Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
حسن: رواه ابن حبَّان (١٢٩٢) عن علي بن محمد قال: حَدَّثَنَا وكيع، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره.
وإسناده حسن للكلام في عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي غير أنه حسن الحديث. انظر تفصيل ذلك في باب تكبيرات العيدين.
• عن أبي سعيد الخدريّ قال: "كان رسول الله لا يُصَلِّي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى منزله صلَّى ركعتين".
حسن: رواه ابن ماجة (١٢٩٣)، وأحمد (١١٢٢٦)، وابن خزيمة (١٤٦٩)، والحاكم (١/ ٢٩٧) كلّهم من حديث عبيد الله بن عمرو الرَّقِّي، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن عطاء ابن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد الله بن محمد بن عَقيل فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف.
قال الحاكم: "هذه سنة عزيزة بإسناد صحيح".
وحسَّنه الحافظ في "الفتح" (٢/ ٤٧٦) وقال أيضًا: "والحاصل أنَّ صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها ولا بعدها خلافًا لمن قاسها على الجمعة" انتهى.
٨ - باب ما جاء في تكبيرات العيدين سبعًا في الأوّلى وخمسًا في الثانية
• عن عائشة أن النَّبِيّ ﷺ كان يُكبِّر في الفِطر والأضحى: في الأوّلى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات.
حسن: رواه أبو داود (١١٤٩) عن قُتَيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة فذكرته.
وابن لهيعة فيه كلام معروف لسوء حفظه واختلاطه، لكن رواية قُتَيبة بن سعيد عنه مستقيمة، ورواه عنه أيضًا عبد الله بن وهب، وهو قديم السماع منه.
قال عبد الغني بن سعيد الأزدي: إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة فهو صحيح، وهم: ابن المبارك وابن وهب والمقرئ كذا في "تهذيب التهذيب".
فقد روى أبو داود (١١٥٠) عن ابن السرح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنَّ النَّبِيّ ﷺ كبَّر في الفِطر والأضحى سبعًا وخمسًا سوي تكبيرتَيْ الرّكوع.
ورواه ابن ماجة (١٢٨٠) عن حرملة بن يحيى، حَدَّثَنَا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد وعُقيل، عن ابن شهاب به مثله. فجمع بين خالد وعُقيل وهما من شيوخ ابن لهيعة
стр. 1962
فتارة يروي عن هذا، وتارةً عن هذا وكله صحيح. وإليه أشار محمد بن يحيى الذهلي قائلًا: هذا هو المحفوظ؛ لأنَّ ابن وهب قديم السماع من ابن لهيعة. انظر "السنن الكبري" (٣/ ٢٨٧).
وأمّا ما نقله الترمذيّ في "العلل الكبير" (١/ ٢٨٨، ٢٨٩) عن البخاريّ بأنَّه ضعَّفه وقال: لا أعلمه رواه غير ابن لهيعة. وقال أيضًا الحاكم (١/ ٢٩٨): "تفرّد به عبد الله بن لهيعة، وقد استشهد به مسلم في موضعين".
فهو كلام متّجه، لأنَّ مداره على ابن لهيعة، ولكن في رأي جمهور أهل العلم أن تفرده لا يضر ما دام روى عنه أحد العبادلة وهم قديم السماع منه.
• عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال النَّبِيّ ﷺ : "التكبير في الفطر سبعٌ في الأوّلى، وخمسٌ في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما".
حسن: رواه أبو داود (١١٥١) عن مسدد، حَدَّثَنَا المعتمر، قال: سمعتُ عبد الله بن عبد الرحمن الطائفيّ، يحدِّث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص فذكره.
ومن طريقه رواه الدَّارقطنيّ (٢/ ٤٨)، والبيهقي (٣/ ٢٨٥).
وإسناده حسن لأجل الكلام في عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي غير أنه حسن الحديث، وقد وثَّقه ابن معين في رواية، وفي رواية قال: صويلح، وفي رواية: ضعيف، وضعَّفه أيضًا النسائيّ ووثَّقه العجليّ، وقال البخاريّ: مقارب الحديث. وصحَّح هذا الحديث فيما نقله الترمذيّ في "العلل الكبير" (١/ ٢٨٨) ونقل الحافظ ابن حجر في التلخيص: تصحيحه عن الإمام أحمد.
وقال في الفتوحات الربانية (٤/ ٢٤١): "حسن صحيح".
وقال النوويّ في "المجموع" (٥/ ٢١): "صحيح، رواه أبو داود وغيره بأسانيد حسنة".
ثمّ قال أبو داود: ورواه وكيع وابن المبارك، قالا: سبْعًا وخمسًا.
قلت: حديث وكيع روى عنه الإمام أحمد (٦٨٨) عن عبد الله بن عبد الرحمن سمعه من عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ النَّبِيّ ﷺ كبَّر في عيدٍ ثنتي عشرة تكبيرة، سبْعًا في الأوّلى، وخمسًا في الآخرة، ولم يُصَلِّ قبلها ولا بعدها.
وحديث ابن المبارك رواه ابن ماجة (١٢٧٨) عن محمد بن العلاء، عن ابن المبارك، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النَّبِيّ ﷺ كبَّر في صلاة العيد سبْعًا وخمسًا.
وكذلك رواه أبو نُعَيم، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي قال: سمعت عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنَّ رسول الله ﷺ كبَّر في العيد يوم الفطر سبعًا في الأولى، وفي الآخرة خمسًا سوي تكبيرة الإحرام. رواه الدَّارقطني من طريقه، فجعل وكيع وابن المبارك وأبو نعيم من فعل النَّبِيّ ﷺ لا من قوله، وهذا هو الأرجح وهو الذي صحَّحه البخاريّ.
стр. 1963
وفيه ردٌّ على ما رواه سليمان بن حيَّان، عن أبي يعلى الطائفي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنَّ النَّبِيّ ﷺ كان يُكبِّر في الفطر في الأوّلى سبعا، ثمّ يقرأ ثمّ يكبر، ثمّ يقوم، فيكبر أربعًا، ثمّ يقرأ، ثمّ يركع، رواه أبو داود (١١٥٢) عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن سليمان بن حيان به.
فجعل في الثانية أربعًا.
وسليمان بن حيان -أبو خالد- وإن كان من رجال الشّيخين إِلَّا أنَّه كان يخطئ كما في التقريب. وهذا من خطئه. وإليه يشير البيهقيّ (٣/ ٢٨٥، ٢٨٦) عقب روايته عن أبي داود، عن مسدد، ثنا المعتمر، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي قال: وكذلك رواه ابن المبارك ووكيع وأبو عاصم وعثمان بن عمر وأبو نعيم، عن عبد الله. وفي كل ذلك دلالة على خطأ رواية سليمان بن حيان، عن عبد الله الطائفي في هذا الحديث سبْعًا في الأوّلى، وأربعًا في الثانية".
وفي الباب عن ابن عباس عند الدَّارقطنيّ (٢/ ٦٦)، والحاكم (١/ ٣٢٦) وفيه محمد بن عبد العزيز يرويه عن أبيه، ومحمد هذا ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ٧) فقال: "سألت أبي عنه فقال: هم ثلاثة إخوة: محمد بن عبد العزيز، وعبد الله بن عبد العزيز، وعمران بن عبد العزيز، وهم ضعفاء الحديث، ليس لهم حديث مستقيم".
وقال الحافظ في "اللسان": "قال البخاريّ: محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف منكر الحديث، ويقال: بمشورته جُلِد مالكٌ الإمامُ.
وقال النسائيّ: متروك، وقال الدَّارقطنيّ: ضعيف.
وأمّا الحاكم فصحَّحه، ورده الذّهبيّ فقال: "عبد العزيز ضُعِّف"، يعني محمد وأبوه كلاهما ضعيفان.
وعن عمرو بن عوف، رواه الترمذيّ (٥٣٦)، وابن ماجة (١٢٧٩) كلاهما من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده أن النَّبِيّ ﷺ كبَّر في العيدين في الأوّلى سبْعًا قبل القراءة، وفي الآخر خَمسًا قبل القراءة.
قال الترمذيّ: "حسن، وهو أحسن شيء رُوي في هذا الباب عن النَّبِيّ ﷺ ".
وقال الترمذيّ: "سألت البخاريّ عن هذا الباب فقال: "ليس في الباب شيء أصح من هذا، وبه أقول، وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي أيضًا صحيح، والطائفي مقارب الحديث" انتهى.
وصحّحه أيضًا ابن خزيمة (١٤٣٨) فرواه من هذا الوجه والحق أنَّه ضعيف جدًّا، فإن كثير بن عبد الله تكلم الناس فيه كلامًا شديدًا حتى قال الشافعي رحمه الله تعالى: "هو ركن من أركان الكذب".
وقال النووي في "المجموع" (٥/ ٢١) بعد أن ذكر كلام البخاريّ: "وهذا الذي قاله فيه نظر، لأنَّ كثير بن عبد الله ضعيف، ضعَّفه الجمهور".
وقال الحافظ في "التلخيص": "وكثير ضعيف، وقد أنكر جماعة تحسينه على الترمذي".
وأمّا ما نقله الترمذيّ عن البخاريّ فتعقبه ابن القطان قائلًا: وهذا ليس بصريح في التصحيح،
стр. 1964
فقوله: هو أصح شيءٍ في الباب، يعني أشبه ما في الباب، وأقل ضعفًا. وقوله: وبه أقول: يحتمل أن يكون من كلام الترمذيّ، أي أنَّ أقول، إن هذا الحديث أشبه ما في الباب. وكذا قوله: وحديث الطائفي صحيح، يحتمل أن يكون من كلام الترمذيّ، وقد عُهِد منه تصحيح حديث عمرو بن شعيب، فظهر من ذلك أنَّ قول البخاري: أصح شيءٍ؛ ليس معناه صحيحًا، ثمّ تكلم على كثير بن عبد الله ونقل كلام أهل العلم في تضعيفه. انتهى.
قلت: كلام ابن القطان متجه، لأن البخاريّ لا يصحح حديث كثير بن عبد الله، إِلَّا أنه يرى أن حديث عمرو بن شعيب هو أصح ما في الباب، يعني غيره أضعف منه ولذا اعتمده أهل الحديث فجعلوا التكبير في الأوّلى سبعًا وفي الثانية خمسًا.
قلت: وفي الباب أحاديث أخرى منها حديث سعد المؤذن، وجابر بن عبد الله وابن عمر وغيرهم وكلها ضعيفة، والتي ذكرتها أصحّها.
وبه قال جماعة من الصّحابة والتابعين.
روي مالك في العيدين (٩) عن نافع مولى عبد الله بن عمر، أنه قال: شهدتُ الأضحى والفِطر مع أبي هريرة، فكبَّر في الركعة الأوّلى سبع تكبيرات قبل القراءة. وفي الآخِرة خمس تكبيرات قبل القراءة.
قال مالك: وهو الأمر عندنا.
وقال الإمام أحمد: وبهذا آخذ "مسائل أحمد لابنه" (٢/ ٤٢٨).
وقال الترمذيّ: وهو قول أهل المدينة، وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، ورُوي عن عبد الله بن مسعود أنَّه قال في التكبير في العيدين: تسع تكبيرات. في الركعة الأوّلى خمسًا قبل القراءة. وفي الركعة الثانية يدا بالقراءة ثمّ يُكبِّر أربعًا مع تكبيرة الركوع، وقد رُوي عن غير واحد من أصحاب النَّبِيّ ﷺ نحو هذا. وهو قول أهل الكوفة وبه يقول سفيان الثوري". انتهى.
وأمّا ما رواه أبو عائشة -جليسٌ لأبي هريرة- أنَّ سعيد بن العاص سأل أبا موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان: كيف كان رسول الله ﷺ يُكبِّر في الأضحى والفِطر؟ فقال أبو موسى. كان يُكبِّر أربعًا تكبيرةُ على الجنائز، فقال حذيفة: صدق، فقال أبو موسى: كذلك كنت أكبِّر في البصرة حيث كنت عليهم، وقال أبو عائشة: وأنا حاضر لسعيد بن العاص. فهو ضعيف.
رواه أبو داود (١١٥٣) عن محمد بن العلاء وابن أبي الزّناد، المعني قريب، قالا: حَدَّثَنَا زيد - يعني ابن حبَّان- عن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، قال: أخبرني أبو عائشة فذكره.
أبو عائشة غير معروف. ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول" يعني عند المتابعة، ولم يتابع، فهو "لين الحديث" وأخرجه البيهقيّ (٣/ ٢٨٩، ٢٩٠) من طريق أبي داود وقال: "قد خولف راوي هذا الحديث في موضعين، أحدهما: في رفعه، والآخر في جواب أبي موسى، والمشهور في هذه القصة أنهم أسندوا أمرهم إلى ابن مسعود، فأفتاه ابن مسعود بذلك، ولم يسنده إلى النَّبِيّ ﷺ ،
стр. 1965
كذلك رواه أبو إسحاق السبيعي عن عبد الله بن موسى، أو ابن أبي موسى أنَّ سعيد بن العاص أرسل إلى ابن مسعود وحذيفة، وأبي موسى، فسألهم عن التكبير في العبد، فأسندوا أمرهم إلى ابن مسعود فقال: تكبَّر أربعًا قبل القراءة، ثمّ تقرأ، فإذا فرغت كبَّرت، فركعت، ثمّ تقوم في الثانية فتقرأ، فإذا فرغت كبَّرت أربعًا. وعبد الرحمن هو: ابن ثابت بن ثوبان ضعَّفه يحيى بن معين قال: كان رجلًا صالحًا" انتهى.
وأعلَّ ابن الجوزي في "التحقيق" لعبد الرحمن بن ثوبان قال قال ابن معين: ضعيف، وقال أحمد: لم يكن بالقويّ، وأحاديثه مناكير، قال: وليس يُروي عن النَّبِيّ ﷺ في تكبير العيدين حديث صحيح. انتهى.
وقال في "التنقيح" عبد الرحمن بن ثوبان وثَّقه غير واحد، وقال ابن معين: ليس به بأس، ولكن أبو عائشة، قال ابن حزم فيه: مجهول.
وقال ابن القطان: "لا أعرف حاله" انظر "نصب الراية" (٢/ ٢١٥).
قال البيهقيّ بعد أن روى حديث ابن مسعود من قوله: "والمرفوع أولى مع عمل الناس".
٩ - باب ما يقرأ به في صلاة العيدين
• أن عمر بن الخطّاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان يقرأ به رسولُ الله ﷺ في الأضحى والفِطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ..
صحيح: رواه مالك في العيدين (٨) عن ضمرة بن سعيد المازنيّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عمر بن الخطّاب سأل أبا واقد فذكره.
ورواه مسلم في العيدين (٨٩١) من طريق مالك به، مثله.
ولكن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لم يدرك عمر بن الخطّاب، ولذا أورد مسلم عقبه رواية أخرى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي واقد الليثي قال: سألني عمر بن الخطّاب عمَّا قرأ به رسول الله ﷺ في يوم العيد؟ فقلت: بـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، و. ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾.
قال النوويّ: "الرواية الثانية متصلة، فإنه أدرك أبا واقد بلا شك، وسمعه بلا خلاف، فلا عَتَبَ على مسلم حينئذ في روايته، فإنه صحيح متصل".
• عن النعمان بن بشير قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. قال: وإذا اجتمع العيدُ والجمعةُ في يوم واحدٍ يقرأ بهما أيضًا في الصَّلاتين.
صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٧٨) من طرق عن جرير، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر،
стр. 1966
عن أبيه، عن حبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير، عن النعمان بن بشير فذكره.
• عن سمرة بن جندب أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يقرأ في العيدين ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٠٠٨٠) عن محمد بن جعفر، أخبرنا شعبةُ، وحجاجُ قال: حَدَّثَنِي شعبةُ، قال: سمعت معبد بن خالد، يحدِّث عن زيد بن عُقْبة، عن سمرة بن جندب فذكره.
وإسناده صحيح. وحجاج هو: ابن محمد المصِّيصي الأعور، ورواه الطبرانيّ في الكبير (٦٧٧٣، ٦٧٧٧، ٦٧٧٨) من طرق عن زيد بن عقبة به مثله.
وسيأتي في كتاب الجمعة أنَّ النَّبِيّ ﷺ كان يقرأ في الجمعة بهاتين السورتين. رواه أبو داود وغيره.
١٠ - باب ترك الأذان والإقامة في العيد
• عن جابر بن سمرة قال: صلَّيْتُ مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرَّةٍ ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة.
صحيح: رواه مسلم في العيدين (٨٨٧) من طرق عن أبي الأحوص، عن سماك، عن جابر بن سمرة فذكره.
• عن ابن عباس وجابر بن عبد الله الأنصاري قالا: لم يكن يُؤَذَّن يوم الفِطر، ولا يوم الأضحى.
متفق عليه: رواه مسلم في العيد (٨٨٦) من طريق عبد الرزّاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني عطاء، عن ابن عباس وعن جابر بن عبد الله فذكراه.
قال ابن جريج: ثمّ سألتُه بعد حين عن ذلك: فأخبرنيّ، قال: أخبرني جابر بن عبد الله الأنصاري: أَنْ لا أذان للصلاة يوم الفِطر حين يخرج الإمام، ولا بعد ما يخرج، ولا إقامة، ولا نِداءَ. ولا شيء، ولا نداء يومئذ ولا إقامة.
وقال ابن جريج: أخبرني عطاء أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزُّبير أوَّلَ ما بُويع له: أنه لم يكن يؤذِّن للصلاة يوم الفطر، فلا تُؤْذِّنْ لها. قال: فلم يؤذِّن لها ابن الزُّبير يومَه. وأرسل إليه مع ذلك: إنّما الخطبة بعد الصّلاة. وإنَّ ذلك قد كان يُفعل، قال: فصلَّي ابن الزُّبير قبل الخطبة. وعلَّقه البخاريّ (٩٥٩، ٩٦٠).
ورواه البخاريّ في العيدين (٩٦٠) من وجه آخر عن ابن جريج، ولم يذكر القصة.
• عن ابن عباس أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى العيد بلا أذان ولا إقامة، وأبا بكر وعمر، أو عثمان، شك يحيي.
صحيح: رواه أبو داود (١١٤٧)، وابن ماجة (١٢٧٤) كلاهما من طريق يحيي بن سعيد، عن ابن
стр. 1967
جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس إِلَّا أنَّ ابن ماجة لم يذكر "شك يحيي".
ورواه مسلم في العيدين (٨٨٤) عن محمد بن رافع وعبد بن حُميد كلاهما عن عبد الرزّاق قال: أخبرنا ابن جريج به مطوَّلًا إِلَّا أنه لم يذكر فيه "بلا أذان ولا إقامة" وسيأتي الحديث بتمامه في باب الصّلاة قبل الخطبة.
• عن ابن عمر قال: خرج رسول الله ﷺ في يوم عيد، فَصلَّي بغير أذان ولا إقامة.
حسن: رواه النسائيّ في الكبرى (١٧٧٥) عن الحسن بن قزعة، قال: أخبرنا حصين بن نُمير، عن الفضل بن عطية، قال: حَدَّثَنَا سالم بن عبد الله، عن أبيه فذكره.
وفي الإسناد الحسن بن قزعة صدوق وحصين بن نُمير "لا بأس به، ورمي بالنصب" وشيخه الفضل بن عطية "صدوق بهم".
١١ - باب الصلاة قبل الخطبة
• عن ابن عمر أنَّ رسول الله كان يُصَلِّي في الأضحى والفِطر، ثمّ يخطب بعد الصّلاة.
وفي رواية: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ يُصَلّون العيدين قبل الخطبة.
متفق عليه: الرواية الأولى أخرجها البخاريّ في العيدين (٩٥٧) عن إبراهيم بن المنذر، قال: حَدَّثَنَا أنس، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
والرّواية الثانية رواها البخاريّ في العيدين (٩٦٣)، ومسلم في العيدين (٨٨٨) كلاهما من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر فذكر مثله.
• عن أبي سعيد قال: كان رسول الله ﷺ يخرجُ يوم الفِطر والأضحى إلى المصلَّى، وأوَّلُ شيء يبدأ به الصّلاةُ، ثمّ ينصرف فيقوم مقابل الناس -والناس جُلُوس على صُفُوفهم- فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، وإن كان يريد أن يقطعَ بعثًا أو يأمرَ بشيء أمرَ به، ثمَّ ينصرفُ، وقال أبو سعيد: فلم يزلِ الناس على ذلك، حتَّى خرجتُ مع مروان، وهو أمير المدينة في أضحًى -أو فطرٍ- فلمّا أتينا المصلَّي إذا مِنْبَرٌ قد بناه كثير بن الصَّلت، فإذا هو يريد أن يرتقيه قبل أن يصلِّي، فجبذت بثوبه، فجبذني وارتفع، فخطب قبل الصّلاة، فقلتُ له: غَيَّرتُم والله! فقال: أبا سعيد! ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله! خيرٌ مما لا أعلم، فقال: إنَّ الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصّلاة، فجعلتُها قبل الصّلاة".
стр. 1968
وفي رواية قال: "إنَّ رسول الله ﷺ كان يخرج يوم الأضحي ويوم الفطر، فيبدأ بالصلاة، فإذا صلَّى صلاته قام فأقبل على الناس وهم جُلُوسُ في مُصلَّاهم، فإن كانت له حاجة ببَعْثٍ ذكره للناس، أو حاجةٌ بغير ذلك أمرهم بها، وكان يقول: تصدَّقوا، تصدَّقوا، تصدَّقوا، فكان أكثرَ مَنْ يتصدَّق النساء، ثمّ انصرف، فلم يزل كذلك حتى كان مروان بن الحكم، فخرجت محاضرًا مروان حتّى أتينا المصلَّى، فإذا كثير بن الصلت قد بني منبرًا من طينٍ ولَبنٍ، فإذا مروان يُنَازِعني يده، كأنَّه يجرُّني نحو المنبر، وأنا أجُرُّه نحو الصّلاة، فلمّا رأيتُ ذلك قلت: أين الابتداء بالصلاة؟ قال: لا، يا أبا سعيد! قد تُرك ما تعلم، قلت: كلَّا، والذي نفسي بيده! لا تأتون بخير مما أعلم -ثلاثَ مرات ثمّ انصرف".
متفق عليه: رواه البخاريّ في العيدين (٩٥٦) عن سعيد بن أبي مريم، قال: حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد، عن عياض بن عبد الله بن أبي سَرْح، عن أبي سعيد الخدريّ فذكره وهي الرواية الأوّلى. ورواه مسلم في العيدين (٨٨٩) من وجه آخر عن داود بن قيس، عن عياض بن عبد الله به وهي الرواية الثانية.
قوله: "إلى المصلى"، هو موضع معروف بالمدينة، بينه وبين باب المسجد ألف ذراع قاله عمر ابن شَبَّة في "أخبار المدينة".
وفي الحديث دليل على استحباب الخروج إلى الصحراء لصلاة العيد، وأنَّ ذلك أفضل من صلاتها في المسجد؛ لمواظبة النَّبِيّ ﷺ على ذلك مع فضل مسجده.
• عن طارق بن شهابٍ قال: أوَّل من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصّلاةِ مروان. فقام إليه رجل، فقال: الصّلاة قبل الخطبةِ! فقال: قد تُرِك ما هنالك فقال أبو سعيد: أمَّا هذا فقد قضى ما عليه. سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
صحيح: أخرجه مسلم في الإيمان (٤٩) من طريق سفيان وشعبة كلاهما عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهابٍ فذكره.
وسياق هذا الحديث يخالف ما قبله فإنَّه صريح في أنَّ أبا سعيد هو الذي أنكر. وقد أجاب النوويّ بأجوبة وأطال فيها. والذي أميل إليه لعل إنكار أبي سعيد وقع بينه وبين مروان، وإنكار الآخر وقع على رؤوس الناس وأقر أبو سعيد إنكار هذا الرّجل، واستدل له بحديث النَّبِيّ ﷺ ، والله تعالى أعلم.
• عن أنس قال: كانت الصّلاة في العيدين قبل الخطبة.
стр. 1969
صحيح: رواه أحمد بن منيع: حَدَّثَنَا يزيد، أنا حُميد، عن أنس فذكره.
ذكره الحافظ في المطالب (٧٨٩) والبوصيري في "الإتحاف" (٢٢٢٩) وقال: "رواه أحمد بن منيع بسند صحيح".
١٢ - باب سترة الإمام لصلاة العيد
• عن ابن عمر قال: كان النَّبِيّ ﷺ يغدو إلى المصلَّى، والعنَزَةُ بين يديه تُحمل وتُنْصَبَ بالمصلي بين يديه فيصلِّي إليها.
متفق عليه: رواه البخاريّ في العيدين (٩٧٣) عن إبراهيم بن المنذر، قال: حَدَّثَنَا الوليد، قال: حَدَّثَنَا أبو عمرو، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر فذكره.
ورواه ابن ماجة من هذا الوجه (١٣٠٤) وزاد: "وذلك أن المُصَلَّي كان فَضَاءً ليس فيه شيء يستتر به".
ورواه البخاريّ (٤٩٤)، ومسلم (٥٠١) كلاهما من طريق عبد الله بن نُمير قال: حَدَّثَنَا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد، أمر بالحَرْبةِ فتوضع بين يديه، فيصلِّي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمن ثَمّ اتخذها الأُمَراء. واللّفظ للبخاريّ.
وفي رواية عندهما: كانت تُركز الحَرْبَةُ قُدَّامه يوم الفِطر والنحر، ثمّ يُصَلِّي إليها.
• عن أنس بن مالك أنَّ رسولَ الله صلَّى العيد بالمصلَّى مستترًا بحرْبةٍ.
صحيح: رواه ابن ماجة (١٣٠٦) عن هارون بن سعيد الأيليّ، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك فذكره.
وإسناده صحيح، وقد صحَّحه البوصيري في زوائد ابن ماجه.
ورواه أيضًا النسائيّ في الكبري (١٧٨٣) وابن خزيمة في صحيحه (٨٠٩) كلاهما عن يونس بن عبد الأعلى، قال: حَدَّثَنَا ابن وهب به. ولفظهما: رأيت رسول الله ﷺ يُصَلِّي إليها بالمصليّ، يعني: العنزة.
١٣ - باب خروج النساء والحُيَّض إلى العيدين إِلَّا أَنَّ الحُيَّضَ يعتزلْنَ المصلَّى
• عن أمِّ عطية قالت: أمرنا (تعني النَّبِيَّ ﷺ ) أن نُخْرِج في العيدين العَواتِق وذوات الخدور، وأَمَر الحُيَّضَ أن يعتزِلْنَ مُصَلَّى المسلمين.
متفق عليه: رواه البخاريّ في العيدين (٩٧٤)، ومسلم في العيدين (٨٩٠) كلاهما من طريق حمّاد، عن أيوب، عن محمد، عن أمِّ عطِيَّة فذكرته واللَّفظ لمسلم.
وعند مسلم من وجه آخر عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن أمِّ عطية قالت: كنَّا نُؤمر بالخروج في العيدين، والمخبأَةُ والبكر، قالت: الحُيَّض يخرجْنَ فيكُنَّ خلف الناس يُكبِّرنَ مع الناسِ.
стр. 1970
ورواه أيضًا من وجه آخر عن هشام، عن حفصة بنت سيرين عن أمِّ عطية قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نُخرجهنَّ في الفطر والأضْحى. العواتِقَ والحُيَّضَ، وذوات الخدور، فأما الحُيَّض فيعتزلنَ الصّلاة، ويشهدنَ الخير، ودعوةَ المسلمين. قلت يا رسول الله! إحدانا لا يكون لها جِلْباب قال: "لتُلْبِسها أختُها من جِلبابها".
وروى البخاريّ (٩٨٠) بعض هذه المعاني من وجه آخر عن أيوب، عن حفصة بنت سيرين قالت: كُنَّا نمنعُ جوارِيَنا أن يَخرُجنَ يوم العيد، فجاءتِ امرأةٌ فنزلَتْ قصر بني خَلَف، فأتيتُها، فحدثتْ أن زوجَ أختِها غَزا مع النَّبِيّ ﷺ ثنتي عشرة غزوةً، فكانت أختُها معهُ في ستِّ غَزَواتٍ، فقالت: فكنَّا نقوم على المرضى، ونُداوي الكَلميّ، فقالت: يا رسول الله! على إحدانا بأْسٌ - إذا لم يكن لها جلبابٌ- أن لا تَخرُجَ؟ فقال: "لتُلْبِسها صاحبتُها مِن جِلْبابِها، فَلْيَشهدنَ الخيرَ ودعوةَ المؤمنين، قالت: حفصةُ: فلمّا قَدِمَتْ أمُّ عطيةَ أتيتُها فسألتُها: أسمعتِ في كذا وكذا؟ قالت: نعم، بأبي وقلما ذكرَتِ النَّبِيَّ ﷺ إِلَّا قالت: بأبي - قال: "لِيخْرُج العواتقُ ذوات الخدور"، أو قال: "العواتقُ وذواتُ الخدورِ"، شكَّ أيوبُ، والحُيَّضُ، ويعتزِلُ الحيَّضُ المصلَّى، ولْيَشْهَدْنَ الخيرَ ودعوةَ المؤمنينَ". قالت: فقلتُ لها: آلحيَّضُ؟ قالت: نعم، أليسَ الحائضُ تشهدُ عَرفاتٍ وتشهدُ كذا وتشهدُ كذا؟ ".
"العواتق": جمع عاتق يقال: جارية عاتق، وهي التي قاربت الإدراك، ويقال: بل هي المدركة. وقوله: "لتُلْبِسها أختُها من جلبابها" أي: تُعطيها عاريةً.
وفي الباب عن ابن عباس أنَّ النَّبِيّ ﷺ كان يُخرج بناتِه ونساءَه في العيدين.
رواه ابن ماجة (١٣٠٩) عن عبد الله بن سعيد قال: حَدَّثَنَا حفص بن غياث، قال: حَدَّثَنَا حجَّاج ابن أرطاة، عن عبد الرحمن بن عابس، عن ابن عباس فذكره.
ورواه الإمام أحمد (٢٠٥٤) عن حفص بن غياث به.
وفي الإسناد حجَّاج بن ارطاة وهو مدلِّس وقد عنعن، قال أبو حاتم: صدوق يدلِّس عن الضعفاء يُكتب حديثه.
وقال أبو زرعة: "صدوق يدلِّس"، وقال ابن معين: "صدوق ليس بالقوي".
١٤ - باب خروج الصبيان إلى المصلَّى
• عن عبد الرحمن بن عابس قال: سمعتُ ابن عباس قيل له: أشهدتَ العيد مع النَّبِيّ ﷺ ؟ قال: نعم، ولولا مكاني من الصِّغَر ما شهدتُه، حتّى أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلتِ فصلَّى، ثُمَّ خطب، ثمّ أتي النساء ومعه بلال فوعَظَهنَّ، وذكَّرهنَّ، وأمرهنَّ بالصدقة. فرأيتهُنَّ يهوين بأيديهن يقذفنه في ثوب بلال، ثمّ انطلق
стр. 1971
هو وبلال إلى بيته.
صحيح: رواه البخاريّ في العبدين (٩٧٧) عن مسدد قال: حَدَّثَنَا يحيى، عن سفيان قال: حَدَّثَنِي عبد الرحمن بن عابس فذكره.
ورواه أبو داود (١١٤٦) عن محمد بن كثير، عن سفيان به وزاد فيه: "ولم يذكر أذانًا ولا إقامة" وفيه: "فجعل النساء يُشِرن إلى آذانهن وحلوقهن".
١٥ - خروج النَّبِيّ ﷺ إلى مصلى العيد بغير المنبر
• عن أبي سعيد الخدريّ قال: كان النَّبِيّ ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المُصلَّي (وهو موضع في المدينة) فأوَّل شيء يبدأ به الصّلاة.
قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتّى خرجتُ مع مروان -وهو أمير المدينة- في أضحى، أو فِطر. فلمَّا أتينا المصلي إذا مِنبر بناه كثير بن الصلت.
متفق عليه: رواه البخاريّ في العيدين (٩٥٦)، ومسلم في العيدين (٨٨٩) كلاهما من طريق عياض بن عبد الله بن أبي سَرْح، عن أبي سعيد الخدريّ فذكره واللّفظ للبخاريّ.
وفي لفظ مسلم: "فإذا كثير بن الصلت قد بني منبرًا من طِين ولَبِن".
وإنَّما اختصَّ كثير بن الصلت ببناء المنبر بالمصلَّى، لأنَّ داره كانت مجاورة للمصلَّى، وكان به العلَمُ الذي يشير إليه ابن عباس في قوله: "حتَّى أتى النَّبِيّ ﷺ العَلَمَ الذي عند دار كثير بن الصلت، فصلَّى ثمَّ خطب". البخاريّ (٩٧٧).
وقال ابن سعد: كانت دار كثير بن الصلت قبلة المصلي في العيدين، وهي تطل على بطن بطحان الوادي الذي في وسط المدينة. انتهى.
وإنَّما بني كثير بن الصلت داره بعد النَّبِيّ ﷺ بمدة، ولكنَّها لما صارت شهيرة في تلك البقعة، وُصِف المصلَّى بمجاورتها. وكثير بن الصلت الكندي تابعي كبير، ولد في عهد النَّبِيّ ﷺ ، وقدم المدينة هو وأخواه بعده فسكنها، وحالف بني جُمَح. "الفتح" (٢/ ٤٤٩).
١٦ - باب ما جاء في خطبة العيد على البعير
• عن قيس بن عائذ وهو أبو كامل قال: رأيتُ النَّبِيّ ﷺ يخطب على ناقة، وحبشيٌّ آخذ بخطام الناقة.
حسن: رواه النسائيّ (١٥٧٣)، وابن ماجه (١٢٨٤، ١٢٨٥) كلاهما من طريق إسماعيل بن أبي خالد، قال: رأيتُ أبا كامل، وكانت له صحبة. فحدثني أخي عنه قال: فذكره.
وإسناده حسن. أخو إسماعيل بن أبي خالد اسمه سعيد وهو من رجال التهذيب. وثَّقه العجلي
стр. 1972
وابن حبَّان ولذا قال فيه الحافظ في التقريب "صدوق" وقد صحَّحه ابن حبَّان فأخرجه في صحيحه (٣٨٧٤) كما أخرجه أيضًا الإمام أحمد (١٦٧١٥) كلاهما من طريق إسماعيل بن أبي خالد به مثله.
ولا يضرُّ ما جاء في بعض الروايات أنَّ اسم أخي إسماعيل بن أبي خالد - أشعث، فإنَّه إن صحَّ هذا فلعله يرُوي عنهما جميعًا فالرواية الثانية تقويه.
• عن الهِرْماس بن زياد الباهلي قال: رأيتُ رسول الله ﷺ يخطب الناس على ناقته العَضْباء يوم الأضحى بمني.
حسن: رواه أبو داود (١٩٥٤) عن هارون بن عبد الله، حَدَّثَنَا هشام بن عبد الملك، حَدَّثَنَا عكرمة، حَدَّثَنَا الهِرْماس بن زياد فذكره.
ورواه ابن حبَّان (٣٨٧٥) من طريق عكرمة بن عمار قال: حَدَّثَنِي الهِرْماسُ بن زياد الباهلي قال:
أبصرتُ رسول الله ﷺ ، وأبيّ، وأنا مردف وراءه على جمل، وأنا صبي صغير فرأيتُ رسول الله ﷺ يخطب الناس على ناقته العضباء بمنى.
وصحّحه ابن خزيمة (٢٩٥٣) ورواه أيضًا الإمام أحمد (١٥٦٨) كلّهم من طريق عكرمة بن عمار به.
وإسناده حسن فإنَّ عكرمة بن عمار وإن كان من رجال مسلم فقد تكلَّم فيه غير واحد من الأئمة غير أنَّه حسن الحديث إذا لم يأت بالمنكر.
• عن سلمة بن نُبيط، عن أبيه (يعني نُبيط بن شَريط) وكان قد حج مع النَّبِيّ ﷺ قال: رأيتُ النَّبِيّ يخطب على بعيره.
صحيح: رواه ابن ماجة (١٢٨٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حَدَّثَنَا وكيع، عن سلمة بن نُبيط به مثله.
ورواه الإمام أحمد (١٨٧٢١) عن وكيع به وزاد "يوم عرفة".
وهذا إسناد صحيح، سلمة بن نُبيط بن شريط الأشجعي ثقة، وثَّقه أحمد وأبو داود وكثير من أهل العلم، وكان وكيع يفتخر به ويقول: ثنا سلمة بن نُبيط وكان ثقة.
قلت: وتابع سفيان الثوري وابن المبارك وكيعًا، فرويا عن سلمة بن نُبيط به مثله. ومن طريقهما رواه النسائيّ (٣٠٠٧، ٣٠٠٨).
ولكن رواه أبو داود (١٩١٦) من طريق عبد الله بن داود، عن سلمة بن نبيط، عن رجل من الحيّ، عن أبيه نبيط أنه رأى النَّبِيّ ﷺ واقفًا بعرفة على بعير أحمر يخطب.
فأدخل بين سلمة وأبيه رجلًا، وعبد الله بن داود وهو أبو عبد الرحمن المعروف الخُرَيْبي وإن كان ثقة مأمونًا فلعله وهم فأدخل رجلًا بين سلمة وأبيه.
стр. 1973
أو لعل سلمة بن نُبيط نفسه وهم، فأدخل بينه وبين أبيه رجلًا في آخر عمره؛ لأنَّه اختلط كما قبل، فما رواه في حالة اختلاطه لا يعارض ما رواه قبل الاختلاط. والله تعالى أعلم.
وأمّا نُبيط -بالتصغير- ابن شريط فله ولأبيه صحبة.
• عن عمرو بن خارجة قال: إنَّ النَّبِيّ ﷺ خطب على ناقته، وأنا تحت جِرانِها، وهي تَقْصَعُ بجرَّتِها، وإن لُعابَها يسيل بين كتِفيّ، فسمعته يقول: "إن الله أعطي كل ذي حق حقَّه، ولا وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر".
حسن: رواه الترمذيّ (٢١٢١) واللّفظ له، والنسائي (٣٦٤١، ٣٦٤٢)، وابن ماجة (٢٧١٢) من طرق عن قتادة، عن شهر بن حَوْشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن عمرو بن خارجة فذكر الحديث وسيأتي لفظ الحديث كاملًا في الحج.
قال الترمذيّ: "حسن صحيح".
قلت: بل هو حسن فقط للكلام في شهر بن حوْشب غير أنَّه حسن الحديث. ومن طريقه رواه أيضًا الإمام أحمد (١٧٦٦٤، ١٧٦٦٥، ١٧٦٦٦).
وقوله: "تقصع بِجَرتها" تقصع بمعني تمضغُ، والجَرَّة بفتح الجيم وكسرها، وتشديد الراء. وهي ما يخرجه البعير من الجوف إلى الفم فيأكله مرة ثانية.
وإنَّما يفعل ذلك إذا كان البعير مطمئنًا، وإذا خاف لم يخرجها.
• عن أنس بن مالك قال: إنِّي لتحت ناقة رسول الله ﷺ يسيل عَلَيَّ لعابُها فسمعته يقول: "إنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقِّ حقَّه ألا لا وصية لوارث".
صحيح: رواه ابن ماجة (٢٧١٤) عن هشام بن عمَّار، قال: حَدَّثَنَا محمد بن شُعيب بن شابور، قال: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سعيد بن أبي سعيد، أنَّه حدَّثه عن أنس بن مالك فذكره.
وإسناده صحيح كما قال البوصيري.
• عن خالد بن العَدَّاء بن هوذة قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس يوم عرفة على بعير قائم في الركابين.
حسن: رواه أبو داود (١٩١٧) عن هناد بن السري وعثمان بن أبي شيبة، قالا: حَدَّثَنَا وكيع، عن عبد المجيد، حَدَّثَنِي العَدَّاء بن خالد بن هوذَة، قال هنَّاد: عن عبد المجيد أبي عمرو، حَدَّثَنِي خالد بن العدَّاء بن هوذَة فذكره.
قال أبو داود: رواه ابن العلاء، عن وكيع كما قال هناد. ثمّ قال: (١٩١٨) حَدَّثَنَا عباس بن عبد العظيم، حَدَّثَنَا عثمان بن عمر، حَدَّثَنَا عبد المجيد أبو عمرو، عن العدَّاء بن خالد بمعناه.
قلت: ومن طريق وكيع: رواه الإمام أحمد (٢٠٣٣٥)، فقال فيه: "العدَّاء بن خالد بن هوذة"
стр. 1974
فيبدو أنه انقلب على هناد فجعله "خالد بن العدَّاء بن هوذة" والصواب ما رواه الإمام أحمد وغيره عن وكيع.
والعدَّاء -بفتح أوَّله والتشديد- أسلم مع أبيه خالد بعد حنين. وتأخرت وفاته إلى بعد المائة، وأمّا خالد بن العدَّاء بن هوذة فقال الحافظ في ترجمته في التقريب (١٨١٢): "الصواب: العدَّاء بن خالد".
وإسناده حسن لأجل عبد المجيد وهو: عبد المجيد بن أبي يزيد - وهب العقليّ، وثَّقه ابن معين، وذكره ابن حبَّان في الثّقات وهو من رجال السنن.
• عن أبي سعيد الخدريّ أنَّ رسولَ الله ﷺ خطب يوم العيد على راحلته.
صحيح: رواه أبو يعلى -المقصد العَليّ- (٣٧٠) وابن أبي شيبة (٢/ ١٨٩)، وابن خزيمة (١٤٤٥) كلّهم من طريق وكيع، ثنا داود بن قيس الفراء، عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح، عن أبي سعيد فذكره.
وإسناده صحيح، وأصل هذا الحديث في الصحيحين، وانظر تخريجه في باب الصّلاة قبل الخطبة.
١٧ - باب ما روي في الخطبتين في العيدين
ذهب جمهور أهل العلم إلى تكرير الخطبة في العيدين قياسًا على الجمعة.
وفيه رُوِي عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ يوم فِطرٍ، أو أضحًى، فخطب قائمًا، ثمَّ قعد قَعْدةً، ثمّ قام.
رواه ابن ماجة (١٢٨٩) عن يحيى بن حكيم، قال: حَدَّثَنَا أبو بَحْر، قال: حَدَّثَنَا إسماعيل بن مسلم الخولانيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الزُّبير، عن جابر فذكره.
وأبو بحر هو: عبد الرحمن بن عثمان بن أمية الثقفي البكراوي ضعَّفه ابن معين. وقال أبو حاتم: "ليس بقوي". وقال ابن حبَّان: "يروى المقلوبات".
وشيخه إسماعيل بن مسلم المكي أبو إسحاق ضعيف مرة، قال النسائيّ: متروك، ضعَّفه أبو زرعة وأبو حاتم وغيرهما.
ورُوي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: "من السنة أن يخطب في العيدين خُطبتين يَفْصِل بينهما بجلوس"
رواه البيهقيّ (٣/ ٢٩٩) من طريق الشافعي قال: أنبأنا إبراهيم بن محمد، عن عبد الرحمن بن محمد بن عبدٍ، عن إبراهيم بن عبد الله، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: "من السنة في تكبير يوم الأضحى والفِطر على المنبر قبل الخطبة أن يبتدِئَ الإمام قبل الخطبة وهو قائم على المنبر بتسع تكبيرات تترى، ولا يفصل بينها بكلام، ثمّ يخطب ثمّ يجلس جلسة، ثمّ يقدم في الخطبة الثانية فيفتحها بسبع تكبيرات تترى، لا يفصل بينها بكلام، ثمّ يخطب".
стр. 1975
وفيه إبراهيم بن محمد: وهو ابن أبي يحيى الأسلمي من شيوخ الشافعي متروك. وعبد الرحمن ابن عبد القارئ "مقبول" والإسناد مرسل غير متصل.
قال النوويّ في "الخلاصة" (٢٩٦١): ضيف غير متصل، ولم يثبت في تكرير الخطبة شيء، والمعتمد فيه القياس على الجمعةِ".
قلت: وسيأتي في كتاب الجمعة أن الخطيب يخطب خطبتين، ويفصل بينها بالجلوس ومنه الحديث الصَّحيح عن جابر بن سمرة: أنَّ رسول الله ﷺ كان يخطب قائمًا، ثمّ يجلسَ ثمّ يقوم فيخطب قائمًا، فمن نَبَّأَك أنَّه كان يخطب جالسًا فقد كذّب، والله! صلَّيت معه أكثر من ألفي صلاة.
رواه مسلم (٨٦٢/ ٣٥) ووهم من ظنَّ أنَّ جابرًا في حديث ابن ماجة هو: ابن سمرة، فقد أخطأ، وبناء عليه عزاه إلى مسلم، وأصحاب السنن، والصواب أنَّه: جابر بن عبد الله انفرد ابن ماجه بإخراجه، وأمّا حديث جابر بن سمرة فرواه مسلم وأصحاب السنن كما سيأتي.
١٨ - باب موعظة الإمام النساءَ يوم العيد
• عن جابر بن عبد الله قال: قام النَّبِيّ ﷺ يوم الفطر فصَلَّى، فبدأ بالصلاة، ثمّ الخطبة، فلمّا فرغ نزل فأتي النساء فذكَّرهُنَّ وهو يتوكَّأُ على يد بلال، وبلالُ باسط ثوبه يُلْقي فيه النساء الصدقةَ.
قلت لعطاء: زكاةَ يوم الفطر؟ قال: لا، ولكن صدقةً يتصدقنَ حينئذٍ، تُلْقي فَتَخَها ويُلقين.
قلت: أتُرى حقًّا على الإمام ذلك، ويذكرهُنَّ؟ قال: إنَّه لحق عليهم، وما لهم لا يفعلونه؟
وفي رواية: شهدتُ مع رسول الله ﷺ الصّلاةَ يوم العيد. فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثمّ قام متوكئًا على بلال. فأمر بتقوى الله. وحثَّ على طاعته، ووعظ الناس، وذكَّرهم، ثمّ مضى حتّى أتى النساء فوعظهُنَّ وذكَّرهن فقال: "تصدقْنَ، فإن أكثر كن حَطَبُ جهنّم" فقامت امرأة من سِطَةِ النساء، سَفْعاءُ الخدَّين فقالت: لِم يا رسول الله؟ قال: "لأَنكنَّ تُكثِرنَ الشَّكَاةَ، وتكفرنَ العشير" قال: فجعلنَ يتصدقْنَ من حُلِيِّهِنَّ يُلْقِينَ في ثوب بلال من أقْرِطَتِهنَّ وخواتمهنَّ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في العيدين (٩٧٨)، ومسلم في العيدين (٨٨٥) كلاهما من طريق عبد الرزّاق، قال: حَدَّثَنَا ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، عن جابر بن عبد الله فذكره، واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم قريب منه.
والرّواية الثانية رواها مسلم من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله فذكره، ورواه أيضًا النسائيّ (١٥٧٥) من هذا الوجه وفيه: "فقالت: امرأة من سَفِلَةِ النساء سَفْعاء الخدين".
стр. 1976
وقوله: "سِطة النساء" يقال: هذه امرأة من سِطة النساء: أي من أوساطهن حسبًا ونسبًا.
و"سَفْعاء" من السُفْعة - وهي سواد في اللون.
و"الشَكاة" بفتح الشين - الشكوى.
و"العَشير" الزوج، فعيل من العِشْرة، وكفره: جَحْدُهُنَّ حقَّه. يريد أنَّهن يْكْثِرن شكوى أزواجهن إلى الناس ويجحدنَ إحسانهم إليهن.
و"أَقْرِطَتُهُنَّ" من القُرط، وهو من حُلِيِّ الأذنين، وجمعه أقرِطة في القِلَّة.
و"فتخها" وفي رواية "فتختها" الفتخةُ: حلقة يلبسُها النساء في أصابع أرجلهن وأيديهن لا فَصَّ لها. و"سَفِلَةِ النساء" بفتح السين وكسر الفاء، الساقطة من الناس.
• عن ابن عباس. قال: شَهِدْتُ صلاة الفِطْر مع نبي الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعُثْمان. فكُلُّهُم يُصَلِّيها قبل الخطبة. ثمّ يخطبُ، قال فنزل نبي الله ﷺ كأنِّي أنظرُ إليه حين يُجَلِّس الرِّجال بيده. ثمّ أقبَلَ يَشُقُّهُمْ. حَتَّى جاء النساء ومعه بلالٌ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] فتلا هذه الآية حتّى فرغ منها، ثمّ قال حين فرغ منها: "أنْتُنَّ على ذلك؟ " فقالت امْرَأةٌ واحدةٌ لم يُجبْه غيرُها منهنَّ: نَعَمْ. با نبي الله لا يُدْرَي حينئذٍ من هي. قال: "فَتَصَدَّقْنَ" فَبَسَطَ بلالٌ ثوبَهُ، ثمّ قال: هَلُمَّ! فِدّى لَكُنَّ أبي وأمّي! فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الفَتَخَ والخواتِمَ في ثوب بلال.
وفي رواية يقول: أشهدُ على رسول الله ﷺ لصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَة، قال: ثُمّ خَطَبَ. فرأى أنَّه لم يُسْمِع النساء. فأتاهُنَّ فَذَكَّرَهُنَّ. وَوَعَظَهُنَّ. وَأَمَرَهُنَّ بالصَّدَقَةِ. وبِلالٌ قائلٌ بثوبه. فجعلت المرأَةُ تُلْقي الخاتم والخُرْصَ والشيء.
متفق عليه: رواه مسلم في العيدين (٨٨٤) من طريق عبد الرزّاق وهو في "المصنف" (٥٦٣٢) قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس فذكره.
والرّواية الثانية رواها من طريق سفيان بن عيينة، حَدَّثَنَا أيوب قال: سمعت عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول فذكره.
ورواه البخاريّ في العيدين (٩٧٩) فقال: قال ابن جريج، وأخبرني الحسن بن مسلم به مثله. وهو معطوف على الإسناد السابق لحديث جابر بن عبد الله وليس بمعلق، وقد سبق في باب الخطبة بعد العيد (٩٦٢) مسندًا عن أبي عاصم قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس فذكر الحديث مختصرًا.
قال ابن عباس: ظنَّ النَّبِيّ ﷺ أنه لم يُسمع النساء فأتاهن فوعظهن، وقال: تصدقْنَ فذكره.
стр. 1977
رواه عبد الرزّاق (٥٦٣٣) عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
الفَتَخُ: بفتح الفاء والتاء وآخرها الخاء قال عبد الرزّاق: "خواتيم من عِظام كُنَّ يُلْبَسْنَ في الجاهليّة".
١٩ - باب ما جاء أنَّ الإمام يتَّكئ في خطبته
• عن جابر بن عبد الله قال: قام النَّبِيّ ﷺ يوم الفِطر فصَلَّى، فبدأ بالصلاة، ثمّ خطب، فلمّا فرغ نزل فأتى النساء فذكَّرهَّن، وهو يتوكَّأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يلقى فيه النساء الصدقة.
وفي رواية يقول: شهدتُ مع رسول الله ﷺ الصّلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثمّ قام متوكِّئًا على بلال. فأمر بتقوى الله، وحثَّ على طاعته، ووعظ الناس، وذكَّرهم، ثمّ مضى حتّى أتى النساءَ فوعظهنَّ وذكَّرهن.
متفق عليه: رواه البخاريّ في العيدين (٩٧٨)، ومسلم في العيدين (٨٨٥) كلاهما من طريق عبد الرزّاق وهو في "المصنف" (٥٦٣١) قال: حَدَّثَنَا ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، عن جابر فذكره، واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم قريب منه.
والرّواية الثانية، أخرجها مسلم من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله فذكره.
• عن البراء بن عازب أنَّ النَّبِيّ ﷺ نُووِلَ يوم العيد قوسًا فخطب عليه.
حسن: رواه أبو داود (١١٤٥) عن الحسن بن عليّ، حَدَّثَنَا عبد الرزّاق، أخبرنا ابن عُيينة، عن أبي جناب، عن يزيد بن البراء، عن أبيه فذكره.
وأبو جناب هو: يحيى بن أبي حية الكلبي الكوفي مختلف فيه، ضفعَّه ابن سعد ويحيى بن سعيد وغيرهما، وقال أكثر الأئمة: "هو صدوق يُدَلِّس".
قلت: فمثله إذا صرَّح بالتحديث يُقْبل في الاستشهاد ولا يحتج به. فنظرنا فوجدنا أن الحديث رواه البيهقيّ (٣/ ٣٠٠) من وجه آخر عنه قال: حَدَّثَنَا يزيد بن البراء بن عازب، عن البراء بن عازب قال: كنا جلوسًا في المصلَّى يوم أَضْحى، فأتانا رسول الله ﷺ فسلم على الناس ثمّ قال: "إنَّ أوَّل مَنْسَكِ يومِكم هذا الصّلاةُ" قال: فتقدم، فصلَّى ركعتين، ثمّ سلَّم، ثمّ استقبل الناس بوجهه، وأُعطِيَ قوسًا، أو عصًا فاتَّكأ عليها، فحمد الله وأثنى عليه. انتهى.
• عن شُعيب بن رُزَيق الطائفيّ، قال: جلست إلى رجل له صحبة من رسول الله ﷺ ، يقال له: الحكم بن حَزْنٍ الكُلَفيّ، فأنشأ يحدثنا قال: وفدتُ إلى رسول الله ﷺ سابع سبعةٍ، أو تاسع تسعةٍ فدخلنا عليه، فقلنا: يا رسول الله! زُرناك فادع الله
стр. 1978
لنا بخير، فأمر بنا، أو أمر لنا بشيء من التمر، والشأنُ إذ ذاك دُون، فأقمنا بها أيامًا شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله ﷺ فقام متوكِّئًا على عصًا، أو قوسٍ، فحمد الله، وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات، ثمّ قال: "أيُّها الناس! إنَّكم لن تُطيقوا، أو لن تفعلوا كلَّ ما أُمِرتُم به، ولكن سَدِّدُوا وأبشروا".
حسن: رواه أبو داود (١٠٩٦) عن سعيد بن منصور، ثنا شهاب بن خراش، حَدَّثَنِي شعيب بن رُزَيق الطائفي فذكره.
قال أبو عليّ: سمعتُ أبا داود قال: ثَبَّتني في شيء منه بعض أصحابنا.
وإسناده حسن لأجل شهاب بن خراش وشيخه شُعيب بن رُزيق فهما في مرتبة "صدوق".
والحديث أخرجه الإمام أحمد (١٧٨٥٦)، وابن خزيمة (١٤٥٢)، والبيهقي (٣/ ٢٠٦) كلّهم من طرق عن شهاب بن خراش به نحوه.
قال الحافظ في "التلخيص": "إسناده حسن، فيه شهاب بن خراش، وقد اختلف فيه، والأكثر وثَّقوه، وقد صحَّحه ابن السكن وابن خزيمة". انتهى.
ويشهد له مرسل عطاء. قال ابن جريج: قلت لعطاء: أكان رسول الله ﷺ يقوم إذا خطب على عصا، قال: نعم، وكان يعتمد عليها اعتمادًا، رواه البيهقي.
٢٠ - باب ما جاء في اجتماع العيد والجمعة
• عن عطاء بن أبي رباح قال: صلى بنا ابن الزُّبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار، ثمّ رُحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا، فصلَّينا، وُحدانًا، وكان ابن عباس بالطائف، فلمّا قدم ذكرنا ذلك له، فقال: أصاب السنة.
صحيح: رُوي هذا بثلاثة أسانيد وكلها صحيحة.
الأوّلى: ما رواه أبو داود (١٠٧١) عن محمد بن طريف البجليّ، حَدَّثَنَا أسباط، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح فذكره، وإسناده صحيح.
والثانية: ما رواه أبو داود أيضًا (١٠٧٢) عن يحيي بن خلف، حَدَّثَنَا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: قال عطاء: اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزُّبير، فقال: عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما جميعًا، فصلاهما ركعتين بكرة، ولم يزِدْ عليهما حتَّى صلَّى العصر.
وهذا إسناده أيضًا صحيح إِلَّا أن ابن جريج مدلِّس ولم يُصرّح بالتحديث ولكن جاء عنه أنه قال: إذا قلت: قال عطاء، فأنا سمعته منه، وإن لم أقل. سمعتُ.
فقوله قال: يحمل على التحديث.
والثالثة: ما رواه النسائيّ (١٥٩٢) عن محمد بن بشار، قال: حَدَّثَنَا يحيى، قال: حَدَّثَنَا عبد
стр. 1979
الحميد بن جعفر، قال: حَدَّثَنِي وهب بن كيسان قال: اجتمع عيدان على عهد ابن الزُّبير، فأخَّر الخروج حتّى تعالى النهار، ثمّ خرج فخطب، فأطال الخطبة، ثمّ نزل فصلَّى، ولم يُصلِّ للناس يومئذ الجمعة، فذُكِر ذلك لابن عبَّاسٍ فقال: أصاب السنة.
وهذا إسناده أيضًا صحيح.
ومن هذا الوجه أخرجه ابن خزيمة (١٤٦٥) وقال: قول ابن عباس: أصاب ابن الزُّبير السنة، يحتمل أن يكون أراد سنة النَّبِيّ ﷺ ، وجائز أن يكون أراد سنة أبي بكر، أو عمر، أو عثمان، أو عليّ، ولا إخالُهُ أنه أراد به: أصاب السنة في تقديمه الخطبة قبل صلاة العيد، لأن هذا الفعل خلاف سنة النَّبِيّ ﷺ وأبي بكر وعمر، وإنما أراد تركَه أن يجمعَ بهم بعد ما قد صلَّى بهم صلاة العيد فقط، دون تقديم الخطبة قبل العيد". انتهى.
وأمّا ما رُوي عن إياس بن أبي رمْلَة الشّاميّ قال: شهدتُ معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد ابن أرقم قال: أَشِهدتَ مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلَّى العيد ثمّ رخص في الجمعة، فقال: "من شاء أن يُصَلِّي فليصلّ".
رواه أبو داود (١٠٧٠)، والنسائي (١٥٩١)، وابن ماجة (١٣١٠)، والإمام أحمد (١٩٣١٨) كلّهم من هذا الوجه إِلَّا أن النسائيّ لم يذكر من شاء أن يُصَلِّي فليصل".
وإسناده ضعيف لجهالة إياس بن أبي رملة الشاميّ، ومع هذا صحَّحه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٨٨) وقال الذّهبيّ في "الميزان" بعد أن أشار إلى هذا الحديث: قال ابن المنذر: لا يثبت هذا الحديث، فإن إياسًا مجهول. انتهى.
إِلَّا أنَّ الحافظ نقل في التلخيص عن ابن معين تصحيحه، فلعلَّه صحَّحه لكثرة شواهده، والله أعلم.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنَّا مُجمِّعون".
رواه أبو داود (١٠٧٣)، وابن ماجة (١٣١١)، والحاكم (١/ ٢٨٨، ٢٨٩)، والبيهقي (٣/ ٣١٨) كلّهم من طريق بقية بن الوليد، عن شعبة، عن المغيرة الضبيّ، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكره.
وبقية بن الوليد وإن كان مدلِّسًا إِلَّا أنَّه صرَّح بالتحديث في بعض الرّوايات ولكن علة هذا الحديث أن عبد الرزّاق (٥٧٢٨) رواه عن الثوريّ، عن عبد العزيز بن رُفَيع، عن أبي صالح مرسلًا.
وصحَّح الإمام أحمد والدارقطني وغيرهما إرساله.
وكذلك قال البيهقيّ: رواه سفيان الثوري عن عبد العزيز فأرسله.
ثمّ قال: ورُوي عن سفيان بن عيينة، عن عبد العزيز موصولًا مقيَّدًا بأهل العوالي، وفي إسناده ضَعْف. ورُوِي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، عن النَّبِيّ ﷺ مقيَّدًا بأهل العالية إِلَّا أنَّه منقطع" انتهى.
стр. 1980
وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن عمر قال: اجتمع عيدان على عهد رسول الله ﷺ فصلي بالناس ثم قال: "من شاء أن يأتي الجمعة فليأتها، ومن شاء أن يتخلف فليتخلف". رواه ابن ماجه (١٢١٣) عن جبارة بن المُغَلِّس، قال: حدثنا مندل بن علي، عن عبد العزيز بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
وجبارة بن المُغَلِّس وشيخه مندل بن علي ضعيفان.
فمن نظر إلى كثرة الشواهد قال: إنَّ الحديثَ له أصلٌ، وقد عُمِل به بعد النبي ﷺ .
وقد ثبت في صحيح البخاري كتاب الأضاحي (٥٥٧٢) قال أبو عبيد مولي ابن أزهر: شهدتُ العيدَ يوم الأضحى مع عثمان بن عفان، وكان ذلك يوم الجمعة، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب فقال: يا أيها الناس! إنَّ هذا يومٌ قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحبَّ أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أذنتُ له. انتهى.
فرأى من الجائز أن يتخلَّف عن صلاة الجمعة إذا اجتمع العيدان في يوم واحد. انظر كلام أهل العلم في "المنة الكبرى" (٢/ ٢٧٣، ٢٧٤).
٢١ - باب الجلوس لاستماع الخطبة في العيدين
يكره الكلام عند خطبة الجمعة ويقاس عليه خطبة العيدين.
قال ابن عباس: "يكره الكلام في أربعة مواطن في العيدين والاستسقاء والجمعة، وكذلك رُوي عن الحسن وابن سيرين أنهما كرها الكلام يوم العيد، والإمام يخطب.
وأما ما رُوي من الانصراف في حديث عبد الله بن السائب؛ فهو مختلف فيه. فقد رواه أبو داود (١١٥٥)، والنسائي (٣/ ١٨٠)، وابن ماجه (١٢٩٠) كلهم من طريق الفضل بن موسى السيناني، حدّثنا ابن جريج، عن عطاء، عن عبد الله بن السائب، قال: شهدتُ مع رسول الله ﷺ العيد، فلمَّا قضى الصلاة قال: "إنَّا نخطب، فمن أحبَّ أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحبَّ أن يذهبَ فليذهب" واللفظ لأبي داود، وقال: هذا مرسل عن عطاء، عن النبي ﷺ .
قلت: وكذلك قال يحيى بن معين بأنَّه خطأ، إنما هو عن عطاء فقط. وإنما غلط فيه الفضل بن موسى السيناني وقال: "عن عبد الله بن السائب" وكذلك قال أبو زرعة الرازي كما في العلل لابن أبي حاتم (١/ ١٨٠) وكذلك قال النسائي: والصواب مرسل نقله المنذري في مختصر أبي داود. وابن خزيمة وإن كان أخرج الحديث في صحيحه (١٤٦٢) إلَّا أنَّه قال عَقِبه: "هذا حديث خراسانِيِّ غريبٌ غريبٌ، لا نعلم أحدًا رواه غير الفضل بن موسي، كان هذا الخبر أيضًا عند أبي عمَّار، عن الفضل بن موسى، لم يحدثنا به بنيسابور، حدَّث به أهلَ بغداد على ما خَبَّرني بعض العراقيين". انتهى.
وأما الحاكم فأخرجه (١/ ٢٩٥) وصحَّحه على شرط الشيخين وكذلك قوَّى أمره ابن التركماني "الجوهر النقي" وقال: "الفضل بن موسى ثقة جليل، روي له الجماعة، وقال أبو نعيم: هو أثبت
стр. 1981
من ابن المبارك. وقد زاد ذكرَ السائبِ فوجب أن تُقبل زيادته".
قلت: وهو كما قال، ولكن ليس سفيان وحده خالفه كما ذكره البيهقي، وإنما خالفه أيضًا هشام ابن يوسف الصنعاني ذكره أبو زرعة في علل ابن أبي حاتم (١/ ١٨٠)، ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٥٦٧٠)، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء قال: بلغني أن النبي ﷺ يقول: فذكر الحديث.
قال: فكان عطاء يقول: ليس على الناس حضور الخطبة يومئذ. انتهى.
فإذا نظرنا إلى هذه الأسانيد قلنا: إنَّ قواعد الحديث تَقضي أن نحكم على حديث الفضل بن موسى بأنَّه شاذٌّ، ومرسل عطاء هو المحفوظ. والله تعالى أعلم.
٢٢ - باب ما جاء في سنّة العيد والتّهاني فيه
• عن البراء بن عازب قال: سمعت النبي ﷺ يخطب فقال: إنَّ أَوَّلَ ما نبدأ من يومنا هذا أن نُصلي ثم نرجع فننحرَ، فمن فعل فقد أصاب سُنَّتنا".
صحيح: رواه البخاري في العيدين (٩٥١) عن حجاج، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني زُبيد، قال: سمعت الشعبي، عن البراء فذكره، وسيأتي بأطول منه في كتاب الأُضحية.
وأما تهاني العيد وهو قول بعضهم لبعض: تقبل الله منَّا ومنك، فمنها ما رواه محمد بن زياد قال: كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب رسول الله ﷺ فكانوا إذا رجعوا يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منَّا ومنك، قال الإمام أحمد: إسناده جيد، ذكره ابن التركماني في الجوهر النقي" (٣/ ٣٢٠).
ومنها ما رواه جبير بن نفير قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منَّا ومنك.
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٢/ ٤٤٦): "رُوِيناه في "المحامليات" بإسناد حسن".
وروى البيهقي (٣/ ٣١٩) من طريق أدهم مولي عمر بن عبد العزيز، قال: كنَّا نقول لعمر بن عبد العزيز في العيدين: تقبل الله منَّا ومنك يا أمير المؤمنين. فيردُّ علينا. ولا ينكر ذلك علينا ... ".
وأما ما رُوي عن واثلة بن الأسقع مرفوعًا؛ فلا يصح.
رواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٢٧٦) عن محمد بن الضحاك بن عمرو بن أبي عاصم النبيل قال: ثنا عبد العزيز بن معاوية، ثنا محمد بن إبراهيم الشامي، ثنا بقية، عن ثور، عن خالد بن معدان، عن واثلة بن الأسقع قال: لقيت النبي ﷺ في يوم عيدٍ، فقلت: يا رسول الله! تقبل الله منا ومنك. فقال: نعم تقبل الله منَّا ومنك". قال ابن عدي: "وهذا منكر، لا أعلم يرويه عن بقية غير محمد بن إبراهيم هذا، وعامة أحاديثه غير محفوظة". انتهي.
قلت: محمد بن إبراهيم هذا هو: ابن العلاء الدمشقي الشامي قال فيه الدارقطني: كذاب. وقال
стр. 1982
ابن حبان: يضع الحديث لا تحل الرواية عنه إلا عند الاعتبار. وقال أبو نعيم: روي موضوعات.
ورواه البيهقي (٣/ ٣١٩) من طريق ابن عدي. وقال: "قد رأيته بإسناد آخر عن بقية موقوفًا غير مرفوع، لا أراه محفوظًا".
قلت: وهو ما رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/ ٥٢، ٥٣) من طريق أبي همام الوليد بن شجاع، ثنا بقية بن الوليد، حدثني حبيب بن عمر الأنصاري، أخبرني أبي قال: لقيتُ واثلة يوم عيد. فقلت: تقبل الله منا ومنك. فقال: نعم، تقبل الله منا ومنك.
نقل الذهبي في "الميزان" و"المغني" و"ديوان الضعفاء" عن الدارقطني أنه قال: "حبيب بن عمر مجهول".
وكذلك لا يصح ما رُوي في كراهية ذلك وهو ما رواه نعيم بن حماد، ثنا عبد الخالق بن زيد بن واقد الدمشقي، عن أبيه، عن مكحول، عن عبادة بن الصامت قال: سألت رسول الله ﷺ عن قول الناس في العيدين: تقبل الله منا ومنكم، قال: "ذلك فعل أهل الكتابين وكرهه.
رواه البيهقي وقال: عبد الخالق بن زيد منكر الحديث. قاله البخاري.
وقال الحافظ ابن حجر: "إسناده ضعيف".
٢٣ - باب التكبير أيام مني ومن كبَّر في أيام العشر
قال تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٨٥].
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [سورة البقرة: ٢٠٣].
وقال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨].
قال ابن عباس: المراد بالمعلومات العشر الأوائل من ذي الحجة، وبالمعدودات أيام التشريق.
• عن أم عطية قالت: كنا نؤمر أن نُخرج يوم العيد، حتى نُخرج البكرَ من خِدرها، حتى نُخرج الحُيَّضَ فيكنَّ خلف الناس، فيكبِّرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، ويرجونَ بركةَ ذلك اليوم وطُهْرَتَه.
متفق عليه: رواه البخاري في العيدين (٩٧١)، ومسلم في العيدين (٨٩٠/ ١١) كلاهما من طريق عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن أمّ عطية فذكرته واللفظ للبخاري.
ولفظ مسلم: الحُيَّض يخرجنَ فيكنَّ خلف الناس، يكبِّرن مع الناس.
• عن محمد بن أبي بكر الثقفي قال: سألت أنسًا - ونحن غاديان من منى إلى
стр. 1983
عرفات- عن التلبية: كيف كنتُم تصنعون مع النبي ﷺ ؟ قال: كان يُلبَي المُلبِّي لا ينكر عليه، ويُكبِّر المُكبِّر فلا يُنكر عليه.
متفق عليه: رواه البخاري في العيدين (٩٧٠)، ومسلم في الحج (١٢٨٥) كلاهما من طريق مالك بن أنس، عن محمد بن أبي بكر الثقفي، فذكره، واللفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم قريب منه.
• عن ابن عمر قال: غدونا مع رسول الله من منى إلى عرفات. فمِنَّا المُلَبِّي، ومِنَّا المكبِّر.
وفي رواية: كنا مع رسول الله ﷺ في غداة عرفة، فمِنَّا المكبِّر، ومِنا المُهلِّل، فأما نحن فنكبِّر.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٨٤) من طرق عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه.
• عن نُبيشة الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ : "أيام التشريق أيام أكل وشرب".
وزاد في رواية: "وذكرٍ للهِ".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١١٤١) من حديث هُشَيم، أخبرنا خالد الحذاء، عن أبي المليح، عن نُبيشة فذكره.
ورواه إسماعيل ابن عُليَّة، عن خالد الرواية الثانية بزيادة "وذكرٍ للهِ".
وفي الحديث استحباب الإكثار من الذكر في هذه الأيام من التكبير وغيره.
و"نُبيشة" بضم النون وفتح الباء وبالشين المعجمة وهو: نُبيشة بن عمرو بن عوف بن سلمة الهُذَلي.
وفي الباب عن علي وعمَّار قالا: كان رسول الله ﷺ يجهر في المكتوبات "ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" وكان يقنت في صلاة الفجر، وكان يُكبِّر من يوم عرفة صلاة الغداة، ويقطعها صلاة العصر آخر أيام التشريق.
رواه الحاكم (١/ ٢٩٩) من طريق سعيد بن عثمان الخراز، ثنا عبد الرحمن بن سعيد المؤذن، ثنا فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل، عن علي وعمار فذكرا الحديث.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولا أعلم في رواته منسوبًا إلى الجرح".
وتعقبه الذهبي فقال: "بل خبرٌ واهٍ، كأنَّه موضوع؛ لأنَّ عبد الرحمن صاحب مناكير، وسعيد إن كان الكريزي فهو ضعيف، وإلا فهو مجهول".
وفي الباب أيضًا عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يُكبِّر في صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيَّام التشريق، حين يُسلِّم من المكتوبات.
رواه الدارقطني (٢/ ٤٩) من طريق عمرو بن شِمْرٍ، عن جابر، عن أبي جعفر عن علي بن حسين، عن جابر بن عبد الله فذكره.
стр. 1984
قال عبد الحق: "في إسناده جابر بن يزيد الجُعفي، وقد اختُلِف عنه".
وتعقَّبه ابن القطَّان قائلًا: "لا يتعيّن للحمل عليه فيه جابر الجعفي، بل لعلّ الجناية من غيره ممن هو أضعف منه، لا يصل إليه إلَّا به .. ".
ثم ساق الحديث من طريق الدارقطني ثم قال: وهو كما ترى لا يصل إلى جابر الجعفي إلَّا برواية عمرو بن شِمْر الجعفي أيضًا، وهو أحد الهالكين ... ".
ونقل تضعيفه عن عدد من الأئمة ثم قال: "فعلي هذا لا ينبغي تعصيب الجناية في هذا الحديث برأس جابر الجعفي؛ فإن عمرو بن شِمْر ما في المسلمين من يقبل حديثه"، بيان الوهم والايهام (٣/ ١٠٢ - ١٠٤).
قلت: ولماذا لا تكون الآفة، من الشّيخ وتلميذه وإن كان التلميذ أضعف من الشيخ.
وأما آثار الصّحابة فهي كثيرة ومتنوعة، وإليكم بعض هذه الآثار.
كان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبِّران، ويُكَبِّر الناس بتكبيرهما، ذكره البخاري (٢/ ٤٥٧) معلقًا بصيغة الجزم، قال الحافظ: لم أره موصولًا عنهما.
وكان ابن عمر يُكبّر في قبَّتِه بمنى، فيسمعه أهل المسجد فيكبّرون، ويكبِّر أهل الأسواق، حتى ترتج مِنىّ تكبيرًا.
وكان ابن عمر يُكبِّر بمنى تلك الأيام، خلف الصلاة، وعلى فراشه، وفي فُسطاطه، ومجلسه، وممشاه تلك الأيام جميعًا.
وكانت ميمونة تُكبر يوم النحر، وكنَّ النساء يكبِّرنَ خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد.
هذه الآثار كلّها ذكرها البخاريّ معلّقًا بصيغة الجزم.
وروى البيهقي (٣/ ٢٧٩) أن ابن عمر كان يرفع صوته بالتكبير حتى يأتي المصلَّي، ويُكبِّر حتى يأتي الإمامُ.
قال البيهقي: "هذا هو الصحيح موقوف، وقد رُوي من وجهين ضعيفين مرفوعًا" ثم قال: "أما أمثلهما فهو ما رواه ... ابن خزيمة، ثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، ثنا عمي، ثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أنّ رسول الله ﷺ كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس وعبد الله والعباس وعلي وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن ابن أم أيمن ﵃ رافعًا صوته بالتهليل والتكبير، فيأخذ طريق الحذّائين حتى يأتي المصلى، وإذا فرغ رجع على الحذّائين حتى يأتي منزله".
وأما أضعفهما فهو ما رواه عن الحاكم (١/ ٢٩٧، ٢٩٨) من طريق موسي بن محمد بن عطاء، ثنا الوليد بن محمد، ثنا الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر أخبره أن رسول الله
стр. 1985
- ﷺ كان يُكبّر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلي".
قال الحاكم: "هذا حديث غريب الإسناد والمتن، غير أن الشيخين لم يحتجا بالوليد بن محمد الموقري، ولا بموسي بن عطا البلقاوي. وهذه سنة تداولها أئمة أهل الحديث، وصحت به الرواية عن عبد الله بن عمر وغيره من الصّحابة". وقال الذهبي معقبا عليه: هما متروكان.
وقال البيهقيّ: موسي بن محمد بن عطاء منكر الحديث ضعيف. والوليد بن محمد المقريّ ضعيف، لا يحتج برواية أمثالهما. والحديث المحفوظ عن ابن عمر من قوله" انتهى.
قلت: وفي الطريق الأولي الذي هو أمثلهما كما قال البيهقي؛ عبد الله بن عمر -المكبر- وهو ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني ضعيف باتفاق أهل العلم، فلا يصح هذا الحديث مرفوعًا بوجه من الوجوه؛ فإن الصّحيح أنه موقوف على عبد الله بن عمر، وقد ثبت عن غير واحد من الصّحابة أنهم كانوا يكبرون.
وعن مالك، عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أنَّ عمر بن الخطاب خرج الغدَ من يوم النحر حين ارتفع النهار شيئًا. فكبَّر، فكبَّر الناس بتكبيره، ثم خرج الثانية من يومه ذلك بعد ارتفاع النهار. فكبَّر، فكبِّر الناس بتكبيره، ثم خرج الثالثة، حين زاغتِ الشمس فكبَّر، فكبَّر الناسُ بتكبيره حتى يتصل التكبيرُ ويبلُغَ البيتَ. فيُعلم أنَّ عمر قد خرج يرمِي.
قال مالك: الأمر عندنا أنَّ التكبير في أيَّام التشريق دُبر الصلاة. وأوَّلُ ذلك تكبير الإمام والناسُ معه. دُبرَ صلاة الظهر من يوم النحر، وآخر ذَلك تكبير الإمام والناس معه دُبر صلاة الصبح من آخر أيَّامِ التشريق ثم يقطعُ التكبير "الموطأ" (١/ ٤٠٤).
وكان علي بن أبي طالب -رضى الله عنه- يكبر بعد صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من أيام التشريق، ويكبر بعد العصر. رواه ابن أبي شيبة وغيره.
وأخرج الدارقطني في سننه عن ابن عمر وأبي سعيد وزيد بن ثابت وعثمان بن عفان بأسانيد عدة أنَّهم كانوا يكبرون بعد الظهر من يوم النحر إلى الظهر من آخر أيام التشريق.
وأما ابن مسعود فكان يُكبِّر من صلاة الفجر يوم عرفة، إلى صلاة العصر من يوم النحر، وكان يقول: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.
٢٤ - باب إباحة اللَّعِبِ يومَ العيدِ
• عن عائشة أنَّ أبا بكر دخل عليها، وعندها جاريتان في أيام مِني تُدَفِّفَانِ وتضربان -والنبي ﷺ متغَشٍّ بثوبه- فانتهرها أبو بكر، فكشف النبي ﷺ عن وجهه فقال: "دعهما يا أبا بكر! فإنَّها أيامُ عيدٍ وتلك الأيام أيام منًى.
متفق عليه: رواه البخاري في العيدين (٩٨٧)، ومسلم في العيدين (٨٩٢/ ١٧) كلاهما من
стр. 1986
طريق ابن شهاب، حدَّثه عروة، عن عائشة واللفظ للبخاري. ولفظ مسلم قريب منه.
• عن عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تُغنّيان بغِناء بُعاث، فاضطجع على الفراش، وحوَّل وجهه. ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: "دعهما" فلمَّا غَفَلَ غمزتُهما، وخرجتا، وكان يوم عيد يلعب السودان بالدَّرَقِ والحِرابِ، فإمَّا سألت رسول الله ﷺ وإمَّا قال: "تشتهين تنظرين؟ " فقلت: نعم. فأقامني وراءَهُ خدِّي على خده، وهو يقول: "دونكم يا بني أرْفِدة" حتى إذا ملَلْتُ قال: "حسبُكِ" قلت: نعم. قال: "فاذهبي".
متفق عليه: البخاري في العيدين (٩٤٩، ٩٥٠)، ومسلم في العيدين (٨٩٢/ ١٩) كلاهما من طريق ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو، أن محمد بن عبد الرحمن حدَّثه عن عروة، عن عائشة فذكرته واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري قريب منه.
وفي رواية لهما: جاريتان من جواري الأنصار تُغنيان بما تناولت الأنصار يومَ بُعاث، وليستا بمغنيتين، وفيها قال النبي ﷺ : يا أبا بكر! إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا"، البخاري (٩٥٢)، ومسلم (٨٩٢/ ١٦) كلاهما من حديث أبي أسامة عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرت الحديث.
وقوله: "بُعاث" بضم الموحدة وبعدها مهملة، وآخرها مثلثة. هو موضع من المدينة على ليلتين، وقيل غير ذلك.
قال الخطابي: يوم بُعاث يوم مشهور من أيام العرب كانت فيه مقتلة عظيمة للأوس والخزرج، وبقيت الحرب قائمة مائة وعشرين سنة إلى الإسلام على ما ذكره ابن إسحاق وغيره، وقيل غير ذلك. انظر: "الفتح" (٢/ ٤٤١).
• عن أبي هريرة قال: بينما الحبشة يلْعبون عند رسول الله ﷺ بِحرابهم، إذ دخل عمر بن الخطاب، فأهْوى إلى الحَصْباء يَحْصِبهم بها، فقال له رسول الله ﷺ : "دَعْهم يا عمر".
متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (٢٩٠١)، ومسلم في العيدين (٨٩٣) كلاهما من طريق معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة فذكره، ولفظهما سواء. وفي رواية "في المسجد".
٢٥ - باب ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم
• عن سعيد بن جبير قال: كنت مع ابن عمر حين أصابه سنان الرمح في أَخمصِ قدمه، فلزقتْ قدمه بالرِّكاب، فنزلتُ فنزعتُها -وذلك بمنى-، فبلغ الحجاجَ فجعلَ
стр. 1987
يعودُه، فقال الحجاج: لو نعلم من أصابك؟ فقال ابن عمر: أنت أصبتني. قال: كيف؟ قال: حملت السِّلاحَ في يوم لم يكن يُحمل فيه، وأدخلت السلاحَ الحرمَ، ولم يكن السلاحُ يُدخل الحرمَ.
صحيح: رواه البخاري في العيدين (٩٦٦) عن زكريا بن يحي أبي السُّكين، قال: حدثنا المحاربي، قال: حدثنا محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير فذكره.
ورواه أيضًا (٩٦٧) عن أحمد بن يعقوب، قال: حدثني إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، عن أبيه قال: دخل الحجاج على ابن عمر، وأنا عنده فقال: كيف هو؟ فقال: صالح. فقال: من أصابك؟ قال: أصابني من أمر بحملٍ السلاح في يومٍ لا يحل فيه حملُه. يعني: الحجاجُ.
قوله: "أخمص قدمه" بإسكان الخاء وفتح الميم - باطن القدم وما رق من أسفلها. وقيل: هو خصر باطنها الذي لا يُصيب الأرض عند المشي.
وأما ما جاء من ذكر السودان أنَّهم كانوا يلعبون بالدَّرق والحِراب يوم عيد فالظاهر أنَّ ذلك كان بعد رجوعه ﷺ من المصلَّي؛ لأنَّه كان يخرج أوَّلَ النهار فيصلِّي، ثم يرجع، ولذا كَرِه أهل العلم حمل السلاح يوم عيد إلا أن يخاف العدو.
و"الحراب" بكسر الحاء - جمع حربة، "والدرق" جمع درقة وهي الترس.
وأما ما رُوي عن ابن عباس، أنَّ النبي ﷺ نهى أن يُلْبس السِّلاحُ في بلاد الإسلام في العيدين إلَّا أن يكون بحضرة العدو. فهو ضعيف. رواه ابن ماجه (١٣١٤) عن عبد القدوس بن محمد، قال: حدثنا نائل بن نَجِيح قال: حدثنا إسماعيل بن زياد، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس فذكره.
ونائل بن نجيح وهو: أبو سهل البصري، أو البغدادي، وشيخه إسماعيل بن زياد الكوفي، قاضي الموصل ضعيفان بل كذَّبوا إسماعيل بن زياد وتركوه.
стр. 1988
١٢ - كتاب الجمعة
جموع أبواب الجمعة وفضلها وخصائصها
١ - باب فرض الجمعة
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [سورة الجمعة: ٩].
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنَّهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأُوتيناه من بعدهم، وهذا يومهم الذي فُرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فهم لنا فيه تبعٌ؛ فاليهود غدًا، والنصارى بعد غدٍ".
متفق عليه: رواه البخاري في الأَيمان والنذور (٦٦٢٤)، ومسلم في الجمعة (٨٥٥/ ٢١)، كلاهما من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمرٌ، عن همَّام بن منبِّه، قال: هذا ما حدَّثنا أبو هريرة فذكره.
واللفظ لمسلمٍ، أمَّا البخاري؛ فاقتصر على قوله ﷺ : "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة".
ورواه البخاري (٨٧٦)، ومسلم، كلاهما من طريق أبي الزناد، أنَّ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج مولى ربيعة بن الحارث حدَّثه، أنَّه سمِع أبا هريرةَ يقول: إنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: فذكر الحديث كاملًا كما هو عند مسلمٍ، إلَّا أنَّ مسلمًا أحال على السابق في هذا الإسنادِ.
• عن أبي هريرة وحذيفة قالا: قال رسول الله ﷺ : "أضلَّ الله عن الجمعة من كان قبلنا؛ فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت، والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضيُّ لهم قبل الخلائق". وفي رواية: "المقضيُّ بينهم".
وفي رواية عن حذيفة: "هُدينا إلى الجمعة، وأضلَّ الله عنها من كان قبلنا".
صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٥٦) من طرق عن ابن فضيل، عن أبي مالكٍ الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة.
وعن رِبعي بن حِراش، عن حذيفة، فذكرا الحديثَ.
стр. 1989
والرواية الثانية عن حذيفة رواها مسلم أيضًا من وجه آخر عن سعد بن طارق، عن ربعي بن حراش به مثله.
ورواه البزَّار "كشف الأستار" (٦١٧) عن يوسف بن موسى، ثنا ابن فضيل، بالإسنادين جميعًا عن أبي هريرة وحذيفة، وفيه: "المغفور لهم قبل الخلائق".
• عن حفصةَ زوج النبي ﷺ ، أن النبي ﷺ قال: "رواح الجمعة واجب على كل محتلم".
صحيح: أخرجه أبو داود (٣٤٢) والنسائي (١٣٧١) كلاهما من طريق المفضَّل بن فَضالة، عن عَيَّاش بن عبَّاسٍ، عن بكير، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة، فذكرته. واللفظ للنسائي، ولفظ أبي داود: "على كلِّ محتلمٍ رواح الجمعة، وعلى كلِّ من راح الجمعة الغسلُ".
وإسناده صحيحٌ، صححه ابن خزيمة (١٧٢١) وابن حبان (١٢٢٠) فروياه من طريق المفضل به.
• عن طارق بن شهاب، عن النبي ﷺ ، قال: "الجمعة حقٌّ واجب على كلِّ مسلمٍ في جماعةٍ إلَّا أربعةٌ: عبدٌ مملوكٌ، أو امرأةٌ، أو صبيٌّ، أو مريضٌ".
صحيح: رواه أبو داود (١٠٧٦) عن عباس بن عبد العظيم، حدَّثني إسحاق بن منصور، حدثنا هُريم، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، فذكره.
قال أبو داود: طارق بن شهاب رأى النبي ﷺ ، ولم يسمع منه شيئًا".
قلت: طارق بن شهاب ثبتت صحبته، وغايته أنَّ بينه وبين النبي ﷺ صحابي، ويسمَّى هذا مرسل الصحابي، وهو حجَّة عند جماهير أهل العلم.
وقد أخرجه الحاكم (١/ ٢٨٨) من طريق العباس بن عبد العظيم، فجعل بينه وبين النبي ﷺ "أبا موسي". وقال: "صحيح على شرط الشيخين، فقد اتفقا جميعًا على الاحتجاج بهريم بن سفيان". ولكن قال البيهقي (١/ ١٧٢): ذِكرُ أبي موسى الأشعري فيه ليس بمحفوظ. فقد رواه غير العباس، عن إسحاق دون ذكر أبي موسي".
وأمَّا ما رُوي عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "الجمعة على كلِّ من سمِع النداءَ". فهو ضعيفٌ؛ رواه أبو داود (١٠٥٦)، وفيه أبو سلمة بن نبيهٍ، وعبد الله بن هارون، وهما مجهولان.
وكذلك ما رُوي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله: "خمسةٌ لا جمعة عليهم: المرأة، والمسافر، والعبد، والصبي، وأهل البادية". ضعيفٌ، أخرجه الطبراني "مجمع البحرين" (٩٤٢) وفيه شيخه أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين، وهو ضعيفٌ، وكذَّبه البعض، وإبراهيم بن حمَّاد بن أبي حازم المديني أيضًا ضعيف.
٢ - باب الوعيد الشديد لمن ترك الجمعة تهاونًا
عن عبد الله بن عُمر وأبي هريرةَ ﵄ أنَّهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 1990
يقول على أعواد منبره: "لينتهينَّ أقوامٌ عن ودعهم الجمعات أو ليختمنَّ الله على قلوبهم، ثمَّ ليكوننَّ من الغافلين".
صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٦٥) عن الحسن بن علي الحلواني، حدَّثنا أبو توبةَ، حدَّثنا معاوية (وهو ابن سلام) عن زيد (يعني أخاه) أنَّه سمع أبا سلام، قال: حدثني الحكم بن ميناء، أنَّ عبد الله بن عُمر وأبا هريرة حدَّثاه، فذكره.
وأخرجه النسائي (١٣٧٠) من وجه آخر عن زيد بن سلام به، إلَّا أنَّه جعل ابنَ عباسٍ بدل أبي هريرةَ.
ورواه ابن خزيمة (١٨٥٥) عن موسي بن سهلٍ الرملي - وهو أحد الثقات من أهل الشام - عن أبي توبة به. وفيه: عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: فذكره.
قال البيهقي (٣/ ١٧١، ١٧٢) - بعد أن أشار إلى هذه الطرق وغيرها -: "رواية معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام أولى أن تكون محفوظةً".
تَنبيهٌ: في النسخة المطبوعة من صحيح ابن خزيمة: "موسي بن سهل، ثنا الربيع بن نافعٍ، عن أبي توبة ... ". وهذا خطأٌ مطبعي؛ لأنَّ الربيعَ بن نافعٍ هو الذي يُكنى بـ "أبي توبةَ". وهو الذي يروي عن معاوية بن سلام بدون واسطةٍ.
• عن عبد الله بن مسعود، أنَّ النبي ﷺ قال لقوم يتخلَّفون عن الجمعة: "لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس، ثمَّ أحرِّق على رجال يتخلَّفون عن الجمعةِ بيوتهم".
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٥٢) من طريق أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، سمعه منه، عن عبد الله بن مسعود، فذكره.
وهذا الحديث أول حديث ذكره المجد ابن تيمية في أبواب الجمعة في المنتقى، لكن قال البيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ٥٦): "والذي يدل عليه سائر الروايات أنَّه عبَّر بالجمعة عن الجماعة".
ولذا سبق أن ذكرته في جموع أبواب صلاة الجماعة وفضلها.
• عن أبي جعد الضمري، -وكانت له صحبة- أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من ترك ثلاثَ جمَعٍ تهاونًا بها طبع الله على قلبه".
حسنٌ: أخرجه أبو داود (١٠٥٢) والترمذي (٥٠٠) والنسائي (١٣٦٩) وابن ماجة (١١٢٥) كلهم من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، عن عبيدة بن سفيان الحضرمي، عن أبي الجعد الضمري قال: فذكر الحديثَ.
وإسناده حسن؛ فيه محمد بن عمرو بن علقمة، حسن الحديث، وحسَّنه الترمذي، وصحَّحه ابن خزيمة (١٨٥٧) وابن حبان (٢٥٩) فأخرجاه من طريق وكيع، عن سفيان، عن محمد بن عمرو بن علقمه به نحوه.
стр. 1991
وصحَّحة -أيضًا- الحاكم (١/ ٢٨٠) فقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يُخرجاه" لكن أبا الجعد هذا وقيل: اسمه: أدرع، وقيل: عمرو، وقيل: جنادة، صحابي قيل: إنَّه قُتل يوم الجمل. له هذا الحديث الواحد، وحديث آخر أخرجه البزار في مسنده. قاله ابن الملقن في "البدر المنير" (١/ ٥٨٤). ولم يُخرِج له مسلمٌ.
• عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من ترك الجمعةَ ثلاثًا من غير ضرورةٍ طبع الله على قلبه".
حسنٌ: رواه ابن ماجة (١١٢٦) من طريق زهير وابن أبي ذئبٍ، كلاهما عن أَسِيد بن أبي أَسيد، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن جابر بن عبد الله، فذكره.
وهذا إسناد حسن، وصحّحه ابن خزيمة (١٨٥٦) والبوصيري.
وأخرجه أحمد (٢٢٥٥٨) من طريق عبد العزيز بن محمد (وهو الدراوردي) عن أَسيد، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه.
والصّحيح: عن عبد الله بن أبي قتادة، عن جابر كما رواه زهير وابن أبي ذئب، وهو الذي رجَّحه أبو حاتم في العلل لابنه (١/ ٣٩٦)، فقال: "ابن أبي ذئبٍ أحفظ مِن الدراوردي، وكأنَّه أشبه، وكأنَّ الدراوردي لزم الطريقَ". أي لزم جادة الطريق، وهو: "ابن أبي قتادة، عن أبيه". فوهِم؛ لأنَّ الصواب أنَّ ابن أبي قتادة إنَّما روى هذا عن جابر، لا عن أبيه. والله أعلم.
• عن أبي عبسٍ عبد الرحمن بن جبرٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ترك الجمعة ثلاث مرَّاتٍ تهاونًا بها طبع الله على قلبه".
حسن: رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٩٧٦): حدثنا أبو بكر بن مالكٍ (وهو القطيعي)، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، ثنا الوليد بن مسلم، قال: سمعت يزيد بن أبي مريم، قال: لحقني عباية بن رافع، وأنا رائح إلى الجمعة ماشيًا، وهو راكبٌ فقال: أَبشر! فإنِّي سمعت أبا عبسٍ يقول: فذكر الحديث.
وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات، غير القطيعي، واسمه: أحمد بن جعفر بن حَمْدان بن مالك بن شبيب بن عبد الله، أبو بكر القطيعي، راوية "المسند" عن عبد الله بن الإمام أحمد، كان أسند أهل زمانه، وقد تُكُلِّم فيه، غير أنَّه لا ينزل عن درجة "صدوق". قال أبو عبد الله الذهبي: "صدوق في نفسه مقبولٌ، تغيَّر قليلًا". "الميزان" (١/ ٨٧). وانظر للمزيد: "تاريخ بغداد" (٥/ ١١٦ - ١١٨).
أمَّا يزيد بن أبي مريم؛ فقد قال فيه الحافظ: "لا بأس به". ولكن الأولى أن يقال فيه: "ثقة"؛ فقد وثَّقه الأئمة، منهم: ابن معين وأبو حاتم، والبخاري، ودحيم، والعجلي. وأخرج له البخاري في الصحيح. وقال أبو زرعة: "ليس به بأسٌ". وقال الدارقطني: "ليس بذاك". فقول الجماعة
стр. 1992
أولى بالتقديم؛ لذا قال الذهبي في "الكاشف": "ثقة".
وأبو عبْس: -بإسكان الموحَّدة-، وقيل: أبو عيسى -بالياء-، والأوَّل أصحُّ، وهو الأنصاري المدني، شهِد بدرًا، ومات سنة ٣٤ هـ.
• عن عقبة بن عامرٍ الجهني، قال: قال رسول الله ﷺ : "هلاك أمتي في الكتاب واللبن". قالوا: يا رسول الله! ما الكتاب واللبن؟ قال: "يتعلَّمون القرآن فيتأولونه على غير ما أنزله الله، ويُحبُّون اللبن فيدعون الجماعات والجُمَع ويبدون".
حسن: رواه أحمد (١٧٤١٥) وأبو يعلى (المقصد العلي- ٣٦٩) كلاهما من طريق أبي عبد الرحمن (وهو عبد الله بن يزيد المقرئ)، عن ابن لهيعة - قال أحمد: عن أبي قبيل، وقال أبو يعلي: حدثني أبو قبيل (يحيي بن هانئ المعافري) قال: سمعت عقبة بن عامر. قال الإمام أحمد: قال ابن لهيعة: وحدثنيه يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر الجهني، فذكره.
وإسناده حسن، من أجل ابن لهيعة، وهو صدوق تغيَّر بعد احتراق كتبه، ولكن رواية العبادلة عنه قبل احتراق كتبه، ومنهم عبد الله بن يزيد المقرئ.
• عن محمد بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال: لا أعلمه إلَّا رفعه إلى النبي ﷺ ، قال: "من سمع الأذان ثلاث جمعات ثم لم يحضر كُتب من المنافقين".
صحيح: رواه عبد الرزاق (٥١٦٥) عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، فذكره. وإسناده صحيح.
٣ - باب فضل يوم الجمعة والساعة التي فيها
• عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: "فيها ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ وهو قائمٌ يصلِّي، يسأل الله شيئًا إلَّا أعطاه إيَّاه". وأشار رسول الله ﷺ بيده يُقلِّلها.
متفق عليه: رواه مالك في الجمعة (١٥) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه البخاري في الجمعة (٩٣٥) عن عبد الله بن مسلمة، ومسلم في الجمعة (٨٥٢) عن يحيي ابن يحيي كلاهما عن مالكٍ.
• عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : "خير يومٍ طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها".
صحيح: رواه مسلم (٨٥٤) عن حرملة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب،
стр. 1993
أخبرني عبد الرحمن الأعرج، أنَّه سمع أبا هريرة، فذكره.
ورواه من وجهٍ آخر عن الأعرج. وزاد فيه: ولا تقوم الساعة إلَّا يوم الجمعة".
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما طلعت الشّمس ولا غربت على يوم خير من يوم الجمعة، هدانا الله له، وأضلَّ الناس عنه، والناس لنا فيه تبع، فهو لنا، واليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، إنَّ فيه ساعةً لا يُوافقها مؤمن يصلي يسأل الله شيئًا إلَّا أعطاه".
صحيح: رواه ابن خزيمة (١٧٢٦) من طريق ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة.
• عن أبي هريرةَ أنَّه قال: خرجتُ إلى الطور، فلقيت كعب الأحبار، فجلستُ معه، فحدَّثني عن التوراة، وحدَّثته عن رسول الله ﷺ ، فكان فيما حدَّثته أن قلتُ: قال رسول الله ﷺ : "خير يومٍ طلعت عليه الشمس يومُ الجمعةِ، فيه خُلِق آدم، وفيه أُهبِطَ من الجنَّة، وفيه تيبَ عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعةُ، وما من دابَّةٍ إلَّا وهي مُصيخةٌ يومَ الجمعةِ من حين تصبح حتَّى تطلع الشمس، شفقًا من الساعةِ، إلَّا الجنُّ والإنس. وفيه ساعةٌ لا يصادفها عبدٌ مسلمٌ وهو يُصلِّي يسأل الله شيئًا إلَّا أعطاه إيَّاه".
قال كعبٌ: ذلك في كلِّ سنةٍ يومٌ؟ فقلت: بل في كلِّ جمعةٍ. فقرأ كعب التوراةَ فقال: صدق رسول الله ﷺ .
قال أبو هريرةَ: فلقيت بَصرة بن أبي بَصرةَ الغِفاري، فقال: مِن أينَ أقبلتَ؟ فقلتُ: من الطور. فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجتَ؛ سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا تُعمل المطي إلَّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، وإلى مسجد إيلياء، أو بيت المقدس". يشكُّ.
قال أبو هريرة: ثمَّ لقيتُ عبد الله بن سلام فحدَّثته بمجلسي مع كعبٍ الأحبار، وما حدَّثته به في يوم الجمعةِ، فقلت: قال كعبٌ: ذلك في كلِّ سنةٍ يومٌ. قال: قال عبد الله بن سلام: كذب كعبٌ. فقلت: ثمَّ قرأ كعبٌ التوراة فقال: بل هي في كلِّ جمعةٍ. فقال عبد الله بن سلام: صدق كعبٌ. ثمَّ قال عبد الله بن سلام: قد علِمتُ أيَّةَ ساعةٍ هيَ. قال أبو هريرةَ: فقلت له: أخبرني بها ولا تضنَّ علىَّ. فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعةٍ في يوم الجمعةِ. قال أبو هريرة: فقلت: وكيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا يُصادفها عبد مسلم وهو
стр. 1994
يصلِّي". وتلك الساعة ساعة لا يُصلَّي فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: أَلم يقل رسول الله ﷺ : من جلس مجلسًا ينتظر الصلاةَ فهو في صلاةٍ حتَّى يُصلِّي"؟ قال أبو هريرة: فقلتُ: بلى. قال: فهو ذلك.
صحيح: رواه مالك في الجمعة (١٦) عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرةَ، فذكر الحديثَ.
ورواه أبو داود (١٠٤٦) عن القعنبي، والترمذي (٤٩١) عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن مَعن، كلاهما عن مالك.
ورواه النسائي (١٤٣٠) عن قتيبة، ثنا بكر (يعني بن مضر) عن ابن الهاد.
وإسناده صحيحٌ على شرط الشيخين. وصحّحه ابن حبَّان (٢٧٧٢) والحاكم (١/ ١٧٨) فأخرجاه من طريق مالكٍ. وصحّحه أيضًا ابن خزيمة (١٧٢٧) من وجهٍ آخر عن أبي هريرةَ.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشّيخين ولم يُخرجاه".
وقوله في الحديث: "ما من دابة إلَّا وهي مُصيخَةٌ يوم الجمعة". مصيخة: أي مستمعةٌ مصغِية تتوقَّعُ قيامَ الساعة.
• عن أبي هريرةَ، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تطلع الشمس بيومٍ ولا تغرب بأفضل من يوم الجمعة. وما من دابة إلَّا وهي تفزع ليوم الجمعة إلَّا هذان الثقلان من الجنِّ والإنس. وعلى كلِّ إنسان ملكان يكتبان الأوَّل فالأول: كرجل قدَّم بدنةً، وكرجلٍ قدَّم بقرةً، وكرجلٍ قدَّم شاةً، وكرجلٍ قدَّم طيرًا، وكرجلٍ قدَّم بيضةً، فإذا قعد الإمام طُوِيَت الصحف".
حسنٌ: رواه الإمام أحمد (٩٨٩٦) عن محمد بن جعفر، ثنا شعبة، قال: سمعت العلاء يُحدِّث عن أبيه، عن أبي هريرةَ.
وإسناده حسن من أجل العلاء بن عبد الرحمن؛ فإنه حسن الحديث.
وصحّحه ابن خزيمة (١٧٥٧) وابن حبَّان (٢٧٧٠) فأخرجاه من هذا الوجه مقتصرين على المقطع الأول والثاني من الحديث فقط.
ورواه أيضًا ابن خزيمة (١٧٧٠) وابن حبَّان (٢٧٧٤) من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، واقتصرا على المقطع الأخير منه.
• عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، قال: قال لي عبد الله بن عمر: سمعتَ أباك يحدث عن رسول الله ﷺ في شأن ساعةِ الجمعة؟ قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تُقضى الصلاةُ".
стр. 1995
صحيحٌ: رواه مسلم في الجمعة (٨٥٣) من طريق ابن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن أبي بردة، فذكره.
وفي الباب ما رُوِي عن سعد بن عُبادة أنَّ رجلًا من الأنصار أتى النبيَّ ﷺ فقال: أخبرنا عن يوم الجمعةِ ماذا فيه من الخير؟ قال: "فيه خمس خِلالٍ: فيه خُلق آدم، وفيه أُهبِط آدم، وفيه توفَّي الله آدم، وفيه ساعةٌ لا يسأل اللهَ عبدٌ فيها شيئًا إلَّا آتاه، ما لم يسأل مأثمًا أو قطيعة رحم، وفيه تقوم الساعة ما من ملكٍ مقرَّبٍ، ولا سماءٍ ولا أرضٍ، ولا جبالٍ، ولا حجرٍ، إلَّا وهو يُشفق من يومِ الجمعةِ".
أخرجه الإمام أحمد (٢٢٤٥٧) والبزار (٣٧٣٨) من طريق عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، عن جدِّه، عن سعد بن عُبادة فذكره.
وعمرو بن شرحبيل وأبوه لم يوثِّقهما غير ابن حبَّان؛ فهما مقبولان حيث يتابعان، ولم يُتابعا في هذا الحديث.
أمَّا البزَّار فقال: "وهذا الكلام لا نعلمه يُروي عن النبيِّ ﷺ إلَّا من هذا الوجه، وإسناده صالحٌ". وقال الحافظ: "هذا حديثٌ حسنٌ إن كان شرحبيل سمع من جدِّه سعد بن عُبادةَ".
وفي الإسناد علة أخرى: وهي أنَّ عبد الله بن محمد بن عقيل قد خالف في هذا الإسناد؛ لأنَّه رواه كما عند ابن ماجة (١٠٨٤) والإمام أحمد (١٥٥٤٨)، عن عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري، عن أبي لبابة بن عبد المنذر، أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ يوم الجمعة سيِّد الأيام، وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى، ويوم الفطر، فيه خمس خلالٍ: خلق الله فيه أدم، وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفي الله أدم، وفيه ساعةٌ لا يسأل الله فيها العبد شيئًا إلَّا أعطاه، ما لم يسأل حرامًا، وفيه تقوم الساعة، ما من ملكٍ مقرَّب، ولا سماءٍ ولا أرض، ولا رياح ولا جبال، ولا بحرٍ، إلَّا وهنَّ يُشفقنَ من يوم الجمعة".
فخالف في الإسناد والمتن، ولعلَّ الحافظ ابن حجر يشير إلى هذا بقوله: "سيء الحفظ يصلح حديثه للمتابعات، وأمَّا إذا انفرد؛ فيُحسَّن، وأمَّا إذا خالف؛ فلا يُقبل". "التلخيص" (٢/ ١٠٨).
وكذلك ما رُوي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنَّه قال: كان أبو هريرة يحدِّثنا عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "إنَّ في الجمعة ساعة لا يوافقها مسلمٌ وهو في صلاةٍ يسأل الله خيرًا إلَّا آتاه إياه". قال أبو هريرةَ: وقلَّلَها أبو هريرةَ بيده. قال: فلمَّا توفي أبو هريرة قلت: والله! لو جئتُ أبا سعيد فسألته عن هذه الساعة، أن يكون عنده منها علمٌ، فأتيته، فأجده يقوِّم عراجين، فقلت: يا أبا سعيد، ما هذه العراجين التي أراك تقوِّم؟ قال: هذه عراجين جعل الله لنا فيها بركةً، كان رسول الله ﷺ يُحبُّها ويختصر بها، فكنَّا نُقوِّمُها ونأتيه بها، فرأى بصاقًا في قبلةِ المسجد وفي يده عُرجونٌ من تلك العراجين، فحكَّه وقال: "إذا كان أحدكم في صلاته فلا يبصق أمامه؛ فإنَّ ربَّه أمامه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه، فإن لم" قال سريج: "فإن لم يجد مَبصقًا ففي ثوبه أو نعله". قال: ثمَّ
стр. 1996
هاجت السماء من تلك الليلة، فلمَّا خرج النبي ﷺ لصلاة العشاء الآخرة برقت برقةٌ، فرأى قتادة بن النعمان، فقال: "ما السُّرى يا قتادهُ؟ ". قال: علمتُ يا رسولَ الله! أنَّ شاهد الصلاة قليلٌ، فأحببتُ أن أشهدها. قال: "فإذا صلَّيت فاثبت حتَّى أمرَّ بكَ. فلمَّا انصرف أعطاه العرجون، وقال: "خذ هذا فسيُضيءُ لك أمامك عشرًا، وخلفك عشرًا، فإذا دخلتَ البيتَ وتراءيتَ سوادًا في زاوية البيتِ، فاضربه قبل أن يتكلَّم؛ فإنَّه شيطان". قال: ففعل، فنحن نُحبُّ هذه العراجين لذلك. قال: قلتُ يا أبا سعيدٍ! إنَّ أبا هريرةَ حدَّثنا عن الساعة التي في الجمعةِ، فهل عندك منها علمٌ؟ فقال: سألتُ النبيَّ ﷺ عنها، فقال: "إنِّي كنتُ قد أُعلِمتُها، ثمَّ أُنسيتُها كما أنسيتُ ليلةَ القدرِ". قالتُ: ثم خرجت من عندِه فدخلتُ على عبد الله بن سلام.
أخرجه أحمد (١١٦٢٤) عن يونس وسُريج، قالا: ثنا فُلَيح، عن سعيد بن الحارث، عن أبي سلمةَ، فذكره.
وأخرجه أيضًا البزَّار (٦٢٠ - كشف الأستار) من وجه آخر عن فُلَيح به. وزاد فيه بعد قوله: "ثمَّ خرجتُ مِن عنده": "حتَّى أتيت دار رجل من أصحاب النبي ﷺ "، قال: قلت: هذا رجل قد قرأ التوراة، وصَحِب النبيَّ ﷺ ، قال: فدخل عليه فقلت: أخبرني عن هذه الساعة التي كان النبي ﷺ يقول فيها ما يقول في الجمعة؟ قال: نعم! خلق الله آدم يوم الجمعة، وأسكنه الجنة يوم الجمعة، وأهبطه إلى الأرض يوم الجمعة، وتوفاه يوم الجمعة، وهو اليوم الذي تقوم فيه الساعة، وهي آخر ساعة من يوم الجمعة. قال: قلت: ألست تعلم أنَّ النبي ﷺ يقول: في صلاةٍ؟ قال: ولَستَ تعلم أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "من انتظر صلاة فهو في صلاةٍ".
ففي إسناده فليح بن سليمان، أخرج له الجماعة، لكن تُكُلّم فيه من قبل حفظه؛ فضَّعفه ابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائي، وأبو زرعة الرازي، ووثَّقه الدارقطني في رواية، وقال في أُخرى: "يختلفون فيه وليس به بأسٌ".
وقال ابن عدي: "ولفُلَيح أحاديث صالحة، ويروي عن سائر الشيوخ من أهل المدينة أحاديث مستقيمة، وغرائب، وقد اعتمده البخاري في صحيحه، وروى عنه الكثير، وهو عندي لا بأس به".
قلت: وقد انفرد فُلَيح برواية هذا الحديث بهذا السياق، وقد جمع فيه عدَّةَ أحاديثَ لبعضها طرق صحيحة وحسنة، وانفرد في هذا السياق بعض الألفاظ، منها: فهذه العراجين جعل الله لنا فيها بركة، كان رسول الله ﷺ يحبها ويتخصَّر بها". ومنها: "إنِّي كنتُ أُعِلمتها ثمَّ أُنسيتُها". وقد صحَّح هذه اللفظة ابن خزيمة (١٧٤١) والحاكم (١/ ٢٧٩، ٢٨٠) من طريق يونس بن محمد، عن فليح به.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
قلت: والإسناد كيفما دار فهو يدور على فُلَيح، وقد سبق ذكر أقوال العلماء فيه.
وكذلك ما رُوي عن أبي سلمة قال: سمعت أبا هريرةَ وأبا سعيد يذكران عن رسول الله ﷺ أنَّه
стр. 1997
قال: "إنَّ في الجمعة ساعةً لا يوافقها عبد وهو يصلِّي يسأل الله فيها شيئًا إلَّا أعطاه إيَّاه". قال: وعبد الله بن سلام يذكر عن رسول الله ﷺ فقال: نعم، هي آخر ساعة. قلت: إنَّما قال: وهو يصلِّي، وليس تلك ساعة صلاةٍ فقال: أو ما سمعت أو ما بلغك أن رسول الله ﷺ قال: "من انتظر الصلاة فهو في صلاةٍ".
فجعل ذكر آخر ساعةٍ من المرفوع عن النبي ﷺ .
رواه البزار (٦١٩ - كشف الأستار) عن الحسن بن الصباح، عن عبد الله بن جعفر، ثنا عبد الله بن عمرو، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة به.
فالظاهر أنَّ هذا وهمٌ من بعض رواته، فإنَّ رواته بين ثقة وصدوق، لكن وصف شيخ البزار، وعبد الله بن جعفر، وكذا عبيدالله بن عمرو، وُصِف كلٌّ منهم بشيءٍ من الوهم، وإنَّما صحَّ هذا من قول عبد الله بن سلام كما سبق.
قال الهيثمي: "حديث أبي هريرة في الصحيح، وحديث ابن سلام لم أره مرفوعًا عند أحد منهم".
قلت: والذي يظهر أن عبد الله بن سلام كان يروي على وجهين، فمرة يرويه مرفوعًا، وأخرى موقوفًا، كما يدل عليه الحديث الذي بعد حديث جابر.
• عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس".
حسن: رواه الترمذي (٤٨٩) عن عبد الله بن الصباح الهاشمي البصري، قال: حدثنا عبيد الله ابن عبد المجيد الحنفي، قال: حدّثنا محمد بن أبي حميد، قال: حدّثنا موسي بن وردان، عن أنس، فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد روي هذا الحديث عن أنس، عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه، ومحمد بن أبي حميد يضعف، ضعفه بعض أهل العلم من قبل حفظه، ويقال له: حماد بن أبي حميد، ويقال: هو أبو إبراهيم الأنصاري، وهو منكر الحديث". انتهى.
قلت: محمد بن أبي حميد ضعيف باتفاق أهل العلم، ولكن قال ابن عدي: وهو مع ضعفه يكتب حديثه أي: للاعتبار. فقد وجدت له متابعا وهو ابن لهيعة، عن موسي بن وردان. أخرجه الطبراني في الأوسط (١٣٦) من طريقه. وابن لهيعة فيه كلام معروف، ولكنه لم يتهم، ولذا يقبل في المتابعة، وبهذا صار الحديث حسنا.
وأما موسي بن وردان فهو مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف في الإسناد، ولم يأت في حديثه ما ينكر عليه.
• عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "يوم الجمعة اثنتا عشرة -يريد: ساعة-، لا يوجد مسلمٌ يسأل الله شيئًا إلَّا آتاه الله ، فالتمسوها
стр. 1998
آخر ساعةٍ بعد العصرِ".
حسن: رواه أبو داود (١٠٤٨) والنسائي (١٣٨٩) كلاهما من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن الجلاح -مولي عبد العزيز-، أنَّ أبا سلمة حدَّثه، عن جابر بن عبد الله، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الجلاح؛ فهو صدوق.
وصحّحه الحاكم (١/ ٢٧٩) على شرط مسلم، وقال: "فقد احتجَّ بالجلاح بن كثير، ولم يخرجاه".
وروي بمعناه عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، وهي بعد العصر".
رواه أحمد (٧٦٧٧) عن عبد الرزاق -وهو في المصنف (٥٥٨٤) -، أخبرنا ابن جريج، حدثني العباس حديثا، عن محمد بن مسلمة الأنصاري، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، فذكراه.
والحديث أيضًا أخرجه العقيلي (٤/ ١٤٠) من طريق عبد الرزاق، وقال: حدثني آدم بن موسي، قال: سمعت البخاري قال: محمد بن مسلمة الأنصاري، عن أبي سعيد وأبي هريرة في ساعة الجمعة لا يتابع عليه.
وقال العقيلي: "والرواية في فضل الساعة التي في يوم الجمعة ثابتة عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه، وأما التوقيت فالرواية فيها أيه، كذا -أظنه "لينة"- كما سيأتي. ثم قال: والعباس رجل مجهول لا يعرف، ومحمد بن مسلمة أيضًا مجهول. وأمَّا العصر فالرواية فيه لينة" انتهي.
كذا قال، مع أن التوقيت بالعصر فالرواية فيه أيضًا ثابتة، كما أن التوقيت ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة ثابتة، وقد نقل الزهري في الموضع المشار إليه سابقًا عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن الساعة التي ترجى بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، وبه يقول أحمد وإسحاق. وقال أحمد: "أكثر الأحاديث في الساعة التي تُرجى فيها إجابة الدعوة أنَّها بعد صلاة العصر، وترجي بعد زوال الشمس". انتهي.
ورُوي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "الساعة التي تُذكر يوم الجمعة ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس". وكان سعيد بن جبير إذا صلى العصر لم يكلِّم أحدًا حتَّى تغرب الشمس، قال الحافظ ابن القيم: "وهذا قول أكثر السلف، وعليه أكثر الأحاديث". "زاد المعاد" (١/ ٣٩٤).
• عن عبد الله بن سلام، قال: قلت ورسول الله ﷺ جالسٌ: إنَّا لنجد في كتاب الله في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبدٌ مؤمن يصلِّي يسأل الله فيها شيئًا إلَّا قضي له حاجته.
قال عبد الله: فأشار إلىَّ رسول الله ﷺ : "أو بعض ساعة". فقلت: صدقت، أو بعض ساعة. قلتُ: أي ساعة هي؟ قال: "هي آخر ساعات النهار". قلت: إنَّها ليست ساعة صلاة. قال: "بلى. إنَّ العبد المؤمن إذا صلَّى ثمَّ جلس، لا يحبسه إلَّا
стр. 1999
الصلاة فهو في الصلاة".
حسن: رواه ابن ماجة (١١٣٩) عن عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، ثنا ابن أبي فُديك، عن الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام، فذكره.
وإسناده حسن؛ من أجل الضحاك بن عثمان لأنه صدوق، وبقية رجاله ثقات. قال البوصيري: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات على شرط الصحيح".
ورواه أحمد (٢٣٧٨١) عن عبد الله بن الحارث، عن الضحاك به مثله. وفيه: قال أبو النضر: قال أبو سلمة: سألته: أية ساعة هي؟ قال: (أي عبد الله بن سلام) آخر ساعات النَّهار. فقلت: إنها ليست بساعة صلاة. فقال: بلى إنَّ العبد المسلم في صلاة إذا صلَّى ثم قعد في مصلاه لا يحبسه إلَّا انتظار الصلاة". انتهي.
وفي الباب ما رُوي عن أنس بن مالكٍ، قال: عُرضت الجمعة على رسول الله ﷺ ، فجاء جبريل في كفِّه كالمرآة البيضاء، في وسطها كالنُكْتة السوداء، فقال: "ما هذه يا جبريل؟ ". قال: "هذه الجمعة، يَعرِضها عليك ربُّك لتكون لك عيدًا، ولِقومِك من بعدك، ولكم فيها خيرٌ، تكون أنت الأوَّل، ويكون اليهود والنصارى من بعدك، وبها ساعةٌ لا يدعو أحَدٌ ربَّه بخيرٍ هو له قَسْمٌ إلَّا أعطاه، أو يتعوَّذ مِن شرٍّ إلَّا دفع عنه ما هو أعظم منه، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيدِ، وذلك أنَّ ربَّك اتَّخذ في الجنَّة واديًا أَفْيَحَ مِن مسكٍ أبيض، فإذا كان يوم الجمعة نزل من عِلِّيين فجلس على كرسيِّه، وحفَّ الكرسيَّ بمنابر من ذهبٍ، مكلَّلة بالجواهر، وجاء الصدِّيقون والشهداء وجلسوا عليها، وجاء أهل الغُرف من غرفهم حتَّى يجلسوا على الكثيبِ، وهو كثيب أبيض من مسك أذْفَر، ثمَّ يتجلَّى لهم فيقول: أنا الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، وهذا محلُّ كرامتي، فسلوني، فيسألونه الرضا، فيقول: رضاي أَحلَّكم داري، وأنالكم كرامتي، فسلوني، فيسألونه الرضا، ثَّم يفتح لهم ما لم تَره عينٌ، ولم يخطر على قلب بشرٍ، إلى مقدار مُنصرَفهم من الجمعة، وهي زبرجدة خضراء، أو ياقوتة حمراء، متدلِّية فيها ثمارُها وخدمها، فليس هم في الجنة بأشوق منهم إلى يوم الجمعة، ليزدادوا نظرًا إلى ربَّهم وكرامته، وكذلك وهي يوم المزيدِ".
رواه الطبراني في "الأوسط" (٢١٥٠): عن أحمد بن زُهَير، قال: ثنا محمد بن عثمان بن كَرامة، ثنا خالد بن مَخلَد القطواني، ثنا عبد السلام بن حفص، عن أبي عِمران الجَوني، عن أنسٍ، فذكر الحديثَ.
قال الطبراني: "لم يروه عن أبي عِمران إلَّا عبد السلام، تفرَّدَ به خالد".
قلتُ: وهو كما قال، وخالد هذا هو ابن مخلد القطواني، وهو وإن كان من رجال الشيخين إلَّا أنَّه وُصِف بأنَّ له أحاديث مناكير، وكان متشيعًا، وفي متنه غرابة.
ورواه أبو يعلي (٤٢٢٨) عن شيبان بن فروخ، ثنا الصعق بن حزن، ثنا علي بن الحكم البناني،
стр. 2000
عن أنس فذكر نحوه.
قال الحافظ عن هذا الإسناد بعد أن ساق للحديث أسانيد الأخرى: "هذا أجود من الأول".
وأورده الذّهبي في "العلو" (١/ ٣٥١ - ٣٦٥) من عدّة طرق لا يسلم منها شيء، ثم قال: "هذه طرق يعضِّد بعضها بعضًا، رزقنا الله وإياكم لذَّة النظر إلى وجهه الكريم".
وأورده الحافظ ابن القيم في "الزاد" (١/ ٣٦٧ - ٣٧١) من أوجهٍ أُخرى كثيرةٍ أيضًا، ولا يصح منها شيءٌ، وذكر له شاهدًا من حديث حذيفة، وفيه عبد الله بن عرادة الشيباني، قال فيه البخاري: "منكر الحديث". وضعَّفه غير واحد من أهل العلم.
وأمَّا ما رواه الإمام أحمد (٨١٠٢): عن هاشم، ثنا الفرج بن فضالة، ثنا علي بن أبي طلحة، عن أبي هريرة قال: قيل للنبي ﷺ : لأيِّ شيءٍ سمِّي يوم الجمعة؟ قال: "لأنَّ فيها طُبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة، والبعثة، وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استُجيب له". فهو ضعيف، لضعف الفرج بن فضالة، وعلي بن ابي طلحة لم يُدرك أبا هريرةَ، فهو مع ضعفه منقطعٌ.
وفي الباب أحاديث أخرى، منها: عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ في الجمعة الساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلَّا أعطاه إياه".
رواه البزَّار (٦٦٦) عن عبد ربِّه بن خالدٍ، ثنا فُضَيل بن سليمان، عن عبد الله بن محمد بن عمر ابن علي، عن أبيه، عن جده عن علي بن أبي طالبٍ، فذكره. وشيخ البار فيه لم يُوثّقه أحدٌ، وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقد روى عنه جمعٌ منهم البزار وابن ماجة.
وأمّا ما رُوي "أفضل الأيام يوم عرفة وافق يوم الجمعة، وهو أفضل من سبعين حجّة في غير يوم جمعة" فهو لا أصل له، أورده ابن الأثير في "جامع الأصول" (٦٨٦٧). -تحقيق أيمن صالح- وعزاه إلى رزين.
ورزين هو ابن معاوية بن عمار الأندلسيّ السرقسطيّ المتوفى سنة خمس وثلاثين وخمس مائة بمكة، وصفه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٢٠/ ٢٠٤) بأنه الإمام المحدِّث الشهير صاحب كتاب "تجريد الصحاح" وكان إمام المالكين بالحرم.
وقال ابن الأثير في "مقدمة جامع الأصول" (١/ ٤٨ - ٥٠): جمع بين كتب البخاري، ومسلم، والموطأ لمالك، وجامع الترمذي، وسنن أبي داود، وسنن أبي عبد الرحمن النسائي رحمة الله عليهم".
وهو الذي بني عليه الحافظ ابن الأثير كتابه "جامع الأصول" ولكن كما يقول الحافظ الذهبي: "أدخل في كتابه زيادات واهية، لو تنزه عنها لأجاد".
وهذا الحديث من هذا القبيل.
وقد حاول أئمة الحديث الوقوف على إسناد هذا الحديث فلم يقفوا عليه.
следующие страницы →