Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
البخاري في خلق أفعال العباد، ثم هو مجهول، ذكره علي بن المديني في المجاهيل الذين يروي عنهم الأسود بن قيس. كما جزم أيضًا ابن حزم بأنه مجهول، وتبعه ابن القطان، وقال فيه الحافظ في التقريب "مقبول" أي: حيث يتابع، ولم يتابع فهو "لين الحديث".
وقد حكى الترمذي عن البخاري أنه قال: حديث عائشة أنه جهر أصح من حديث سمرة أنه أسر.
قال أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى في "شرح معاني الآثار" (١/ ٣٣٣): فذهب قوم إلى هذه الآثار فقالوا: هكذا صلاة الكسوف، لا يجهر فيها بالقراءة، لأنها من صلاة النهار، وممن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة ﵀. وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: يجهر فيها بالقراءة، وكان من الحجة لهم في ذلك أنه قد يجوز أن يكون ابن عباس وسمرة ﵄ لم يسمعاها من رسول الله ﷺ في صلاته تلك حرفًا، وقد جهر فيها لبعدهما منه، فهذا لا ينفي الجهر إذ كان قد رُوي عنه أنه قد جهر فيها. فذكر حديث عائشة ورجح الجهر قياسًا على الجمعة والعيدين والاستسقاء وهي كلها صلاة النهار فكذلك صلاة الكسوف ثم قال: وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى. انتهي.
وقد أجيب أيضًا بأن المثبت أولى، ويمكن تأويل هذه الأحاديث بأن قراءته ﷺ لم تكن عالية.
فأحيانًا يجهر، وأحيانًا يسر، وهو في صلاة واحدة، فمن سمع منه الجهر وهو قريب منه قال به، وإليه يشير صاحب المنتقي بعد إيراد حديث سمرة بن جندب: "وهذا يحتمل أنه لم يسمعه لبعده، لأن في رواية مبسوطة له: أتينا والمسجد قد امتلأ".
ويمكن حمله أيضًا على التعدد لمن قال بذلك، وإلا فقد رأى بعض أهل العلم أنَّ النبي ﷺ لم يُصلِّ صلاة الكسوف إلَّا مَرَّةً واحدة يوم توفي ابنه إبراهيم.
٩ - باب طول القيام في الكسوف
• عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: فزع النبي ﷺ يومًا -قالت: تعني يوم كسفتِ الشمس- فأخذ دِرْعًا حتى أُدِرك بردائه، فقام للناس قيامًا طويلًا، لو أن إنسانًا أتي لم يشعر أن النبي ﷺ ركع -ما حدَّث أنه ركع- من طول القيام.
وفي رواية: وقام قيامًا طويلًا، يقوم ثم يركع، وزاد: فجعلتُ أَنظر إلى المرأة أَسَنُّ مني، وإلى الأخرى: هي أسقَمْ مني.
وفي رواية: فقضيت حاجتي، ثم جئتُ ودخل المسجدَ، فرأيتُ رسولَ الله ﷺ قائمًا، فقمتُ معه، فأطال القيام حتى رأيتُني أريد أن أجلس. ثم أَلتفِتُ إلى المرأة الضعيفة، فأقول: هذه أضعفُ مني، فأقوم، فركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه فأطال القيام، حتى لو أن رجلًا جاء - خُيّل إليه أنه لم يركع.
стр. 1857
صحيح: هذه الروايات كلها رواها مسلم في الكسوف (٩٠٦/ ١٤، ١٥، ١٦) من طرق عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية بنت شيبة، عن أسماء بنت أبي بكر فذكرتها.
١٠ - باب ما عُرِض على النبي ﷺ ، في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار
• عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت: أتيتُ عائشةَ ﵂ زوج النبي ﷺ حين خسفت الشمسُ فإذا الناس قيام يصلون، وإذا هي قائمة تصلِّي، فقلت: ما للناس؟ فأشارتْ بيدِها إلى السماءِ، وقالت: سُبحانَ الله، فقلتُ: آيةٌ؟ فأشارت: أي نعم، قالتُ: فقُمْتُ حتى تجلَّاني الغَشْيُ، فجعلتُ أصُبُّ فوق رأسي الماء، فلمَّا انصرفَ رسولُ الله ﷺ حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "ما من شيءٍ كُنتُ لَمْ أرَهُ إلا قد رأيتُه في مقامي هذا، حتى الجنَّة والنارَ، ولقد أوحيَ إليَّ أنكم تُفْتَنُونَ في القُبُور مِثلَ -أو قَريبًا من- فِتْنَةِ الدَّجال، لا أدري أيَّتَهُما قالتْ أسماء، يُؤْتَي أحدُكمُ فيقال له: ما عِلْمُكَ بهذا الرَّجُلِ؟ ، فأما المؤمنُ، أو المُوقِنُ، لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماءُ، فيقولُ: محمَّدٌ رسولُ الله ﷺ ، جاءنا بالبينات والهُدي، فأجبنَا وآمنَّا واتبعنَا، فيقال له: نَمْ صالحًا، فقد علمنا إن كنت لموقِنًا. وأما المنافق، أو المرتاب -لا أدري أيتهما قالت أسماء- فيقول: لا أدري، سمعتُ الناس يقولون شيئًا فقلتُه.
متفق عليه: رواه مالك في الكسوف (٤) عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر فذكرته.
رواه البخاري في الكسوف (١٠٥٣) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
ورواه مسلم في الكسوف (٩٠٥) من طريق ابن نمير، عن هشام وفيه: فأطال رسول الله ﷺ القيام جدًّا حتى تجلَّاني الغشْيُ.
١١ - باب استحباب العِتاقة في كسوف الشمس
• عن أسماء بنت أبي بكر قالت: أمر النبي ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس.
صحيح: رواه البخاري في الكسوف (١٠٥٤) وفي العتق (٢٥١٩) من طريق زائدة بن قدامة، عن هشام، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء فذكرته.
هكذا رواه زائدة، عن هشام، وتابعه عَثَّام بن علي العامري، أخرجه البخاري في العتق (٢٥٢٠) وأشار البخاري إلى متابعة الدراوردي لهما عن هشام، وروى غيرهم قصة كسوف الشمس بالتفصيل إلا أنهم لم يذكروا فيه العتاقة، فالظاهر أن زائدة ومن تابعه لم يختصروه من التفصيل،
стр. 1858
وإنما سمعوا من هشام هكذا، أو هذا الجزء وحده فهو حديث جديد ومستقل.
١٢ - باب التّعوذ من عذاب القبر في الكسوف
• عن عاشة زوج النبي ﷺ ، أن يهودية جاءت تسألها، فقالت: أعاذَكَ الله من عذاب القبر، فسألتْ عائشةُ رسولَ الله ﷺ : أيُعَذَّبُ الناسُ في قبورِهم؟ فقال رسولُ الله ﷺ ، عائذًا بالله من ذلك، ثم ركبَ رسول الله ﷺ ، ذات غداةٍ، مركبًا، فخسَفَتِ الشمسُ، فرجع ضُحَي، فمرَّ بين ظهراني الحجر، ثم قام يُصلِّي وقام الناسُ وراءهُ، فقام قِيامًا طويلًا، ثم ركعَ رُكُوعًا طويلًا ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دونَ القيام الأول، ثم ركعِ ركوعًا طويلًا وهو دونَ الركوع الأول، ثم رفع فسجد، ثم قام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دونَ القيام الأوَّل، ثم ركع ركُوعًا طويلًا وهُوَ دُونَ الركوع الأوَّل، ثم رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرفَ فقال ما شاءَ اللهُ أن يقُولَ، ثم أمرَهم أن يَتَعوذُوا من عذاب القَبْرِ.
متفق عليه: رواه مالك في الكسوف (٣) عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة فذكرته.
ورواه البخاري في الكسوف عن عبد الله بن مسلمة (١٠٤٩) وعن إسماعيل (١٠٥٥) كلاهما عن مالك.
ورواه مسلم في الكسوف (٩٠٣) من وجه آخر عن يحيى بن سعيد نحوه مختصرًا وفيه: "إني قد رأيتكم تُفتنون في القبور كفتنة الدجال".
١٣ - باب خطبة الإمام في الكسوف
• عن عائشة قالت: خسفتِ الشمسُ في حياة النبي ﷺ ، فخرج إلى المسجد، نصف الناس وراءه، فكبَّر فاقترأ رسول الله ﷺ قراءةً طويلةً، ثم كبَّر فركع ركوعًا طويلًا. ثم قال: "سمع الله لمن حمده" فقام ولم يسجد وقرأ قراءةً طويلةً، هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبَّر وركع ركوعًا طويلًا، وهو أدنى من الركوع الأول، ثم قال: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم سجد، ثم قال في الركعة الآخرة مثل ذلك، فاستكمل أربع ركعات في أربع سجدات، وانجلت الشمسُ قبل أن ينصرف. ثم قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: "هما آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة".
стр. 1859
متفق عليه: رواه البخاري في الكسوف (١٠٤٦) مسلم في الكسوف (٩٠١/ ٣) كلاهما من طريق ابن شهاب، حدثني عروة، عن عائشة، فذكرته، واللفظ للبخاري.
وسبق حديث عنها رواه مالك، وعنه الشيخان وفيه التصريح بالخطبة.
كما وقع التصريح في رواية البخاري (١٠٤٧) عن شيخه سعيد بن عُفير، عن الليث.
• عن أسماء بنت أبي بكر قالت: فانصرف رسول الله ﷺ وقد تجلت الشمس، فخطب فحمد الله بما هو أهلُه ثم قال: "أما بعد".
متفق عليه: رواه البخاري في الكسوف (١٠٦١) معلقًا قائلًا: وقال أبو أسامة، حدثنا هشام، قال: أخبرتني فاطمة بنت المنذر، عن أسماء فذكرته هكذا مختصرًا. ووصله في كتاب الجمعة (٩٢٢) قائلًا: قال محمود، حدثنا أبو أسامة فذكر الحديث بطوله في قصة كسوف الشمس كما مضى.
ومحمود هو: ابن غَيلان أحد شيوخ البخاري.
قال الحافظ: وكلام أبي نعيم في "المستخرج" يُشعر بأنَّه قال: "حدثنا محمود".
رواه مسلم في الكسوف (٩٠٥) من وجه آخر عن هشام بإسناده نحوه.
وأما ما رُوي عن سمرة بن جندب في خطبته ﷺ في الكسوف وذكر فيه قول النبي ﷺ : "إنما أنا بشر رسول، فأذكركم بالله إن كنتم تعلمون أني قصرت عن تبليغ شيء من رسالات ربي ... " فيه ثعلبة بن عِباد العبدي مجهول سبق تخريجه في جموع أبواب الوحي.
стр. 1860
جموع أبواب صلاة الاستخارة، وصلاة المريض، والصلاة في السفينة، وصلاة التسبيح، وصلاة الحاجة، وصلاة الرّغائب
١ - صلاة الاستخارة
• عن جابر بن عبد الله قال: كان رسولُ الله ﷺ يُعلِّمُنا الاستخارةَ في الأمُور كما يُعلِّمنا السورة من القرآنِ يَقولُ: "إذا همَّ أحدُكم بالأمرِ فلْيَركعْ رَكعتَين من غَيرِ الفريضةِ، ثمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إني استخيرُكَ بِعلمكَ، وأستَقْدِرُكَ بقُدرَتِكَ، وأسأَلُكَ من فضلِكَ العظيم، فإنَّكَ تَقدِرُ ولا أقدِرُ، وتَعلَمُ ولا أعلَمُ وأنت علَّامُ الغُيوب، اللهُمَّ إن كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمرَ خيرٌ لي فِي دِيني ومَعاشي وعاقِبةِ أمري -أو قال: عاجل أمري وآجِلِه- فاقدُرْهُ لِي، ويَسِّرْهُ لي، ثمَّ باركْ لي فيه، وإن كنتَ تَعلمُ أنَّ هذا الأمرَ شَرٌّ لي في دِيني ومَعاشي وعاقبةِ أمري -أو قال: في عاجل أمري وآجلهِ- فاصرِفهُ عَنِّي واصرفني عنهُ، واقدُرْ لي الخيرَ حيثُ كان، ثمَّ أرضِني، قال: ويُسمِّي حاجَتَهُ".
صحيح: رواه البخاري في التهجد (١١٦٢) عن قتيبة قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الموالِ، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله فذكره.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد أحدكم أمرًا، فليقل: اللهم إني استخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تَقْدر ولا أقْدِر، وتعلمُ ولا أعلمُ، وأنت علَّامُ الغُيوب، اللهم إن كان كذا وكذا خيرًا لي في ديني، وخيرًا لي في معيشي، وخيرًا لي في عاقبةِ أمري، فاقدُرْه لي، وبارك لي فيه، وإن كان غير ذلك خيرًا لي فاقدُرْ لي الخير حيث ما كان، ورَضِّني بقدرك".
حسن: رواه ابن حبان (٨٨٦)، والبخاري في تاريخه (٤/ ٢٥٨)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٣٦٧)، والطبراني في الدعاء (١٣٠٦) كلهم من طرق عن ابن أبي فُديك، قال: حدثنا أبو المفضَّل بن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة فذكره واللفظ لابن حبان.
وابن أبي فديك هو: محمد بن إسماعيل من رواة الجماعة غير أنه "صدوق".
وأبو المفضل قال ابن حبان عقب الحديث: "اسمه شبل بن العلاء بن عبد الرحمن، مستقيم الأمر في الحديث".
стр. 1861
وقال في "الثقات" (٦/ ٤٥٢): "روي عن ابن أبي فديك بنسخة مستقيمة، حدثنا بها المفضل بن محمد العطار بأنطاكية، قال: حدثنا أحمد بن الوليد بن بُرْد الأنطاكي، قال: ثنا ابن أبي فديك، ثنا شبل بن العلاء، عن أبيه".
وإسناده حسن، وحسنه أيضًا الحافظ. انظر: "الفتوحات الربانية" (٣/ ٣٤٧) وهو شاهد الحديث جابر في أصل الاستخارة لا في كيفيتها، لأنه لم يذكر في هذا الحديث "فليركع ركعتين من غير الفريضة" وإنما ذكر ذلك في حديث جابر فقَيَّدُوا به.
وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : "من سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله له، ومن شقاوة ابن آدم تركُه استخارة الله، ومن شَقَاوةِ ابن آدم سخطُه بما قضى الله".
رواه الترمذي (٢١٥١) عن محمد بن بَشَّار، حدثنا أبو عامر، عن محمد بن أبي حُميد، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، عن سعد فذكره.
قال الترمذي: "حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن أبي حُميد، ويقال له أيضًا: حماد بن أبي حُميد، وهو أبو إبراهيم المدني، وليس هو بالقوي عند أهل الحديث".
ورواه أيضًا الإمام أحمد (١٤٤٤)، والحاكم (١/ ٥١٨) كلاهما من طريق محمد بن أبي حُميد وزاد فيه: "ومن سعادة ابن آدم استخارتُه الله".
قال الحاكم: "صحيح الإسناد".
وليس كما قال؛ فإن محمد بن أبي حُميد إبراهيم الأنصاري الزرقي أبو إبراهيم الذي قال فيه الترمذي: "ليس هو بالقوي عند أهل الحديث".
تكلم فيه نقاد الحديث منهم الإمام أحمد وابن معين والبخاري وأبو زرعة والنسائي وأبو داود والدارقطني وخلق، والذهبي نفسه قال في "الكاشف": "ضَعَّفُوه".
وفي الباب عن أبي سعيد الخُدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أراد أحدكم أمْرًا فليقُل: اللَّهم إني أَستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علَّامُ الغيوب، اللَّهم إن كان كذا وكذا -للأمر الذي يريد- خيرًا لي في ديني ومَعيشتي وعاقبة أمري، فاقدرُه لي، ويسِّره لي، وأعنّي عليه، وإن كان كذا وكذا -للأمر الذي يُريد- شرًّا لي في ديني ومَعيشتي وعاقبة أمري فاصرِفه عَنِّي، ثم اقدُرْ لي الخير أينما كان، لا حول ولا قوة إلا بالله".
رواه ابن حبان (٨٨٥)، والبزار (٤/ ٥٦)، وأبو يعلى (١٣٤٢)، والطبراني (١٣٠٤) كلهم من طرق عن يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا أبي، عن ابن إسحاق قال: حدثني عيسي بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري فذكره.
وفيه عيسي بن عبد الله بن مالك قال ابن المديني: مجهول.
стр. 1862
ولكن ذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج حديثه في صحيحه. وهذا يؤكد توثيقه للمجاهيل كما قيل؛ ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول" أي حيث يتابع، إلا أنَّه لم يتابع فهو "لين الحديث".
وفي الباب عن أبي أيوب الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال له: "اكتُم الخِطبة، ثم توضأ فأحسن وُضوءَك، وصَلّ ما كتب الله لك، ثم احمدْ ربك ومجِّده، ثم قل: اللهم إنك تَقْدِرُ ولا أقْدِر، وتعلمُ ولا أعلمُ، أنت علَّامُ الغيوب، فإن رأيتَ لي في فُلانَة -تُسمِّيها باسمها- خيرًا في ديني ودُنيايَ وآخِرتي فاقدرها لي، وإن كان غيرُها خيرًا لي منها في ديني ودُنيايَ وآخِرتي فاقض لي بها". أو قال: "فاقدرها لي".
رواه الإمام أحمد (٢٣٥٩٦) عن حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الوليد بن أبي الوليد، عن أيوب بن خالد بن أبي أيوب الأنصاري، حدَّثه عن أبيه، عن جده أبي أيوب الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ فذكره.
وفيه ابن لهيعة وهو سيء الحفظ، ولكنه توبع، رواه الإمام أحمد (٢٣٥٩٧) عقب الحديث المذكور عن هارون، حدثنا ابن وهب، أخبرني حيوة، أن الوليد بن أبي الوليد أخبره فذكره بإسناده ومعناه.
وابن وهب هو عبد الله، ومن طريقه رواه ابن خزيمة (١٢٢٠)، وابن حبان (٤٠٤٠)، والحاكم (١/ ٣١٤، ٢/ ١٦٥).
قال الحاكم في الموضع الأول: "هذه سنهُ صلاةِ الاستخارةِ عزيزةٌ، تفرد بها أهلُ مصر، ورواتُه عن آخرهم ثقات، ولم يُخرجاه".
وقال في الموضع الثاني: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
قلت: وفي تصحيحه نظر؛ فإن أيوب بن خالد وهو: ابن صفوان بن أوس بن جابر الأنصاري المدني، ويعرف بأيوب بن خالد بن أبي أيوب الأنصاري، وأبو أيوب جده لأمه عمرة بنت أبي أيوب الأنصاري لم يوثقه غير ابن حبان، وكان يحيى بن سعيد ونظراؤه لا يكتبون حديثه.
وقال فيه الحافظ: "فيه لين".
وأبوه خالد مجهول، انفرد ابنه بالرواية عنه.
وأما الوليد بن أبي الوليد، وهو أبو عثمان المدني وإن قال فيه الحافظ: "لين الحديث" فالصواب أنه ثقة، وثقه أبو زُرعة، كما في "الجرح والتعديل"، والذهبي في "الكاشف".
وفي الباب أحاديث أخرى أيضًا عن ابن مسعود وابن عباسٍ وغيرهما، ولكن لا يخلو شيءٌ منها من مقالٍ. إلا أن بعض أهل العلم نقلوا تصحيح ابن حبان والحاكم وأقروه، وجعلوها شواهد لحديث جابر، انظر "فتح الباري" (١١/ ١٨٤)؛ لأن الإمام أحمد تكلم في عبد الرحمن بن أبي الموال الذي روى عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله حديث الاستخارة فقال: "روي عن محمد بن المنكدر حديث الاستخارة، وليس أحد يرويه غيره، وهو منكر الحديث" ذكره ابن عدي
стр. 1863
في الكامل (٤/ ١٦١٦)، وساق لعبد الرحمن أحاديث وقال: "هو مستقيم الحديث، والذي أُنكر عليه حديث الاستخارة وقد رواه غير واحد من الصحابة كما رواه ابن أبي الموال". قال الحافظ: يريد أن للحديث شواهد، ثم ذكر بعض تلكَ الشواهد.
قلت: ولعلَّ المراد بالمنكر هنا تفرد عبد الرحمن بن أبي الموال، عن محمد بن المنكدر؛ لأن الإمام أحمد يستعمل كلمة "منكر" للتفرد أحيانًا ولو كان المتفرد ثقة، وإلا فالحديث صحيح، لأن عبد الرحمن بن أبي الموال وثَّقه ابن معين وابن المديني وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم فلا يضر تفرده، كما هو مقرر في علوم الحديث.
وأما كونه يكرر الاستخارة سبع مرات حتى ينشرح صدره فلم يثبت.
وما رُوي فيه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أنس! إذا هممتَ بأمر فاستخر ربَّك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك، فإن الخير فيه" فهو ضعيف.
رواه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٥٩٨) عن أبي العباس بن قتيبة العسقلاني، حدثنا عبيد الله بن الحميري، ثنا إبراهيم بن البراء بن النضر بن أنس بن مالك، ثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه قال: (فذكر الحديث).
قال النووي في "الأذكار" (٣٥٨): "إسناده غريب، فإن فيه من لا نعرفهم".
قلت: وفيه إبراهيم بن البراء بن النضر وهو ضعيف جدًّا. قال ابن عدي: "إبراهيم بن البراء هذا أحاديثه التي ذكرتها، وما لم أذكرها كلها مناكير موضوعة، ومن اعتبر حديثه علم أنه ضعيف جدًّا، وهو متروك الحديث" الكامل (١/ ٢٥٤).
والراوي عنه عبيد الله بن الحميري لا يعرف من هو؛ ولذا قال الحافظ ابن حجر: إسناده واه جدًّا.
وأما ماذا يفعل المستخير بعد الاستخارة؟ فللعلماء فيه رأيان:
الأول: يفعل ما بدا له، ويختار أي جانب شاء من الفعل والترك وإن لم ينشرح صدره لشيء منهما، فإن فيما يفعله فيه خير ونفع فلا يوفق إلا لجانب الخير.
والثاني: يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح له صدره حتى أنه يستحب له تكرار الصلاة والدعاء في الأمر الواحد إذا لم يظهر له وجه الصواب. وهو اختبار النووي في "الأذكار".
وقد رجّح الشوكاني وغيره الرأي الأول، فقال: "فلا ينبغي أن يعتمد على انشراح كان له فيه هوي قبل الاستخارة، بل ينبغي للمستخير ترك اختياره رأسًا، وإلا فلا يكون مستخيرًا لله، بل يكون مستخيرًا لهواه، وقد يكون غير صادق في طلب الخيرة، وفي التبري من العلم والقدرة وإثباتهما لله تعالى، فإذا صدق في ذلك تبرأ من الحول والقوة، ومن اختياره لنفسه". "النيل" (٢/ ٢٩٨).
وهو من ترجيحات شيخ الحديث عبيدالله الرحماني ﵀ في "المرعاة" (٤/ ٣٦٥) حيث قال: "والراجح عندي قول من ذهب إلى أنه يفعل المستخير بعد الاستخارة ما بدا له واتفق، فليس
стр. 1864
الأمر منوطا عندي على الانشراح أو الرؤيا؛ لأنه ليس في الحديث اشتراط انشراح النفس، ولا ذكر النوم بعد الاستخارة، واطلاع ما هو خير له في رؤياه" انتهى كلامه.
٢ - باب صلاة المريض
• عن أنس قال: سقط رسول الله ﷺ من فرس فخُدش -أو فجُحش- شِقُّه الأيمن. فدخلنا عليه نعودُه، فحضرتِ الصلاة فصلى قاعدًا فصلينا قعودًا وقال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد".
متفق عليه: رواه البخاري في تقصير الصلاة (١١١٤)، ومسلم في الصلاة (٤١١) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أنس بن مالك فذكره ولفظهما سواء، وسبق الحديث في جموع أبواب صلاة الجماعة، وفيه أحاديث أخرى.
• عن أنس بن مالك، قال: خرج رسول الله ﷺ على ناسٍ وهم يصلون قعودًا من مرض، فقال: "إن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم".
حسن: رواه ابن ماجه (١٢٣٠)، والنسائي في "الكبرى" (١٣٦٤)، والإمام أحمد (١٣٢٣٦، ١٣٥١٧)، وأبو يعلى (٤٣٣٦) كلهم من حديث عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد، عن أنس بن مالك، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد الله بن جعفر وهو ابن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة ليس به بأس، وهو من رجال مسلم.
وله إسناد آخر رواه الإمام أحمد (١٢٣٩٥)، وأبو يعلى (٣٥٨٢)، وعبد الرزاق (٤١٢١) كلهم من حديث ابن جريج، قال: قال ابن شهاب، أخبرني أنس بن مالك، قال: "قدم النبي ﷺ المدينة ... " فذكر الحديث. وفيه متابعة للإسناد الأول.
• عن عمران بن حصين -وكان مَبْسورًا- قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل قاعدًا فقال: "إن صلَّى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا، فله نصف أجر القائم، ومن صلَّى نائمًا فله نصف أجر القاعد".
وفي رواية قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: "صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب".
صحيح: رواه البخاري في تقصير الصلاة (١١١٦، ١١١٧) من طرق عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين فذكره.
قال البخاري: نائمًا عندي مضطجعًا هاهنا.
стр. 1865
وقوله: سألت النبي ﷺ عن الصلاة -يقصد به صلاة المريض-، لأنه كان مبسورًا، وقد جاء تصريح ذلك في رواية الترمذي (٣٧٢) قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة المريض فذكر الحديث.
قوله: "إن صلى قائمًا فهو أفضل" محمول على صلاة التطوع، لأن أداء الفرائض قاعدًا مع القدرة على القيام لا يجوز.
وقوله: "فإن لم يستطع فعلى جنب" محمول على صلاة المريض غير القادر على القيام، وهذا لا نقصان لأجره إن شاء الله تعالي.
قال سفيان الثوري في هذا الحديث: "من صلى جالسًا فله نصف أجر القائم" قال: هذا للصحيح، ولمن ليس له عذر "يعني في النوافل" فأما من كان له عذر من مرض أو غيره فصلي جالسًا فله مثل أجر القائم". انظر: الترمذي (٢/ ٢١٠).
قلت: ويشهد له ما ثبت في صحيح البخاري (٢٩٩٦) من حديث أبي موسى مرفوعًا: "إذا مرض العبد، أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا". انظر للمزيد: "المنة الكبري" (٢/ ١٥٩ - ١٦٣).
قال الحافظ في الفتح (٢/ ٥٨٨): "استدل به من قال: لا ينتقل المريض إلى القعود إلا بعد عدم القدرة على القيام. وقد حكاه عياض عن الشافعي. وعن مالك وأحمد وإسحاق: لا يشترط العدم، بل وجود المشقة. والمعروف عند الشافعية أن المراد بنفي الاستطاعة وجود المشقة الشديدة بالقيام، أو خوف زيادة المرض، أو الهلاك، ولا يكتفي بأدني مشقة. ومن المشقة الشديدة دوران الرأس في حق راكب السفينة، وخوف الغرق إن صلى قائمًا فيها" انتهى.
وقال: "ويدل للجمهور حديث ابن عباس عند الطبراني بلفظ: "يصلي قائمًا، فإن نالته مشقة فجالسًا، فإن نالته مشقة صلي نائمًا" الحديث فاعتبر في الحالين وجود المشقة ولم يفرق" انتهي.
قلت: حديث الطبراني في "الأوسط" (٤٠٠٩) عن علي بن سعيد الرازي، قال: حدثنا محمد ابن يحيى بن فياض الزماني، قال: حدثنا حُليس بن محمد الضُّبعي، قال: حدثنا ابن جريج، عن عطاء ونافع، عن ابن عباس مرفوعًا.
وتتمة الحديث: "يومئُ برأسه، فإن نالته مشقة سبَّح".
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن ابن جريج إلا جليس، تفرد به محمد بن يحيى بن فياض".
قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ١٤٩) بعد أن نقل كلام الطبراني: ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات".
قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٢٢٧): "في إسناده ضعف" وسكت عليه في الفتح.
• عن عائشة قالت: رأيت النبي ﷺ يصلي متربعًا.
صحيح: رواه النسائي (١٦٦٢) عن هارون بن عبد الله قال: حدثنا أبو داود الحفري، عن
стр. 1866
حفص، عن حُميد، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة فذكرته.
قال النسائي: "لا أعلم أحدًا روي هذا الحديث غير أبي داود وهو ثقة، ولا أحسب هذا الحديث إلا خطأ" انتهي.
قلت: ومن هذا الوجه رواه أيضًا ابن خزيمة في صحيحه (٩٧٨، ١٢٣٨).
فلا يجوز تخطئة الثقات بالظن، فإن أبا داود الحفري هو: عمر بن سعد بن عبيد الحَفري ثقة عابد، وثَّقَه ابن معين وأبو داود وغيرهما، وقد تابعه محمد بن سعيد بن الأصبهاني عند البيهقي (٢/ ٣٠٥) فرواه عن حفص وهو: ابن غياث به مثله.
وأما قول الحافظ ابن حجر: "قد رواه ابن خزيمة والبيهقي من طريق محمد بن سعيد بن الأصبهاني متابعة أبي داود، فظهر أنه لا خطأ فيه".
فالظّاهر أنه وقع وهم من الحافظ، فإن ابن خزيمة رواه من طريق أبي داود الحفري وهو عمر بن سعد، وإنما الذي رواه من طريق محمد بن سعيد بن الأصبهاني هو البيهقي وحده، فتنبه، وسبق تخريجه بالتفصيل في جموع أبواب صلاة الليل.
• عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من استطاع منكم أن يسجد فليسجدْ، ومن لم يستطعْ فلا يرفعْ إلى جبهِته شيئًا يسجُد عليه، ولكن ركوعُه وسجوده يؤمِئُ برأسه".
حسن: رواه الطبراني في الأوسط (٧٠٨٥) عن محمد بن عبد الله بن بكر، قال: حدثنا سُريج بن يُونس، قال: حدثنا قُرَّان بن تَمام، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع فذكره.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عبيدالله بن عمر إلا قُرَّان بن تمَّام، تفرد به سُريج بن يونس".
قلت: قُرَّان -بضم أوله، وتشديد الراء- ابن تمَّام الأسدي الكوفي وثقه أحمد وابن معين والدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات فمثله يحسن حديثه.
ولا يضر تفرد سُريج بن يونس، وهو أبو الحارث البغدادي فإنه ثقة عابد من رجال الشيخين، ولذا قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ١٤٩): "ورجاله موثقون، ليس فيهم كلام يضر".
ولا يُعل هذا ما جاء عن ابن عمر موقوفًا، رواه مالك وجماعة عن نافع، لأن هذا لا يمنع من صحة الرفع، لأن رواته ثقات.
• عن ابن عمر قال: عاد رسول الله ﷺ رجلًا من أصحابه مريضًا، وأنا معه فدخل عليه وهو يُصَلِّي على عود، فوضع جبهته على العود، فأومأ إليه فطرح العود، وأخذ وسادةً، فقال له رسول الله ﷺ : "دعها عنك إن استطعت أن تسجد على الأرض وإلا فأومئ إيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك".
حسن: رواه الطبراني في "الكبير" (١٢/ ٢٦٩، ٢٧٠) عن عبد الله بن أحمد، قال: حدثني شباب
стр. 1867
العصفري، ثنا سهل أبو عتاب، ثنا حفص بن سليمان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن ابن عمر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل شباب -وهو خليفة بن خياط العصفري أبو عمرو البصريّ- وشباب لقبه، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وشيخه سهل هو ابن حماد البصري أبو عتّاب "صدوق" كما في "التقريب".
وحفص بن سليمان هو المنقري التميمي البصريّ، "ثقة" كما في "التقريب".
لكن خلّط الهيثمي بينه وبين غيره فقال في "المجمع" (٢/ ١٤٨): "هو متروك، واختلفت الرواية عن أحمد في توثيقه، والصحيح أنه ضعّفه".
والصواب أنه لم يضعّف المنقري، بل قال: "هو صالح" وإنما اختلفت روايته في حفص بن سليمان الأسدي الغاضري وهو ضعيف باتفاق أهل العلم. وقال في "التقريب": "متروك الحديث مع إمامته في القراءة".
وأمَّا ما رُوي عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ أنه قال: "يُصلي المريض قائمًا إن استطاع، فإن لم يستطع صلى قاعدًا، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ، وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يُصلي قاعدًا صلَّى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع أن يُصلي على جنبه الأيمن صلي مستلقيًا رجلاه مما تلى القبلة".
فهو ضعيف، رواه الدارقطني (٢/ ٤٢) من طريق الحسين بن زيد بن الحكم الجبري، ثنا حسن ابن حسين العُرني، ثنا حسين بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن حسين، عن الحسين بن علي، عن علي بن أبي طالب فذكره.
وفيه حسن بن حسين العُرني قال ابن عدي: "له أحاديث مناكير، ولا يُشبه حديثه حديث الثقات"، وقال ابن كثير: "هو شيعي ضعيف". "إرشاد الفقيه" (١/ ١٨٠).
وفيه أيضًا حسين بن زيد ضعَّفه ابن معين وغيره، يقول ابن عدي: "وأرجو أنه لا بأس به، إلا أني وجدتُ في حديثه النكرةَ".
وقال النووي: "هذا حديث ضعيف".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن جابر أن النبي ﷺ عاد مريضًا، فرآه يصلي على وسادة، فأخذها فرمي بها، وأخذ عودًا ليصلي عليه فأخذه فرمي به، وقال: "صلِّ على الأرض إن استطعت وإلا فأومئ إيماءً، واجعل سجودَك أخفض من ركوعك" رواه البزار "كشف الأستار" (٥٦٨) والبيهقي (٢/ ٣٠٦) من طريق أبي بكر الحنفي، ثنا سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر فذكر الحديث.
وقد سُئل أبو حاتم عن هذا الحديث فقال: الصواب عن جابر موقوف، ورفعه خطأ، قيل له: فإن أبا أسامة قد روي عن الثوري هذا الحديث مرفوعًا، فقال: ليس بشيء".
стр. 1868
٣ - باب الرجل يعتمد على عمود وغيره في الصلاة
• عن هلال بن يساف، قال: قدمتُ الرقة، فقال لي بعضُ أصحابي: هل لك في رجل من أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: قلت: غنيمة. فدفعنا إلى وابصة. قلت لصاحبي: نبدأ فننظر إلى دلِّه، فإذا عليه قلنسوة لاطئة ذات أذنين، وبرنس خز أغبر، وإذا هو معتمد على عصا في صلاته. فقلنا بعد أن سلمنا. فقال: حدثتني أم قيس بنت محصن: "أن رسول الله ﷺ لما أسَنَّ وحمل اللَّحم، اتخذ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه".
حسن: رواه أبو داود (٩٤٨) عن عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي، حدثنا أبي، عن شيبان، عن حصين بن عبد الرحمن، عن هلال بن يساف، فذكره.
ورواه الحاكم (١/ ٢٦٤، ٢٦٥) من وجه آخر عن شيبان بن عبد الرحمن بإسناده. وقال: "صحيح على شرط الشيخين غير أنهما لم يخرجا لوابصة بن معبد لفساد الطريق إليه".
قلت: عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي لم يوثقه غير ابن حبان؛ ولذا قال الحافظ في "التقريب": "مقبول" أي عند المتابعة، وهو كذلك.
وأبوه عبد الرحمن وهو ابن صخر بن عبد الرحمن بن وابصة الرقي "مجهول" كما في "التقريب". وإليه يشير الحاكم في قوله: "لم يخرجا لوابصة بن معبد لفساد الطريق إليه". ولكن أخرجه هو من وجه آخر متابعًا لهما، وبهذا حسن إسناد هذا الحديث.
وفي الحديث دليل للمريض أو من ثقل جسمه من كثرة لحمه ويخشى من السقوط إذا قام جاز له أن يعتمد على عصا أو على حائط، أو على أي شيء يقيه من السقوط.
٤ - باب الصلاة في السفينة
• عن عبد الله بن عمر قال: سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة في السفينة فقال: كيف أصلي في السفينة؟ فقال: "صلِّ فيها قائمًا إلا أن تخاف الغرق".
حسن: رواه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٧٥) وعنه البيهقي (٣/ ١٥٥) من طريق محمد بن الحسن بن أبي الحنين (كذا عند البيهقي، وعند الحاكم محمد بن الحسين بن أبي الحسين) ثنا الفضل بن دُكين، ثنا جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر فذكر الحديث.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه وهو شاذ بمرة".
وقال البيهقي: "حديث أبي نعيم الفضل بن دكين حسن".
قلت: وهو كما قال فإن جعفر بن برقان وإن كان من رجال مسلم إلا أنه لا يرتقي إلى درجة الثقة، وإنما هو "صدوق" كما قال الحافظ في التقريب.
стр. 1869
وله إسناد آخر وفيه انقطاع كما قال البيهقي.
وأمَّا ما رواه الدارقطني (١/ ٣٩٥) من طريق بشر بن فافا، ثنا أبو نعيم بإسناده، ومن طريقه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/ ٤١٥) وقال: "بشر لا يعرف"، فهو ليس كما قال، بل بشر بن فافا ضعيف، ضعَّفه الدارقطني كما في "الميزان".
ورُوي هذا الحديث عن ابن عباس، رواه الدارقطني وفيه حسين بن علوان متروك، كما قال الدارقطني.
قلت: لم يثبت في هذا الباب شيء مرفوع غير ما ذكرته، وقد ثبت عن الصحابة أنهم صلوا في السفينة قيامًا وهم يقدرون على الخروج إلى البر كما رواه عبد الله بن أبي عتبة قال: صحبت جابر بن عبد الله وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة في سفينة فصلوا قيامًا في جماعة أمَّهم بعضُهم، وهم يقدرون على الجد" رواه ابن أبي شيبة (٦٥٦٤) وعبد الرزاق (٤٥٥٧)، والبيهقي (١/ ١٥٥).
ورواه البيهقي عن أنس بن مالك أنه كان إذا ركب السفينة فحضرتِ الصّلاة، والسفينة محبوسة صلى قائمًا، وإذا كانت تسير صلي قاعدًا في جماعة.
وفيه: جواز الصلاة في السفينة، وإن كان الخروج إلى البر ممكنا.
٥ - باب ما جاء في صلاة الحاجة
• عن عثمان بن حنيف: أن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: إن شئت دعوت لك، وإن شئتَ أخّرتُ ذاك فهو خير. فقال: ادعه، فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه، فتقضي الي، اللهم شّفعْه فيَّ.
صحيح: رواه الترمذي (٣٥٧٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٦٥٩)، وابن ماجه (١٣٥٨)، وأحمد (١٧٢٤٠)، وصحّحه ابن خزيمة (١٢١٩)، والحاكم (١/ ٥١٩) كلهم من طريق شعبة، عن أبي جعفر المدني، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن عثمان بن حنيف فذكره.
وإسناده صحيح، وأبو جعفر المدني هو: عمير بن يزيد بن عمير الخطمي، وقد اختلف عليه، والصحيح حديث شعبة كما قال أبو زرعة. علل ابن أبي حاتم (٢٠٦٤).
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو الخطمي".
وقال ابن ماجه: "قال أبو إسحاق: هذا حديث صحيح".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد".
стр. 1870
وقوله: "وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة" أي بدعاء نبيك كما يدل عليه بداية الحديث، فدعا له النبي ﷺ ، وعلمه هذا الدعاء، فعاد بصيرا، وهذا خاصٌّ بحياة النبي ﷺ .
وقوله: "اللَّهم شفّعه فيّ" أي تقبّل دعاء النبي ﷺ في حاجتي هذه.
وفي الباب ما رُوي عن عبد الله بن أبي أوفي، وابن عباس، وأنس، وأبي الدّرداء.
فأمّا حديث ابن أبي أوفي، فرواه الترمذي (٤٧٩)، وابن ماجه (١٣٨٤) كلاهما من طريق فائد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي أوفي، قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له إلى الله حاجة، أو إلى أحد من بني آدم فليتوضّأ فليحسن الوضوءَ، ثم ليصل ركعتين، ثم ليُثْنِ على الله، وليُصلِّ على النّبيِّ ﷺ ، ثم ليقلْ: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله ربّ العرش العظيم، الحمد لله ربّ العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كلّ بر، والسّلامة من كلّ إثم، لا تدعْ لي ذنبًا إلا غفرته، ولا همًّا إلا فرّجته، ولا حاجةً هي لك رضًا إلا قضيتها يا أرحم الرّاحمين".
واللّفظ للترمذيّ، ولم يذكر ابن ماجه قوله: "يا أرحم الرّاحمين". ولكنه زاد في آخر الحديث: "ثم يسأل الله من أمر الدّنيا والآخرة ما شاء فإنّه يُقَدَّر".
قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال؛ فائد بن عبد الرحمن يُضعَّف في الحديث، وفائد هو أبو الورقاء" انتهي.
قلت: بل فائد بن عبد الرحمن الكوفيّ أبو الورقاء ضعيف جدًّا، قال الحافظ في "التقريب": "متروك اتّهموه".
وأمّا قول الحاكم في "المستدرك" (١/ ٣٢٠): "فائد بن عبد الرحمن أبو الورقاء كوفيّ، عداده في التابعين، وقد رأيت جماعة من أعقابه، وهو مستقيم الحديث إلا أنّ الشيخين لم يخرجا عنه، وإنّما جعلتُ حديثه هذا شاهدًا لما تقدّم".
يعني شاهدًا لحديث ابن عباس في صلاة التسبيح فليس كما قال، ولذا تعقبه الذهبي فقال: "بل متروك".
وقد جاء في "التهذيب" عن الحاكم نفسه أنه قال: "روي عن ابن أبي أوفي أحاديث موضوعة". فلعله غفل عن هذا، فأتي بكلام متناقض، والخلاصة أن فائد بن عبد الرحمن ضعيف جدًّا كما قلت.
وأمّا حديث ابن عباس، فرواه الأصبهانيّ في "الترغيب" (١٢٨٠) من طريق محمد بن زكريا البصري، نا الحكم بن أسلم، نا أبو بكر بن عياش، عن أبي الحصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "جاء جبريل ﵇ بدعوات فقال: إذا نزل بك أمرٌ من أمر دنياك، فقدِّمْهنّ، ثم سلْ حاجتَك: يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا صريخ المتصرّخين، يا غياث المستغيثين، يا كاشف السّوء، يا أرحم الرّاحمين، يا مجيب دعوة
стр. 1871
المضطّرين، يا إله العالمين، بك أُنزل حاجتي، وأنت أعلم، فاقضِها".
وفيه محمد بن زكريا وهو الغلابيّ، قال الدارقطني في "الضعفاء والمتروكين" (٤٨٣): "يضع الحديث".
والحديث أورده المنذريّ في "الترغيب والترهيب" (١٠٣٠) وعزاه إلى الأصبهانيّ وقال: "وفي إسناده إسماعيل بن عياش، وله شواهد كثيرة".
قلت: إنما هو أبو بكر بن عياش، والتعليل بمحمد بن زكريا أولى وأمّا حديث أنس، فرواه أيضًا الأصبهاني (١٢٧٨) عن إسحاق بن الفيض، نا المضاء، حدّثني عبد العزيز، عن أنس، أنّ النّبيّ ﷺ قال: "يا على، ألا أُعلِّمُك دعاءً إذا أصابك غمٌّ أو هَمٌّ تدعو به ربَّك، فيُستجابَ لك بإذن الله، ويفرَّج عنك، توَضَّأ وصلِّ ركعتين، واحمد الله وأثْنِ عليه، وصلِّ على نبيِّك، واستغفرْ لنفسك وللمؤمنين والمؤمنات، ثم قلْ: اللَّهمّ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، لا إله إلا الله العليّ العظيم، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله ربّ السّماوات السّبع وربّ العرش العظيم، الحمد لله ربّ العالمين، اللَّهمَّ، كاشفَ الغمِّ، مُفرِّج الهمِّ، مجيب دعوة المضطرّين إذا دعوْكَ، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، فارْحمني في حاجتي هذه بقضائها ونجاحها، رحمةً تُغنيني بها عن رحمة مَنْ سواك".
وفيه رجال لا يعرفون، والمضاء هو ابن الجارود الدينوريّ، قال ابنُ أبي حاتم عن أبيه: "شيخ دينوري، ليس بمشهور، محلّه الصّدق".
وأورده المنذريّ في الترغيب والترهيب (١٢٧٨) وسكت عليه.
وأورده الشّوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص ٥٥) ونقل عن "اللآلي" تضعيف إسناد حديث أنس من ابن حجر، وقال: "وأخرجه الطبراني، وفي إسناده أبو معمر عباد بن عبد الصّمد ضعيف جدًّا". قال: "وللحديث طريق أخرى عن أنس في "مسند الفردوس" وفي إسناده أبو هاشم، واسمه: كثير بن عبد الله كأبي معمر في الضّعف وأشدّ". انتهى نقله من "اللآلي".
وأمّا حديث أبي الدّرداء، فرواه الإمام أحمد (٢٧٤٩٧) عن محمد بن بكر، قال: حدّثنا ميمون -يعني أبا محمد المرَائيّ التّميميّ-، قال: حدّثنا يحيى بن أبي كثير، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: صحبتُ أبا الدّرداء، أتعلَّمُ منه، فلما حضره الموت قال: آذِن النّاسَ بموتي، فآذنْتُ النّاسَ بموته، فجئتُ وقد مُلئَ الدّار وما سواه، قال: فقلت: قد آذنتُ النّاس بموتك، وقد مُلئ الدّار وما سواه. قال: أخرجوني، فأخرجناه. قال: اجلسوني. قال: فأجلسناه، قال: يا أيُّها النَّاس! إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من توضَّأ فأسبغ الوضوء، ثم صلّى ركعتين يُتِمُّهما، أعطاه الله ما سأل مُعجَّلًا أو مُؤخّرًا".
قال أبو الدّرداء: يا أيُّها النّاس! إيَّاكم والالتفات، فإنّه لا صلاةَ لملتفت، فإن غُلبتُمْ في التّطوُّع، فلا تُغْلبُنَّ في الفريضة".
стр. 1872
ففيه ميمون أبو محمد المرائي التميميّ لا يُعرف. قال عثمان الدارمي ليحيى بن معين: ميمون أبو محمد شيخ يروي عنه البرساني (وهو محمد بن بكر)؟ فقال: "لا أعرفه". قال ابن عدي بعد نقل هذا القول: "فعلى هذا يكون مجهولًا". وفي "الميزان": "لا يعرف أهو المرئي".
٦ - باب ما روي في صلاة التسبيح
رويت صلاة التسبيح عن عدة من الصحابة منهم ابن عباس وأبو رافع وعبد الله بن عمرو والفضل بن عباس وغيرهم ولكن لا يثبت منها شيء.
قال الإمام أحمد: ما تعجبني، قيل له: لم؟ قال: ليس فيها شيء يصح. ونفض يده كالمنكر. المغني (٢/ ٥٥١) وقال أبو جعفر العُقيلي: "ليس في صلاة التسبيح حديث يثبتُ". وقال ابن العربي: "ليس فيها حديث صحيح، ولا حسن". وبالغ ابن الجوزي فذكره في الموضوعات (٢/ ١٤٣).
وأمثل هذه الأحاديث حديث ابن عباس كما قال مسلم بن الحجاج وأبو بكر بن أبي داود عن
أبيه أبي داود وهو ما رواه أبو داود (١٢٩٧) وابن ماجه (١٣٨٧) كلاهما عن عبد الرحمن بن بِشْر بن
الحكم النيسابوري، حدثنا موسي بن عبد العزيز، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن
عباس أن رسول الله ﷺ قال للعباس بن عبد المطلب: "يا عبَّاس يا عمَّاه ألا أُعطيك؟ ألا أمنحك؟
ألا أحبوك؟ ألا أفعل بك، عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره قديمَه وحديثَه خطأه وعمده صغيره وكبيره سره وعلانيته، عشر خصال: أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة في أوَّل ركعة وأنت قائم قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشرًا، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرًا، ثم تهوي ساجدًا فتقولها وأنت ساجد عشرًا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرًا، ثم تسجد فتقولها عشرًا، ثم ترفع رأسك فتقولها عشرًا، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك في أربع ركعات، إن استطعت أن تُصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل قفي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة".
وأخرجه ابن خزيمة (١٢١٦)، والحاكم (١/ ٣١٨) من هذا الوجه وقال ابن خزيمة: "إن صحَّ الخبر فإنَّ في القلب من هذا الإسناد شيئًا".
قلت: في الإسناد موسي بن عبد العزيز وهو العَدَني أبو شُعيب القِنْباري "صدوق سيء الحفظ" كما في التقريب، وشيخه الحكم بن أبان "صدوق عابد له أوهام".
ثم اختلف في وصله وإرساله فرواه إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة مرسلًا ولم يقل فيه عن ابن عباس.
قال ابن خزيمة، حدثناه محمد بن رافع، نا إبراهيم بن الحكم به مرسلًا.
стр. 1873
قال البيهقي (٣/ ٥٢): "وكذلك رواه جماعة من المشهورين عن محمد بن رافع".
والمرسل أيضًا ضعيف فإن إبراهيم بن الحكم بن أبان ضعيف ثم اختلف عليه فرواه عنه محمد ابن رافع مرسلًا، ورواه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي عنه موصولًا ومن طريقه رواه الحاكم وقوَّاه.
والخلاصة: أنَّ إسناد هذا الحديث لا يزال في حاجة إلى عاضد وهو مع ضعفه أحسن شيء في هذا الباب كما سبق.
قال الحافظ في التلخيص (٢/ ٧): "والحق أن طرقه كلها ضعيفة، وإن كان حديث ابن عباس يقرب من شرط الحسن، إلا أنه شاذ لشدة الفردية فيه، وعدم المتابع والشاهد من وجه معتبر، ومخالفة هيئتها لهيئة باقي الصلوات، وموسي بن عبد العزيز وإن كان صادقًا صالحًا فلا. يُحتمل منه هذا التفرد. وقد ضعَّفها ابن تيمية، والمزي، وتوقف الذهبي، حكاه ابن الهادي عنهم في أحكامه"، انتهى.
وحديث أبي رافع رواه الترمذي (٤٨٢)، وابن ماجه (١٣٨٦) كلاهما من طريق زيد بن حُباب العُكْلِي، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني سعيد بن أبي سعيد مولى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبي رافع قال: قال رسول الله ﷺ للعباس: "يا عم! ألا أصِلُك، ألا أحْبُوك، ألا أنفعُك؟ " قال: بلى يا رسول الله! قال: "يا عم! " فذكر نحوه إلا أنه لم يذكر فيه "فإن لم تفعل ففي عمرك مرة".
قال الترمذي: "حديث غريب من حديث أبي رافع" وقال قبله في حديث أنس: "وقد روي عن النبي ﷺ غير واحد في صلاة التسبيح ولا يصح منه كبير شيء".
قلت: وأما في الإسناد المذكور فزيد بن حُباب "صدوق يخطئ" وشيخه موسي بن عبيدة "ضعيف" وشيخه سعيد بن أبي سعيد "مجهول".
وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فروي مرفوعًا وموقوفًا، فأما المرفوع فرواه أبو داود (١٢٩٨) وعنه البيهقي (٣/ ٥٢) عن رجل كانت له صحبة -يرون أنه عبد الله بن عمرو، قال: قال النبي ﷺ : "ائتِني غدًا أَحْبُوك وأُثيبك وأُعطيك" حتى ظننتُ أنه يُعطيني عطية، قال: "إذا زال النهار فقُم فصلُ أربع ركعات" فذكر نحوه (أي نحو حديث ابن عباس) قال: "ثم ترفع رأسك -يعني من السجدة الثانية- فاستوِ جالسًا، ولا تقم حتى تصبح عشرًا، وتحمد عشرًا، وتكبر عشرًا، وتهلل عشرًا، ثم تصنع ذلك في الأربع الركعات" قال: "فإنك لو كنت أعظم أهل الأرض ذنبًا غُفر لك بذلك" قلت: فإن لم أستطع أن أصليها تلك الساعة؟ قال: "صَلِّها من الليل والنهار".
رواه عن محمد بن سفيان الأبلي، حدثنا حبان بن هلال أبي حبيب، حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء قال: حدثني رجل كانت له صحبة يرون أنه عبد الله بن عمرو فذكره.
стр. 1874
وفيه عمرو بن مالك وهو: النُكري الراوي عن أبي الجوزاء ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٢٢٨) وقال: "يعتبر حديثُه من غير رواية ابنه عنه، يخطئ ويغرب".
قلت: وهو كما قال، فإنه أخطأ فيه، لأن غيره يرويه عن أبي الجوزاء موقوفًا، قال أبو داود: "رواه المستمر بن الريان، عن أبي الجوزاء، عن عبد الله بن عمرو موقوفًا، ورواه رَوح بن المسيب وجعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك النُكري، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قوله، وقال في حديث روح فقال: حديث النبي ﷺ "، انتهى.
وهذا كله من أوهام النكري، والمستمر بن الريان الأيادي من رجال مسلم وهو أوثق من النُكري، فلا تُقبل مخالفته له، ولذا وصفه الحافظ في التقريب بأنه "صدوق له أوهام". ووصف المستمر بن الريان بأنه "ثقة عابد".
ولكن ذكر البيهقي (٣/ ٥٢) فقال: رواه أبو جناب عن أبي الجوزاء، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ مرفوعًا غير أنه جعل التسبيح خمس عشرة مرة قبل القراءة وجعل ما بعد السجدة الثانية بعد القراءة.
قلت: أبو جناب هو: يحيى بن أبي حية ضعيف مدلس. قال الحافظ في التقريب: "ضعَّفوه لكثرة تدليسه" فلا تُقبل متابعته.
وفي الباب أحاديث أخرى لا يسلم منها شيء كما قال الترمذي وغيره، وعلى فرض صحة إسناد بعض هذه الأحاديث ففيها نكارة لاختلاف هيئتها كما قال الحافظ بن حجر وغيره.
وقد كثر الكلام في صلاة التسبيح فذهب أكثر المحققين إلى أنها بدعة، لم يثبت قولًا ولا فعلًا عن النبي ﷺ ولا عنِ الخلفاء الراشدين، ولا عن أحدٍ من الصحابة والتابعين، وإنما صلى بها بعض أتابع التابعين كما ذكره الحاكم (١/ ٣٢٩) منهم عبد الله بن المبارك كما ذكره البيهقي في "شعب الإيمان" وقال: "وتداولها الصالحون بعضهم عن بعض، وفيه تقوية للحديث المرفوع".
قلت: كذا قال رحمه الله تعالى. وفيه نظر، فإن عمل الصالحين لا يُقَوِّي الحديثَ الضعيفَ ولا يَشْرَعُ شيئًا جديدًا في الدين، والله المستعان، انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (٢/ ٤٢١).
وقد سئل الشيخ ابن باز ﵀ تعالي عن حديث صلاة التسبيح، فقال: "والصواب أنه ليس بصحيح؛ لأنه شاذ، ومنكر المتن، ومخالف للأحاديث الصحيحة المعروفة عن النبي ﷺ في صلاة النافلة، الصلاة التي شرعها الله لعباده في ركوعها وسجودها وغير ذلك؛ ولهذا الصواب: قول من قال بعدم صحته لما ذكرنا؛ ولأنّ أسانيدها كلها ضعيفة" "مجموع فتاويه" (١١/ ٤٢٦).
٧ - باب صلاة الرغائب
لم يثبت في صلاة الرغائب شيء، وأمَّا ما رُوي عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ ذكر صلاة الرغائب -وهي أول ليلة جمعة من رجب- فصلي ما بين المغرب
стр. 1875
والعشاء ثنتي عشرة ركعة بستّ تسليمات، كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة، والقدر ثلاثًا، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثنتي عشرة مرة، فإذا فرغ من صلاته قال: "اللهم صَلِّ على محمد النبي الأمي وعلى آله" -بعد ما يُسلم- سبعين مرة، ثم يسجد سجدة ويقول في سجوده: "سُبُّوح قُدُّوسٌ ربُّ الملائكة والروح"، سبعين مرة، ثم يرفع رأسه ويقول: "رب اغفر لي وارحم وتجاوزْ عما تعلم، إنك أنت العلي الأعظم" - وفي أخرى- الأعز الأكرم- سبعين مرة، ثم يسجد ويقول مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله -وهو ساجد- حاجته، فإن الله لا يرد سائله" فهو حديث موضوع.
قال ابن الأثير في "جامع الأصول" (٦/ ١٥٤): "هذا الحديث مما وجدته في كتاب رزين، ولم أجده في أحد من الكتب الستة، والحديث مطعون فيه" انتهى.
قلت: رزين هو: أبو الحسن رزين بن معاوية بن عمار الأندلسي المتوفي (سنة ٥٣٥ هـ) له تصانيف منها: كتاب "تجريد الصحاح" جمع فيه ما في "الخمسة" و "الموطأ" من الأحاديث الصحيحة، واستفاد منه ابن الأثير عند تأليفه "جامع الأصول في أحاديث الرسول" وذكر الزيادات التي وجدها في كتاب رزين. والحديث المذكور باسم "صلاة الرغائب" لم يكن معروفًا في القرون الثلاثة.
ويدل عليه ما قال العز بن عبد السلام: "ومما يدل على ابتداء هذه الصلاة، أن العلماء الذين هم أعلام الدين، وأئمة المسلمين، من الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين، وغيرهم ممن دوَّن الكتب في الشريعة، مع شدة حرصهم على تعليم الناس الفرائض والسنن، لم ينقل عن أحد منهم أنه ذكر هذه الصلاة، ولا دوَّنها في كتابه، ولا تعرض لها في مجالسه، والعادة تُحيل أن تكون مثل هذه سنة، وتغيب عن هؤلاء الذين هم أعلام الدين، وقدوة المؤمنين، وهم الذين إليهم الرجوع في جميع الأحكام من الفرائض والسنن، والحلال والحرام، وهذه الصلاة لا يصليها أهل المغرب الذين شهد رسول الله ﷺ لطائفة منهم أنهم لا يزالون على الحق حتي تقوم الساعة، ولذلك لا تُفعل بالإسكندرية لتمسكهم بالسنة، ولما صحَّ عند السلطان الملك الكامل ﵀ أنها من البدع المفتراة على رسول الله ﷺ أبطلها من الديار المصرية، فطوبى لمن تولي شيئًا من أمور المسلمين فأعان على إماتة البدع، وإحياء السنن" "المساجلة العلمية" (ص ٩، ١٠).
وقال النووي في "المجموع" (٤/ ٥٦): "الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب وهي ثنتي عشرة ركعة تصلي بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة في رجب، وصلاة ليلة نصف شعبان مائة ركعة، وهاتان الصلاتان بدعتان ومنكرتان قبيحتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب "قوت القلوب" (لأبي طالب مكي) و "إحياء علوم الدين" (للغزالي المتوفى سنة ٥٠٥ هـ) ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن كل ذلك باطل. ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة، فصنف ورقات في استحبابها، فإنه غالط في ذلك، وقد صنف الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي كتابًا
стр. 1876
نفيسًا في إبطالهما فأحسن فيه وأجاد ﵀" انتهى.
وقال نحو ذلك في "الخلاصة" (١/ ٢١٥ - ٢١٧) وزاد: "وقد قال النبي ﷺ : "إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة"، وقال ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" وهاتان محدثتان لا أصل لهما" انتهى.
وقال الحافظ ابن الصلاح: "هذه الصلاة شاعت بين الناس بعد المائة الرابعة، ولم تكن تعرف، وقد قيل: إن منشأها من بيت المقدس -صانها الله ﵎ والحديث الوارد بها بعينها وخصوصها ضعيف، ساقط الاسناد عند أهل الحديث، ثم منهم من يقول: هو موضوع، وذلك الذي نظنه. ومنهم من يقتصر على وصفه بالضعف، ولا يستفاد له صحة من ذكر رزين بن معاوية إياه في كتابه في "تجريد الصحاح"، ولا من ذكر صاحب كتاب "الإحياء" له فيه، واعتماده عليه، لكثرة ما فيهما من الحديث الضعيف، وإيراد رزين مثله في مثل كتابه من العجب" انتهى.
وقد جرتْ مساجلةٌ علميةٌ بين العِزّ بن عبد السلام وبين ابن الصلاح، فإن الأخير بعد ما ذكر بأن الصلاة المذكورة لم تشتهر إلا في القرن الرابع، وإن الحديث الوارد فيها موضوع قال: "ثم إنه لا يلزم من ضعف الحديث بطلان صلاة الرغائب والمنع منها، لأنها داخلة تحت مطلق الأمر الوارد في الكتاب والسنة بمطلق الصلاة، فهي إذا مستحبة بعمومات نصوص الشريعة الكثيرة الناطقة باستحباب مطلق الصلاة ... ثم ذكر بعض هذه الأحاديث.
وقد فَنَّد العز بن عبد اللام أدلة ابن الصلاح واحدة تلو أخرى ومما قال فيه: "أن تعاطي صلاة الرغائب يوقع العامة في أن يكذبوا على رسول الله ﷺ ، وينسبوه إلى أنه سنَّها بخصوصياتها فيكون متسببًا إلى الكذب على رسول الله ﷺ بخلاف الصلاة التي مثَّل بها". "المساجلة" (ص ٣٣).
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: هل صلاةُ الرغائب مستحبة أم لا؟ فأجاب: "هذه الصلاة لم يصلها النبي ﷺ ولا أحد من السلف، ولا الأئمة. ولا ذكروا لهذه الليلة فضيلة تخصها -والحديث المروي في ذلك عن النبي ﷺ كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بذلك، ولهذا قال المحققون: إنها مكروهة غير مستحبة" مجموع الفتاوي (١/ ١٤٩).
انظر للمزيد "مساجلة علمية بين الإمامَين الجليلين العز بن عبد السلام وابن الصلاح حول صلاة الرغائب المبتدعة".
٨ - باب ما روي في تحية البيت
رُوي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا دخلت منزلك فصل ركعتين تمنعانك مدخل السوء، وإذا خرجت من منزلك فصل ركعتين تمنعانك مخرج السوء" إلا أنه ضعيف.
رواه البزار في مسنده (١٥/ ١٨٧) والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٣٢٣) والأصبهاني في
стр. 1877
الترغيب والترهيب (٣/ ٣٠، ٣١) كلهم من طريق معاذ بن فضالة، عن يحيى بن أيوب، عن بكر بن عمرو، عن صفوان بن سليم، قال بكر: أحسبه عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره.
وفي الإسناد من العلل: الأولى: الشك من بكر في رفعه.
الثانية: بكر بن عمرو المعافري المصري لم توثقه أحد من النقاد، بل قال فيه ابن القطان: لا نعلم عدالته. وقال الحاكم: سألت الدارقطني عنه فقال: ينظر في أمره.
وأما ابن حبان فوثقه على قاعدته في توثيق من لم يعرف فيه جرح ولا تعديل.
الثالثة: ويحيى بن أيوب هو الغافقي، سيئ الحفظ كما قال أحمد. وقال ابن سعد: منكر الحديث. وقال الدارقطني: في بعض حديثه اضطراب. وفيه كلام آخر عن أئمة النقاد وإن كان بعضهم حسن الرأي فيه ولكن الغالب عليه الوهم والخطأ.
ولعل هذا مما أخطأ فيه، إنما المعروف أن النبي ﷺ إذا دخل البيت كان يصلي ركعتين أحيانا قضاء فجعله أمرا.
قال ابن رجب في "فتح الباري" (٣/ ٣١٦، ٣١٧) بعد أن ذكر حديث البزار: "في إسناده ضعف". وقال أيضًا: "روى الأوزاعي، عن عثمان بن أبي سودة، أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الأوابين" أو قال: "صلاة الأبرار ركعتان إذا دخلت بيتك، وركعتان إذا خرجت منه" وهذا مرسل.
ويروى عن هشام بن عروة، عن عائشة، قالت: ما دخل رسول الله ﷺ بيتي قط إلا صلي ركعتين. قال أبو بكر الأثرم: هو خطأ. كأنه يشير إلى أنه مختصر من حديث الصلاة بعد الصلاة" انتهى.
وفي معناه مراسيل أخرى، ولا يصح منها شيء. ثم إن هذا حكم لا يؤخذ إلا ممن عرفناهم، وقد قال العباس بن محمد: سمعت أحمد بن حنبل وسئل، وهو على باب أبي النضر هاشم بن القاسم، فقيل له: يا أبا عبد الله ما تقول في موسي بن عبيدة، وفي محمد بن إسحاق؟ قال: أما موسي بن عبيدة فلم يكن به بأس، ولكنه حدث بأحاديث مناكر عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، وأما محمد بن إسحاق فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث -كأنه يعني المغازي ونحوها- فأما إذا جاءك الحلال والحرام أردنا قومًا هكذا، وقبض أبو الفضل -يعني العباس- أصابع يده الأربع من كل يد، ولم يضم الإبهام.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: إذا روينا في الثواب والعقاب وفضائل الأعمال تساهلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام تشددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال.
وبكر بن عمرو ويحيى بن أيوب ممن لا يقبل تفردهما في حكم لم يعمل به في عهد الصحابة والتابعين.
وأما ما روي عن عبد الله بن رواحة أنه كان يصلي إذا دخل بيته، وإذا خرج، ففي إسناده نظر.
стр. 1878
جموع أبواب سجود التلاوة والشكر والآيات
١ - باب سجود التلاوة
• عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن، فيقرأُ سورةً فيها سَجدةٌ، فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجدُ بعضُنا موضعًا لمكان جبهته.
متفق عليه: رواه البخاري في سجود القرآن (١٠٧٥)، ومسلم في المساجد (٥٧٥) كلاهما من حديث يحيي بن سعيد، عن عبيدالله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر فذكره واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. ورواه مسلم من طريق محمد بن بشر، عن عبيد الله وزاد فيه: "في غير صلاة".
ورواه أبو داود (١٤١٣) من طريق عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبد الله بن عمر، عن نافع وزاد فيه:
"كبَّر وسجد وسجدنا معه".
قال عبد الرزاق: وكان الثوري يُعجبه هذا الحديث. قال أبو داود: يُعجبه لأنَّه كبَّر.
قلت: في إسناده عبد الله بن عمر وهو: ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب قال المنذري: "وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. وأخرج له مسلم مقرونًا بأخيه عبيدالله بن عمر".
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قرأ ابن آدم السَجْدةَ فسجد، اعتزل الشيطانُ يبكي، يقول: يا وَيْلَه أُمِر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرتُ بالسجود فأبيتُ فَلِي النارُ! ".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٨١) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكر الحديث وفي رواية "يا ويلي".
قوله: "يا ويلَه" أصله "يا ويلي" والمنادى المضاف إلى ياء المتكلم فيه خمسة أوجه، وهي كما قال ابن مالك ﵀: كعبدِ، عبدِي، عبدَ، عبدَا، عبدِيَ.
ويقال في "يا وَيَّلي": يا وَيْلِ، ويا وَيْلَ، ويا وَيْلا، ويا وَيْلِيَ، والصيغة الواردة في الحديث هي: "يا ويلَ" وقد اقترن بها هاء السكت فصار "يا ويلَه" كما في قوله "يا أُمَّهْ" الوارد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في الزهد (٣٠٠٥) على لسان غلام الراهب.
وأما قول النووي ﵀ في شرح مسلم فَيُفهم منه أن الهاء في "يا ويله" ضمير الغائب، وهي ليست كذلك، هذا ما أفادنا به الدكتور ف. عبد الرحيم.
стр. 1879
فقه الحديث:
اختلف أهل العلم في سجود التلاوة. فقال أبو حنيفة وأصحابه واجبٌ، وقال مالك والشافعي والأوزاعي والليث بأنه مسنونٌ وليس بواجبٍ.
وقد ثبت من الآثار أن عمر بن الخطاب قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدةَ نزل، فسجد، وسجد الناسُ، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيُّها الناس، إنَّا نَمُرُّ بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه. ولم يسجد عمر ﵁.
رواه البخاري في سجود القرآن (١٠٧٧) من طريق ابن جُريج قال: أخبرني أبو بكر بن أبي مليكة، عن عثمان بن عبد الرحمن التيمي، عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه حضر عمر بن الخطاب يوم الجمعة فذكره.
وزاد نافع عن ابن عمر: إن الله لم يفرِض السجود إلا أن نَشاءَ.
ورواه عبد الرزاق، عن ابن جريج به مثله: "مصنف عبد الرزاق" (٣/ ٣٤١).
قال ابن عبد البر: هذا عمر وابن عمر ولا مخالف لهما من الصحابة. فلا وجه لقول من أوجب سجود التلاوة فرضًا، لأن الله لم يوجبه ولا رسوله، ولا اتفق العلماء على وجوبه، والفرائض لا تثبت إلا من الوجوه التي ذكرنا، أو ما كان في معناه "الاستذكار" (٨/ ١٠٩).
وأما عدد السجود في القرآن الكريم فممَّا لا خلاف فيه هي عشرة: الأعراف، والرعد، والنحل، وبنو إسرائيل، ومرْيم، وأول سجدة في الحج، والفرقان، والنمل، والسجدة، وفُصلت.
واختلفوا في ﴿ص﴾ فقالوا: إنها توبة نَبِي، فسجد النبي ﷺ شكرًا لله.
كما اختلفوا أيضًا في السجدة الثانية في الحج والسجدات في المفصل (النجم والإنشاق والعلق) فذهب جمهور أهل العلم إلى أن فيها سجدة. واستدلوا بالأحاديث التي سوف تأتي
وأما من قال: ليس في المفصل سجود فاستدل بحديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحوَّل إلى المدينة.
رواه أبو داود (١٤٠٣) عن محمد بن رافع، حدثنا أزهر بن القاسم، قال محمد: رأيتُه بمكة، حدثنا أبو قدامة، عن مطر الوراق، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده ضعيف، أبو قُدامة اسمه: الحارث بن عبيد أيادي بصري لا يحتج بحديثه.
قال البيهقي (٢/ ٣١٢، ٣١٣): "هذا الحديث يدور على الحارث بن عبيد أبي قدامة الأيادي البصري، وقد ضعَّفه يحيى بن معين".
قلت: وقال الإمام أحمد: مضطرب الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه لا يحتج به، وقال النسائي: ليس بذاك القوي وقال ابن حبان: كان ممن كثُر وهمُه.
стр. 1880
وفيه أيضًا مطر الوراق وهو: ابن طهمان تكلم فيه النسائي وابن سعد، وقال ابن حبان: ربما أخطأ، ومشاه ابن معين والعجلي فالظاهر أنه أو الراوي عنه أخطأ في هذه الرواية، لأن أبا هريرة ممن أسلم عام خيبر، ويخبر أنه سجد مع النبي ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ﴾.
قال ابن خزيمة: "وتوهم بعض من لم يتبحَّر العلم أن خبر الحارث بن عبيد، عن مطر، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحوَّل إلى المدينة حجة من زعم أن لا سجود في المفصَّل، وهذا من الجنس الذي أَعلمت أن الشاهد من يشهد برؤية الشيء أو سماعه، لا من ينكره ويدفعه، وأبو هريرة قد أعلم أنَّه قد رأى النبي ﷺ قد سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ بعد تحوله إلى المدينة، إذ كانت صحبتُه إياه إنما كان بعد تحول النبي ﷺ إلى المدينة لا غير" انتهى.
وقال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٨/ ١٠٠): هذا حديث منكر، لأن أبا هريرة لم يصحبه إلا بالمدينة، وقد رآه يسجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وحديث مطر لم يرو عنه إلا أبو قدامة وليس بشيء.
وأما السجدة الثانية مع الأولى في سورة الحج فذهب إليه كثير من السلف منهم عمر بن الخطاب، روى مالك -ما جاء في سجود القرآن (١٣) - عن نافع مولى ابن عمر أن رجلًا من أهل مصر أخبره أن عمر بن الخطاب قرأ سورة الحج، فسجد فيها سجدتين، ثم قال: إن هذه السورة فُضِّلت بسجدتين.
قال الحاكم (٢/ ٣٩٠): وقد صحت الرواية فيه من قول عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وأبي موسى وأبي الدرداء وعمار ﵃". انتهى.
وبه قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود، قال أبو إسحاق السبيعي: "أردكت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين"، وبهذا يكون عدد السجدات عند الجمهور أربع عشرة سجدة، عشر كما سبق وثلاث في المفصل والسجدة الثانية في الحج.
وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما ليس في الحج إلا سجدة واحدة وهي الأُولى. وبه قال بعض التابعين مثل سعيد بن جبير والحسن البصري فيكون عندهم ثلاث عشرة سجدة إلا أن مالكًا لا يرى السجود أيضًا في المفصل فيكون عنده عشر سجدات.
٢ - باب من قال: لا يسجد المستمع إذا لم يسجد القارئ
• عن عطاء بن يسار أنه أخبره أنه سأل زيد بن ثابت فزعم أنه قرأ على النبي ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فلم يسجد فيها.
متفق عليه: رواه البخاري في سجود القرآن (١٠٧٢)، ومسلم في المساجد (٥٧٧) كلاهما من طريق يزيد بن خُصَيفة، عن يزيد بن عبد الله بن قُسيط، عن عطاء بن يسار فذكره ولفظهما سواء.
стр. 1881
ورواه البخاري (١٠٧٣) من حديث ابن أبي ذئب، عن يزيد بن عبد الله بن فسيط، عن عطاء بن
يسار، عن زيد بن ثابت قال: قرأت على النبي ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلم يسجد فيها.
قال أبو داود (١٤٠٥) كان زيد الإمام فلم يسجد فيها.
وقال البيهقي: ورُوِينا أنه ﷺ قال: "كنت إمامًا فلو سجدتَ سجدتُ معك" رواه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار مرسلًا، وقال: ورواه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة موصولًا، وإسحاق ضعيف. انتهى.
٣ - باب السجود في ﴿وَالنَّجْمِ﴾
• عن أبي إسحاق قال: سمعت الأسود، عن عبد الله بن مسعود قال: قرأ النبي ﷺ "النجم" بمكة، فسجد فيها وسجد معه، غير شيخ أخذ كفًّا من حصًى، أو ترابٍ فرفعه إلى جَبْهتِه وقال: يكفيني هذا. فرأيتُه بعد ذلك قُتل كافرًا.
متفق عليه: رواه البخاريّ في سجود القرآن (١٠٦٧)، ومسلم في المساجد (٥٧٦) كلاهما عن محمد بن بَشَّار، قال: حدثنا غندر (محمد بن جعفر) قال: حدثنا شُعبة، عن أبي إسحاق فذكره ولفظهما سواء.
• عن ابن عباس أن النبي ﷺ سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون، والجن والإنس.
صحيح: رواه البخاري في سجود القرآن (١٠٧١) وفي التفسير (٤٨٦٢) من طريقين عن عبد الوارث، قال: حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
قال البخاري: ورواه ابن طهمان عن أيوب.
قلت: هذه القصة وقعت في مكة كما قال ابن مسعود، وابن عباس لم يحضر القصّة لصغره، فأما أنه سمع من النبي ﷺ فيما بعد، أو من ابن مسعود، أو من غيرهما.
• عن أبي هريرة قال: إن النبي ﷺ قرأ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فسجد، وسجد الناس معه، إلا رجلين أرادا الشُّهرة.
حسن: رواه الإمام أحمد من وجهين: من طريق الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة (٨٠٣٤) والحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (٩٧١٢)، وإسناده حسن لأجل الحارث بن عبد الرحمن القرشي العامري فإنه "صدوق".
قال الهيثمي في "المجمع": "رواه الطبراني في الكبير وأحمد، ورجاله ثقات".
قلت: وأحد الرجلين الذين لم يسجدا هو: أمية بن خلف، وقتل كافرًا، والرجل الثاني لعله المطلب بن أبي وداعة فإنه قال: قرأ النبي ﷺ بمكة "سورة النجم" فسجد، وسجد من عنده،
стр. 1882
فرفعتُ رأسي وأبيت أن أسجد -ولم يكن يومئذ أسلم المطلب رواه النسائي (٩٥٨) من طريق الإمام أحمد، وهو في المسند (١٥٤٦٥) عن إبراهيم بن خالد، حدثنا رَباح، عن معمر، عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن جعفر بن المطلب بن أبي وداعة السهمي فذكره.
وزاد الإمام أحمد: "وكان بعد لا يسمع أحدًا قراها إلا سجد".
وفي إسناده جعفر بن المطلب لم يوثقه غير ابن حبان، ولذا قال فيه الحافظ في التقريب: "مقبول" أي إذا توبع وإلا فلين الحديث.
وأما ما رواه عبد الرزاق في مصنفه (٥٨٨١) وعنه الإمام أحمد (١٥٤٦٤)، والطبراني في "الكبير" (٢/ ٦٧٩)، والبيهقي (٢/ ٣١٤) عن معمر، عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد عن المطلب بن أبي وداعة فقيه انقطاع. فإن عكرمة بن خالد لم يسمع من المطلب بن أبي وداعة وإنما سمع بواسطة ولده جعفر كما سبق.
٤ - باب السجود في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ﴾
• عن أبي هريرة قال: سجدنا مع النبي ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ﴾.
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٧٨/ ١٠٨) من طرق عن سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة فذكره.
رواه أبو داود (١٤٠٧) من طريق سفيان به مثله.
وقال أبو داود: أسلم أبو هريرة سنة ست عام خيبر، وهذا السجود من رسول الله ﷺ آخر فعله.
• عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قرأ لهم: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد فيها. فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله ﷺ سجد فيها.
متفق عليه: رواه مالك في القرآن (١٢) عن عبد الله بن يزيد مولي الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن فذكره.
ورواه مسلم في المساجد (٥٧٨) من طريق مالك، به فذكره.
ورواه الشيخان، البخاري في سجود القرآن (١٠٧٤) ومسلم كلاهما من طريق هشام (الدستوائي) عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: رأيتُ أبا هريرة قرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد بها، فقلت: يا أبا هريرة ألم أرك تسجدُ؟ قال: لو لم أر النبي ﷺ يسجد لم أسجد. واللفظ للبخاري، وأما مسلم فأحال على لفظ مالك.
وقول أبي سلمة: ألم أرك تَسجد؟ قيل هو: استفهام إنكار من أبي سلمة، وهو يُشعر بأن العمل استمر على خلاف ذلك، وقد ثبت أيضًا عن أبي رافع -وهو نُفَيع الصائغ المدني، نزيل البصرة، المشهور بكنيته، من كبار التابعين- إنكاره على أبي هريرة، كما سيأتي في الحديث الذي بعده ولكن
стр. 1883
لما أعلم أبو هريرة أبا سلمة وأبا رافع السنة في المسألة سكتا، ولم يحتجا عليه بالعمل على خلافه.
٥ - باب قراءة آية السجدة في الفريضة
• عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد، فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم، ﷺ فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٧٦٦, ٧٦٨)، وفي تقصير الصلاة (١٠٧٨)، ومسلم في المساجد (٥٧٨/ ١١٠) كلاهما من طرق عن معتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع (وهو الصائغ من كبار التابعين) فذكره.
وفي رواية "صليت خلف أبي القاسم ﷺ فسجد بها" أخرجها ابن خزيمة (٥٦١) من طريق آخر عن أبي الأشعث أحمد بن المقدام، عن معتمر بن سليمان به.
٦ - باب سجدة ﴿ص﴾ سجدة شكر لا تلاوة
• عن ابن عباس قال: ﴿ص﴾ ليس من عزائم السجود، وقد رأيتُ النبي ﷺ يسجد فيها.
صحيح: رواه البخاري في سجود القرآن (١٠٦٩) عن سليمان بن حرب وأبي النعمان قالا: حدثنا حماد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
• عن العوام بن حوشب قال: سألت مجاهدًا عن سجدة ﴿ص﴾ فقال: سألت ابن عباس: من أينَ سجدتَ؟ فقال: أو ما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فكان داودُ مِمنْ أُمِر نبيُّكم أن يقتدي به، فسجدها رسول الله ﷺ .
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٨٠٧) عن محمد بن عبد الله، حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي، عن العوَّام فذكره.
ورواه أيضًا (٤٨٠٦) من طريق شعبة، عن العوَّام وفيه: وكان ابن عباس يسجد فيها.
ورواه أيضًا في أحاديث الأنبياء (٣٤٢١) من طريق سهل بن يوسف قال: سمعت العوَّام وفيه: نبيُّكم مِمن أُمِر أن يقتدي بهم. ورواه ابن خزيمة (٥٥١) وعنه ابن حبان (٢٧٦٦) من طريق أبي خالد الأحمر، عن العوَّام وفيه: وكان داود سجد فيها، فلذلك سجد رسول الله ﷺ .
• عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال في سجدة ﴿ص﴾ "سجدها نبي الله داود توبةً، وسجدناها شكرًا".
стр. 1884
صحيح: رواه النسائي (٩٥٧) عن إبراهيم بن الحسن المقسمي، قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح.
ولكن أعله البيهقي (٢/ ٣١٩) بالإرسال فقال: روى الشافعي في القديم، عن سفيان بن عيينة، عن عمر بن ذر، عن أبيه، فذكر الحديث. وقال: "هذا هو المحفوظ مرسلًا، وقد رُوي عن عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موصولًا وليس بقوي" انتهى.
قلت: ليس كما قال، فإن الذي وصله هو الحجاج بن محمد وهو المصيصي الأعور أحد الأئمة الثقات الضابطين قال فيه الإمام أحمد: ما كان أضبطه وأشد تعاهده للحروف. ورفع أمرهُ جدًا فزيادة مثله مقبولة على قواعد المحدثين.
• عن أبي سعيد أنه قال: قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر ﴿ص﴾ فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدةَ تشزَّن الناس للسجود، فقال النبي ﷺ : "إنما هي توبةُ نَبِيٍّ، ولكني رأيتكم تشزَّنتُم للسجود" فنزل فسجد، وسجدوا.
حسن: رواه أبو داود (١٤١٠) عن أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو -يعني ابن الحارث- عن سعيد بن أبي هلال، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد فذكره.
وإسناده حسن لأجل سعيد بن أبي هلال فإنه حسن الحديث.
وصحّحه ابن خزيمة (١٤٥٥)، وابن حبان (٢٧٦٥)، والحاكم (٢/ ٤٣١ - ٤٣٣) كلهم من طريق سعيد بن أبي هلال، قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". وقال النووي في الخُلاصة (٢١٤٠): "سنده صحيح على شرط البخاري".
وقوله: "تشزَّن" بمثناة فوقه، وشين معجمة، وزاء مشدَّدة أي تهيَّأَ.
٧ - باب ما يقول في سجود القرآن
• عن عائشة قالت: كان رسولُ الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل: "سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصرَه بحوله وقوته".
صحيح: رواه الترمذي (٥٨٠)، والنسائي (١١٢٩) كلاهما من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن أبي العالية، عن عائشة فذكرته.
وإسناده صحيح، قال الترمذي: "حسن صحيح".
ورواه الحاكم (١/ ٢٢٠) وقال: "صحيح على شرط الشيخين". وزاد الحاكم: "فتبارك الله أحسن الخالقين".
وأما ما رواه أبو داود (١٤١٤) من طريق إسماعيل -وهو ابن علية- عن خالد الحذاء، عن
стр. 1885
رجل، عن أبي العالية، فجعل بين خالد وأبي العالية "الواسطة برجل مبهم" فهو مرجوح، والراجح ما رواه عبد الوهاب الثقفي، وتابعه جماعة من الثقات فرووا الحديث بدون الواسطة، فروايتهم ترجح على رواية إسماعيل ابن علية.
وأبو العالية: اسمه: رُفَيع بن مهران الرياحي مولاهم البصري، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد وفاة النبي ﷺ بسنتين مجمع على ثقته، قال ابن عدي: "له أحاديث صالحة، وأكثر ما نقم عليه حديث الضحك في الصلاة، وكل من رواه غيره فإنما مدارهم ورجوعهم إلى أبي العالية، والحديث له، وبه يعرف، ومن أجله تكلموا فيه، وسائر أحاديثه مستقيمة صالحة" انتهى. وهو من رجال الجماعة. وأما ما رُوي عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني رأيتُ في الليلة فيما يَرى النائم كأني أصَلِّي خلْف شجرة، فرأيتُ كأني قَرأْتُ سجدةً، فرأيتُ الشجرة كأنها تسجد لسجودي، فسمعتُها وهي تقول: "اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، وضع عَنِّي بها وِزرًا، واجعلها لي عندك ذُخْرًا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود".
قال ابن عباس: "فقرأ النبي ﷺ سجدةً ثم سجد، فسمعتُه وهو يقول مثل ما أخبر الرجل عن قول الشجرة" فهو ضعيف.
رواه الترمذي (٥٧٩)، وابن ماجه (١٠٥٣) كلاهما من طريق محمد بن يزيد بن خُنيس، قال: حدثني حسن بن محمد بن عبد الله بن أبي يزيد، قال: قال لي ابن جريج: يا حسن حَدَّثَني جدُّك عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس فذكره.
قال الترمذي: "حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه"
ورواه ابن خزيمة (٥٦٢)، وابن حبان (٢٧٦٨)، والحاكم (١/ ٢١٩، ٢٢٠) كلهم من هذا الوجه. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح رواته مكيون لم يذكر واحد منهم بجرح، وهو من شرط الصحيح ولم يخرجاه".
قلت: الحسن بن محمد بن عبيد الله لم يرو عن غير ابن جريج، ولم يرو عنه غير محمد بن يزيد ابن خُنيس.
قال العقيلي في "الضعفاء" (١/ ٢٤٣): لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به، وقال الذهبي في "الميزان": وقال غيره -يعني العقيلي-: فيه جهالة، ما رَوى عنه سوى ابن خُنيس.
ومحمد بن يزيد بن خُنَيس لم يوثقه غير ابن حبان إلَّا قول أبي حاتم فيه، كان شيخًا صالحًا، ولذا جعله الحافظ في مرتبة "مقبول" أي حيث يتابع، ولكنه لم يتابع فهو "ليِّنُ الحديث".
٨ - باب سجود الشكر
• عن كعب بن مالك قال: بينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرض بما رَحُبَتْ، سمعت صوت صارخ أوْفَى على
стр. 1886
جبل سَلْعٍ بأعلى صوته: يا كعب بن مالك! أبْشِر. قال: فخررتُ ساجدًا.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤١٨)، ومسلم في التوبة (٢٧٦٩) كلاهما من حديث الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك -وكان قائد كعب من بنيه حين عمي- قال: سمعت كعب بن مالك يحدث فذكر قصة تخلفه عن تبوك وقصة قبول توبته بطولها وستأتي في كتاب المغازي.
• عن أبي بكرة، أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمر يُسَرُّ به خرَّ ساجدًا.
حسن: رواه أبو داود (٢٧٧٤)، والترمذي (١٥٧٨)، وابن ماجه (١٣٩٤) كلهم من طريق أبي عاصم، عن بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه، عن جده أبي بكرة فذكره.
وبكار بن عبد العزيز مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، ولم يأت بما ينكر عليه، ولحديثه أصل ثابت، ولذا قال فيه ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. انظر: "الكامل" (٢/ ٤٧٥).
• عن البراء بن عازب قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه، ثم إن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب وأمره أن يُقْفِلَ خالدًا ومن كان معه، إلا رجل ممن كان مع خالد أحب أن يُعَقِّبَ مع على فليعقب معه، قال البراء: فكنت ممن عقب معه، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا فصلى بنا علي ﵁ وصفنا صفًّا واحدًا، ثم تقدم بين أيدينا، فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ ، فأسلمتْ همدان جميعًا، فكتب علي إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خرَّ ساجدًا، ثم رفع رأسه فقال: "السلام على همدان، السلام على همدان".
صحيح: رواه البيهقي (٢/ ٣٦٩) من طرق عن أبي عبيدة بن أبي السفر، قال: سمعت إبراهيم ابن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن البراء، فذكره.
وقال البيهقي: أخرج البخاري صدر هذا الحديث عن أحمد بن عثمان، عن شريح بن مسلمة، عن إبراهيم بن يوسف فلم يسقه بتمامه، وسجود الشكر في تمام الحديث صحيح على شرطه. انتهى.
قلت: وهو كما قال، فإنّ البخاري أخرج هذا الحديث في كتاب المغازي (٤٣٤٩) وفيه يقول البراء: بعثنا رسول الله ﷺ مع خالد بن الوليد إلى اليمن، قال: ثم بعث عليًّا بعد ذلك مكانه فقال: "مُر أصحاب خالد من شاء منهم أن يُعقِّب معك فليعقِّبْ، ومن شاء فَلْيُقْفِلْ" فكنت فيمن عقَّب معه، قال: فغنمتُ أواق ذوات عدد. انتهى.
وهذا مما انفرد به البخاري من هذا الوجه وليس فيه ذكر لسجود الشكر.
ومن المعروف أن من عادة البخاري أنه يجزّئُ الحديث الطويل في مواضع في كتابه حسب
стр. 1887
التبويب، إلا أنه لم يذكر هذا الحديث بكامله في موضع آخر إلا هذا الجزء الذي ذكرته.
وقد صحَّح المنذري حديث البراء فقال: "وقد جاء حديث سجدة الشكر من حديث البراء بإسناد صحيح، ومن حديث كعب بن مالك وغير ذلك".
وفي معناه ما رُوي عن أنس أن النبي ﷺ بُشِّر بحاجة فخرَّ ساجدًا.
رواه ابن ماجه (١٣٩٢) من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد بن عبدة السهمي، عن أنس فذكره.
وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وبه ضعَّفه البوصيري في الزوائد، ولم أقف على رواية العبادلة وقتيبة بن سعيد لهذا الحديث عنه.
وفي معناه أيضا ما رُوي عن سعد بن أبي وقاص قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من مكة نريد المدينة، فلما كنا قريبًا من عَزْوَرَ نزل، ثم رفع يديه فدعا الله ساعة، ثم خرَّ ساجدًا، فمكث طويلًا. ثم قام فرفع يديه ساعة ثم خرَّ ساجدًا، قال: "إني سألت ربي، وشَفَعْتُ لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجدًا شكرًا لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فخررتُ ساجدًا لربي شكرًا، ثم رفعتُ رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الآخر، فخررتُ ساجدًا لربي".
أخرجه أبو داود (٢٧٧٥) عن أحمد بن صالح، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني موسى بن يعقوب، عن ابن عثمان -قال أبو داود: وهو يحيي بن الحسن-، عن الأشعث بن إسحاق بن سعد، عن عامر بن سعد، عن أبيه فذكره.
قال أبو داود: أشعث بن إسحاق أسقطه أحمد بن صالح حين حدثنا به، فحدثني به عنه موسى ابن سهل الرملي.
وابن عثمان هو: يحيي بن الحسن بن عثمان كما قال أبو داود، وهو "مجهول" لم يرو عنه إلا موسى بن يعقوب الزمعي، ولم يوثّقه أحدٌ إلا ابن حبان ذكره في الثقات، وشيخه أشعث بن إسحاق ابن سعد لم يوثقه أحد، وإنما ذكره ابن حبان في الثقات.
وفي معناه أيضا ما رُوي عن عبد الرحمن بن عوف قال: خرج رسول الله ﷺ فتوجه نحو صَدَقَتِه، فدخل، فاستقبل القبلة فخرَّ ساجدًا فأطال السجود حتى ظننتُ أن الله قبض نفسه فيها، فدنوت منه، ثم جلستُ، فرفع رأسه فقال: "من هذا؟ " قلت: عبد الرحمن، قال: "ما شأنك؟ " قلت: يا رسول الله! سجدت سجدةً خشيتُ أن يكون الله قد قبض نفسك فيها.
فقال: "إن جبريل ﵇ أتاني فبشَّرني فقال: إن الله يقول: من صلَّى عليك، صليتُ عليه، ومن سَلَّم عليك سلَّمتُ عليه، فسجدتُ لله شكرًا".
رواه الإمام أحمد (١٦٦٤) عن أبي سعيد مولى بني هاشم، حدثنا سليمان بن بلال، حدثنا عمرو
стр. 1888
ابن أبي عمرو، عن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الرحمن بن عوف فذكره.
ورواه الحاكم (١/ ٥٥٠) من طريق سليمان بن بلال وقال: "صحيح الإسناد" إلا أنه زاد بين عمرو بن أبي عمرو وبين عبد الواحد "عاصم بن عمر بن قتادة" وكذلك رواه البيهقي (٢/ ٣٧١) عن الحاكم.
والصواب أنه ضعيف الإسناد، فإن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف لم يوثقة غير ابن حبان. وذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" وكذلك البخاري في "التاريخ الكبير" ولم يقولا فيه شيئًا. فهو في عداد المجهولين. كما أنه لم يثبت سماعه من جده عبد الرحمن بن عوف.
وعمرو بن أبي عمرو -واسمه ميسرة- مولى المطلب وإن كان من رجال الجماعة إلا أنه مختلف فيه. فقال ابن معين: في حديثه ضعف، ليس بالقوي، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن حبان: ربما أخطأ يعتبر حديثه من رواية الثقات عنه، وقال الساجي: صدوق إلا أنه وهم وكذا قال الأزدي.
ومشّاه أحمد وأبو حاتم، وقال أبو زرعة: "ثقة".
قلت: فلعله وهم في إسناد هذا الحديث فمرة روى عن عبد الواحد، وأخرى عن عاصم بن عمر بن قتادة، عنه، وثالثة عن عبد الرحمن بن الحويرث، عن محمد بن جبير، عن عبد الرحمن بن عوف، فمثله لايؤمن عليه من الخطأ والوهم.
وفي معناه ما رُوي أيضا عن أبي جعفر: أن النبي ﷺ رأى رجلًا من النُّغَّاشين فخرَّ ساجدًا.
رواه الدارقطني عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر وهو مرسل، وجابر الجعفي فيه كلام مشهور، ورواه البيهقي (٢/ ٣٧١) وزاد: أن اسم الرجل "زنيم".
وقوله: "النُّغَّاشين" -النُّغَّاش- بضم النون وبالغين والشين القصير، وهو الناقص الخلقة, الضعيف الحركة.
قال البيهقي: "وفي الباب أيضًا عن جابر بن عبد الله، وجرير بن عبد الله بن عمر، وأبي جُحيفة عن النبي ﷺ ، وفيما ذكرناه كفاية عن رواية الضعفاء".
وقد ثبت سجود الشكر عن بعض أصحاب النبي ﷺ منها:
• عن طارق بن زياد قال: خرجنا مع علي إلى الخوارج، فقتلهم، ثم قال: انظروا فإن نبي الله ﷺ قال: "إنه سيخرج قومٌ يتكلمون بالحق، لا يجوز حلقهم، يخرجون من الحق كما يخرج السهم من الرمية، سيماهم أن منهم رجلا أسود مُخْدج اليد في يده شعرات سود"، إن كان هو فقد قتلتم شرّ الناس، وإن لم يكن هو فقد قتلتم خير الناس، فبكينا، ثم قال: اطلبوا، فطلبنا، فوجدنا المخدج، فخررنا سجودًا، وخرَّ عليٌّ معنا ساجدًا.
стр. 1889
حسن: رواه أحمد (٨٤٨)، والبزار "كشف الأستار" (٨٩٧) كلاهما من طريق إسرائيل، ثنا إبراهيم بن عبد الأعلى، عن طارق بن زياد فذكره. واللفظ لأحمد، وذكره البزار مختصرا.
وإسناده حسن من أجل طارق بن زياد وهو من الكوفيين، وكان مع علي بن أبي طالب، ولم يتكلم فيه أحد بجرحٍ، وذكره ابن حبان في الثقات، وقد تابعه على هذه القصة أبو كثير مولى الأنصار قال: كنتُ مع سيدي مع علي بن أبي طالب حيث قتل أهل النهروان فذكر الحديث بنحوه.
رواه أحمد (٦٧٢) عن أبي سعيد مولى بني هاشم، حدثنا إسماعيل بن مسلم العبدي، حدثنا أبو كثير مولى الأنصار فذكره.
وأبو كثير هذا لا يعرف بجرحٍ، ولم يرو عنه سوى إسماعيل بن مسلم إلا أن الإسنادين يقوي أحدهما الآخر.
ورواه أيضا أبو موسى الهمداني قال: كنت مع علي بن أبي طالب يوم النهروان فقال: التمسوا ذا الثُدية، فالتمسوه، فجعلوا لا يجدونه، فجعل يعرق جبين علي بن أبي طالب، ويقول: والله ما كَذبتُ، ولا كُذبتُ فالتمسوه، قال: فوجدناه في ساقيةٍ، أو جدولٍ تحت القتلى، فأُتِيَ به عليًّا فخرَّ ساجدًا.
رواه عبد الرزاق (٥٩٦٢) عن الثوري، عن محمد بن قيس، عن أبي موسى فذكره.
ورواه البيهقي (٢/ ٣٧١) من وجه آخر عن سفيان الثوري نحوه.
وإسناده حسن، فإن محمد بن قيس وهو: الهمداني وثَّقه يحيى بن معين، وقال الإمام أحمد: صالح أرجو أن يكون ثقة.
ومنها: ما رُوي عن أبي بكر أنه لما أتاه فتح اليمامة سجد. رواه البيهقي (٢/ ٣٧١) من طريق أبي عون، عن رجل، أن أبا بكر فذكره. وفيه رجلٌ لم يُسمَّ.
ورواه عبد الرزاق (٥٩٦٣) عن الثوري، عن أبي سلمة، عن أبي عون قال: سجد أبو بكر حين جاءه فتح اليمامة. وأبو عون لم يدرك أبا بكر.
فقه هذا الباب:
هذه الأحاديث تدل على مشروعية سجود الشكر، من حصول نعمة، أو اندفاع بَلِيَّة، أو رؤية مبتلى بعلة أو معصية غير أنه لا يسجد في الصلاة. ويستحبُّ فيه الطهارة من الحدث، قياسًا على سجود التلاوة.
وأخرج البيهقي (٢/ ٣٢٥) عن ابن عمر أنه قال: "لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر".
٩ - باب السجود عند رؤية الآيات
• عن عكرمة قال: قيل لابن عباس: ماتت فلانة -بعض أزواج النبي ﷺ فخرَّ ساجدًا. فقيل له: أتسجد هذه الساعة؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم آية
стр. 1890
فاسجدوا" وأيُّ آية أعظم من ذهاب أزواج النبي ﷺ .
حسن: رواه أبو داود (١١٩٧)، والترمذي (٣٨٩١) كلاهما من طريق يحيي بن كثير العنبري أبو غسان، حدثنا سَلْم بن جعفر -وكان ثقة (كذا في الترمذي) -، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
قلت: وهو كما قال فإن سلْم بن جعفر وشيخه الحكم بن أبان لا يرتقيان إلى درجة "ثقة" كما أنهما لا ينزلان عن درجة "صدوق" وإن كان الأزدي قد تكلم في سلْم بن جعفر بدون حجة كما قال الحافظ، وأما الحكم بن أبان ففيه كلام لا يمنع من تحسين إسناده.
ورواه البيهقي (٣/ ٣٤٣) من طريق أبي داود، ورواه أيضًا من وجه آخر عن إبراهيم بن الحكم ابن أبان، عن أبيه، عن عكرمة بلفظ: سمعنا صوتًا بالمدينة، فقال لي ابن عباس: يا عكرمة! انظر ما هذا الصوت؟ قال: فذهبتُ فوجدت صفية بنت حُيَي -امرأةَ النبي ﷺ قد توفيت. قال: فجئت إلى ابن عباس فوجدته ساجدًا ولما تطلع الشمس، فقلت له: سبحان الله تسجل ولم تطلع الشمس بعد: فقال: يا لا أمّ لك أليس قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتُم آية فاسجدوا" فأيُّ آية أعظم من أن يخرجْنَ أمهات المؤمنين من بين أظهرنا، ونحن أحياء.
وفيه إبراهيم بن الحكم بن أبان "ضعيف" وقال الذهبي في مهذب السنن الكبرى (٣/ ١٢٦٩): "إبراهيم واه" إلا أنه لا يضر في تحسين الحديث، لأنه متابع لسلْم بن جعفر، والحديث حسن بدونه، وأخطأ من فهم أنه في رواية أبي داود والترمذي فتنبه.
• * *
стр. 1891
١٠ - كتاب المساجد
١ - باب ما جاء في فضل المساجد
قال الله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [سورة الجن: ١٨].
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقُها".
صحيح: أخرجه مسلم في المساجد (٦٧١) من طرق عن أنس بن عياض أبي ضَمْرة، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن عبد الرحمن بن مهران مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة فذكر مثله.
وأمّا ما رُوي عن ابن عمر في قصة سؤال النّبيّ ﷺ جبريلَ وسؤال جبريل الله ، ففيه عطاء بن السّائب وهو مختلط، روى عنه جرير بن عبد الحميد وهو ممن روى عنه بعد الاختلاط.
ومن طريقه رواه أبو جعفر بن أبي شيبة في كتاب العرش (٧٤)، وابن حبان في صحيحه (١٥٩٩)، والحاكم (١/ ٩٠، ٢/ ٧، ٨) كلّهم من هذا الوجه.
وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٢/ ٦) وقال: "رواه الطبرانيّ في "الكبير", وفيه عطاء بن السّائب وهو ثقة، لكنه اختلط في آخر عمره، وبقية رجاله ثقات".
ولعلّ مَنْ حسَّنه فنظرًا لشاهده من حديث أبي هريرة.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن جبير بن مطعم مثل قصة سؤال النّبيّ جبريل، وسؤال جبريل ربّه . رواه الحاكم (٢/ ٧) من طريق أبي حذيفة موسى بن مسعود، ثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، فذكر الحديث.
وصحّحه الحاكم وتعقّبه الذهبي فقال: "زهير ذو مناكير، هذا منها، وابن عقيل فيه لين".
ورواه الحاكم (١/ ٩٠) من وجه آخر، وفيه عبد الصّمد بن النّعمان، قال الذهبي: "وهو ضعيف".
٢ - باب ما جاء في تحية المسجد
• عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس".
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٥٧) عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سُلَيم الزرقي، عن أبي قتادة الأنصاري فذكر مثله.
ورواه البخاري في الصلاة (٤٤٤) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في صلاة المسافرين (٧١٤)
стр. 1892
عن عبد الله بن مسلمة وقتيبة بن سعيد ويحيى بن يحيى، كلهم عن مالك به مثله.
ورواه مسلم من وجه آخر عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمرو بن سُليم بن خلدة الأنصاري، عن أبي قتادة قال: دخلت المسجدَ ورسولُ الله ﷺ جالس بين ظهراني الناس. قال: فجلست فقال رسول الله ﷺ : "من منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟ " قال: فقلت: يا رسول الله! رأيتك جالسًا، والناس جلوس، قال: "فإذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلسْ حتى يركع ركعتين".
وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة (١/ ٣٤٠)، وابن خزيمة (١٨٢٤): قال النبي ﷺ : "اعطوا المساجد حقها" قيل وما حقها؟ قال: "ركعتان قبل أن تجلس" وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد صرّح بالتحديث عند ابن خزيمة.
• عن جابر بن عبد الله، قال: كنّا عند رسول الله ﷺ يومًا فقال: "أدخلتَ المسجد؟ ". قلت: نعم. فقال: "أصليتَ فيه؟ ". قلت: لا. قال: "فاذهب فاركع ركعتين".
حسن: رواه ابن خزيمة (١٨٢٨) عن الرّبيع بن سليمان، عن ابن وهب، حدّثني أسامة، عن معاذ بن عبد الله بن حبيب الجهني، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول (فذكره).
وإسناده حسن من أجل أسامة وهو ابن زيد الليثي، وشيخه معاذ بن عبد الله فإنهما حسنا الحديث.
٣ - باب استحباب الركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أوَّل قدومه
• عن جابر بن عبد الله قال: خرجتُ مع رسول الله ﷺ في غزاةٍ، فأبطأ بي جملي وأعيى. ثم قدم رسول الله ﷺ قبلي، وقدمت بالغَداةِ، فجئتُ المسجد فوجدتُه على باب المسجد. قال: "الآن حين قدمتَ؟ " قلت: نعم، قال: "فدع جملك. وادخُل فصلِّ ركعتين" قال: فدخلت فصلَّيتُ، ثم رجعتُ.
متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢٠٩٧)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧١٥/ ٧٣) كلاهما من طريق عبد الوهاب الثقفي، حدثنا عبيد الله، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله فذكر مثله، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري أطول من هذا وسيأتي في كتاب البيوع وفي كتب أخرى.
ومن الرواة من اختصره بلفظ: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فقال: "صَلِّ ركعتين" فأدخلوا حديث جابر في البابين في باب ما جاء في تحية المسجد، وفي باب الركعتين في المسجد لمن قدم من السفر كما فعل مسلم.
• عن كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ كان لا يقدمُ من سفر إلا نهارًا في الضُّحى، فإذا قَدم بدأ بالمسجد، فصلَّى فيه ركعتين، ثم جلس فيه.
متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (٣٠٨٨)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧١٦) كلاهما من طريق الضحاك أبي عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن شهاب، أن عبد الرحمن
стр. 1893
ابن عبد الله بن كعب أخبره، عن أبيه عبد الله بن كعب، وعن عمه عبيد الله بن كعب، عن كعب فذكر مثله، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري: أن النبي ﷺ كان إذا قدِمَ من سفر ضُحًى دخل المسجد فصلى ركعتين قبل أن يجلس.
• عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ صلى حين أقبل من حجته قافلا في تلك البطحاء، قال: ثم دخل رسول الله ﷺ المدينة، فأناخ على باب مسجده، ثم دخله، فركع فيه ركعتين، ثم انصرف إلى بيته. قال نافع: فكان عبد الله بن عمر كذلك يصنع.
حسن: رواه أحمد (٦١٣٢) -والسياق له-، وأبو داود (٢٧٨٢) من طريق يعقوب (وهو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري)، عن أبيه، عن ابن إسحاق، حدثني نافع، عن ابن عمر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
قال النووي: "في هذه الأحاديث استحباب ركعتين للقادم من سفره في المسجد أول قدومه، وهذه الصلاة مقصودةٌ للقدوم من السفر، لا أنها تحية المسجد، والأحاديث المذكورة صريحة فيما ذكرته، وفيه استحباب القدوم أوائل النهار".
٤ - باب ما يقول إذا دخل المسجد
• عن أبي حميد، أو أبي أسيد الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧١٣) عن يحيى بن يحيى، أخبرنا سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد، عن أبي حُميد، أو أبي أُسَيد فذكر مثله.
قال مسلم: سمعت يحيى بن يحيى يقول: كتبتُ هذا الحديث من كتاب سليمان بن بلال قال: بلغني أن يحيى الحِمَّاني يقول: وأبي أسَيد.
ورواه أبو داود (٤٦٥) من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن به، وزاد في أول الحديث: "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ ثم ليقل" فذكر مثله.
وهي زيادة صحيحة، وفي بعض الرّوايات يسلِّم أيضًا عند الخروج.
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد قال: "أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم" قال: أقَطْ؟ قلت: نعم قال: فإذا قال ذلك: قال الشيطان: حُفِظ مني سائر اليوم.
حسن: رواه أبو داود (٤٦٦) عن إسماعيل بن بشر بن منصور، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شُريح، قال: لقيتُ عقبة بن مسلم فقلت له: بلغني أنك
стр. 1894
تحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد يقول فذكر مثله.
قلت: رجاله كلهم ثقات سوى شيخ أبي داود إسماعيل بن بشر بن منصور السَليمي فإنه صدوق وكان قدريًّا كما قال المصنف نفسه.
وقال النووي في "الخلاصة" (٩١٦): "إسناده جيد".
وقوله: أقطْ؟ معناه بحسب، والهمزة للاستفهام يُريد أبلغك عني هذا فقط، ثم بين له ما عنده من الزّيادة على ما بلغه عنده.
وأما ما رُوِيَ عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا دخل أحدكم المسجد فليُسلم على النبي ﷺ وليقُل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليُسلِّم على النبي ﷺ وليقل: اللهم اعْصِمني من الشيطان الرجيم" فالصواب أنه موقوف.
رواه ابن ماجه (٧٧٣)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٩٠) وعنه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٨٦)، وابن خزيمة (٤٥٢)، وابن حبان (٢٠٤٧) في صحيحهما، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٠٧) كلهم من طريق أبي بكر الحنفي، ثنا الضحاك بن عثمان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة فذكر مثله. وصحّحه الحاكم على شرط الشيخين.
وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: إسناده صحيح.
قلت: وهو كما قال إلا أنه موقوف، فقد خالفه ابن عجلان فرواه عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أن كعب الأحبار قال: يا أبا هريرة! احفظ مني اثنتين، أوصيك بهما، إذا دخلت المسجد فصلِّ على النبي ﷺ ، وقل: "اللهم افتح لي أبواب رحمتك"، وإذا خَرجت من المسجد فصَلِّ على النبي ﷺ وقل: "اللهم احفظني من الشيطان" رواه النسائي في عمل اليوم والليلة (٩١) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، ومسدد في مسنده "إتحاف الخيرة" (١٤٤٥) عن يحيى بن سعيد -كلاهما عن ابن عجلان به كما خالفه أيضًا ابن أبي ذئب فرواه عن سعيد المقبري به من قول كعب، وروى مثل هذا عن أبي معشر موقوفًا أيضًا.
فهؤلاء الثلاثة وهم ابن عجلان وابن أبي ذئب وأبو معشر خالفوا الضحاك بن عثمان في رفعه، والضحاك بن عثمان وإن كان من رجال مسلم إلا أنه كان يهم، ولذا قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، ولعل هذه العلة خفيتْ على من صحَّح إسناد الضحاك بن عثمان، ولم ينظر إلى من خالفه في رفع الحديث. ووهم الحاكم فجعله على شرط الشيخين والصّواب أنه على شرط مسلم وحده.
وفي الباب أيضًا عن أنس وابن عمر وفاطمة الزّهراء وكلها ضعيفة.
٥ - باب ما جاء في الإخلاص لمن أتى المسجد
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أتى المسجد لشيء فهو حظُّه".
حسن: رواه أبو داود (٤٧٢) عن هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عثمان بن أبي
стр. 1895
العاتكة الأزدي، عن عمير بن هانئ العنسي، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن من أجل عثمان بن أبي العاتكة مختلف فيه فضعَّفه ابن معين وأبو مسهر والنسائي، وقال عثمان الدارمي: سمعت دُحَيْمًا يُثني عليه وينسبه إلى الصدق. وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال العجلي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات.
والذي تبين لي أنه أكثر الرواية عن علي بن يزيد الألهانئ، فالضعف من طريقه. وإذا روى عن غيره فهو مقارب، يكتب حديثه.
ومعنى هذا أنه إذا روى عن غيره فهو حسن الحديث. كما هنا، فإنه رواه عن عمير بن هانئ العنسي وهو "ثقة".
٦ - باب لزوم المساجد وانتظار الصلاة
• عن أنس قال: أخَّر النبي صلاة العشاء إلى نصف الليل، ثم صلَّى ثم قال: "قد صلَّى الناسُ وناموا، أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها".
متفق عليه: رواه البخاري في مواقيت الصلاة (٥٧٢) عن عبد الرحيم المحاربي، قال: حدثنا زائدة، عن حُميد الطويل، عن أنس فذكر مثله.
ورواه مسلم في المساجد (٦٤٠) من وجه آخر عن أنس في سياق أطول منه. انظر مواقيت الصلاة.
• عن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﷺ قال: "الملائكة تُصلِّي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلَّى فيه ما لم يُحدِثْ. اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، لا يزال أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبِسُه، لا يمنعه أن ينقلِب إلى أهله إلا الصلاةُ".
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٥١) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره.
ورواه البخاري في الأذان (٦٥٩) عن عبد الله بن مسلمة، ومسلم في المساجد (٦٤٩/ ٢٧٥) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به مثله، ورواه أيضًا من طريق سفيان، عن أيوب السختياني، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ولفظه: "إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مجلسه تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ما لم يُحدِث. وأحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبِسُه".
وعن أبي رافع عن أبي هريرة قلت: ما يُحدثُ؟ قال: يفسو أو يضرطُ.
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ما توطَّنَ رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر، إلا تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب بغائبِهم إذا قدم عليهم".
صحيح: رواه ابن ماجه (٨٠٠) قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده صحيح.
وصحَّح إسناده البوصيري في الزوائد.
следующие страницы →