← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

١٠ - كتاب المساجد ١ - باب ما جاء في فضل المساجد قال الله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [سورة الجن: ١٨]. • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقُها". صحيح: أخرجه مسلم في المساجد (٦٧١) من طرق عن أنس بن عياض أبي ضَمْرة، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن عبد الرحمن بن مهران مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة فذكر مثله. وأمّا ما رُوي عن ابن عمر في قصة سؤال النّبيّ ﷺ جبريلَ وسؤال جبريل الله ، ففيه عطاء بن السّائب وهو مختلط، روى عنه جرير بن عبد الحميد وهو ممن روى عنه بعد الاختلاط. ومن طريقه رواه أبو جعفر بن أبي شيبة في كتاب العرش (٧٤)، وابن حبان في صحيحه (١٥٩٩)، والحاكم (١/ ٩٠، ٢/ ٧، ٨) كلّهم من هذا الوجه. وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٢/ ٦) وقال: "رواه الطبرانيّ في "الكبير", وفيه عطاء بن السّائب وهو ثقة، لكنه اختلط في آخر عمره، وبقية رجاله ثقات". ولعلّ مَنْ حسَّنه فنظرًا لشاهده من حديث أبي هريرة. وكذلك لا يصح ما رُوي عن جبير بن مطعم مثل قصة سؤال النّبيّ جبريل، وسؤال جبريل ربّه . رواه الحاكم (٢/ ٧) من طريق أبي حذيفة موسى بن مسعود، ثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، فذكر الحديث. وصحّحه الحاكم وتعقّبه الذهبي فقال: "زهير ذو مناكير، هذا منها، وابن عقيل فيه لين". ورواه الحاكم (١/ ٩٠) من وجه آخر، وفيه عبد الصّمد بن النّعمان، قال الذهبي: "وهو ضعيف". ٢ - باب ما جاء في تحية المسجد • عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس". متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٥٧) عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سُلَيم الزرقي، عن أبي قتادة الأنصاري فذكر مثله. ورواه البخاري في الصلاة (٤٤٤) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في صلاة المسافرين (٧١٤)

стр. 1892

عن عبد الله بن مسلمة وقتيبة بن سعيد ويحيى بن يحيى، كلهم عن مالك به مثله. ورواه مسلم من وجه آخر عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمرو بن سُليم بن خلدة الأنصاري، عن أبي قتادة قال: دخلت المسجدَ ورسولُ الله ﷺ جالس بين ظهراني الناس. قال: فجلست فقال رسول الله ﷺ : "من منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟ " قال: فقلت: يا رسول الله! رأيتك جالسًا، والناس جلوس، قال: "فإذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلسْ حتى يركع ركعتين". وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة (١/ ٣٤٠)، وابن خزيمة (١٨٢٤): قال النبي ﷺ : "اعطوا المساجد حقها" قيل وما حقها؟ قال: "ركعتان قبل أن تجلس" وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد صرّح بالتحديث عند ابن خزيمة. • عن جابر بن عبد الله، قال: كنّا عند رسول الله ﷺ يومًا فقال: "أدخلتَ المسجد؟ ". قلت: نعم. فقال: "أصليتَ فيه؟ ". قلت: لا. قال: "فاذهب فاركع ركعتين". حسن: رواه ابن خزيمة (١٨٢٨) عن الرّبيع بن سليمان، عن ابن وهب، حدّثني أسامة، عن معاذ بن عبد الله بن حبيب الجهني، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول (فذكره). وإسناده حسن من أجل أسامة وهو ابن زيد الليثي، وشيخه معاذ بن عبد الله فإنهما حسنا الحديث. ٣ - باب استحباب الركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أوَّل قدومه • عن جابر بن عبد الله قال: خرجتُ مع رسول الله ﷺ في غزاةٍ، فأبطأ بي جملي وأعيى. ثم قدم رسول الله ﷺ قبلي، وقدمت بالغَداةِ، فجئتُ المسجد فوجدتُه على باب المسجد. قال: "الآن حين قدمتَ؟ " قلت: نعم، قال: "فدع جملك. وادخُل فصلِّ ركعتين" قال: فدخلت فصلَّيتُ، ثم رجعتُ. متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢٠٩٧)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧١٥/ ٧٣) كلاهما من طريق عبد الوهاب الثقفي، حدثنا عبيد الله، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله فذكر مثله، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري أطول من هذا وسيأتي في كتاب البيوع وفي كتب أخرى. ومن الرواة من اختصره بلفظ: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فقال: "صَلِّ ركعتين" فأدخلوا حديث جابر في البابين في باب ما جاء في تحية المسجد، وفي باب الركعتين في المسجد لمن قدم من السفر كما فعل مسلم. • عن كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ كان لا يقدمُ من سفر إلا نهارًا في الضُّحى، فإذا قَدم بدأ بالمسجد، فصلَّى فيه ركعتين، ثم جلس فيه. متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (٣٠٨٨)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧١٦) كلاهما من طريق الضحاك أبي عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن شهاب، أن عبد الرحمن

стр. 1893

ابن عبد الله بن كعب أخبره، عن أبيه عبد الله بن كعب، وعن عمه عبيد الله بن كعب، عن كعب فذكر مثله، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري: أن النبي ﷺ كان إذا قدِمَ من سفر ضُحًى دخل المسجد فصلى ركعتين قبل أن يجلس. • عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ صلى حين أقبل من حجته قافلا في تلك البطحاء، قال: ثم دخل رسول الله ﷺ المدينة، فأناخ على باب مسجده، ثم دخله، فركع فيه ركعتين، ثم انصرف إلى بيته. قال نافع: فكان عبد الله بن عمر كذلك يصنع. حسن: رواه أحمد (٦١٣٢) -والسياق له-، وأبو داود (٢٧٨٢) من طريق يعقوب (وهو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري)، عن أبيه، عن ابن إسحاق، حدثني نافع، عن ابن عمر، فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق. قال النووي: "في هذه الأحاديث استحباب ركعتين للقادم من سفره في المسجد أول قدومه، وهذه الصلاة مقصودةٌ للقدوم من السفر، لا أنها تحية المسجد، والأحاديث المذكورة صريحة فيما ذكرته، وفيه استحباب القدوم أوائل النهار". ٤ - باب ما يقول إذا دخل المسجد • عن أبي حميد، أو أبي أسيد الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك". صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧١٣) عن يحيى بن يحيى، أخبرنا سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد، عن أبي حُميد، أو أبي أُسَيد فذكر مثله. قال مسلم: سمعت يحيى بن يحيى يقول: كتبتُ هذا الحديث من كتاب سليمان بن بلال قال: بلغني أن يحيى الحِمَّاني يقول: وأبي أسَيد. ورواه أبو داود (٤٦٥) من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن به، وزاد في أول الحديث: "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ ثم ليقل" فذكر مثله. وهي زيادة صحيحة، وفي بعض الرّوايات يسلِّم أيضًا عند الخروج. • عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد قال: "أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم" قال: أقَطْ؟ قلت: نعم قال: فإذا قال ذلك: قال الشيطان: حُفِظ مني سائر اليوم. حسن: رواه أبو داود (٤٦٦) عن إسماعيل بن بشر بن منصور، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شُريح، قال: لقيتُ عقبة بن مسلم فقلت له: بلغني أنك

стр. 1894

تحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد يقول فذكر مثله. قلت: رجاله كلهم ثقات سوى شيخ أبي داود إسماعيل بن بشر بن منصور السَليمي فإنه صدوق وكان قدريًّا كما قال المصنف نفسه. وقال النووي في "الخلاصة" (٩١٦): "إسناده جيد". وقوله: أقطْ؟ معناه بحسب، والهمزة للاستفهام يُريد أبلغك عني هذا فقط، ثم بين له ما عنده من الزّيادة على ما بلغه عنده. وأما ما رُوِيَ عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا دخل أحدكم المسجد فليُسلم على النبي ﷺ وليقُل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليُسلِّم على النبي ﷺ وليقل: اللهم اعْصِمني من الشيطان الرجيم" فالصواب أنه موقوف. رواه ابن ماجه (٧٧٣)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٩٠) وعنه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٨٦)، وابن خزيمة (٤٥٢)، وابن حبان (٢٠٤٧) في صحيحهما، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٠٧) كلهم من طريق أبي بكر الحنفي، ثنا الضحاك بن عثمان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة فذكر مثله. وصحّحه الحاكم على شرط الشيخين. وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: إسناده صحيح. قلت: وهو كما قال إلا أنه موقوف، فقد خالفه ابن عجلان فرواه عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أن كعب الأحبار قال: يا أبا هريرة! احفظ مني اثنتين، أوصيك بهما، إذا دخلت المسجد فصلِّ على النبي ﷺ ، وقل: "اللهم افتح لي أبواب رحمتك"، وإذا خَرجت من المسجد فصَلِّ على النبي ﷺ وقل: "اللهم احفظني من الشيطان" رواه النسائي في عمل اليوم والليلة (٩١) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، ومسدد في مسنده "إتحاف الخيرة" (١٤٤٥) عن يحيى بن سعيد -كلاهما عن ابن عجلان به كما خالفه أيضًا ابن أبي ذئب فرواه عن سعيد المقبري به من قول كعب، وروى مثل هذا عن أبي معشر موقوفًا أيضًا. فهؤلاء الثلاثة وهم ابن عجلان وابن أبي ذئب وأبو معشر خالفوا الضحاك بن عثمان في رفعه، والضحاك بن عثمان وإن كان من رجال مسلم إلا أنه كان يهم، ولذا قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، ولعل هذه العلة خفيتْ على من صحَّح إسناد الضحاك بن عثمان، ولم ينظر إلى من خالفه في رفع الحديث. ووهم الحاكم فجعله على شرط الشيخين والصّواب أنه على شرط مسلم وحده. وفي الباب أيضًا عن أنس وابن عمر وفاطمة الزّهراء وكلها ضعيفة. ٥ - باب ما جاء في الإخلاص لمن أتى المسجد • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أتى المسجد لشيء فهو حظُّه". حسن: رواه أبو داود (٤٧٢) عن هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عثمان بن أبي

стр. 1895

العاتكة الأزدي، عن عمير بن هانئ العنسي، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن من أجل عثمان بن أبي العاتكة مختلف فيه فضعَّفه ابن معين وأبو مسهر والنسائي، وقال عثمان الدارمي: سمعت دُحَيْمًا يُثني عليه وينسبه إلى الصدق. وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال العجلي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات. والذي تبين لي أنه أكثر الرواية عن علي بن يزيد الألهانئ، فالضعف من طريقه. وإذا روى عن غيره فهو مقارب، يكتب حديثه. ومعنى هذا أنه إذا روى عن غيره فهو حسن الحديث. كما هنا، فإنه رواه عن عمير بن هانئ العنسي وهو "ثقة". ٦ - باب لزوم المساجد وانتظار الصلاة • عن أنس قال: أخَّر النبي صلاة العشاء إلى نصف الليل، ثم صلَّى ثم قال: "قد صلَّى الناسُ وناموا، أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها". متفق عليه: رواه البخاري في مواقيت الصلاة (٥٧٢) عن عبد الرحيم المحاربي، قال: حدثنا زائدة، عن حُميد الطويل، عن أنس فذكر مثله. ورواه مسلم في المساجد (٦٤٠) من وجه آخر عن أنس في سياق أطول منه. انظر مواقيت الصلاة. • عن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﷺ قال: "الملائكة تُصلِّي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلَّى فيه ما لم يُحدِثْ. اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، لا يزال أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبِسُه، لا يمنعه أن ينقلِب إلى أهله إلا الصلاةُ". متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٥١) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. ورواه البخاري في الأذان (٦٥٩) عن عبد الله بن مسلمة، ومسلم في المساجد (٦٤٩/ ٢٧٥) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به مثله، ورواه أيضًا من طريق سفيان، عن أيوب السختياني، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ولفظه: "إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مجلسه تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ما لم يُحدِث. وأحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبِسُه". وعن أبي رافع عن أبي هريرة قلت: ما يُحدثُ؟ قال: يفسو أو يضرطُ. • عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ما توطَّنَ رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر، إلا تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب بغائبِهم إذا قدم عليهم". صحيح: رواه ابن ماجه (٨٠٠) قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده صحيح. وصحَّح إسناده البوصيري في الزوائد.

стр. 1896

وصحّحه أيضًا ابن خزيمة (١٥٠٣)، وابن حبان (١٦٠٧)، والحاكم (١/ ٢١٣) وقال: صحيح على شرط الشيخين، رووه جميعًا من طريق ابن أبي ذئب به مثله. وخالفه الليث بن سعد، فقال حدثني سعيد المقبري، عن أبي عبيدة، عن سعيد بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يتوضأ أحد فيحسن وضوءه، ويُسْبِغه، ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا تبشبش الله به كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته". رواه الإمام أحمد (٨٠٦٥) عن هاشم، وابن خزيمة (١٤٩١) عن شعيب، كلاهما عن الليث به مثله. فإن أبا عبيدة مجهول وقد جهّله الدارقطني وغيره، إلا أن الإسناد ثابت بِدُونِه كما تقدم. وأقام هذا الإسناد الحارث بن أبي أسامة "بغية الباحث" (١٢٨) فقال: حدثنا أبو النضر، ثنا الليث (وهو ابن سعد) حدثني المقبري، عن سعيد بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول؛ فذكر الحديث مثله، فرجع الإسناد إلى المقبري، عن سعيد بدون واسطة أبي عبيدة. • عن عبد الله بن سلام في حديث طويل قال أبو هريرة: ثم لقيتُ عبد الله بن سَلَام فذكر الحديث، ثم قال عبد الله بن سلام: قد علمتُ أية ساعة هي: قال أبو هريرة: فقلت له: فأخبرني ولا تَضَنَّ عليَّ. قال عبد الله: هي آخر ساعة من يوم الجمعة، قال أبو هريرة: كيف تكون آخر ساعة من يوم الجمعة وقد قال رسولُ الله ﷺ : "لا يُصادِفُها عبد مسلم يُصَلِّي" وتلك ساعة لا يُصَلّى فيها؟ قال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله ﷺ : "من جلس مجلسًا ينتظر فيه الصلاة فهو في صلاة حتى يُصلي" قال أبو هريرة: فقلت: بلى. قال: فهو ذاك. صحيح: رواه مالك في الجمعة (١٦) عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة قال: خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار، ... ثم لقيت عبد الله بن سلام فذكر مثله. ورواه أبو داود (١٠٤٦)، والترمذي (٤٩١) كلاهما من طريق مالك، قال الترمذي: "وفي الحديث قصة طويلة، وهذا حديث حسن صحيح". قلت: صحّحه ابن حبان (٢٧٧٢)، والحاكم (١/ ٢٧٨، ٢٧٩) وروياه من طريق مالك، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". ورواه النسائي (١٤٣٠) من وجه آخر عن بكر بن مُضر، عن ابن الهاد به مثله. ورواه الإمام أحمد من طريق مالك به مثله (٢٣٧٨٥) ومن طريق محمد بن إسحاق (٢٣٧٨٢) عن محمد بن إبراهيم به مثله، ومحمد بن إسحاق مدلس وعنعن إلا أنه توبع في رواية مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهاد.

стр. 1897

• عن سهل بن سعد الساعدي يقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "من كان في المسجد ينتظر الصلاةَ فهو في الصلاة". حسن: رواه النسائي (٧٣٤) عن قتيبة قال: حدثنا بكر بن مُضر عن عياش بن عُقبة أن يحيى بن ميمون حدَّثه قال: سمعتُ سهلًا الساعديّ يقول فذكر الحديث. وإسناده حسن لأجل عياش بن عُقبة فإنه صدوق وصحّحه ابن حبان (١٧٥٢) فرواه من طريق زيد بن الحُباب، عن عقبة بن عياش به ولفظه: "من انتظر الصلاة فهو في الصلاة ما لم يُحْدِث". ورواه الإمام أحمد (٢٢٨١٢) عن أبي عبد الرحمن المقرئ وأبي الحسن زيد بن الحُباب كلاهما قالا: حدثنا عياش بن عقبة به، ولفظه: "من جلس في المسجد ينتظر الصلاة فهو في صلاة". • عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه ذات ليلة، وهم ينتظرون العِشاء فقال: "صلى الناس ورقدوا، وأنتم تنتظرونها، أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها". صحيح: رواه أبو يعلى (١٩٣٩) ومن طريقه ابن حبان (١٥٢٩) عن أبي خيثمة، حدثنا محمد ابن حازم، حدثنا داود بن أبي هند، عن أبي نَضْرة، عن جابر فذكر مثله. وإسناده صحيح. ورواه أحمد (١٤٧٤٣) من طريق ابن لهيعة، حدثنا أبو الزبير، قال: سألت جابرًا، هل سمعتَ النبي ﷺ يقول: "الرجل في صلاةٍ ما انتظر الصلاة" قال: انتظرنا النبي ﷺ ليلةً لصلاة العتمةِ، فاحتبس علينا حتى كان قريبًا من شطْر الليل، أو بلغ ذلك. ثم جاء النبي ﷺ فصلينا ثم قال: "اجلسوا" فخطبنا فقال النبي ﷺ : "إن الناس قد صلَّوا ورقدوا وأنتم لم تزالوا في صلاةٍ ما انتظرتم الصلاة". وفيه ابن لهيعة وفيه كلام معروف. ولذا صحَّح الهيثمي في المجمع رجال أبي يعلى، ولم يُصَحِّح رجال أحمد قال: "رواه أحمد وأبو يعلى ورجال أبي يعلى رجال الصحيح". قلت: وهو كما قال فإن رجال أبي يعلى رجال مسلم. وللحديث أسانيد أخرى والذي ذكرته أمثلها. • عن أبي الدرداء قال: لتكن المساجدُ بيتَك، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن الله ضَمن لمن كانت المساجدُ بيتَه الأمنَ والجوازَ على الصراط يوم القيامة". حسن: رواه البزار "كشف الأستار" (٤٣٤) عن نصر بن علي، ثنا أبو أحمد، ثنا إسرائيل، عن عبد الله بن المختار، عن محمد بن واسع، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء فذكره. قال البزار: "إسناده حسن". وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٢): رواه الطبراني في الكبير والأوسط، والبزار: وقال: "إسناده حسن". قال الهيثمي: "قلت: رجال البزار كلّهم رجال الصحيح".

стр. 1898

قلت: وهو كما قال إلا أن عبد الله بن المختار وإن كان من رجال مسلم إلا أنه حسن الحديث. ورواه الطبراني في الأوسط (٧١٤٥) بإسناده عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: سمعتُ أبا الدرداء يقول لابنه: يا بني ليكن المسجدُ بيتَك، فإن المساجد بيوت المتقين. سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... وفيه "ضَمِن الله له الرَوْحَ والرحمةَ والجوازَ على الصراط إلى الجنة". وأما ما رواه أبو سعيد عن رسول الله ﷺ : "إذا رأيتُم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان"، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ فهو ضعيف رواه ابن ماجه (٨٠٢)، والترمذي (٢٦١٧)، وابن خزيمة (١٥٠٢)، وابن حبان (١٧٢١)، والحاكم (٢/ ٣٣٢)، والبيهقي (٣/ ٦٦) كلهم من طرق عن دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد. قال الترمذي: حديث غريب حسن. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. والصواب أنه ضعيف، فإن فيه درَّاج -بتثقيل الراء، وآخره الجيم-، وهو: ابن سمعان أبو السمح، وقيل: اسمه عبد الرحمن، ودَرَّاج لقب. قال فيه الإمام أحمد: "حديثه منكر، وقال أبو حاتم: حديثه ضعيف". وقال ابن عدي: "عامة الأحاديث التي أمليتُها عن دَرَّاج مما لا يتابع عليه". وقال الحافظ: "صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف". وأما ابن معين والدارمي فوثَّقاه. ومن علم حجّة على من لم يعلم. ٧ - باب ما جاء في فضل الجلوس في المسجد بعد الصبح والعصر والمغرب في مصلاه • عن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس رسولَ الله ﷺ ؟ قال: نعم كثيرًا: كان لا يقوم من مصلاه الذي يُصلي فيه الصبحَ أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام. وكانوا يتحدَّثون، فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسَّم. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٧٠) من طريق أبي خيثمة، عن سماك بن حرب فذكر مثله. ورواه سفيان وزكريا كلاهما عن سماك به ولفظه: أن النبي ﷺ كان إذا صلَّى الفجْر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسنًا. قوله: حسنًا أي: مرتفعة. • عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحبُّ إلي من أن أعتق أربعةً من ولد

стр. 1899

إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحبُّ إلي من أن أعتق أربعة". حسن: رواه أبو داود (٣٦٦٧) عن محمد بن المثنى، حدثني عبد السلام، يعني ابن مطهر (أبو ظفر)، حدثنا موسى بن خلف العمي، عن قتادة، عن أنس فذكره. وعبد السلام بن مطهر صدوق. وموسى بن خلف انفرد فيه ابن حبان فقال: أكثر من المناكير، ووثقه العجلي، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. • عن عبد الله بن عمرو قال: صلَّينا مع رسول الله ﷺ المغربَ فرجع مَن رجع، وعقَّب من عقَّب. فجاء رسول الله ﷺ مُسرِعًا قد حفزه النَّفَسُ، وقد حسر عن رُكبتيه، فقال: "أبشروا! هذا ربُّكم قد فتح بابًا من أبواب السماء، يُباهي بكم الملائكة، يقول: انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضةً، وهم ينتظرون أُخرى". صحيح: رواه ابن ماجه (٨٠١) عن أحمد بن سعيد الدارمي، قال: حدَّثنا النضر بن شُمَيلٍ، قال: حدَّثنا حمَّاد، عن ثابت، عن أبي أيُّوب، عن عبد الله بن عمرو .. فذكر الحديث. وإسناده صحيحٌ. ورواه أيضًا الإمام أحمد (٦٧٥٠) عن عفَّان، حدَّثنا حمَّاد -يعني ابن سلمة. وزاد في أوَّلِ الحديث فضيلة لا إله إلَّا الله. وسيأتي في كتاب الأدعية. ٨ - باب فضل بناء المساجد والحثّ عليها • عن محمود بن لبيد أن عثمان بن عفان أراد بناء المسجد. فكره الناس ذلك. فأحبوا أن يدعَه على هيئته. فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من بنى مسجدًا لله بنى الله له في الجنة مثلَه". متفق عليه: رواه مسلم في المساجد (٥٣٣/ ٢٥) من طريق الضحاك بن مخلد، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثني أبي، عن محمود بن لبيد به فذكره. ورواه الشيخان: البخاري في الصلاة (٤٥٠)، ومسلم كلاهما من طريق ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكيرًا حدَّثه، أن عاصم بن عمر بن قتادة حدَّثه، أنه سمع عبيد الله الخولاني أنه سمع عثمان بن عفان يقول عند قول الناس فيه حين بني مسجد الرسول ﷺ : إنكم أكثرتم عَليَّ، وإني سمعتُ النبي ﷺ يقول: "من بنى مسجدًا -قال بكير: حسبت أنه قال: يبتغي به وجه الله- بنى الله له مثله في الجنة". وفي رواية عند مسلم: "بيتًا في الجنة". وقوله: حين أراد أن يبني: أي يوسع مسجد رسول الله ﷺ كما قال عبد الله بن عمر أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيًّا باللَّبِنِ، وسقفُه الجريدُ، وعُمُدُه خشْبُ النخلِ، فلم يزد فيه أبو

стр. 1900

بكر شيئًا، وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهد رسول الله ﷺ باللَّبِنِ والجريد، وأعاد عمدَه خشبًا، ثم غيَّره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرةً، وبنى جِداره بالحجارة المنقوشة والقَصَّةِ، وجعل عُمُدَهُ من حجارة منقوشة، وسقَفَه بالساج" رواه البخاري في الصلاة (٤٤٦) عن علي بن عبد الله قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثني أبي، عن صالح بن كيسان، قال: حدثنا نافع، أن عبد الله أخبره فذكر مثله. وقوله: وزاد فيه عمر وبناء على بنيانه، أي بجنس الآلات المذكورة، ولم يغير شيئًا من هيئته إلا توسيعه. وقوله: ثم غيره عثمان: أي من الوجهين: التوسيع وتغيير الآلات. وقوله: القَصَّة بفتح القاف وتشديد الصاد: وهي الجصُّ بلغة أهل الحجاز. والسَّاج: نوع من الخشب معروف يؤتى به من الهند. انظر "الفتح" (١/ ٥٤٠). • عن عمر بن الخطاب قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من بنى مسجدًا يُذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتًا في الجنة". صحيح: رواه ابن ماجه (٧٣٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة وهو في المصنف (١/ ٣١٠) قال: حدثنا يونس بن محمد قال: حدثنا ليث بن سعد. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا داود بن عبد الله الجعفري، عن عبد العزيز بن محمد جميعًا عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن الوليد بن أبي الوليد، عن عثمان بن عبد الله بن سراقة العدويّ، عن عمر بن الخطاب فذكره. وإسناده صحيح. صحّحه ابن حبان (١٦٠٨)، كما رواه أيضًا الإمام أحمد (١٢٦) كلاهما من طريق ليث بن سعد به مثله. وعثمان بن عبد الله بن سراقة هو ابن زينب بنت عمر بن الخطاب، وقد أثبت الحافظ ابن حجر سماعه من جده من جهة أمه بناء على ما رواه أبو جعفر ابن جرير الطبري في "تهذيب الآثار" وبناء على إخراج ابن حبان في صحيحه. والحاكم ذكر في المستدرك (٢/ ٨٩)، هذا الإسناد لحديث: "من أظل رأس غاز أظله الله يوم القيامة، ومن جهَّز غازيًا حتى يستقل بجهاده فله مثل أجره" وقال: هذا صحيح الإسناد، وقد احتج البخاري بعثمان بن عبد الله بن سراقة وهو: ابن ابنة أمير المؤمنين عثمان بن عفان. قلت: عثمان بن عبد الله بن سراقة ليس ابن ابنة عثمان، وإنما هو ابن ابنة عمر بن الخطاب كما سبق، والمستشهد أنهما أثبتنا سماع عثمان بن عبد الله بن سراقة من عمر بن الخطاب. وأما المزّي فزعم أنه أرسله عن عمر بن الخطاب بناء على اعتماده ما ذكره الواقدي من سنة وفاته، فوهَّمه الحافظ في ذلك راجع: "تهذيب التهذيب".

стр. 1901

والوليد بن أبي الوليد القرشي من رجال مسلم، وثَّقه أبو زرعة، وقال فيه أبو داود: خيرًا, ووثَّقه الذهبي في "الكاشف". • وعن جابر بن عبد الله قال: إن رسول الله ﷺ قال: "من بنى مسجدًا لله كمفحصِ قطاةٍ، أو أصغر، بنى الله له بيتًا في الجنة". صحيح: رواه ابن ماجه (٧٣٨) حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، عن إبراهيم بن نشيط، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين النوفلي، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله فذكر مثله. وإسناده صحيح، وصحّحه أيضًا ابن خزيمة (١٢٩٢)، وأخرجه في صحيحه عن يونس بن عبد الأعلى وعيسى بن إبراهيم الغافقي، كلاهما عن ابن وهب به، وقال في أول الحديث: "من حفر ماءً لم يشرب منه كبد حري من جن، ولا إنس، ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة". ورُوِي مثل هذا عن أبي بكر الصديق وفيه الحكم بن يعلى قال أبو حاتم: "هذا حديث منكر، والحكم بن يعلى متروك الحديث ضعيف الحديث"، "العلل" (١/ ١٤٠). قلت: هو الحكم بن يعلى بن عطاء المحاربي، ترجمه ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٦٢٨)، وقال: "منكر الحديث، عنده عجائب" وأسند الحديث المذكور عن جعفر الفريابي، ثنا سليمان بن عبد الرحمن، ثنا الحكم بن يعلى، ثنا محمد بن طلحة، عن أبيه، عن أبي معمر، عن أبي بكر الصديق فذكر مثله، وقال: هذا لا يرويه عن محمد بن طلحة وهو: محمد بن طلحة بن مصرف غير الحكم بن يعلى. انتهى. تنبيه: لقد تحرف في العلل: الحكم بن يعلى بن عطاء إلى الحكم بن يعلى عن عطاء. وقوله: "كمفحص قطاة": وهو الموضع الذي تَجْثُم فيه وتَبيضُ، والقَطَاةُ واحدة القطا، وهو نوع من اليمام يُوثر الحياة في الصحراء، ويتخذ أُفْحوصَة في الأرض، والتشبيه للمبالغة، وإلا فأقلُ المسجد أن يكون موضعًا لصلاة واحدٍ. • عن عمرو بن عَبَسَةَ قال: قال رسول الله ﷺ : "من بنى مسجدًا يُذكر الله فيه، بني الله له بيتًا في الجنة". حسن: رواه النسائي (٦٨٨) عن عمرو بن عثمان قال: حدثنا بقية، عن بَحير، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن عمرو بن عَبَسة فذكر مثله. ورواه الترمذي (١٦٣٥) عن حيوة بن شريح الحِمصي، عن بقية به إلا أنه لم يذكر الجزء المتشهد به وإنما ذكر فيه: "من شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة" وقال: حسن صحيح غريب. قلت: هو حسن فقط، فإن في الإسناد بقية بن الوليد وهو صدوق مدلس تدليس التسوية، إلا أنه

стр. 1902

صرَّح بالتحديث قال الإمام أحمد (١٩٤٤٠) حدثنا حيوة بن شُريح، حدثنا بقيةُ، حدثنا بَحيرُ بن سعد به وفيه: "من بني الله مسجدًا ليُذكر الله فيه، بنى الله له بيتًا في الجنة، ومن أعتق نفْسًا مسلمةً كانت فِدْيَتَهُ من جهنم، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة". • عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "من بني الله مسجدًا ولو قدر مفحص قطاةٍ بنى الله له بيتًا في الجنة". صحيح: رواه البزار "كشف الأستار" (٤٠١) عن مسلم بن جنادة بن سلم، ثنا وكيع في الدار، عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي ذر فذكر مثله. ورواه الطبراني في "المعجم الصغير" (٢/ ١٢٠) من طريق مؤمل بن إسماعيل، حدثنا سفيان، يعني ابن عيينة، عن الأعمش به مثله، وقال: لم يروه عن ابن عيينة إلا مؤمَّل. انتهى. قلت: مؤمل بن إسماعيل البصري صدوق سيء الحفظ فقوله: سفيان -يعني ابن عيينة- من أوهامه، وإنما هو سفيان الثوري كما في رواية وكيع عند البزار، وعلى هذا فإن مؤمل بن إسماعيل لم ينفرد بل تابعه وكيع. وللحديث إسناد آخر: رواه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٠) عن يحيى بن آدم، حدثنا قُطبة بن عبد العزيز، عن الأعمش به مثله، ورجاله ثقات، غير قطبة بن عبد العزيز بن سِياه الأسدي غير أنه ثقة أيضًا وثَّقه أحمد وقال: شيخ ثقة، وابن معين والترمذي والعجلي وابن حبان وغيرهم. وقد صحَّح الحديث ابن حبان فأخرجه في صحيحه (١٦١٠) عن الحسن بن سفيان، عن أبي بكر بن أبي شيبة به مثله. فقول الطبراني في "المعجم الصغير" (٢/ ١٣٨) بعد أن رواه من طريق علي بن المديني، عن يحيى بن آدم به مثله: لم يروه عن قطبة إلا يحيى بن آدم، تفرد به علي بن المديني فيه نظر، فإنه رواه عنه أيضًا أبو بكر بن أبي شيبة. وللحديث إسناد آخر: رواه البزار (٤٠١) عن أحمد بن يونس، ثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش به مثله. ورواه البيهقي (٢/ ٤٣٧) من طريق العباس بن محمد الدوري، ثنا أحمد بن يونس، قال العباس، قال أحمد بن يونس: قيل لأبي بكر بن عياش: إن الناس يخالفونك في هذا الحديث لا يرفعونه. فقال أبو بكر بن عياش: سمعنا هذا من الأعمش، والأعمش شاب. انتهى ٩ - باب كراهية المباهاة في المساجد • عن أنس أن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعةُ حتى يَتَبَاهَى الناسُ في المساجد". صحيح: رواه أبو داود (٤٤٩)، والنسائي (٦٨٩)، وابن ماجه (٧٣٩) كلهم من طريق حماد بن

стр. 1903

سلمة، عن أيوب، عن أبي قِلابة، عن أنس فذكر مثله، واللفظ لأبي داود، ولفظ النسائي "من أشراط الساعة أن يتباهَي الناس في المساجد" وإسناده صحيح، وقد صحّحه أيضًا ابن خزيمة (١٣٢٢)، وابن حبان (١٦١٣، ١٦١٤) فروياه من طريق حماد بن سلمة به مثله. وذكره البخاري في الصلاة (١/ ٥٣٩) معلقًا من قول أنس بن مالك ولفظه: "يتباهون بها، ثم لا يعمرونها إلا قليلًا". قلت: وصله ابن خزيمة (١٣٢١) من طريق سعيد بن عامر، عن أبي عامر الخزاز، قال أبو قلابة الجرمي: انطلقنا مع أنس نريد الزاوية، قال: فمررنا بمسجد حضرت صلاة الصبح، فقال أنس: لو صلينا في هذا المسجد فإن بعض القوم يأتي المسجد الآخر، قالوا: أي مسجد؟ فذكرنا مسجدًا قال: إن رسول الله ﷺ قال: "يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد، لا يعمرونها إلا قليلًا أو قال: يعمرونها قليلًا". قال ابن خزيمة: الزاوية قصر من البصرة على شبه من فرسخين. قلت: وأبو عامر الخزاز هو: صالح بن رُستم ضعَّفه ابن معين ومشاه الآخرون، وهو لا بأس به في الاستشهاد، وأما ما عزاه الحافظ في الفتح إلى أبي يعلى الموصلي مع ابن خزيمة فالظاهر أنه وهم فيه، فإن أبا يعلي لم يرو بهذا اللفظ الذي علّقه البخاري، وإنما رواه كما رواه أصحاب السنن من طريق حماد بن سلمة (٢٧٩٨، ٢٧٩٨). • عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أُمرت بتشييد المساجد". حسن: روه أبو داود (٤٤٨) عن محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن سفيان الثوري، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن، من أجل محمد بن الصباح فإنه حسن الحديث. وقد صحّحه ابن حبان (١٦١٥) فرواه من هذا الوجه. وذكر البخاري (١/ ٥٣٩)، وأبو داود، وابن حبان من قول ابن عباس: "لُتزخْرِفُنَّها كما زخرَفَتِ اليهود والنصارى" موقوفًا ومعلقًا، وقد ظن بعض الناس أنه جزء من الحديث المرفوع، وهو ليس كذلك بل كلام النبي ﷺ مفصول من كلام ابن عباس، قال الحافظ: إنما لم يخرج البخاري المرفوع منه للاختلاف على يزيد بن الأصم في وصله وإرساله. كذا قال، ولم يبين ذلك لنرى ذلك. ورواه البيهقي (٢/ ٤٣٨، ٤٣٩) من طريق أبي داود، ومن طريق علي بن قادم، ثنا سفيان الثوري به مثله ولم يذكر هذا الاختلاف الذي يشير إليه الحافظ. والمراد من التشييد: رفع البناء وتطويله، ومنه قوله : ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [سورة النساء: ٧٨] وهي التي طُوِّلَ بناؤها أفاده البغوي في "شرح السنة" (٢/ ٣٤٩).

стр. 1904

وأما ما رواه ابن عباس مرفوعًا: "أراكم ستُشَرِّقُون مساجدكم بعدي كما شَرَّقتِ اليهودُ كنائِسها، وكما شَرَّقتِ النصارى بِيعَهَا" فهو ضعيف جدًّا، بل موضوع: رواه ابن ماجه (٧٤٠) عن جُبارة بن المُغلِّس، قال: حدثنا عبد الكريم بن عبد الرحمن البجلي، عن ليث، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. جُبارةُ بن المغلِّس الحِمَّاني ضعيف جدًّا، وقال الدارقطني: متروك، وكذبه البعض. وليث هو: ابن أبي سلم ضعيف. وقوله: "ستشرقون مساجدكم": من التشريق وهو: التطيين بالشاروق وهو بمعنى الصاروج. يقال: حوضٌ مشرَّقٌ أي مطليٌّ بالشاروق، وهو الصاروج، أي النُّورة وأخلاطها التي تصرَّج بها الحياض وغيرها، قال الفيروزآبادي: المشرَّق من الحصون: المطيَّن بالشاروق للصاروج أ. هـ. والشاروق والصاروج كلاهما تعريب "جارو" بالفارسية. انظر: المعرب للجواليقي بتحقيق الدكتور ف. عبد الرحيم (٤١٦، ٤٢١). تنبيه هام: لقد تحرف: "ستشرقون" إلى "ستشرفون" بالفاء في جميع نسخ ابن ماجه وهو لا معنى له هنا. ١٠ - باب ما جاء في ذكر أول مسجد وُضع في الأرض • عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله! أي مسجد وُضع في الأرض أولُ، قال: "المسجد الحرام" قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى" قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة. ثم أينما أدركتك الصلاةُ فصَلِّه، فإن الفضل فيه". وفي لفظ مسلم: "فَصَلِّه فإنه مسجد". متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٦٦)، ومسلم في المساجد (٥٢٠) كلاهما من حديث عبد الواحد، عن الأعمش، حدثنا إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: سمعت أبا ذر فذكره. انظر بقية الأحاديث في بناء الكعبة المشرفة في كتاب الحج. ١١ - باب ما جاء في الصلاة في الكعبة المشرفة • عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة، هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة الحجبيُّ فأغلقها عليه. ثم مكث فيها. قال ابن عمر: فسألت بلالًا حين خرج: ما صنع رسول الله ﷺ قال: جعل عمودَين عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه. وكان البيتُ يومئذ على ستة أعمدة، ثم صلى. متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٩٣) عن نافع، عن ابن عمر فذكره. ورواه البخاري في الصلاة (٥٠٥) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في الحج (١٣٢٩) عن يحيى

стр. 1905

ابن يحيي التميمي، كلاهما عن مالك به مثله. ورواه الشيخان من طريق الليث عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: فلما فتحوا كنت في أول من وَلَج. فلقيت بلالًا فسألتُه: هل صلَّى فيه رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، صلَّى بين العمودين اليمانين. ورواه أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: ونسيتُ أن أسأله كم صلَّى؟ . وفي الباب حديث عائشة إلا أنه لم يثبت. انظر تخريجه في "المنة الكبرى" (٤/ ٣٤٦). ١٢ - باب من قال: دخل النبي ﷺ البيت ولم يُصل فيه • عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أسمعت ابن عباس يقول: إنما أُمِرتُم بالطواف، ولم تؤمروا بدخوله. قال: لم يكن ينهي عن دخوله، ولكني سمعتُه يقول: أخبرني أسامة بن زيد: أن النبي ﷺ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها. ولم يُصلِّ فيه، حتى خرج. فلما خرج ركع في قُبُل البيت ركعتين. وقال: "هذه القبلة" قلت له: ما نواحيها؟ أفي زواياها؟ قال: بل في كل قِبلةٍ من البيت. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٣٠) عن إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حُميد، كلاهما عن محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج فذكر به مثله. ورواه من وجه آخر عن همام، عن عطاء به وفيه: أن النبي ﷺ دخل الكعبة، وفيها ست سَوارٍ، فقام عند سارية فدعا، ولم يُصَلِّ. جمع أهل العلم بين حديث ابن عمر، وبين حديث ابن عباس فقالوا: كان النبي ﷺ دخل البيت مرتين، صلى في إحداهما، ولم يُصل في الأخرى. وقال المحدثون العظام: القول قول بلال؛ لأنه مُثْبتٌ شاهد لصلاته ﷺ بخلاف ابن عباس، فإنه لم يحضر المشهد، وإنما روى النفي عن أسامة، فلعله وهم في قوله هذا. فإما أنه وهم فنسب النفي إلى أسامة، أو أنه أصاب في نسبة النفي إلى أسامة، فيكون أسامة بن زيد ممن انشغل بالدّعاء من ناحية، وصلّى النبي ﷺ ناحيةّ أخرى فلم يره لشدّة الظلام بعد إغلاق الباب. وقال المحب الطبري: يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة فلم يشهد صلاته. "الفِرى لقاصد أم القرى" (ص ٥٠١). قال الحافظ: ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن ابن أبي ذئب، عن عبد الرحمن ابن مهران، عن عمير مولى ابن عباس، عن أسامة قال: دخلتُ على رسول الله ﷺ في الكعبة فرأى صورًا، فدعا بدلْوٍ من ماء فأتيته به فضرب به الصور، وإسناده جيد. الفتح (٣/ ٤٦٨). قال الطبري: فأخبر أنه كان يخرج لنقل الماء وكان ذلك يوم الفتح. انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (٤/ ٣٤٧).

стр. 1906

١٣ - باب من قال: لم يدخل النبي ﷺ في الكعبة • عن عبد الله بن أبي أوفي قال: اعتمر رسول الله ﷺ فطاف بالبيت، وصلى خلف المقام ركعتين، ومعه من يستره من الناس، فقال له رجل: أدخل رسول الله ﷺ الكعبة؟ قال: لا. متفق عليه: رواه البخاري في الحج (١٦٠٠)، ومسلم في الحج (١٣٣٢) كلاهما من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوفي فذكر مثله، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. قوله: "اعتمر" أي: سنة سبع عام القضية، فلا منافاة بين حديث ابن عمر وابن عباس وبين حديث عبد الله بن أبي أوفى. قال النووي: "قال العلماء: وسبب عدم دخوله ﷺ ما كان في البيت من الأصنام والصور. ولم يكن المشركون يتركونه لتغييرها، فلما فتح الله تعالى عليه مكة دخل البيت وصلى فيه، وأزال الصور قبل دخوله". انتهي. "ويحتمل أن يكون دخول البيت لم يقع في الشرط، فلو أراد دخوله لمنعوه كما منعوه من الإقامة بمكة زيادة على الثلاث، فلم يفصد دخوله لئلا يمنعوه" ذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٣/ ٤٦٨). ١٤ - باب النهي عن دخول المشرك المسجد الحرم قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ [التوبة: ٢٨]. • عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذِّنين يوم النحر نُؤذِّن بمنى: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان. قال حُميد بن عبد الرحمن: ثم أردف رسولُ الله ﷺ عليًّا فأمره أن يؤذِّنَ بـ براءة، قال أبو هريرة: فأذَّن معنا عليّ في أهل مِنًى يوم النحر: لا يحجُّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. وفي رواية: كنتُ مع علي بن أبي طالب لما بعثه رسول الله ﷺ فنادى بأربع حتى صَحِلَ صوتُه؟ ألا إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحجَّنَّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فإن أجلَه إلى أربعة أشهر، فإذا مضتِ الأربعة فإن الله بريء من المشركين ورسولُه.

стр. 1907

متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٣٦٩)، ومسلم في الحج (١٣٤٧) كلاهما من حديث ابن شهاب الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة فذكر الحديث. والرواية الثانية عند النسائي (٢٩٥٨)، والدارمي (١٤٣٦) كلاهما من طريق شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي، عن المحرَّر بن أبي هريرة، عن أبيه فذكره. واللفظ للدارمي. وقوله: صَحِل: بكسر الحاء، أي ذهب صوته. وفي رواية: سَهَلَ. ١٥ - باب ما جاء في بناء مسجد رسول الله ﷺ - • عن أنس قال: قَدِم النبي ﷺ في المدينةَ فنزلَ أعلى المدينة في حيٍّ يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام النبي ﷺ فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى بني النجّار فجاءوا مُتَقلِّدى السيوف، كأني أنظرُ إلى النبي ﷺ على راحلتِه وأبو بكر ردْفُه وملأ بني النجار حولَه، حتى ألقي بفِناء أبي أيوب، وكان يحبُّ أن يُصلي حيثُ أدركَتْه الصّلاةُ ويُصلِّي في مَرابض الغَنمِ، وأنَّه أَمَرَ ببناء المسجد، فأرسل إلى ملإ من بني النجار فقال: يا بني النجار! ثامنوني بحائطِكم هذا. قالوا: لا والله! لا نطلبُ ثمَنَه إلا إلى الله. فقال أنسٌ: فكان فيه ما أقول لكم: قبورُ المشركين، وفيه خربٌ، وفيه نخلٌ، فأمرَ النبي ﷺ بقبورِ المشركين فنُبِشَتْ، ثم بالخرِبِ فسُويت، وبالنخل فقُطِعَ فصَفُّوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عِضَادَتَيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخْر وهم يرتجزون، والنبي ﷺ معهم وهو يقول: اللهم لا خيرَ إلا خيرُ الآخرهْ ... فاغفِرْ للأنصارِ والمُهاجِرَهْ متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٤٢٨)، ومسلم في المساجد (٥٢٤) كلاهما من حديث عبد الوارث، عن أبي التياح الضُبعي، عن أنس فذكره. ولفظهما سواء. • عن عكرمة قال: قال لي ابن عباس ولابنه علي: انطلِقا إلى أبي سعيد فاسمعا من حديثه. فانطلقنا فإذا هو في حائط يُصْلِحه، فأخذ رداءه فاحتبي. ثم أنشأ يُحدثنا حتى أتي على ذكر بناء المسجد فقال: كنا نحمل لَبِنَةً لَبِنَةً وعمارٌ لَبِنَتَين بين فرآه النبي ﷺ فينفُضُ الترابُ عنه. ويقول: "ويحَ عمارٍ تقتلُه الفِئةُ البَاغيةُ يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار". قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن. صحيح: رواه البخاري في الصلاة (٤٤٧) عن مسدد، عن عبد العزيز بن مختار قال: حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة فذكر مثله، ورواه أيضًا في الجهاد والسير (٢٨١٢)، عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا عبد الوهاب، حدثنا خالد به وفيه: "وكان مسح عن رأسه الغُبار، وقال: ويح عمار

стр. 1908

تقتلُه الفئة الباغِية، عمار يدعوهم إلى الله، ويدعونه إلى النار". ولكن رواه مسلم في الفتن (٢٩١٥) من وجه آخر عن أبي نضرة، يحدث عن أبي سعيد الخدري وفيه قال لعمار، حين جعل يحفِر الخندق، وجعل يمسح رأسه ويقول: "بُؤْسَ ابنِ سُميةَ تقتلك فئةٌ باغيةٌ". فجعل البيهقي في "الدلائل" (٢/ ٥٤٩) ذكر الخندق في رواية أبي نضرة وهما، أو كان قالها عند بناء المسجد، وقالها يوم الخندق. قلت: يأتي تفصيل ذلك في كتاب فضائل الصحابة، ولا يمنع أن يكون القول الثاني هو الصحيح فقد ثبت عن عدد من الصّحابة أنه قاله أيضًا يوم الخندق. والمستشهد هنا وهو التعاون على بناء مسجد رسول الله ﷺ . فكان عمار ﵁ ممن ضعَّف جهدَه في بناء مسجد رسول الله ﷺ فكان ينقل لَبِنتين لَبِنتين. وغيره كان ينتقل لبنةً لبنةً. ١٦ - باب ما جاء أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد رسول الله ﷺ - • عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: مر بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال: قلت له: كيف سمعتَ أباك يذكر في المسجد الذي أسِّس على التقوى؟ قال: قال أبي: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه. فقلت: يا رسول الله! أي المسجدين الذي أسِّس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًّا من حَصْباءَ فضرب به الأرضَ. ثم قال: هو "مسجدكم هذا" لمسجد المدينة. قال: فقلت: أشهد أني سمعتُ أباك هكذا يذكره. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٩٨) عن محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن حُميد الخرَّاط، قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن فذكره. ورواه الترمذي (٣٠٩٩)، والنسائي (٦٩٧) من وجه آخر عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسِّس على التقوى من أول يوم. فقال رجل: هو مسجد قُباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ "فهو مسجدي هذا". قال الترمذي: حسن صحيح غريب من حديث عمران بن أبي أنس. وقد روي هذا عن أبي سعيد من غير هذا الوجه، ورواه أنيس بن أبي يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد". قلت: حديث أنيس بن أبي يحى رواه الترمذي (٣٢٣) عن قتيبة، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن أنيس بن أبي يحيى به وفيه: امترى رجل من بني خُدْرة، ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدريُّ: هو مسجد رسول الله ﷺ ، وقال الآخر: هو مسجد قباء: فأتيا رسول الله ﷺ في ذلك فقال: " هو هذا، يعني مسجده، وفي ذلك خير كثير".

стр. 1909

قال الترمذي: حسن صحيح. وقد رجَّح الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٧/ ٢٤٥) أن كلا منهما أسِّس على التقوى، وسيأتي ذكره مفصلا في كتاب التفسير. • عن سهل بن سعد قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الذي أسِّس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد رسول الله ﷺ ، وقال الآخر: هو مسجد قُباء، فأتيا النبي ﷺ فسألاه فقال: "هو مسجدي هذا". حسن: رواه الإمام أحمد (٢٢٨٠٥)، والطبراني في "الكبير" (٦٠٢٥) كلاهما عن وكيع، حدثنا ربيعة بن عثمان التيمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد فذكره. وإسناده حسن لأجل الكلام في ربيعة بن عثمان التيمي تكلم فيه أبو زرعة وأبو حاتم، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وروى له مسلم في صحيحه حديثًا واحدًا، والخلاصة فيه أنه حسن الحديث. وقد توبع. وصحّحه ابن حبان (١٦٠٤، ١٦٠٥) فرواه أيضًا من هذا الوجه، قال الهيثمي في "المجمع" (٤/ ١٠) بعد أن نسبه لأحمد والطبراني: "رجالهما رجال الصحيح". وأما المتابعة فهي ما رواه الإمام أحمد باختصار (٢٢٨٣٨) عن عبد الله بن الحارث، حدثني الأسلمي، يعني عبد الله بن عامر، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد قال: كان رسول الله ﷺ إذا سُئِل عن المسجد الذي أسس على التقوى قال: "هو مسجدي". وعبد الله بن عامر الأسلمي ضعيف، وأشار إليه الهيثمي في "المجمع" (٤/ ١٠) فقال: "رواه أحمد، وفيه عبد الله بن عامر الأسلمي وهو ضعيف". قلت: وهو كما قال، فكان من تخبطه مرة روى هكذا، وأخرى زاد بعد سهل بن سعد -أبي بن كعب-. كما رواه أحمد (٢١١٠٧) عن أبي نعيم، حدثنا عبد الله بن عامر الأسلمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد، عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ قال: "المسجد الذي أسس على التقوى مسجدي هذا" وصحّحه الحاكم (٢/ ٣٣٤). فالصّحيح أن هذا الحديث لا يصح فيه ذكر أبي بن كعب. ١٧ - باب ما جاء في المساجد التي تشدّ الرِّحال إليها • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثة مساجد. مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى". متفق عليه: رواه البخاري في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (١١٨٩)، ومسلم في الحج (١٣٩٧) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي

стр. 1910

هريرة فذكر مثله. ورواه مسلم من وجه آخر عن سلمان الأغَرِّ أنه سمع أبا هريرة يُخبر أن رسول الله ﷺ قال: "إنما يُسَافَر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء". ومسجد إيلياء هو: بيت المقدس. وسيأتي لأبي هريرة طريق وهو حُميل بن بصرة بن وقاص. • عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تشدوا الرِحال إلَّا إلى ثلاثةِ مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى". متفق عليه: رواه البخاري في فضل الصلاة (١١٩٧)، ومسلم في الحج (٨٢٧/ ٤١٥ و ٤١٦) كلاهما من حديث شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن قزعة، عن أبي سعيد فذكر الحديث، واللفظ لمسلم. وفي البخاري قال قزعة مولى زياد: سمعتُ أبا سعيد الخدري يحدث بأربع عن النبي ﷺ فأعجني وآنقنني. قال: "لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم، ولا صوم في يومين: الفطر والأضحى، ولا صلاة بعد صلاتين: بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب، ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي" وهذه كلها تذكر في مواضعها. وقوله: آنقنني -بالمد ثم نون مفتوحة، ثم قاف ساكنة بعدها نونان- يقال: آنقه إذا أعجبه، وشيء مونق أي معجب. • عن أبي سعيد وعبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى المسجد الأقصى، وإلى مسجدي هذا". حسن: رواه ابن ماجه (١٤١٠) عن هشام بن عمار، قال: حدثنا محمد بن شُعيب، قال: حدثنا يزيد بن أبي مريم، عن قَزَعة، عن أبي سعيد وعبد الله بن عمرو فذكر الحديث. وإسناده حسن لأجل يزيد بن أبي مريم، فإنه مختلف فيه. وثَّقه جماعة وتكلم فيه الدارقطني، غير أنه حسن الحديث. وهو من رجال الصحيح. وقال الدارقطني في "العلل": الصحيح قول من قال: عن قزعة، عن أبي سعيد. • عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ لا أنه قال: "إن خير ما رُكِبتْ إليه الرواحلُ مسجدي هذا، والبيت العتيق". حسن: رواه الإمام أحمد (١٤٧٨٢)، وأبو يعلى (٢٢٦٦)، والطبراني في الأوسط (٧٤٤، ٤٤٢٧)، وصحّحه ابن حبان (١٦١٦) كلهم من طرق عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر

стр. 1911

فذكر الحديث. وإسناده صحيح. • عن حُميل بن بصرة بن وقاص بن حاجب بن غفار قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تضرب المطايا إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد إيلياء". صحيح: رواه الطحاوي في "مشكل الآثار" (٥٨٥) عن يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنا سعيد ابن أبي مريم، أخبرنا أبو غسان محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: أتيت الطور، فصليت فيه. فلقيت حُميل بن بصرة بن وقاص بن حاجب بن غفار فقال: من أين جئت؟ فأخبرته فقال: لو لقيتُك قبل أن تأتيه ما جئته، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: فذكر الحديث. وإسناده صحيح. ورواه مالك في الجمعة (١٦) في حديث طويل عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة فذكر الحديث وفيه: فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغِفاري. ومن طريق مالك رواه الإمام أحمد (٢٣٨٤٨)، وابن حبان (٢٧٧٢)، والطحاوي في مشكله (٥٩٠)، فجعل الحديث من مسند بصرة بن أبي بصرة، وإنما هو لابنه حُميل كما سبق. وجعله ابن عبد البر من مسند أبي بصرة وهو جدّ حُميل. قلت: حُميل وأبوه بصرة، وجده وقاصي يكنى أبا بصرة ثلاثة لهم صحبة كما قال مصعب الزبيري، انظر: الإصابة (١/ ٣٥٨) فإذا كان لثلاثة صحبة فمن الجائز أن يكون الحديث من مسند الحفيد، أو من مسند أبيه بصرة، ومن البعيد أن يكون لجده أبي بصرة، لأن الذي سكن البصرة هو حُميل وأبوه. وحُميل أيضًا يكنى بأبي بصرة. فمن قال: أبو بصرة فالمراد منه حُميل -الحفيد- لا الجد وقاص الذي كان يكنى أيضًا بأبي بصرة. والله تعالى أعلم. • عن أبي الجعد الضَمري قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُشد الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى". حسن: رواه البزار "كشف الأستار" (١٠٧٤)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٦٦) كلاهما من طريق سعيد بن عمرو الأشعثي، قال: حدثنا عَبْثَر بن القاسم، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن عبيدة بن سفيان، عن أبي الجعد به. ورجاله رجال الصحيح غير أن محمد بن عمرو بن علقمة مختلف فيه إلا أنه حسن الحديث وهو من رجال مسلم. قال الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٤): رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح، ورواه البزار أيضًا".

стр. 1912

قلت: ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا كل من ابن قانع في معجم الصّحابة" (٧١١)، وأبي نعيم في "معرفة الصحابة" (٦٧٢٥) ولكن الذي عند البزار: سعيد بن محمد، عن عبثر، وأظن أنه خطأ. وإنما هو سعيد بن عمرو الأشعثي وهو من رجال مسلم. قال البزار: لا نعلم روى أبو الجعد إلا هذا، وآخر. قلت: الحديث الآخر هو ما رواه أصحاب السنن وصحّحه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما وهو من الترهيب "من ترك صلاة الجمعة"، وسيأتي تخريجه، ولكن يُعكر هذا ما قاله البخاري كما في "الإصابة" (٤/ ٣٢) بأنه لا يعرف لأبي الجعد إلا الحديث المذكور أعني الترهيب من ترك الجمعة، فهل حديث الباب لم يقف عليه؟ أو يرى أنه لا يَصح. والله تعالى أعلم. وأما أبو الجعد فإنه قد اختلف في اسمه، ولكن ثبتت صحبته. قال البغوي: سكن المدينة، وكانت له دار في بني ضمرة. وقال ابن البرقي: قتل مع عائشة في وقعة الجمل. وفي معناه ما رُوي عن عبد الله بن عمر مرفوعا: لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس. رواه الطبراني في الكبير (١٢/ ٣٣٧، ٣٣٨)، وفي إسناده عبد الله بن عمر وهو ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ضعيف عند جمهور أهل العلم. ١٨ - باب ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الحرام ومسجد رسول الله ﷺ - • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سِواه، إلا المسجد الحرام". متفق عليه: رواه مالك في القبلة (٩) عن زيد بن رباح وعبيد الله بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله سلْمان الأغرِّ، عن أبي هريرة فذكر مثله. ورواه البخاري في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (١١٩٠) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به مثله. ورواه مسلم في الحج (١٣٩٤) من وجه آخر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي عبد الله الأغرِّ أنهما سمعا أبا هريرة فذكر مثله وزاد في آخر الحديث: "وإن رسول الله ﷺ آخر الأنْبياء، وإن مسجده آخر المساجد" أي: آخر مساجد الأنبياء. • عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاةٍ فيما سِواه إلا المسجد الحرام". صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٩٥) من حديث عبيدالله قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر

стр. 1913

فذكر مثله. • عن ميمونة زوج النبي ﷺ قالت: إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "صلاة فيه أفضل من ألْف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا مسجد الكعبة". صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٩٦) عن قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن نافع، عن إبراهيم بن معبد، عن ابن عباس أنه قال: إن امرأة اشتكت شكْوى فقالت: إن شفاني الله لأخرجنَّ فالأصلِّينَّ في بيت المقدس. فبرأَتْ، ثم تجهزتْ تريد الخروجَ. فجاءتْ ميمونة زوج النبي ﷺ تُسَلِّم عليها. فأخبرتْها ذلك. فقالت: اجلسي فكلي ما صنعتِ، وصَلِّي في مسجد الرسول ﷺ فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: فذكرت الحديث. قال النووي ﵀: "إن ميمونة أفتت امرأة نذرت الصلاة في بيت المقدس أن تصلي في مسجد النبي ﷺ ، واستدلت بالحديث. وهذه الدلالة ظاهرة، وهذا حجة لأصح الأقوال في مذهبنا في هذه المسألة". • عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سِواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألْف صلاةٍ فيما سواه". صحيح: رواه ابن ماجه (١٤٠٦) عن إسماعيل بن أسد، قال: حدثنا زكريا بن عدي، قال: أنبأنا عبيدالله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عطاء، عن جابر فذكره. وإسناده صحيح، إسماعيل بن أسد هو: إسماعيل بن أبي الحارث أسد بن شاهين البغداديّ وثقه أبو حاتم والدّارقطني وابن حبان وغيرهم. وتُكلِّم فيه بدون حجة، وتابعه الإمام أحمد (١٤٦٩٤) فرواه من طريق حسين بن محمد وعبد الجبار بن محمد الخطابي، كلاهما عن عبيدالله بن عمر به مثله. وعبيدالله بن عمر هو: ابن أبي الوليد الرَّقِّي من رجال الجماعة. وعبد الكريم هو: ابن مالك الجزري. قال البوصيري في زوائد ابن ماجه: إسناده صحيح. وقال الحافظ في الفتح (٣/ ٦٧): "رجال إسناده ثقات". وسيأتي أيضًا من طريق عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن الزبير، ومن الجائز أن يكون عند عطاء عنهما جميعًا. قال الحافظ: "ويؤيد ذلك أن عطاء إمام واسع الرواية، معروف بالرواية عن جابر وابن الزبير". • عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد

стр. 1914

الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا". حسن: رواه أحمد (١٦١١٧) والبزار -كشف الأستار - (٤٢٥) كلاهما من طريق حماد بن زيد قال: حدثنا حبيب المعلِّم، عن عطاء بن ابي رباح، عن عبد الله بن الزبير فذكر مثله، وصحّحه ابن حبان (١٦٢٠) فرواه من هذا الوجه. ورجاله ثقات غير حبيب المعلِّم فإنه وإن كان من رجال الجماعة إلا أنه مختلف فيه فقد وثقه جماعة، وتكلَّم فيه النسائي غير أنه حسن الحديث. قال الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٤، ٥): "رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير بنحو البزار، ورجال أحمد والبزار رجال الصحيحة". وللحديث أسانيد أخرى والذي ذكرته هو أمثلها. وقوله: وصلاة في المسجد الحرام تَفضلُ بمائة. قال عطاء: "فكأنه مائة ألف" رواه أبو داود الطيالسي (١٣٦٤) من طريق الربيع بن صَبيح قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: بينما ابن الزبير يخطبنا إذ قال: فذكر الحديث. وقال فيه: قلت: يا أبا محمد! هذا الفضلُ الذي تذكره في المسجد الحرام وحده، أو في الحرم؟ قال: لا، بل في الحرم، فإن الحرم كلَّه مسجد. انتهى. والربيع بن صَبيح: بفتح المهملة اخُتِلف فيه، فضعَّفه ابن سعد، ومشّاه الآخرون منهم: أحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وابن عدي وغيرهم. • عن سعد بن أبي وقاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألْفِ صلاةٍ فيما سِواه إلا المسجد الحرام". حسن: رواه أحمد (١٦٠٥) عن سليمان بن داود، أخبرنا عبد الرحمن -يعني ابن أبي الزناد-، عن موسى بن عُقبة، عن أبي عبد الله القراظ، عن سعد فذكر مثله، ولعلّ هذا الحديث سقط من مسند أبي داود المطبوع، وإلا فقد ذكره أيضًا البوصيري في "إتحاف المهرة" (١٣٩٢) وعزاه إلى الإمام أحمد كما رواه أيضًا أبو يعلى (٧٧٤) عن زهير، عن سليمان بن داود الهاشمي به مثله، وقوله: "الهاشمي" خطأ، لأنه فارسي الأصل. وإسناده حسن لأجل الكلام في عبد الرحمن بن أبي الزناد فقد تكلم فيه ابن معين وأحمد وابن مهدي، وأثنى عليه مالك. قال موسى بن سلمة: قدمت المدينة فأتيت مالك بن أنس فقلت له: إني قدمت إليك لأسمع العلم، وأسمع ممن تأمرني به، فقال: عليك بابن أبي الزناد، هذه شهادة مالك وهو أعلم الناس بأهل المدينة. ولكن لما ذهب إلى بغداد أفسده البغداديون. وسليمان بن داود الهاشمي الراوي عنه من البغداديين، إلا أن روايته عنه مقاربة كما قال علي ابن المديني.

стр. 1915

والخلاصة فيه أنه لا بأس به في الشّواهد. ورُوِيَ هذا الحديث بإسناد آخر وفيه موسى بن عُبيدة الرَّبَذي ضعَّفوه ولكن لم يُتهم بل قال فيه ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث وليس بحجة، ومن طريقه رواه البزار كشف الأستار" (٤٢٦) قال: حدثنا محمد بن المثنى، ثنا أبو داود، ثنا شعبةُ، عن موسى بن عبيدة أبي عبد العزيز الربذي، عن عمر بن الحكم، عن سعد فذكر مثله، وفات الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٥) أن يتكلم على إسناد البزار مع العزو إليه، فقال: "رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو ضعيف" وليس في إسناد البزار: عبد الرحمن بن أبي الزناد. فتنبه. شرح الحديث: يرى الطحاوي رحمه الله تعالى أن التفضيل بالصلاة في هذين المسجدين يختص بالفريضة فقط دون النوافل. "شرح المعاني" (٣/ ١٢٨). وذهب الشافعية وكثير من المالكية إلى أنه يعم الفرض والنفل جميعًا لإطلاق الصلاة في الأحاديث الصّحيحة. ولكن هل هذا التضعيف يجمع مع تضعيف الجماعة سبعًا وعشرين درجة أو لا؟ يقول الحافظ: محل بحث، "الفتح" (٣/ ٦٨). وفي الباب عن جبير بن مطعم، رواه الإمام أحمد (١٦٧٣١)، والبزار "كشف الأستار" (٢٣٤)، والطبراني في الكبير (١٦٠٦) كلهم من طريق هُشيم، عن حُصين بن عبد الرحمن السلمي، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن جبير بن مطعم، ولفظه: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام". وفيه انقطاع بين جبير بن مطعم وبين محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة. قال أبو حاتم الرازي: إن محمد بن طلحة روى عن جبير بن مطعم مرسلًا "الجرح والتعديل" (٧/ ٢٩١). وهذا الذي رجحه أيضًا الدارقطني وخطّأ من أدخل بينهما فقال: "عن أبيه". وفي الباب أيضًا عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "أنا خاتم الأنبياء، ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء، أحق المساجد أن يُزار، وتُشد إليه الرواحل: المسجد الحرام، ومسجدي، وصلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام". رواه البزار الكشف الأستار" (١١٩٣) وفيه موسى بن عبيدة ضعيف، قاله الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٤). قلت: وله طرق أخرى كلها ضعيفة. وكذلك حديث أرقم أنه جاء إلى رسول الله ﷺ فسلَّم عليه فقال: " أين تريد؟ " قال: أردت يا رسولَ الله! هاهنا -وأومأ بيده إلى حيث بيت المقدس- قال: " ما يخرجك إليه؟ أتجارة؟ " قال:

стр. 1916

قلت: لا، ولكن أردتُ الصلاة فيه قال: "فالصلاة هاهنا" أومأ إلى مكة بيده "خير من ألف صلاة" وأوما بيده إلى الشّام. وإسناده ضعيف مع الاضطراب، رواه الإمام أحمد (٢٤٠٠٩) عن عصام بن خالد، حدثنا العطَّاف ابن خالد، حدثنا يحيى بن عِمران، عن عبد الله بن عثمان بن الأرقم، عن جده الأرقم فذكر مثله. وفيه يحيى بن عمران وهو ابن عثمان بن الأرقم المخزومي، وعمه عبد الله بن عثمان بن الأرقم مجهولان كما أن عطَّاف بن خالد المخزومي اضطرب في الإسناد. وكذلك ما رُوي عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ ودَّع رجلًا فقال له: "أين تريد؟ " قال: أريد بيت المقدس، فقال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي أفضل من مائة في غيره إلا المسجد الحرام" ضعيف. رواه الإمام أحمد (١١٧٣٣)، وأبو يعلى (١١٦٥ - تحقيق حسين) والبزار "كشف الأستار" (٤٢٩) عن إبراهيم، عن سهم بن منجاب، عن قزعة، عن أبي سعيد فذكر مثله واللفظ لأبي يعلى، ولم يذكر البزار القصة. وذكره الإمام أحمد في حديث طويل وفيه: "لا صومَ يوم عيد، ولا تسافر امرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم، ولا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى" ثم قال أبو سعيد: ودَّع رسول الله ﷺ رجلا فذكر مثله إلا أن فيه: أفضل من ألف صلاة. وإسناده ضعيف لأجل المغيرة وهو: ابن مِقسم الضبي تكلم فيه الإمام أحمد وغيره، فقال الإمام أحمد: "حديث المغيرة بن مِقسم مدخول، عامة ما روي عن إبراهيم إنما سمعه من حماد، ومن يزيد بن الوليد، والحارث الكلبي، وعبيدة وغيرهم، وجعل يُضعف حديثه عن إبراهيم وحده" "الجرح والتعديل (٨/ ٢٢٩). قلت: المغيرة بن مقسم من المدلسين في المرتبة الثالثة عند الحافظ ابن حجر، كما أن في متنه نكارة. ١٩ - باب ما روي فيمن صلَّى أربعين صلاة في المسجد النبوي لا تفوته تكبيرة الإحرام روي عن أنس، عن النبي ﷺ أنه قال: "من صلى في مسجدي أربعين صلاة، كتبت له براءة من النار، ونجاة من العذاب، وبرئ من النفاق". رواه الإمام أحمد (١٢٥٨٣) والطبراني في الأوسط (٥٤٤٠) كلاهما من حديث الحكم بن موسى، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن نُبَيط بن عمر، عن أنس بن مالك، فذكره. ونُبَيط بن عمر مجهول، لم يرو عنه سوى عبد الرحمن بن أبي الرجال، وأما ابن حبان فذكره في ثقاته على قاعدته في توثيق من لم يعرف فيه الجرح. ثم هو خالف من هو أوثق منه في متن الحديث، وهو حبيب بن أبي ثابت، فرواه عن أنس بن

стр. 1917

مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى لله أربعين يوما في جماعة، يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق". رواه الترمذي (٢٤١) عن عقبة بن مكرم ونصر بن علي الجهضمي، قالا: حدثنا أبو قتيبة سلم ابن قتيبة، عن طعمة بن عمرو، عن حبيب بن أبي ثابت به مثله. إلا أنه معلول أيضا. قال الترمذي: "وقد روي هذا الحديث عن أنس موقوفا، ولا أعلم أحدا رفعه إلا ما روى سلم ابن قتيبة، عن طعمة بن عمرو، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أنس، وإنما يروي هذا عن حيب بن أبي حيب البجلي، عن أنس بن مالك قوله"، (يعني موقوفا). ثم رواه الترمذي عن هناد، قال حدثنا وكيع، عن خالد بن طهمان، عن حبيب بن أبي حبيب البجلي، عن أنس بن مالك قوله، ولم يرفعه. ثم قال الترمذي: "وروى إسماعيل بن عياش هذا الحديث عن عمارة بن غزية، عن أنس بن مالك، عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ نحو هذا. وهذا حديث غير محفوظ، وهو مرسل، عمارة بن غزية لم يدرك أنس بن مالك". إلا أنه لم يسق لفظ الحديث، ولكن من ظاهر سياقه "أربعين يوما". قلت: وفيه إسماعيل بن عياش ضعيف في غير الشاميين، وعمارة بن غزية من المدنيين، ثم هو خالف في لفظ الحديث أيضا؛ فقد وصله ابن ماجه (٧٨٩) عن عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عمارة بن غزية، عن أنس بن مالك، عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ أنه كان يقول: " من صلى في مسجد جماعة أربعين ليلة، لا تفوته الركعة الأولى من صلاة العشاء كتب الله له بها عتقا من النار" فقيد هذه الصلاة بصلاة العشاء دون غيرها من الصلوات، وهذا الاختلاف في الإسناد والمتن يجعل الحديث مضطربا، وللحديث طرق أخرى مع اختلاف في متن الحديث يزيده ضعفا على ضعف. وكذلك لا يصح ما روي عن أبي كاهل قيس بن عائذ قال: قال لي رسول الله ﷺ ، فذكر حديثا طويلا، وجاء فيه: "اعلمن يا أبا كاهل أنه من صلى أربعين يوما وأربعين ليلة في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كان حقا على الله أن يكتب له براءة من النار". رواه الطبراني في الكبير (١٨/ ٣٦١، ٣٦٢) عن الحسن بن علي المعمري، ثنا علي بن المديني، ثنا يونس بن محمد المؤدب، ثنا الفضل بن عطاء، عن الفضل بن شعيب، عن أبي منظور، عن أبي معاذ، عن أبي كاهل، قال: فذكره. قال ابن عبد البر في ترجمته في الاستيعاب (٣١٠): "ذُكِرَ له حديث منكر طويل فلم أذكره" وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٢١٩): "وفيه الفضل بن عطاء، ذكره الذهبي وقال: إسناده مظلم"، وذكره العقيلي في الضعفاء.

стр. 1918

وبهذا يعلم أنه لا يصح في هذا الباب شيء. ٢٠ - باب ما جاء في فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه • عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ قال: "إن سليمان بن داود ﷺ لما بنى بيت المقْدِس سأل الله خلالًا ثلاثةً: سأل الله حكمًا يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاةُ فيه أن يخرجه من خطيئتَه كيوم ولدته أمه". صحيح: رواه النسائي (٦٩٣) عن عمرو بن منصور، قال: حدثنا أبو مسهر، قال: حدثنا سعيد ابن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن ابن الديلمي، عن عبد الله بن عمرو فذكره. وإسناده صحيح، وابن الديلمي هو: عبد الله بن فيروز الديلمي أبو بُسر وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان وغيرهم. ورواه الأوزاعي عن ربيعة بن يزيد ولم يذكر بينه وبين ابن الديلمي "أبا إدريس الخولاني". ومن طريقه روا الإمام أحمد (٦٦٤٤) في حديث طويل، وابن حبان (١٦٣٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٣٤) كلهم من طرق عن الأوزاعي، وقد جزم البخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ٢٨٨) بسماع ربيعة بن يزيد من عبد الله الديلمي، وفي رواية الحاكم التصريح بسماعه منه. ورواه الحاكم أبضًا (١/ ٣٠) وقرن يحيى بن أبي عمرو الشيباني بربيعة بن يزيد كلاهما قالا: ثنا عبد الله بن فيروز الديلمي في حديث طويل وقال: هذا حديث صحيح، وقد تداوله الأئمة، وقد احتجا بجميع رواته، ثم لم يخرجاه، ولا أعلم له علة. فإذا صحَّ هذا فيحمل كما هو معروف في علم الحديث أن ربيعة بن يزيد سمع هذا الحديث أوَّلًا من أبي إدريس الخولاني، عن عبد الله الديلمي، ثم تيسر له أن يسمع من عبد الله الديلمي فروى على وجهين. وللحديث طرق أخرى والذي ذكرته هو أجودها، منها ما رواه ابن ماجه (١٤٠٨)، وابن خزيمة (١٣٣٤) كلاهما عن عبيدالله بن الجهم الأنْماطي، حدثنا أيوب بن سُويد، عن أبي زرعة الشيباني يحيى بن أبي عمرو، حدثنا ابن الديلمي، عن عبد الله بن عمرو فذكر مثله. قال البوصيري: "هذا إسناد ضعيف أيوب بن سُويد متفق على تضعيفه، وعبيد الله بن الجهم لا يُعرف". • عن أبي ذر قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله ﷺ : أيهما أفضل مسجد رسول الله ﷺ أو مسجد بيت المقدس؟ فقال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلي، وليوشكن أن لا يكون للرجل مثل شطن فرسه من

стр. 1919

الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعا" أو قال: "خير من الدنيا وما فيها". حسن: رواه الحاكم (٤/ ٥٠٩) والطبراني في الأوسط (٦٩٧٩) كلاهما من حديث حفص بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن الحجاج بن الحجاج، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، فذكره. قال الحاكم: صحيح الإسناد". قلت: إسناده حسن من أجل حفص بن عبد الله وهو ابن راشد السلمي، فإنه حسن الحديث وهو من رجال الصحيح. والحجاج بن الحجاج هو الباهلي، وأبو الخليل هو صالح بن أبي مريم، وكلاهما من رجال الصحيح. قوله: "شطن فرسه" أي حبله. ورواه الطحاوي في مشكل الآثار (٦٠٨) والبيهقي في شعب الإيمان (٤٨٦/ ٣) كلاهما من وجه آخر عن قتادة، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، فذكر نحوه إلا قوله: "ولنعم المصلى"، فقال: "ولنعم المصلي في أرض المحشر وأرض المنشر" كذا عند الطحاوي، وزاد البيهقي بعده: "وليأتين على الناس زمان، ولقيد سوط -أو قال-: قوس الرجل حيث يرى منه بيت المقدس خير له أو أحب إليه من الدنيا جميعا". قال الطحاوي: فكان ما في هذا الحديث يدل على أن الصلاة في مسجد النبي ﷺ كمئتي صلاة وخمسين صلاة في المسجد الأقصى. إلا أن قتادة لم يسمع من عبد الله بن الصامت، ولذا قال الدارقطني في علله (٦/ ٢٦٤): "وقول حجاج بن حجاج، عن قتادة، عن أبي الخليل أشبه بالصواب". وأما ما رُوي عن أبي الدرداء مرفوعا: "فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة، وفي مسجدي ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة" فهو ضعيف. رواه البزار "كشف الأستار" (٤٢٢) والطحاوي في مشكله (٦٠٩) وابن عدي في الكامل (٣/ ١٢٣٤) والبيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٤٨٥) كلهم من حديث سعيد بن سالم القداح، ثنا سعيد بن بشير، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، فذكره. وسعيد بن بشير هو: الأزدي مولاهم، أبو عبد الرحمن الشامي ضعَّفه ابن معين وأبو داود والنسائي وغيرهم، ولذا أطلق عليه الحافظ في "التقريب" بأنه "ضعيف" والراوي عنه سعيد بن سالم القداح "صدوق يهم". ثم هو مخالف لما ثبت من حديث أبي ذر: "مائتان وخمسون صلاة" ورجاله ثقات ضابطون. وأما قول الهيثمي في المجمع (٤/ ٧): "رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات، وفي بعضهم كلام، وهو حديث حسن" ففيه نظر؛ فإن فيه مخالفة من سعيد بن بشير لما ثبت من حديث أبي ذر،

стр. 1920

وإنْ كان بعض أهل العلم حسن الرأي فيه، قال شعبة: كان صدوق اللسان، ووثقه دحيم. وكذلك لا يصح ما رواه أبو داود (٤٥٧)، وابن ماجه (١٤٠٧)، وأحمد (٢٧٦٢٦) كلهم من طريق زياد بن أبي سودة، عن أخيه عثمان بن أبي سودة، عن ميمونة مولاة النبي ﷺ قالت: يا رسول الله! أفْتِنا في بيت المقدس قال: "أرض المحْشَرِ والمنْشَر، ائتُوه فصلوا فيه، فإن صلاةً فيه كألْف صلاةٍ في غيره" قلت: أرأيت إن لم أَستطع أن أتحمل إليه؟ قال: "فتهدي له زيتًا يسرجُ فيه، فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه" فهو منكر. قال الحافظ ابن رجب في فضائل الشام (٣٣١): "وإسناده قوي لأن رواته ثقات، لكن قد قيل: إن إسناده منقطع، وفي متنه غرابة". قلت: وفي إسناده علل منها: زياد بن أبي سودة وإن قال فيه الحافظ: "ثقة" فقد تكلم فيه الذهبي في "الميزان" وأورد له هذا الحديث وقال: في النفس شيء من الاحتجاج به، وقال: هذا حديث منكر جدًّا ونقل عن عبد الحق: ليس هذا الحديث بقوي، وعن ابن القطان: زياد وعثمان ممن يجب التوقف في روايتهما. ومنها: ميمونة لا يُدري من هي، ولا يعرف لعثمان سماع منها. ومنها: الاختلاف في ذكر عثمان أبي سودة بين زياد وميمونة، فرواه ابن ماجه وأحمد كما مضى، ورواه أبو داود ولم يذكر عثمان بينهما. ومنها: أن معنى الحديث لا يستقيم، فإن ألف صلاة خاصة لمسجد رسول الله ﷺ ثبت ذلك بالتواتر، ولم يثبت ذلك لأي مسجد آخر. وكذلك لا يصح ما رواه البهقي في شعب الإيمان (٣/ ٤٨٦) من طريق إبراهيم بن أبي حية، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في المسجد الحرام مائة ألف صلاة، وصلاة في مسجدي ألف صلاة، وفي بيت المقدس خمسمائة صلاة". فإن فيه إبراهيم بن أبي حية ضعيف جدًّا. قال البخاري: منكر الحديث. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن حبان في المجروحين (١٣): "واسم أبي حية اليسع بن أسعد من أهل مكة، يروي عن جعفر بن محمد وهشام بن عروة مناكير وأوابد، يسبق إلى القلب أنه المتعمد لها". تنبيه: وقع في النسخة المطبوعة للبيهقي: "ابن أبي يحيي" وهو خطأ. وفي معناه أحاديث أخرى، وكلها معلولة، والصحيح فيه حديث أبي ذر كما سبق، والله تعالى أعلم. ٢١ - باب ما جاء في فضل مسجد قباء، وإتيانه راكبًا وماشيًا، وأداء الركعتين فيه، وأن الصلاة فيه تعدل عمرة قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ

стр. 1921

وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾. [سورة التوبة: ١٠٧، ١٠٨]. • عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير في قصة هجرته ... فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة. وأسس المسجد الذي أسِّس على التقوي، وصلَّى فيه رسول الله ﷺ ، ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس، حتي بركت عند مسجد رسول الله بالمدينة ... صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٠٦) عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عُقيل قال: ابن شهاب فذكره. قال الحافظ: صورته مرسل، لكنه وصله الحاكم (٣/ ١١) أيضًا من طريق معمر، عن الزهري قال: أخبرني عروة، أنه سمع الزبير به وقال أيضًا: والمسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قُباء قال: فهو أول مسجد بني بالمدينة، وهو في التحقيق أول مسجد صلى النبي ﷺ فيه بأصحابه جماعة ظاهرًا، وأول مسجد بني لجماعة المسلمين عامة. وقال: فالجمهور على أن المراد به مسجد قُباء، هذا هو الظاهر من الآية، ثم قال: والحق أن كلًّا منهما أُسِّس على التقوى وقوله تعالى: ... ﴿ ... فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ يؤيد كون المراد مسجد قُباء، وعند أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: نزلت: ﴿ ... فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾. في أهل قُباء، وعلى هذا فالسر في جوابه بأن المسجد الذي أسس على التقوى مسجده، رفع توهم أن ذلك خاص بمسجد قُباء، قال الداودي وغيره: ليس هذا اختلافًا، لأن كلا منهما أسس على التقوى، وكذا قال السهيلي. وزاد غيره أن قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ يقتضي أنه مسجد قُباء، لأن تأسيسه كان في أول يوم حلَّ النبي ﷺ بدار الهجرة"، انظر: "الفتح" (٧/ ٢٤٥). • عن ابن عمر قال: كان رسول الله يأتي مسجد قُباء راكبًا وماشيًا، فيصلي فيه ركعتين. متفق عليه: رواه مسلم في الحج (١٣٩٩/ ٥١٦) عن محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبي، عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر فذكر مثله. والبخاري في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (١١٩٤) من طريق يحيي (بن سعيد القطان) عن عبيدالله به إلا أنه لم يذكر ركعتين. قال البخاري: "زاد ابن نمير، حدثنا عبيد الله، عن نافع فيصلي فيه ركعتين" وهو موصول من طريق مسلم. ورواه البخاري أيضًا (١١٩١) من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان لا يُصلي من

стр. 1922

الضحى إلا في يومين: يوم يقدم مكة، فإنه كان يقدمها ضُحى فيطوف بالبيت، ثم يُصلي ركعتين خلف المقام، ويوم يأتي مسجد قُباء، فإنه يأتيه كل سبت، فإذا دخل المسجد كره أن يخرج منه حتى يُصلي فيه وكان يُحدِّث أن رسول الله ﷺ كان يزوره راكبًا وماشيًا. • عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يأتي قُباء راكبًا وماشيًا. متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٧١) عن نافع، عن ابن عمر، وفي رواية أبي مصعب، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر فذكر مثله. شرح السنة" (٤٥٨). ورواه مسلم في الحج (١٣٩٩/ ٥١٨) عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن عبد الله ابن دينار به مثله، هكذا رواه مسلم عن يحيى، ولم أجد في رواية يحيى طريق عبد الله بن دينار، وإنما فيه طريق نافع كما مضى. ورواه البخاري في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (١١٩٤) عن مسدد، عن يحيي (بن سعيد القطان) عن عبد الله، عن نافع به مثله. • عن عبد الله بن عمر قال: كان النبي ﷺ يأتي قُباء كلَّ سبتٍ ماشيًا وراكبًا، وكان عبد الله يفعله. متفق عليه: رواه البخاري في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (١١٩٣)، ومسلم في الحج (١٣٩٩/ ٥٢٠) كلاهما من حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر فذكر الحديث. • عن سهل بن حُنَيف قال: قال رسول الله ﷺ : "من خرج حتى يأتي هذا المسجد مسجد قُباء، فصلى فيه كان له عدلَ عمرةٍ". • حسن: رواه النسائي (٦٩٩) عن قتيبة، قال: حدثنا مجمع بن يعقوب، عن محمد بن سليمان الكرماني، قال: سمعتُ أبا أمامة بن سهل بن حُنيف قال: قال أبي، فذكره. ورواه ابن ماجه (١٤١٢) من وجه آخر عن محمد بن سليمان الكرماني به ولفظه: "من تطهَّر في بيِتِه، ثم أتي مسجد قُباء فصلَّى فيه صلاة، كان له كأجر عمرةٍ"، وإسناده حسن لأجل محمد بن سليمان الكرماني القباني ذكره ابن حبان في ثقاته (٧/ ٣٧٢) وروى عنه عدد كبير وإن لم أجد من وثَّقه. ورواية العدد الكثير ترفع عنه جهالةَ العين، والنفس تطمئنُّ بقبول روايته، لأنه لم يأت بخبر منكر وقال فيه الذهبي: وُثِّق، وتابعه عبيد بن محصن الأزدي وعقبة بن ميسرة أبو إسماعيل وغيرهما وله أسانيد أُخرى والذي ذكرته أمثلها. ولذا قال الحاكم في المستدرك" (٣/ ١٢): "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وفي الموضوع أحاديث عن أسيد بن ظُهير الأنصاري، وابن عمر، وكعب بن عُجرة، وظهير بن رافع الحارثي الأوسي، وأنس بن مالك، وعمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم إلا أنَّها لا تخلو من ضعيف أو مجهول، وموقوف وإرسال، وإن البعض منها يُستشهد به عند بعض أهل العلم.

стр. 1923

٢٢ - باب اتخاذ المساجد في الدور وتنظيفها • عن محمود بن الربيع الأنصاري أن عتبان بن مالك وهو من أصحاب رسول الله ﷺ ممن شهد بدرًا من الأنصار أنه أتى رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله! قد أَنكرتُ بَصَرِي وأنا أصلِّي بقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلِّي بهم، وودِدْتُ يا رسول الله! أنَّك تأتيني فتصلِّي في بيتي فأتخذه مصلًّى، قال فقال له رسول الله ﷺ : سأفعل إن شاء الله، قال عِتبان: فغدا رسولُ الله ﷺ وأبو بكر حين ارتفعَ النهارُ فاستأذَنَ رسولُ الله ﷺ فأذِنتُ له، فلم يجلسْ حتى دَخلَ البيتَ ثم قال: أينَ تُحِبُّ أن أصلِّيَ من بيتِكَ؟ قال فأشرتُ له إلى ناحية من البيت، فقام رسولُ الله ﷺ فكبَّرَ، فقمنا فصفَفْنا فصلَّى ركعتين ثم سلَّمَ، قال وحبسناه على خزيرة صَنْعناها له، قال فثاب في البيت رجالٌ من أهل الدار ذوو عَدَدٍ فاجتمعوا. متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٤٢٥)، ومسلم في المساجد (٢٦٣) كلاهما من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني محمود بن الربيع فذكر مثله في حديث طويل مضى في كتاب الإيمان واللفظ للبخاري. وقوله: خزيرة -بخاء معجمة مفتوحة بعدها زاي مكسورة ثم ياء، ثم راء-، وهو نوع من الأطعمة قال ابن قتيبة: تصنع من لحم يقطع صغارًا، ثم يُصب عليه ماء كثير، فإذا نُضج ذُرّ عليه الدقيق، فإذا لم يكن فيها لحم فهي عَصيدة. وحكى الأزهري عن أبي الهيثم أن الخزيرة من النُخالة، وكذا نقله البخاري في كتاب الأطعمة عن النضر بن شميل. وقوله: سمع به أهل الدار، يريد أهل المحلة كما قال: "خير دور الأنصار بنو النجار" أي محلتهم، والمراد أهلها. انظر "الفتح". • عن عائشة قالت: أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور، وأن تُنَظَّفَ وتُطيب. صحيح: رواه أبو داود (٤٥٥)، وابن ماجه (٧٥٩) كلاهما من طريق زائدة بن قُدامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. وهذا إسناد صحيح. ورواه أيضًا ابن ماجه (٧٥٨) من وجه آخر عن مالك بن سُعير، قال: أنبأنا هشام بن عروة به نحوه. ولا يُعل بما رواه الترمذي (٥٩٤) من طريق عامر بن صالح الزبيري عن هشام بن عروة مرفوعًا به مثله، ثم رواه من طريق عبدة ووكيع، عن هشام به مرسلًا وقال: هذا أصح من الحديث الأول

стр. 1924

وتابعه سفيان بن عيينة عن هشام على إرساله، فإن قصد الترمذي ترجيح رواية عبدة ووكيع وسفيان على عامر بن صالح فهو صحيح لأن عامر بن صالح الزبيري متروك كما في التقريب، وإن أراد ترجع الإرسال مطلقًا فهذا ليس بصحيح فإن زائدة بن قدامة ومالك بن سعير نقان وتابعهما أيضًا عامر بن صالح فيجب قبول زيادتهم، ومن المعلوم أن الراوي قد يرسله وقد يوصله، فكل روي بما سمع، ومن علم حجة على من لم يعلم، ولذا اعتمده ابن خزيمة فأخرجه من طريق مالك بن سعير (١٢٩٤) وابن حبان فأخرجه من طريق زائدة (١٦٣٤) في صحيحهما. ورواه الإمام أحمد (٢٣١٤٦) من وجه آخر عن يعقوب (وهو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف) عن أبيه، عن ابن إسحاق قال: حدثني عمر بن عبد الله بن عروة، عن جده عروة، عمن حدثه من أصحاب رسول الله ﷺ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصنع المساجدَ في دورنا، وأن تصلح صنعتَها ونطهرها. وإسناده حسن لأجل ابن إسحاق وصرَّح بالتحديث، وعمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي قال فيه الحافظ: "مقبول" أي حيث يتابع وقد توبع في الإسناد السابق، ولعل المبهم من الصحابي هو عائشة ﵂ كما في الإسناد الأول، وإن كان غيرها فيكون شاهدًا لها. وفي الباب حديث سمرة بن جندب أنه كتب إلى ابنه: "أما بعد فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بالمساجد أن نصنعها في ديارنا، ونُصلح صنعتها، ونطهرها". رواه أبو داود (٤٥٦)، وأحمد (٢٠١٨٤) وفي الإسناد رجال ضعفاء ومجاهيل مع الانقطاع، وَوَهِمَ من عزاه إلى الترمذي. وقوله: "في الدور" قال البغوي في شرح السنة (٢/ ٣٩٧): "يريد المحال التي فيها الدور، ومنه قوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة الأعراف: ١٤٥] يقولون: سمع به أهل الدار، يريدون: أهل المحلة، ومنه كما جاء: "خير دور الأنصار بنو النجار". وقال سفيان: تُبنى المساجد في الدور، يعني القبائل. انتهى بالتصرف. وحمل بعض أهل العلم على أن المراد بالمسجد المُصلَّى لأداء النوافل في البيوت لورود النهي عن جعل البيوت مثل المقابر، وأما الفرائض فتُؤَدَّى في مسجد الجماعة. ٢٣ - باب اتخاذ البيع مساجد َ • عن طلق بن علي قال: خرجنا وفدًا إلى النبي ﷺ فبايعناه، وصلَّينا معه، وأخبرناه أنَّ بأرضِنا بيعةً لنا فاستوهبناه من فضْل طهوره، فدعا بماء فتوضأ، وتمضمض ثم صبَّه في إداوةٍ، وأمرنا فقال: اخرجوا فإذا أتيتُم أرضكم فاكسروا بيعتكم وانضحوا مكانَها بهذا الماء واتخذوها مسجدًا، قلت: إن البلد بعيد، والحر

стр. 1925

شديد، والماء ينشفُ فقال: "مُدُّوه من الماء، فإنه لا يزيده إلا طيبًا" فخرجنا حتى قدمنا بلدنا فكسرنا بيعتنا، ثم نضحنا مكانها، واتخذناها مسجدًا قنادينا فيه بالأذان. قال والراهب رجل من طيّء فلما سمع الأذان قال: دعوة حق، ثم استقبل تلعةً من تلاعِنا فلم نره بعد. صحيح: رواه النسائي (٧٠١) عن هناد بن السري، عن ملازم قال: حدثني عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه طلق بن علي فذكر مثله. وإسناده صحيح، ملازم هو: ابن عمرو بن عبد الله بن بدر اليمامي الحنفي، لقبه لزيم وثقه أبو حاتم وابن معين وقال أحمد: من الثقات. والحديث أخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه (١١٢٣، ١٦٠٢) حديث مسدَّد، عن ملازم بن عمرو به مثله. وللحديث إسناد آخر والذي ذكرته أجوده، منه ما ذكره الإمام أحمد (١٦٢٩٣) عن موسي بن داود، حدثنا محمد بن جابر، عن عبد الله بن بدر، عن طلق بن علي فذكر نحوه مختصرًا، ومحمد ابن جابر هو: ابن سيار الحنفي اليمامي قال أبو زرعة: ساقط الحديث. وقال البخاري: ليس بالقوي يتكلمون فيه. وقال أبو داود: ليس بشيء وتكلم فيه العجلي وابن حبان وأحمد وغيرهم. وفي الإسناد أيضًا عبد الله بن بدر الحنفي، لم يسمع من طلق بن علي، بينهما ابنه قيس بن طلق كما مضى. وقوله: بيعة -بكسر الباء- معبد النصارى أو اليهود. وتَلْعَة: بفتح التاء وسكون اللام - مسيل الماء من أعلى الوادي، وأيضًا يقال ما انحدر من الأرض. ٢٤ - باب نبش القبور وبناء المساجد عليها • عن أنس قال: قَدِمَ النبي ﷺ المدينة فنزل أعلى المدينة في حيّ يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام النبي ﷺ فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى بني النجار فجاءوا مُتَقلِّدي السيوف، كأني أنظر إلى النبي ﷺ على راحِلتِه وأبو بكر ردفه وملأ بني النجار حَولَه، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، وكان يُحِبُّ أن يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم، وأنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملإ من بني النجار فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا: لا والله! لا نطلُبُ ثَمنَه إلا إلى الله، فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خربٌ، وفيه نخل، فأمر النبي ﷺ بقُبورِ المشركين فنُبِشَتْ، ثم بالخرب فسُوِّيتْ، وبالنخل فقُطِعَ، فصَفُّوا النخلَ قِبلَة المسجد، وجَعلُوا عِضَادَتَيهِ الحِجارَةَ، وجعلوا ينقُلونَ الصخرَ

стр. 1926

وهم يرتجزون، والنبي ﷺ معهم وهو يقول: اللَّهُمَّ لا خيرَ إلّا خيرُ الآخِرة ... فاغفرْ للأنصار والمُهاجِرَهْ متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٤٢٨)، ومسلم في المساجد (٥٢٤) كلاهما من حديث عبد الوارث، عن أبي التياح الضُبعي، عن أنس فذكره. ٢٥ - باب النهي أن يتخذ القبر مسجدًا • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٤٣٧)، ومسلم في المساجد (٥٣٠) كلاهما من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكره. ولم يرو مالك هذا الحديث في رواية يحيى بن يحيى الليثي التي بأيدينا. ولكن رواه في كتاب الجامع (١٧٠) عن إسماعيل بن أبي حكيم، أنه سمع عمر بن عبد العزيز بقوله: كان من آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أن قال: "قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. لا يقينَّ دينان بأرض العرب" وهو مرسل. • عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أني أخشى أن يتخذ مسجدًا. هكذا في رواية البخاري. وفي رواية مسلم قالت: فلولا ذاك أبْرِزَ قبرُه، غير أنه خُشِي أن يُتخذ مسجدًا. خَشِيَ: بضم الخاء. متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٣٠)، ومسلم في المساجد (٥٢٩) كلاهما من حديث شيبان (هو ابن عبد الرحمن النحوي) عن هلال بن أبي حميد، عن عروة بن الزبير، عن عائشة فذكرت مثله. وقوله: "خُشِيَ" بالضم هو قريب ممّا ذكره البخاري، وإذا قُرئَ بالفتح فالضمير يعود إلى النبي ﷺ . • عن عائشة وابن عباس، قالا: لما نَزَلَ برسول الله ﷺ طَفِق يطرح خَميصةً على وجهه، فإذا اغتمَّ كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: "لعنةُ الله على اليهود والنصاري، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يُحذِّرُ ما صنعوا. متفق عليه: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٤٥٣، ٣٤٠٤) واللفظ له، ومسلم في المساجد (٥٣١) كلاهما من طريق يونس، عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة،

стр. 1927

عن عائشة وابن عباس فذكرا مثله، وقرن البخاري معمرًا مع يونس. وقوله: "نَزَل" بالفتحتين. والفاعل محذوف أي الموتُ. وفي رواية مسلم: "نُزِل" بضم النون وكسر الزاي. • عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسةً رأينَها بالحبشة فيها تصاوير. فذكرتا للنبي ﷺ فقال: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصورَ، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة". متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٤٢٧)، ومسلم في المساجد (٥٢٨) كلاهما من حديث يحيى بن سعيد، عن هشام، قال: أخبرني أبي، عن عائشة فذكرت مثله، واللفظ للبخاري. وفي لفظ مسلم: تذاكروا عند رسول الله ﷺ في مرضه فذكرت أم سلمة وأم حبيبة كنيسة. وفي رواية عنده أيضًا: أن الكنيسة يقال لها: مارية. • عن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجدَ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجدَ إنِّي أنهاكم عن ذلك". صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٣٢) من طريق عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرَّة، عن عبد الله بن الحارث النجراني، قال: حدثني جندب قال: سمعت النبي ﷺ فذكره في حديث أطول سيأتي في فضائل أبي بكر: "ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لأتخذت أبا بكر خليلًا". • عن أبي عبيدة قال: آخر ما تكلم به النبي ﷺ : "واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجدَ". حسن: رواه الإمام أحمد (١٦٩١) والبزار الكشف الأستار" (٤٣٩)، وأبو يعلى (٨٧٢) كما رواه أيضًا الدارمي (٢٥٠١)، والحميدي (٥٨)، والبخاري في التاريخ الكبير" (٤/ ٥٧)، والبيهقي (٩/ ٢٠٨) كلهم من طرق عن إبراهيم بن ميمون، قال: حدثنا سعد بن سمرة بن جندب، عن أبيه، عن أبي عبيدة فذكره. وبعضهم اقتصر على قوله: "أخرجوا اليهودَ من الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب" ومنهم من جمع بينه وبين اتخاذ القبور في المساجد. وإسناده حسن لأجل إبراهيم بن ميمون الحنّاط المعروف بالنحاس مولى آل سمرة فإنه حسن الحديث. وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: محلّه الصّدق. وسعد بن سمرة وثقه النسائي، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤/ ٢٩٤) وذكره الهيثمي في

стр. 1928

"المجمع" (٢/ ٢٨) وعزاه للبزار وحده وقال: رجاله ثقات. وفي الباب عن أسامة بن زيد قال: قال لي رسول الله ﷺ : "أَدْخِلْ عليَّ أصحابي" فدخلوا عليه فكشف القِناعَ ثم قال: "لعن الله اليهود والنصاري، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". رواه الإمام أحمد (٢١٧٧٤)، والبزار (٢٦٠٩)، والطبراني في "الكبير" (١/ ١٢٧، ١٣١)، كلهم من طرق عن قيس بن الربيع، حدثنا جامع بن شدَّاد، عن كلثوم الخزاعي، عن أسامة بن زيد فذكر مثله. وفيه قيس بن الربيع الأسدي ضعيف، ضعَّفه ابن معين وعلي بن المديني وابن سعد والدارقطني وغيرهم، وقال أبو داود: "ليس بشيء"، وقال النسائي: "ليس بثقة"، وقال العجلي: "الناس يضعفونه". وأما ابن عدي فكان حسن الرأي فيه فقال: عامة رواياته مستقيمة، وقال ابن حبان: لما كبر ساء حفظه، وامتحن بابن سوء فكان يُدخِل عليه الحديث فيجيب فيه ثقةً منه بابنه فوقع المناكير في أخباره من ناحية ابنه. فلما غلب المناكير على صحيح حديثه، ولم يتميز استحق مجانبته عند الاحتجاج "المجروحين" (٢/ ٢٢٢) ولم يذكره في الثقات. وأما الهيثمي فقال في "المجمع" (٢/ ٣٠) "رجاله موثقون"، كذا قال مع أن ابن حبان لم يذكره في الثقات. وفي الباب أيضًا عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ قال: لعن الله اليهودَ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجدَ". رواه أحمد (٢١٦٠٤، ٢١٦٠٥)، والطبراني في "الكبير" (٤٩٠٧) وعبد بن حميد (٢٤٤) كلهم من طريق عقبة بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن زيد بن ثابت فذكره. وعقبة بن عبد الرحمن هو: ابن أبي مَعْمر الحجازي قال فيه الحافظ: "مجهول". وأما الهيثمي فعلى قاعدة توثيق المجاهيل اعتمادًا على ما ذكره ابن حبان في الثقات فقال: "رجاله مُوَثَّقون" لأنه ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٢٤٤). ٢٦ - باب نومُ الرجالِ في المسجد لمن اضطر إلى ذلك • عن سهل بن سعد قال: جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة فلم يجد عليًّا في البيت فقال: أين ابن عمك؟ قالت: كان بيني وبينه شيءٌ فغاضبني فخرج، فلم يَقِلْ عندي، فقال رسول الله ﷺ لإنسان: "انظر أين هو؟ " فجاء فقال: يا رسول الله! هو في المسجد راقد. فجاء رسول الله ﷺ وهو مضطجع قد سقط رداءَه عن شِقِّه وأصابه تراب فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه ويقول: "قم أبا تراب، قم أبا تُراب". متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٤٤١)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٠٩) كلاهما عن

стр. 1929

قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد فذكره. واللفظ للبخاري، وفي حديث مسلم قصة وهي: استُعْمِل على المدينة رجل من آل مروان، قال: فدعا سهل بن سعد، فأمره أن يشْتِم عليًّا قال: فأبي سهل، فقال له: أما إذا أبيت فقل له: لعن الله أبا التراب، فقال سهل: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي التراب، وإن كان ليفرح إذا دعي بها، فقال له: أخبرنا عن قصته لِم سُمِّي أبا تراب، فذكر مثل ما مضى. وقد أشار البخاري إلى هذه القصة باختصار (٣٧٠٣). • عن عبد الله بن عمر أنه كان ينام -وهو شاب أعزب لا أهل له- في مسجد النبي ﷺ . متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٤٤٠) ومسلم في الفضائل (٢٤٧٩) كلاهما عن طريق عبيد الله بن عمر قال: حدثني نافع، قال: أخبرني عبد الله بن عمر، فذكره، واللفظ للبخاري. • عن أسماء بنت زيد أن أبا ذر كان يخدم النبي ﷺ ، فإذا فرغ من خدمته آوي إلى المسجد، وكان هو بيته يضطجع فيه. فدخل رسول الله ﷺ ليلة فوجد أبا ذر منجدلًا في المسجد فَنَكَتَهُ رسول الله برجله حتى استوى جالسًا فقال له رسول الله ﷺ : "ألا أراك نائمًا"؟ قال أبو ذر يا رسول الله! فأين أنام وهل لي بيت غيره؟ فذكر الحديث بطوله. حسن: رواه الإمام أحمد (٢٧٥٨٨)، والطبراني في الكبير (١٦٢٣) كلاهما من طريق عبد الحميد بن بهرام، قال: حدثنا شهْر بن حوشب قال: حدثتني أسماء بنت يزيد فذكرته بطوله. وهو مذكور بكامله في موضعه. وإسناده حسن لأجل الخلاف في شهر بن حوشب فقد ضعفه البعض، ووثقه البعض غير أنه حسن الحديث إذا لم يأت ما ينكر عليه، انظر كلام أهل العلم فيه في كتاب الطهارة: الأذنان من الرأس. ورواه الطبراني في "الأوسط" (٧٩٤٦) من وجه آخر عن إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي ذر أنه كان يخدم النبي ﷺ ، فإذا فرغ من خدمته أتي المسجد فاضطجع فيه، -وعبد الرحمن بن غَنْم- بفتح الغين وسكون النون -من نقات التابعين، وقيل: كان له صحبة. وفيه إسماعيل بن عياش صدوق إذا روى عن أهل بلده الشاميين، ومخلط إذا روى عن غير أهل بلده. وعبد الله بن عبد الرحمن أبو حسين النوفلي مكي. ورواه الدارمي (١٤٠٥) من وجه آخر من طريق أبي حرب بن أبي الأسود الدِّئلي، عن عمِّه، عن أبي ذرٍّ قال: أتاني نبي الله ﷺ وأنا نائم في المسجد، فضربني برجله قال: "ألا أرَاك نائما فيه"

стр. 1930

قلت: يا نبي الله! غلبتني عيني. وإسناده صحيح. ٢٧ - باب نصب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم إذا لم يكن لهم مكان مُعَدٌّ لذلك • عن عائشة قالت: أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش يقال له: حِبَّان بن العَرِقة، رماه في الأكحل، فضرب النبي ﷺ خيمةً في المسجد ليعوده من قريب. فلم يَرُعْهُم -وفي المسجد خيمة من بني غِفار- إلا الدمُ يسيلُ إليهم. فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جُرْحُه دمًا، فمات فيها. متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٤٦٣)، ومسلم في الجهاد (١٧٦٩) كلاهما من حديث ابن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرت مثله في حديث طويل سيأتي في كتاب الجهاد. قوله: فلم يرعْهم، قال الخطابي: المعنى أنهم بينما هم في حال طمأنينة حتى أفزعْنهم رؤية الدم فارتاعوا له. وقوله: يغذو: بالغين والذال المعجمتين -أي يسيل. ٢٨ - باب ضرب الخيمة في المسجد للمرأة التي ليس لها سكن • عن عائشة أن وليدة كانت سوداء لحَيٍّ من العرب، فأعتقوها فكانت معهم، قالت: فخرجت صبِيَّةٌ لهم، عليها وِشاحٌ أحمرُ من سُيُورٍ، قالت: فوضعتْه، أو وقع منها، فمَرّتْ به حُدَيَّاة وهوَ مُلْقى، فحَسِبَتْهُ لحْمًا فخطِفَتْهُ، قالت: فالْتَمَسُوهُ فلم يجِدُوْه، قالت: فاتَّهَمُوني به، قالت: فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ، حتَّى فَتَّشُوا قُبُلَها، قالت: والله! إني لقائِمةٌ معهم، إذ مرت الحدَيّاة فألقته، قالت: فوَقَعَ بينهُم، قالت: فقلتُ هذا الذي اتَّهمتموني به، زَعَمْتُم وأنا منه بَريئةٌ، وهو ذا هو، قالت: فجاءتْ إلى رسول الله ﷺ فأسلمت، قالت عائشة: فكان لها خِباءٌ في المسجد أو حِفْشٌ، قالت: فكانت تأتيني فَتُحَدِّث عِنْدِي، قالت: فلا تجلِس عندي مجلسًا، إلا قالت. ويومَ الوِشاح من تعاجيبِ ربِّنا ... ألا إنَّه من بلدةِ الكفرِ أنجاني قالت عائشة: فقلت لها: ما شأنك لا تقعُدين معي مقعدًا إلا قلت هذا؟ قالت: فحدَّثَتْني بهذا الحديث. صحيح: رواه البخاريّ (٤٣٩) عن عبيد بن إسماعيل قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرت مثله.
следующие страницы →