← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

هاجت السماء من تلك الليلة، فلمَّا خرج النبي ﷺ لصلاة العشاء الآخرة برقت برقةٌ، فرأى قتادة بن النعمان، فقال: "ما السُّرى يا قتادهُ؟ ". قال: علمتُ يا رسولَ الله! أنَّ شاهد الصلاة قليلٌ، فأحببتُ أن أشهدها. قال: "فإذا صلَّيت فاثبت حتَّى أمرَّ بكَ. فلمَّا انصرف أعطاه العرجون، وقال: "خذ هذا فسيُضيءُ لك أمامك عشرًا، وخلفك عشرًا، فإذا دخلتَ البيتَ وتراءيتَ سوادًا في زاوية البيتِ، فاضربه قبل أن يتكلَّم؛ فإنَّه شيطان". قال: ففعل، فنحن نُحبُّ هذه العراجين لذلك. قال: قلتُ يا أبا سعيدٍ! إنَّ أبا هريرةَ حدَّثنا عن الساعة التي في الجمعةِ، فهل عندك منها علمٌ؟ فقال: سألتُ النبيَّ ﷺ عنها، فقال: "إنِّي كنتُ قد أُعلِمتُها، ثمَّ أُنسيتُها كما أنسيتُ ليلةَ القدرِ". قالتُ: ثم خرجت من عندِه فدخلتُ على عبد الله بن سلام. أخرجه أحمد (١١٦٢٤) عن يونس وسُريج، قالا: ثنا فُلَيح، عن سعيد بن الحارث، عن أبي سلمةَ، فذكره. وأخرجه أيضًا البزَّار (٦٢٠ - كشف الأستار) من وجه آخر عن فُلَيح به. وزاد فيه بعد قوله: "ثمَّ خرجتُ مِن عنده": "حتَّى أتيت دار رجل من أصحاب النبي ﷺ "، قال: قلت: هذا رجل قد قرأ التوراة، وصَحِب النبيَّ ﷺ ، قال: فدخل عليه فقلت: أخبرني عن هذه الساعة التي كان النبي ﷺ يقول فيها ما يقول في الجمعة؟ قال: نعم! خلق الله آدم يوم الجمعة، وأسكنه الجنة يوم الجمعة، وأهبطه إلى الأرض يوم الجمعة، وتوفاه يوم الجمعة، وهو اليوم الذي تقوم فيه الساعة، وهي آخر ساعة من يوم الجمعة. قال: قلت: ألست تعلم أنَّ النبي ﷺ يقول: في صلاةٍ؟ قال: ولَستَ تعلم أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "من انتظر صلاة فهو في صلاةٍ". ففي إسناده فليح بن سليمان، أخرج له الجماعة، لكن تُكُلّم فيه من قبل حفظه؛ فضَّعفه ابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائي، وأبو زرعة الرازي، ووثَّقه الدارقطني في رواية، وقال في أُخرى: "يختلفون فيه وليس به بأسٌ". وقال ابن عدي: "ولفُلَيح أحاديث صالحة، ويروي عن سائر الشيوخ من أهل المدينة أحاديث مستقيمة، وغرائب، وقد اعتمده البخاري في صحيحه، وروى عنه الكثير، وهو عندي لا بأس به". قلت: وقد انفرد فُلَيح برواية هذا الحديث بهذا السياق، وقد جمع فيه عدَّةَ أحاديثَ لبعضها طرق صحيحة وحسنة، وانفرد في هذا السياق بعض الألفاظ، منها: فهذه العراجين جعل الله لنا فيها بركة، كان رسول الله ﷺ يحبها ويتخصَّر بها". ومنها: "إنِّي كنتُ أُعِلمتها ثمَّ أُنسيتُها". وقد صحَّح هذه اللفظة ابن خزيمة (١٧٤١) والحاكم (١/ ٢٧٩، ٢٨٠) من طريق يونس بن محمد، عن فليح به. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". قلت: والإسناد كيفما دار فهو يدور على فُلَيح، وقد سبق ذكر أقوال العلماء فيه. وكذلك ما رُوي عن أبي سلمة قال: سمعت أبا هريرةَ وأبا سعيد يذكران عن رسول الله ﷺ أنَّه

стр. 1997

قال: "إنَّ في الجمعة ساعةً لا يوافقها عبد وهو يصلِّي يسأل الله فيها شيئًا إلَّا أعطاه إيَّاه". قال: وعبد الله بن سلام يذكر عن رسول الله ﷺ فقال: نعم، هي آخر ساعة. قلت: إنَّما قال: وهو يصلِّي، وليس تلك ساعة صلاةٍ فقال: أو ما سمعت أو ما بلغك أن رسول الله ﷺ قال: "من انتظر الصلاة فهو في صلاةٍ". فجعل ذكر آخر ساعةٍ من المرفوع عن النبي ﷺ . رواه البزار (٦١٩ - كشف الأستار) عن الحسن بن الصباح، عن عبد الله بن جعفر، ثنا عبد الله بن عمرو، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة به. فالظاهر أنَّ هذا وهمٌ من بعض رواته، فإنَّ رواته بين ثقة وصدوق، لكن وصف شيخ البزار، وعبد الله بن جعفر، وكذا عبيدالله بن عمرو، وُصِف كلٌّ منهم بشيءٍ من الوهم، وإنَّما صحَّ هذا من قول عبد الله بن سلام كما سبق. قال الهيثمي: "حديث أبي هريرة في الصحيح، وحديث ابن سلام لم أره مرفوعًا عند أحد منهم". قلت: والذي يظهر أن عبد الله بن سلام كان يروي على وجهين، فمرة يرويه مرفوعًا، وأخرى موقوفًا، كما يدل عليه الحديث الذي بعد حديث جابر. • عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس". حسن: رواه الترمذي (٤٨٩) عن عبد الله بن الصباح الهاشمي البصري، قال: حدثنا عبيد الله ابن عبد المجيد الحنفي، قال: حدّثنا محمد بن أبي حميد، قال: حدّثنا موسي بن وردان، عن أنس، فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد روي هذا الحديث عن أنس، عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه، ومحمد بن أبي حميد يضعف، ضعفه بعض أهل العلم من قبل حفظه، ويقال له: حماد بن أبي حميد، ويقال: هو أبو إبراهيم الأنصاري، وهو منكر الحديث". انتهى. قلت: محمد بن أبي حميد ضعيف باتفاق أهل العلم، ولكن قال ابن عدي: وهو مع ضعفه يكتب حديثه أي: للاعتبار. فقد وجدت له متابعا وهو ابن لهيعة، عن موسي بن وردان. أخرجه الطبراني في الأوسط (١٣٦) من طريقه. وابن لهيعة فيه كلام معروف، ولكنه لم يتهم، ولذا يقبل في المتابعة، وبهذا صار الحديث حسنا. وأما موسي بن وردان فهو مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف في الإسناد، ولم يأت في حديثه ما ينكر عليه. • عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "يوم الجمعة اثنتا عشرة -يريد: ساعة-، لا يوجد مسلمٌ يسأل الله شيئًا إلَّا آتاه الله ، فالتمسوها

стр. 1998

آخر ساعةٍ بعد العصرِ". حسن: رواه أبو داود (١٠٤٨) والنسائي (١٣٨٩) كلاهما من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن الجلاح -مولي عبد العزيز-، أنَّ أبا سلمة حدَّثه، عن جابر بن عبد الله، فذكره. وإسناده حسن من أجل الجلاح؛ فهو صدوق. وصحّحه الحاكم (١/ ٢٧٩) على شرط مسلم، وقال: "فقد احتجَّ بالجلاح بن كثير، ولم يخرجاه". وروي بمعناه عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، وهي بعد العصر". رواه أحمد (٧٦٧٧) عن عبد الرزاق -وهو في المصنف (٥٥٨٤) -، أخبرنا ابن جريج، حدثني العباس حديثا، عن محمد بن مسلمة الأنصاري، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، فذكراه. والحديث أيضًا أخرجه العقيلي (٤/ ١٤٠) من طريق عبد الرزاق، وقال: حدثني آدم بن موسي، قال: سمعت البخاري قال: محمد بن مسلمة الأنصاري، عن أبي سعيد وأبي هريرة في ساعة الجمعة لا يتابع عليه. وقال العقيلي: "والرواية في فضل الساعة التي في يوم الجمعة ثابتة عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه، وأما التوقيت فالرواية فيها أيه، كذا -أظنه "لينة"- كما سيأتي. ثم قال: والعباس رجل مجهول لا يعرف، ومحمد بن مسلمة أيضًا مجهول. وأمَّا العصر فالرواية فيه لينة" انتهي. كذا قال، مع أن التوقيت بالعصر فالرواية فيه أيضًا ثابتة، كما أن التوقيت ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة ثابتة، وقد نقل الزهري في الموضع المشار إليه سابقًا عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن الساعة التي ترجى بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، وبه يقول أحمد وإسحاق. وقال أحمد: "أكثر الأحاديث في الساعة التي تُرجى فيها إجابة الدعوة أنَّها بعد صلاة العصر، وترجي بعد زوال الشمس". انتهي. ورُوي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "الساعة التي تُذكر يوم الجمعة ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس". وكان سعيد بن جبير إذا صلى العصر لم يكلِّم أحدًا حتَّى تغرب الشمس، قال الحافظ ابن القيم: "وهذا قول أكثر السلف، وعليه أكثر الأحاديث". "زاد المعاد" (١/ ٣٩٤). • عن عبد الله بن سلام، قال: قلت ورسول الله ﷺ جالسٌ: إنَّا لنجد في كتاب الله في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبدٌ مؤمن يصلِّي يسأل الله فيها شيئًا إلَّا قضي له حاجته. قال عبد الله: فأشار إلىَّ رسول الله ﷺ : "أو بعض ساعة". فقلت: صدقت، أو بعض ساعة. قلتُ: أي ساعة هي؟ قال: "هي آخر ساعات النهار". قلت: إنَّها ليست ساعة صلاة. قال: "بلى. إنَّ العبد المؤمن إذا صلَّى ثمَّ جلس، لا يحبسه إلَّا

стр. 1999

الصلاة فهو في الصلاة". حسن: رواه ابن ماجة (١١٣٩) عن عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، ثنا ابن أبي فُديك، عن الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام، فذكره. وإسناده حسن؛ من أجل الضحاك بن عثمان لأنه صدوق، وبقية رجاله ثقات. قال البوصيري: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات على شرط الصحيح". ورواه أحمد (٢٣٧٨١) عن عبد الله بن الحارث، عن الضحاك به مثله. وفيه: قال أبو النضر: قال أبو سلمة: سألته: أية ساعة هي؟ قال: (أي عبد الله بن سلام) آخر ساعات النَّهار. فقلت: إنها ليست بساعة صلاة. فقال: بلى إنَّ العبد المسلم في صلاة إذا صلَّى ثم قعد في مصلاه لا يحبسه إلَّا انتظار الصلاة". انتهي. وفي الباب ما رُوي عن أنس بن مالكٍ، قال: عُرضت الجمعة على رسول الله ﷺ ، فجاء جبريل في كفِّه كالمرآة البيضاء، في وسطها كالنُكْتة السوداء، فقال: "ما هذه يا جبريل؟ ". قال: "هذه الجمعة، يَعرِضها عليك ربُّك لتكون لك عيدًا، ولِقومِك من بعدك، ولكم فيها خيرٌ، تكون أنت الأوَّل، ويكون اليهود والنصارى من بعدك، وبها ساعةٌ لا يدعو أحَدٌ ربَّه بخيرٍ هو له قَسْمٌ إلَّا أعطاه، أو يتعوَّذ مِن شرٍّ إلَّا دفع عنه ما هو أعظم منه، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيدِ، وذلك أنَّ ربَّك اتَّخذ في الجنَّة واديًا أَفْيَحَ مِن مسكٍ أبيض، فإذا كان يوم الجمعة نزل من عِلِّيين فجلس على كرسيِّه، وحفَّ الكرسيَّ بمنابر من ذهبٍ، مكلَّلة بالجواهر، وجاء الصدِّيقون والشهداء وجلسوا عليها، وجاء أهل الغُرف من غرفهم حتَّى يجلسوا على الكثيبِ، وهو كثيب أبيض من مسك أذْفَر، ثمَّ يتجلَّى لهم فيقول: أنا الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، وهذا محلُّ كرامتي، فسلوني، فيسألونه الرضا، فيقول: رضاي أَحلَّكم داري، وأنالكم كرامتي، فسلوني، فيسألونه الرضا، ثَّم يفتح لهم ما لم تَره عينٌ، ولم يخطر على قلب بشرٍ، إلى مقدار مُنصرَفهم من الجمعة، وهي زبرجدة خضراء، أو ياقوتة حمراء، متدلِّية فيها ثمارُها وخدمها، فليس هم في الجنة بأشوق منهم إلى يوم الجمعة، ليزدادوا نظرًا إلى ربَّهم وكرامته، وكذلك وهي يوم المزيدِ". رواه الطبراني في "الأوسط" (٢١٥٠): عن أحمد بن زُهَير، قال: ثنا محمد بن عثمان بن كَرامة، ثنا خالد بن مَخلَد القطواني، ثنا عبد السلام بن حفص، عن أبي عِمران الجَوني، عن أنسٍ، فذكر الحديثَ. قال الطبراني: "لم يروه عن أبي عِمران إلَّا عبد السلام، تفرَّدَ به خالد". قلتُ: وهو كما قال، وخالد هذا هو ابن مخلد القطواني، وهو وإن كان من رجال الشيخين إلَّا أنَّه وُصِف بأنَّ له أحاديث مناكير، وكان متشيعًا، وفي متنه غرابة. ورواه أبو يعلي (٤٢٢٨) عن شيبان بن فروخ، ثنا الصعق بن حزن، ثنا علي بن الحكم البناني،

стр. 2000

عن أنس فذكر نحوه. قال الحافظ عن هذا الإسناد بعد أن ساق للحديث أسانيد الأخرى: "هذا أجود من الأول". وأورده الذّهبي في "العلو" (١/ ٣٥١ - ٣٦٥) من عدّة طرق لا يسلم منها شيء، ثم قال: "هذه طرق يعضِّد بعضها بعضًا، رزقنا الله وإياكم لذَّة النظر إلى وجهه الكريم". وأورده الحافظ ابن القيم في "الزاد" (١/ ٣٦٧ - ٣٧١) من أوجهٍ أُخرى كثيرةٍ أيضًا، ولا يصح منها شيءٌ، وذكر له شاهدًا من حديث حذيفة، وفيه عبد الله بن عرادة الشيباني، قال فيه البخاري: "منكر الحديث". وضعَّفه غير واحد من أهل العلم. وأمَّا ما رواه الإمام أحمد (٨١٠٢): عن هاشم، ثنا الفرج بن فضالة، ثنا علي بن أبي طلحة، عن أبي هريرة قال: قيل للنبي ﷺ : لأيِّ شيءٍ سمِّي يوم الجمعة؟ قال: "لأنَّ فيها طُبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة، والبعثة، وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استُجيب له". فهو ضعيف، لضعف الفرج بن فضالة، وعلي بن ابي طلحة لم يُدرك أبا هريرةَ، فهو مع ضعفه منقطعٌ. وفي الباب أحاديث أخرى، منها: عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ في الجمعة الساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلَّا أعطاه إياه". رواه البزَّار (٦٦٦) عن عبد ربِّه بن خالدٍ، ثنا فُضَيل بن سليمان، عن عبد الله بن محمد بن عمر ابن علي، عن أبيه، عن جده عن علي بن أبي طالبٍ، فذكره. وشيخ البار فيه لم يُوثّقه أحدٌ، وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقد روى عنه جمعٌ منهم البزار وابن ماجة. وأمّا ما رُوي "أفضل الأيام يوم عرفة وافق يوم الجمعة، وهو أفضل من سبعين حجّة في غير يوم جمعة" فهو لا أصل له، أورده ابن الأثير في "جامع الأصول" (٦٨٦٧). -تحقيق أيمن صالح- وعزاه إلى رزين. ورزين هو ابن معاوية بن عمار الأندلسيّ السرقسطيّ المتوفى سنة خمس وثلاثين وخمس مائة بمكة، وصفه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٢٠/ ٢٠٤) بأنه الإمام المحدِّث الشهير صاحب كتاب "تجريد الصحاح" وكان إمام المالكين بالحرم. وقال ابن الأثير في "مقدمة جامع الأصول" (١/ ٤٨ - ٥٠): جمع بين كتب البخاري، ومسلم، والموطأ لمالك، وجامع الترمذي، وسنن أبي داود، وسنن أبي عبد الرحمن النسائي رحمة الله عليهم". وهو الذي بني عليه الحافظ ابن الأثير كتابه "جامع الأصول" ولكن كما يقول الحافظ الذهبي: "أدخل في كتابه زيادات واهية، لو تنزه عنها لأجاد". وهذا الحديث من هذا القبيل. وقد حاول أئمة الحديث الوقوف على إسناد هذا الحديث فلم يقفوا عليه.

стр. 2001

قال الحافظ ابن القيم في "زاده" (١/ ٦٥) بعد أن بيّن مزية وقفة يوم الجمعة من عشرة وجوه بقوله: "وأما ما استفاض على ألسنة العوام بأنها تعدل اثنتين وسبعين حجة فباطل لا أصل له عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين". وقال الحافظ في "الفتح" (٨/ ٣٧١) بعد أن عزاه لرزين في رفعه: "لا أعرف حاله؛ لأنه لم يذكر صحابيه، ولا من خرّجه". وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في جزء "فضل يوم عرفة": "حديث وقفة الجمعة يوم عرفة أنها تعدل اثنتين وسبعين حجة حديث باطل لا يصح، وكذلك لا يثبت ما رُوي عن زر بن حبيش أنه أفضل من سبعين حجّة في غير يوم جمعة" نقلًا من الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في "السلسلة الضعيفة" (٣١ ٤٤). ٤ - باب إكثار الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة • عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : إنَّ من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإنَّ صلاتكم معروضة عليَّ". قال: قالوا: يا رسول الله! كيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أَرِمتَ؟ يقولون: بَليتَ؟ فقال: "إنَّ الله حرَّمَ على الأرض أجسادَ الأنبياء". صحيح: رواه أبو داود (١٠٤٧) والنسائي (١٣٤٧) وابن ماجة (١٦٣٦) كلّهم من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس، فذكره. وإسناده صحيح، وصحّحه ابن خزيمة (١٧٣٣) وابن حبان (٩١٠) والحاكم (١/ ٢٧٨) فأخرجوه من طريق عبد الرحمن بن يزيد به. قال الحاكم: "صحيح على شرط البخاري، ولم يُخرجاه" بل هو على شرطهما عنده، فقد أخرجا لجميع رواته، إلَّا أنَّ البخاري لم يخرج لأبي الأشعث الصنعاني (واسمه: شرحبيل بن آدة) إلَّا تعليقًا، والحاكم لا يُفرِّق بين الإخراج للراوي تعليقًا أو متابعة، أو أصالة. وصحّحه النووي في "الأذكار" (٩٧). وقد أُعلَّ هذا الحديث بما لا يقدح في صحَّه. انظر: "جلاء الأفهام" (٦٦، ٦٧). وقوله: "وفيه الصعقة": أي الغشي والموت. وفي الباب عن أبي أُمامة مرفوعًا: "أكثروا علىَّ الصلاة في كل يوم جمعةٍ؛ فإنَّ صلاة أمَّتي تُعرض عليَّ في كلِّ يوم جمعة، فمن كان أكثرهم عليَّ صلاة كان أقربهم منَّي منزلة". رواه البيهقي (٣/ ٢٤٩) عن علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد، ثنا الحسين بن

стр. 2002

سعيد، ثنا إبراهيم بن الحجاج، ثنا حماد بن سلمة، عن برد بن سنان، عن مكحول الشامي، عن أبي أمامة، فذكره. وبرد بن سنان هو الشامي، لا السمرقندي، وثَّقه يحيى بن معين، والنسائي، وقال أبو زرعة: "لا بأس به". ولكن تكلَّم فيه ابن المديني إلَّا أنَّه لا ينزل عن درجة "صدوق" كما في "التقريب". ولكن فيه علَّة أخرى، وهي الانقطاع؛ فإنَّ مكحولًا لم يسمع من أبي أمامة شيئًا؛ ولذا حكم عليه أكثر أهل العلم بالانقطاع؛ إلَّا أنَّ المنذريّ قال: "رواه البيهقي بإسناد حسن، إلَّا أنَّ مكحولًا قيل: لم يسمع من أبي أمامة". كذا قال في "الترغيب" (٢٦٠٠). وهو الصواب. انظر "المراسيل" (٢١٢) لابن أبي حاتم. وعن أنسٍ مرفوعًا: "أكثروا الصلاة عليَّ يوم الجمعة؛ فإنَّه أتاني جبريل آنفًا من ربِّه فقال: ما على الأرض من مسلم يصلي عليك مرة واحدة إلَّا صلَّيتُ أنا وملائكتي عليه عشرًا". وفي رواية: "أكثروا الصلاة عليَّ يوم الجمعة؛ فإنَّ صلاتكم تُعرض عليَّ". الرواية الأولى رواه الطبراني من طريق أبي ظلالٍ، عن أنسٍ. "جلاء الأفهام" (٧٣). قال المنذري في "الترغيب" (٢٥٨٥): "رواه الطبراني عن أبي ظلال، وأبو ظلال وُثِّق، ولا يضرُّ في المتابعات". قلت: وأبو ظلال هو هلال بن ميمون القسملي، مشهور بكنيته، جمهور أهل العلم على تضعيفه، وفي "التقريب": "ضعيف". وأما ابن حبان؛ فذكره في "الثقات" (٥/ ٥٠٤). والرواية الثانية من طريق جبارة بن مُغلِّس، حدّثنا أبو إسحاق خازم، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، فذكره. ومن طريقه رواه ابن عدي في الكامل (٣/ ٩٤٤). وفيه سلسلة الضعفاء، وهم: جُبارة بن مُغلِّس، وشيخه أبو إسحاق خازم، وشيخه يزيد الرقاشي. وعن أبي الدرداء مرفوعًا: "أكثروا الصلاة عليَّ يوم الجمعة؛ فإنَّه مشهود؛ تشهده الملائكة، وإنَّ أحدًا لن يُصلِّي عليَّ إلَّا عُرضت عليَّ صلاته حتَّى يفرغ منها". قال: قلت: وبعد الموت؟ قال: "وبعد الموت، إنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكلَ أجساد الأنبياء فنبيُّ الله حيٌّ يرزق". رواه ابن ماجة (١٦٣٧) عن عمرو بن سوَّاد المصري، قال: حدّثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عبادة بن نُسَي، عن أبي الدرداء، فذكره. أورده المنذري في "الترغيب" (٢٥٩٩)، وقال: "رواه ابن ماجة بإسنادٍ جيد". قلت: ليس بجيِّد، قال البوصيري في "الزوائد": "هذا إسناد رجاله ثقات إلَّا أنَّه منقطع في موضعين؛ عبادة بن نُسي روايته عن أبي الدرداء مرسلةٌ، قاله العلائي. وزيد بن أيمن عن عبادة بن نُسي مرسلة. قاله البخاري". وقال العراقي: "إسناده لا يصح".

стр. 2003

وعن أبي مسعود الأنصاري، عن النبي ﷺ مرفوعًا: "أكثروا علىَّ الصلاة في يوم الجمعة، فإنَّه ليس أحد يصلي عليَّ يوم الجمعة إلَّا عُرضت عليَّ صلاته". رواه الحاكم (٢/ ٤٢١) عن أبي بكر بن إسحاق الفقيه، أنبأنا أحمد بن علي الأبار، ثنا أحمد ابن عبد الرحمن بن بكار الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم، حدثني أبو رافع، عن سعيد المقبري، عن أبي مسعود الأنصاري، فذكره. قال الحاكم: "صحيح الإسناد؛ فإنَّ أبا رافع هذا هو إسماعيل بن رافع". وتعقبه الذهبي فقال: "ضعَّفوه". قلت: إسماعيل بن رافع هذا جمهور أهل العلم، منهم الإمام أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والدارقطني، والعجلي، وابن حبان، وغيرهم مطبقون على تضعيفه. وفي الباب أحاديث أُخرى وكلُّها معلولة، إلَّا أنَّ مجموعها تدلُّ على أثر له أصلًا. معنى الحديث: هذا الحديث لا يفهم منه، ولا يستدل به على حياة رسول الله ﷺ حياةً حقيقية؛ وإنَّما يدل على أنَّ من صلَّى عليه من أُمَّته تبلغه، وتُعرض عليه؛ لأنَّ الله ملائكةً سيَّاحين في الأرض، يبلغونه سلام أمَّته؛ لأنَّه لم يثبت في شيء من الحديث أنَّه يسمع صوت المصلِّي عليه والمسلم بنفسه؛ إنَّما فيه أنَّ ذلك يُعرض عليه، ويبلغه، سواء صلَّى عليه وسلَّم في مسجده، أو مدينته، أو مكان آخر. انظر للمزيد "الصارم المنكي" لابن عبد الهادي (١٤ ٥). ٥ - باب الجمعة إلى الجمعة كفارة • عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: "الصلاة -وفي رواية: الصلوات- الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهنَّ ما لم تُغشَ الكبائر". وزاد في رواية: "ورمضان إلى رمضان مكفِّرات". صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٣٣) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، أخبرني العلاء بن عبد الرحمن -مولى الحُرَقة- عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. وستأتي بقية الأحاديث في جامع آداب يوم الجمعة. • عن سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله ﷺ : "أتدري ما يوم الجمعة؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. ثمَّ قال: "أتدري ما يوم الجمعة؟ ". قلت: نعم -قال: لا أدري زعم سأله الرابعة أم لا-، قال: قلت: هو اليوم الذي جُمِع فيه أبوه، أو أبوكم، قال النبي ﷺ : "ألا أحدِّثك عن يوم الجمعة؟ ! لا يتطهَّر رجل مسلمٌ ثمَّ يمشي إلى المسجد، ثمَّ يُنصت حتَّى يقضي الإمام صلاته إلَّا كان كفَّارةً لما بينها وبين الجمعة التي بعدها ما اجتنبت المَقْتَلة".

стр. 2004

حسنٌ: رواه أحمد (٢٣٧٢٩) والطبراني في "الكبير" (٦٠٨٩)، كلاهما من طريق إبراهيم، عن علقمة، عن قَرْثَع الضبي، عن سلمان. وإسناده حسن؛ من أجل قُرْثَع الضبي؛ فإنَّه "صدوق" كما في "التقريب". وصحَّحه ابن خزيمة (١٧٣٢) والحاكم (١/ ٢٧٧) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، واحتجَّ الشيخان بجميع رواته غير قَرْثَع، سمعت أبا علي يقول: أردت أن أجمع مسانيد قَرْثَع الضبي؛ فإنَّه من زهاد التابعين، فلم يسند تمام العشرة". انتهي. ولكن قال ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ٢١١) عن قَرْثَع: "روي أحاديثَ يسيرةً خالف فيها الأثبات، لم تظهر عدالته فيُسلك به مَسلك العدول حتَّى يُحتَجَّ بما انفرد، ولكن عندي: يستحقُّ مجانبة ما انفرد من الروايات؛ لمخالفته الأثبات". قلت: ليس في حديثه هذا ما يخالف الثقات من الرواة عن سلمان، بل لحديثه هذا شواهد تشهد له. قوله: "مقتلة": أي ما لم يُصب مقتلة، وهي من الكبائر. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنَّ الصغائر تكفر بالصلوات الخمس، والجمعة لمن اجتنب الكبائر. وأما ما روي عن أبي مالك الأشعريّ مرفوعًا: "الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن الله قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ " فقيه انقطاع وضعف. رواه الطبراني في "الكبير" (٣/ ٣٣٨) عن هاشم، ثم قال: ثنا محمد، حدثني أبي، حدثني ضمضم، عن شريح، عن أبي مالك، فذكر الحديث. ومحمد هو ابن إسماعيل بن عياش ضعيف، وقال أبو حاتم: "لم يسمع من أبيه شيئًا" انظر: مجمع الزوائد (٢/ ١٧٣، ١٧٤). وشريح هو ابن عبيد بن شريح الحضرمي الحمصي، قال ابن أبي حاتم في "المراسيل": "ويروي عن أبي مالك مرسلًا". وقد قيل لمحمد بن عوف: هل سمع أحدًا من الصحابة؟ قال: ما أظن؛ لأنه لا يقول في شيء من ذلك: "سمعت" وهو ثقة. ٦ - باب فضل التبكير إلى الجمعة • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون: الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاؤا يستمعون الذكر. ومثل المُهجِّر كمثل الذي يُهدي البدنة، ثمَّ كالذي يُهدي بقرةً، ثمَّ كالذي يُهدي الكبش، ثمَّ كالذي يُهدي الدجاجة، ثمَّ كالذي

стр. 2005

يُهدي البيضةَ". متفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (٩٢٩) ومسلم في الجمعة (٨٥٠) كلاهما من حديث ابن شهاب، أخبرني أبو عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، فذكر الحديثَ. واللفظ لمسلمٍ، ولفظ البخاري قريب منه، وفيه تقديم وتأخير. • عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثمَّ راح في الساعة الأولى فكأنَّما قرَّب بدنةً، ومن راح في الساعة الثانية فكأنَّما قرَّب بقرةً، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنَّما قرَّب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنَّما قرَّب دجاجةً، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنَّما قرَّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر". متفق عليه: رواه مالك في الجمعة (١) عن سُمَيِّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه البخاري في الجمعة (٨٨١) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في الجمعة (٨٥٠) عن قتيبة ابن سعيد، كلاهما عن مالكٍ به مثله. • عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "على كل باب من أبواب المسجد ملك يكتب: الأول فالأول (مَثَّلَ الجزور، ثمَّ نزَّلهم حتَّى صغَّر إلى مثل البيضة) فإذا جلس الإمام طُوِيت الصحف، وحضروا الذكرَ". صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٥٠/ ٢٥) عن قتيبة بن سعيد، حدَّثنا يعقوب (يعني ابن عبد الرحمن) عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديثَ. • عن علقمة، قال: خرجت مع عبد الله إلى الصلاة فوجد ثلاثةً وقد سبقوه، فقال: رابع أربعةٍ وما رابع أربعة ببعيد، إنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ الناس يجلسون من الله يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعات، الأول، والثاني، والثالث" ثمَّ قال: رابع أربعةٍ وما رابع أربعةٍ ببعيدٍ. حسنٌ: رواه ابن ماجةَ (١٠٩٤) عن كثير بن عبيد الحمصي، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن معمر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، فذكره. وإسناده حسن؛ من أجل عبد المجيد بن عبد العزيز، فإنَّه "صدوق"، ورُمي بالإرجاء كما في "التقريب". وقد أخرج له مسلم مقرونًا. وحسَّنه الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب". وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٣٦٤): "هذا إسناد فيه مقال، عبد المجيد هو ابن عبد العزيز بن أبي روَّاد، وإن أخرج له مسلم في صحيحه فإنَّما أخرج له مقرونًا بغيره، فقد كان شديد

стр. 2006

الإرجاء، داعيةً إليه، لكن وثقه الجمهور: أحمد، وابن معين، وأبو داود، والنسائي، وليَّنه أبو حاتم، وضعَّفه ابن حبان، وباقي رجال الإسناد ثقات، فالإسناد حسن، ورواه ابن أبي عاصم من هذا الوجه بإسناد حسن، ورواه الطبراني في الكبير، من حديث عبد الله بن مسعود أيضًا". • عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ ، أنَّه قال: "إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد، فيكتبون الناس من جاء من الناس على منازلهم، فرجل قدَّم جزورًا، ورجل قدَّم بقرةً، ورجل قدَّم شاةً، ورجل قدَّم دجاجةً، ورجلٌ قدَّم عصفورًا، ورجلٌ قدَّم بيضةً. قال: فإذا أذَّن المؤذِّن وجلس الإمام على المنبر، طُوِيت الصحف، ودخلوا المسجد يستمعون الذكر". حسن: رواه الإمام أحمد (١١٧٦٩) ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني العلاء ابن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي سعيد، فذكره. وإسناده حسن من أجل ابن إسحاق، وقد صرَّح بالتحديث، وهو حسن الحديث، وكذلك العلاء بن عبد الرحمن أيضًا لا ينزل حديثه عن درجة الحسن. وشيخ الإمام أحمد: يعقوب، هو ابن إبراهيم بن سعد الزهري. قال الهيثمي: "رواه أحمد ورجاله ثقات". • عن أبي أُمامةَ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تقعد الملائكة على أبواب المساجد يوم الجمعة، فيكتبون الأول، والثاني، والثالث، حتَّى إذا خرج الإمام رُفِعت الصحف". حسن: رواه الإمام أحمد (٢٢٢٤٢) والطبراني في الكبير (٨١٠٢) كلاهما من طريق زيد، حدثني حسين، حدثني أبو غالب، حدثني أبو أُمامة، فذكر الحديثَ. وإسناده حسن من أجل أبي غالب، واسمه: خَزَوَّر، وهو كما قال الذهبي: "صالح الحديث، وصحَّح له الترمذي". وقال الحافظ في "التقريب": "صدوق يخطئ". قلت: وحديثه هذا ليس بمنكر، بل له شواهد صحيحة ذكرتها في هذا الباب. وفي رواية لأحمد: (٢٢٢٦٨): "تقعد الملائكة يوم الجمعة على أبواب المسجد، معهم الصحف، يكتبون الناس، فإذا خرج الإمام طُوِيت الصحف". قلت يا أبا أُمامة! ليس لمن جاء بعد خروج الإمام جمعة؟ قال: بلى، ولكن ليس ممن يُكتب في الصحف. وفي الباب عن علي بن أبي طالب، رواه أبو داود (١٠٥١): عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا عيسي، ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني عطاء الخراساني، عن مولى امرأته أمِّ عثمان قال: سمعت عليًّا ﵁ على منبر الكوفة يقول: "إذا كان يوم الجمعة غدت

стр. 2007

الشياطين براياتها إلى الأسواق، فيرمون الناس بالترابيث، أو بالربائث، ويثبطونهم عن الجمعة، وتغدو الملائكة فيجلسون على أبواب المساجد، فيكتبون الرجل من ساعة، والرجل من ساعتين، حتى يخرج الإمام، فإذا جلس الرجل مجلسًا يستمكن فيه من الاستماع والنظر، فأنصت ولم يلغُ، كان له كِفلان من أجرٍ، فإن نأي وجلس حيث لا يسمع فأنصت ولم يلغ كان له كِفلٌ من أجرٍ، وإن جلس مجلسًا يستمكن فيه من الاستماع والنظر فلغا ولم يُنصت كان له كفلٌ من وزرٍ، ومن قال يوم الجمعة لصاحبه: صهٍ فقد لغا، ومن لغا فليس له من جمعته تلك شيءٌ". ثمَّ يقول في آخر ذلك: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك. رواه الإمام أحمد (٧١٩) من وجه آخر عن عطاء الخراساني به. وفيه مولى امرأته وهو "مجهولٌ" كما في "التقريب". وقوله: "يرمون الناس بالترابيث أو الربائث": من ربَثَه عن حاجته إذا حبسه، والمراد: أي ذكَّروهم الحوائج التي تربُثُهم. وأمَّا ما رُوي عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "تُبعث الملائكة على أبواب المسجد يوم الجمعة يكتبون مجيءَ الناس، فإذا خرج الإمام طُوِيت الصحف، ورُفِعت الأقلام، فتقول الملائكة بعضهم لبعض: ما حبس فلانًا؟ فتقول الملائكة: اللهمَّ: إن كان ضالًّا فاهده، وإن كان مريضًا فاشفه، وإن كان عائلًا فاغنه". رواه ابن خزيمة (١٧٧١) والبيهقي (٣/ ٢٢٦) من طريق مطر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده. ومطر هو ابن طهمان الوراق، مختلفٌ فيه، فضعَّفه يحيى بن سعيد القطَّان، والإمام أحمد، وابن معين، والنسائي وابن سعد، وأبو داود، والعقيلي، والدارقطني، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: "صالح الحديث". وقال البزار: "ليس به بأس". وقال ابن عدي: "وهو مع ضَعفه يُجمع حديثه ويُكتب". قلت: لعلَّ هذا الحديث ما أخطأ فيه؛ فقد انفرد بروايته هكذا بهذا الإسناد. وقد ورد عدة أحاديث ثابتة في الوعيد الشديد لمن تخلَّف عن الجمعة لا الدعاء لهم. ٧ - باب ما جاء من أجر الماشي إلى الجمعة • عن أوس بن أوسٍ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من غسَّل يومَ الجمعةِ واغتسلَ، وبكَّر وابتكرَ، ومشي ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغُ، كان له بكلِّ خُطوَةٍ عمل سنةٍ، أجر صيامِها وقيامها". وفي رواية: "من غسَّل رأسه يومَ الجمعةِ واغتسلَ". صحيح: رواه أبو داود (٣٤٥) والترمذي (٤٩٦) والنسائي (١٣٨١) وابن ماجة (١٠٨٧) كلُّهم

стр. 2008

من طريق أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس الثقفي، فذكره. وإسناده صحيح، وصحّحه ابن خزيمة (١٧٦٧) وابن حبان (٢٧٨٨١) والحاكم (١/ ٢٨١ - ٢٨٢) كلهم من طريق أبي الأشعث الصنعاني. والرواية الثانية رواها أبو داود (٣٤٦) من طريق سعيد بن أبي هلال، عن عُبادة بن نُسي، عن أوس الثقفي، فذكره. وإسناده صحيح، رجاله ثقات، وإن قال الحافظ ابن حجر في سعيد بن أبي هلالٍ إنَّه "صدوق". إلَّا أنَّه ثقة على الأرجح؛ فقد وثَّقه جماهير الأئمَّة، وأخرج له الشيخان في صحيحيهما، وبقية أصحاب السنن. قال الحاكم -بعد ما ساق أسانيد هذا الحديث-: "قد صحَّ هذا الحديث بهذه الأسانيد على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، وأظُنَّه لحديثٍ واهٍ، لا يُعلَّ مثل هذه الأسانيد بمثله. ثمَّ ذكر ما رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ قال: "من غسَّل واغتسلَ، ودنا وابتكر، واستمع، كان له بكلِّ خطوةٍ يخطوها قيام سنةٍ وصيامها". وهو حديث ضعيفٌ, في إسناده عثمان الشامي، لم يروِ عنه إلَّا ثور بن يزيد، ولم يقل فيه توثيقٌ لأحدٍ. رواه أحمد (٦٩٥٤)، عن روح، ثنا ثور بن يزيد، عن عثمان الشامي، أنَّه سمع أبا الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس، عن عبد الله بن عمرو، فذكره. قال الحاكم: "عثمان الشامي مجهول". وقال البيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ٢٢٧): "الوهم في إسناد هذا الحديث ومتنه من عثمان الشامي هذا، والصحيح رواية الجماعة: عن الأشعث، عن أوس، عن النبيِّ ﷺ . والله أعلم". ٨ - باب ما روي في فضل أعمال البر يوم الجمعة رُوي عن أبي سعيد الخدري، أَنَّه سمع النبي ﷺ يقول: "خمسٌ من عمِلهنَّ في يوم كتبه الله من أهل الجنّة: من صام يوم الجمعة، وراح إلى الجمعة، وعاد مريضًا، وشهد جنازةٌ، وأعتق رقبةً". رواه أبو يعلى (١٠٤٤) ثنا أحمد بن عيسى، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني حيوة بن شُريح، عن بَشير الخَولاني، أنَّ الوليد بن قيس حدَّثَه، أنَّ أبا سعيد الخدري حدَّثه، فذكر الحديثَ. رجاله ثقات غير الوليد بن قيس، وهو التجيبي المصري، لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي، ولذا قال الحافظ: "مقبول"؛ أي: عند المتابعة، ولم نجد له متابعًا، كما أن في متنه نكارة، وهي ذكر الصوم يوم الجمعة، والله أعلم. وأمَّا ما رُوي عن أبي أُمامة، أنَّ النبي ﷺ ، قال: "من صلَّى الجمعة، وصام يومه، وعاد مريضًا،

стр. 2009

وشهِد جنازةً، وشهد نِكاحًا، وجبت له الجنَّة". فهو ضعيف؛ رواه الطبراني في "الأوسط" (٩٥١ - مجمع البحرين). وفي إسناده محمد بن حفص، وهو ضعيف، وقد انفرد بهذا، قال الطبراني: "لم يروه عن حريز إلَّا محمد". يعني ابن حفص الأوصابي، أو الوصابي. وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "من زار قبر أبويه، أو أحدهما كلّ جمعة غُفر له، وكتب بَرًّا". رواه الطبراني في "الأوسط" و"الصغير" -"مجمع البحرين" (١٣٢٩) - عن محمد بن أحمد ابن النعمان بن شبل البصري، ثنا أبي، حدثني عم أبي محمد بن النعمان بن عبد الرحمن، عن يحيي بن العلاء البجلي، عن عبد الكريم أبي أُميّة، عن مجاهد، عن أبي هريرة، فذكره. وفيه سلسلة من الضعفاء والمجاهيل؛ محمد بن النعمان، وشيخه يحيي بن العلاء، وشيخه عبد الكريم كلهم ضعفاء، بل قد اتهم يحيى بن العلاء البجليّ. وقد ضعّفه أيضًا الحافظ الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٥٩, ٦٠) ولكن من جهة عبد الكريم أبي أمية فقط، وهو ابن أبي المخارق. ٩ - باب ما روي في فضل قراءة سورة الكهف وغيرها يوم الجمعة رُوي عن أبي سعيد الخدري، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين". رواه الحاكم (٢/ ٣٦٨) عن أبي بكر بن المؤمل، ثنا الفضل بن محمد الشعراني، ثنا نعيم بن حماد، ثنا هشيم، أنبأ أبو هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عبَّاد، عن أبي سعيد، فذكره. وقال "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". وتعّقبه الذّهبي بقوله: "نعيم بن حمّاد ذو مناكير". ومن هذا الطريق رواه البيهقي في "الكبري" (٣/ ٢٤٩) و"الصغري" (٦٢٥ - بتحقيقي) وقال: رواه يزيد بن مخلد بن يزيد، عن هشيم بن بشير، وقال في متنه: "أضاء له من النّور ما بينه وبين البيت العتيق". هكذا رواه نعيم بن حماد ويزيد بن مخلد، عن هشيم مرفوعًا. وخالفهما أبو النعمان، فرواه عن هشيم مرفوقًا على أبي سعيد، ولفظه: "من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق". رواه عنه الدارمي في سننه (٣٤٥٠). وكذلك رواه المستغفريّ في "فضائل القرآن" (٨١٧) عن زيد بن سعيد الواسطيّ، عن هُشيم موقوفًا. وصحّح وقفه أيضًا النسائي في عمل اليوم والليلة (٩٥٢)، كما ذكره المحقق في الحاشية من

стр. 2010

نسخة (أ)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢/ ٤٧٢). وقال الذهبي: "وقفه أصح". ومع وقفه فقد روي بألفاظ مختلفة ذكر بعضها المستغفريّ في فضائل القرآن. وفي الباب ما رواه ابن مردويه، ومن طريقه الضياء المقدسي في "المختارة" (٢/ ٥٠) من حديث عبد الله بن مصعب بن منظور بن زيد بن خالد الجهني من وجهين عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ ، وعن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ ، ولفظه: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتة تكون، فإن خرج الدجال عُصم منه". قال الضياء المقدسي: "عبد الله بن مصعب لم يذكره البخاري ولا ابن أبي حاتم في كتابيهما". وأورده الحافظ ابن كثير في "التفسيره" (٣/ ١٣١) وسكت عليه، فالظاهر -والله أعلم- أنَّه لم يقف أيضًا على ترجمة عبد الله بن مصعب بن منظور فهو مجهول. ورواه المستغفري في "فضائل القرآن" (٨١٧) من حديث أبي هريرة، وابن عباس بأطول منه وفيه إسماعيل بن أبي زياد الشامي. قال الدارقطني: كان يضع الحديث. وكذلك لا بصح ما رُوي عن ابن عمر، ولفظه: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء، يضيء له يوم القيامة، وغُفر له ما بين الجمعتين". أخرجه ابن مردويه في تفسيره، من طريق محمد بن خالد الختلي كما قال ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (١/ ٣٠٢)، والضياء المقدسي في أحكامه (٢/ ٣٨٩، ٣٩٠)، ومحمد بن خالد الختلي قال ابن الجوزي في "الموضوعات": "كذَّبوه". وقال ابن مندة: "صاحب مناكير". ذكره الذهبي في "الميزان" (٣/ ٥٣٤)، وأورد الحديث المذكور من طريقه. وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره، وقال: "رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره بإسناد له غريب". وهذا الحديث في رفعه نظر، وأحسن أحواله الوقف. وقال ابن الملقن في "تحفة المحتاج" (١/ ٥٢٣): "رواه الضياء في أحكامه (٢/ ٣٩٠) من حديث ابن مردويه أحمد بن موسي، بسندٍ فيه من لا أعرفه". وأما قول المنذري في "الترغيب": "رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره بإسنادٍ لا بأس به" ففيه نظرٌ. وقد جاء في الصحيح في فضل قراءة فواتح سورة الكهف، وستأتي في فضائل القرآن. وعن أبي أمامة ولفظه: "من قرأ ﴿حم﴾ الدخان في ليلة الجمعة بنى الله له بها بيتًا في الجنة". رواه الطبراني في "الكبير" وفيه فضال بن جبير، ضعيف جدًّا. قاله الهيثمي في "المجمع" (٢/ ١٦٨). وعن ابن عباس ولفظه: "من قرأ السورة التي يذكر فيها (آل عمران) يوم الجمعة، صلى الله عليه، وملائكته حتَّى يغيب الشمس". "مجمع البحرين" (٩٥٣). وفيه سلسلة من الضعفاء والمجاهيل.

стр. 2011

هذه الأحاديث أوردها الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب"، وقال في بعضها: "إسناد جيد". وفي كلامه هذا نظر. وكذلك ما رُوي عن عائشة بلفظ: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة غُفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن قرأ الخمس الأواخر منها عند نومه بعثه الله أي الليل شاء". رواه ابن مردويه في تفسيره بإسناد ضعيف جدًّا كما قال ابن عراق في التنزيه الشريعة". وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة غُفر له" فهو ضعيف. رواه الترمذي (٢٨٨٩) عن نصر بن عبد الرحمن الكوفي، حدّثنا زيد بن حباب، عن هشام أبي المقدام، عن الحسن، عن أبي هريرة، فذكره مثله. قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهشام أبو المقدام يضعَّف، ولم يسمع الحسن من أبي هريرة. هكذا قال أيوب ويونس بن عبيد، وعلي بن زيد". وأخرجه أيضًا (٢٨٨٨) مطلقًا بدون قيد يوم الجمعة ولفظه: "من قرأ حم الدخان في ليلة، أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك". رواه عن سفيان بن وكيع، حدّثنا زيد بن حباب، عن عمر بن أبي خثعم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وعمر بن خثعم يُضعَّف؛ قال محمد: هو منكر الحديث". ١٠ - باب من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وُقِي من عذاب القبر • عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلَّا وقاه الله فتنة القبرِ". حسن: رواه الترمذي (١٠٧٤) عن محمد بن بشار، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، وأبو عامر العقدي، قالا: حدّثنا هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو فذكر الحديث. قال الترمذي: "حسن غريبٌ، وهذا حديثٌ ليس إسناده بمتصل، ربيعة بن سيف إنَّما يروي عن أبي عبد الرحمن الحُبُلِّي، عن عبد الله بن عمرو، ولا نعرف لربيعة بن سيف سماعًا من عبد الله بن عمرو". هكذا في نسخة محمد فؤاد عبد الباقي، وفي نسخٍ أخرى: "غريبٌ" فقط. وهو الصحيح؛ لأنَّ الحُسنَ والانقطاع لا يجتمعان. أمَّا الحديث؛ فله طرق أخرى يتقوى بها، منها ما رواه الإمام أحمد من وجهين:

стр. 2012

أحدهما (٦٦٤٦): عن سريج، حدّثنا بقية، عن معاوية بن سعيد، عن أبي قُبَيل، عن عبد الله بن عمرو فذكره. وبقية مدلس وقد عنعن، لكن صرَّح بالتحديث في الوجه الثاني الذي رواه الإمام أحمد (٧٠٥٠) عن إبراهيم بن أبي العباس، حدّثنا بقية، حدَّثني معاوية بن سعيد التجيبي، سمعت أبا قبيل المصري يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكر الحديث. وقد صرَّح بقية في هذا الإسناد بالتحديث، كما صرح في بقية الإسناد بالسماع، فزالت بذلك تهمة التدليس، وهذا إسناد حسن؛ فإنَّ أبا قَبيلٍ المصري هو حُيي بن هانئ، قال فيه الإمام أحمد وابن معين وأبو زرعة: "ثقة". وقال أبو حاتم: "صالح الحديث". وللحديث طرق أُخرى غير أنَّ ما ذكرته هو أصحُّها. وفي الباب حديثان آخران ولكنهما ضعيفان، أحدهما: حديث أنس بن مالكٍ، رواه أبو يعلى (٤٠٩٩ - تحقيق الأثري) عن أبي معمر إسماعيل بن إبراهيم، حدّثنا عبد الله بن جعفر، عن واقد ابن سلامة، عن يزيد الرقاشي، عن أنسٍ، أن رسول الله ﷺ قال: "من مات يوم الجمعة وُقي عذاب القبر". وواقد بن سلامة وشيخه يزيد الرقاشي (وهو ابن أبان القاص) ضعيفان. والثاني: حديث جابر بن عبد الله، أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣/ ١٥٥) من حديث عمر بن موسي بن الوجيه، عن محمد بن المنكدر، عن جابر نحوه. قال أبو نعيم: "غريب من حديث جابر ومحمد بن المنكدر، تفرد به عمر بن موسى، وهو مدني، فيه لين". انتهى. وعمر بن موسى هذا أورده الذهبي في "الميزان" ونقل عن ابن عدي أنَّه قال: "هو ممن يضع الحديثَ متنًا وإسنادًا". وقال أبو حاتم: "ذاهب الحديث، كان يضع الحديث". وتكلَّم فيه أيضًا البخاري والدارقطني. فمثله لا يستشهد به. ١١ - باب كراهية إفراد صوم يوم الجمعة • عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: سألت جابر بن عبد الله، وهو يطوف بالبيت: أَنَهي رسول الله ﷺ عن صيام يوم الجمعة؟ قال: نعم، وربِّ هذا البيت! . متفق عليه: رواه البخاري في الصوم (١٩٨٤)، ومسلم في الصيام (١١٤٣) كلاهما من حديث ابن جريج، قال: أخبرني عبد الحميد بن جُبير بن شيبة، أنّه أخبره محمد بن عباد بن جعفر فذكره، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري: "أنهى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم". قال البخاري: زاد غير أبي عاصم: "يعني أن ينفرد بصومه". قلت: أبو عاصم هو الضحاك بن مخلد النبيل، شيخ البخاري. • عن جويرية بنت الحارث، أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة،

стр. 2013

فقال: "أصمتِ أمس؟ " قالت: لا. قال: "أتريدين أن تصومي غدًا؟ " قالت: لا. قال: "فأفطري"؟ صحيح: رواه البخاري في الصوم (١٩٨٦) من طرق عن شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن جويرية بنت الحارث، فذكرت مثله. وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق أم المؤمنين كان اسمها برّة، فغيّرها النبي ﷺ . قال الحافظ في "الفتح" (٤/ ٢٣٤): "وليس لجويرية زوج النبي ﷺ في البخاري من روايتها سوى هذا الحديث". • عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلَّا يومًا قبله، أو بعده". متفق عليه: رواه البخاري في الصوم (١٩٨٥) ومسلم في الصيام (١١٤٤) كلاهما من حديث حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره. واللفظ للبخاري. ولفظ مسلم: "لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلَّا أن يصوم قبله أو بعده". • وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا تختصُّوا الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصُّوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام. إلَّا أن يكون في صوم يصومه أحدكم". صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١٤٤) عن أبي كريب، حدّثنا حسين (يعني الجعفي) عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، فذكره. • عن محمد بن جعفر المخزومي، قال: لقي أبا هريرةَ رجل وهو يطوف بالبيت، فقال: يا أبا هريرة! أنت نهيت الناس عن صوم يوم الجمعة؟ قال: لا وربّ الكعبة! ولكن رسول الله ﷺ نهي عنه. صحيح: رواه الإمام أحمد (٩٠٩٧) عن يونس، حدّثنا المستور -يعني ابن عباد- حدّثنا محمد ابن جعفر المخزومي، فذكره. وإسناده صحيح، والمستور -وقيل: المستورد بن عباد الهاني، وثَّقه ابن معين، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وصحَّحه ابن خزيمة (٢١٥٧)، وابن حبان (٣٦٠٩) إلَّا أنَّهما روياه من وجهٍ آخر عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، أخبرني يحيي بن جعدة، أنَّه سمع عبد الله بن عمرو ابن عبد القاري يقول: سمعت أبا هريرة يقول، فذكر الحديث. ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (٧٣٨٨). وعبد الله بن عمرو بن عبد القاري لم يرو عنه سوى يحيى بن جعدة؛ ولذا قال الحافظ في "التقريب": "مقبول". أي حيث يتابع، وقد توبع في الإسناد السابق، وأخطأ من قال: عبد الرحمن

стр. 2014

ابن عمرو القاري. • عن عبد الله بن مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يصوم من غُرَّة كل شهرٍ ثلاثة أيام. وفي رواية: قلمَّا رأيت رسول الله ﷺ يُفطر يوم الجمعة. حسن: رواه أبو داود (٢٤٠٠) والترمذي (٧٤٢) وابن ماجة (١٧٢٥) كلهم من طريق شيبان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود، فذكره. قال الترمذي: "حديث عبد الله حسن غريب، وقد استحبَّ قوم من أهل العلم صيام يوم الجمعة، وإنَّما يكره أن يصوم يوم الجمعة لا يصوم قبله ولا بعده، روي شعبة، عن عاصم هذا الحديث ولم يرفعه، وفي الباب عن ابن عمر، وأبي هريرة". انتهى. وقد صححه أيضًا ابن خزيمة (٢١٢٩) وابن حبان (٣٦٤١) فروياه في صحيحيهما من هذا الوجه. قلت: وإسناده حسن؛ من أجل عاصم، وهو ابن أبي النجود، وهو حسن الحديث. وأمَّا الاختلاف في رفعه ووقفه؛ فقال الحافظ الدارقطني في "العلل": (٥/ ٦٠): "رفعه صحيح". وأمَّا معنى الحديث؛ فهو كما قال الترمذي: أنَّه ﷺ كان يصوم الخميس والجمعة، وأمَّا إفراد يوم الجمعة فقد ثبت النهي عن ذلك. وأما ما رُوي عن جنادة الأزدي، أنَّهم دخلوا على رسول الله ﷺ ثمانية نفرٍ، هو ثامنهم. فقرَّب إليهم رسول الله ﷺ طعاما يوم الجمعة، فقال: "كلوا". قالوا: صيام. قال: "صمتم أمس؟ ". قالوا: لا. قال: "صائمون غدًا؟ " قالوا: لا. قال: "فأفطروا". فهو ضعيف. أخرجه النسائي في "الكبرى" (٢٧٨٦) وأحمد (٢٤٠٠٩/ ٤) والطبراني في "الكبير" (٢١٧٣) والحاكم (٣/ ٦٠٨) كلهم من طرق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني -أبي الخير، عن حذيفة البارقي، عن جنادة الأزدي، فذكره، واللفظ للنسائي. وزاد البعض في المتن: "فأكلنا مع رسول الله ﷺ ، قال: فلمَّا خرج وجلس على المنبر، والناس ينظرون، يُريهم أنَّه لا يصوم يوم الجمعة. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". والصواب أنَّه ليس على شرط مسلم؛ فإنَّ حذيفة البارقي، ويقال: الأزدي، لم يخرج له سوي النسائي، ولم يرو عنه غير مرثد بن عبد الله؛ ولذا قال فيه الذهبي: "مجهول". وقال الحافظ: "مقبول". وأما قوله في "الفتح": (٤/ ٢٣٤): رواه النسائي بإسناد صحيح؛ فيبدوا أنَّه ﵀ وهِمَ فيه. وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن عباس مرفوعا: "لا تصوموا يوم الجمعة وحده". رواه أحمد (٢٦١٥) عن عتَّاب بن زياد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسين بن عبد الله ابن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.

стр. 2015

والحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ضعيف. وكذلك لا يصح ما روي عن أبي هريرة مرفوعًا: "يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلَّا أن تصوموا قبله، أو بعده". رواه الإمام أحمد (٨٠٢٥) عن عبد الرحمن (ابن مهدي) عن معاوية، يعني ابن صالح، عن أبي بشر، عن عامر بن لُدين الأشعري، عن أبي هريرة، فذكره. ومن هذا الطريق رواه الحاكم (١/ ٤٣٧) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه إلَّا أنَّ أبا بشر هذا لم أقف على اسمه، وليس ببيان بن بشر، ولا جعفر بن أبي وحشية". وقال الذهبي في تلخيصه: "هو مجهول". وقال فيه الحافظ: "مقبولٌ إن كان هو مؤذن دمشق، وإن كان أبو بشر صاحب أبي الزاهرية فضعيف". وقال ابن خزيمة في صحيحه (٢١٦٢) بعد أن رواه من طريق ابن مهدي: "أبو بشر هذا شامي، ليس بأبي بشر جعفر بن أبي وحشية صاحب شعبة وهشيم". ١٢ - باب ما روي في كراهية السفر يوم الجمعة لم يثبت في هذا الباب شيءٌ عن النبي ﷺ . وأمَّا حديث ابن عمر مرفوعًا: "من سافر من دار إقامته يوم الجمعة، دعت عليه الملائكة ألَّا يُصحب في سفره". فهو ضعيف. قال العراقي في "المغني" (١/ ٢٤٩): "أخرجه الدارقطني في الأفراد من كلام ابن عمر، وفيه ابن لهيعة، وقال: غريب". وكذلك لا يصح ما روي عن أبي هريرة مرفوعًا: "من سافر يوم الجمعة دعا عليه ملكان: أن لا يصاحب في سفره، ولا تُقضي له حاجة". هذا ممَّا أخرجه الخطيب في كتابه: "أسماء الرواة عن مالك" من رواية الحسين بن علوان عنه، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. والحسين بن علوان قال فيه ابن حبان: كان من أهل الكوفة، كان يضع الحديث على هشام بن عروة وغيره من الثقات وضعًا، لا يحل كتابة حديثه إلَّا على جهة التعجب، كذَّبه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين"، "المجروحين" (٢٢٨). وقد ذكر الذهبي هذا الحديث في الميزان (١/ ٥٤٣) وقال: "ومما كذب على مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعاً". فذكر الحديثَ مختصرًا. وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ بن عبد الله بن رواحة في سرية، فوافق ذلك يومَ الجمعة، قال: فقدَّم أصحابه، وقال: أتأخَّر فأُصلي مع النبي ﷺ الجمعة، ثمَّ ألحقهم. قال: فلمَّا صلى رسول الله ﷺ رآه، فقال: "ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ " قال: فقال: أردتُ أن أصلي معك الجمعة، ثمَّ ألحقهم. قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أنفقت ما في

стр. 2016

الأرض ما أدركتَ فضلَ غدوتهم". رواه الترمذي (٥٢٧) عن أحمد بن منيع، حدَّثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، فذكره. ورواه أحمد (١٩٦٦) عن أبي معاوية بإسناده مثله. قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع الحكم من مقسم إلَّا خمسة أحاديث، وعدَّها شعبة، وليس هذا الحديث فيما عدَّ شعبة، وكأنَّ هذا الحديث لم يسمعه الحكم من مقسم". انتهى. قلت: وفي سنده أيضًا الحجاج، وهو ابن أرطاة، وصف بكثرة الخطأ والتدليس وقد عنعن. ثمَّ قال الترمذي: "وقد اختلف أهل العلم في السفر يوم الجمعة، فلم ير بعضهم بأسًا بأن يخرج يوم الجمعة في السفر، ما لم تحضر الصلاة. وقال بعضهم: إذا أصبح فلا يخرج حتَّى يصلي الجمعة، انتهي. وكذلك لا يصح ما رُوي أنَّ رسول الله ﷺ خرج مسافرًا يوم الجمعة ضحى قبل الصلاة. رواه عبد الرزاق (٥٥٤٠) عن الثوري، عن ابن أبي ذئب، عن صالح بن كثير، عن الزهري، قال: خرج رسول الله ﷺ ، فذكره. وهو مع إرساله فيه صالح بن كثير، وهو المدني "مقبول" كما في "التقريب". ولكن ثبت عن عمر بن الخطاب أنَّه رأى رجلًا عليه ثياب سفرٍ، بعد ما قضى الجمعة، قال: ما شأنك؟ قال: أردت سفرًا، فكرهت أن أخرج حتَّى أصلِّي. فقال عمر: إن الجمعة لا تمنعك السفر ما لم يحضر وقتها. رواه عبد الرزاق (٥٥٣٦) عن معمر، عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين أو غيره، أنَّ عمر رأي رجلًا فذكره. وفي رواية أخرى رواها عن الثوري، عن الأسود بن قيس، عن أبيه، قال: أبصر عمر بن الخطاب رجلًا عليه هيئة السفر، وقال الرجل: إنَّ اليوم يوم الجمعة، ولولا ذلك لخرجتُ. فقال عمر: إنَّ الجمعة لا تحبس مسافرًا، فاخرج ما لم يحن الرواح. وخلاصة ما في هذا الباب: أنَّ المسافر إذا لم يَخَفْ فَوتَ رفقته فالأولى له أن يصلي إن دخل الوقت قبل شروعه في السفر، فإن خاف فوت رفقته، وانقطاعه بعدهم جاز له السفر مطلقًا؛ لأنَّ هذا عذر يُسقط الجمعة والجماعة. هذا ما رجَّحه الحافظ ابن القيم في "زاد المعاد" (١/ ٣٨٣). ويقاس عليه اليوم وسائل السفر التي ليست في اختيار المسافر.

стр. 2017

جموع آداب يوم الجمعة ١ - باب في غسل يوم الجمعة • عن أبي سعيد الخدري، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم". متفقٌ عليه: رواه مالك في الجمعة (٤) عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، فذكره. ورواه البخاري في الجمعة (٨٧٩)، عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في الجمعة (٨٤٦)، عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالكٍ. وفي حديثٍ آخر لأبي سعيد الخدري من غير طريق مالكٍ: "غسل يوم الجمعة على كل محتلم, والسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه". وفي رواية: "ولو من طيب المرأة". وكلُّها في صحيحٍ مسلمٍ. وستأتي. • عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل". متفق عليه: رواه مالك في الجمعة (٥)، عن نافعٍ، عن ابن عمر. فذكره. ورواه البخاري في الجمعة (٨٧٧)، عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وأخرجه مسلم في الجمعة (٨٤٤)، من غير طريق مالك، وفيه: إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل". وفي رواية عند البخاريّ (٩١٩)، ومسلم، كلاهما من وجهٍ آخر عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال وهو قائم على المنبر: من جاء منكم الجمعة فليغتسل". وأمَّا ما رواه ابن خزيمة (١٧٥٢) وابن حبان (١٢٢٦) من طريق عثمان بن واقد، حدثني نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسلٌ من الرجال والنساء". فهو ضعيفٌ، عثمان بن واقد فيه كلامٌ، وقد استنكر الأئمة عليه هذا الحديث؛ فقال أبو داود: "هو ضعيف، حدث بحديث: "من أتي الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل". ولا أحدًا قال هذا غيره". وقال البزار: "أخشى أن يكون عثمان بن واقد وهم فيه". • عن ابن عمر، أنَّ عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ

стр. 2018

دخل رجل من المهاجرين الأولِّين من أصحاب النبي ﷺ ، فناداه عمر: أيَّة ساعةٍ هذه؟ قال: إنِّي شُغِلتُ فلم أنقلِبْ إلى أهلي حتَّى سمعتُ التأذينَ، فلم أزد أن توضَّأتُ. فقال: والوضوء أيضًا؟ ! وقد علمت أنَّ رسول الله ﷺ كان يأمرُ بالغسل. متفقٌ عليه: رواه البخاري في الجمعة (٨٧٨) من طريق مالك، ومسلم في الجمعة (٨٤٥) من طريق يونس، كلاهما عن الزّهريّ، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، فذكره. والحديث في "الموطَّأ برواية يحي في كتاب الجمعة (٣): عن الزّهريّ، عن سالم بن عبد الله، قال: "دخل رجلٌ من أصحاب النبي ﷺ ... ". وهو مرسلٌ؛ لأنَّ سالما لم يُدرك جدَّه عمر كما ذكره أبو زرعة، وغيره. • وعن أبي هريرةَ أنَّ عمر بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجلٌ فقال عمر: لِم تحتبسون عن الصّلاة؟ فقال الرجلُ: ما هو إلَّا أن سمعتُ النداء توضَّأتُ. فقال: ألم تسمعوا النبيَّ ﷺ قال: "إذا راح أحدكم إلى الجمعةِ فليغتسل". متفقٌ عليه: رواه البخاري في الجمعة (٨٨٢)، ومسلم في الجمعة (٤/ ٨٤٥) كلاهما من طريق يحيى بن أبي كثيرٍ، حدَّثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، حدَّثني أبو هريرة، فذكر الحديث. وفي مسلم أنَّ الداخل هو عثمان بن عفَّان. فقال عمر: ما بال الناس يتأخرون بعد النداء؟ فقال عثمان: يا أمير المؤمنين! ما زدتُ حين سمعتُ النداء أن توضَّأتُ ثمَّ أقبلتُ. فقال عمر: والوضوء أيضًا! ألم تسمعوا رسول الله ﷺ يقول: "إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل". • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "حقٌّ لله على كلِّ مسلمٍ أن يغتسلَ في كلِّ سبعة أيَّامٍ، يغسل رأسَه وجسده". متفق عليه: رواه مسلم في الجمعة (٨٤٩) عن محمد بن حاتم، ثنا بهز، ثنا وُهَيب، ثنا عبد الله ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. ورواه البخاري (٨٩٦) في سباق أطول عن مسلم بن إبراهيم، قال: حدّثنا وهيب بإسناده، وأوله عنده: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله، فغدًا لليهود، وبعد غدٍ للنصاري". فمكث ثمَّ قال: "حق على كلِّ مسلمٍ أن يغتسل ... ". فذكر مثله. وقوله: "فمكث": أي النبي ﷺ ؛ لأن الجملة الثانية أيضًا مرفوع بدليل ما رواه البخاري في كتاب الأنبياء (٣٤٨٦)، وليس فيه: "فمكث". • عن طاوس قال: قلت لابن عباس: ذكروا أنَّ النبي ﷺ ، قال: "اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم وإن لم تكونوا جنبًا، وأصيبوا من الطيب".

стр. 2019

قال ابن عباس: أمَّا الغسل فنعم، وأمَّا الطيب فلا أدري. وفي رواية عن طاوس، عن ابن عباس: أنَّه ذكر قول النبي ﷺ في الغسل يوم الجمعة. فقلت لابن عباس: أيمس طيبًا أو دهنًا إن كان عند أهله؟ فقال: "لا أعلمه". كلها في صحيح البخاري. متفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (٨٨٤، ٨٨٥) ومسلم في الجمعة (٨٤٨) كلاهما من طريق طاوس، عن ابن عباس، أنَّه ذكر قول النبي ﷺ في الغسل يوم الجمعة، قال طاوس: فقلت لابن عباس: ويمس طيبًا أو دُهنًا إن كان عند أهله؟ قال: لا أعلمه. • عن عكرمة أَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاِق جَاءُوا، فَقَالُوا: يَا ابْنَ عَبَّاس! أَتَرَي الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبًا؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّهُ أَطْهَرُ وَخَيْرٌ لِمَنِ اغْتَسَلَ، وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ بِوَاجِبٍ، وَسَأُخْبِرُكُمْ كَيْفَ بَدْءُ الْغُسْلِ: كَانَ النَّاسُ مَجْهُودِينَ يَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَيَعْمَلُونَ عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَكَانَ مَسْجِدُهُمْ ضَيِّقًا مُقَارِبَ السَّقْفِ إنَّمَا هُوَ عَرِيشٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي يَوْم حَارٍّ وَعَرِقَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الصُّوفِ حَتَّى ثَارَتْ مِنْهُمْ رِياحٌ آذَى بذَلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تِلْكَ الرِّيحَ قَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ! إِذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ فَاغْتسِلُوا، وَلَيَمَسَّ أَحَدُكُمْ أَفْضَلَ مَا يَجِدُ مِنْ دَهْنِهِ وَطِيبِهِ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ثُمّ جَاءَ اللهُ بِالْخَيْرِ، وَلَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ، وَكُفُوا الْعَمَلَ، وَوُسِّعَ مَسْجِدُهُمْ، وَذَهَبَ بَعْضُ الَّذِي كَانَ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِن الْعَرَقِ. حسن: رواه أبو داود (٣٥٣) وأحمد (٢٤١٩) وصححه ابن خزيمة (١٧٥٥) والحاكم (١/ ٢٨١، ٢٨٢) كلهم من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، فذكره، واللفظ لأبي داود. وإسناده حسن من أجل عمرو بن أبي عمرو فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. • عن ابن عباس ﵄، قال: جاء رجلٌ والنبي يخطب يوم الجمعة، فقال النبي ﷺ : "يلهو أحدكم حتى إذا كادت الجمعة تفوته جاء يتخطى رقاب الناس يؤذيهم! ". فقال: ما فعل يا نبيَّ الله! ولكن كنتُ راقدًا ثم استيقظت فقمت وتوضأت، ثم أقبلتُ. فقال النبيُّ: "أوَ يوم وضوء هذا؟ ! ". حسن: رواه محمد بن أبي عمر العدني في مسنده (٧٢٠ - المطالب)، ومن طريقه الطبراني في الأوسط (٩٧٥ - مجمع البحرين)، ثنا بشر بن السري، ثنا عمر بن الوليد الشني، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.

стр. 2020

قال الطبراني: "لم يروه عن عكرمة إلَّا عمر بن الوليد، ولا عنه إلَّا بشر، تفرَّد به العَدَني". وقال ابن حجر: "رجاله ثقات إلَّا عمر، ففيه مقالٌ". وقال البوصيري: "رواه ابن أبي عمر، ورجاله ثقات". قلت: إسناده حسن، رجاله ثقات معروفون إلَّا عمر بن الوليد؛ فهو صدوق في أقلِّ أحواله. قال النسائي: "ليس بالقوي". وليَّنه القطان فقال: "ليس هو عندي ممن أعتمد عليه، ولكنَّه لا بأس به". ووثَّقه أحمد وابن معين وأبو زرعة، وقال أبو زرعة: "ما أرى بحديثه بأسًا، وعامة حديثه عن عكرمة فقط، قلَّ ما يجاوز به إلى ابن عباسٍ، لا يُشبه شبيب بن بِشر الذي جعل عامة حديثه موصولًا". قلت: هذا الكلام يدل على تثبُّته وحفظه لما يرفعه عن عكرمة، عن ابن عباسٍ. وذكره أيضًا ابن حبان، وابن شاهين في "الثقات". فهو حسن الحديث إن شاء الله. وأمَّا قول الطبراني: "تفرد به العدني". فالعدني هو محمد بن يحيى بن أبي عمرو العدني، صاحب المسند المعروف، وثَّقه ابن معين والدارقطني، واحتجَّ به مسلمٌ في "الصحيح"، وكان الإمام أحمد يحث أهل الحديث على الأخذ عنه، وذكره ابن حبان في الثقات، فمثل هذا لا يضرُّ تفرُّده، ولكن قال أبو حاتم الرازي: "كانت فيه غفلةٌ". والله أعلم. • عن عائشة قالت: كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم، والعوالي، فيأتون في الغبار، يصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم العرق، فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم وهو عندي، فقال النبي ﷺ : "لو أنَّكم تطهَّرتم ليومكم هذا". متفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (٩٠٢) واللفظ له، ومسلم في الجمعة (٨٤٧)، كلاهما من طريق عبد الله بن أبي جعفر، أنَّ محمد بن جعفر بن الزبير حدَّثه، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، فذكرته. وفي مسلم: "فيأتون في العباء". قال الحافظ في "الفتح": وهو أصوب. وفي رواية أخرى عند مسلمٍ: قالت عائشة: "كان الناس أهل عملٍ، ولم يكن لهم كُفاةٌ، فكانوا يكون لهم تَفَلٌ. فقيل لهم: لو اغتسلتم يوم الجمعة". وفي رواية عند البخاري (٩٠٣): "كان الناس مَهَنة أنفسهم، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: "لو اغتسلتم". قوله: "كُفاة": جمع كافٍ، كقضاة جمع قاضٍ، وهم الخَدَم الذين يكفونهم العمل. و"تَفَلٌ": أي رائحة كريهةٌ. • عن عبد الله بن أبي قتادة قال: دخل عليَّ أبي وأنا أغتسل يوم الجمعة فقال: غسلك هذا من جنابة أو للجمعة؟ قلت: من جنابة، قال: أعِد غسلًا آخر؛ إنِّي سمعت

стр. 2021

رسول الله ﷺ يقول: "من اغتسل يوم الجمعة كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى". حسن: رواه الطبراني في الأوسط "مجمع البحرين" (٩٦٨): ثنا موسي بن هارون، ثنا سُرَيج ابن يونس، ثنا هارون بن مسلم العجلي البصري، ثنا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، فذكره. وإسناده حسن، رجاله ثقات غير هارون بن مسلم العجلي، وهو صدوق حسن الحديث، ومدار الحديث عليه، قال الطبراني: "لم يروه عن يحيى إلَّا أبان، ولا عنه إلَّا هارون". وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة (١٧٦٠) وابن حبان (١٢٢٢) والحاكم (١/ ٢٨٢) فأخرجوه من طريق هارون ابن مسلم به. قال ابن خزيمة: "هذا حديث غريبٌ، لم يروه غير هارون". وقال الحاكم: "هذا حديث على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه ... ". وهو ليس كذلك؛ فلم يُخرج الشيخان لهارون هذا شيئًا، بل ولا أحد من أصحاب الأصول الستَّة، وإن كان حديثُه حسنًا. وأورده المنذري في "الترغيب" (١٠٦٣) وقال: "إسناده قريبٌ من الحسن". قوله: "كان في طهارةٍ إلى الجمعة الأخرى": وعند ابن حبان: "لم يزل طاهرًا إلى الجمعة الأخرى". قال ابن حبان: "يريد من الذنوب؛ لأنَّ من حضر الجمعةَ بشرائطها غُفر له ما بينها وبين الجمعة الأُخرى". • عن سمرةَ قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل". صحيح: رواه أبو داود (٣٥٤) والترمذي (٤١٧) والنسائي (١٣٧٩) كلهم من طرق عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، فذكر مثله. وإسناده صحيح، وإن كان قتادة مدلِّسًا إلَّا أنَّه روى عنه شعبة في بعض طرقه، وهو القائل: "كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة". وأمَّا الحسن؛ فاخْتُلف في سماعه من سمرة، والذي رجَّحته تبعًا لابن المديني، والبخاري وغيرهما: أنَّه سمع منه مطلقًا، وقال ابن دقيق العيد في الإلمام: "من يحمل رواية الحسن عن سمرة على الاتصال يُصحِّح هذا الحديث". ونقل ابن الملقن، أنَّ أبا حاتم صحَّح هذا الحديث من طريقيه؛ أعني الاتصال، والإرسال، وذكر ابنه عنه أنه قال: "هما جميعًا صحيحان". انظر "البدر المنير" (٤/ ٦٥١). وصحَّحه أيضًا ابن خزيمة (١٧٥٧)؛ فرواه من طريق شعبه، عن قتادة به مثله. قال الترمذي: "حديث سمرة حديث حسن، وقد روى بعض أصحاب قتادة هذا الحديث عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، ورواه بعضهم عن قتادة، عن النبي ﷺ مرسلًا". قلت: من رواه موصولًا ثقات؛ فلا تضرُّ رواية من رواه مرسلًا. وأمَّا ما رُويَ عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله ﷺ : "حق على المسلمين أن يغتسلوا

стр. 2022

يوم الجمعة، وليمَسَّ أحدهم من طيب أهله، فإن لم يجد فالماء له طيبٌ". فهو ضعيف؛ رواه الترمذي (٥٢٨): عن علي بن الحسن، ثنا أبو يحيى إسماعيل بن إبراهيم التيمي، عن يزيد بن أبي زيادٍ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء فذكره. وهذا إسناد ضعيفٌ؛ إسماعيل بن إبراهيم التيمي ضعيف، إلَّا أنَّه لم ينفرد به، فقد رواه الترمذي (٥٢٩) وأحمد (١٨٤٨٨) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ١١٦) كلهم من طريق هُشيم، عن يزيد بن أبي زيادٍ به. وصرَّح هشيم بالتحديث في رواية الطحاوي، لكن مداره على يزيد بن أبي زياد، وهو الهاشمي مولاهم الكوفي، ضعيف، كبر فتغيَّر، وصار يتلقَّن، وكان شيعيًّا. وللحديث أسانيد أخرى ولكنَّها تدور على يزيد بن أبي زيادٍ، ولذا قال الطبراني في "المعجم الأوسط" (٨١٣): "لم يُروَ هذا الحديثُ عن البراء إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد به يزيد بن أبي زيادٍ. ٢ - باب استعمال الطيب والسواك يوم الجمعة • عن أبي سعيد قال: شهدت على رسول الله ﷺ قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستنَّ، وأن يمسَّ طيبًا إن وجدَ". متفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (٨٨٠) من طريق شعبة، عن أبي بكر بن المنكدر، حدَّثني عمرو بن سُليم الأنصاري، قال: أشهد على أبي سعيد قال: أشهد على رسول الله ﷺ قال: فذكره. قال عمرو: أمَّا الغسل فأشهد أنَّه واجبٌ، وأمَّا الاستنان والطيبُ؛ فالله أعلم أواجبٌ هو أم لا، ولكن هكذا في الحديث. ورواه مسلم في الجمعة (٨٤٦) من طريق عمرو بن الحارث أنَّ سعيد بن أبي هلالٍ وبكير بن الأشج حدَّثاه عن أبي بكر بن المنكدر، عن عمرو بن سُلَيم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، فذكر مثله. قال مسلمٌ: "إلَّا أنَّ بُكيرًا لم يذكر: (عبد الرحمن). وقال في الطّيب: (ولو من طيب المرأةِ) ". انتهى. • عن سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهَّر ما استطاع من طهرٍ، ويدَّهِن من دُهنه، أو يمسَّ من طيب بيته، ثمَّ يخرج فلا يُفرِّق بين اثنين، ثم يصلِّي ما كُتب له، ثم يُنصِت إذا تكلَّم الإمام، إلَّا غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى". صحيحٌ: رواه البخاري في الجمعة (٨٨٣) من طريق سعيد المقبري، عن أبيه، عن ابن وديعة، عن سلمان الفارسي، فذكره. • عن أبي ذر، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله، وتطهَّر فأحسن طهوره، ولبس من أحسن ثيابه، ومسَّ ما كتب الله له من طيب أهله، ثمَّ أتي

стр. 2023

الجمعةَ، ولم يَلْغُ، ولم يفرق بين اثنين، غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى". حسن: رواه ابن ماجة (١٠٩٧) من طريق يحيى القطَّان، عن محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن عبد الله بن وديعة، عن أبي ذرٍّ، فذكره. وإسناده حسنٌ، من أجل بن عجلان؛ فإنَّه صدوق. قال البوصيري: "هذا إسناد صحيحٌ، رجاله ثقات". وصحَّحه أيضًا ابن خزيمة (١٧٦٣). • عن رجلٍ من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "حق على كل مسلم يغتسل يوم الجمعة، ويتسوَّك، ويمسُّ من طيبٍ إن كان لأهله". صحيحٌ: رواه الإمام أحمد (١٦٣٩٨) عن عبد الرحمن، عن سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد ابن عبد الرحمن بن ثوبان، عن رجل من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ ، فذكره. وإسناده صحيح. وهذا الحديث ممَّا خالف فيه شعبة سفيان؛ فرواه شعبة، عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان يحدِّث عن رجلٍ من الأنصار، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ . فزاد في الإسناد رجلًا من الأنصار. كذا أخرجه أحمد (١٦٣٩٧) وأبو يعلي (٧١٣٢) كلاهما من طريق شعبة. وسفيان وشعبة إماما عصرهما، لكن إذا اختلفا فالقول فول سفيان؛ فإنَّه أحفظ الرجلين. قال يحيى القطَّان: "ليس أحد أحبُّ إليَّ من شعبة، ولا يعدله أحد عندي، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان". وقال أبو داود: "ليس يختلف سفيان وشعبة في شيءٍ إلَّا يظفر به سفيان، خالفه في أكثر من خمسين حديثًا القول قول سفيان". ٣ - باب ما جاء في لُبسِ أحسن ما يجد للجمعةِ • عن ابن عمر، أنَّ عمر بن الخطاب رأي حُلَّةً سِيراء تُباعُ عند باب المسجدِ، فقال: يا رسولَ الله! لو اشتريت هذه الحلة فتلبسها يوم الجمعةِ وللوفدِ إذا قدِموا عليك. فقال رسول الله ﷺ : "إنَّما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرةِ". ثمَّ جاء رسولَ الله منها حُلَلٌ، فأعطى عمر بن الخطاب منها حُلَّةً فقال عمرُ: يا رسولَ الله! أَكَسَوْتنيها وقد قلت في حُلَّة عُطارِد ما قُلتَ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "لم أُكسِكها لتلبسَها". فكساها عمر أخًا له مشركًا. متفق عليه: رواه مالكٌ في اللباس (١٨) عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، فذكره. ورواه البخاري في الجمعة (٨٨٦) عن عبد الله بن يوسف. ومسلم في اللباس (٢٠٦٨) عن يحيى بن يحيي كلاهما عن مالكٍ. وأمَّا ما رُوي عن عبد الله بن سلام مرفوعًا: "ما على أحدكم إن وجد" أو "ما على أحدكم إن

стр. 2024

وجدتم أن يَتَّخِذَ ثوبين ليوم الجمعةِ سوى ثوبي مِهنته". ففيه انقطاعٌ؛ رواه أبو داود (١٠٧٨) وابن ماجةَ (١٠٩٥) كلاهما من طريق موسي بن سعد، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن عبد الله بن سلام، فذكره. وهذا إسنادٌ رجاله ثقات إلَّا أنَّ فيه انقطاعًا؛ فقد اتفقوا على أنَّ عبد الله بن سلام توفي سنةَ ٤٣، وتوفي محمد بن يحيى بن حَبَّان سنة ١٢١، وكان عمره ٧٤ سنةً، فهذا يعني أنَّه وُلد سنة ٤٧، أي بعد وفاةِ ابن سلام بأربع سنين، فهو على هذا لم يُدركهـ قطعًا. وقد رُوي هذا الحديث أيضًا عن محمد بن يحيى بن حَبَّان مرسلًا عن النبيِّ ﷺ أخرجه أبو داود من طريق يحيي بن سعيد الأنصاري عنه. ورُوي من وجهٍ آخر عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه. رواه ابن ماجةَ من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا شيخٌ لنا، عن عبد الحميد بن جعفر، عن محمد ابن يحيى بن حَبَّان بإسناده. وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة الشيخ المبهم. ورُوي من وجهٍ آخر عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن النبي ﷺ . يعني بدون واسطة أبيه. وهذا أيضًا مرسل؛ لأنَّ يوسف بن عبد الله بن سلام من أولاد الصحابة الذين يُحتمل أنَّهم وُلدوا على عهد النبي ﷺ ، ولم يثبت لهم منه ﷺ سماعٌ، وقد ذكره بعضهم في التابعين. ورُوي عن عائشةَ أنَّ النبي ﷺ خطب يوم الجمعة، فرأى عليهم ثياب النمار، فقال رسولُ الله ﷺ : "ما على أحدكم إن وجد سعةٌ أن يتَّخذ ثوبين لجمعته، سوى ثوبي مِهنته". أخرجه ابن ماجة (١٠٩٦) من طريق عمرو بن أبي سلمة، عن زهير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشةَ، فذكرته. وفي إسناده عَمرو بن أبي سلمة، وهو التنيسي، صدوق، إلَّا أنَّ روايته عن زهير ضعيفةٌ: ضعَّفه ابن معين، وقال أبو حاتم: "يُكتب حديثه ولا يُحتجُّ به". وقال العقيلي: "في حديثه وهمٌ". ولعلَّ هذا القول الإمام أحمد: "روى عن زهير أحاديثَ بواطيلَ، كأنَّه سمِعها من صدقةَ بن عبد الله، فغلِط فقلبها عن زهير". قلت: وصدقة بن عبد الله ضعيف، فهذا يدلُّ على أنَّ ما تفردَّ به عمرو بن أبي سلمة عن زهير خاصة لا يكون صحيحًا ولا حسنًا، ولعلَّ من صحَّح هذا الحديثَ لم يتنبَّه لهذه العلَّةِ. والله الموفِّق. وقد أخرجه ابن خزيمة (١٧٦٥)، وعنه ابن حبان (٢٧٧٧) في صحيحيهما من هذا الطريق. ٤ - باب الغداء والقيلولة بعد الجمعة • عن سهلٍ قال: ما كنَّا نقيل ولا نتغدَّى إلَّا بعد الجمعة.

стр. 2025

وفي رواية: على عهد رسول الله ﷺ . متفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (٩٣٩) ومسلم في الجمعة (٨٥٩) كلاهما من حديث عبد الله بن مسلمة، قال حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهلٍ، فذكره. ولفظهما سواء، إلَّا أنَّ الرواية الثانية رواها مسلم وحده عن علي بن حجر، عن عبد العزيز به. وذكر البخاري في روايةٍ أخرى (٩٣٨) عن أبي غسَّان قال: حدثني أبو حازم، عن سهلٍ قال: "كانت فيها امرأة تجعل على أربعاء في مزرعة لها سلقًا، فكانت إذا كان يوم جمعة تنزع أصولَ السلق فتجعله في قدرٍ، ثمَّ تجعل عليه قبضة من شعيرٍ تطحنها، فتكون أصول السلق عرقة، وكنَّا ننصرف من صلاة الجمعة فنسلِّم عليها، فتقرِّب ذلك الطعام إلينا فنعلقه، وكنَّا نتمنَّي يوم الجمعة لطعامها ذلك". وزاد في رواية (٢٣٤٩): "وما كنَّا نتغدَّى ولا نقيل إلَّا بعد الجمعة". • عن أنس قال: كنَّا نُبكِّر بالجمعة ونقيل بعد الجمعةِ. صحيح: رواه البخاري في الجمعة (٩٠٥) عن عبدان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا حميد، عن أنسٍ، فذكره. وأخرجه ابن حبان من طريق محمد بن إسحاق، حدثني حميد الطويل، فذكره، وزاد فيه: "مع النبي ﷺ ". ٥ - باب النهي عن تخطِّي رِقاب الناس يوم الجمعة • عن عبد الله بن بُسر، قال: جاء رجلٌ يتخطَّى رِقابَ الناس يوم الجمعة، والنبي ﷺ يَخطب، فقال له النبي ﷺ : "اجلس! فقد آذيتَ". حسن: رواه أبو داود (١١١٨) والنسائي (١٣٩٩) كلاهما من حديث معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، قال: "كُنَّا مع عبد الله بن بُسر -صاحب النبي ﷺ يوم الجمعة، فجاء رجلٌ يتخطَّى رِقابَ الناسِ، فقال عبد الله بن بُسرٍ، فذكر الحديثَ. وإسناده حسن من اجل معاوية بن صالح بن حدير الحضرمي؛ فإنَّه حسن الحديث. وصحَّحه ابن خزيمة (١٨١١) وابن حبان (٢٧٩٠) والحاكم (١/ ٢٨٨) فأخرجوه من هذا الوجه، وزادوا فيه: "وآنيتَ". قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه". قوله: "فقد آذيتَ": أي الناسَ بالتخطِّي. "وآنيتَ": أي أخَّرتَ المجيءَ. وفي الباب: عن جابر بن عبد الله، أنَّ رجلا دخل المسجد يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب الناسَ، فقال رسول الله ﷺ : "اجلس، فقد آذيتَ وآنيتَ". رواه ابن ماجة (١١١٥) من طريق عبد الرحمن المُحاربي، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله. والمحاربي هذا هو عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي، أبو محمد الكوفي، وثَّقه ابن

стр. 2026

معين، وقال أبو حاتم: "صدوق". ولكن وصفه أحمد والعجلي بالتدليس، وهو من المرتبة الثالثة عند الحافظ في المدلسين. والحسن هو ابن أبي الحسن الإمام المشهور، وهو مدلِّسٌ أيضًا، ولكنَّه مشَّاه الأئمة، فأخرجوا حديثَه بالعنعنة في الصحيحين وغيرهما. وقد قال أبو حاتم: "إنَّما الحسن عن جابرٍ كتابٌ". هذا مع أنَّه أدرك جابرًا، وهي وِجادة مقبولة عند الشيخين وغيرهما. وأمَّا ما رُوي عن معاذ بن أنس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من تخطَّى رقابَ الناسِ يومَ الجمعةِ اتخذ جسرًا إلى جهنَّم". فهو ضعيف؛ رواه الترمذي (٥١٣) وابن ماجة (١١١٦) من حديث رشدين بن سعد، عن زبان ابن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، فذكره. ورِشدين بن سعد وشيخه زبان ضعيفان. قال ابن حبان: "زبان بن فائد ينفرد عن سهل بن معاذ بنسخة كأنَّها موضوعة، لا يُحتجُّ به". قلت: وهذا من حديث سهلٍ، فكأنَّه من تلك النسخة. والله أعلم. وفي الباب أحاديث أخرى، ولا يصح منها شيءٌ. ٦ - باب جامع آداب يوم الجمعة ِ • عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة وتطهَّر بما استطاع من طهرٍ، ثمَّ ادهن، أو مسَّ من طيبٍ، ثمَّ راح فلم يُفرِّق بين اثنين فصلَّي ما كُتب له، ثمَّ إذا خرج الإمام أنصت، غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأُخرى". صحيح: أخرجه البخاري في الجمعة (٩١٠) عن عبدان، أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا ابن أبي ذئبٍ، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن ابن وديعة، عن سلمان الفارسي، فذكره. قال الحافظ في الفتح (٢/ ٣٧١): "وهذا من الأحاديث التي تتبعها الدارقطني على البخاري، وذكر أنَّه اختُلِف فيه على سعيد المقبري؛ فرواه ابن أبي ذئب عنه هكذا، ورواه ابن عجلان فقال: عن أبي ذرٍّ، بدل سلمان، وهو سيأتي، وأرسله أبو معشرٍ عنه، فلم يذكر سلمان ولا أبا ذر. ورواه عبيد الله العمري عنه فقال: عن أبي هريرة". انتهى كلام الدارقطني. قال الحافظ: "فأمَّا ابن عجلان؛ فهو دون ابن أبي ذئبٍ في الحفظ، فروايته مرجوحةٌ، مع أنَّه يحتمل أن يكون ابن وديعة سمعه من أبي ذر وسلمان جميعًا". انتهي. وهذا الذي نراه صحيحًا؛ لأنَّه يتَّفق مع قواعد علم الحديث. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من اغتسل ثمَّ أتى الجمعةَ فصلَّي ما قُدِّر له، ثمَّ أنصتَ حتَّى يفرغ من خطبته، ثمَّ يُصلِّي معه، غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأُخرى، وفضل ثلاثة أيَّامٍ".

стр. 2027

وفي رواية: "من توضَّأ فأحسن الوضوءَ، ثمَّ أتى الجمعةَ فاستمع وأنصتَ، غُفِر له ما بينه وبين الجمعةِ، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مسَّ الحصى فقد لغا". صحيح: رواه مسلمٌ في الجمعة (٨٥٧) عن أميَّة بن بسطام، ثنا يزيد (يعني ابن زُرَيع) ثنا رَوح، عن سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، فذكره. والرواية الثانية رواها من طريق أبي معاوية -محمد بن خازم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم الجمعة فاغتسل الرجل، وغسل رأسه، ثمَّ تطيَّب من أطيب طيبه، ولبِس من صالح ثيابه، ثمَّ خرج إلى الصلاةِ، ولم يُفرِّق بين اثنين، ثمَّ استمع للإمام، غُفِر له من الجمعة إلى الجمعة، وزيادة ثلاثة أيَّام". صحيح: رواه ابن خزيمة (١٨٠٣) عن أحمد بن نصر، عن عبد العزيز بن عبد الله، حدَّثني سليمان بن بلالٍ، عن صالح بن كيسان، عن سعيد المقبري، أنَّ أباه حدَّثه، أنَّ أبا هريرةَ قال، فذكر الحديث. وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات. أحمد بن نصر: هو ابن زياد النيسابوري، وعبد العزيز ابن عبد الله: هو الأُويسي المدني الفقيه. • عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرةَ، قالا: قال رسول الله ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه ومسَّ من طيبٍ إن كان عنده، ثمَّ أتي الجمعةَ، فلم يتخطَّ أعناق الناس، ثمَّ صلَّى ما كتب الله له، ثمَّ أنصت إذا خرج إمامه حتَّى يفرغ من صلاته، كانت كفَّارةً لما بينها وبين جمعته التي قبلها". قال: ويقول أبو هريرةَ: "وزيادةُ ثلاثةِ أيَّامٍ". ويقول: "إنَّ الحسنةَ بعشر أمثالها". حسن: رواه أبو داود (٣٤٣) من طرق عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي أمامة بن سهل، عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرةَ، فذكرا الحديثَ. وإسناده حسن؛ محمد بن إسحاق وإن كان مدلِّسًا لكنَّه صرَّح بالتحديثِ عند الإمام أحمد (١١٧٦٨) وابن خزيمة (١٧٦٢) والحاكم (١/ ٢٨٣). فانتفت شبهة التدليس. • عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من اغتسل يوم الجمعة، ومسَّ من طيب امرأته إن كان لها، ولبس من صالح ثيابه، ثمَّ لم يتخطَّ رِقابَ الناسِ، ولم يلغُ عند الموعظةِ، كانت كفارة لما بينهما، ومن لغا وتخطَّي رِقابَ الناسِ كانت له ظهرًا.

стр. 2028

حسن: رواه أبو داود (٣٤٧) من طريق ابن وهبٍ، عن أُسامة بن زيدٍ (هو الليثي)، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو فذكره. وإسناده حسن من أجل أسامة بن زيد، وعمرو بن شعيب، فهما صدوقان. وصحَّحه ابن خزيمة (١٨١٠) فأخرجه من هذا الوجه. • عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "يحضر الجمعة ثلاثةُ نفرٍ: رجلٌ حضرها يلغو، وهو حظُّه منها، ورجلٌ حضرها يدعو، فهو رجلٌ دعا الله إن شاء أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصاتٍ وسكوتٍ، ولم يتخطَّ رقبةَ مسلمٍ، ولم يُؤذِ أحدًا، فهي كفَّارةٌ إلى الجمعةِ التي تليها، وزيادةُ ثلاثةِ أيَّامٍ؛ وذلك بأنَّ الله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]. حسن: رواه أبو داود (١١١٣) من طريق يزيد، عن حبيبٍ المعلِّم، عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، فذكره. وإسناده حسنٌ، من أجل عمرو بن شعيب، عن أبيه شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، فهما صدوقان. وصحَّحه ابن خزيمة (١٨١٣) فأخرجه من طريق حبيب المعلِّم به. • عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غُسلَه، وتطهَّر فأحسنَ طهوره، ولبس من أحسن ثيابه، ومسَّ ما كتب الله له من طيب أهله، ثمَّ أتي الجمعةَ، ولم يلغُ، ولم يُفرِّق بين اثنين، غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأُخرى". حسنٌ: رواه ابن ماجه (١٠٩٧) عن سهل بن أبي سهلٍ، وحَوْثرة بن محمد، قالا: ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن عبد الله بن وديعة، عن أبي ذرٍّ، فذكر الحديثَ. وإسناده حسن من أجل ابن عجلان؛ فهو صدوق، وباقي رجاله ثقات. قال البوصيري: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات". ورواه الحميدي في مسنده (١/ ٧٦) عن سفيان، عن ابن عجلان، وزاد فيه: "وزيادة ثلاثة أيام". وصحَّحه ابن خزيمة (١٨١٢)، والحاكم (١/ ٢٩٠)، فروياه من هذا الوجه. ثمَّ قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". وفي الباب: عن أبي أيوب الأنصاري أنَّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من اغتسل يوم الجمعة ومسَّ من طيب إن كان عنده، ولبس من أحسن ثيابه، ثمَّ خرج حتَّى يأتي المسجد فيركع إن بدا له، ولم يؤذِ أحدًا ثمَّ أنصتَ إذا خرج إمامه حتَّى يُصلِّي، كانت كفارةً لما بينها وبين الجمعة الأخرى". أخرجه أحمد (٢٣٥٧١) والطبراني (٤٠٠٦، ٤٠٠٧) من طرق عن محمد بن إسحاق، حدَّثني

стр. 2029

محمد بن إبراهيم التيمي، عن عمران بن أبي يحيى، عن عبد الله بن كعب بن مالكٍ، عن أبي أيوب الأنصاري، فذكره. وفي إسناده عمران بن أبي يحيي، وهو من رجال "التعجيل"، ولم يُنقل فيه جرح ولا تعديلٌ، إلَّا أنَّ ابن حبَّان ذكره في الثقات، وصحَّح هذا الحديث ابن خزيمة (١٧٧٥) فرواه من طريق ابن إسحاق به. وفي الباب عن عدد من الصحابة، منهم: أبو الدرداء، أخرج حديثه أحمد (٢١٧٩) والطبراني (٢/ ٣٢٠ - مجمع) وفيه انقطاع؛ قال الهيثمي "رواه أحمد والطبراني في الكبير، عن حرب بن قيس، عن أبي الدرداء. وحرب لم يسمع من أبي الدرداء". وهو كما قال. ومنهم: نُبَيشة الهذلي، أخرج حديثه أحمد (٢٠٧٢١)، وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح خلا شيخ أحمد، وهو ثقة". قلت: وهو كذلك، إلَّا أنَّ فيه انقطاعًا أيضًا؛ لأنَّه من رواية عطاء الخرسانيّ، عن نُبيشة، ولم يثبت له منه سماعٌ، وقد ذكر المزيُّ عددًا من الصّحابة ممن روى عنهم عطاءٌ وقال: "حديثه عنهم مرسلٌ". • * *

стр. 2030

جموع أبواب خطبة الجمعة ١ - باب صفة خطبة النبي ﷺ ، وما يُقال على المنبر • عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة قائمًا، ثمَّ يجلس، ثمَّ يقوم، كما تفعلون اليوم. متفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (٩٢٠) ومسلم في الجمعة (٨٦١) كلاهما من طرق عن خالد بن الحارث، قال: ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمرَ، فذكر الحديثَ. واللفظ لمسلمٍ، ولفظ البخاري مثله إلَّا أنَّه لم يذكر: "يوم الجمعة". ولأبي داود (١٠٩٢)، من طريق العمري، عن نافع به: كان النبي ﷺ يخطب خطبتين: كان يجلس إذا صعد المنبر حتَّى يفرغ، أُراه قال: "المؤذِّن" ثمَّ يقوم فيخطب، ثمَّ يجلس فلا يتكلَّم، ثمَّ يقوم فيخطب. • عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبه، حتَّى كأنَّه منذر جيشٍ، يقول: "صبَّحكم ومسَّاكم". ويقول: "أمَّا بعد: فإنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدى محمد، وشر الأمورِ محدثاتها، وكل بدعةٍ ضلالةٌ". ثمَّ يقول: "أنا أولى بكلِّ مؤمنٍ من نفسه، من ترك مالًا فلأهلهِ، ومن ترك دينًا فإليَّ وعليَّ". وفي رواية: كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة يحمد اللهَ ويُثني عليه، ثمَّ يقول على إثر ذلك وقد علا صوته .. ثمَّ ساق الحديثَ بمثله. وفي رواية أخرى: كان رسول الله ﷺ يخطب الناسَ، يحمد الله، ويُثني عليه بما هو أهله. ثمَّ يقول: "من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هاديَ له، وخير الحديث كتاب الله". صحيحٌ: رواه مسلم في الجمعة (٨٦٧)، من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، فذكره. والرواية الثانية رواها من طريق سليمان بن بلالٍ، حدَّثني جعفر بن محمد به. والرواية الثالثة رواها من طريق سفيان، عن جعفر، عن أبيه. • عن جابر بن سمرة قال: كانت للنبي ﷺ خطبتان، يجلس بينهما يقرأ القرآن،

стр. 2031

ويذكر الناس. صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٦٢) من طرق عن أبي الأحوص، عن سماك، عن جابر بن سمرة، فذكره. وفي رواية عن سماك قال: أنبأني جابر بن سمرة أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب. فقد والله! صليت معه أكثر من ألفي صلاة. • عن جابر بن سمرةَ السُّوائي قال: كان رسول الله ﷺ لا يُطيل الموعظةَ يومَ الجمعةِ، إنَّما هنَّ كلِماتٍ يسيرات. حسنٌ: رواه أبو داود (١١٠٧) ثنا محمود بن خالدٍ، ثنا الوليد، أخبرني شيبان أبو معاوية، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرةَ، فذكره. وإسناده حسنٌ، رجاله ثقاتٌ غير سماك بن حربٍ؛ فهو صدوقٌ. • عن الحكم بن حزن الكُلَفي قال: وفدت إلى رسول الله ﷺ سابع سبعةٍ، أو تاسع تسعةٍ، فدخلنا عليه فقلنا: يا رسولَ الله! زرناك فادع الله لنا بخيرٍ، فأمر بنا، أو أمر لنا بشيءٍ من التمر، والشأن إذ ذاك دونٌ، فأقمنا بها أيامًا شهدنا فيها الجمعةَ مع رسول الله ﷺ ، فقام متوكِّئًا على عصا، أو قوسٍ، فحمد الله وأثنى عليه، كلمات خفيفاتٍ طيِّباتٍ مباركاتٍ، ثمَّ قال: "أيُّها الناسُ! إنَّكم لن تطيقوا، أو لن تفعلوا كلَّ ما أُمِرتم به، ولكن سدِّدوا وأبشروا". حسن: رواه أبو داود (١٠٩٦) عن سعيد بن منصور، عن شهاب بن خراش، حدَّثني أشعث بن زريق الطائفي، قال: جلست إلى رجل له صحبة من رسول الله ﷺ يقال له: الحكم بن حزن الكُلَفي، فأنشأَ يُحدِّثنا .. فذكر الحديثَ. وإسناده حسن من أجل شهاب بن خراش؛ فهو مختلف فيه: وثَّقه ابن المبارك وغير واحدٍ، كأبي زرعةَ، وأبي حاتم، وأحمد، وابن معين، ولكن تكلَّم فيه ابن حبَّان فقال: "كان رجلًا صالحًا، وكان ممن يُخطئُ كثيرًا حتَّى خرج عن حدِّ الاحتجاج به، إلَّا عند الاعتبار". وقال ابن عدي: "في بعض رواياته ما يُنكَر .. ". وهذا الحديث صحَّحه ابن خزيمة فأخرجه (١٤٥٢) من طريق شهاب بن خراش به. ونقل ابن الملقِّن في البدر (٤/ ٦٣٣) تصحيحَ ابن السكن له، وقال: "ورواه أبو داود في سننه ولم يُضعِّفه فهو حسنٌ عنده". انتهى كلامه. وحسَّنه أيضًا الحافظ ابن حجر وغيره، فالظاهر أنَّ شهاب بن خراش وإن كان قد اختلف فيه

стр. 2032

فهو حسن الحديث عند أكثر النقَّادِ، ولم يُخطئ في هذا الحديث. • عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "كلُّ خطبةٍ ليس فيها تشهُّدٌ فهي كاليد الجَدماء". حسنٌ: رواه أبو داود (٤٨٤١) والترمذي (١١٠٦) كلاهما من طريق عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، فذكره. وإسناده حسنٌ؛ من أجل عاصم بن كُلَيب وأبيه، فهما صدوقان. • عن عبد الله بن مسعود، أنَّه سُئل: أكان النبيُّ ﷺ يخطب قائمًا أو قاعدًا؟ قال: أَوَ ما تقرأ: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾؟ [سورة الجمعة: ١١]. صحيحٌ: رواه ابن ماجه (١١٠٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن أبي غَنيَّة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، أنَّه سئل فذكره. وإسناده صحيح. وقال البوصيري: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات". أمَّا قول ابن ماجه: "غريبٌ، لا يحدِّث به إلَّا ابن أبي شيبةَ وحده". فيقصد بهذا -والله أعلم- أنَّ هذا الحديث انفرد بروايته ابن أبي شيبة عن ابن أبي غَنيَّة، وابن أبي شيبة أحد الأئمة المشهورين، فلا يضرُّ تفرُّده. • عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "أنذرتكم النارَ! أنذرتكم النارَ! " حتَّى لو كان رجلٌ في أقصى السوق سمِعه، وسمع أهل السوق صوتَه وهو على المنبر. وفي رواية: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجله. حسنٌ: رواه أحمد (١٨٣٦٠، ١٨٣٩٨، ١٨٩٩)، من طريق شعبة، عن سماك، قال: سمعت النعمان بن بشيرٍ، فذكر نحوه. وإسناده حسنٌ؛ من أجل سماك بن حرب؛ فإنَّه صدوق. "صحَّحه ابن حبَّان (٦٤٤، ٦٦٧) والحاكم (١/ ٢٨٧)، فروياه من هذا الوجهِ. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلمٍ، ولم يُخرجاه". • عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: خَرَجَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا، فَنَادَي ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! تَدْرُونَ مَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ؟ " قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ مَثَلُ قَوْمٍ خَافُوا عَدُوًّا يَأْتِيهِمْ، فَبَعَثُوا رَجُلًا يَتَرَايَا لَهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ أَبْصَرَ الْعَدُوَّ، فَأَقْبَلَ لِيُنْذِرَهُمْ، وَخَشِيَ أَنْ يُدْرِكَهُ الْعَدُوُّ قَبْلَ أَنْ يُنْذِرَ قَوْمَهُ، فَأَهْوَى بِثَوْبِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ! أُتِيتُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ! أُتِيتُمْ" ثَلَاثَ مِرَارٍ. حسنٌ: رواه أحمد (٢٢٩٤٨) عن أبي نعيم، حدثنا بشير، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه، فذكره. وإسناده حسن من أجل بشير وهو ابن المهاجر الغنوي الكوفي من رجال مسلم إلا أنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يأت في حديثه ما ينكر عليه، فقد قال الأثرم عن أحمد: منكر الحديث،

стр. 2033

قد اعتبرت أحاديثه فإذا هو يجيء بالعجب، ولكن وثقه ابن معين. وقال النسائي: لا بأس به. وروي عن ابن إسحاق، أنَّه قال: وكانت أوَّل خطبة خطبها رسول الله ﷺ فيما بلغني، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن -ونعوذ بالله أن نقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل -أنَّه قام فيهم خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثمَّ قال: "أمَّا بعد، أيها الناس! فقدِّموا لأنفسكم تعلمُنَّ والله ليصعقنَّ أحدكم، ثمَّ ليدعنَّ غنمَه ليس لها راع، ثمَّ ليقولنَّ له ربُّه وليس له ترجمان، ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي، فبلَّغك، وآتيتك مالًا، وأفضلتُ عليك؟ فما قدَّمت لنفسك؟ فلينظرنَّ يمينًا وشمالًا فلا يرى شيئًا، ثمَّ لينظرنَّ قُدَّامه فلا يرى غير جهنَّم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشقِّ تمرةٍ فليفعلْ، ومن لم يجد، فبكلمة طيِّبة، فإنَّ بها تُجزى الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضِعف، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته". وابن إسحاق رأى أبا سلمة بن عبد الرحمن، ولم يرو عنه؛ ولذا رواه بلاغًا، وأبو سلمة بن عبد الرحمن لم يدرك النبي ﷺ . الحديث ذكره ابن هشام في "السيرة النبوية" (١/ ٥٠٠، ٥٠١). ثمَّ قال ابن إسحاق: ثمَّ خطب رسول الله ﷺ مرة أخرى، فقال: "إنَّ الحمد لله، أحمده، وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، إنَّ أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زيَّنه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، فاختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنَّه أحسن الحديث، وأبلغه، أحبُّوا ما أحبَّ الله، أحبُّوا الله من كل قلوبكم، ولا تملُّوا كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم، فإنَّه من كلِّ ما يخلق الله يختار ويصطفي، قد سمَّاه الله خيرته من الأعمال، ومصطفاه من العباد، والصالح من الحديث، ومن كل ما أوتي الناس من الحلال والحرام، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، واتَّقوه حقَّ تقاته، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن يُنكث عهده، والسلام عليكم". وفي الباب ما روي عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه كان يخطب يوم الجمعة قائما، ثم يقعد، ثم يقوم فيخطب. رواه أحمد (٢٣٢٢) والبزار "كشف الأستار" (٦٤٠) وأبو يعلى (٢٦٢٠) والطبراني في الكبير (١٢٠٩٠) كلهم من طريق الحجاج، عن مقسم، عن ابن عباس، فذكره. والحجاج هو: ابن أرطاة مدلس، كان يدلس عن الضعفاء. ٢ - باب اتخاذ المنابر في المساجد للخطب • عن أبي حازم بن دينار، أنَّ رجالًا أتوا سهل بنَ سعدٍ الساعدي وقد امتروا في المنبر مِمَّ عوده؟ فسألوه عن ذلك؟ فقال: والله! إنِّي لأعرف مما هو، ولقد رأيته

стр. 2034

أول يوم وُضِع، وأوَّل يوم جلس عليه رسول الله ﷺ . أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة -امرأة قد سمَّاها سهلٌ-: "مُري غلامكِ النجَّار أن يعملَ لي أعوادًا أجلس عليهنَّ إذا كلَّمتُ الناسَ". فأمرته فعمِلها من طَرْفاء الغابة، ثمَّ جاء بها، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ فأقرَّ بها، فوُضِعت ها هنا، ثمَّ رأيتُ رسولَ الله ﷺ صلَّى عليها، وكبَّر وهو عليها، ثمَّ ركع وهو عليها، ثمَّ نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر، ثمَّ عاد. فلمَّا فرغَ أقبلَ على الناس فقال: "أيُّها الناس! إنَّما صنعتُ هذا لتأتمُّوا ولتعلموا صلاتي". متَّفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (٩١٧) ومسلم في المساجد (٥٤٤) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، قال: حدَّثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القاريُّ القرشيُّ الاسكندراني، قال: حدَّثنا أبو حازم بن دينار، فذكر مثلَه. واللفظ للبخاري، وفي رواية: "فعمل هذه الثلاث درجات". وقوله: "امتروا": من المماراة، وهي المجادلة، ويؤيِّده ما جاء في رواية مسلم: "أن تماروا"، ومعناه تجادلوا. وقوله: "طَرْفاء الغابة" الطرفاء: شجرٌ، وهي أربعة أصنافٍ، منها الأَثَل، الواحدة: طرفاءة. والغابة: غيضة ذات شجرٍ كثيرٍ في جهة الشام من المدينة. وفي الحديث جوازٌ للإمام أن يكون في مكانٍ مرتفعٍ إن كان غرضه تعليم الناسِ. وإلَّا فيُكرهُ ذلك. • عن سهل بن سعد الساعدي، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إذا خطب إلى خشبةٍ ذات فُرضَتين، قال: أُراها من دَومٍ، وكانت في مُصلَّاه، فكان يتَّكئ إليها، فقال له أصحابه: يا رسول الله! إنَّ الناسَ قد كثروا، فلو اتَّخذتَ شيئًا تقوم عليه إذا خطبتَ، يراك الناسُ؟ فقال: ما شئتم، قال سهلٌ: ولم يكن بالمدينة إلَّا نجَّارٌ واحدٌ، فذهبتُ أنا وذاك النجار إلى الخافقين، فقطعنا هذا المنبر من أثلةٍ، قال: فقام عليه النبي ﷺ ، فحنَّت الخشبة، فقال النبي ﷺ : "ألا تَعجبون لحنين هذه الخشبة! ؟ " فأقبل الناسُ، وفرِقوا من حنينها حتَّى كثُر بكاؤهم، فنزل النبي ﷺ حتَّى أتاها فوضع يده عليها فسكنت، فأمر النبي ﷺ بها فدُفِنت تحت مِنبره، أو جُعِلت في السقف. حسن: رواه ابن سعد في "الطبقات" (١/ ٢٥٠)، والبيهقي في "الدلائل" (٢/ ٥٥٩) عن أبي بكر ابن أبي أُويس، حدَّثني سليمان بن بِلالٍ، عن سعد بن سعيد بن قيسٍ، عن عبَّاس بن سهل بن سعد، عن أبيه، فذكره. وإسناده حسنٌ؛ من أجل سعد بن سعيد بن قيس، فإنَّه صدوق سيِّء الحفظ، لكن تابعه عُمارة ابن غزية، عن عبَّاس بن سهل، أخرجه الطحاوي في "المشكل" (٤١٩٦) من طريق ابن لهيعة،

стр. 2035

حدَّثني عُمارة بن غَزيَّة به ولكن قوله: "فدُفِنت تحت مِنبره، أو جُعِلت في السقف" فيه نكارة؛ والصحيح ما سيأتي في حديث أبي بن كعب ﵁. قوله: "فذهبت أنا وذلك النجار إلى الخافقين". الخافقان: أُفقا المشرق والمغرب؛ لأنَّ الليل والنهار يخفقان فيهما. وقوله: "فقطعنا هذا المنبر من أَثَلَةٍ". الأَثَلَة: واحدة الأَثلِ، وهو شجرٌ من الطَّرفاء، والجمعُ: أَثلاتٌ. • عن جابر بن عبد الله، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرةٍ أو نخلةٍ، فقالت امرأةٌ من الأنصار أو رجلٌ: يا رسولَ الله! ألا نجعل لك منبرًا؟ قال: "إن شئتم". فجعلوا له منبرًا، فلمَّا كان يوم الجمعةِ دُفِع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياحَ الصبي، ثمَّ نزلَ النبيُّ ﷺ فضمَّه إليه، يئنُّ أنينَ الصبيِّ الذي يُسكَّن. قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها. صحيحٌ: رواه البخاري في المناقب (٣٥٨٤) عن أبي نعيم، ثنا عبد الواحد بن أيمن، قال: سمعتُ جابر بن عبد الله، فذكره. • عن جابر بن عبد الله، قال: كان جِذعٌ يقوم إليه النبيُّ ﷺ ، فلمَّا وُضِع له المنبرُ سمِعنا للجِذع مثلَ أصواتِ العِشار، حتَّى نزلَ النبيُّ ﷺ فوضعَ يدَه عليه. صحيح: رواه البخاري في الجمعة (٩١٨) عن سعيد بن أبي مريم، ثنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، قال: أخبرني ابن أنس، أنَّه سمع جابرًا، فذكره. وخرَّج الحديثَ في المناقب (٣٥٨٥) من طريق سليمان بن بلالٍ، عن يحيى بن سعيد به. ولفظه: "كان المسجد مسقوفًا على جذوعٍ من نخلٍ، فكان النبيُّ ﷺ إذا خطبَ يقومُ إلى جذعٍ منها، فلمَّا صُنِعَ له المنبر، فكان عليه، فسمعنًا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار، حتَّى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليها، فسكَنَت". قوله: "مثل أصوات العشار": العِشار: بالكسرِ، جمع عُشَراء، كفقهاء، وهي الناقة التي أتي عليها من وقت الحمل عشرةُ أشهرٍ. • عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يقوم إلى أصل شجرةٍ، أو قال: إلى جذع، ثمَّ اتَّخذ منبرًا، قال: فحنَّ الجذع، قال جابر: حتَّى سمِعه أهل المسجد، حتَّى أتاه رسول الله ﷺ فمسحه فسكن، فقال بعضهم: لو لم يأته لحنَّ إلى يوم القيامة. حسنٌ: رواه ابن ماجه (١٤١٧): عن أبي بشرٍ -بكر بن خلف- ثنا ابن أبي عدي، عن سليمان التيمي، عن أبي نَضرةَ، عن جابرٍ، فذكره.
следующие страницы →