حديثَ عهد ببيعة، فقلنا: قد بايعناك يا رسول اللَّه! ثم قال: "ألا تبايعون رسول اللَّه؟ " فقلنا: قد بايعناك يا رسول اللَّه! ثم قال: "ألا تبايعون رسول اللَّه؟ " قال: فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول اللَّه! فعلامَ نبايعُك؟ قال: "على أن تعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس، وتطيعوا -وأسرَّ كلمةً خفيّةً- ولا تَسْألوا النّاسَ شيئًا" فلقد رأيتُ بعض أولئك النَّفر يسقطُ سوْطُ أحدهم، فما يسألُ أحدًا يناولُه إيّاه. صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠٤٣) من طرق عن مروان (وهو ابن محمد الدمشقي)، ثنا سعيد (وهو ابن عبد العزيز)، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولانيّ عن أبي مسلم الخولاني، قال: حدّثني الحبيب الأمين -أما هو فحبيبً إليَّ، وأما هو عندي أمين- عوف بن مالك الأشجعيّ، فذكر الحديث. ٩ - باب وصية نوح ﵇ لابنه أن لا يشرك باللَّه • عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: كنا عند رسول اللَّه ﷺ ، فجاء رجلٌ من أهل البادية، عليه جُبّة سِيجَانٍ مَزْرورةٌ بالدّيباج، فقال: ألا إنّ صاحبكم هذا قد وضع كل فارسٍ ابنِ فارس! قال: يريد أن يضع كلَّ فارسٍ ابنِ فارس، ويرفع كلَّ راعٍ ابنِ راع، قال فأخذ رسول اللَّه ﷺ بمجامع جُبّته وقال: "ألا أرى عليك لباسَ مَنْ لا يَعْقِل؟ ! ". ثم قال: "إنّ نبي اللَّه نوحًا ﷺ لما حضرته الوفاةُ قال لابنه: إنّي قاصٌّ عليك الوصية: آمرك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين، آمرك بلا إله إلا اللَّه، فإنّ السّماوات السبع، والأرضين السبع لو وضعت في كِفّة، ووُضِعتْ لا إله الا اللَّه في كفة رَجَحَتْ بهنّ لا إله الا اللَّه. ولو أنّ السماوات السّبع والأرضين السّبع كنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَة قَصَمتْهُنّ لا إله الا اللَّه. وسبحان اللَّه وبحمده، فإنّها صلاةُ كلِّ شيء، وبها يرزقُ الخلق. وأنهاك عن الشّرك والكِبْر". قال: قلت -أو قيل- يا رسول اللَّه، هذا الشِّركُ قد عرفناه فما الكِبْر؟ قال: أن يكون لأحدنا نعلان حسنتان لهما شراكان

стр. 227

حسنان؟ قال: "لا". قال: هو أن يكون لأحدنا حُلَّةٌ يلبَسُها؟ قال: "لا". قال: الكبر هو أن يكون لأحدنا دابةٌ يركبها؟ قال: "لا". قال: أفهو أن يكونَ لأحدنا أصحابٌ يجلسون إليه؟ قال: "لا" قيل: يا رسول اللَّه، فما الكبر؟ قال: "سَفَهُ الحقِّ، وغَمْصُ النّاسِ". صحيح: رواه الإمام أحمد (٦٥٨٣) عن سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن الصَّقْعب بن زهير، عن زيد بن أسلم، قال حماد: أظنه عن عطاء بن يسار، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكر الحديث. وهذا الشّك من حماد بن زيد لا يؤثّر في صحة الحديث؛ لأنّ الإمام أحمد رواه أيضًا: (٧١٠١) من وجه آخر بدون الشّك قال: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعتُ الصقَعَّب بن زهير يحدث عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكر مثله. ومن هذا الطريق رواه البزار - كشف الأستار (٢٩٩٨) مختصرًا، ولكن رواه (٣٠٦٩) مطولًا من وجه آخر إلا أنه جعله من مسند عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، ثنا أبو معاوية الضّرير، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن عبد اللَّه بن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ ، فذكر الحديث بطوله. قال البزّار: "لا نعلم أحدًا رواه عن عمرو، عن ابن عمر إلا ابن إسحاق، ولا نعلم حدّث به عن أبي معاوية إلّا إبراهيم بن سعيد". قلت: وقد رجّح أهل العلم أن هذا الحديث من مسند عبد اللَّه بن عمرو. وأخطأ من جعله من مسند عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب. وإسناده صحيح، ورجاله ثقات والصَّقْعب بن زهير وثقه أبو زرعة، وذكره ابن حبان في "الثقات". ١٠ - باب ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، وهي توقيفية، أظهرها اللَّه لعباده للمعرفة والدّعاء والذّكر قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٨٠] وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [سورة الإسراء: ١١٠]. قوله: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ والدّعاء هو العبادة. • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "للَّه تسعة تسعون اسمًا مائة إلّا

стр. 228

واحدة، لا يحفظها أحدٌ إلّا دخل الجنة، وهو وتر يحبُّ الوتر". متفق عليه: رواه البخاريّ في الدعوات (٦٤١٠) عن علي بن عبد اللَّه: حدثنا سفيان، قال: حفظناه من أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة روايةً فذكره. ورواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء (٢٦٧٧) عن عمرو الناقد، وزهير بن حرب، وابن أبي عمر، جميعًا عن سفيان بن عيينة بهذا السّند عن النّبيّ ﷺ . وللبخاريّ في كتاب الشروط (٢٧٣٦)، وفي التوحيد (٧٣٩٢) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزّناد، بسنده أنّ رسول اللَّه ﷺ قال. . . فذكره. وقوله: "مائة إلّا واحدة" كذا بالتأنيث، وفي رواية شعيب "واحدًا" بالتذكير، قال بعض أهل العلم: وهو الصّواب. ومنهم من وجّه التأنيث بأن الاسم كلمة، واحتجوا بقول سيبويه: الكلمة اسم أو فعل أو حرف. فسمّى الاسم كلمة. انظر: للمزيد فتح الباري (١١/ ٢١٩). وأمّا روي عن أبي هريرة مرفوعًا، وفيه سرد لأسماء اللَّه تعالى وهي: "هو اللَّه الذي لا إله إلا هو الرّحمن الرّحيم، الملك، القدُّوس، السّلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار، المتكبُر، الخالق، البارئ، المصوّر، الغفّار، القهّار، الوهّاب، الرزّاق، الفتّاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرّافع، المعزّ، المذل، السّميع , البصير، الحكم، العدل، اللّطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشّكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرّقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، المجيب، الباعث، الشهيد، الحقّ، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحمي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي , القيّوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصّمد، القادر، المقتدر، المقدِّم، المؤخِّر، الأوّل، الآخر، الظّاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التّواب، المنتقم، العفو، الرّؤُوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقيط، الجامع، الغنيُّ، الْمُغْنِي، المانع، الضّار، النّافع، النُّور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرّشيد، الصَّبور". ففيه ضعف ونكارة. رواه عن أبي هريرة: عبد الرحمن بن الأعرج، ورواه عنه اثنان: أحدهما موسى بن عقبة - ومن طريقه رواه ابن ماجه (٣٨٦١) عن هشام بن عمّار، قال: حدثنا عبد الملك بن محمد الصنعانيّ، قال: حدثنا أبو المنذر زهير بن محمد التميميّ، قال: حدثنا موسى بن عقبة، قال: حدثني عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده ضعيف، عبد الملك بن محمد الصنعانيّ -من صنعاء دمشق- الحميريّ أبو الزرقاء مختلف فيه، والخلاصة فيه أنه ليّن الحديث كما قال الحافظ في التقريب. وقال ابن حبان: "كان يجيبُ فيما سئل عنه، ينفرد بالموضوعات، لا يجوز الاحتجاج بروايته"، وقال الأزديّ: "ليس

стр. 229

بالمرضي في حديثه". وزهير بن محمد التميميّ أبو المنذر الخراساني، سكن الشّام ثم الحجاز، رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضُعِّف بسببها. وهذا الحديث رواه عنه عبد الملك بن محمد وهو شاميّ. قال أبو حاتم: "محله الصدق، وفي حفظه سوء، وكان حديثه بالشّام أنكر من حديثه بالعراق لسوء حفظه، فما حدّث من حفظه ففيه أغاليط، وما حدَّث من كتبه فهو صالح". والثاني أبو الزّناد: ومن طريقه رواه الترمذيّ (٣٥٠٧) عن إبراهيم بن يعقوب، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزّناد، بإسناد مثله، واللّفظ له. ومن هذا الوجه رواه أيضًا ابن منده في التوحيد (٢/ ٢٠٥)، وابن حبان في صحيحه (٨٠٨)، والحاكم (١/ ١٦)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦) من طريقين صفوان بن صالح، وموسى بن أيوب كلاهما عن الوليد بن مسلم. وظاهره السّلامة من العلل؛ لأنّ صفوان بن صالح، والوليد بن مسلم كلاهما صرّحا بالتحديث، ولكن أعلّه الترمذيّ قائلًا: "هذا حديث غريب، حدثنا به غيرُ واحد عن صفوان بن صالح، ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح وهو ثقة عند أهل الحديث (كذا قال! وقد رواه أيضًا موسى بن أيوب كما مضى)، وقد رُوي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، ولا نعلم في كبير شيء من الرّوايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث. وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، وذكر فيه الأسماء وليس له إسناد صحيح" انتهى قول الترمذيّ. ثم روى الترمذيّ من طريق سفيان، عن أبي الزّناد بإسناده مرفوعًا: "إنّ للَّه تسعة وتسعين اسمًا, من أحصاها دخل الجنّة". وقال: "وليس في هذا الحديث ذكر الأسماء، ورواه أبو اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزّناد، ولم يذكر فيه الأسماء" انتهى قوله. ورواية سفيان، وشعيب بن أبي حمزة في الصحيح كما سبق. وقال البغويّ في "شرح السنة" (١٢٥٧) بعد أن روى الحديث من طريق صفوان بن صالح الدّمشقيّ، ونقل كلام الترمذيّ بكامله: "يحتمل أن يكون ذكرُ هذه الأسامي من بعض الرّواة، وجميع هذه الأسامي في كتاب اللَّه، وفي أحاديث الرسول ﷺ نصًا أو دلالة. واللَّه أسماءُ سوى هذه الأسامي أتى بها الكتاب والسنة، منها: الرّب، والمولي، والنّصير، والفاطر، والمحيط، والجميل، والصّادق، والقديم، والوتر، والحنّان، والمنّان، والشّافي، والكفيل، وذو الطَّوْل، وذو الفضْل، وذو العرش، وذو المعارج وغيرها، وتخصيص بعضهنّ بالذّكر لكونها أشهر الأسماء.

стр. 230

وقيل: معنى قوله: "من أحصاها" معناه: أحصى من أسماء اللَّه تسعًا وتسعين دخل الجنة، أي عمل بمقتضاها، سواء أحصى مما جاء في حديث الوليد بن مسلم، أو من سائر ما دلّ عليه الكتاب أو السنة، ذكر هذا المعنى الشيخ أحمد البيهقيّ ﵀". وإليه ذهب أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى بأنّ هذه الأسماء مدرجة في الحديث، وليس من كلام النّبيّ ﷺ ، ولهذا جمعها قومُ آخرون على غير هذا الجمع، واستخرجوها من القرآن منهم: سفيان بن عيينة، والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم. وهذا كلّه يقتضي أنها عندهم مما يقبل البدل، فإن الذي عليه جماهير المسلمين أن أسماء اللَّه أكثر من تسعة وتسعين" انظر للمزيد: "مجموع الفتاوى" (٦/ ٣٨٠ - ٣٨١). وقال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" -في تفسير سورة الأعراف آية (١٨٠) -: "والذي عوّل عليه جماعة من الحفّاظ أنّ سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصّنعانيّ، عن زهير بن محمد أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم انّهم قالوا ذلك. أي أنهم جمعوها من القرآن كما ورد عن جعفر بن محمد، وسفيان بن عيينة وأبي زيد اللغويّ". وقال: "ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى ليستْ منحصرة في التسعة والتسعين بدليل حديث ابن مسعود الآتي. . . وذكر الفقيه الإمام أبو بكر بن العربيّ أحد أئمّة المالكيّة في كتابه "الأحوذي في شرح الترمذيّ" أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة من أسماء اللَّه ألف اسم". قلت: ما ذُكر عن سفيان بن عيينة أنه جمع تسعة وتسعين اسمًا من كتاب اللَّه هو ما أخرجه ابن منده في كتاب التوحيد (٣/ ٣١٢) فقال: أخبرنا خيثمة بن سليمان، ثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة، ثنا عبد اللَّه بن الزبير الحميديّ، ثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ للَّه تسعة وتسعين اسمًا مائة غير واحد من حفظها أو من أحصاها دخل الجنة". روى حيان بن نافع بن صخر هذا الحديث عن ابن عيينة بإسناده مثله. ثم ذكر حيان أن داود بن عمرو سأل ابن عيينة أن يملي عليه التسعة والتسعين اسمًا مائة إلّا واحدًا من كتاب اللَّه فوعد أن يخرجها، قال: فلما أن طالت سألنا أبا زيد فأملى علينا، فأتينا سفيان فعرضنا عليه فنظر فيها أربع مرّات فقال: هي هذه، فقلنا: اقرأ علينا فقرأها في فاتحة الكتاب خمسة أسماء: يا اللَّه، ياربّ، يا رحمن، يا رحيم، يا مالك. وفي البقرة ستة وعشرون اسمًا: يا حفيظ، يا قدير، يا عظيم، يا حكيم، يا تواب، يا بصير، يا واسع، يا بديع، يا سميع، يا كافي، يا رؤوف، يا شاكر، يا اللَّه، يا واحد، يا مقتدر، يا حليم، يا فاطر، يا باسط، يا اللَّه لا إله إلا هو، يا حي، يا قيوم، يا عليّ، يا عظيم، يا ولي، يا غني، يا حميد. وفي آل عمران أربعة أسماء: يا قائم، يا وهاب، يا سميع، يا خبير. وفي النساء: ستة أسماء يا رقيب، يا حسيب، يا شهيد، يا عفو، يا مغيث، يا وكيل. وفي الأنعام

стр. 231

خمسة أسماء: يا فاطر، يا طاهر، يا قاهر، يا لطيف، يا خبير. وفي الأعراف اسمان: يا محيي، يا مميت. وفي الأنفال اسمان: يا نعم المولى، ويا نعم النّصير. وفي هود سبعة أسماء: يا حفيظ، يا رقيب، يا مجيب، يا قوي، يا مجيد، يا ودود، يا فعال. وفي الرّعد اسمان: يا كبير، يا متعال. وفي إبراهيم اسم: يا منان. وفي الحجر اسم: يا خلّاق. وفي مريم اسمان: يا صادق، يا وارث. وفي الحجّ اسم: يا باعث. وفي المؤمنين اسم: يا كريم. وفي النور ثلاثة أسماء: يا حقّ، يا مبين، يا نور. وفي الفرقان اسم: يا هادي. وفي سبأ اسم: يا فتاح. وفي المؤمن أربعة أسماء: يا غافر، يا قابل، يا شديد، يا ذا الطّول. وفي الذاريات ثلاثة أسماء: يا رزاق، يا ذا القوة المتين. وفي الطور اسم: يا بارّ. وفي اقتربت اسم: يا مقتدر. وفي الرحمن ثلاثة أسماء: يا باق، يا ذا الجلال والإكرام. وفي الحديد أربعة أسماء: يا أول، يا آخر، يا ظاهر، يا باطن. وفي الحشر عشرة أسماء: يا قدوس، يا سلام، يا مؤمن، يا مهيمن، يا عزيز، يا جبار، يا متكبر، يا خالق، يا بارئ، يا مصور. وفي البروج اسمان: يا مبدئ، يا معيد. وفي قل هو اللَّه أحد اسمان: يا أحد، يا صمد". قال حيان: "قال داود بن عمرو: فمن زعم أن أسماء اللَّه محدثة فقد زعم أن القرآن محدث". من طريق حيان بن نافع أخرجه أبو القاسم تمام بن محمد في "فوائده" (٤/ ٤٠٦ - ٤٠٦) وإليه عزاه الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٢١٧). وابن منده نفسه جمع أسماء اللَّه تعالى من كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ ، وجعل تحت كلّ اسم ما جاء من الآيات والأحاديث، فقال: "هو اللَّه الذي لا إله إلّا هو، وهو الرّحمن , الرحيم، الملك والمالك، الربّ ربّ كلّ شيء ومليكه، الأحد، الصّمد، عالم الغيب والشّهادة، هو الرّحمن الرّحيم، هو اللَّه الذي لا إله إلّا هو الملك، القدّوس، السّلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار، المتكبّر، الخالق، البارئ، المصوّر, الأوّل والآخر، والظّاهر والباطن، الأحد، القيّوم، الدّائم، القائم، الباعث، الباقي، البديع، البصير، البارّ، الباسط، التوّاب، الجواد، الجميل، الجليل، الجامع، الحقّ، الحليم، الحافظ، الحفيظ، الحميد، الحي، المحيي، الحسيب، الحكم، الخالق، الخلاق، الخبير، الدافع، الديّان، ذو الجلال والإكرام، الرّءوف، الرّقيب، الرّازق، الرزّاق، الرّافع، والرّفيق، الرّشيد، السّيد، السّلام، السميع، السّبوح، السّريع، الستّار، الشّافي، الشّديد، الشّهيد، الشّاهد، الشّكور، الشّاكر، الصّادق، والصّاحب، والصّبور، الطّيّب، الظُّهَر، الطّاهر، العلي، الأعلى، العظيم، العزيز، العدل، العالم، العليم، العلّام، العفو، الغفور، الغافر، الغفّار، الغني، الفاتح، الفتّاح، الفاطر، القدير، القادر، المقتدر، القيام، القهار، القاهر، القدوس، القريب، القوي، القابض، القديم (كذا في الكتاب، وقال المعلق الدكتور علي ناصر الفقيهي: "إنما الوارد اسم اللَّه "الأوّل" كما هو نصّ القرآن، وحسب اطلاعي إنه لم يرد في أسماء اللَّه الحسنى "القديم"، وإنما هذا من قول المتكلمين، إنّ أخص ما وصف له سبحانه القدم، والوارد كما ذكرت "الأوّل".

стр. 232

وأسماء اللَّه وصفاته توقيفية، والمصنّف ممن يقول بهذا، ولذا فإنني لا أستبعد أن عبارة "القديم" خطأ من النّاسخ بدليل أن المصنف سرد الأسماء كما في الحديث -رقم ٣٦٦ - ولم يذكر "القديم" فيها)، والكبير، الكريم، الكافي، الكفيل، اللّطيف، المجيد، الماجد، المعزّ، المذلّ، المقدر، المعطي، المانع، المعين، المنان، المبين، المفضل، الموسع، المنعم، المفرج، المقسط، المعافي، المطعم، النور، الناصر، النذير، الواحد، الوتر، الوهاب، الودود، الولي، الوفي، الهادي". ثم قال ابن منده: "ومن أسماء اللَّه المضافة إلى صفاته وأفعاله -وذكر منها-: ذو الجلال والإكرام، ذو الفضل العظيم، ذو القوة المتين، ذو العرش المجيد، ذو الطول والإحسان، ذو الرحمة الواسعة، ذو الجبروت والملكوت، فاطر السموات والأرض، فالق الحبّ والنّوى، منزل الكتاب، سريع الحساب، علّام الغيوب، غافر الذنب، وقابل التوب، فارج الهمّ، كاشف الكرب، مقلب القلوب". وممّا ذكره أيضًا: ربّ العرش العظيم ربّ العرش الكريم، ربّ السماوات السبع، خير الراحمين، أرحم الرّاحمين، خير الفاتحين، خير الناصرين، خير الوارثين، خير الفاصلين، خير المُنزِلين، أحكم الحاكمين، احسن الخالقين، ولي المؤمنين" انتهى. ثم ذكر حديث أبي هريرة الذي رواه الترمذيّ وغيره مع سرد الأسماء مرفوعًا كما سبق، وبَيَّن أن سرد الأسماء مرفوعًا لا يصح. وبهذا تبين النكارة في المتن في تحديد أسامي اللَّه وقصرها عليها ورفعها إلى النبيّ ﷺ مع أنها أكثر من هذا العدد. وأمّا قول الحاكم: "هذا حديث قد خرجاه في الصحيحين بأسانيد صحيحة دون ذكر الأسامي فيه، والعلة فيه عندهما أن الوليد بن مسلم تفرّد بسياقته بطوله، وذكر الأسامي فيه، ولم يذكرها غيره، وليس هذا بعلة، فإني لا أعلم اختلافًا بين أئمة الحديث أن الوليد بن مسلم أوثق وأحفظ وأعلم وأجلّ من أبي اليمان، وبشر بن شعيب، وعلي بن عياش وأقرانهم من أصحاب شعيب، ثم نظرنا فوجدنا الحديث قد رواه عبد العزيز بن الحصين، عن أيوب السختياني وهشام بن حسان جميعًا عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ بطوله". ثم روى الحديث من الطريق المشار إليه وقال: "هذا حديث محفوظ من حديث أيوب، وهشام عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مختصرًا دون ذكر الأسامي الزائدة فيها كلها في القرآن. وعبد العزيز بن الحصين بن الترجمان ثقة وإن لم يخرجاه، وإنما جعلته شاهدًا للحديث الأول" انتهى. فتعقبه الذّهبي فقال: "عبد العزيز ضعّفوه". قلت: الاختلاف ليس في قوله ﷺ : "إنّ اللَّه تسعة وتسعين اسمًا. . . "، فإنّه صحيح ثابت بدون ذكر الأسامي، وإنما الاختلاف فيمن سرد هذه الأسامي وجعلها مرفوعًا، ومن هؤلاء عبد العزيز بن

стр. 233

حصين بن الترجمان وهو ضعيف كما قال الذهبي، كما ثبت تضعيف كل من ذكر الأسامي، فتبين من هذا أن الحاكم لم يأتِ بشيء جديد يعتمد عليه، واللَّه الموفق. ولذا تعقبه الحافظ في "الفتح" (١١/ ٢١٥) -بعد أن نقل كلام الحاكم بكامله-: "وليست العلة عند الشّيخين تفرّد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه والاضطراب وتدليه، واحتمال الإدراج. قال البيهقي: يحتمل أن يكون العين وقع من بعض الرواة في الطريقين معًا، ولهذا وقع الاختلاف الشديد بينهما، ولهذا الاحتمال ترك الشيخان تخريج التعيين". • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما أصاب عبدًا قطّ همٌّ ولا غمٌّ ولا حزنٌ، فقال: اللهمّ إني عبدك، ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكلّ اسم هو لك سمّيتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري وجلاء حزني، وذهاب همّي وغمّي، إلّا أذهب اللَّه همَّه وغمَّه، وأبدله مكانه فرحًا" قالوا: يا رسول اللَّه، أفلا نتعلمهنّ؟ قال: بلى، ينبغي لمن يسمعهنّ أن يتعلمهنّ". حسن: رواه الإمام أحمد (٣٧١٢)، وأبو يعلى (٥٢٩٧)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٠٩ - ٢١٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٧)، وصحّحه ابن حبان (٩٧٢)، والحاكم (١/ ٥٠٩) كلهم من طريق فضيل بن مرزوق، قال: حدثنا أبو سلمة الجهني، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود، فذكره. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم، إن سَلِم من إرسال عبد الرحمن بن عبد اللَّه عن أبيه، فإنه مختلف في سماعه عن أبيه". وتعقبه الذهبي فقال: "أبو سلمة لا يدري من هو، ولا رواية له في الكتب السّتة". قلت: صنيع الحاكم يدل على أنّ أبا سلمة الجهني هو موسى بن عبد اللَّه، ويقال في كنيته أيضًا أبو عبد اللَّه وهو من رجال مسلم، قال الحافظ في "التقريب": "لم يصح أن القطّان طعن فيه". إن صحَّ ذلك فلا وجه لتعقيب الذهبي على الحاكم، ولكن وقع الخلاف في تعيينه فمن ذهب إلى أنه موسى بن عبد اللَّه صحّح هذا الحديث مثل ابن القيم في كتابيه "شفاء العليل" (٢/ ٧٤٩ - ٧٥٠)، وكتابه "الفوائد". ومن ذهب إلى غيره قال: إنه مجهول، وإن كان ابنُ حبان ذكره في "الثقات"، وإليه يشير الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ١٣٦) بقوله: "رواه الطبرانيّ، ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثّقه ابن حبان" فلم يجعل أبا سلمة من رجال الصحيح.

стр. 234

إن كان أبو سلمة مجهولًا فهو لم ينفرد به، بل تابعه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطيّ، عن القاسم بالإسناد المقدم، رواه البزار في "البحر الزّخار" (١٩٩٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨). إلّا أن عبد الرحمن بن إسحاق أبا شيبة الواسطيّ ضعيف عند جماهير أهل العلم، لكن هذه المتابعة تقوي الحديث مع شاهده الضعيف الذي رُوي عن أبي موسى الأشعريّ، أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٣٤١) وفيه جهالة وانقطاع؛ فإن عبد اللَّه بن زبيد الياميّ الكوفي مجهول، ولم يلق أبا موسى الأشعريّ. وقال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ١٣٦ - ١٣٧) بعد أن عزاه للطبرانيّ: "وفيه من لم أعرفه". فوائد مهمّة: الأصل في إثبات الأسماء والصّفات أو نفيها عن اللَّه تعالى هو الكتاب والسنة الصحيحة، فما ورد فيهما يجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما يجب نفيه. وأما ما لم يرد إثباته ونفيه فلا يصح استعماله في باب الأسماء والصفات. قال الإمام أحمد: "لا يوصف اللَّه إلّا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة"، انظر: مقدمة العرش للذهبي بقلم الدكتور محمد خليفة التميميّ (١/ ٢٣٨). وعلى هذا فأسماء اللَّه توقيفية غير محصورة بعدد معين. قال الحافظ ابن القيم في كتابه القيم "بدائع الفوائد" (١/ ٢٩٣): "إنّ الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تُحَدُّ بعدد، فإنّ للَّه تعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملك مقرَّب ولا نبيٌّ مرسل، كما في الحديث الصحيح: "أسألك بكلِّ اسم هو لك سمّيتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك"، فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: ١ - قسم سمّي به نفسه، فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم يُنزل به كتابه. ٢ - وقسم أنزل به كتابه فتعرف به إلى عباده. ٣ - وقسم استأثر به في علم غيبه، فلم يُطلع عليه أحدًا من خلقه. ولهذا قال: "استأثرت به" أي انفردت بعلمه، وليس المراد: انفراده بالتّسمي به؛ لأنّ هذا الانفراد ثابت في الأسماء التي أنزل بها كتابه، ومن هذا قول النبيّ ﷺ في حديث الشّفاعة: "فيفتَحُ عليَّ من مَحامده بما لا أُحسنُه الآن". وتلك المحامد هي بأسمائه وصفاته" اهـ. وأما قوله ﷺ : "إنّ للَّه تسعة وتسعين اسمًا. . . " فلا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد، ولو كان المراد به الحصر لقال: "ما للَّه إلا تسعة وتسعون اسمًا من أحصاها دخل الجنة" أو نحو ذلك. فمعنى الحديث أنّ هذا العدد من شأنه أن من أحصاه دخل الجنة. وأمّا الإلحاد في كلام العرب فهو العدل عن القصد، والميل والجور والانحراف، ومنه اللّحد

стр. 235

في القبر، لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر. والإلحاد في أسماء اللَّه أنواع كما قال الحافظ ابن القيم في "البدائع" (١/ ٢٩٨ - ٢٩٩): الأوّل: أن يسمي الأصنام بها كتسميتهم اللات من الإلهية، والعزى من العزيز، وتسميتهم الصنم إلها. والثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له: أبا، وتسمية الفلاسفة له: موجبًا لذاته، أو علة فاعلة بالطبع، ونحو ذلك. والثالث: وصفه بما يتعالي عنه ويتقدس من النقائص، كقول أخبث اليهود: إنه فقير، وقولهم: إنه استراح بعد أن خلق خلقه، وغير ذلك من أقوالهم الباطلة. والرّابع: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها، وإنكار ما دلّتْ عليه من الصفات والأحكام كما فعل أهلُ التعطيل من الجهمية وغيرهم. والخامس: جعل أسمائه سبحانه دالة على صفات تشبه صفات المخلوقين، كما فعلت المشبهة. تعالى اللَّه عما يقول المشبهون علوًّا كبيرًا. أهـ بتصرف واختصار. وصفاتُ اللَّه كلُّها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، وهي توقيفية لا تُعدُّ ولا تحصى؛ لأنّ من الصّفات ما يتعلق بأفعاله تعالى، وأفعالة لا منتهى لها، كما أنّ أقواله لا منتهى لها. لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة لقمان: ٢٧]. وصفاته تعالى أوسع من الأسماء، والكلام في الصّفات فرع عن الكلام في الذّات؛ ولذا قال السّلف: إنّ كيفيتها لا تُفسَّر. قال العباس بن محمد الدُّوريّ: "سمعتُ أبا عبيد القاسم بن سلام، وذكر الباب الذي يروي في الرّؤية، والكرسي، وموضع القدمين، وضحك ربّنا من قنوط عباده، وقرب غيره، وأين كان ربُّنا قبل أن يخلق السّماء، وأنّ جهنّم لا نمتلئ حتى يضع ربّك قدمه فيها فتقول: قطّ قطّ وأشباه هذه الأحاديث. فقال: هذه الأحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم على بعض، وهي عندنا حقّ لا شك فيها، ولكن إذا قيل: كيف وضع قدمه؟ وكيف ضحك؟ قلنا: لا يفسّر هذا، ولا سمعنا أحدًا يفسّره". وروي مثل هذا عن سفيان بن عيينة وغيره. وقال وكيع: "من رأيتموه ينكر هذه الأحاديث فاحسبوه من الجهميّة". وقال وكيع أيضًا: "نسلم هذه الأحاديث كما جاءت ولا نقول: كيف هذا؟ ولِمَ جاء هذا؟ " انظر للمزيد: "الصفات" للدارقطنيّ (ص ٦٨ - ٧٠)، والتوحيد لابن منده (٣/ ١١٥ - ١١٦).

стр. 236

ومن صفاته تعالى الصّفات الثبوتية -وهي الذّاتية والفعلية- وهي ما أثبته اللَّه تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسول اللَّه ﷺ وهي كلّها صفاتُ كمالٍ لا نقص فيها: كالحياة، والعلم، والقدرة، والعلو، والنزول، والعين، والسماع، والرّؤية، واليد، والكف، والأصابع، والقدم، والسّاق، والإتيان، والمجيء، والضحك، والتعجب، والفرح، والحياء، والغيرة، والأخذ، والإمساك، والبطش، والكلام، والنفس، والاستواء، والقرب، والبعد، والحبّ، والكره، والمقت، والرّضا، والغضب، والسخط، والإرادة، والمشيئة، والمعية -أي معية العلم والإحاطة، لا معية الذّات- إلى غير ذلك مما نطق به الكتاب والسنة، فكلّ هذه الصّفات تساق مساقًا واحدًا، ويجب الإيمان بها على أنّها صفات حقيقية، لا تُشبه صفاتَ المخلوقين، ولا يمثّل ولا يعطّل، ولا يرد، ولا يجحد، ولا يؤول بتأويل يخالف ظاهره. انظر: "قطف الثّمر في بيان عقيدة أهل الأثر" للعلّامة صديق حسن خان، بتحقيق الدكتور عاصم بن عبد اللَّه القريوتي. وأمّا الصّفات التي ورد فيها عن اللَّه تعالى في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، كالموت، والنوم، والسِّنَة، والجهل، والنسيان، والعجز، والتعب، والظلم، والغفلة، وغيرها من صفات النّقص في حقّه تعالى، فيجب نفيها مع إثبات ضدّها على الوجه الأكمل. ١١ - باب أسماء اللَّه تعالى دالة على صفاته وأفعاله • عن عبد الرحمن بن عوف، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "قال اللَّه تعالى: أنا الرحمن وهي الرّحم، شققتُ لها من اسمي، من وصلها وصلتُه، ومن قطعها بتتّه". صحيح: رواه أبو داود (١٦٩٤) عن مسدّد، وأبي بكر بن أبي شيبة، قالا: حدّثنا سفيان، عن الزّهريّ، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن عوف، فذكره. ورواه الترمذيّ (١٩٠٧) من وجه آخر عن سفيان، بإسناده أنّ عبد الرحمن بن عوف عاد أبا الرّداد، قال -يعني عبد الرحمن-: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (فذكر نحوه). قال الترمذيّ: "حديث سفيان، عن الزّهريّ حديث صحيح. وروي معمر عن الزّهريّ هذا الحديث عن أبي سلمة، عن رداد اللّيثيّ، عن عبد الرحمن بن عوف. ومعمر كذا يقول! قال محمد (يعني البخاريّ) وحديث معمر خطأ" انتهى. قلت: حديث معمر هو ما رواه عبد الرزاق (٢٠٢٣٤)، وعنه أبو داود، والإمام أحمد (١٦٨٠)، والحاكم (٤/ ١٥٧) عن الزّهريّ، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنّ ردادًا اللّيثيّ أخبره عن عبد الرحمن بن عوف، فذكر مثله. وردّاد الليثيّ والصّحيح أنّه أبو رداد. فأدخل معمر بين أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وبين أبيه عبد الرحمن بن عوف ردّادًا اللّيثيّ. ثم ردّاد الليثي هذا لم يرو عنه سوى أبي سلمة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ولكن

стр. 237

للحديث إسناد آخر من غير ذكر أبي الرداد، وهو ما رواه الإمام أحمد (١٦٥٩)، وأبو يعلى (٨٤١)، والحاكم (٤/ ١٥٧) كلهم من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا هشام الدّستوائيّ، عن يحيى ابن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن قارظ، أنّ أباه حدّثه أنه دخل على عبد الرحمن بن عوف وهو مريض، فقال له عبد الرحمن: وصلَتْك رحم، إنّ النّبيّ ﷺ قال: "قال اللَّه : أنا الرّحمن خلقتُ الرّحم، وشققتُ لها من اسمي فمن يصلها أصِله، ومن يقطعها أقطعه فأبتُّه - أو قال: من يبتُّها أبتُّه". وأشار الحافظ إلى سند أبي يعلى فقال: "رواه أبو يعلى بسند صحيح من طريق عبد اللَّه بن قارظ، عن عبد الرحمن بن عوف من غير ذكر أبي الرّداد فيه" انظر: تهذيب التهذيب (٣/ ٢٧١). وعبد اللَّه بن قارظ في اسمه اختلاف كثير، ذكر ذلك الحافظ في ترجمة إبراهيم بن عبد اللَّه بن قارظ فقال: "ويقال: عبد اللَّه بن إبراهيم بن قارظ، وقال: جعل ابن أبي حاتم إبراهيم بن عبد اللَّه بن قارظ، وعبد اللَّه بن إبراهيم بن قارظ رجلين، والحقّ أنهما واحد، والاختلاف على الزهريّ وغيره. وقال ابن معين: كان الزهريّ يغلط فيه". ثم ذكر بعض الاختلافات. قلت: وأي كان صحيحًا فإنه متابع في الإسناد السابق من طريق رداد الليثي، ثم إن الحديث صحيح بدونها. قال ابن منده في كتابه "التوحيد" (٢/ ٤٧): "هذا الخبر يدل على أنّ جميع أفعال اللَّه مشتقة من أسمائه بخلاف المخلوق مثل: الرّازق، والخالق، والباعث، والوهّاب ونحوها، تقدم أسماؤه على أفعاله بمعنى أن يخلق، ويرزق، ويبعث، ويهب، ويحيي ويميت، وأسماء المخلوق مشتقة من أفعالهم" انتهى. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قال اللَّه : أنا الرّحمن، وهي الرّحم شققتُ لها اسمًا من اسمي، من يَصِلْها أَصِلْه، ومن يقطعْها أقطَعْه، فأبتُّه". حسن: رواه الإمام أحمد (١٠٤٦٩) عن يزيد، قال: أخبرنا محمد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو بن علقمة اللّيثيّ، فإنّه حسن الحديث. ومن طريقه أخرجه الحاكم (٤/ ١٥٧) وقال: "صحيح على شرط مسلم". ورواه البخاريّ (٥٩٨٨) من وجه آخر عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إنّ الرّحم شجنة من الرحمن، فقال اللَّه : من وصلكِ وصلتُه، ومن قطعك قطعتُه". وله شواهد ستأتي في كتاب البرّ والصّلة. وقوله: "الشُّجْنة" بضم الشين، وسكون الجيم، شعبة من غصن الشجرة، ومنه شجر متشجَّن إذا التفَّ بعضه ببعض.

стр. 238

١٢ - باب قل هو اللَّه أحد صفة الرحمن • عن عائشة زوج النّبيّ ﷺ ، أنّ النبيّ ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه به في صلاته فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبيّ ﷺ فقال: "سلوه لأيّ شيء يصنع ذلك؟ " فسألوه فقال: لأنّها صفة الرحمن، وأنا أحبُّ أن أقرأ بها. فقال النبيُّ ﷺ : "أخبروه أنّ اللَّه يحبُّه". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٣٧٥)، ومسلم في فضائل القرآن (٨١٣) كلاهما من حديث عبد اللَّه بن وهب، حدّثنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، أن أبا الرجال محمد ابن عبد الرحمن حدّثه، عن أمِّه عمرة بنت عبد الرحمن -وكانت في حِجْر عائشة- عن عائشة، فذكرت مثله. • عن أنس بن مالك قال: كان رجل من الأنصار يؤُمهم في مسجد قباء. فكان كلما افتتح سورةً يقرأ لهم في الصلاة فقرأ بها، افتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يفرغ منها، ثم يقرأ بسورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة. فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تقرأ بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزيك حتى تقرأ بسورة أخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعَها وتقرأ بسورة أخرى، قال: ما أنا بتاركها، إن أَحببتم أن أؤمكم بها فعلتُ، وإن كرهتُم تركتكم. وكانوا يرونه أفضلَهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر، فقال: "يا فلان ما يمنعك مما يأمر به أصحابُك، وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة؟ ". فقال: يا رسول اللَّه! إني أحبها، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن حُبَّها أدخلك الجنة". صحيح: أخرجه الترمذيّ (٢٩٠١) قال: حدثنا محمد بن إسماعيل (البخاري) حدثنا إسماعيل ابن أبي أويس، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك فذكر الحديث. قال الترمذيّ: حسن غريب صحيح من هذا الوجه من حديث عبيد اللَّه بن عمر، عن ثابت. وروى مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، إني أحب هذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقال: "إن حبك إياها يُدخلك الجنة" قال: حدثنا بذلك أبو داود سليمان بن الأشعث، ثنا أبو الوليد، حدثنا مبارك بن فضالة بهذا. انتهى. وذكره البخاري في الأذان (٧٧٤) معلقًا عن عبد اللَّه بن عمر، عن ثابت، عن أنس. قلت: وهو الذي وصله الترمذيّ عن البخاري، عن إسماعيل بن أبي أويس كما سبق.

стр. 239

ونقل الحافظ في الفتح أن الدارقطني قال في علله: إن حماد بن سلمة خالف عبيد اللَّه في إسناده. فرواه عن ثابت، عن حبيب بن سبعة مرسلًا وقال: وهو أشبه بالصواب. قال الحافظ: وإنما رجحه لأن حماد بن سلمة مقدم في حديث ثابت. لكن عبيد اللَّه بن عمر حافظ حجة، وقد وافقه مبارك في إسناده فيحتمل أن يكون لثابت فيه شيخان. انتهى. قلت: وهو كما قال: ثم إن من المعروف إن الإسناد إذا اختُلِف في الرفع والارسال، والرافع ثقة، فزيادته مقبولة عند جماهير أهل العلم. وصحّحه أيضًا ابن خزيمة فأخرجه في صحيحه (٥٣٧)، وابن حبان في صحيحه (٧٩٤) من طريق عبد العزيز من محمد (الدراوردي) به مثله. وحديث مبارك بن فَضالة أخرجه الترمذيّ كما سبق، كما أخرجه أيضًا الدّارميّ (٣٤٣٦)، وصحّحه ابن حبان (٧٩٢) كلاهما من طريق مبارك بن فضالة، به مختصرًا. ومبارك بن فضالة مدلس إلّا أنّه صّرح بالتحديث في رواية الدّارميّ. ١٣ - باب إثبات صفة الحياة للَّه تعالى قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٥]. وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [سورة الفرقان: ٥٨] وقال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [سورة طه: ١١١]. والآيات في هذا المعنى كثيرة. • عن ابن عباس، أنّ النبيّ ﷺ يقول: "أعوذ بعزّتك الذي لا إله أنت الذي لا يموت، والجنّ والإنس يموتون". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٣٨٣)، ومسلم في الذّكر (٢٧١٧) كلاهما من حديث عبد الوارث، حدثنا حسين المعلم، حدثني عبد اللَّه بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عباس، فذكره. ولا يصح الاستدلال لمن قال: إن الملائكة لا يموتون؛ لأنّه مفهوم لقب، ولا اعتبار له، وعلى تقديره فيعارضه ما هو أقوى منه وهو عموم قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [سورة القصص: ٨٨] مع أنّه لا مانع من دخولهم في مسمّى الجنّ لجامع بينهم من الاستتارة عن أعين النّاس. انظر الفتح (١٣/ ٣٧٠). • عن أنس، قال: "كان من دعاء النّبيّ ﷺ : أي حيّ أي قيوم". صحيح: رواه النسائيّ في عمل اليوم واللّيلة (٦١٣) عن محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا المعتمر , عن أبيه , عن أنس , فذكر مثله.

стр. 240

ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢١٨). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا، ستأتي في مواضعها إن شاء اللَّه تعالى. ١٤ - باب ما جاء في إثبات العلم للَّه تعالى قال اللَّه تعالى فيما يقوله حملة العرش: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [سورة غافر: ٧]. وقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [سورة لقمان: ٣٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة الملك: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [سورة الجاثية: ٢٣]. قال ابن عباس: "أضلّه اللَّه في سابق علمه". وقال في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [سورة طه: ٧]: "يعلم ما أسرّ ابن آدم في نفسه، وما خفي على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعمله، فاللَّه تعالى يعلم ذلك كلّه، وعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد". وقال أيضًا: "فإنّه يعلم السّر في نفسك، ويعلم ما تعمل غدًا". وحكى المزنيّ عن الشّافعيّ في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [سورة البقرة: ١٤٣]: يقول: "إلّا لنعلم أن قد علمتم من يتبع الرّسول، وعلم اللَّه تعالى كان قبل اتباعهم وبعده سواء. وقال غيره: إلا لنعلم من يتبع الرسول بوقوع الاتباع منه كما علمناه قبل ذلك أنه يتبعه". انظر: الأسماء والصفات" (١/ ٣١٠ - ٣١١). وقال مالك رحمه اللَّه تعالى: "اللَّه في السّماء، وعلمه في كلّ مكان لا يخلو منه شيءٌ". "السنة لعبد اللَّه بن أحمد" (٥٣٢). • عن أبي بن كعب، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: (فذكر قصة موسى والخضر ﵉ وجاء فيه: "فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، ليس لهما سفينة، فمرّت بهما سفينة فكلّموهم أن يحملوهما، فعُرف الخضر فحملوهما بغير نَولٍ، فجاء عصفور فوقع على حرف السّفينة، فنقر نقرَةٌ أو نقرتين في البحر، فقال الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم اللَّه إلا كنقرة هذا العصفور في البحر". متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (١٢٢)، ومسلم في الفضائل (٢٣٨٠) كلاهما من حديث سفيان بن عينة، قال: حدثنا عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إنّ نوفًا البكالي يزعم أنّ موسى ليس بموسى بني إسرائيل، إنما هو موسى آخر؟ فقال: كذب عدوُّ اللَّه!

стр. 241

حدّثنا أُبي بن كعب، قال (فذكر الحديث بطوله). ونوف هو ابن فضالة الحميريّ البكاليّ -بفتح الموحدة وكسرها وتخفيف الكاف، منسوب إلى بكال بطن من حمير- وهو ابن امرأة كعب الأحبار. ذكره خليفة في الطبقة الأولى من الشاميين، وعن أبي عمران الجوني: كان نوفٌ ابن امرأة كعب أحد العلماء، وعن يحيى بن أبي عمرو الشّيبانيّ: كان نوف إمامًا لأهل دمشق. ووقع ذكره في الصحيحين في هذا الحديث، وإنّما كذّبه ابن عباس لأنه رواه عن أهل الكتاب وهم كذبوا على موسى ﵇، وإلّا فهو تابعيّ فاضل. وقوله: "ما نقص علمي وعلمك من علم اللَّه" لفظ النّقص ليس على ظاهره، لأنّ علم اللَّه لا يدخله النّقص. قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي: هذا له وجهان: أحدهما: أنّ نقر العصفور ليس بناقص للبحر فكذلك علمنا لا ينقص من علمه شيئًا، وهذا كما قيل: ولا عيب فينا غير أنّ سيوفنا ... بهنٌ فلول من قراع الكتائب أي ليس فينا عيب. وعلى هذا قول اللَّه : ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢] أي لا يسمعون فيها لغوًا البتّة. والآخر: أنّ قدر ما أخذناه جميعًا من العلم إذا اعتبر بعلم اللَّه الذي أحاط بكلّ شيء، لا يبلغ من علم معلوماته في المقدار إلّا كما يبلغ أخذ هذا العصفور من البحر، فهو جزء يسير فيما لا يدرك قدره، فكذلك القدر الذي علّمناه اللَّه تعالى في النسبة إلى ما بعلمه كهذا القدر اليسير من هذا البحر، واللَّه ولي التوفيق. انظر: الأسماء والصفات للبيهقيّ (١/ ٢٩٧). ثم قال البيهقي: "وقد رواه حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير مبيّنًا إلّا أنّه وقفه على ابن عباس ﵄". ثم قال: أخبرناه أبو عبد اللَّه الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا إسماعيل بن الخليل، أنا علي بن مسهر، أنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: بينما موسى يخاطب الخضر، والخضر يقول: ألستَ نبي بني إسرائيل؟ فقد أوتيتَ من العلم ما تكتفي به. وموسى يقول له: إنّي قد أُمرتُ باتباعك، والخضر يقول: إنك لن تستطيع معي صبرًا. قال: فبينا هو يخاطبه إذ جاء عصفورٌ فوقع على شاطئ البحر فنقر منه نقرة ثم طار فذهب، فقال الخضر لموسى: يا موسى هل رأيتَ الطير أصاب من البحر؟ قال: نعم، قال: ما أصبت أنا وأنت من العلم في علم اللَّه إلّا بمنزلة ما أصاب هذا الطّير من هذا البحر. انتهى. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ يعلّمنا الاستخارةَ في الأمور كلّها

стр. 242

كما يعلّمنا السورة من القرآن يقول: "إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللَّهمَّ إنّي أستخيرك بعلمك، وأستقدرُك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنّك تقدر ولا أقدر، وتعلمُ ولا أعلمُ وأنت علّام الغيوب، اللهم إن كنتَ تعلمُ أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: عاجل أمري وآجله- فاقدُره لي، ويسِّرهُ لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنتَ تعلمُ أنّ هذا الأمرَ شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاصرفه عنّي واصرفني عنه، واقدُرْ لي الخيرَ حيث كان ثم أرضني، قال: ويسمِّي حاجته". صحيح: رواه البخاريّ في التهجد (١١٦٢) عن قتيبة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الموالِي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكر مثله. وفي الاستخارة أحاديث أخرى ستأتي في موضعها. • عن عمّار بن ياسر قال: لقد دعوتُ بدعوات سمعتهنّ من رسول اللَّه ﷺ فقال: "اللَّهمّ بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمتَ الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي، اللهمّ أسألك خشيتَك في الغيب والشّهادة، وأسألك كلمة الحقّ في الغضب والرِّضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا يبيد وقرة عين لا تنقطع، وأسألك الرّضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذّة النظر إلى وجهك، والشّوق إلى لقائك في غير ضرّاء مضرّة، ولا فتنة مضلّة، اللهم زيَّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين". صحيح: رواه النسائيّ (١٣٠٥)، وصحّحه ابن خزيمة في التوحيد (١٤) وعنه ابن حبان في صحيحه (١٩٧١)، والحاكم (١/ ٥٢٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٢٧)، والدّارميّ في الرّد على الجهمية (١٨٨) كلّهم من حديث حماد بن زيد، عن عطاء بن السّائب، عن أبيه، قال: "صلّى بنا عمّار بن ياسر يومًا صلاة فأوجز فيها، فقال بعض القوم: لقد خفّفت -أو كلمة نحوها- فقال: لقد دعوتُ بدعوات سمعتهنّ من رسول اللَّه ﷺ . قال: فلما انطلق عمار أتبعه رجل -وهو أبي- فسأله عن الدّعاء، ثم جاء فأخبر به، فذكر الحديث. وإسناده صحيح عطاء بن السائب ثقة وثّقه الأئمة إلا أنه اختلط في آخره ولكن رواية حماد بن زيد عنه قبل اختلاطه. انظر تخريجه مفضلًا في باب إثبات الوجه اللَّه تعالى. • عن عبد اللَّه بن عمرو قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ اللَّه تعالى خلق خلقه في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النّور اهتدى، ومن

стр. 243

أخطأه ضلّ". فلذلك أقول: جفّ القلم على علم اللَّه . حسن: رواه الترمذيّ (٢٦٤٢) عن الحسن بن عرفة، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن أبي عمرو الشّيبانيّ، عن عبد اللَّه بن الدّيلميّ، قال: سمعت عبد اللَّه بن عمرو، فذكره. قال الترمذي: "حديث حسن". وإسناده حسن، من أجل إسماعيل بن عباس فإنّه صدوق في روايته عن أهل بلده، وهذه منها. طرق أخرى بمجموعها تصل إلى درجة الصّحيح. انظر تخريجه المفصّل في القضاء والقدر. وقوله: "جف القلم على علم اللَّه" هو من قول عبد اللَّه بن عمرو. وأمّا ما روي عن أبي الدّرداء يقول: سمعتُ أبا القاسم ﷺ يقول: "إنّ اللَّه يقول: يا عيسى، إنّي باعث من بعدك أمّةٌ إن أصابهم ما يحبّون حمدوا اللَّه وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حِلم ولا علم. قال: يا ربّ كيف هذا لهم، ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حِلْمي وعلْمي". فيه رجل مجهول. رواه الإمام أحمد (٢٧٥٤٥)، والطبرانيّ في الأوسط (٣٢٧٦)، والبزّار -كشف الأستار (٢٨٤٨) -، وصحّحه الحاكم (١/ ٣٤٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٣٠)، وحسّنه الحافظ في "الأمالي المطلقة" (ص ٤٨). كلّهم من طريق معاوية بن صالح، عن أبي حلبس يزيد بن ميسرة أنه قال: سمعتُ أمّ الدّرداء تقول: سمعتُ أبا الدّرداء يقول: سمعتُ أبا القاسم ﷺ ما سمعته يكنيه قبلها ولا بعدها- يقول (فذكر الحديث). قال البزّار: "لا نعلم رواه من الصّحابة إلّا أبو الدّرداء، ومعاوية ويونس شاميّان عابدان ثقتان، وإسناده حسن". قلت: هذا وهم من البزّار، فإنّ أبا حلبس هذا هو يزيد بن ميسرة، كما في جميع المصادر الحديثية، ولم يرو عنه سوى اثنين ولم يوثقه غير ابن حبان على قاعدته في توثيق المجاهيل، وعليه اعتمده الحافظ الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٦٧، ٦٨) فقال: "رواه أحمد، والبزار، والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح غير الحسن بن سوار، وأبي حلبس يزيد بن ميسرة وهما ثقتان". ولكن أخطأ الحافظ البزّار فظن أنّ أبا حلبس هو يونس بن ميسرة، ويزيد ويونس أخوان، كلاهما يكنى بأبي حلبس، ويزيد مجهول، ويونس ثقة، يزيد بن ميسرة من رجال "التعجيل"، ويونس بن ميسرة من رجال التهذيب روى عنه أبو داود والترمذي، وابن ماجه، وهو ثقة عابد كما في "التقريب".

стр. 244

والحافظ البزار قد وُصِف بأنّه يخطئُ في الإسناد والمتن، كما قال الدّارقطنيّ. وأمّا قول الحاكم: "صحيح على شرط البخاري"، فهو ليس كما قال؛ فإنّ أبا حلبس يزيد بن ميسرة ليس من رجال البخاريّ، بل ليس هو من رجال التهذيب أصلًا كما سبق. ١٥ - باب ما جاء في إثبات القدرة للَّه تعالى قال اللَّه تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة الملك: ١]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [سورة الأنعام: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [سورة القيامة: ٤]. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ يعلّمنا الاستخارةَ في الأمور كلّها كما يعلّمنا السورة من القرآن يقول: "إذا همَّ أحدُكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللَّهمَّ إنّي أستخيرك بعلمك، وأستقدرُك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنّك تقدر ولا أقدر، وتعلمُ ولا أعلمُ وأنت علّام الغيوب، اللَّهم إن كنتَ تعلمُ أنّ هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: عاجل أمري وآجله- فاقُدره لي، ويسِّرْهُ لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلمُ أنّ هذا الأمرَ شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاصرفه عنّي واصرفني عنه، واقدُرْ لي الخير حيث كان ثم أرضني، قال: ويسمِّي حاجته". صحيح: رواه البخاريّ في التهجد (١١٦٢) عن قتيبة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الموالِي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكر مثله. • عن عثمان بن أبي العاص الثّقفيّ، أنّه شكا إلى رسول اللَّه ﷺ وَجَعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "ضعْ يدّك على الذي تألَّم من جسدك، وقل: باسم اللَّه ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ باللَّه وقدرته من شرّ ما أجدُ وأحاذر". صحيح: رواه مسلم في السلام (٢٢٠٢) من طرق عن ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني نافع بن جبير بن مطعم، عن عثمان بن أبي العاص الثقفيّ، فذكره. • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: أقرأني رسولُ اللَّه ﷺ : "إنِّي أنا الرَّزّاق ذو القوّةِ المتين". صحيح: رواه أبو داود (٣٩٩٣)، والترمذيّ (٢٩٤٠) كلاهما من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره. وإسناده صحيح. قال الترمذيّ: "حديث حسن صحيح".

стр. 245

وصحّحه أيضًا الحاكم (٢/ ٢٤٩) على شرط الشّيخين. والقوّة هي القدرة. ١٦ - باب إثبات العلو للَّه تعالى قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٥]. وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [سورة السجدة: ٥]. وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [سورة المعارج: ٤]. وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [سورة النحل: ٥٠]. وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [سورة الملك: ١٦]. • عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الملائكة يتعاقبون فيكم، ملائكة باللّيل، وملائكة بالنّهار، ويجتمعون في صلاة العصر، وصلاة الفجر، ثم يعرجُ الذين باتوا فيكم، فيسألهم -وهو أعلم بهم- كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون". متفق عليه: رواه مالك في قصر الصّلاة (٨٢) عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه البخاريّ في المواقيت (٥٥٥)، ومسلم في المساجد (٦٣٢) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. • عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا تأْمنُوني وأنا أمين مَنْ في السّماء، يأتيني خبرُ السماء صباحًا ومساء؟ ! ". متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٥١)، ومسلم في الزكاة (١٠٦٤: ١٤٤) كلاهما من حديث عبد الواحد، عن عمارة بن القعقاع، حدثنا عبد الرحمن بن أبي نُعم، قال: سمعت أبا سعيد، فذكر الحديث في حديث طويل، سيأتي بكامله في كتاب الزكاة. • عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "من تصدّق بعدل تمرة من كسْب طيبٍ، ولا يصعَدُ إلى اللَّه إلّا الطَيَب؛ فإن اللَّه يتقبله بيمينه، ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٣٠) قال: وقال خالد بن مخلد، حدثنا سليمان، حدثني عبد اللَّه بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره. قال البخاريّ: ورواه ورقاء، عن عبد اللَّه بن دينار، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "ولا يصعد إلى اللَّه إلّا الطّيب".

стр. 246

ورواه مسلم في الزّكاة (١٠١٤) من حديث سعيد بن أبي سعيد، عن سعيد بن يسار، فذكر الحديث إلّا أنه ليس فيه: "ولا يَصْعدُ إلى اللَّه إلّا الطّيب". • عن أنس بن مالك قال: "كان أبو ذرّ يحدّثُ قصّة المعراج عن النبيّ ﷺ وفيها: ثم أخذ جبريلُ بيدي فعرج بي إلى السّماء الدّنيا. . . ". قال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم، أنّ ابن عباس وأبا حيّة الأنصاريّ كانا يقولان: قال النبيُّ ﷺ : "ثم عُرج بي حتى ظهرتُ لمستوى أسمع صريف الأقلام". متفق عليه: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٣٤٢)، ومسلم في الإيمان (١٦٣) كلاهما من حديث يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك في حديث طويل في قصة الإسراء والمعراج، وسيأتي كاملًا في الموضع المناسب إن شاء اللَّه تعالى. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها، فتأبى عليه إلّا كان الذي في السّماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها". متفق عليه: رواه مسلم في النكاح (١٤٣٦: ١٢١) عن ابن أبي عمر، حدّثنا مروان، عن يزيد (يعني ابن كيسان)، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. ورواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٣٧)، وفي النكاح (٥١٩٣) من حديث أبي حازم، ومن حديث زرارة (٥١٩٤) كلاهما عن أبي هريرة، وفيه: "لعنتها الملائكةُ حتى تصبح"، وفي رواية: "ترجع" ولم يذكر فيه: "الذي في السّماء". • عن جابر بن عبد اللَّه، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال في خطبته يوم عرفة: "وأنتم تُسألون عنّي، فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهدُ أنّك قد بلّغتَ وأدّيتَ ونصحت. فقال: بإصبعه السّبابة يرفعها إلى السّماء ويَنْكُتُها إلى النّاس: "اللهم اشهد، اللهمّ اشهد" ثلاث مرّات. صحيح: طرف من حديث جابر الطّويل في حجّة النّبيّ ﷺ ، رواه مسلم (١٢١٨)، وسيأتي بكامله في كتاب الحجّ. • عن أنس، أنّ زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج النّبيّ ﷺ تقول: زوّجكن أهاليكنّ، وزوّجني اللَّه من فوق سبع سماوات. وفي لفظ: تقول: إنّ اللَّه أنكحني في السّماء. صحيح: أخرجه البخاريّ في التوحيد (٧٤٢٠) عن أحمد: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدميّ:

стр. 247

حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس في قصة زيد بن حارثة الذي جاء إلى النبيّ ﷺ يشكو، وجعل النبيُّ ﷺ يقول: "اتقِ اللَّه وأمسك عليك زوجك". وسيأتي تفصيل ذلك في تفسير سورة الأحزاب. وأحمد في الإسناد هكذا غير منسوب، فقال أبو نصر الكلاباذيّ: "إنّه أحمد بن سيار المروزيّ" وقال الحاكم: "هو أحمد بن نصر النّيسابوريّ". واللّفظ الثاني أخرجه أيضًا البخاريّ في التوحيد (٧٤٢١) من وجه آخر عن أنس. وفي مرسل الشّعبيّ كما ذكره الحافظ في "الفتح" (١٣/ ٤١٢): قالت زينب: يا رسول اللَّه، أنا أعظم نسائك عليك حقًّا، أنا خيرهنّ منكحًا، وأكرمهن سفيرًا، وأقربهنّ رحمًا، فزوجنيك الرّحمن من فوق عرشه، وكان جبريل هو السّفير بذلك، وأنا ابنة عمتك، وليس لك من نسائك قريبة غيري. قال: أخرجه الطبريّ، وأبو القاسم الطّحاويّ في كتاب "الحجّة والتبيان" له. قلت: أمّا تفسير الطّبريّ فلم أقف فيه على هذا المرسل، ثم وقفتُ عليه في مستدرك الحاكم ٤/ ٢٧ فرواه من طريق علي بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن عامر (هو الشعبيّ)، فذكره بمثله. • عن أبي موسى، قال: قام فينا رسولُ اللَّه ﷺ بخمس كلمات فقال: "إنّ اللَّه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفضُ القسط ويرفعه، يُرفعُ إليه عملُ اللّيل قبل عمل النّهار، وعملُ النّهار قبل عمل اللّيل، حجابُه النّور -وفي رواية: النّار- ولو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصرُه من خلقه". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٧٩) من طرق عن أبي معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمرو ابن مرّة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، فذكره. أبو معاوية هو: محمد بن خازم الضّرير. وأبو عبيدة هو: ابن مسعود يقال: اسمه عامر، ويقال: لا اسم له. قوله: "يخفض القسط ويرفعه" قيل: أراد به الميزان، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [سورة الأنبياء: ٤٧] أي: ذوات القسط وهو العدل. وأراد أن اللَّه يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرفوعة إليه، وبما يوزن من أرزاقهم النازلة من عنده. وقيل: أراد بالقسط الرّزق الذي هو قسط كلّ مخلوق، يخفضه مرة فيقتره، ويرفعه مرة فيبسطه، يريد أنه مقدّر الرّزق وقاسمه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [سورة الرعد: ٢٦]. وقوله: "سُبُحات وجهه" أي نور وجهه، ويقال: جلال وجهه، ومنها قيل: "سبحان اللَّه" إنّما هو تعظيم له وتنزيه، وقول: سبحانك، أي: أنرّهك يا ربٌ من كلّ سُوء. انظر: شرح السنة (١/ ١٧٤). • عن معاوية بن الحكم السّلميّ، قال: كانت لي جاريةٌ ترعى غنمًا لي قبل أُحد والجوانية، فاطلعتُ ذات يوم فإذا الذّئبُ قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجلٌ من

стр. 248

بني آدم آسفُ كما يأسفون، لكني صككتُها صكّةً. فأتيتُ رسول اللَّه ﷺ فعظَّم ذلك عليَّ. قلتُ: يا رسول اللَّه، أفلا أُعتقها؟ قال: "ائتني بها" فأتيتُه بها، فقال لها: "أين اللَّه؟ " قالت: في السّماء. قال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسولُ اللَّه. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٣٧) من طرق عن إسماعيل بن إبراهيم (هو ابن علية)، عن حجّاج الصّواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية ابن الحكم السلميّ، فذكره في حديث طويل، وسيأتي في النهي عن الكلام في الصّلاة. والحديث رواه مالك في كتاب العتق (٨) عن هلال بن أسامة بإسناده، ولكن جعل اسم الصّحابي: "عمر بن الحكم"، وكذا رواه أيضًا الشافعي عن مالك، -ومن طريقه البيهقيّ (٧/ ٣٨٧) - فقال: "عمر بن الحكم". قال الشافعي: "اسم الرجل "معاوية بن الحكم" كذا روى الزهريّ، ويحيى بن أبي كثير". قال البيهقيّ: كذا رواه جماعة عن مالك (يعني فقالوا: عمر بن الحكم)، ورواه يحيى بن يحيى عن مالك مجوّدًا فقال: "معاوية بن الحكم". قلت: كذا رواه الدّارميّ في "الرّد على الجهمية" (٦٢) عن يحيى بن يحيى التّيميّ، قال: قرأتُ على مالك بن أنس، بإسناده وفيه: "معاوية بن الحكم". فالظّاهر أنّ الصّواب هو "معاوية بن الحكم" والذي قال: "عمر بن الحكم" فإمّا أنّه أخطأ على مالك، أو مالك نفسه أخطأ فيه، كما نبّه على ذلك الإمام الشافعيّ وابن الجارود وغيرهما. انظر للمزيد: "التمهيد" (٢٢/ ٧٨ - ٨٠). • عن أنس، قال: أصابنا ونحن مع رسول اللَّه ﷺ مطرٌ، قال: فحسر رسولُ اللَّه ﷺ ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول اللَّه، لم صنعتَ هذا؟ قال: "لأنّه حديث عهد بربِّه تعالى". صحيح: رواه مسلم في الاستسقاء (٨٩٨) عن يحيى بن يحيى، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابت البنانيّ، عن أنس، فذكره. وأخرجه أيضًا عثمان الدّارميّ في "الرّد على الجهميّة" (٧٦) من وجه آخر عن جعفر بن سليمان بإسناده مثله وقال: لو كان على ما يقول هؤلاء الزّائغة: في كلّ مكان، ما كان المطر أحدث عهدًا باللَّه من غيره من المياه والخلائق". • عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ الرّحم معلقة بالعرش، وليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا انقطعتْ رحمُه وصلَها".

стр. 249

صحيح: رواه الإمام أحمد عن يعلى بن عبيد (٦٥٢٤)، وعن وكيع (٦٨١٧) كلاهما عن فِطر (وهو ابن خليفة)، عن مجاهد، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره. وصحّحه ابن حبان (٤٤٥)، ورواه من وجه آخر عن فطر بإسناده، مثله. وقال الذّهبيّ في "العلو" (٩٣): "إسناده قويّ". وأصله في صحيح البخاري في الأدب (٥٩٩١) عن محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن الأعمش والحسن بن عمرو وفطر، عن مجاهد، عن عبد اللَّه بن عمرو قال سفيان: لم يرفعه الأعمش إلى النبيّ ﷺ ، ورفعه الحسن وفطر، عن النبيّ ﷺ ولم يذكر الجزء الأول من الحديث الذي هو موضع الشّاهد. هذا الخلاف في الرّفع والوقف لا يؤثر في صحة الحديث، لأنّ الثقات رفعوه، وهو الصّحيح في مثل هذه الحال. وذكر الحافظ اختلاف الرّواة، وخلص إلى القول بأن الرّفع هو المعتمد. • عن ذكوان حاجب عائشة قال: دخل ابن عباس على عائشة وهي تموت فقال لها: كنتِ أحبَّ نساء رسول اللَّه ﷺ إلى رسولُ اللَّه ﷺ ، ولم يكن رسولُ اللَّه ﷺ يحبُّ إلّا طيبًا، وأنزل براءتك من فوق سبع سماوات، جاء بها الرّوح الأمين، فأصبح ليس مسجدٌ من مساجد اللَّه يذكر فيه اسم اللَّه إلّا وهي تتلى فيه آناء اللّيل وآناء النّهار. حسن: رواه عثمان بن سعيد الدّارميّ في "الرّد على بشر" (١/ ٥٢٠)، وفي "الرّد على الجهميّة" (٨٤) عن النّفيليّ، ثنا زهير بن معاوية، ثنا عبد اللَّه بن عثمان بن خُثيم، حدثني عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مليكة أنّه حدّثه ذكوان صاحب عائشة، فذكره. ورواه الإمام أحمد (٢٤٩٦)، والطبرانيّ في الكبير (١٠/ ٣٩٠)، وأبو يعلى (٢٦٤٨) كلّهم من طرق عن عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم مطوّلًا. وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم وهو وإن كان من رجال مسلم إلّا أنه "صدوق" كما في "التقريب". وأصل القصّة أخرجها البخاريّ في التفسير (٤٧٥٣) من وجه آخر عن ابن أبي مليكة قال: استأذن ابن عباس -قبيل موتها- على عائشة، وهي مغلوبة قالت: أخشى أن يُثني عليَّ. فقيل: ابن عمّ رسول اللَّه ﷺ ومن وجوه المسلمين. قالت: ائذنوا له، فقال: كيف تجدينكِ؟ قالت: بخير إن اتقيتُ. قال: فأنت بخير إن شاء اللَّه تعالى، زوجةُ رسول اللَّه ﷺ ، ولم ينكِح بِكرًا غيرك، ونزل عذرُك من السّماء. . . ودخل ابنُ الزبير خلافه، فقالتْ: دخل عليّ ابن عباس فأثنى عليّ، وددتُ أني كنتُ منسيًا منسيًّا. انتهى. وقوله: "خلافه" أي بعد أن خرج ابن عباس من عندها فتخالفا في الدّخول والخروج ذهابًا وإيابًا.

стр. 250

• عن الشّريد بن سويد الثقفيّ، قال: أتيتُ رسول اللَّه ﷺ ، فقلتُ: إنّ أمي أوصتْ أن تُعتق عنها رقبة، وإنّ عندي جاريةٌ نُوبيّةٌ أفيجزي عني أن أعتقها عنها؟ قال: "ائتني بها" فأتيتها بها، فقال: "من ربُّك"؟ قالت: اللَّه، قال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول اللَّه. قال: "فأعتقها فإنّها مؤمنة". حسن: رواه أبو داود (٣٢٨٣)، والنسائيّ (٣٦٥٣) كلاهما من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن الشّريد بن سويد، فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو فإنّه حسن الحديث. والشّريد بن سويد الثقفيّ لا خلاف في صحبته. ولكن رواه ابن خزيمة في التوحيد (٢١٩) من وجه آخر عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن محمد بن الشريد جاء بخادم سوداء عتماء إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، إنّ أمي جعلت عليها عتق رقبة مؤمنة، فقال: يا رسول اللَّه، هل يجزئ أن أعتق هذه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ للخادم: "أين اللَّه؟ "، فرفعت رأسها، فقالت: في السماء، فقال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول اللَّه! فقال: "أعتقها فإنّها مؤمنة". فجعل الحديث من مسند محمد بن الشريد وهو مختلف في صحبته، وأظن أنه سقط فيه: "عن أبيه". • عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء وقال: يا رسول اللَّه، إنّ عليّ رقبةً مؤمنةً، فإن كنتَ ترى هذه مؤمنة أعتقتُها؟ فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "أتشهدين أن لا إله إلا اللَّه؟ " قالت: نعم. قال: "أتشهدين أني رسول اللَّه؟ " قالت: نعم. قال: "أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ " قالت: نعم. قال: "أعتقها". صحيح: رواه الإمام أحمد (١٥٧٤٣) عن عبد الرزّاق -وهو في مصنفه (١٦٨١٤) - حدثنا معمر، عن الزُهريّ، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه، عن رجل من الأنصار، فذكره. ورواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٢٢٣) من طريق عبد الرزاق. ورواه مالك في العتق (٩) عن ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه مرسلًا عن النبيّ ﷺ . وأمّا ما رُوي من طريق المسعوديّ، عن عون بن عبد اللَّه، عن أخيه عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن أبي هريرة، قال: جاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ بجارية أعجمية. . فذكره، فهو ضعيف. رواه أبو داود (٣٢٨٤) من طريق يزيد بن هارون، عن المسعوديّ. ومن هذا الوجه رواه الإمام أحمد (٧٩٠٦)، وابن خزيمة (٢٢٠)، والبيهقيّ (٧/ ٣٨٨). والمسعوديّ هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود الكوفيّ، وثقه ابن معين وغيره إلّا أنه اختلط لما دخل بغداد، فمن سمع منه بالكوفة والبصرة فسماعه جيد، وكان عبد الرحمن بن مهدي
следующие страницы →