Полный текст (8 687 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
ويذكر الناس.
صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٦٢) من طرق عن أبي الأحوص، عن سماك، عن جابر بن سمرة، فذكره.
وفي رواية عن سماك قال: أنبأني جابر بن سمرة أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب. فقد والله! صليت معه أكثر من ألفي صلاة.
• عن جابر بن سمرةَ السُّوائي قال: كان رسول الله ﷺ لا يُطيل الموعظةَ يومَ الجمعةِ، إنَّما هنَّ كلِماتٍ يسيرات.
حسنٌ: رواه أبو داود (١١٠٧) ثنا محمود بن خالدٍ، ثنا الوليد، أخبرني شيبان أبو معاوية، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرةَ، فذكره.
وإسناده حسنٌ، رجاله ثقاتٌ غير سماك بن حربٍ؛ فهو صدوقٌ.
• عن الحكم بن حزن الكُلَفي قال: وفدت إلى رسول الله ﷺ سابع سبعةٍ، أو تاسع تسعةٍ، فدخلنا عليه فقلنا: يا رسولَ الله! زرناك فادع الله لنا بخيرٍ، فأمر بنا، أو أمر لنا بشيءٍ من التمر، والشأن إذ ذاك دونٌ، فأقمنا بها أيامًا شهدنا فيها الجمعةَ مع رسول الله ﷺ ، فقام متوكِّئًا على عصا، أو قوسٍ، فحمد الله وأثنى عليه، كلمات خفيفاتٍ طيِّباتٍ مباركاتٍ، ثمَّ قال: "أيُّها الناسُ! إنَّكم لن تطيقوا، أو لن تفعلوا كلَّ ما أُمِرتم به، ولكن سدِّدوا وأبشروا".
حسن: رواه أبو داود (١٠٩٦) عن سعيد بن منصور، عن شهاب بن خراش، حدَّثني أشعث بن زريق الطائفي، قال: جلست إلى رجل له صحبة من رسول الله ﷺ يقال له: الحكم بن حزن الكُلَفي، فأنشأَ يُحدِّثنا .. فذكر الحديثَ.
وإسناده حسن من أجل شهاب بن خراش؛ فهو مختلف فيه: وثَّقه ابن المبارك وغير واحدٍ، كأبي زرعةَ، وأبي حاتم، وأحمد، وابن معين، ولكن تكلَّم فيه ابن حبَّان فقال: "كان رجلًا صالحًا، وكان ممن يُخطئُ كثيرًا حتَّى خرج عن حدِّ الاحتجاج به، إلَّا عند الاعتبار". وقال ابن عدي: "في بعض رواياته ما يُنكَر .. ".
وهذا الحديث صحَّحه ابن خزيمة فأخرجه (١٤٥٢) من طريق شهاب بن خراش به. ونقل ابن الملقِّن في البدر (٤/ ٦٣٣) تصحيحَ ابن السكن له، وقال: "ورواه أبو داود في سننه ولم يُضعِّفه فهو حسنٌ عنده". انتهى كلامه.
وحسَّنه أيضًا الحافظ ابن حجر وغيره، فالظاهر أنَّ شهاب بن خراش وإن كان قد اختلف فيه
стр. 2032
فهو حسن الحديث عند أكثر النقَّادِ، ولم يُخطئ في هذا الحديث.
• عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "كلُّ خطبةٍ ليس فيها تشهُّدٌ فهي كاليد الجَدماء".
حسنٌ: رواه أبو داود (٤٨٤١) والترمذي (١١٠٦) كلاهما من طريق عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، فذكره. وإسناده حسنٌ؛ من أجل عاصم بن كُلَيب وأبيه، فهما صدوقان.
• عن عبد الله بن مسعود، أنَّه سُئل: أكان النبيُّ ﷺ يخطب قائمًا أو قاعدًا؟ قال: أَوَ ما تقرأ: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾؟ [سورة الجمعة: ١١].
صحيحٌ: رواه ابن ماجه (١١٠٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن أبي غَنيَّة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، أنَّه سئل فذكره.
وإسناده صحيح. وقال البوصيري: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات".
أمَّا قول ابن ماجه: "غريبٌ، لا يحدِّث به إلَّا ابن أبي شيبةَ وحده". فيقصد بهذا -والله أعلم- أنَّ هذا الحديث انفرد بروايته ابن أبي شيبة عن ابن أبي غَنيَّة، وابن أبي شيبة أحد الأئمة المشهورين، فلا يضرُّ تفرُّده.
• عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "أنذرتكم النارَ! أنذرتكم النارَ! " حتَّى لو كان رجلٌ في أقصى السوق سمِعه، وسمع أهل السوق صوتَه وهو على المنبر.
وفي رواية: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجله.
حسنٌ: رواه أحمد (١٨٣٦٠، ١٨٣٩٨، ١٨٩٩)، من طريق شعبة، عن سماك، قال: سمعت النعمان بن بشيرٍ، فذكر نحوه.
وإسناده حسنٌ؛ من أجل سماك بن حرب؛ فإنَّه صدوق.
"صحَّحه ابن حبَّان (٦٤٤، ٦٦٧) والحاكم (١/ ٢٨٧)، فروياه من هذا الوجهِ. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلمٍ، ولم يُخرجاه".
• عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: خَرَجَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا، فَنَادَي ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! تَدْرُونَ مَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ؟ " قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ مَثَلُ قَوْمٍ خَافُوا عَدُوًّا يَأْتِيهِمْ، فَبَعَثُوا رَجُلًا يَتَرَايَا لَهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ أَبْصَرَ الْعَدُوَّ، فَأَقْبَلَ لِيُنْذِرَهُمْ، وَخَشِيَ أَنْ يُدْرِكَهُ الْعَدُوُّ قَبْلَ أَنْ يُنْذِرَ قَوْمَهُ، فَأَهْوَى بِثَوْبِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ! أُتِيتُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ! أُتِيتُمْ" ثَلَاثَ مِرَارٍ.
حسنٌ: رواه أحمد (٢٢٩٤٨) عن أبي نعيم، حدثنا بشير، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل بشير وهو ابن المهاجر الغنوي الكوفي من رجال مسلم إلا أنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يأت في حديثه ما ينكر عليه، فقد قال الأثرم عن أحمد: منكر الحديث،
стр. 2033
قد اعتبرت أحاديثه فإذا هو يجيء بالعجب، ولكن وثقه ابن معين. وقال النسائي: لا بأس به.
وروي عن ابن إسحاق، أنَّه قال: وكانت أوَّل خطبة خطبها رسول الله ﷺ فيما بلغني، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن -ونعوذ بالله أن نقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل -أنَّه قام فيهم خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثمَّ قال: "أمَّا بعد، أيها الناس! فقدِّموا لأنفسكم تعلمُنَّ والله ليصعقنَّ أحدكم، ثمَّ ليدعنَّ غنمَه ليس لها راع، ثمَّ ليقولنَّ له ربُّه وليس له ترجمان، ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي، فبلَّغك، وآتيتك مالًا، وأفضلتُ عليك؟ فما قدَّمت لنفسك؟ فلينظرنَّ يمينًا وشمالًا فلا يرى شيئًا، ثمَّ لينظرنَّ قُدَّامه فلا يرى غير جهنَّم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشقِّ تمرةٍ فليفعلْ، ومن لم يجد، فبكلمة طيِّبة، فإنَّ بها تُجزى الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضِعف، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
وابن إسحاق رأى أبا سلمة بن عبد الرحمن، ولم يرو عنه؛ ولذا رواه بلاغًا، وأبو سلمة بن عبد الرحمن لم يدرك النبي ﷺ .
الحديث ذكره ابن هشام في "السيرة النبوية" (١/ ٥٠٠، ٥٠١). ثمَّ قال ابن إسحاق: ثمَّ خطب رسول الله ﷺ مرة أخرى، فقال: "إنَّ الحمد لله، أحمده، وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، إنَّ أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زيَّنه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، فاختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنَّه أحسن الحديث، وأبلغه، أحبُّوا ما أحبَّ الله، أحبُّوا الله من كل قلوبكم، ولا تملُّوا كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم، فإنَّه من كلِّ ما يخلق الله يختار ويصطفي، قد سمَّاه الله خيرته من الأعمال، ومصطفاه من العباد، والصالح من الحديث، ومن كل ما أوتي الناس من الحلال والحرام، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، واتَّقوه حقَّ تقاته، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن يُنكث عهده، والسلام عليكم".
وفي الباب ما روي عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه كان يخطب يوم الجمعة قائما، ثم يقعد، ثم يقوم فيخطب.
رواه أحمد (٢٣٢٢) والبزار "كشف الأستار" (٦٤٠) وأبو يعلى (٢٦٢٠) والطبراني في الكبير (١٢٠٩٠) كلهم من طريق الحجاج، عن مقسم، عن ابن عباس، فذكره.
والحجاج هو: ابن أرطاة مدلس، كان يدلس عن الضعفاء.
٢ - باب اتخاذ المنابر في المساجد للخطب
• عن أبي حازم بن دينار، أنَّ رجالًا أتوا سهل بنَ سعدٍ الساعدي وقد امتروا في المنبر مِمَّ عوده؟ فسألوه عن ذلك؟ فقال: والله! إنِّي لأعرف مما هو، ولقد رأيته
стр. 2034
أول يوم وُضِع، وأوَّل يوم جلس عليه رسول الله ﷺ . أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة -امرأة قد سمَّاها سهلٌ-: "مُري غلامكِ النجَّار أن يعملَ لي أعوادًا أجلس عليهنَّ إذا كلَّمتُ الناسَ". فأمرته فعمِلها من طَرْفاء الغابة، ثمَّ جاء بها، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ فأقرَّ بها، فوُضِعت ها هنا، ثمَّ رأيتُ رسولَ الله ﷺ صلَّى عليها، وكبَّر وهو عليها، ثمَّ ركع وهو عليها، ثمَّ نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر، ثمَّ عاد. فلمَّا فرغَ أقبلَ على الناس فقال: "أيُّها الناس! إنَّما صنعتُ هذا لتأتمُّوا ولتعلموا صلاتي".
متَّفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (٩١٧) ومسلم في المساجد (٥٤٤) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، قال: حدَّثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القاريُّ القرشيُّ الاسكندراني، قال: حدَّثنا أبو حازم بن دينار، فذكر مثلَه. واللفظ للبخاري، وفي رواية: "فعمل هذه الثلاث درجات".
وقوله: "امتروا": من المماراة، وهي المجادلة، ويؤيِّده ما جاء في رواية مسلم: "أن تماروا"، ومعناه تجادلوا.
وقوله: "طَرْفاء الغابة" الطرفاء: شجرٌ، وهي أربعة أصنافٍ، منها الأَثَل، الواحدة: طرفاءة. والغابة: غيضة ذات شجرٍ كثيرٍ في جهة الشام من المدينة.
وفي الحديث جوازٌ للإمام أن يكون في مكانٍ مرتفعٍ إن كان غرضه تعليم الناسِ. وإلَّا فيُكرهُ ذلك.
• عن سهل بن سعد الساعدي، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إذا خطب إلى خشبةٍ ذات فُرضَتين، قال: أُراها من دَومٍ، وكانت في مُصلَّاه، فكان يتَّكئ إليها، فقال له أصحابه: يا رسول الله! إنَّ الناسَ قد كثروا، فلو اتَّخذتَ شيئًا تقوم عليه إذا خطبتَ، يراك الناسُ؟ فقال: ما شئتم، قال سهلٌ: ولم يكن بالمدينة إلَّا نجَّارٌ واحدٌ، فذهبتُ أنا وذاك النجار إلى الخافقين، فقطعنا هذا المنبر من أثلةٍ، قال: فقام عليه النبي ﷺ ، فحنَّت الخشبة، فقال النبي ﷺ : "ألا تَعجبون لحنين هذه الخشبة! ؟ " فأقبل الناسُ، وفرِقوا من حنينها حتَّى كثُر بكاؤهم، فنزل النبي ﷺ حتَّى أتاها فوضع يده عليها فسكنت، فأمر النبي ﷺ بها فدُفِنت تحت مِنبره، أو جُعِلت في السقف.
حسن: رواه ابن سعد في "الطبقات" (١/ ٢٥٠)، والبيهقي في "الدلائل" (٢/ ٥٥٩) عن أبي بكر ابن أبي أُويس، حدَّثني سليمان بن بِلالٍ، عن سعد بن سعيد بن قيسٍ، عن عبَّاس بن سهل بن سعد، عن أبيه، فذكره.
وإسناده حسنٌ؛ من أجل سعد بن سعيد بن قيس، فإنَّه صدوق سيِّء الحفظ، لكن تابعه عُمارة ابن غزية، عن عبَّاس بن سهل، أخرجه الطحاوي في "المشكل" (٤١٩٦) من طريق ابن لهيعة،
стр. 2035
حدَّثني عُمارة بن غَزيَّة به ولكن قوله: "فدُفِنت تحت مِنبره، أو جُعِلت في السقف" فيه نكارة؛ والصحيح ما سيأتي في حديث أبي بن كعب ﵁.
قوله: "فذهبت أنا وذلك النجار إلى الخافقين". الخافقان: أُفقا المشرق والمغرب؛ لأنَّ الليل والنهار يخفقان فيهما.
وقوله: "فقطعنا هذا المنبر من أَثَلَةٍ". الأَثَلَة: واحدة الأَثلِ، وهو شجرٌ من الطَّرفاء، والجمعُ: أَثلاتٌ.
• عن جابر بن عبد الله، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرةٍ أو نخلةٍ، فقالت امرأةٌ من الأنصار أو رجلٌ: يا رسولَ الله! ألا نجعل لك منبرًا؟ قال: "إن شئتم". فجعلوا له منبرًا، فلمَّا كان يوم الجمعةِ دُفِع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياحَ الصبي، ثمَّ نزلَ النبيُّ ﷺ فضمَّه إليه، يئنُّ أنينَ الصبيِّ الذي يُسكَّن. قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها.
صحيحٌ: رواه البخاري في المناقب (٣٥٨٤) عن أبي نعيم، ثنا عبد الواحد بن أيمن، قال: سمعتُ جابر بن عبد الله، فذكره.
• عن جابر بن عبد الله، قال: كان جِذعٌ يقوم إليه النبيُّ ﷺ ، فلمَّا وُضِع له المنبرُ سمِعنا للجِذع مثلَ أصواتِ العِشار، حتَّى نزلَ النبيُّ ﷺ فوضعَ يدَه عليه.
صحيح: رواه البخاري في الجمعة (٩١٨) عن سعيد بن أبي مريم، ثنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، قال: أخبرني ابن أنس، أنَّه سمع جابرًا، فذكره.
وخرَّج الحديثَ في المناقب (٣٥٨٥) من طريق سليمان بن بلالٍ، عن يحيى بن سعيد به.
ولفظه: "كان المسجد مسقوفًا على جذوعٍ من نخلٍ، فكان النبيُّ ﷺ إذا خطبَ يقومُ إلى جذعٍ منها، فلمَّا صُنِعَ له المنبر، فكان عليه، فسمعنًا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار، حتَّى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليها، فسكَنَت".
قوله: "مثل أصوات العشار": العِشار: بالكسرِ، جمع عُشَراء، كفقهاء، وهي الناقة التي أتي عليها من وقت الحمل عشرةُ أشهرٍ.
• عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يقوم إلى أصل شجرةٍ، أو قال: إلى جذع، ثمَّ اتَّخذ منبرًا، قال: فحنَّ الجذع، قال جابر: حتَّى سمِعه أهل المسجد، حتَّى أتاه رسول الله ﷺ فمسحه فسكن، فقال بعضهم: لو لم يأته لحنَّ إلى يوم القيامة.
حسنٌ: رواه ابن ماجه (١٤١٧): عن أبي بشرٍ -بكر بن خلف- ثنا ابن أبي عدي، عن سليمان التيمي، عن أبي نَضرةَ، عن جابرٍ، فذكره.
стр. 2036
ورواه النسائي (١٣٩٦) من حديث ابن جريج، أنَّ أبا الزبير أخبره، أنَّه سمع جابر بن عبد الله فذكره، وفيه: "فلمَّا وُضع المنبر واستوى عليه اضطربت تلك السارية". وإسناده حسنٌ، شيخ ابن ماجه صدوق.
قال البوصيري: "إسناده صحيح، رجاله ثقات".
• عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ يخطب إلى جذعٍ، فلمَّا اتَّخذَ المِنبرَ، تحوَّل إليه، فحنَّ الجذعُ، فأتاه فمسح يده عليه.
صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٥٨٣) عن محمد بن المثنى، ثنا يحيى بن كثيرٍ أبو غسَّان، ثنا أبو حفصٍ، واسمه: عمر بن العلاء، أخو أبو عمرو بن العلاء، قال: سمعت نافعًا، عن ابن عمر فذكره.
• عن ابن عمر، أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا بدَّن قال له تميمٌ الداري: ألا أتَّخذ لك منبرًا يا رسولَ الله! يجمعُ أو يحمِلُ عِظامَك؟ قال: "بلي". فاتَّخذَ له منبرًا مِرقاتين.
حسنٌ: رواه أبو داود (١٠٨١) ثنا الحسن بن علي، ثنا أبو عاصم، عن ابن أبي روَّادٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، فذكره.
وإسناده حسن، من أجل ابن أبي روَّاد، وهو عبد العزيز، فإنَّه صدوق.
ورواه البيهقي (٣/ ١٩٥) من طريق شعيب بن عمرو الضُّبَعي، ثنا أبو عاصم به. وزاد فيه: "مرقاتين أو ثلاثة، فجلس عليها، قال: فصعد النبي ﷺ فحنَّ جِذعٌ كان في المسجد، كان رسول الله ﷺ إذا خطبَ يستند إليه، فنزل النبيُّ ﷺ فاحتضنَه، فقال له شيئًا لا أدري ما هو، ثمَّ صعِد المنبر، وكانت أساطين المسجد جذوعًا، وسقائفه جريدًا.
• عن أُبي بن كعبٍ، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي إلى جذع إذ كان المسجد
عريشًا، وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه: هل لك أن نجعل
لك شيئًا تقوم عليه يوم الجمعة حتَّى يراك الناس وتُسمعهم خطبتك؟ قال: "نعم".
فصنع له ثلاث درجاتٍ، فهي التي أعلى المنبر، فلمَّا وُضع المنبر، وضعوه في موضعه الذي هو فيه، فلمَّا أراد رسول الله ﷺ أن يقومَ إلى المنبر، مرَّ إلى الجذع الذي كان يخطب إليه، فلمَّا جاوز الجذعَ خار حتَّى تصدَّع وانشقَّ، فنزلَ رسول الله ﷺ لمَّا سمع صوت الجِذْع، فمسحه بيده حتَّى سكنَ، ثمَّ رجع إلى المنبرِ، فكان إذا صلَّي صلَّي إليه، فلمَّا هُدِم المسجد وغُيِّر، أخذ ذلك الجذع أُبي بن كعبٍ، وكان عنده في بيته حتَّى بَلي، فأكلته الأَرَضة، وعاد رُفاتًا.
حسنٌ: رواه ابن ماجه (١٤١٤): ثنا إسماعيل بن عبد الله الرقي، ثنا عبيد الله بن عمرو الرقي،
стр. 2037
عن عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن الطفيل بن أُبي بن كعب، عن أبيه، فذكره.
وإسناده حسنٌ؛ من أجل عبد الله بن محمد بن عَقيل، فإنَّه مختلف فيه، غير أنَّه صدوقٌ، حسن الحديث. وقال البوصيري: "هذا إسنادٌ حسنٌ".
ورواه الدارمي (٣٦): عن زكريا بن عدي، عن عبيد الله بن عمرو به. ولفظه: "كان رسول الله ﷺ يصلي إلى جذع ويخطب إليه إذ كان المسجد عريشًا، فقال له رجل من أصحابه: "ألا نجعل لك عريشًا تقوم عليه ... " وذكر باقي الحديث.
وقوله: "كان المسجد عريشًا" العرش هنا السقف. والعريش: كلُّ ما يُستظلُّ به. وقوله: "ألا نجعلُ لك عريشًا": المراد بالعريش ههنا: ما يجلس عليه كالسرير، والعرش: سرير الملك.
• عن أنسٍ وابن عباسٍ: أنَّ النبي ﷺ كان يخطب إلى جذعٍ، فلمَّا اتَّخذ المنبر، ذهب إليه، فحنَّ الجِذع، فأتاه فاحتضنه، فسكنَ، فقال: "لو لم أحتضنه لحنَّ إلى يوم القيامة".
صحيح: رواه ابن ماجه (١٤١٥) ثنا أبو بكر بن خلادٍ الباهلي، ثنا بهز بن أسد، ثنا حمَّاد بن سلمة، عن عمَّار بن أبي عمَّار، عن ابن عبَّاس. وعن ثابت، عن أنسٍ، فذكر الحديثَ.
وإسناده صحيح. وإن كان قد اختلف في عمار بن أبي عمار، إلَّا أنَّ جمهور أهل العلم وثّقوه. قال البوصيري: "إسناده صحيح، رجاله ثقات".
• عن أنس بن مالكٍ، أنَّ رسول الله ﷺ خطب إلى لِزق جِذعٍ، واتَّخذوا له منبرًا، فخطب عليه، فحنَّ الجِذع حنينَ الناقة، فنزل النبي ﷺ فمسَّه فسكنَ.
حسنٌ: رواه الترمذي (٣٦٢٧): عن محمود بن غيلان، ثنا عمر بن يونس، عن عكرمة بن عمَّار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالكٍ، فذكره.
وإسناده حسنٌ، من أجل عكرمة بن عمَّار، فإنَّه صدوق يَغلَط. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وفي نسخة أخرى: "حسن صحيح غريبٌ من هذا الوجه".
هكذا رواه الترمذي مُختصرًا، وصحَّحه ابن خزيمة (١٧٧٧) فرواه من طريق محمد بن بشَّار، ثنا عمر بن يونس به. وفيه: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يقوم يوم الجمعة فيُسنِد ظهره إلى جِذعٍ منصوبٍ في المسجدِ فيخطبُ، فجاء روميٌّ فقال: ألا نصنعُ لك شيئًا تقعد وكأنَّك قائمٌ؟ فصنع له منبرًا له درجتان، ويقعد على الثالثة، فلمَّا قعد نبي الله ﷺ على المنبر خار الجِذع خُوار الثورِ، حتَّى ارتجَّ المسجدُ بخُواره حُزنًا على رسول الله ﷺ ، فنزل إليه رسول الله ﷺ من المنبر فالتزمهُ وهو يخور، فلمَّا التزمه رسول الله ﷺ سكت، ثمَّ قال: "والذي نفسي بيده! لو لم ألتزمه ما زال هكذا حتَّى تقوم الساعة حزنًا على رسول الله ﷺ ". فأمر به رسول الله ﷺ فدُفِن، يعني الجِذْعُ.
وصحَّحه أيضًا ابن حبَّان (٦٥٠٧) فرواه من طريق مبارك بن فَضالة، ثنا الحسن، عن أنس بن
стр. 2038
مالكٍ، فذكر نحوه. والمبارك بن فضالة مدلس ومختلف فيه، إلَّا أنَّ الإمام أحمد قال: "ما رواه عن الحسن يحتج به، وقد صرَّح بالتحديث، فانتفت عنه تهمة التدليس.
٣ - باب موضع المنبر من المسجد
• عن سلمة بن الأكوع، أنَّه كان يتحرَّي موضع مكان المصحف يسبِّح فيه. وذكر أنَّ رسول الله ﷺ كان يتحرَّى ذلك المكان. وكان بين المنبر وبين القبلة قدر ممرِّ الشاةِ.
وفي رواية: كان يتحرَّى الصلاةَ عند الأُسطوانة التي عند المصحف. فقيل له: أراكَ تتحرَّى الصلاةَ عند هذه الأُسطوانة. قال: رأيتُ رسول الله ﷺ يتحرَّى الصلاةَ عندها.
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٥٠٢) ومسلم في الصلاة (٥٠٩) كلاهما من حديث المكي ابن إبراهيم، قال: حدثنا يزيد بن أبي عُبيد، عن سلمة بن الأكوع، فذكر مثلَه. واللفظ لمسلمٍ.
وقوله: "مكان المصحف" أي المكان الذي وُضع فيه صندوق المصحف في المسجد النبوي، وهو المصحف الذي سُمِّي إمامًا في عهد عثمان ﵁. وكان في ذلك المكان أُسطوانة تُعرف بأُسطوانة المهاجرين. وكانت متوسِّطةً في الروضةِ المكرَّمة. قال الحافظ ابن حجر: "وجدتُ في "تاريخ المدينة" لابن النجار: أنَّ المهاجرين من قُريشٍ كانوا يجتمعون عندها". ولكن تعقب السمهودي هذا القول وذكر بأنه وهم، وأن الأسطوانة المشار إليها التي كان النبي ﷺ يصلي إليها هي التي عن يمين الواقف في المصلي الشريف من جهة القبلة.
٤ - باب قراءة القرآن على المنبر
• عن يعلى أنَّه سمع النبيَّ ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف ٧٧].
متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٦٦) ومسلم في الجمعة (٨٧١) كلاهما من طريق سفيان، عن عمرو، سمع عطاءً يُخبِرُ عن صفوان بن يَعلى، عن أبيه، فذكر الحديثَ.
• عن جابر بن سمرةَ قال: كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما. يقرأ القرآن، ويُذكِّر الناسَ.
وفي رواية: أنَّ رسول الله ﷺ كان يخطب قائمًا ثمَّ يجلس، ثمَّ يقوم فيخطب قائمًا، فمن نبَّأك أنَّه كان يخطب جالسًا فقد كذبَ، فقد والله! صلَّيتُ معه أكثر من ألفي صلاةٍ.
صحيحٌ: رواه مسلم في الجمعة (٨٦٢) من طريق أبي الأحوص، عن سماك، عن جابر بن سمرة، فذكر الحديثَ.
والرواية الثانية رواها من طريق أبي خيثمة، عن سماكٍ.
стр. 2039
وفي رواية عند أبي داود (١٠٩٥): رأيت رسول الله ﷺ يخطب قائمًا ثمَّ يقعد قعدةٌ لا يتكلَّم". وإسناده صحيحٌ.
وقوله: "صلَّيتُ معه أكثر من ألفي صلاةٍ". يعني الصلوات الخمس بما فيها الجُمَع.
وفي الباب عن السائب بن يزيد: أنَّ النبي ﷺ كان يخطب يوم الجمعة خطبتين يجلس بينهما".
رواه الطبراني في "الكبير" (٦٦٦١) من طريق محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن السائب بن يزيد. وابن إسحاق مدلِّس وقد عنعنَ.
• عن أختٍ لعمرةَ قالت: أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ مِن فِي رسول الله ﷺ يوم الجمعة، وهو يقرأ بها على المنبر في كلِّ جمعةٍ.
صحيحٌ: رواه مسلم في الجمعة (٨٧٢) من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن أختٍ لعمرةَ قالت، فذكرته.
واسمها: أمّ هشام بنت حارثة بن النّعمان.
وفي الباب: عن علي أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقرأ على المنبر: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٩٩٠ - مجمع البحرين) عن علي بن سعيد، ثنا إسحاق بن رُزيق الرازي، نا إبراهيم بن خالدٍ، عن الثوري، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن علي، فذكر الحديثَ.
قال الطبراني: "لم يروه عن سفيان إلَّا إبراهيم، تفرَّد به إسحاق".
قلت: وإسحاق بن رُزَيق الرازي -هكذا في "مجمع البحرين"، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/ ١٢١)، والسمعاني في "الأنساب" (٦/ ١٢٢ - ١٢٣)، فقالا: الرَّسْعني -بفتح الراء المهملة، وسكون السين، وفتح العين-، نسبة إلى بلدة من ديار بكر، يقال لها: رأس عين، والنسبة إليها: رسعني. قال ابن حبان: "روى عنه أبو عروبة الحراني، مات سنة تسع وخمسين ومائتين". وتبعه السمعاني عليه؛ فهو مجهول الحال؛ لأنَّ الطبراني رواه عن علي بن سعيد كما سبق.
٥ - باب ما جاء في الإمام يُجيب المؤذِّنَ على المنبر
• عن أبي أُمامةَ بن سهل بن حُنيفٍ قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان وهو جالس على المنبر، أذَّن المؤذِّن قال: الله أكبر الله أكبر. قال معاوية: الله أكبر الله أكبر. قال: أشهد ألَّا إله إلَّا الله. فقال معاويةُ: وأنا. قال: أشهد أنَّ محمدًا رسول الله. فقال معاوية: وأنّا. فلمَّا أن قضى التأذين قال: يا أيُّها الناسُ! إنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ على هذا المجلس -حين أذَّن المؤذِّن- يقول ما سمعتم منِّي من مقالتي.
صحيحٌ: رواه البخاري في الجمعة (٩١٤) ثنا مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا أبو بكر بن عثمان ابن سهل بن حنيف، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، فذكره.
стр. 2040
٦ - باب استحباب طول الصلاة وقِصر الخطبة
• عن أبي وائلٍ قال: خطبنا عمَّار فأوجز وأبلغ، فلمَّا نزل قلنا: يا أبا اليقظان! لقد أبلغت وأوجزتَ، فلو كنتَ تنفَّستَ! فقال: إنِّي سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ طولَ صلاة الرجل وقَصَرَ خطبته مَئنَّةٌ من فقهه. فأطيلوا الصلاةَ، وأَقصروا الخطبةَ، وإنَّ مِن البيان لسحرًا".
صحيح: رواه مسلمٌ في الجمعة (٨٦٩) من طريق عبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر، عن أبيه، عن واصل بن حَيَّان، قال: قال أبو وائل، فذكره.
قوله: "فلو كنت تنفَّستَ" أي: أطلتَ الكلامَ شيئًا.
وقوله: "مَئنَّةٌ من فقهه". بالهمز والقصر، وتشديد النون، أي: إنَّ هذا مما يُستدَلُّ به على فقه الرجل.
أمَّا ما رُوي عن ابن مسعودٍ مرفوعًا: "إنَّ قِصَرَ الخطبة وطولَ الصلاة مَئنَّةٌ من فقه الرجل. فأطيلوا الصلاةَ، وأَقصروا الخطبةَ، وإنَّ مِن البيان سِحْرًا، وإنَّه سيأتي بعدكم قوم يُطيلون الخطب ويُقصرون الصلاةَ". فهو ضعيفٌ.
رواه البزار (٦٣٨ - كشف الأستار) من حديث قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود، فذكر الحديثَ.
وقيس بن الربيع ضعَّفه غير واحدٍ، وقد تغيَّر لمَّا كبر، وأُدخل عليه ما لم يكن من حديثه فحدَّث به. وانفرد بهذا، قال البزار: "لا نعلم رواه هكذا إلَّا يحيى، عن قيس". وقال الهيثمي: "رواه البزار، وروى الطبراني بعضه موقوفًا في "الكبير"، ورجال الموقوف ثقات، وفي رجال البزار قيس ابن الربيع، وقد وثَّقه شعبة والثوري، وضعَّفه الناسُ".
• عن عبد الله بن أبي أوفي قال: كان رسول الله ﷺ يُكثر الذكرَ، ويُقلُّ اللغوَ، ويُطيل الصلاةَ، ويُقصِر الخطبةَ، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملةِ والمسكين ليقضي له الحاجةَ.
حسن: رواه النسائي (١٤١٤) عن محمد بن عبد العزيز بن غزوان، عن الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، حدَّثني يحيى بن عُقيل، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفي يقول، فذكر الحديثَ.
وإسناده حسن؛ من أجل الحسين بن واقد، وشيخه يحيى؛ فهما صدوقان.
٧ - باب تخفيف الصلاة والخطبة
• عن جابر بن سمرةَ قال: كُنتُ أصلِّي مع النبي ﷺ فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا.
стр. 2041
صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٦٦) من طرق عن أبي الأحوص، عن سماك، عن جابر، فذكر الحديثَ.
ورواه أبو داود (١١٠١) من طريق سفيان، عن سماك. وزاد فيه: "يقرأ آياتٍ من القرآن، ويُذكِّر الناسَ".
٨ - باب ما جاء أنَّ الخطيبَ يجب أن يكون عالمًا بالتوحيد الخالصِ
• عن عدي بن حاتم ﵁، أنَّ رجلًا خطب عند النبي ﷺ فقال: من يُطِعِ اللهَ ورسولَه فقد رشدَ، ومن يعصِهما فقد غَوِي. فقال رسول الله ﷺ : "بئس الخطيبُ أنتَ! قلْ: ومن يعص اللهَ ورسولَه".
صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٧٠) من طرق عن وكيعٍ، عن سفيان، عن عبد العزيز بن رُفَيعٍ، عن تَميم بن طَرَفَةَ، عن عدي بن حاتم، فذكره.
وأمَّا ما رُوي عن ابن مسعودٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "من يُطع الله ورسولَه فقد رشد، ومن يعصهما فإنَّه لا يضرُّ إلَّا نفسَه ... "، فهو ضعيفٌ.
رواه أبو داود (١٠٩٧) عن محمد بن بشار، ثنا أبو عاصم، ثنا عِمران، عن قتادة، عن عبد ربِّه، عن أبي عياض، عن ابن مسعود فذكره ..
وفيه أبو عِياض وعبد ربِّه، وهما مجهولان.
أمَّا جمع ضمير اسم الله وملائكته في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ﴾ [الأحزاب ٥٦]. فهو جمعُ تشريفٍ، والله تعالى أن يُشرِّفَ من شاءَ بما شاءَ، ويُمنَع ذلك للغير، كما قد أقسم بكثيرٍ من المخلوقات، ومَنعنا من القَسَمِ بها.
انظر للمزيد: "المفهِم لما أشكل من تلخيص مسلم" (٢/ ٥١١).
٩ - باب من آدابِ الخطيبِ ألَّا يرفع يديه
• عن عُمارة بن رُؤَيبة، أنَّه رأى بِشرَ بنَ مروانَ على المنبرِ رافعًا يديه فقال: قبَّح الله هاتين اليدين! لقد رأيتُ رسول الله ﷺ ما يزيدُ على أن يقولَ بيده هكذا. وأشارَ بأُصبَعِه المُسبِّحة.
صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٧٤) من طرق عن حصين بن عبد الرحمن، عن عُمارة، فذكره.
وبشر بن مروان هذا هو: بشر بن مروان بن الحكم الأُموي، أحد أُمراء بني أميَّةَ الأجواد، ولي العراقَيْن لأخيه عند مقتل مصعب. ومات بالبصرةِ سنةَ خمسٍ وسبعينَ. وله نيفٌ وأربعون سنةً.
وأمَّا ما رُوِي عن بشير بن عَقربة الجُهَني، أنَّه قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من قام بخطبةٍ لا يلتمِسُ بها إلَّا رِياءً وسُمْعةً، أوقفه الله يومَ القيامةِ موقِفَ رياءٍ وسُمعةٍ" ففيه مجهول.
стр. 2042
رواه أحمد (١٦٠٧٣) عن سعيد بن منصور، ثنا حجر بن الحارث الغساني، عن عبد الله بن عوف الكِناني -وكان عاملًا لعمر بن عبد العزيز على الرملة- أنَّه شهِد عبدَ الملك بنَ مروان قال لبشير بن عقربة الجُهَني يومَ قُتِل عمرو بن سعيد بن العاص: "يا أبا اليمان! إنِّي قد احتجتُ اليوم إلى كلامِك، فقم فتكلَّم". قال: "إنِّي سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ .. فذكر الحديثَ.
ففي إسناده حجر بن الحارث الغسَّاني، وعبد الله بن عوف الكناني، لي فيهما توثيقٌ لأحدٍ، وذكرهما ابن حبان في "الثقات"، لكن ثبتَ في صحيح مسلم وغيرِه قوله ﷺ : "من سمَّع سمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به". فالرياء ممنوعٌ في كلِّ شيء. والله أعلم.
١٠ - باب إباحة الكلام في الخطبة بالأمر والنهي
• عن جابر قال: دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة فقال: "صلَّيتَ؟ " قال: لا. قال: "قم فصلِّ ركعتين".
متفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (٩٣١) ومسلم في الجمعة (٨٧٥) كلاهما من حديث سفيان، عن عمرو بن دينار، سمع جابرًا يقول، فذكر الحديثَ.
• عن قيس بن أبي حازم، عن أبيه، أنَّه جاء ورسول الله ﷺ يخطب، فقام في الشمس، فأمر به فحُوِّل إلى الظلِّ.
صحيح: رواه أبو داود (٤٨٢٢) عن مسدد، ثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل، قال: حدثني قيس، عن أبيه، فذكر مثله.
إسناده صحيح، وصحَّحه ابن حبان (٢٨٠٠) ورواه من طريق يحيى بن سعيد، كما صحَّحه أيضًا ابن خزيمة (١٤٥٣) والحاكم (٤/ ٢٧١) كلاهما من حديث إسماعيل بإسناده مثله.
وإسماعيل هو ابن أبي خالد الأحمسي، ثقة ثبت، ولكن رواه شعبة، عن إسماعيل فأرسله، رواه الإمام أحمد (١٥٥١٧) عن محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن إسماعيل بن قيس بن أبي حازم، أنَّ أباه جاء ورسول الله ﷺ يخطب، فذكر الحديث.
وقيس بن أبي حازم تابعي لم يحضر القصة، إلَّا أنَّ من زاد فرواه عن "أبيه" فهو مقبول.
• عن أنس بن مالك، قال: دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ على المنبر يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ فأشار إليه الناس: أن اسكت! فقال له رسول الله ﷺ عند الثالثة: "ويحك! ماذا أعدت لها؟ " فذكر الحديثَ.
فقال الرجل: أعدت لها حبَّ الله ورسوله. فقال رسول الله ﷺ : "اجلس فإنَّك مع من أحببتَ".
حسن: رواه البيهقي (٣/ ٢٢١) عن محمد بن أحمد بن زكريا، أنبأنا محمد بن الفضل بن محمد
стр. 2043
ابن إسحاق، أنبأ جدي، ثنا علي بن حجر، ثنا إسماعيل بن جعفر، ثنا شريك، أنه سمع أنس بن مالك، فذكر مثله. ولم يذكر قول الرّجل: أعدت لها. والجزء المرفوع من قول النبي ﷺ .
ورواه النسائي في السنن الكبري (٥٨٤٢) من وجهٍ آخر عن شريك بن عبد الله، عن أنس. وذكر فيه قول الرجل. والجزء المرفوع من قول النبي ﷺ ، إلَّا أنَّه لم يذكر أنَّ ذلك كان عند الخطبة.
وإسناده حسن؛ من أجل شريك بن عبد الله، وهو ابن أبي نَمر، قال فيه ابن معين: "ليس به بأس".
وقال ابن سعد: "كان ثقة". وذكره ابن حبان في "الثقات". وفي "التقريب": "صدوق يخطئ".
وقال ابن الملقن في "البدر المنير": (٤/ ٦١٦): "هذا الحديث صحيح، رواه النسائي في كتاب العلم من سنه، والبيهقي بإسنادٍ صحيح".
١١ - باب أمر الخطيب بقراءة القرآن وهو على المنبر
• عن عبد الله، قال: "أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ عليه وهو على المنبر فقرأت عليه من سورة النساء، حتَّى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء ٤١] فنظرت إليه وعيناه تذرفان".
متفق عليه: رواه مسلم في فضائل القرآن (٨٠٠) عن هنَّاد بن السري، عن علي بن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عَبيدة، عن عبد الله.
ورواه ابن خزيمة في صحيحه (١٤٥٤) من وجه آخر، عن أبي الأحوص، عن الأعمش، عن علقمة -كذا يقول أبو الأحوص- قال عبد الله: أمرني رسول الله ﷺ فذكر الحديث مثله.
ورواه البخاري في التفسير (٤٥٨٢) من طريق سفيان، ومسلم من طريق حفص بن غياث، كلاهما عن الأعمش، عن عبيدة، عن عبد الله، إلَّا أنَّهما لم يذكرا في حديثهما "وهو على المنبر"، ولذا أشار مسلم إلى هنَّاد بأنَّه زاد في روايته: قال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: "اقرأ عليَّ".
١٢ - باب جواز قطع الخطبة لتعليم جاهل ٍ
• عن أبي رِفاعةَ قال: انتهيتُ إلى النبيِّ ﷺ وهو يخطب، قال: فقلت: يا رسولَ الله! رجلٌ غريبٌ جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه. قال: فأقبل عليَّ رسول الله ﷺ ، وترك الخطبةَ حتَّى انتهى إليَّ فأُتي بكرسيٍّ حسِبتُ قوائمَه حديدًا، قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ ، وجعل يُعلِّمُني ممَّا علَّمه الله، ثمَّ أتي خطبتَه فأتمَّ آخرها.
صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٧٦) عن شيبان بن فرُّوخ، ثنا سليمان بن مُغيرة، ثنا حميد بن هِلالٍ، قال: قال أبو رِفاعة، فذكر الحديثَ.
стр. 2044
١٣ - باب النزول من المنبر لأمر يحدث
• عن بُريدة بن الحُصَيِّب قال: خطبنا رسول الله ﷺ فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل فأخذهما فصعِد بهما المنبرَ، ثمَّ قال: "صدقَ الله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيتُ هذين فلم أصبر". ثمَّ أخذ في الخطبة.
حسن: رواه أبو داود (١١٠٩) والترمذي (٣٧٧٤) والنسائي (١٤١٣) وابن ماجه (٣٦٠٠) من طرق عن حسين بن واقد، أخبرني عبد الله بن بُريدة، قال: سمعتُ أبي يقول، فذكره.
وإسناده حسن؛ من أجل الحسين بن واقد؛ فإنَّه حسن الحديث.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، إنَّما نَعرِفه من حديث الحسين بن واقد". وصحَّحه ابن خزيمة (١٤٥٦) وابن حبان (٦٠٣٩) والحاكم (١/ ٢٨٧) فرووه من طريق حسين بن واقد.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرجاه، وهو أصلٌ في قطع الخطبة، والنزول من المنبر عند الحاجة".
١٤ - باب الأمر بالإنصات للخطبة يوم الجمعة
• عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا قلتَ لصاحبكَ: أنصِت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لَغَوتَ".
متفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (٩٣٤) ومسلم في الجمعة (٨٥١) كلاهما من طريق الليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، أخبرني سعيد بن المسيب، أنَّ أبا هريرةَ أخبره، فذكره. ورواه مالك في "موطَّأ القعنبي" عنه، عن ابن شهاب به، كما ذكره الجوهري في "مسند الموطَّأ" (١٣٤)، ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود (١١١٢) كما أخرجه أيضًا يحيى بن يحيى الأندلسي في موطَّئه عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، ولفظه: "إذا قلت لصاحبك أنصت، والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت". كتاب الجمعة (٦)، وهي عند مسلم (٨٥١/ ١٢) من طريق سفيان، عن أبي الزناد، وفيه: "فقد لغيت".
قال أبو الزناد: "هي لغة أبي هريرة، وإنما هو: فقد لغوت".
ورواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بلفظ: "إذا تكلَّمتَ يوم الجمعة فقد لغوت، أو لغيتَ"، يعني والإمام يخطب.
أخرجه ابن خزيمة (١٨٠٤) من طريق محمد بن معمر القيسي، ثنا حبان، ثنا وهيب، عن سهيل. وإسناده حسن، القيسي صدوق، وكذا سهيل بن أبي صالح.
• عن أُبَي بن كعبٍ أنَّ رسول الله ﷺ قرأ يوم الجمعة تبارك، وهو قائم، فذكَّرنا بأيَّام الله، وأبو الدرداء أو أبو ذرٍّ يغمِزني فقال: متى أُنزلت هذه السورة؟ إنِّي لم أسمعها إلَّا
стр. 2045
الآن، فأشار إليه أَن اسكتْ، فلمَّا انصرفوا قال: سألتك متى أُنزلت هذه السورة فلم تخبرني؟ فقال أُبَي: ليس لك من صلاتك اليوم إلَّا ما لغوت، فذهب إلى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، وأخبره بالذي قال أُبَي. فقال رسول الله ﷺ : "صدق أُبَي".
حسن: رواه ابن ماجه (١١١١) وأحمد (٢١٢٨٧) كلاهما من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، عن عطاء بن يسار، عن أبي بن كعب، فذكره، واللفظ لابن ماجه. وعند أحمد: قرأ يوم الجمعة براءة.
وإسناده حسن؛ لأنَّ الدراوردي، وشريكًا صدوقان، وقال البوصيري: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات".
وحسَّن إسناده المنذري في الترغيب، ورواه ابن خزيمة (١٨٠٧) والحاكم (١/ ٢٨٧) كلاهما من طريق محمد بن جعفر، عن شريك، عن عطاء، عن أبي ذر فذكر نحوه، إلَّا أنَّه ذكر سورة براءة أيضا بدل سورة الملك.
وإسناد ابن خزيمة والحاكم صحيح، رجاله كلهم ثقات، قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه".
وقال الذهبي: "ما أحسب عطاء أدرك أبا ذر".
قلت: أبو ذر توفي سنة (٣٢)، وكان مولد عطاء سنة (١٩) فلا يبعد إدراكه إياه. والله أعلم.
وقد رُوي هذا الحديث من وجوهٍ أُخرى مُختلفة أشار إليها البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢٢٠).
ورُوي من حديث أبي الدرداء، قال: "جلس رسول الله ﷺ يومًا على المنبر، فخطب الناسَ، وتلا آية وإلى جنبي أبي بن كعب ... ". فذكر نحوه. وزاد في آخره: فقال: (يعني رسول الله ﷺ ): "صدق أبي، فإذا سمعت إمامك يتكلَّم فأنصت حتَّى يفرغَ".
أخرجه الإمام أحمد (٢١٧٣٠): عن مكي، ثنا عبد الله بن سعيد، عن حرب بن قيس، عن أبي الدرداء.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، إلَّا أنَّه منقطع؛ حرب بن قيس لم يسمع من أبي الدرداء، قال أبو حاتم: "لم يدرك أبا الدرداء، وهو مرسل، وهو في سن مالك بن أنس". "تحفة التحصيل: ٦٣".
ولا يصح ما رُوي عن أبي هريرةَ، قال: بينما رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ قال أبو ذر لأُبي بن كعب ... " وذكر نحوه.
رواه الطيالسي في مسنده (٢٤٨٦) والبزار (٦٤٣ - كشف الأستار) من طريق أسود بن عامر، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرةَ.
والصحيح أنَّ هذا الحديث يرويه أبو سلمة مرسلًا، لا يذكر فيه أبا هريرة. انظر "العلل" للدارقطني (٨/ ٥١).
وأمَّا ما رُوي عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنَّه قال: دخل عبد الله بن مسعود المسجد والنبي ﷺ -
стр. 2046
يخطب، فجلس إلى جنب أبي بن كعب، فسأله عن شيءٍ، أو كلَّمه عن شيءٍ، فلم يرد عليه، فظنَّ ابن مسعود أنَّه موجِدة، فلمَّا انفتل النبي ﷺ من صلاته قال ابن مسعود: "يا أُبي! ما منعك أن تردَّ عليَّ؟ قال: إنَّك لم تحضر معنا الجمعةَ، قال: بمَ؟ قال: تكلَّمت والنبي ﷺ يخطب. فقام ابن مسعود فدخل على رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقال له رسول الله ﷺ : "صدق أُبي، أَطع أُبيًّا". فهو ضعيف.
رواه أبو يعلى (٣٦٤ - المقصد العلي) ومن طريقه ابن حبان (٢٧٩٤) والطبراني في "الأوسط" (٩٩٢ - مجمع البحرين) من طريق يعقوب القمي، عن عيسى بن جارية، عن جابر.
قال الهيثمي: "رواه أبو يعلى والطبراني في "الأوسط" بنحوه، وفي "الكبير" باختصار، ورجال أبي يعلى ثقات".
قلت: بل مداره على عيسى بن جارية، وهو ضعيف؛ ضعفه ابن معين، وأبو داود، والنسائي، وقال: "منكر الحديث".
وقال ابن عدي: "أحاديثه غير محفوظة".
قلت: وهذا الحديث كما قال ابن عدي غير محفوظ؛ لأنَّ هذه القصَّة إنَّما وقعت بين أبي الدرداء وأبي، وذكر ابن مسعود فيه غير محفوظ، والله أعلم.
وقوله: "موجدة": أي غضبا. كما في "النهاية".
ورُوي أيضا من حديث ابن عباس، وفيه أنَّ القصَّة دارت بين ابن مسعود وبين رجلٍ لم يُسم.
رواه ابن خزيمة (١٨٠٩) وفي إسناده الحسين بن عيسى، وهو ضعيفٌ.
• * *
стр. 2047
جموع أحكام صلاة الجمعة
١ - باب وقت الجمعة
• عن سلمة بن الأكوَع قال: كنَّا نصلِّي مع النبيِّ ﷺ الجمعةَ ثمَّ ننصرِف وليس للحيطان ظلٌّ يُستظلُّ فيه.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤١٦٨) ومسلم في الجمعة (٨٦٠/ ٣٢) كلاهما من طريق يعلى بن الحارث المُحاربي، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، فذكر الحديثَ.
وفي رواية عند مسلم: "كنا نجمَّع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس، ثمَّ نرجع نتتبَّع الفيءَ".
• عن سهلٍ قال: ما كنَّا نقيل ولا نتغدَّى إلَّا بعد الجمعة.
وفي رواية: على عهد رسول الله ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (٩٣٩) ومسلم في الجمعة (٨٥٩) كلاهما من حديث عبد الله بن مسلمة، قال حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهلٍ، فذكره. ولفظهما سواء، إلَّا أنَّ الرواية الثانية رواها مسلم وحده عن علي بن حجر، عن عبد العزيز به.
وذكر البخاري في روايةٍ أخرى (٩٣٨) عن أبي غسَّان قال: حدثني أبو حازم، عن سهلٍ قال: "كانت فينا امرأة تجعل على أربعاء في مزرعة لها سلقًا، فكانت إذا كان يوم جمعة تنزع أصولَ السلق فتجعله في قدرٍ، ثمَّ تجعل عليه قبضة من شعيرٍ تطحنها، فتكون أصول السلق عرقة، وكنَّا ننصرف من صلاة الجمعة فسلِّم عليها، فتقرِّب ذلك الطعام إلينا فنعلقه، وكنَّا نتمنَّى يوم الجمعة لطعامها ذلك". وزاد في رواية (٢٣٤٩): "وما كنَّا نتغدَّى ولا نقيل إلَّا بعد الجمعة".
• عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا اشتدَّ البردُ بكَّر بالصلاةِ وإذا اشتدَّ الحرُّ أبرد بالصلاةِ. يعني الجمعة.
صحيحٌ: رواه البخاري في الجمعةِ (٩٠٦) من طريق أبي خلدةَ -وهو خالد بن دينار-، قال: سمعت أنس بن مالك، فذكر الحديثَ.
قال البخاري: "قال يونس بن بُكَير: أخبرنا أبو خلدةَ، قال: صلَّى بنا أميرٌ الجمعةَ ثمَّ قال لأنسٍ ﵁: كيف كان النبي ﷺ يصلِّي الظهرَ؟ ".
والأمير هو: الحكم بن أبي عقيل الثقفيّ.
وأخرجه ابن خزيمةَ (١٨٤٢) من طريق حَرَمي بن عُمارةَ، حدَّثني أبو خلدةَ، قال: سمعت أنس
стр. 2048
ابن مالكٍ وناداه يزيد الضبِّي يوم الجمعة في زمن الحجَّاج، فقال: يا أبا حمزة! شهدت الصلاة مع رسول الله ﷺ وشهدت الصلاة معنا فكيف كان رسول الله ﷺ يصلِّي؟ قال .. فذكر مثلَه.
• عن أنس بن مالك ﵁ أنَّ النبي ﷺ كان يُصلِّي الجمعةَ حين تميلُ الشمس.
صحيح: رواه البخاري في الجمعة (٩٠٤) عن شُريح بن النعمان، حدَّثنا فُلَيح بن سليمان، عن عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان التيمي، عن أنس بن مالك، فذكر الحديثَ.
• عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، أنَّه سأل جابر بن عبد الله: متى كان رسولُ الله ﷺ يُصلِّي الجمعة؟ قال: كان يُصلِّي ثمَّ نذهب إلى جِمالنا فنُريحها.
صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٥٨/ ٢٩) من طرق عن سليمان بن بلالٍ، عن جعفر فذكر الحديثَ.
قال مسلم: زاد عبد الله (أي ابن عبد الرحمن الدارمي شيخ مسلم) في حديثه: "حين تزول الشمس".
وفي رواية له من طريق حسن بن عياش، عن جعفر بن محمد به. قال حسن: فقلت لجعفر: فأي ساعةٍ تلك؟ قال: "زوال الشمس".
• عن الحكم بن عُتَيبة قال: إنَّ الحجَّاج أخَّر الصلاةَ يومَ الجمعة فقال له شيخٌ: والله! لقد رأيت رسول الله ﷺ يصلِّي فما رأيته يصنع كما تصنع أنت. قال: فلمَّا رأيته ذكر رسول الله ﷺ قلتُ له: كيف رأيتَه يصنع؟ قال: رأيته ﷺ خرج حين زالت الشمس، وإذا الرجل أبو جُحيفة ﵁.
صحيحٌ: رواه أبو يعلى (٢/ ١٨٧، حديث: ٨٨٦)، عن زهير، ثنا يزيد بن هارون، ثنا سفيان ابن حسين، عن الحكم بن عتيبة، فذكر الحديثَ.
وهذا إسناد صحيح، رواته ثقات عن آخرهم. قال البوصيري: "رواه أبو يعلى الموصلي ورجاله ثقات".
قلت: وقد فات الهيثمي هذا الحديث؛ فلم أجده في مظانِّه عنده.
وأمَّا ما رُوي عن الزبير بن العوام أنَّه قال: "كنَّا نُصلي مع النبي ﷺ الجمعةَ ثمَّ ننصرف فنبتدر في الآجامِ، فلا نجد إلَّا قدر موضع أقدامنا". فهو ضعيف.
أخرجه الإمام أحمد (١٤١٢، ١٤٣٦) وابن خزيمة (١٨٤٠) من رواية مسلم بن جندب، عن الزبير بن العوام. ومسلم لم يُدرك الزبير. وفي روايةٍ قال: حدَّثني مَن سمِع الزبيرَ.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ أنَّه كره الصلاة نصف النهار إلَّا يوم الجمعة.
وقال: "إنَّ جهنَّم تُسجر إلَّا يوم الجمعة". فهو ضعيف، رواه أبو داود (١٠٨٣) عن محمد بن عيسى، حدثنا حسان بن إبراهيم، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي الخليل، عن أبي قتادة، فذكر الحديث.
قال أبو داود: "وهو مرسل؛ ومجاهد أكبر من أبي الخليل، وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة".
قلت: وفيه أيضًا ليثٌ، وهو ابن أبي سُليم، وهو مضطرب الحديث كما قال الإمام أحمد. وضعيف
стр. 2049
الحديث كما قال أبو حاتم. وفي "التقريب": "صدوق، اختلط أخيرًا، ولم يتميَّز حديثه فتُرك".
ولكن قال البيهقي (٢/ ٤٦٤) بعد أن نقل الحديث من طريق أبي داود، ونقل قوله بأنَّه مرسل، قال: "وله شواهد، وإن كانت أسانيدها ضعيفةً". فذكر من شواهده حديث أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة نصف النهار حتَّى تزول الشمس إلَّا يوم الجمعة.
وأخرجه من طريق الشافعي قال: أنبأنا إبراهيم بن محمد، عن إسحاق بن عبد الله، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكر مثله.
قلت: فيه إبراهيم بن محمد، وهو ابن أبي يحيي، شيخ الشافعي، وهو ضعيف جدًّا، بل كذَّبه ابن معين، وشيخه إسحاق بن عبد الله، وهو ابن أبي فروة، قال فيه أبو حاتم وأبو زرعة والنسائي والدارقطني: "متروك". وقال البخاري: "تركوه".
ثمَّ روى البيهقي حديث أبي هريرة من وجهٍ آخر بلفظ: "تحرم -يعني الصلاة- إذا انتصف النهار إلَّا يوم الجمعة". بإسناده عن شيخ من أهل المدينة، يقال له: عبد الله، عن سعيد، عن أبي هريرة.
ثمَّ قال: "ورُوي في ذلك عن أبي سعيد الخدري، وعمرو بن عبسة، وابن عمر مرفوعًا.
والاعتماد على أنَّ النبي ﷺ استحبَّ التبكير إلى الجمعة، ثمَّ رغَّب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير تخصيص ولا استثناء، نذكرها إن شاء الله في كتاب الجمعة".
ثمَّ قال: "وروينا الرخصة في ذلك عن طاوس ومكحول" انتهى.
قلت: هذا مذهب الشافعي ومن وافقه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
قال الحافظ ابن القيم في "الزاد" (١/ ٣٧٨): أنَّه "لا يُكره فعل الصلاة فيه وقت الزوال عند الشافعي ﵀ ومن وافقه، وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية. ولم يكن اعتماده على حديث ليث، عن مجاهد، عن أبي الخليل، عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ ، أنَّه كره الصلاة نصف النهار إلَّا يوم الجمعة، وإنَّما كان اعتماده على أنَّ من جاء إلى الجمعة يُستحب له أن يصلي حتى يخرج الإمام، وفي الحديث الصحيح: "لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهَّر ما استطاع من طهر، ويدَّهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثمَّ يخرج، فلا يفرِّق بين اثنين، ثمَّ يصلي ما كُتب له، ثمَّ يُنصت إذا تكلَّم الإمام، إلَّا غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى". رواه البخاري، فندبه إلى الصلاة ما كُتب له، ولم يمنعه عنها إلَّا في وقت خروج الإمام، ولهذا قال غير واحدٍ من السلف، منهم عمر بن الخطاب ﵁، وتبعه عليه الإمام أحمد: خروج الإمام يمنع الصلاةَ، وخطبته تمنع الكلام. فجعلوا المانع من الصلاة خروج الإمام. لا انتصاف النهار.
وأيضًا، فإنَّ الناس يكونون في المسجد تحت السقوف، ولا يشعرون بوقت الزوال، والرجل يكون متشاغلًا بالصلاة لا يدري بوقت الزوال، ولا يمكنه أن يخرج، ويتخطَّى رِقاب الناس، وينظر إلى الشمس ويرجع، ولا يُشرع له ذلك". انتهى.
стр. 2050
٢ - باب ذكر العدد الذي تنعقد به الجمعة
• عن جابر بن عبد الله، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يخطب قائمًا يوم الجمعة، فجاءت عيرٌ من الشام، فانفتل الناس إليها، حتَّى لم يبقَ إلَّا اثنا عشر رجلًا. فنزلت هذه الآية التي في الجمعةِ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة ١١].
متفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (٩٣٦) ومسلم في الجمعة (٨٦٣) كلاهما من طريق حصين بن عبد الرحمن، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله، فذكر الحديثَ. واللفط المسلم، ولفظ البخاري نحوه.
وروى مسلم بإسناده عن كعب بن عُجرة، قال: دخل المسجدَ وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدًا فقال: انظروا إلى هذا الخبيث! يخطب قاعدًا، وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة ١١].
• عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك -وكان قائد أبيه بعدما ذهب بصره-، عن أبيه كعب بن مالك، أنَّه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحَّمَ لأسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة؟ قال: لأنَّه أوَّل من جمَّع بنا في هزم النبيت من حرَّة بني بياضة، في نقيعٍ يُقال له: نقيع الخَضِمات. قلت: كم أنتم يومئذٍ؟ قال: أربعون.
حسن: رواه أبو داود (١٠٧٠) وابن ماجه (١٠٨٢) كلاهما من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، فذكره.
وإسناده حسن من أجل ابن إسحاق، فهو صدوق يدلِّس، لكنَّه صرَّح بالتحديث في روايات أخرى كما سيأتي.
وصحَّحه ابن خزيمة (١٧٢٤) والحاكم (١/ ٢٨١) كلاهما عن طريق محمد بن إسحاق قال: حدَّثني محمد بن أبي أُمامة.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
وأمَّا ما رُوي عن أم عبد الله الدوسية مرفوعًا: "الجمعة واجبة على كلِّ قرية، وإن لم يكن فيها إلَّا أربعة".
وفي لفظ: "إلَّا ثلاثة، رابعهم إمامهم". فهو ضعيف، رواه الدارقطني (٢/ ٨) وبيَّن ضعفه فقال: "فيه الوليد بن محمد الموقري، متروك".
وكذلك لا يصحُّ ما رُوي عن أبي أمامة مرفوعًا: "على الخمسين جمعة، وليس فيما دون ذلك". رواه الدارقطني من رواية جعفر بن الزبير، عن القاسم بن عبد الرحمن، وقال: "جعفر بن
стр. 2051
الزبير متروك".
وكذلك لا يصحُّ ما رُوي عن جابر بن عبد الله، قال: "مضت السنة أنَّ في كلِّ ثلاثةٍ إمام، وفي كلِّ أربعين فما فوق ذلك جمعة، وأضحى، وفِطر. وذلك أنَّهم جماعة". رواه الدارقطني من طريق عبد العزيز بن عبد الرحمن، ثنا خُصَيف، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر، فذكر مثله. وعبد العزيز بن عبد الرحمن البالسي قال فيه الإمام أحمد: "اضرب على أحاديثه، هي كذبٌ". أو قال: "موضوعة". انظر "الجرح والتعديل" (٥/ ٣٨٨)، وشيخه خُصَيف ضعَّفه جماعة من الأئمَّة.
٣ - باب صلاة الجمعة ركعتان
• عن عمر، قال: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، والفطر والأضحى ركعتان، تمامٌ غير قصرٍ، على لسانِ محمد ﷺ .
صحيح: رواه ابن ماجه (١٠٦٤) عن محمد بن عبد الله بن نُمَير، ثنا محمد بن بشرٍ، قال: أنبأنا يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن زُبَيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، عن عمر، فذكره.
ورواه ابن خزيمة (١٤٦٥) من طريق محمد بن بشر، بإسناده.
يزيد بن زياد بن أبي الجعد الأشجعي الكوفي، وثَّقه ابن معين، والعجلي، وقال أبو حاتم: "ما بحديثه بأس". ولكنَّه خالفه سفيان، فرواه عن زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر. ومن هذا الطريق رواه النسائي (١٤٢٠، ١٥٦٦) والإمام أحمد (٢٥٧) وابن حبان (٢٧٨٣).
وهذا منقطع، لأنَّ عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يُدرك عمر، وقد قيل: يُحتمل سماعه منه؛ لأنَّه وُلد في خلافة الصديق، أو قبله، وقد رجَّح أبو حاتم الرواية المنقطعة، كما في "العلل" (١/ ١٣٨)، لأنَّ سفيان أحفظ من يزيد بن زياد، وقال غيره: زيادة الثقة مقبولة. والله أعلم.
٤ - باب من أدرك ركعةً من الجمعة فقد أدركها
• عن أبي هريرةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "من أدرك ركعةً من الصلاةِ فقد أدرك الصلاةَ".
متفق عليه: رواه مالك في وُقوتِ الصلاة (١٥) عن ابن شهابٍ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرةَ، فذكره.
ورواه البخاري في مواقيت الصلاة (٥٨٠)، ومسلمٌ في المساجد (٦٠٧) كلاهما من طريق مالك به.
• عن أبي هريرةَ عن النّبيّ ﷺ قال: "من أدرك من صلاةِ الجمعة ركعةً فقد أدرك".
صحيح: رواه النسائيّ (١٤٢٥) عن قتيبة ومحمد بن منصور -واللّفظ له- عن سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرةَ، فذكره.
стр. 2052
وإسناده صحيح. وصحّحه أيضا ابن خزيمة (١٨٥٠)، والحاكم (١/ ٢٩١) كلاهما رواه من وجه آخر عن الزّهريّ بإسناده، مثله.
قال الحاكم -بعد أن رواه من ثلاث طرق-: "كلُّ هؤلاء الأسانيد الثلاثة صِحاح، على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه بهذا اللفظ".
وفي معناه ما رواه ابن ماجه (١١٢١) من وجه آخر عن الزّهريّ، عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أنّ النّبيّ ﷺ بلفظ: "من أدرك من الجمعة ركعة -فلْيُصَلِّ أو- فليَصِلْ إليها أخرى".
رواه عن محمد بن الصبّاح، قال: أنبأنا عمر بن حبيب، عن ابن أبي ذئب، عن الزّهريّ، بإسناده؛ فهو ضعيف من أجل عمر بن حبيب وهو العدويّ القاضي البصريّ، جمهور أهل العلم مطبقون على تضعيفه.
ورواه ابن خزيمة في صحيحه (١٨٥١)، والدارقطني في السنن (١٥٩٨)، والحاكم (١/ ٢٩١) كلّهم من طريق ابن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن أسامة بن زيد اللّيثيّ، عن ابن شهاب الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى".
وفيه يحيى بن أيوب الغافقيّ، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، وقد وُصف بأنه سيء الحفظ؛ فلعلّ هذا من خطئه؛ لأنّ شيخه أسامة بن زيد يقول: سمعت من أهل المجلس القاسم بن محمد وسالمًا يقولان: بلغ ذلك، فجعله يحيى بن أيوب مرفوعًا.
وله أسانيد أخرى ذكرها الدارقطني وغيره.
وقد رُوي عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أو غيرها، فقد أدرك الصّلاة". رواه النسائيّ (٥٥٧)، وابن ماجه (١١٢٣)، والدارقطني (١٦٠٦) من طريق بقية، عن يونس بن يزيد الأيلي، قال: حدثني الزّهري، عن سالم، عن أبيه، فذكره.
وبقية مدلِّس، وقد صرَّح بالتحديث في رواية ابن ماجه، ولكن وقع فيه خطأ كما قال أبو حاتم: "هذا خطأ، إنما هو الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ " العلل (١/ ٢١٠).
وقال أيضًا في موضع آخر (١/ ١٨١): "هذا حديث منكر".
ثم رُوي مرسلًا وموقوفًا. وصوَّب الدّارقطني وقفه. العلل له (١٢/ ٣٤٧)، وكذا في التلخيص أيضًا (٢/ ٤١).
فالصّواب أنّه من حديث أبي هريرة باللّفظ الأوّل، وأخطأ يحيى بن أيوب فذكره باللّفظ الثاني، والصّواب فيه أنه من حديث ابن عمر إلا أنه موقوف على سالم.
وقد قال بعض أهل العلم: "ثبوت لفظ "الجمعة" في حديث أبي هريرة فيه نظر، والصّحيح ما في الصحيحين: "من أدرك ركعة من الصّلاة، فقد أدرك الصّلاة" عامة، يدخل فيه الجمعة وغيرها.
стр. 2053
وروى مالكٌ في الجمعة (١١) عن ابن شهابٍ أنَّه كان يقول: "من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أُخرى". قال ابن شهابٍ "وهي السنَّة".
فالذي يظهر أنّ لفظ "الجمعة" في هذا الحديث من تفسير الزهري، وليس بمرفوع، وهو تفسير متَّجه. قال أبو بكر بن خزيمة. عقب ذكره الحديثَ بلفظ: "من أدرك من صلاة الجمعة ركعةً فقد أدرك الصلاةَ"- قال: "هذا خبرٌ رُوي على المعنى، لم يُؤَدَّ على لفظ الخبر، ولفظ الخبر: "من أدرك من الصلاة ركعةٌ" فالجمعة من الصلاة أيضًا كما قاله الزهري" انتهى.
وقوله: "وهي السنة" أي أنّ مَنْ أدرك أقلّ من ركعة فليصلِّها ظهرًا، وبه قال جمهور أهل العلم مالك والشافعي وأحمد والثوريّ والأوزاعيّ وغيرهم، وجمع من الصّحابة والتّابعين.
٥ - باب ما جاء في الجمعة في اليوم المطير
• عن ابن عباس، أنَّه خطب في يوم ردْغٍ، فلمَّا بلغَ المؤذِّن: "حيَّ على الصلاةِ" فأمره أن يُنادي: "الصلاةُ في الرحالِ". فنظر القوم بعضهم إلى بعضٍ. فقال: "فعل هذا من هو خير منه، وإنَّها عَزْمُةٌ".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦١٦) ومسلم في صلاة المسافرين (٦٩٩) كلاهما من طريق حمَّاد بن زيدٍ، عن أيوب، وعبد الحميد صاحب الزيادي، وعاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، فذكره. واللفظ للبخاري.
ورواه أيضًا البخاري في الجمعة (٩٠١) ومسلم كلاهما من طريق إسماعيل ابن علية، قال: أخبرني عبد الحميد صاحب الزيادي، قال: حدثنا عبد الحميد بن الحارث ابن عمِّ محمد بن سيرين، قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطيرٍ: "إذا قلتَ: أشهد أنَّ محمدًا رسول الله فلا تقل: حيَّ على الصلاة. قل: صلُّوا في بيوتكم". فكأنَّ الناسَ استنكروا. قال: "فعله من هو خير منِّي، إنَّ الجمعةَ عزْمَة، وإنِّي كرهتُ أن أُحرجَكم فتمشون في الطين والدَّحض. واللفظ للبخاري. ونحوه لفظ مسلم أيضًا.
قوله: "في يوم ردغٍ" الردغُ: الماء والطين.
وقوله: "إنَّ الجمعةَ عزْمةٌ" بإمكان الزاي: أي واجبةٌ متحتّمة، فلو قال المؤذن: "حيَّ على الصلاةِ" لكُلِّفتم المجيءَ إليها ولحقتكم المشقَّة.
وقوله: "في الطين والدَّحض" -بإسكان الحاء المهملة وبعدها ضاد معجمة- والدَّحض: الزلل والزلق.
والردغ -بفتح الراء، وإسكان الدال المهملة، بعدها غين معجمة- بمعنى الدحض. ورواه بعض رواة مسلم: "رزغ" -بالزاي- وهو الصحيح أيضًا، وهو بمعنى الردغ، وقيل: هو المطر
стр. 2054
الذي يُبِلُّ وجهَ الأرض.
ومضى الحديث في كتاب الصلاة، باب الرخصة في ترك الجماعة عند المطر والعذر. وقد سبق فيه حديث أبي المليح.
٦ - باب ما يُقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة
• عن أبي هريرةَ قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الجمعة في صلاة الفجر: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢]. و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١].
متفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (٨٩١) ومسلم في الجمعة (٨٨٠) كلاهما من حديث سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، فذكره.
• عن ابن عباس أنَّ النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢]. و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]. وأنَّ النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعةِ سورة الجمعة والمنافقين.
صحيحٌ: رواه مسلم في الجمعة (٨٧٩) من طرق عن مُخَوَّل بن راشد، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
ورُوي مثله من حديث ابن مسعود، ولا يصحُّ. رواه الطبراني في الأوسط (٩٥٨ - مجمع البحرين). وفيه شيخ الطبراني محمد بن بشر بن يوسف الأموي الدمشقي، لم أقف على توثيق فيه ولا جرح، وفيه أيضًا الوليد بن مسلم، وهو مشهور بتدليس التسوية، ولم يُصرِّح في جميع الإسناد، وأبو إسحاق السبيعي أيضًا مدلِّس، وقد عنعن. والله أعلم.
وأمَّا ما رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ٢٠١) من طريق سعيد بن سماك بن حربٍ، حدَّثني أبي، لا أعلمه إلَّا عن جابر بن سمرةَ قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وكان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين. فهو ضعيفٌ جدًّا؛ فإنَّ سعيد بن سماك متروك الحديثِ، وأبوه سماك بن حرب صدوقٌ تغيَّر بآخره، وكان يتلقَّن. انظر للمزيد "المنة الكبرى" (٢/ ٢٢٥).
٧ - باب ما يقرأ في صلاة الجمعة والعيدين
• عن النعمان بن بشير قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١].
قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحدٍ يقرأ بهما أيضًا في الصّلاتين.
صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٧٨) من طريق إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير، عن النعمان بن بشير، فذكره.
стр. 2055
وفي رواية: كتب الضحاك بن قيس إلى النعمان بن بشير يسأله: أي شيءٍ قرأ رسول الله ﷺ يوم الجمعة سوى سورة الجمعة؟ فقال: كان يقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾.
• عن أبي رافع، قال: استخلف مروانُ أبا هريرةَ على المدينةِ، وخرج إلى مكَّةَ، فصلَّى لنا أبو هريرة الجمعةَ فقرأ بعد سورةِ الجمعةِ في الركعةِ الأخيرةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾. قال: فأدركتُ أبا هريرةَ حينَ انصرف فقلتُ له: إنَّك قرأتَ بسورتين كان علي بن أبي طالبٍ يقرأ بهما في الكوفةِ. فقال أبو هريرةَ: إنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقرأُ بهما يومَ الجمعةِ.
صحيحٌ: رواه مسلم في الجمعةِ (٨٧٧) عن عبد الله بن مَسلَمة، حدَّثنا سليمان (هو ابن بلال) عن جعفر، عن أبيه، عن أبي رافعٍ، فذكره.
وفي رواية: عن عبد الله بن أبي رافع، عن أبي هريرة: فقرأ بسورة الجمعة في السجدة الأولى، وفي الآخرة: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾.
• عن أبي هريرةَ: كان رسول الله ﷺ مما يقرأ في صلاة الجمعة بالجمعة، فيحرض به المؤمنين، وفي الثانية بسورة المنافقين، فيقرع به المنافقين.
حسنٌ: رواه الطبراني في الأوسط (٩٩٤ - مجمع البحرين): حدثنا الوليد بن أبان، ثنا محمد ابن عمَّار الرازي، ثنا عبد الصمد بن عبد العزيز، ثنا عمرو بن أبي قيس، عن منصور، عن أبي جعفر، عن أبي هريرة، فذكره.
قال الهيثمي: "إسناده حسنٌ". وهو كما قال.
• عن سمرة بن جندب، أنَّ رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١].
صحيح: رواه أبو داود (١١٢٥) والنسائي (١٤٢٢) كلاهما من طريق شعبة، عن معبد بن خالد، عن زيد بن عقبة، عن سمرة بن جندب، فذكره.
وإسناده صحيح، وصحَّحه ابن خزيمة (١٨٤٧) وابن حبان (٢٧٩٧) فروياه من طريق شعبة به.
٨ - باب الجمعة في القرى
• عن ابن عباس أنَّه قال: إنَّ أوَّل جمعةٍ جُمِّعت بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بجُواثى من البحرين.
صحيح: رواه البخاري في الجمعة (٨٩٢) من طريق إبراهيم بن طهمان، عن أبي حمزة الضُبَعي، عن ابن عباس.
стр. 2056
قوله: "بجُواثى" كذا ورد في البخاري، وفي رواية أبي داود (١٠٦٨): "بجوثاء قرية من قرى البحرين".
انظر أقوال أهل العلم وأدلَّتهم ومناقشاتهم في إقامة الجمعة في القرى في "المنة الكبرى" (٢/ ١٨٤).
٩ - باب الأذان يوم الجمعة ِ
• عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوَّلُه إذا جلس الإمام على المنبر، على عهد النبيِّ ﷺ ، وأبي بكر، وعمر ﵄، فلمَّا كان عثمان ﵁، وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزّوراء.
صحيح: أخرجه البخاري في الجمعة (٩١٢) عن آدم، ثنا ابن أبي ذئبٍ، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، فذكره.
ورواه البخاري (٩١٦) من وجهٍ آخر عن الزهري، وزاد في آخره: "فثبت الأمر على ذلك".
وفي رواية لأبي داود (١٠٨٩): "لم يكن لرسول الله ﷺ إلَّا مؤذِّنٌ واحدٌ؛ بلالٌ".
قوله: "النداء الثالث". وفي رواية: "التأذين الثاني". وفي رواية أُخرى: "زاد الأذان الأول".
فمن قال: "الثالث". أراد به الأذان الذي زاده عثمان، والأذان الذي يكون عند جلوس الإمام على المنبر، ثمَّ الإقامة.
ومن قال: "التأذين الثاني". ليس مراده الثاني في الرتبةِ، وإنَّما المقصود منه الزيادة على الأول.
ومن قال: "الأذان الأول". أراد الأول في الرتبة.
وقوله: "ثبت الأمر على ذلك": أي لم يُنِكر أحدٌ من الصّحابة على زيارته الأذان الأوَّل، واستمرَّ العمل عليه.
وقوله: "على الزوراء". الزوراء: اسم لدارٍ كانت في سوق المدينة، ورد بيان ذلك في رواية ابن ماجه (١١٣٥) وابن خزيمة (١٨٣٧)، حيث ورد فيهما: "زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها: الزوراء".
١٠ - باب تحية المسجد لمن دخل والإمام يخطب
• عن جابر، قال: دخل رجل المسجد ورسولُ الله ﷺ يخطب يوم الجمعة فقال: "صلَّيتَ؟ ". قال: لا. قال: "قم فصلِّ ركعتين".
وفي روايةٍ: أنَّ النبي ﷺ قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليصل ركعتين".
وفي رواية أخرى: عن جابر أنَّه قال: جاء سُليك الغَطَفاني يوم الجمعة ورسول الله
стр. 2057
- ﷺ قاعد على المنبر، فقعد سُليك قبل أن يصلِّي، فقال له النبي ﷺ : "أركعتَ ركعتين؟ " قال: لا. قال: "قم فاركعهما".
وفي رواية: "يا سُلَيك! قم فاركع ركعتين وتجوَّز فيهما". ثمَّ قال ﷺ : "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين، وليتجوَّز فيهما".
متفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (٩٣١) ومسلم في الجمعة (٨٧٥) كلاهما من طريق عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، فذكر الحديثَ.
والرواية الثانية أخرجها مسلم من طريق شعبة، عن عمرو.
والرواية الثالثة أخرجها أيضًا من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن جابر.
والرواية الرابعة أخرجها مسلمٌ أيضًا من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله.
وقد رُوي هذا الحديث عن جابر، عن سُلَيك قال، قال رسول الله ﷺ : "إذا جاء أحدكم إلى الجمعة والإمام يخطب، فليصل ركعتين خفيفتين".
هكذا أخرجه أحمد (١٥١٨٠) عن عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن سُلَيك.
وذكر سُلَيك في هذا الإسناد وهمٌ، والصحيح أنَّ هذا الحديث من مسند جابر، كما أخرجه الشيخان، لا من مسند سُليك. وقد أشار البخاري إلى هذه العلَّةِ فقال: "قال بعضهم: عن جابر، عن سُليك، عن النبي ﷺ ، ولا يصحُّ". يعني والله أعلم: لا يصحُّ من مسند سُلَيكٍ. وإنَّما هي قصَّة السُّليك، حكاها جابر، وحكى فيها قول النبي ﷺ ، عن النبيِّ ﷺ بلا واسطة.
وهذه المسألة ذكرتُها مفصلة في "المنة الكبرى".
• عن أبي هريرةَ وجابر بن عبد الله ﵄ قالا: جاء سُلَيك الغَطَفاني ورسول الله ﷺ يخطب فقال له: "صلَّيتَ شيئًا؟ ". قال: لا. قال: "صلِّ ركعتين وتجوَّز فيهما".
صحيحٌ: رواه أبو داود (١١١٦) وابن ماجه (١١١٤) كلاهما من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ.
وعن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر. فذكر الحديثَ.
واللفظ لأبي داود، ولفظ ابن ماجه: "أصلَّيت قبل أن تجيء؟ "، وذكره.
وصحَّحه ابن حبَّان (٢٥٠٠)، فرواه من طريق حفص بن غياث به.
وقال: "تفرد به حفص بن غياث، وهو قاضي الكوفة".
стр. 2058
عن أبي سفيان، عن جابر، فهو في صحيح مسلم كما سبق ومن هذا الطريق أخرجه أيضًا ابن خزيمة (١٨٣٥).
• عن عياض بن عبد الله بن أبي سَرْحٍ، أنَّ أبا سعيد الخدري دخل يوم الجمعة ومروان يخطب، فقام يصلِّي، فجاء الحرس ليُجلِسوه فأبي حتَّى صلَّى، فلمَّا انصرف أتيناه فقلنا: رحِمك الله! إن كادوا لَيقعوا بك، فقال: ما كنت لأتركها بعد شيءٍ رأيته من رسول الله ﷺ . ثمَّ ذكر أنَّ رجلًا جاء يوم الجمعة في هيئةٍ بذَّة، والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فأمره فصلَّى ركعتين، والنبي ﷺ يخطب.
وزاد في رواية: وحثَّ الناس على الصدقة، فألقوا ثيابًا، فأعطاه منها ثوبين، فلمَّا كانت الجمعة الثانية جاء ورسول الله ﷺ يخطب، فحثَّ الناس على الصدقة. قال: فألقى أحد ثوبيه. فقال رسول الله ﷺ : "جاء هذا يوم الجمعة بهيئة بذَّةٍ، فأمرت الناس بالصدقة، فألقوا ثيابًا فأمرتُ له منها بثوبين، ثمَّ جاء الآن، فأمرت الناس بالصدقة فألقى أحدهما! ". فانتهرَه وقال: "خذ ثوبَك".
حسن: رواه أبو داود (١٦٧٥) والترمذي (٥١١) والنسائي (١٤٠٨) وابن ماجه (١١١٣) كلُّهم من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن عباض بن عبد الله، عن أبي سعيد، فذكر الحديثَ. واللفظ للترمذي، وأمَّا أبو داود وابن ماجه؛ فاختصراه. وأمَّا النسائيَّ؛ فلم يذكر قصة حضور أبي سعيدٍ ومروان يخطب، وزاد في روايته الزيادة المذكورة آنفًا.
وإسناده حسنٌ من أجل محمد بن عجلان المدني؛ فإنَّه "صدوق".
قال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وصحَّحه ابن خزيمة (١٧٩٩) فرواه من هذا الوجه.
قوله: "في هيئةٍ بذَّةٍ": بفتح الموحَّدة، أي: هيئة سيِّئةٍ رثَّةٍ.
١١ - باب ما جاء في التنفُّل بعد الجمعة
• عن عبد الله بن عمر أنَّ رسول الله ﷺ كان يصلِّي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يُصلِّي بعد الجمعة حتَّى ينصرِفَ فيركع ركعتين.
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة في السفر (٦٩) عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
ورواه البخاري في الجمعة (٩٣٧) من طريق عبد الله بن يوسف، قال أخبرنا مالك. ورواه مسلم في الجمعة (٨٨٢/ ٧١) عن يحيى بن يحيى، قال: قرأتُ على مالك.
قال مسلم: قال يحيي: "أظنُّني قرأتُ فيصلِّي، أو البتَّة". أي: أظنُّني قرأتُ في روايتي عن
стр. 2059
مالكٍ: "فيصلي". أو أجزم بذلك. فإنَّ يحيى بن يحيى النيسابوري هذا مع وفرة علمه وحفظه وإمامته كان كثير التشكُّك في الألفاظ لورعه وتقواه، حتَّى كان يُسمَّى الشكَّاك، كما قال القاضي عياض.
وليس هذا يحيى بن يحيى الليثي الذي اشتهرت روايته في المشرق والمغرب، واعتمد عليها ابن عبد البر في شرح الموطَّأ.
• عن عطاء، عن ابن عمر قال: كان إذا كان بمكَّةَ فصلَّى الجمعةَ تقدَّم فصلَّى ركعتين، ثمَّ تقدَّم فصلَّى أربعًا، وإذا كان بالمدينة صلَّى الجمعة ثمَّ رجع إلى بيته فصلَّى ركعتين، ولم يُصلِّ في المسجد، فقيل له، فقال: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك.
وفي رواية: قال عطاء: رأيت ابن عمر يصلِّي بعد الجمعة فيَنْماز عن مصلاه الذي صلَّى الجمعة فيه قليلًا غير كثيرٍ، قال: فيركع ركعتين. قال: ثمَّ يمشي أنفَسَ من ذلك، فيركع أربع ركعات.
قال ابن جريج: قلتُ لعطاء: كم رأيتَ ابن عمر يصنع ذلك؟ قال: مِرارًا.
صحيحٌ: رواه أبو داود (١١٣٠) والترمذي (٥٢٣) كلاهما من طريق عطاء، عن ابن عمر، فذكره. واللفظ لأبي داود، وأمَّا الترمذي فاختصره، قال: "رأيت ابن عمر صلى بعد الجمعة ركعتين، ثمَّ صلَّى بعد ذلك أربعًا".
قلت: إنَّما قصد ابن عمر بيان فعل النبي ﷺ ، وهو: ركعتان بعد الجمعة، أمَّا حديث الأربع ركعات التي كان يصليها، فهو ليس بمرفوع من فعل النبي ﷺ ، وإنَّما كان ذلك من فعل ابن عمر نفسه؛ لإكثاره من النوافل في مكَّةَ، على أنَّ الأئمَّة اختلفوا في عطاءٍ؛ فقالوا: إنَّه لم يسمع من ابن عمر شيئًا، وإنَّما رآه فقط، فقوله: "كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك منقطع، والصواب فيه: رواية ابن جريج بأنَّ ذلك من فعل ابن عمر، لا من فعل رسول الله ﷺ .
والرواية الثانية رواها أبو داود (١١٣٣) من طريق ابن جريج، أخبرني عطاءٌ به.
وقوله: "فينماز": انماز عن مكانه: أي فارقه. أراد: أنَّه تحوَّلَ عن موضعه الذي صلَّى فيه. وقوله: "أنفس من ذلك": أي أبعد منه بقليلٍ.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلَّى أحدكم الجمعة فليصلِّ بعدها أربعًا".
وفي رواية: "إذا صليتم الجمعةَ فصلُّوا أربعًا".
صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٨١) من طريق خالد بن عبد الله، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديثَ.
والرّواية الثانية أخرجها مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبةَ، وعَمرو الناقد، كلاهما عن عبد الله بن
стр. 2060
إدريس، عن سُهيل.
قال مسلم: زاد عمرو في روايته: قال ابن إدريس: قال سُهيل: "فإن عجل بك شيءٌ فصلِّ ركعتين في المسجد، وركعتين إذا رجعتَ".
• عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي بثلاثٍ لا أدعُهُنَّ في سفرٍ ولا حضرٍ: نومٍ على وترٍ، وصيام ثلاثة أيامٍ من كل شهر، وركعتين بعد الجمعة.
ثمَّ إنَّ أبا هريرةَ جعل بعدُ: "ركعتين بعد الجمعة"، "ركعتي الضحى".
حسنٌ: رواه الطبراني في الأوسط (٩٩٧ - مجمع البحرين) من طريق عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خِلاس بن عمرو، عن أبي هريرةَ، فذكره.
وإسناده حسن، من أجل عبد الوهاب، فإنَّه صدوق.
وقوله: "ثم إنَّ أبا هريرة .... " الظاهر أنَّه من كلام خلاسٍ الراوي عن أبي هريرةَ، وهذا يدلُّ على حفظه لما رواه عن أبي هريرةَ، فكأنَّ أبا هريرةَ كان متردِّدًا في هذا ثمَّ ثبتَ بعدُ على ذكر ركعتي الضحى بدلَ "ركعتين بعد الجمعة".
وقد أخرج الشيخان هذا الحديث عن أبي هريرةَ بذكر ركعتي الضحى، ولفظه عندهما: "أوصاني خليلي بثلاثٍ لا أدعهنَّ حتَّى أموتَ: صوم ثلاثة أيام من كلِّ شهرٍ، وصلاة الضحى، ونومٍ على وِترٍ".
وقد ذكرناه في كتاب صلاة الضحى ولله الحمد والمنَّة.
وأمَّا ما رُوي عن جابر بن عبد الله، قال: أتى رسول الله ﷺ بني عمرو بن عوف يوم الأربعاء، فرأى أشياء لم يكن رآها قبل ذلك من حضنه على النخيل، فقال: "لو أنَّكم إذا جئتم عيدكم مكثتم حتَّى تسمعوا من قولي"، فقالوا: نعم بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله! . قال: فلما حضروا يوم الجمعة صلى بهم رسول الله ﷺ الجمعة، ثمَّ صلَّى ركعتين بعد الجمعة في المسجد، ولم يُر يصلي الجمعة يوم الجمعة ركعتين في المسجد، كان ينصرف إلى بيته قبل ذلك اليوم. فذكر الحديث. (أي حديث ابن عمر). فهو ضعيف.
رواه ابن خزيمة (١٨٧٢) وعنه ابن حبان (٢٤٨٤) عن علي بن حجر، ثنا عاصم بن سويد بن عامر، عن محمد بن موسى بن الحارث التيمي، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، فذكر مثله.
وفيه عاصم بن سويد، وشيخه محمد بن موسى وأبوه لا يُعرفون، وإنما ذكرهم ابن حبان في ثقاته.
وقال أبو حاتم في عاصم بن سويد: "شيخ محله الصدق، روى حديثين منكرين". وقال يحيي: ولا أعرفه". الجرح والتعديل (٦/ ٣٤٤).
وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٢٨) بعد أن عزاء إلى البزار "كشف الأستار" (٩٥١): "فيه جماعة لم أعرفهم".
стр. 2061
١٢ - باب الفصل بين الفريضة والنّافلة بالتحوُّل أو بالكلام ونحوهما
• عن عمر بن عطاء بن أبي الخوار، أنَّ نافع بن جبير أرسله إلى السائب ابن أخت نمر يسأله عن شيءٍ رآه منه معاوية في الصلاة، فقال: نعم. صلَّيتُ معه الجمعة في المقصورة، فلمَّا سلَّم الإمام قمت في مقامي فصليت. فلمَّا دخل أرسل إليَّ فقال: لا تعد لما فعلتَ، فإذا صلَّيتَ الجمعة فلا تصلها بصلاةٍ حتَّى تكلَّمَ أو تخرجَ؛ فإنَّ رسول الله ﷺ أمرنا بذلك، ألَّا توصل صلاةٌ بصلاةٍ حتَّى نتكلَّم أو نخرجَ.
صحيحٌ: رواه مسلم في الجمعة (٨٨٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن غندر، عن ابن جريج، قال: أخرني عمر بن عطاء بن أبي الخوار، فذكره.
• عن ابن عمر، أنَّه رأى رجلًا يصلي ركعتين يوم الجمعة في مقامه، فدفعه وقال: أتصلِّي الجمعة أربعًا؟ !
وكان عبد الله يصلِّي يوم الجمعة ركعتين في بيته، ويقول: هكذا فعل رسول الله ﷺ .
صحيح: رواه أبو داود (١١٢٧) من طرق عن حماد بن زيد، ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجا المرفوع منه، كما سبق.
وفي رواية: كان ابن عمر يُطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلي بعدها ركعتين في بيته، ويُحدِّث أنَّ رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك.
رواه أبو داود (١١٢٨) من طريق مسدَّد، ثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب به.
وصححه ابن خزيمة (١٨٣٦) فأخرجه من طرق عن إسماعيل به.
١٣ - باب تحريم إقامة الرجل أخاه من مجلسه الذي سبق إليه في يوم الجمعة
• عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُقيمَ الرجلُ الرجلَ من مقعده، ثمَّ يجلس فيه. قيل لنافعٍ: في الجمعة؟ قال: في الجمعة وغيرها.
متَّفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (٩١١) ومسلم في السلام (٢١٧٧) من طرق عن نافعٍ، عن ابن عمر، فذكر الحديثَ.
• عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "لا يُقيمنَّ أحدكم أخاه يوم الجمعة ثمَّ لِيُخالف إلى مقعده، فيقعد فيه، ولكن يقول: افسحوا".
صحيح رواه مسلم في السلام (٢١٧٨) من طريق معقل بن عبيد الله، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكر الحديث.
стр. 2062
١٤ - باب استحباب الاقتراب من الإمام عند الخُطبة
• عن سمرة بن جُندب، أنَّ نبيَّ الله ﷺ قال: "احضروا الذكرَ، وادنوا من الإمامِ، فإنَّ الرجلَ لا يزال يتباعد حتَّى يؤخَّر في الجنَّة وإن دخلها".
صحيح: رواه أبو داود (١١٠٨): ثنا علي بن عبد الله، ثنا معاذ بن هشام، قال: وجدتُ في كتاب أبي بخطِّ يده، ولم أسمعه منه: قال قتادة، عن يحيى بن مالك، عن سمرة بن جندب، فذكره.
وصحَّحه الحاكم (١/ ٢٨٩) فرواه من هذا الوجه، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يُخرجاه".
ورواه الطبراني في "الأوسط" (٩٧٧ - مجمع البحرين) من وجهٍ آخر عن سمرة بن جندب، ولفظه: "احضروا الجمعة وادنوا من الإمام ... " وذكر باقيه.
قال الهيثمي: "فيه الحكم بن عبد الملك وهو ضعيفٌ".
١٥ - باب النهي عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر، ونهى عن التحلُّق قبل الصلاة يوم الجمعة".
حسنٌ: رواه أبو داود (١٠٧٩) عن مسدَّد، حدَّثنا يحيى، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه. فذكر مثلَه.
ورواه الترمذي (٣٢٢) والنسائي (٧١٦) كلاهما عن قتيبة، حدَّثنا الليث، عن ابن عجلان به.
ولم يذكر الترمذي إنشاد الضالَّة، كما أنَّ النسائي رواه مختصرًا مقتصرًا على النهي عن تناشد الأشعار في المسجد.
ورواه ابن ماجه (٧٤٩) من وجه آخر عن أبي خالدٍ الأحمر، عن ابن عجلان، وذكر فيه النهي عن البيع والابتياع، وعن تناشد الأشعار في المساجد.
وإسناده حسن؛ لأجل ابن عجلان، وعمرو بن شعيب، فإنَّهما صدوقان.
وحسَّنه أيضًا الترمذي، وصحَّحه ابن خزيمة (١٣٠٦) فرواه من حديث أبي خالدٍ تمام الحديث، مثل حديث يحيى.
١٦ - باب ما ورد في الاحتباء والإمام يخطب
• عن معاذ بن أنس بن مالك، أنَّ رسولَ الله ﷺ نهى عن الحُبوَة يوم الجمعة والإمام يخطب.
стр. 2063
حسن: رواه أبو داود (١١١٠) والترمذي (٥١٤) كلاهما من طريق عبد الله بن يزيد المُقرئ، ثنا سعيد بن أبي أيُّوب، عن أبي مرحوم، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، فذكر الحديثَ.
وإسناده حسن؛ من أجل أبي مرحوم (واسمه: عبد الرحيم بن ميمون المدني) فإنَّه مختلف فيه، غير أنَّه حسن الحديث. وسهل بن معاذ لا بأس به. قال الترمذي: "هذا حديث حسن". وصحَّحه ابن خُزيمة (١٨١٥) والحاكم (١/ ٢٨٩) فرويأه من هذا الوجه. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه".
قوله: "نهى عن الحُبوَة" يقال: حِبوة، بكسر الحاء، وحُبوة، بضمِّها، والكسرُ أعلى. والاحتباء هو أن يجمع ظهره ورجليه بثوبٍ. قاله الخطَّابي في "غريب الحديثِ" (٣/ ٣٧، ٣٨).
أما ما رواه أبو داود (١١١١) عن يعلى بن شدَّاد بن أوسٍ أنَّه قال: "شهِدتُ مع معاوية بيت المقدِس، فجمَّع بنا، فنظرتُ فإذا جلُّ من في المسجد أصحاب النبي ﷺ ، فرأيتهم محتبين والإمام يخطب". فهو ضعيفٌ؛ تفرَّد به خالد بن حيَّان الرقي، عن سليمان بن عبد الله بن الزبرقان، عن يعلى بن شدَّاد.
وابن الزبرقان لم يوثقه إلَّا ابن حبان، ولم يرو عنه إلَّا الرقي، والرقي مختلَفٌ فيه، وقال الحافظ: "صدوق يُخطئ". وقال في ابن الزبرقان: "ليِّنُ الحديثِ".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن عمر أنَّه كان يَحتبي والإمام يخطب".
رواه البيهقي (٣/ ٢٣٥)، وفي إسناده أيوب بن سويد، وهو ضعيفٌ؛ ضعَّفه أحمد وغيره. ورُوي نحوه عن غيره من الصحابة، وليس فيها شيءٌ ثابت.
١٧ - باب من نَعَس يوم الجمعة فليتحوَّلْ من مجلسه
• عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إذا نعس أحدكم يوم الجمعة فليتحوَّل من مجلسه ذلك".
حسن: رواه أبو داود (١١١٩) والترمذي (٥٢٦) كلاهما من طريق محمد بن إسحاق، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، فذكره.
واللفظ للترمذي، وليس في أبي داود ذكر الجمعة.
وإسناده حسن، من أجل ابن إسحاق؛ فهو صدوق حسن الحديث إذا صرَّح بالسماع، وقد صرَّح بالتحديث عند الإمام أحمد (٦١٨٧) فزالت بذلك شبهة تدليسه. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وصحَّحه ابن خزيمة (١٨١٩) وابن حبان (٢٧٩٢) والحاكم (١/ ٢٩١) فرووه من طرق عن ابن إسحاق، عن نافع به. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يُخرجاه".
ورواه البيهقي (٣/ ٢٣٧) من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن ابن عمر نحوه مرفوعًا. وهذه متابعة جيِّدة لابن إسحاق.
стр. 2064
ورواه البيهقي من طريق الربيع بن سليمان، عن الشافعي، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، قال: "يقول للرجل إذا نعس يوم الجمعة والإمام يخطب أن يتحوَّلَ منه".
واختلف العلماء في هذا الحديثِ؛ فذهب الجمهور إلى تصحيحه مرفوعًا.
وقال ابن المديني: "نظرت في كتاب ابن إسحاق، فما وجدتُ عليه إلَّا في حديثين، ومن الممكن أن يكونا صحيحين". هكذا نقل عنه البخاري (كما في تهذيب الكمال: ٦/ ٢٢٤). ونقل عنه يعقوب بن سفيان الفَسوي، قال: "لم أجد لابن إسحاق إلَّا حديثين منكرين ... ". فذكر هذا الحديث، وحديثًا آخر، وكذلك ذهب البيهقي إلى إعلال هذا الحديث، فقال: "لا يثبُت رفع هذا الحديث، والمشهور عن ابن عمر من قوله".
وتعقَّبه ابن التركماني قائلًا: "الرفع زيادة ثقة، وقد رُوِيت من وجهين، فوجب الحكم لها .... ". انتهى باختصار.
وقد سبق أنَّه صحَّحه كلٌّ من الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، فأقلُّ أحواله أن يكون حسنًا؛ لأنَّ ابن إسحاق قد صرَّح بالتحديثِ، وابن المديني مع أنَّه ممن يرى تعليلَ هذا الحديث لكن أشار إلى أنَّه يمكن أن يكون صحيحًا، كما سبق نقل ذلك عنه. والله أعلم.
• * *
стр. 2065
الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل
المرتب على أبواب الفقه [٤]
تأليف
أ. د. أبي أحمد محمد عبد الله الأعظمي المعروف بـ «الضياء»
أستاذ الحديث الشريف وعميد كلية الحديث بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة سابقًا والمدرس في المسجد النبوي
стр. 2066
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(ح) محمد عبد اللَّه عبد الرحمن الأعظمي ١٤٣٦ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الأعظمي، محمد عبد اللَّه عبد الرحمن
الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل / محمد عبد اللَّه عبد الرحمن الأعظمي - الرياض ١٤٣٦ هـ
(١٢ مج)
ردمك:
٨ - ٩٢٦١ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة)
٦ - ٩٢٦٥ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٤)
١ - الحديث الصحيح ... أ- العنوان
ديوي ٢٣٥.١ ... ٨٨٤٠/ ١٤٣٦ هـ
رقم الإيداع: ٨٨٤٠/ ١٤٣٦ هـ
ردمك:
٨ - ٩٢٦١ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة)
٦ - ٩٢٦٥ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٤)
طبعة أولى: ربيع الثاني ١٤٣٧ هـ - يناير ٢٠١٦ م
стр. 2067
الجَامِعُ الكَامِلُ في الحَدِيثِ الصَّحيحِ الشَّامل
[٤]
стр. 2068
جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
دار السلام للنشر والتوزيع
شارع الأمير عبد العزيز بن جلوي (الضباب سابقًا) مقابل الغرفة التجارية
المملكة العربية السعودية ص. ب: ٢٢٧٤٣ - الرياض ١١٤١٦
هاتف: ٤٠٣٣٩٦٢ - ٤٠٤٣٤٣٢ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - - فاكس: ٤٠٢١٦٥٩ - ١١ - ٠٠٩٦٦
www.darussalampublishers.com
E-Mail: darussalam@awalnet.net.sa
E-Mail: riyadh@dar-us-salam.com
العليا: تليفون: ٤٦١٤٤٨٣ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٤٦٤٤٩٤٥
الملز: تليفون: ٤٧٣٥٢٢٠ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٤٧٣٥٢٢١
السويلم: تليفون: ٢٨٦٠٤٢٢ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٢٨٦٠٤٢٢
السويدي: تليفون: ٤٢٨٦٦٤١ - ١١ - ٠٠٩٦٦
جدة: تليفون: ٦٨٧٩٢٥٤ - ٢ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٦٣٣٦٢٧٠
الخبر: تليفون: ٨٦٩٢٩٠٠ - ٣ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٨٦٩١٥٥١
المدينة المنورة: تليفون: ٨٤٥٩٢٦٦ - ١٤ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٨٥٥٠١١٩ - ٠١٤
خميس مشيط: تليفون: ٢٣٨٨٦٢٠ - ٠١٧ - ٠٠٩٦٦ - جوال: ٠٥٠٠٧١٠٣٢٨
ينبع البحر: تليفون: ٥٠٠٨٨٧٣٤١ - ٠٠٩٦٦
الكويت: تليفون: ٠٠٩٦٥٩٩٦٠٠٨٤٥
الشارقة: تليفون: ٥٦٣٢٦٢٣ - ٦ - ٠٠٩٧١ - فاكس: ٥٦٣٢٦٢٤
لندن: تليفون: ٥٣٩٤٨٨٥ - ٢٠٨ - ٠٠٤٤ - فاكس: ٥٣٩٤٨٨٩ - ٢٠٨
نيويورك: تليفون: ٦٢٥٥٩٢٥ - ٧١٨ - ٠٠١ - فاكس: ٦٢٥١٥١١ - ٧١٨
سيدني أستراليا: تليفون: ٩٧٤٠٧١٨٨ - ٢ - ٠٠٦١ - فاكس: ٩٧٤٠٧١٩٩ - ٢
فرنسا: تليفون: ٨٤٠٥٢٩٢٨ - ٠١ - ٠٠٣٣ - ٤٨٠٥٢٩٩٧ - ٠١ - ٠٠٣٣
هيوستن: تليفون: ٧٢٢٠٤١٩ - ٧١٣ - ٠٠١ - فاكس: ٧٢٢٠٤٣١
ماليزيا: تليفون: ١٩٢٣٦٢٤٢٣ - ٠٠٦٠ - ٣٧٩٥٦٤٦٦٤ - ٠٠٦٠
لاهور باكستان: تليفون: ٧٢٤٠٠٢٤ - ٤٢ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٧٣٥٤٠٧٢
كراتشي باكستان: تليفون: ٤٣٩٣٩٣٦ - ٢١ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٤٣٩٣٩٣٧
إسلام آباد باكستان: تليفون: ٢٥٠٠٢٣٧ - ٥١ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٥١٢٢٨١٥١٣
انتريو كندا: تليفون: ٤٠١١١٥٠ - ٦٤٧ - ٠٠١ - ٦٠٩١٩٣٤ - ٦٤٧ - ٠٠١
стр. 2069
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٣ - كتاب الجنائز
جموع أبواب الصبر على الابتلاءِ والمرضِ
١ - باب من مات له أولادٌ فاحتسبَ دخلَ الجنَّةَ:
• عن أبي سعيد قال: جاءت امرأةٌ إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسولَ اللهِ! ذهب الرجالُ بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيكَ فيه، تُعلِّمنا ممَّا علَّمك اللهُ. فقال: "اجتمعنَ في يوم كذا وكذا، في مكان كذا وكذا". فاجتمَعْنَ، فأتاهنَّ رسولُ الله ﷺ فعلَّمهنَّ ممَّا علَّمه الله، ثمَّ قال: "ما مِنكُنَّ امرأةٌ تقدِّم بين يديها من ولدها ثلاثةً إلَّا كان لها حجابًا من النار". فقالت امرأةٌ منهنَّ: يا رسولَ الله! اثنين؟ قال: فأعادتها مرَّتين. ثمَّ قال: "واثنتين، واثنين، واثنين".
متفق عليه: رواه البخاري في الاعتصام (٧٣١٠) ومسلم في البر والصلة (٢٦٣٣) كلاهما من حديث أبي عوانة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن أبي صالح ذكوان، عن أبي سعيد، فذكره. ولفظهما سواءٌ.
• عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يموت لأحدٍ من المسلمين ثلاثةٌ من الولد فتمسَّه النارُ إلَّا تحلَّة القسم".
وفي رواية: "لا يموت لمسلمٍ ثلاثةٌ من الولدِ فيلِجَ النارَ إلَّا تحلَّةَ القَسَم".
وفي رواية أخرى: "لا يموت لإحداكنَّ ثلاثةٌ من الولد فتحتسبه إلَّا دخلت الجنَّة".
متفق عليه: رواه مالك في الجنائز (٣٨) عن ابن شهابٍ، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرةَ، فذكر الحديثَ.
ورواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٥٦) عن إسماعيل، ومسلم في البر والصلة (٢٦٣٢) عن يحيى بن يحيي كلاهما عن مالكٍ به.
والرواية الثانية رواها البخاري (١٢٥١) ومسلم كلاهما من طريق سفيان، قال: سمعت الزهري، بإسناده.
стр. 2070
قال أبو عبد الله (البخاريّ): ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم ٧١].
والرواية الثالثة عند مسلمٍ من وجهٍ آخر عن أبي هريرةَ.
وقوله: "تحلَّة القسمِ" بفتح التاء، وتشديد اللام، أي: ما ينحلُّ به القَسَم، وهو اليمينُ، وهو مصدر حلَّل اليمينَ، أي: كفَّرها. والمراد منها: التقليل من أمر ورودها كما يُقال: ما ضربته إلَّا تحليلًا. إذا لم تُبالغ في الضرب. وقالوا: المراد به قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم ٧١]. قال الخطَّابي: "معناه: لا يدخل النارَ ليُعاقَب بها، ولكنَّه يدخلها مجتازًا، ولا يكون ذلك الجواز إلَّا قدر ما يُحلِّل به الرجل يمينَه. وإليه تشير الرواية الثانية: "إلَّا تحلَّة القسم".
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكن امرأة تُقدِّم ثلاثةً من ولدِها لم يبلغوا الحِنثَ إلَّا كان لها حجابًا من النار". فقالت امرأةٌ: واثنين؟ فقال: "واثنين".
متفق عليه: رواه البخاري في الإيمان (١٠٢) ومسلمٌ في البر والصلة (٢٦٣٤) عن محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر غندر، قال: حدثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، قال: سمعت أبا حازم، عن أبي هريرة، فذكر جزءًا من الحديث، وهو قوله: "ثلاثة لم يبلغوا الحنثَ". وأحالَا على حديث أبي سعيد، وقد استكملتُ حديثَ أبي هريرة من حديثِ أبي سعيد السابق.
والملاحظ في حديث أبي سعيد وأبي هريرة أنَّ شعبةَ يرويه عن عبد الرحمن بن الأصبهاني بإسنادين، فزاد عبد الرحمن بن الأصبهاني في روايته عن أبي حازمٍ: "لم يبلغوا الحِنْثَ".
والمعنى: أنَّهم ماتوا قبل أن يبلغوا؛ لأنَّ الإثمَ إنَّما يُكتَب بعد البلوغ.
• عن أبي هريرةَ أنَّ رسول الله ﷺ قال لنسوةٍ من الأنصارِ: "لا يموتُ لإحداكُنَّ ثلاثةٌ منَ الولدِ فتحتسبه إلَّا دخلت الجنَّة". فقالت امرأةٌ منهنَّ: أو اثنين يا رسولَ الله! قال: "أو اثنين".
صحيحٌ: رواه مسلم في البر والصلة (٢٦٣٢/ ١٥١) عن قتيبة بن سعيدٍ، ثنا عبد العزيز (يعني بن محمد) عن سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكر مثلَه.
• عن أبي حسان، قال: قلت لأبي هريرة: إنَّه قد مات لي ابنان فما أنت مُحدِّثي عن رسول الله ﷺ بحديث تُطيِّب أنفسنا عن موتانا؟ قال: قال: نعم "صغارهم دعاميص الجنة، يتلقَّى أحدهم أباه، أو قال: أبويه، فيأخذ بثوبه، أو قال: بيده كما آخذ أنا بِصَنِفة ثوبك هذا، فلا يتناهي، أو قال: فلا ينتهي حتَّى يُدخِلَه الله وأباه الجنَّة".
وفي رواية سويد قال: حدَّثنا أبو السليل. وحدَّثنيه عبيد الله بن سعيد، حدثنا يحيي (يعني بن سعيد) عن التيمي بهذا الإسناد، وقال: هل سمعتَ من رسول الله ﷺ شيئًا تُطيِّب به أنفسنا عن موتانا؟ قال: نعم.
следующие страницы →