Полный текст (8 687 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(ح) محمد عبد اللَّه عبد الرحمن الأعظمي ١٤٣٦ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الأعظمي، محمد عبد اللَّه عبد الرحمن
الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل / محمد عبد اللَّه عبد الرحمن الأعظمي - الرياض ١٤٣٦ هـ
(١٢ مج)
ردمك:
٨ - ٩٢٦١ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة)
٦ - ٩٢٦٥ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٤)
١ - الحديث الصحيح ... أ- العنوان
ديوي ٢٣٥.١ ... ٨٨٤٠/ ١٤٣٦ هـ
رقم الإيداع: ٨٨٤٠/ ١٤٣٦ هـ
ردمك:
٨ - ٩٢٦١ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة)
٦ - ٩٢٦٥ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٤)
طبعة أولى: ربيع الثاني ١٤٣٧ هـ - يناير ٢٠١٦ م
стр. 2067
الجَامِعُ الكَامِلُ في الحَدِيثِ الصَّحيحِ الشَّامل
[٤]
стр. 2068
جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
دار السلام للنشر والتوزيع
شارع الأمير عبد العزيز بن جلوي (الضباب سابقًا) مقابل الغرفة التجارية
المملكة العربية السعودية ص. ب: ٢٢٧٤٣ - الرياض ١١٤١٦
هاتف: ٤٠٣٣٩٦٢ - ٤٠٤٣٤٣٢ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - - فاكس: ٤٠٢١٦٥٩ - ١١ - ٠٠٩٦٦
www.darussalampublishers.com
E-Mail: darussalam@awalnet.net.sa
E-Mail: riyadh@dar-us-salam.com
العليا: تليفون: ٤٦١٤٤٨٣ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٤٦٤٤٩٤٥
الملز: تليفون: ٤٧٣٥٢٢٠ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٤٧٣٥٢٢١
السويلم: تليفون: ٢٨٦٠٤٢٢ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٢٨٦٠٤٢٢
السويدي: تليفون: ٤٢٨٦٦٤١ - ١١ - ٠٠٩٦٦
جدة: تليفون: ٦٨٧٩٢٥٤ - ٢ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٦٣٣٦٢٧٠
الخبر: تليفون: ٨٦٩٢٩٠٠ - ٣ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٨٦٩١٥٥١
المدينة المنورة: تليفون: ٨٤٥٩٢٦٦ - ١٤ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٨٥٥٠١١٩ - ٠١٤
خميس مشيط: تليفون: ٢٣٨٨٦٢٠ - ٠١٧ - ٠٠٩٦٦ - جوال: ٠٥٠٠٧١٠٣٢٨
ينبع البحر: تليفون: ٥٠٠٨٨٧٣٤١ - ٠٠٩٦٦
الكويت: تليفون: ٠٠٩٦٥٩٩٦٠٠٨٤٥
الشارقة: تليفون: ٥٦٣٢٦٢٣ - ٦ - ٠٠٩٧١ - فاكس: ٥٦٣٢٦٢٤
لندن: تليفون: ٥٣٩٤٨٨٥ - ٢٠٨ - ٠٠٤٤ - فاكس: ٥٣٩٤٨٨٩ - ٢٠٨
نيويورك: تليفون: ٦٢٥٥٩٢٥ - ٧١٨ - ٠٠١ - فاكس: ٦٢٥١٥١١ - ٧١٨
سيدني أستراليا: تليفون: ٩٧٤٠٧١٨٨ - ٢ - ٠٠٦١ - فاكس: ٩٧٤٠٧١٩٩ - ٢
فرنسا: تليفون: ٨٤٠٥٢٩٢٨ - ٠١ - ٠٠٣٣ - ٤٨٠٥٢٩٩٧ - ٠١ - ٠٠٣٣
هيوستن: تليفون: ٧٢٢٠٤١٩ - ٧١٣ - ٠٠١ - فاكس: ٧٢٢٠٤٣١
ماليزيا: تليفون: ١٩٢٣٦٢٤٢٣ - ٠٠٦٠ - ٣٧٩٥٦٤٦٦٤ - ٠٠٦٠
لاهور باكستان: تليفون: ٧٢٤٠٠٢٤ - ٤٢ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٧٣٥٤٠٧٢
كراتشي باكستان: تليفون: ٤٣٩٣٩٣٦ - ٢١ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٤٣٩٣٩٣٧
إسلام آباد باكستان: تليفون: ٢٥٠٠٢٣٧ - ٥١ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٥١٢٢٨١٥١٣
انتريو كندا: تليفون: ٤٠١١١٥٠ - ٦٤٧ - ٠٠١ - ٦٠٩١٩٣٤ - ٦٤٧ - ٠٠١
стр. 2069
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٣ - كتاب الجنائز
جموع أبواب الصبر على الابتلاءِ والمرضِ
١ - باب من مات له أولادٌ فاحتسبَ دخلَ الجنَّةَ:
• عن أبي سعيد قال: جاءت امرأةٌ إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسولَ اللهِ! ذهب الرجالُ بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيكَ فيه، تُعلِّمنا ممَّا علَّمك اللهُ. فقال: "اجتمعنَ في يوم كذا وكذا، في مكان كذا وكذا". فاجتمَعْنَ، فأتاهنَّ رسولُ الله ﷺ فعلَّمهنَّ ممَّا علَّمه الله، ثمَّ قال: "ما مِنكُنَّ امرأةٌ تقدِّم بين يديها من ولدها ثلاثةً إلَّا كان لها حجابًا من النار". فقالت امرأةٌ منهنَّ: يا رسولَ الله! اثنين؟ قال: فأعادتها مرَّتين. ثمَّ قال: "واثنتين، واثنين، واثنين".
متفق عليه: رواه البخاري في الاعتصام (٧٣١٠) ومسلم في البر والصلة (٢٦٣٣) كلاهما من حديث أبي عوانة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن أبي صالح ذكوان، عن أبي سعيد، فذكره. ولفظهما سواءٌ.
• عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يموت لأحدٍ من المسلمين ثلاثةٌ من الولد فتمسَّه النارُ إلَّا تحلَّة القسم".
وفي رواية: "لا يموت لمسلمٍ ثلاثةٌ من الولدِ فيلِجَ النارَ إلَّا تحلَّةَ القَسَم".
وفي رواية أخرى: "لا يموت لإحداكنَّ ثلاثةٌ من الولد فتحتسبه إلَّا دخلت الجنَّة".
متفق عليه: رواه مالك في الجنائز (٣٨) عن ابن شهابٍ، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرةَ، فذكر الحديثَ.
ورواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٥٦) عن إسماعيل، ومسلم في البر والصلة (٢٦٣٢) عن يحيى بن يحيي كلاهما عن مالكٍ به.
والرواية الثانية رواها البخاري (١٢٥١) ومسلم كلاهما من طريق سفيان، قال: سمعت الزهري، بإسناده.
стр. 2070
قال أبو عبد الله (البخاريّ): ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم ٧١].
والرواية الثالثة عند مسلمٍ من وجهٍ آخر عن أبي هريرةَ.
وقوله: "تحلَّة القسمِ" بفتح التاء، وتشديد اللام، أي: ما ينحلُّ به القَسَم، وهو اليمينُ، وهو مصدر حلَّل اليمينَ، أي: كفَّرها. والمراد منها: التقليل من أمر ورودها كما يُقال: ما ضربته إلَّا تحليلًا. إذا لم تُبالغ في الضرب. وقالوا: المراد به قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم ٧١]. قال الخطَّابي: "معناه: لا يدخل النارَ ليُعاقَب بها، ولكنَّه يدخلها مجتازًا، ولا يكون ذلك الجواز إلَّا قدر ما يُحلِّل به الرجل يمينَه. وإليه تشير الرواية الثانية: "إلَّا تحلَّة القسم".
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكن امرأة تُقدِّم ثلاثةً من ولدِها لم يبلغوا الحِنثَ إلَّا كان لها حجابًا من النار". فقالت امرأةٌ: واثنين؟ فقال: "واثنين".
متفق عليه: رواه البخاري في الإيمان (١٠٢) ومسلمٌ في البر والصلة (٢٦٣٤) عن محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر غندر، قال: حدثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، قال: سمعت أبا حازم، عن أبي هريرة، فذكر جزءًا من الحديث، وهو قوله: "ثلاثة لم يبلغوا الحنثَ". وأحالَا على حديث أبي سعيد، وقد استكملتُ حديثَ أبي هريرة من حديثِ أبي سعيد السابق.
والملاحظ في حديث أبي سعيد وأبي هريرة أنَّ شعبةَ يرويه عن عبد الرحمن بن الأصبهاني بإسنادين، فزاد عبد الرحمن بن الأصبهاني في روايته عن أبي حازمٍ: "لم يبلغوا الحِنْثَ".
والمعنى: أنَّهم ماتوا قبل أن يبلغوا؛ لأنَّ الإثمَ إنَّما يُكتَب بعد البلوغ.
• عن أبي هريرةَ أنَّ رسول الله ﷺ قال لنسوةٍ من الأنصارِ: "لا يموتُ لإحداكُنَّ ثلاثةٌ منَ الولدِ فتحتسبه إلَّا دخلت الجنَّة". فقالت امرأةٌ منهنَّ: أو اثنين يا رسولَ الله! قال: "أو اثنين".
صحيحٌ: رواه مسلم في البر والصلة (٢٦٣٢/ ١٥١) عن قتيبة بن سعيدٍ، ثنا عبد العزيز (يعني بن محمد) عن سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكر مثلَه.
• عن أبي حسان، قال: قلت لأبي هريرة: إنَّه قد مات لي ابنان فما أنت مُحدِّثي عن رسول الله ﷺ بحديث تُطيِّب أنفسنا عن موتانا؟ قال: قال: نعم "صغارهم دعاميص الجنة، يتلقَّى أحدهم أباه، أو قال: أبويه، فيأخذ بثوبه، أو قال: بيده كما آخذ أنا بِصَنِفة ثوبك هذا، فلا يتناهي، أو قال: فلا ينتهي حتَّى يُدخِلَه الله وأباه الجنَّة".
وفي رواية سويد قال: حدَّثنا أبو السليل. وحدَّثنيه عبيد الله بن سعيد، حدثنا يحيي (يعني بن سعيد) عن التيمي بهذا الإسناد، وقال: هل سمعتَ من رسول الله ﷺ شيئًا تُطيِّب به أنفسنا عن موتانا؟ قال: نعم.
стр. 2071
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٦٣٥) عن سويد بن سعيد، ومحمد بن عبد الأعلى، قالا: حدَّثنا المعتمر، عن أبيه، عن أبي السليل، عن أبي حسَّان، فذكره.
قوله: "دعاميص" واحد دُعموص، أي: صغار أهلها. وأصل الدُّعموص دَوَيبة تكون في الماء لا تفارقه. أي: أنَّ هذا الصغير في الجنَّة لا يُفارقها.
• عن أبي هريرة قال: أتت امرأةٌ النبيَّ ﷺ بصبيٍّ لها فقالت: يا نبي الله! ادع الله له، فلقد دفنتُ ثلاثةً. قال: "ادفنتِ ثلاثةً؟ " قالت: نعم. قال: "لقد احتظرتِ بحظارٍ شديدٍ من النار".
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٦٣٦) من طرق، عن طلق بن معاوية النخعي، أبي غياث، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، فذكره.
وفي رواية قالت: "يا رسولَ الله! إنَّه يشتكي، وإنِّي أخاف عليه". فذكر بقية القصة.
لعلَّ هذه المرأة هي رجَّاء كما جاء ذكرها في "مسند الإمام أحمد"، في حديث محمد بن سيرين، كما سيأتي.
وأمَّا ما رواه زهير بن أبي علقمة، قال: "جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله ﷺ بابن لها فقالت: يا رسول الله! إنَّه قد مات لي ابنان سوى هذا". فقال النبي ﷺ : "لقد احتظرتِ من دون النار بحظار شديد". فهو مرسلٌ.
رواه البزار (٨٥٨ - كشف الأستار) عن محمد بن معمر، ثنا هشام بن عبد الملك، ثنا عبيد الله ابن إياد بن لقيط، عن زهير بن أبي علقمة، فذكره. قال البزار: "لا نعلم أسند زهير إلَّا هذا".
وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٨): "رواه البزار ورجاله ثقات". قلت: هو كما قال، وزهير بن أبي علقمة، ويقال: زهير بن علقمة البجلي أو النخعي، مختلف في صحبته. قال البغوي: "لا أعرف له صحبةً إلَّا أنَّهم أدخلوه في المسند". وقال ابن السكن: "لا صحبة له". "الإصابة" (١/ ٥٥٤).
وروى البخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ٤٢٦). من وجهٍ آخر عن عبيد الله بن إياد، بإسناده مثله. وروى حديثًا آخر من طريق أسلم المنقري، عن زهير بن علقمة، قال النبي ﷺ : "إنَّ الله يُحبُّ أن يرى أثرَه على عبده". قال الحافظ في "الإصابة" بعدَ أن ساق الحديث الثاني من تاريخ البخاري: "قال البخاري: لا أُراه إلَّا مرسلًا". ولم أجد فول البخاري هذا في النسخة المطبوعة، لعلَّه كان في النسخة التي عنده.
• عن أنس قال: قال النبي ﷺ : "ما من الناس من مسلم يتوفَّى له ثلاثٌ لم يبلغوا الحنثَ إلَّا أدخله الله الجنَّة بفضل رحمته إياهم".
صحيح: رواه البخاري (١٢٤٨) عن أبي معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز، عن
стр. 2072
أنس، فذكر مثله.
قوله: "بفضل رحمته إيَّاهم" أي: أنَّ الرحمة للصغار أكثر لعدم حصول الإثم منهم. ومعناه: إنَّ الناس يدخلون الجنة بفضل رحمة الله للأولاد إذا احتسبوا وصبروا، فإذا كان الآباء يدخلون الجنة بفضل رحمة الله لأطفالهم دلَّ على أنَّ أطفال المسلمين في الجنة. وعلى هذا جمهور علماء المسلمين إلَّا المجبرة؛ فإنَّهم يقولون: "هم في المشيئة".
• عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "من احتسب ثلاثة من صلبه دخل الجنة"، فقامت امرأة، فقالت: أو اثنان؟ قال: "أو اثنان" قالت المرأة: يا ليتني قلت واحدا.
حسن: رواه النسائي (١٨٧٢) وصححه ابن حبان (٢٩٢٣) من طريق ابن وهب قال: حدثني عممير بن الحارث، حدثني بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عمران بن نافع، عن حفص بن عبيد الله، عن أنس، فذكره. واللفظ للنسائي، ولفظ ابن حبان مختصر.
وإسناده حسن من أجل عمران بن نافع؛ فإنه لم يرو عنه غير بكير، ووثقه النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، فمثله يحسن حديثه.
• عن قُرَّة بن إياس المزني أنَّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ ومعه ابن له، فقال له: "أتحبُّه؟ " فقال: أحبك الله كما أُحبُّه، فماتَ. ففقده فسأل عنه فقال: "ما يسرُّك أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنَّة إلَّا وجدتَه عنده يسعى يفتح لك".
صحيح: رواه النسائي (١٧٨٠) عن عمرو بن علي قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا أبو إياس (وهو معاوية بن قرة) عن أبيه، فذكره.
ورواه أحمد (١٥٥٩٥) عن وكيع، عن شعبة بإسناده، وزاد في آخره: فقال رجلٌ: يا رسول الله! أله خاصة أم لكلِّنا؟ فقال: "بل لكلِّكم". وإسناده صحيح، وقد صحَّحه ابن حبَّان (٢٩٤٧) والحاكم (١/ ٣٨٤).
وأمَّا الهيثمي فأورده في "المجمع" (٣/ ١٠) وقال: "رواه النسائي باختصار قول الرجل: "أَلَهُ خاصَّة" رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح".
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : إنَّ الله لا يرضى لعبده المؤمن -إذا ذهب بصفيِّه من أهل الأرض، فصبر واحتسب، وقال ما أُمر به- بثواب دون الجنَّة".
حسن: رواه النسائي (١٨٧١) عن سويد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله، قال: أخبرنا عمرو بن سعيد بن أبي حسين، عن عمرو بن شعيب، كتب إلى عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين يُعزِّيه بابن له ملك، وذكر في كتابه أنَّه سمع أباه يحدِّث عن جدِّه عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكر
стр. 2073
مثله.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب، فهو "صدوق".
• عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلمَين يموت بينهما ثلاثة أولادٍ لم يبلغوا الحِنْثَ إلَّا غَفَر الله لهما بفضل رحمته إياهم".
صحيح: رواه النسائي (١٨٧٤) عن إسماعيل بن مسعود، قال: حدَّثنا بشر بن المُفضَّل، عن يونس، عن الحسن، عن صعْصَعَة بن معاوية، قال: لقيتُ أبا ذرٍّ فقلتُ: حدِّثني. قال: "نعم" فذكر الحديثَ.
ورجاله ثقات غير أنَّ الحسن، وهو ابن أبي الحسن يسار الإمام المعروف، مدلِّسٌ وقد عنعنه، ولكن رواه أحمد (٢١٤١٣) وابن حبان في الصحيح (٤٦٤٣) وفيه التصريح بالتحديث مع ذكر حديثٍ آخر معه، وهو قوله مرفوعًا: "من أنفق زوجين من ماله ابتدرته حَجَبة الجنَّة". قلنا: ما هذان الزوجان؟ قال: إن كانت رجالًا فرجلان، وإن كانت خيلًا ففرسان، وإن كانت إبِلًا فبعيران". حتَّى عدَّ أصنافَ المالِ كلِّه.
والجزء الثاني من الحديث رواه الحاكم (٢/ ٨٦) بدون التصريح، وقال: "صحيح الإسناد، وصعصعة بن معاوية من مفاخر العرب".
• عن عتبة بن عبد السَّلَمي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم يموتُ له ثلاثةٌ من الولد لم يبلغوا الحِنْثَ إلَّا تلقَّوه من أبوابِ الجنَّة الثمانية، من أيِّها شاءَ دخلَ".
حسن: رواه ابن ماجه (١٦٠٤) عن محمد بن عبد الله بن نُمَير، قال حدثنا إسحاق بن سليمان، قال: حدثنا حريز بن عثمان، عن شرحبيل بن شفعة، قال: لقيني عتبة بن عبد السَّلَمي، فذكره.
ورواه أحمد (١٧٦٣٩) من وجهٍ آخر عن شُرَحبيل بن شُفْعة الرحبي به مثله.
وإسناده حسن من أجل شرحبيل بن شُفعة؛ فإنَّه "صدوق" كما قال الحافظ في "التقريب". وحسَّنه في "الفتح" (٣/ ١٢١).
قال البوصيري في زوائد ابن ماجه: "هذا إسناد فيه شرحبيل بن شُفعة، ذكره ابن حبان في الثقات". وقال أبو داود: "شيوخ حريز كلُّهم ثقات" وباقي رجال الإسناد على شرط البخاري، وأصله في الصحيحين وغيرهما، من حديث أبي هريرة، وفي الترمذي وابن ماجه من حديث ابن مسعود، وفي الترمذي أيضًا من حديث عائشة، وفي البخاري والنسائي من حديث أنسٍ". انتهى.
• عن امرأةٍ يُقال لها: رجَّاء، قالت: كنت عند رسول الله ﷺ إذ جاءت امرأة بابن لها فقالت: يا رسول الله! ادعُ الله لي فيه بالبركة؛ فإنَّه قد توفي لي ثلاثةٌ. فقال لها رسول الله ﷺ : "أمُنذ أَسلمْتِ؟ " قالت: نعم. قال لها رسول الله ﷺ : "جُنَّةٌ
стр. 2074
حَصينةٌ". فقال لي رجلٌ: اسمعي يا رجَّاء ما يقول رسول الله ﷺ .
صحيح: رواه أحمد (٢٠٧٨٢) والطبراني في "الكبير" (٢٤/ ٢٨٠) كلاهما عن عبد الرزاق، أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، عن امرأةٍ يقال لها رجَّاء، فذكرت مثله. إلَّا أنَّ الطبراني سمَّى المرأةَ "رحما".
وإسناده صحيح، قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٦): رواه أحمد والطبراني في الكبير، إلَّا أنَّه سماها: رحماء ورجاله رجال الصحيح".
وذكره الحافظ في "الإصابة" (٤/ ٣٠١ - ٣٠٢) من هذا الوجه، وقال: رجاله ثقات، وقال: ووقع لنا بعلوٍّ في المعرفة لابن مندة، وذكرها أبو موسى في الراء، وفي الزاي، ومع الإهمال، هل هي بتخفيف الجيم أو بتقيلها" وقال في "التعجيل": رجَّا- بتشديد الجيم، ويُقال: أوَّل اسمها زاي، وهي مفتوحة، نزلت البصرة، ولها صحبة، روى عنها محمد بن سيرين" ولعلَّ هذه المرأة هي التي جاء ذكرها في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم كما سبق. وهذا الحديث لم يذكره عبد الرزاق في "المصنَّف" وإنَّما ذكر فيه قصَّةً أخرى مشابهة، عن أبي قلابة، أنَّ امرأةً جاءت النبي ﷺ بابن لها شاكٍ. فقالت: يا رسول الله! ادعُ الله له؛ فإنَّه آخر ثلاثةٍ دفنتهم. فقال رسول الله ﷺ : "جُنَّةٌ حصينَةٌ".
رواه عبد الرزاق (٢٠١٣٧) عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، فذكر مثله.
وأبو قلابة هو عبد الله بن زيد الجرمي، كان ثقةً فاضلًا إلَّا أنَّه كان يُرسِل كثيرًا، وهو من الطبقة الثالثة، لم يحضر القصَّة.
• عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ قال: "من أُثْكِل ثلاثةً من صُلبه فاحتسبهم على الله" -فقال أبو عشانة مرَّةً: "في سبيل الله". ولم يقلها مرَّةً أُخرى- "وجبت له الجنة".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٧٢٩٨) عن حسن (ابن موسى الأشيب) قال: حدَّثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا أبو عُشَّانة، أنَّه سمِع عقبة بن عامر يقول، فذكره.
ورجاله ثقات غير ابن لهيعة؛ ففيه كلام معروف، إلَّا أنَّه توبع؛ فقد رواه الطبراني في "الكبير" (١٧/ ٣٠٠) من وجهٍ آخر عن ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أنَّ أبا عُشَّانه حدَّثه، بإسناده مثله.
وأبو عُشَّانة اسمه: حي بن يُؤمن المصري، وهو ثقة.
• عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مات له ثلاثة من الولد فاحتسبهم دخل الجنَّة". قال: قلنا: يا رسول الله! واثنان؟ قال: "واثنان".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٤٣٨٥) عن محمد بن أبي عدي، عن محمد بن إسحاق، حدَّثني
стр. 2075
محمد بن إبراهيم، عن محمود بن لَبيد، عن جابرٍ، فذكره.
قال محمود: "فقلتُ لجابر: أُراكم لو قلتم: واحدًا؟ لقال: واحد". قال: "وأنا والله أظنُّ ذلك".
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
وصحَّحه ابن حبان (٢٩٤٦) فرواه من طريق محمد بن إسحاق. وأورده الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٧) وقال: "رواه أحمد، ورجاله ثقات".
• عن بُريدة بن الحُصيْب قال: كنت عند النبيِّ ﷺ فبلغه أنَّ امرأةً من الأنصار مات ابن لها فجزعت عليه، فقام النبي ﷺ ومعه أصحابه، فلمَّا بلغ باب المرأة قيل للمرأة: إنَّ نبيَّ الله ﷺ يريد أن يدخل يُعزِّيها، فدخل رسول الله ﷺ فقال: "أما إنَّه قد بلغني أنَّكِ جزعتِ على ابنكِ". فقالت: يا نبيَّ الله! ما لي لا أجزع وأنا رقوب، لا يعيش لي ولد، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّما الرَّقوب الذي يعيش ولدها، إنَّه لا يموت لامرأةٍ مسلمة أو امرئٍ مسلم نَسَمةٌ، أو قال: ثلاثة من ولده، فيحتسبهم إلَّا وجبت له الجنَّة". فقال عمر -وهو عن يمين النبي ﷺ : بأبي أنت وأمِّي، واثنين؟ فقال نبيُّ الله ﷺ : "واثنين".
حسن: رواه البزَّار (٨٥٧ - كشف الأستار)، عن أحمد بن عثمان، ثنا جعفر بن عون، عن بشير ابن المهاجر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، فذكره.
ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٨٣ - ٣٨٤) من طريق بشير بن المُهاجر به نحوه، وقال: "صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه بذكر الرقوب".
قلت: وهو كذلك، إلَّا أنَّ بشير بن المهاجر وإن كان من رجال مسلم إلَّا أنَّه مختلفٌ فيه: فقال أحمد: "منكر الحديث". وقال أبو حاتم: "يُكتب حديثه ولا يُحتجُّ به"، ولكن وثَّقه ابن معين والعجلي. وقال النسائي: "ليس به بأس". فمثله لا ينزل عن درجة الحسن، وخاصَّة في الشواهد.
• عن عمرو بن عبسةَ، قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول، فذكر الحديثَ بطوله وفيه: "وأيُّما رجلٍ مسلم قدَّم له في صلبه ثلاثًا لم يبلغوا الحنثَ، أو امرأة، فهم له سترٌ من النار".
حسن: رواه عبد بن حُميد في "المنتخب" (٣٠٤) عن أحمد بن يونس، ثنا عبد الحميد بن بهرام، ثنا شهر بن حوشب، قال: أخبرني أبو ظبية، أنَّ شرحبيل بن السمط دعا عمرو بن عبسة السلمي، فقال: "يا ابن عبسة! هل أنت مُحدِّثي حديثًا سمِعته أنت من رسول الله ﷺ ليس فيه تزيُّدٌ ولا كذبٌ؟ ولا تحدِّثنيه عن آخر سمعه منه غيرك؟ ". فقال: "نعم. سمعت رسول الله ﷺ يقول .. فذكر الأشياءَ.
стр. 2076
ورواه الإمام أحمد (١٧٠٢٣) عن روح، قال: حدَّثنا عبد الحميد بن بهرام بإسناده، إلَّا أنَّه لم يسقِ اللفظ المذكور أعلاه، وإنَّما ساق له لفظًا آخر، وجزءًا أيضًا من الحديث الطويل بهذا الإسناد.
وإسناده حسن من أجل الكلام في شهر بن حوشب، فإنه حسن الحديث، وكان علي بن المديني وأحمد والبخاري وغيرهم حسن الرأي فيه.
وللحديث أسانيد أُخرى غير أن ما ذكرته هو أصحُّها، منها ما رواه الإمام أحمد (١٩٤٣٧) عن هاشم بن القاسم، حدثنا الفرج، حدثنا لقمان، عن أبي أُمامة، عن عمرو بن عبسة السَّلَمي، قال: "قلت له: حدِّثنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ ، ليس فيه انتقاص ولا وهم". قال: سمعته يقول: "من وُلد له ثلاثة أولاد في الإسلام، فماتوا قبل أن يلغوا الحنث، أدخله الله الجنة برحمته إياهم، ومن شاب شيبةً في سبيل الله كانت له نورًا يومَ القيامةِ، ومن رمى بسهمٍ في سبيل الله بلغ به العدو، أصاب أو أخطأ، كان له كعَدل رقبة، ومن أعتق رقبةً مؤمنةً أعتق الله بكلِّ عضوٍ منها عضوًا منه من النار، ومن أنفق زوجين في سبيل الله فإنَّ للجنة ثمانية أبوابٍ، يُدخله الله من أي باب شاء منها الجنَّة".
وفيه الفرج، وهو: ابن فَضالة بن النُّعمان التنوخي الشامي، أهل العلم مطبقون على تضعيفه، حتَّى قال ابن حبَّان: "كان ممن يقلب الأسانيد، ويُلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة، لا يحل الاحتجاج به". "المجروحين" (٨٦٢).
وعمرو بن عبسة هو السَّلَمي، أبو نُجيح، ويقال: أبو شعيب، أسلم قديمًا بمكَّة، ثمَّ رجع إلى بلاده، فأقام بها إلى أن هاجر بعد خيبر، وقبل الفتح، وكان يقول: "أنا رابع الإسلام". فسأله أبو أُمامة: بأي شيءٍ يدَّعي أنَّه رابع الإسلام؟ فقال: "كنت في الجاهلية أرى الناسَ على ضلالة ولا أرى الأوثانَ شيئًا، ثمَّ سمعتُ عن مكة خبرًا، فركبت حتى قدمتُ مكةَ، فإذا أنا برسول الله ﷺ مستخفيًا، وإذا قومه عليه جُراء، فتلطَّفتُ فدخل عليه. فقلتُ: من أنتَ؟ قال: "نبيُّ الله". قلتُ: آالله أرسلك؟ ! قال: "نعم". قلتُ: بأيِّ شيءٍ؟ قال: "بأن يوحَّد الله، ولا يُشرك به شيء، تكسر الأصنام، وتوصل الرحم". قلت: من معك على هذا؟ قال: "حرٌّ وعبدٌ". فإذا معه أبو بكر وبلالٌ، فقلت: إنِّي متَّبعك. قال: "إنَّك لا تستطيع، ارجع إلى أهلك، فإذا سمعتَ بي ظهرتُ فالحق بي". فرجعتُ إلى أهلي وقد أسلمتُ، فهاجر رسول الله ﷺ ، وجعلتُ أتخبَّر الأخبارَ إلى أن قدِمتُ عليه المدينة. فقلتُ: أتعرفني؟ قال: "نعم، أنت الذي أتيتني بمكَّة". قلت: نعم. فعلِّمني ممَّا علَّمك الله. ذكر الحديثَ بطوله كما أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، ومضى.
روى عنه ابن مسعود -مع تقدُّمه- وأبو أمامة الباهلي، وسهل بن سعد، ومن التابعين شرحبيل بن السمط، وسعدان بن أبي طلحة، وسليم بن عامر، وآخرون. ويُقال: إنَّه ممَّن نزل حمص من الصحابة". انظر "الإصابة" (٣/ ٥).
стр. 2077
• عن بعض أصحاب النبي ﷺ أنَّه سمع النبي ﷺ يقول: "إنَّه يُقال للولدان يوم القيامة: ادخلوا الجنَّة. قال: فيقولون: يا ربِّ حتَّى يدخلَ آباؤنا وأمُّهاتنا، قال: فيأبون، قال: فيقول الله : ما لي أراهم مُحبنطِئين؟ ادخلوا الجنَّة. قال: فيقولون: يا ربِّ! آباؤنا. قال: فيقول: ادخلوا الجنَّة أنتم وآباؤكم".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٦٩٧١) عن أبي المغيرة، حدَّثنا حريز، قال: حدَّثنا شرحبيل بن شفعة، عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، فذكره.
وإسناده حسن من أجل شرحبيل، وهو ابن شفعة الرحبي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وهو من شيوخ حريز بن عثمان، وشيوخ حريز بن عثمان كلهم ثقات، قاله أبو داود وغيره.
وقال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٣٨٧): "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، غير شرحبيل، وهو ثقة".
وقال في موضع آخر (٣/ ١١): "رواه أحمد، ورجاله ثقات".
وشرحبيل هذا جعله الحافظ في مرتبة "صدوق". وهو الأنسب.
قوله: "مُحبنْطئين" بضمِّ الميم، وسكون الحاء، من احبنطأ، أي: انتفخ جوفه، وامتلأ غيظًا.
وأمَّا ما رُوي عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدِّه مرفوعًا: "سوداء ولود خير من حسناء لا تلد، إنِّي مكاثر بكم الأمم، حتَّى بالسِّقط، يظلُّ مُحبنطِئًا على باب الجنة. يقال له: ادخل الجنة، فيقول: يا ربِّ وأبواي؟ فيقال له: ادخل الجنة أنت وأبواك". فهو ضعيف، رواه الطبراني (١٩/ ٤١٦) عن الحسين بن إسحاق التستري، ثنا يحيى بن درست، ثنا علي بن الربيع، حدثني بهز بن حكيم به مثله.
قال الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٢٥٨): "فيه علي بن الربيع، وهو ضعيف". وقال ابن حبان: "هذا حديث ضعيف، لا أصل له من حديث بهز بن حكيم، وعلى هذا يروي المناكير، فلمَّا كثر في روايته المناكير بطل الاحتجاج به" "المجروحين" (٦٨٣). وأخرجه العقيلي (٣/ ٢٥٣)، ولكن سمَّاه علي بن نافع. وقال: "هو مجهول بالنقل، حديثه غير محفوظ".
وفي الباب عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: "من قدَّم ثلاثةً لم يلغوا الحُلُمَ كانوا له حِصنًا حصينًا من النارِ".
قال أبو ذرٍّ: قدمت اثنين. قال: "واثنين". فقال أبي بن كعبٍ سيِّد القرَّاء: قدمت واحدًا. قال: "وواحدًا، ولكن إنَّما ذلك عند الصدمة الأولى".
رواه الترمذي: (١٠٦١)، وابن ماجه: (١٦٠٦)، كلاهما عن نصر بن علي الجهضمي، ثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا العوام بن حوشب، عن أبي محمد مولى عمر بن الخطَّاب، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، فذكر مثله. واللفظ للترمذي، ولفظ ابن ماجه نحوه.
стр. 2078
قال الترمذي: "هذا حديث غريب، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه".
قلت: ومع هذا الانقطاع فيه من لا يُعرف، وهو أبو محمد، كذا جاء ذكره في السنن، واعتمده المزي فذكره في الكُنى. وجاء مثله في مسند الإمام أحمد (٤٠٧٧، ٤٠٧٩).
وقيل: اسمه محمد بن أبي محمد، هكذا جاء أيضًا في "المسند" (٣٥٥٤، ٤٠٧٨)، فرجَّح الحافظ الأول، وبه جزم أبو أحمد الحاكم. وأبو محمد هذا لا يُعرف من هو.
وعن أبي نضرة السَّلَمي مرفوعًا: "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلَّا كانوا له جُنَّة من النار". فقالت امرأة عند رسول الله ﷺ : يا رسول الله! أو اثنان؟ قال: "أو اثنان".
رواه مالك في الجنائز (٣٩) عن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن أبي النضر السَّلَمي، فذكر مثله.
قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٨/ ٣٣٠): "هذا الحديث قد اضطرب فيه رواة "المؤطَّأ" في أبي النضر هذا، فطائفة تقول كما قال يحيي: عن أبي النضر، وطائفة تقول: عن أبي النضر السَّلَمي، منهم القعنبي". قال: "وهو رجل مجهول لا يعرف في حملة العلم، ولا يوقف له على نسبٍ، ولا يُدرى أصاحب هو أو تابع؟ وهو مجهولٌ، ظلمةٌ من الظلمات، قيل فيه: محمد بن النضر، وقيل: عبد الله بن النضر، وقال فيه أكثرهم: السَّلَمي -بفتح السين واللام، كأنَّه من بني سلمة في الأنصار، وقال بعض المتأخرين فيه: إنَّه أنس بن مالك بن النضر، نُسب إلى جدِّه النضر. قال: وكنية أنس بن مالك: أبو النضر، وهذا جهلٌ واضحٌ وغباوةٌ بيِّنةٌ؛ وذلك أنَّ أنس بن مالك بن النضر ليس من بني سلمة، وإنَّما هو من بني عدي بن النجار، لم يكن قط بأبي النضر، وإنَّما كنيته: أبو حمزة". انتهى.
وعن الحارث بن أُقيش (بالقاف - مصغَّرًا) قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلمين يموت لهما أربعة أفراطٍ إلَّا أدخلهما الله الجنَّة بفضل رحمته". قالوا: يا رسول الله! وثلاثة؟ قال: "وثلاثة". قالوا: "واثنان؟ " قال: "واثنان".
رواه الإمام أحمد (١٧٨٥٩) والطبراني في "الكبير" (٣/ ٣٠٠) كلاهما من طريق داود بن أبي هند، عن عبد الله بن قيس، عن الحارث بن أقيش، قال: كُنَّا عند أبي برزة ليلةً، فحدَّث ليلتئذٍ عن النبي ﷺ ، فذكر الحديثَ مثله.
هكذا رواه الإمام أحمد، وبادئ النظر يظهر منه أنَّ الحديثَ من مسند أبي برزة، وهو نضلة بن عبيد الصحابي المشهور بكنيته، ولكن الصواب أنَّه من مسند الحارث بن أقيش. وهو الذي يدل عليه صنيع الإمام أحمد، فإنَّه ذكره في مسند الحارث بن أُقيش، وكذلك فعله الطبراني، وكذلك أخرجه الحاكم "في المستدرك" (١/ ٧٧) من طريق داود بن أبي هند، فلا بدَّ أن نُفسِّر قوله في مسند الإمام أحمد: "قال" أي عبد الله بن قيس، فحدّث ليلتئذٍ، أي الحارث بن أُقيش. ليكون موافقًا
стр. 2079
للنصوص الأخرى.
أمَّا قول الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط مسلم". فإنَّ عبد الله بن قيس وهو النخعي الكوفي الراوي عن الحارث بن أُقيش، وعنه داود بن أبي هند، قال فيه علي بن المديني: "مجهول". لم يرو عنه غير داود بن أبي هند. وكذلك قال فيه الذهبي وابن حجر في "التقريب".
والوهم الثاني: أنَّه ليس من رجال مسلم؛ وإنَّما هو من رجال ابن ماجه. وله حديث الشفاعة في الإيمان.
وأمَّا قول الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٨): "رواه أحمد من حديث أبي برزة ورجاله ثقات". فهو نبع لابن حبان؛ فإنَّه ذكر عبد الله بن قيس في كتاب "الثقات" (٥/ ٤٢) وقال: "عداده في أهل البصرة، روى عنه داود بن أبي هند، وأبو حرب أحسبه الذي روى عنه أبو إسحاق السبيعي، عن ابن عبَّاسٍ قوله".
وعن أبي موسى الأشعري مرفوعًا: "قال الله تعالى: يا ملك الموت، قبضتَ ولدَ عبدي؟ قبضتَ قرَّة عينه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم. قال: فما قال؟ قال: حمدك واسترجع. قال: ابنوا له بيتًا في الجنَّة وسَمُّوه بيتَ الحمدِ".
رواه الترمذي (١٠٢١) عن سويد بن نصر، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن أبي سنان، قال: دفنتُ ابن سنانًا وأبو طلحة جالس على شفير القبر، فلمَّا أردتُ الخروجَ أخذ بيدي فقال: ألا أُبشِّرُك يا أبا سنان؟ قلت: بلى. فقال: حدَّثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزَب، عن أبي موسى الأشعري، فذكر الحديثَ.
والحديث في مسند الإمام أحمد (١٩٧٢٥) من طريق حمَّاد بن سلمة بإسناده نحوه. وفيه ضعفٌ وإرسال. وأبو سنان هو: عيسى بن سنان الحنفي القسملي، أكثر النقَّاد على تضعيفه، منهم: الإمام أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والنسائي، والعقيلي. وأمَّا العجلي فقال: لا بأسَ به، وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، فهو إلى الضعف أقرب. قال الحافظ: "ليِّن الحديث".
وأبو طلحة هو: الخولاني، لم يوثقه غير ابن حبان؛ ولذا قال الحافظ: "مقبول". أي: حيث يتابع، وإلَّا فليِّن الحديث. وفي الضحاك بن عبد الرحمن، لم يسمع من أبي موسى كما قال الحافظ وغيره. قال أبو حاتم: "روي عن أبي موسى الأشعري، مرسلٌ". ومع هذا كلِّه قال الترمذي: "حسن غريب". وهذا تساهلٌ. والله أعلم
وعن أم سُليم بنت مِلحان، وهي أم أنس بن مالك، مرفوعًا: "ما من امْرأين مسلمين يموت لهما ثلاثة أولادٍ لم يبلغوا الحنثَ إلَّا أدخلهم الله الجنَّة بفضل رحمته إيَّاهم". رواه الإمام أحمد (٢٧١١٣) والطبراني في "الكبير" (٢٥/ ١٢٦) كلاهما من طريق عبد الله بن نمير، قال: حدَّثنا عثمان -يعني ابن حكيم-، قال: حدَّثني عمرو الأنصاري، عن أم سليم، فذكرته.
стр. 2080
ولم يسم والد عمرو الأنصاري، فقيل: إنَّه عمر كما في رواية الطبراني الأخرى من طريق عبد الواحد بن زياد، عن عثمان بن حكيم، ورجَّح المزِّي في تهذيب الكمال أن يكون اسم أبيه: "عاصم". وهو الذي اختاره الهيثمي فقال في "المجمع" (٣/ ٨٠٦): رواه أحمد والطبراني في "الكبير"، وفيه عمرو بن عاصم الأنصاري، ولم أجد من وثَّقه ولا من ضعَّفه، وبقية رجاله ثقات". قلت: وهو كما قال؛ فإنَّ عمروا الأنصاري هذا سواء كان اسم أبيه عمر أو عاصم، فهو مجهولٌ.
وعن أبي ثعلبة الأشجعي، قال: مات لي يا رسول الله ولدان في الإسلام. فقال: "من مات له ولدان في الإسلام أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهما". قال: فلما كان بعد ذلك قال: لقيني أبو هريرة قال: فقال: أنت الذي قال له رسول الله ﷺ في الولدين ما قال؟ قال: قلت: نعم. قال: فقال: لأن يكون قاله لي أحبُّ إليَّ ممَّا غُلِّقت عليه حمص وفلسطين.
رواه الإمام أحمد (٢٧٢٢٠) والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٢٢٩, ٣٨٤) كلاهما من حديث حمَّاد بن مسعدة، قال: حدثنا ابن جريج، عن أبي الزبير، عن عمر بن نبهان، عن أبي ثعلبة الأشجعي، إلَّا أنَّ الطبراني قال في الموضع الأول: "عن أبي ثعلبة الخشني" وقال في الموضع الثاني مثل قول الإمام أحمد.
وأورده الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٧) وقال: "رواه أحمد، والطبراني في "الكبير" ورجاله ثقات"، وقال في الموضع الثاني (٣/ ٩) وهو حديث الخشني: "رواه الطبراني في "الكبير" وفرقهما، جعل الأشجعي الذي تقدَّم غير هذا، ورجاله رجال الصحيح".
ورواه أيضًا الطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٣٨٤) من وجهٍ آخر، عن مندل بن علي، عن ابن جريج بإسناده، عن أبي ثعلبة الأشجعي، فذكر الحديثَ إلَّا أنَّه اختصره، ولم يذكر قصَّة أبي هريرة.
وعمرو بن نبهان مجهول، وإن كان ذكره ابن حبان في "الثقات" على عادته في ذكر المجاهيل في "الثقات". ومندل -بكسر الميم- بن علي العنزي أبو عبد الله الكوفي، ضعَّفه أكثر أهل العلم، منهم أحمد، وابن معين، والنسائي، وابن حبان، والدارقطني، وغيرهم.
وأمَّا قول الهيثمي في "المجمع": "رجاله رجال الصحيح" فغير صحيحٍ، لأنَّ عمر بن نبهان من رجال أبي داود فقط، وهو مجهولٌ، ومِندل بن علي من رجال أبي داود وابن ماجه، وهو أيضًا ضعيفٌ.
وأمَّا أبو ثعلبة الخشني؛ فهو صحابي مشهورٌ بكنيته، وله أحاديث في الصحيحين وغيرهما.
وأمَّا أبو ثعلبة الأشجعي؛ فقال البخاري: اله صحبة". ولكن قال أبو أحمد الحاكم في ترجمة الراوي عنه: "لا أعرفه، ولا أعرف أبا ثعلبة". وقال الدارقطني: "رواه بعضهم عن ابن جريج فقال: الخشني". فالذي يظهر أنَّه أبو ثعلبة الخشني؛ وإنَّما وهم بعض الرواة فجعلوه الأشجعي.
وعن ابن سيرين قال: جاء الزبير بابنه عبد الله إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "ما من مؤمنين يموت لهما ثلاثة إلَّا أدخلهم الله الجنة, فيقول لهم: ادخلوا الجنَّة، فيقولون: وآباؤنا؟ فيقال لهم:
стр. 2081
وآباؤكم".
رواه عبد الرزاق (٢٠١٣٨) عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، فذكر مثله. وفيه إرسالٌ؛ فإنَّ محمد بن سيرين لم يحضر القصَّةَ.
وعن معاذ مرفوعًا: "ما من مسلمين يتوفى لهما ثلاثة إلَّا أدخلهما الله الجنَّة بفضل رحمته إيَّاهما". فقالوا: يا رسول الله! أو اثنان؟ قال: "أو اثنان". قالوا: أو واحد؟ قال: "أو واحد". ثمَّ قال: والذي نفسي بيده! إنَّ السِّقطَ ليجرُّ أمَّه بسَرره إلى الجنَّة إذا احتسبته".
رواه أحمد (٢٢٠٩٠) والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ١٤٥ - ١٤٦)، كلاهما من طريق يحيى بن عبد الله التيمي، عن عبيد الله بن مسلم، عن معاذ بن جبل، فذكره.
ورواه ابن ماجه (١٦٠٩) من هذا الوجه إلَّا أنَّه اقتصر على الجزء الثاني من الحديث. وإسناده ضعيف من أجل يحيي بن عبد الله التيمي، وهو يحيي بن عبد الله بن الحارث الجابر، ضعَّفه ابن معين، وأبو حاتم الرازي، والنسائي، وغيرهم. وقال أبو حاتم وابن حبَّان: "منكر الحديث، يروي المناكير الكثيرة التي لا تُشبه حديث الأئمة، حتَّى ربَّما سبق إلى القلب أنَّه كان يتعمَّدُ لذلك، لا يجوز الاحتجاج به بحالٍ"، "المجروحين" (١٢١٥). وليَّنه الذهبي، وابن حجر.
وأمَّا قول الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٩): "وفيه يحيى بن عبيد الله التيمي، ولم أجد من وثَّقه، ولا جرَّحه"، فهو ظنٌّ فيه بأنَّه غير ابن الجابر، وإلَّا فيحيى بن عبيدالله أو عبد الله بن الجابر معروف من رجال السنن، عدا النسائي، وهذا الذي رجَّحه المزي وغيره. وضعَّف البوصيري هذا الإسناد، ولكن ظنًّا منه بأنَّه يحيي بن عبيد الله بن موهب؛ فإنَّه ضعيفٌ أيضًا.
وعن أم مبشر، رفعته عن رسول الله ﷺ ، أنَّه دخل عليها وهي تطبخ حيسًا، فقال: "من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحنثَ كانوا له حجابًا من النار". فقالت: قلت: يا رسولَ الله! واثنان؟ قال: "ثلاثة". قالت: واثنان؟ . قال: "ثلاثة". ثمَّ سكتَ. ثمَّ قال: "اثنان يا أمَّ مبشِّر، اثنان يا أمَّ مبشر".
رواه أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا بكر بن عبد الرحمن، حدَّثنا عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلي، عن عبد الله بن عطاء المكِّي، عن رجلٍ من الأنصار من بني زُريق، عن أمِّ مبشِّر، فذكرته.
قال الحافظ في "المطالب" (٧٨٩): "وقال أبو يعلي: حدَّثنا أبو بكر بهذا".
قلت: وإسناده ضعيفٌ من أجل الكلام في ابن أبي ليلى، وفيه راوٍ مجهولٌ، وهو رجل من بني زُرَيق، وبهما ضعَّفه البوصيري في "الإتحاف".
وعن أبي أُمامة مرفوعًا: "ما من مؤمنين يموت لهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنثَ إلَّا أدخلهما الله الجنَّة بفضل رحمته إياهما".
رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٥٣) عن أبي أسامة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن القاسم، عن أبي أمامة، فذكره.
стр. 2082
وأبو أسامة لم يسمع من عبد الرحمن بن يزيد، وأنَّما لقي ابن تميم، فظنَّ أنَّه ابن جابر، وابن جابر ثقة، وابن تميم ضعيف. انظر التهذيب، (٦/ ٢٩٨).
٢ - باب من مات له ولد واحد دخل الجنة
• عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضتُ صفيَّه من أهل الدنيا، ثمَّ احتسبه إلَّا الجنَّة".
صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٢٤) عن قتيبة، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره.
وقوله: "صفيَّه" بفتح الصاد، وكسر الفاء، وتشديد الياء: هو الحبيب المصافي، كالولد، والأخ، وكلُّ من يُحبُّه الإنسان.
٣ - باب مَن قدَّم فرطًا
• عن ابن عباس، أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من كان له فرطان من أمَّتي أدخله الله بهما الجنَّة". فقالت عائشة: فمن كان له فرط من أُمَّتك؟ قال: "ومن كان له فرطٌ يا موفَّقة". قالت: فمن لم يكن له فرط من أمَّتك؟ قال: "فأنا فرط أمَّتي، لن يُصابوا بمثلي".
حسن: رواه الترمذي (١٠٦٢) عن نصر بن علي الجهضمي، وزياد بن يحيى البصري، قالا: حدَّثنا عبد ربِّه بن بارق الحنفي، قال: سمعت جدِّي أبا أُمِّي، سماك بن الوليد الحنفي، يُحدِّث أنَّه سمع ابن عباس يحدِّث أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول، فذكر الحديثَ.
ورواه الإمام أحمد (٣٠٩٨) من طريق عبد ربه بن بارقٍ بإسناده مثله.
قال الترمذي: "حسن غريب، لا نعرفه إلَّا من حديث عبد ربِّه بن بارق، وقد روى عنه غير واحدٍ من الأئمَّة". وقال: "وسماك بن الوليد هو: أبو زميل الحنفي". قلت: وهو كما قال؛ فإنَّ إسناده حسن من أجل الكلام في عبد ربه بن بارق الحنفي، فوثَّقه أبو حاتم. وقال أحمد: ما أري به بأسًا.
وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وحسن حديثه الترمذي، إلَّا أنَّ ابن معين قال فيه: "ليس بشيءٍ".
والخلاصة: مثله يُحسَّن حديثه.
قوله: "من كان له فرط" أي: واحد، ويؤيِّده حديث أبي هريرة السابق: إذا قبضتُ صفيَّه من أهل الدنيا، أي الواحد فما فوقه.
وفيه رد على من زعم أنَّه لم يصح حديث: "من مات له ولد واحد دخل الجنة".
وهذا الذي رجَّحه أيضًا الحافظ ابن حجر (٣/ ١١٩) بعد أن نقل قوله: "وليس في شيءٍ من هذه
стр. 2083
الطرق ما يصلح للاحتجاج، بل وقع في رواية شريك التي علَّق المصنِّف إسنادها كما سيأتي ولم يسأل عن واحدٍ".
• عن أبي سعيد وأبي هريرة، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "ما من امرأةٍ تدفن ثلاثة أفراطٍ إلاّ كانوا لها حجابًا من النار". فقالت امرأةٌ: يا رسول الله! قدمت اثنين. قال: "واثنين". ولم تسأله عن الواحد.
قال أبو هريرة: "من لم يبلغ الحنثَ".
صحيح: رواه البخاري معلقًا (١٢٥٠) عن شريك، عن ابن الأصبهاني، حدَّثنا أبو صالح، عن أبي سعيد، وأبي هريرة، عن النبي ﷺ . قال أبو هريرة: "لم يبلغوا الحنثَ".
ووصله ابن أبي شيبة عن شريك، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، قال: أتاني أبو صالح يعزِّيني عن ابن لي، فأخذ يُحدِّث عن أبي سعيد وأبي هريرة، فذكر مثله.
وقد سبق حديث أبي سعيد في أول الباب.
٤ - باب فيمن لم يُقدِّم فَرَطًا
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تعُدُّون الرقوب فيكم؟ ". قالوا: الذي لا ولد له. قال: "لا، بل الذي لا فرط له".
حسن: رواه أبو يعلى (٦٠٠٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا أبو خالد الأحمر، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، فذكر مثله.
وإسناده حسن من أجل أبي خالد الأحمر، وهو سليمان بن حيان الأزدي، من رجال الجماعة، وثَّقه ابن المديني والعجلي، وقال ابن معين والنسائي: "ليس به بأس". وذكره ابن حبان في "الثقات".
والخلاصة أنَّه حسن الحديث. قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١١): "رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح". وقال البوصيري في "الإتحاف: "رجاله ثقات. وسكت عليه الحافظ في المطالب العالية (١/ ١٩٦).
• عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تعدُّون الرقوب فيكم؟ ". قالوا: الذي لا ولد له. قال: "بل، هو الذي لا فرط له".
حسن: رواه البزار (٨٦٠ - كشف الأستار) عن إبراهيم بن المستمر العروفي، ثنا يعقوب بن إسحاق، ثنا همام، عن قتادة، عن أنس، فذكر مثله. وإسناده حسن من أجل يعقوب بن إسحاق، وهو ابن زيد بن عبد الله الحضرمي مولاهم، أبو محمد النحوي المقرئ من رجال مسلم، قال فيه أبو حاتم: "صدوق". وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١١): "رواه أبو يعلى والبزَّار باختصار، ورجال البزار رجال الصحيح.
стр. 2084
ورواه أبو يعلى (٤٤٦ - المقصد العلي) من وجه آخر عن رُشيد أبي عبد الله، ثنا ثابت، عن أنسٍ، فذكر نحوه.
ورشيد الزُّرْبري، مجهول كما قال الذهبي في "الميزان" (٢/ ٥١)، ولذا لم يُصحِّح الهيثمي هذا الإسناد؛ وإنَّما اكتفى بقوله كما ذكرتُ، وإن كان عزاه إلى أبي يعلى.
٥ - باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى
• عن أنس بن مالك، قال: مرَّ النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: "اتقي الله واصبري". قالت: إليك عني، فإنَّك لم تُصب بمصيبتي. ولم تعرفه. فقيل لها: إنَّه رسول الله ﷺ . فأتت النبيَّ ﷺ فلم تجد عنده بوَّابين، فقالت: لم أعرفكَ. فقال: "إنَّما الصبر عند الصدمة الأولى".
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٨٣) ومسلم في الجنائز (٩٢٦) كلاهما من حديث شعبة، عن ثابت البُناني، عن أنس بن مالك، فذكر مثله.
وفي معناه ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "الصبر عند الصدمة الأولى". رواه البزار (٧٩١ - كشف الأستار)، عن أحمد بن منصور، ثنا فهد بن حيان، ثنا عمران، عن محمد، عن أبي هريرة، فذكر مثله.
قال البزار: "لا نعلمه عن أبي هريرة إلَّا من هذا الوجه".
قلت: فيه فهد بن حيان أبو زيد، من أهل البصرة، اتفق أهل العلم على تضعيفه. قال ابن حبان: "كان ممن يخطئ حتى يجيء بأحاديث مقلوبة، خرج عن حد الاحتجاج به لما كثر ذلك"، "المجروحين" (٨٦٨).
وأمَّا قول البزار: "لا نعلمه عن أبي هريرة إلَّا من هذا الوجه. فإنَّه قال ذلك حسب علمه، وإلَّا فقد رُوي هذا الحديث أيضًا من وجه آخر، رواه أبو يعلى (٦١٤١ - الأثري) من طريق أبي عبيدة الناجي، حدَّثنا ابن سيرين، عن أبي هريرة، في قصَّة طويلة، وفيه: "الصبر عند الصدمة الأولى، الصبر عند الصدمة الأولى".
وأبو عبيدة الناجي هو بكر بن الأسود، من أهل البصرة، وكان يحيى بن كثير يروي عنه ويقول: "هو كذَّاب". وضعَّفه ابن معين، وقال ابن حبان: "كان أبو عبيدة رجلًا صالحًا، وهو من الجنس الذي ذكرت ممن غلب عليه التقشف حتى غفل عن تعاهد الحديث، فصار الغالب على حديثه المعضلات".
انظر: "المجروحين" (١٤٩).
وفي معناه أيضا ما رُوي عن ابن عباس مرفوعًا: "الصبر عند أول صدمة". رواه البزار (٧٩٢ -
стр. 2085
كشف) من طريق محمد بن عمر بن واقد، ثنا إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر مثله.
قال البزار: "تفرد به عكرمة، عن ابن عباس، وفيه الواقدي". وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٣): "فيه الواقدي، وفيه كلام كثير، وقد وُثِّق".
٦ - باب ما يُقال عند المصيبة
• عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من أصابته مصيبة فقال كما أمر الله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهم أجرني في مصيبتي، وأعقبني خيرًا منها، إلَّا فعل الله ذلك به".
قالت أم سلمة: فلمَّا توفي أبو سلمة، قلتُ ذلك. ثمَّ قلت: ومن خير من أبي سلمة؟ . فأعقبها الله رسولَ الله ﷺ فتزوَّجها.
وفي رواية: "ما من مسلم تُصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله به: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلِف لي خيرًا منها، إلَّا خلف الله له خيرًا منها".
قالت: فلمَّا مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أوّل بيتٍ هاجر إلى رسول الله ﷺ ، ثمَّ إنِّي قلتها، فأخلف الله لي رسولَ الله ﷺ .
قالت: أرسل إليَّ رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له. فقلتُ: إنَّ لي بنتًا وأنا غيور. فقال: "أمَّا ابنتها؛ فندعو الله أن يُغنيها عنها، وأدعو الله أن يذهب بالغيرة".
صحيح: رواه مالك في الجنائز (٤٢) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ، فذكرته.
والرواية الثانية رواها مسلم في الجنائز (٩١٨) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرني سعد بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن ابن سفينة، عن أم سلمة، فذكرت مثله.
وقد رُوي عن أبي سلمة أنَّه سمع النبي ﷺ يقول: "ما من مسلم يُصاب بمصيبةٍ فيفزع إلى ما أمر الله به من قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللَّهم عندك احتسبتُ مصيبتي، فأجرني فيها، وعَوِّضني منها، إلَّا آجره الله عليها، وعاضه خيرًا منها".
رواه ابن ماجه (١٥٩٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أنبأنا عبد الملك بن قدامة الجمحي، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة، عن أمِّه أمّ سلمة، عن أبي سلمة، فذكر مثله.
وعبد الملك بن قدامة ضعيف، وأبوه قدامة "مقبول" لأنَّه توبع، ولكن وقع فيه اضطراب، وهو ما
стр. 2086
رواه الترمذي (٣٥١١) وأحمد (١٦٣٤٣) كلاهما من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عمر بن سلمة، عن أمه أم سلمة، عن أبي سلمة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا أصاب أحدكم مصيبة فليقل: اللَّهم عندك احتسبتُ مصيبتي، فأجرني فيها، وأبدلني منها خيرًا". فلمَّا احتضر أبو سلمة قال: اللَّهم اخلف في أهلي خيرًا منِّي، فلمَّا قُبض قالت أم سلمة: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ عند الله أحتسبتُ مصيبتي؛ فأجرني فيها.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، ورُوي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أم سلمة. وأبو سلمة اسمه: عبد الله بن عبد الأسد".
ورواه الإمام أحمد مختصرًا إلَّا أنَّه زاد فيه بين ثابت وعمر بن أبي سلمة - ابن عمر بن أبي سلمة، وكذلك رواه أيضًا النسائي في "عمل اليوم والليلة" (١٠٧٢).
وابن عمر بن أبي سلمة اسمه: محمد. ذكره الحافظ في التقريب وقال فيه: "مقبول" أي حيث يتابع، وإلَّا فليِّن الحديث.
ورواه أيضًا الإمام أحمد (١٦٣٤٤) من وجه آخر عن المطلب عن أم سلمة، قالت: أتاني أبو مسلمة يومًا من عند رسول الله ﷺ ، فقال: لقد سمعت من رسول الله قولًا فسُررتُ به، قال: "لا يُصيب أحدًا من المسلمين مصيبةٌ فيسترجع عند مصيبته، ثمَّ يقول: اللَّهم أجرني في مصيبتي، وأخلِف لي خيرًا منها، إلَّا فُعل ذلك به". قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلمَّا توفي أبو سلمة استرجعتُ، وقلت: اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلِف لي خيرًا منه. ثمَّ رجعتُ إلى نفسي، قلت: مِن أين لي خيرٌ من أبي سلمة؟ ! فلمَّا انقضت عدَّتي استأذن عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أدبُغُ إهابًا لي، فغسلت يدي من القَرَظ، وأذنتُ له، فوضعتُ له وِسادةَ أَدَم حشوها ليفٌ، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلمَّا فرغ من مقالته، قلتُ: يا رسول الله! ما بي أن لا تكون بك الرغبة فيَّ، ولكنِّي امرأةٌ فيَّ غيرةٌ شديدةٌ، فأخاف أن ترى منِّي شيئًا يُعذِّبني الله به، وأنا امرأةٌ قد دخلتُ في السنِّ، وأنا ذاتُ عِيالٍ. فقال: "أمَّا ما ذكرتِ مِنَ الغيرة؛ فسوف يُذهبها الله -عَزَّوَجَلَّ- منكِ، وأمَّا ما ذكرتِ من السنِّ؛ فقد أصابني مثلُ الذي أصابكِ، وأمَّا ما ذكرت من العيالِ؛ فإنَّما عِيالُكِ عِيالي". قالت: فقد أسلمتُ لرسول الله ﷺ . فتزوَّجها رسول الله ﷺ ، فقالت أمُّ سلمة: فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه؛ رسولَ الله ﷺ .
والمطلب هو: ابن عبد الله بن حنطب، روايته عن الصحابة مرسلة إلَّا أنس بن مالك ومن في طبقته.
وأظنُّ لوجود هذا الاختلاف لم يصحح الترمذي حديثَ أبي سلمة، وإنَّما أشار إلى أنَّ الحديثَ رُوي من غير هذا الوجه عن أمِّ سلمة؛ لأنَّ الصحيح الثابت أنَّ هذا الحديثَ من مسند أمِّ سلمة كما مضي. والله أعلم.
٧ - يُكتب للمريض والمسافر ما كان يعمل وهو مقيم صحيح
• عن أبي موسى قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذا مرِض العبد أو سافر،
стр. 2087
كُتب له مثل ما كان يعمل مُقيمًا صحيحًا".
صحيح: رواه البخاري في الجهاد (٢٩٩٦) عن مطر بن الفضل، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا العوام، حدثنا إبراهيم أبو إسماعيل السكسكي، قال: سمعت أبا بردة، واصطحب هو ويزيد بن أبي كبشة في سفرٍ، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة: سمعت أبا موسى مِرارًا يقول، فذكر الحديث.
• عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "ما أحدٌ من الناس يُصاب ببلاءٍ في جسده إلَّا أَمر الله الملائكة الذين يحفظونه فقال: اكتبوا لعبدي في كلِّ يومٍ وليلةٍ ما كان يعمل من خيرٍ، ما كان في وِثاقي".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٦٤٨٢)، عن إسحاق بن يوسف الأزرق، حدثنا سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن القاسم، يعني - ابن مُخَيمِرة، عن عبد الله بن عمرو، فذكر مثله.
ورواه أيضًا (٦٨٢٥) عن إسحاق بن يوسف مقرونًا بوكيع، قالا: حدثنا سفيان بإسناده، وفيه: "اكتبوا لعبدي مثل ما كان يعمل وهو صحيح، ما دام محبوسًا في وثاقي". وإسناده صحيح. ورواه الحاكم (١/ ٣٨٤) من طريق سفيان، وقال: "صحيح على شرط الشيخين".
وقال الهيثمي في المجمعه (٢/ ٣٠٣): "رواه أحمد والبزار، والطبراني في الكبير ورجال أحمد رجال الصحيح".
قلت: وهو كما قال، وإن كان البخاري روي عن القاسم بن مخيمرة معلقًا، فإنَّ الحاكم والهيثمي لا يفرقان بين الأصل والتعليق.
• عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثمَّ مرض، قيل للملك الموكَّل به: اكتب له مثل عمله إذ كان طليقًا حتَّى أُطلِقَه أو أَكفِتَه إليَّ".
حسن: رواه عبد الرزاق (٢٠٣٠٨) وعنه الإمام أحمد (٦٨٩٥) وابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" (٢٦) عن معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن خيثمة، عن عبد الله بن عمرو، فذكر مثله. وأورده الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣٠٣) وقال: "رواه أحمد وإسناده صحيح".
قلت: إسناده حسن من أجل عاصم بن أبي النجود؛ فإنَّه حسن الحديث.
قوله: "أَكْفِته" أي: أَضمُّه إلى القبر كما قال البغوي، وقال: ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥].
أي: ذوات كفتٍ - أي ضمٍّ وجمعٍ. يضمُّهم أحياءً على ظهورِها، وأمواتًا في بُطونها". "شرح السنَّة" (٥/ ٢٤١).
стр. 2088
• عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ابتلي الله العبد المسلم ببلاء في جسده، قال الله: اكتب له صالح عمله الذي كان يعمله، فإن شفاه غسله وطهَّره، وإن قبضه غفر له ورحِمَه".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٢٥٠٣) وأبو يعلى (٤٢٣٣) كلاهما من حديث حماد بن سلمة، عن سنان بن ربيعة، عن أنس، فذكر مثله.
وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣٠٤): "رواه أبو يعلى وأحمد، ورجاله ثقات".
قلت: إسناده حسن من أجل سنان بن ربيعة الباهلي البصري، أبو ربيعة؛ فإنَّه حسن الحديث، أخرج له البخاري مقرونًا.
• عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ ، قال: "ليس من عمل يوم إلَّا وهو يُختم عليه، فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة: يا ربَّنا! عبدك فُلان قد حبسته، فيقول الربُّ - عَزَّوَجَلَّ -: اختموا له على مثل عمله حتَّى يبرأ أو يموت".
حسنٌ: رواه الإمام أحمد (١٧٣١٦) عن علي بن إسحاق، قال: أخبرنا عبد الله، أخبرني ابن لهيعة، قال: حدَّثني يزيد، أنَّ أبا الخير حدَّثه، أنَّه سمع عقبة بن عامر يحدِّث، فذكر مثلَه.
وإسناده حسن، من أجل رواية عبد الله، وهو ابن المبارك، عن ابن لهيعة؛ لأنَّه سمع منه قبل احتراق كتبه.
ورواه الطبراني في الكبير" (١٧/ ٢٨٤) وفي "الأوسط" (٣٢٥٧) من طرق أخرى، عن ابن الهيعة بهذا الإسناد.
ورواه الحاكم (٤/ ٢٦٠) و (٤/ ٣٠٨ - ٣٠٩) من وجهين آخرين، عن عقبة بن عامر، وقال في الموضع الأول: "صحيح على شرط الشيخين".
وقال في الموضع الثاني: "صحيح الإسناد". وتعقَّبه الذهبي فقال: "فيه رشدين، واهٍ". قلت: وهو كما قال؛ فإنَّ رشدين، وهو ابن سعد بن مفلح المهري، تكلَّم فيه جمهور النقَّاد وضعَّفوه.
• عن أبي الأشعث الصنعاني، أنَّه راح إلى مسجد دمشق، وهجَّر بالرواح، فلقي شدَّاد بن أوس والصُّنابحي معه، فقلت: أين تريدان يرحمكما الله؟ قالا: نريد هاهنا إلى أخٍ لنا مريض نعوده. فانطلقت معهما حتَّى دخلا على ذلك الرجل، فقالا له: كيف أصبحتَ؟ قال: أصبحتُ بنعمة. فقال له شدَّاد: أَبشر بكفَّارات السيِّئات، وحطِّ الخطايا؛ فإنِّي سمِعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ الله يقول: إنِّي إذا ابتلَيتُ عبدًا من عبادي مؤمِنًا فحمِدني على ما ابتليته؛ فإنَّه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أُمُّه من الخطايا، ويقول الربُّ - عَزَّوَجَلَّ -: أنا قيَّدتُ عبدي، وابتليتُه، فأَجْروا له
стр. 2089
كما كنتم تُجْرون له وهو صحيح".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٧١١٨) والطبراني في "الكبير" (٧١٣٦) وفي "الأوسط" (٤٧٠٦) كلهم من طرف عن إسماعيل بن عياش، عن راشد بن داود الصنعاني، عن أبي الأشعث، فذكر مثلَه.
وإسناده حسن، من أجل راشد بن داود؛ فإنَّه مختلَف فيه؛ فوثَّقه ابن معين، والدارميّ، وذكره ابن حبَّان في الثقات، وتكلَّم فيه البخاري، والدارقطني، غير أنَّه حسن الحديث في الشواهد، ولا يُقبل إذا انفرد أو خالف.
وأمَّا إسماعيل بن عيَّاش؛ فهو الحمصي، وهو ضعيف في غير الشاميين، وبه أعلَّه الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، وروايته هنا عن الشاميين؛ فإنَّ راشد بن داود الصنعاني من أهل صنعاء دمشق، وليس من صنعاء اليمن. والله أعلم.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: "إذا ابتليتُ عبدي المؤمن، ولم يشكني إلى عُوَّاده أطلقته من إِساري، ثمَّ أبدلته لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، ثمَّ يستأنِف العمل".
صحيح: رواه الحاكم (١/ ٣٤٨ - ٣٤٩) من طريق أبي بكر الحنفي، ثنا عاصم بن محمد بن زيد، عن سعيد بن أبي سعيد المقري، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر مثلَه. وقال: "صحيح على شرط الشيخين".
وفي الباب: عن أبي هريرة مرفوعًا: "ما من عبد يمرض مرضًا إلَّا أمر الله حافظه أنَّ ما عمِل من سيئة فلا يكتبها، وما عمل من حسنةٍ أن يكتبها له عشر حسنات، وأن يكتب له من العمل الصالح كما كان يعمل وهو صحيح، وإن لم يعمل".
رواه أبو يعلى (٦٦٠٧ - الأثري) عن صالح بن مالك، حدَّثنا عبد الأعلى بن أبي المساور، حدَّثنا محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي هريرة، فذكر مثلَه.
قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣٠٤): "فيه عبد الأعلى، وهو ضعيفٌ".
٨ - باب مَن لم يُظهِر حزنَه عند المصيبة
جاء في التنزيل على لسان يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة يوسف: ٨٦].
• عن أنس بن مالك، قال: اشتكى ابن لأبي طلحة، قال: فمات وأبو طلحة خارجٌ. فلمَّا رأت امرأته أنَّه قد مات هيَّأت شيئًا، ونحَّته في جانب البيت. فلمَّا جاء أبو طلحة قال: كيفَ الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسُه، وأرجو أن يكون قد استراح.
стр. 2090
وظنَّ أبو طلحة أنَّها صادقة، قال: فبات، فلمَّا أصبح اغتسل. فلمَّا أراد أن يخرجَ أعلمته أنَّه قد ماتَ! فصلَّي مع النبي ﷺ ، ثمَّ أخبر النبيَّ ﷺ بما كان منهما. فقال رسول الله ﷺ : "لعلَّ الله أن يُبارك لكما في ليلتكما". قال سفيان: فقال رجل من الأنصار: فرأيتُ لهما تسعة أولادٍ كلُّهم قد قرأ القرآن.
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٠١) عن بشر بن الحكم، حدَّثنا سفيان بن عيينة، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنَّه سمع أنسًا فذكره.
ورواه مسلم في فضائل الصّحابة (٢١٤٤) من طريق بهز، ثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: "مات ابن لأبي طلحة من أمِّ سُلَيم، فقالت لأهلها: لا تُحدِّثوا أبا طلحة بابنه حتَّى أكون أنا أُحدِّثه. قال: فجاء، فقرَّبت إليه عَشاءً. فأكل وشرب. فقال: ثمَّ تصنَّعت له أحسن ما كان تصنَّعُ قبل ذلك، فوقع بها. فلمَّا رأت أنَّه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة! أرأيتَ لو أنَّ قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيتٍ، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. قالت: فاحتسب ابنك. قال: فغضب، وقال: تركتني تلطَّختُ ثمَّ أخبرتني بابني؟ ! فانطلق حتَّى أتي رسول الله ﷺ ، فأخبره بما كان. فقال رسول الله ﷺ : "بارك الله لكما في غابر ليلتكما". فذكر الحديثَ وفيه قصَّة تحنيك الأبن لأم سُليم.
ورواه أبو داود الطيالسيّ في مسنده (٢١٦٨)، عن سليمان بن المغيرة، وحماد بن سلمة،
وجعفر بن سليمان، كلهم عن ثابت، عن أنس، وساق بهذا الإسناد قصة أم سليم بشيءٍ من
التفصيل، وها أنا أسوقها بكاملها لاشتمالها على فوائد كثيرةٍ، قال: قال مالكٌ أبو أنسٍ لامرأته أم
سليم -وهي أم أنس-: إنَّ هذا الرجل -يعني النبي ﷺ يُحرِّم الخمرَ، فانطلَق حتَّى أتى الشامَ
فهلك هناك، فجاء أبو طلحة، فخطب أمَّ سُليم، فكلَّمها في ذلك، فقالت: يا أبا طلحة! ما مثلكَ
يُردُّ، ولكنَّكَ امروءٌ كافرٌ، وأنا امرأةٌ مسلِمة، لا يصلُح لي أن أتزوَّجَك. فقال: ما ذاكِ دهركِ.
قالت: وما دهري؟ قال: الصفراء والبيضاء. قالت: فإني لا أُريد صفراءَ ولا بيضاءَ، أُريدُ منكَ
الإسلامَ. قال: فمن لي بذلك؟ قالت: لك بذلك رسول الله ﷺ . فانطلق أبو طلحة يُريدُ النبيَّ ﷺ ،
ورسولُ الله ﷺ جالسٌ في أصحابه، فلمَّا رآه قال: "جاءكم أبو طلحة، غُرَّة الإسلامِ بينَ عينيه".
فجاء، فأخبر النبيَّ ﷺ بما قالت أمُّ سُليم، فتزوَّجها على ذلك. قال ثابتٌ: فما بلغنا أنَّ مهرًا كان أعظم منه، إنَّها رضيت الإسلامَ مهرًا، فتزوَّجها، وكانت امرأةً مليحة العينين، فيها صغر، فكانت معه حتَّى وُلِد له بُنَيٌّ، وكان يُحبُّه أبو طلحة حبًّا شديدًا، ومرِض الصبيُّ، وتواضعَ أبو طلحة لمرضه، أو تضعضعَ له، فانطلق أبو طلحة إلى النبي ﷺ ، ومات الصبيُّ، فقالت أم سليم: لا ينعينَّ إلى أبي طلحة أحدٌ ابنه، حتَّى أكون أنا الذي أنعاء له. فهيَّأت الصبيَّ ووضعته، وجاء أبو طلحة من عند رسول الله ﷺ حتَّي دخل عليها، فقال: كيف ابني؟ فقالت: يا أبا طلحة! ما كان منذ اشتكي
стр. 2091
أسكن منه الساعة. قال: فلله الحمد. فأتته بعَشائه فأصاب منه، ثمَّ قامت فتطيَّبت وتعرَّضت له، فأصاب منها، فلمَّا علِمت أنَّه طعم وأصابَ منها، قالت: يا أبا طلحة! أرأيتَ لو أنَّ قومًا أعاروا قومًا عاريةً لهم، فسألوهم إيَّاها، أكان لهم أن يمنعوهم؟ فقال: لا. قالت: فإنَّ الله كان أعارك ابنك عاريهً ثمَّ قبضه إليه، فاحتسب ابنَك، واصبر. فغضب، ثمَّ قال: تركتيني حتَّى إذا وقعتُ بما وقعتُ به نعيتِ إليَّ ابني؟ ! ثمَّ غدا على رسول الله ﷺ ، فأخبره فقال رسول الله ﷺ : "بارك الله لكما في غابر ليلتكما. فتلقَّت من ذلك الحملَ، وكانت أم سليم تسافر مع النبي ﷺ ، تخرج معه إذا خرج، وتدخل معه إذا دخل، فقال رسول الله ﷺ : "إذا ولدت فأتوني بالصبي".
فأخذها الطلق ليلةَ قربهم من المدينة، فقالت: اللَّهم إني كنتُ أدخل إذا دخل نبيك، وأخرج إذا
خرج نبيُّك، وقد حضر هذا الأمر، فولَدت غلامًا، وقالت لابنها أنسٍ: انطلقْ بالصبي إلى رسول الله
ﷺ ، فأخذ أنسٌ الصبيَّ فانطلق به إلى النبي ﷺ ، وهو يسم إبلًا أو غنمًا، فلمَّا نظر إليه قال لأنسٍ:
"أولدت بنت مِلحانَ؟ ". قال: نعم. فألقى ما في يده، فتناولَ الصبيَّ، فقال: "ائتوني بتمراتٍ عجوةٍ". فأخذ النبي ﷺ التمرَ، فجعل يُحنِّكُ الصبيَّ، وجعلَ الصبيُّ يتلمَّظ، فقال: "انظروا إلى حُبِّ الأنصار التمرَ". فحنَّكه رسول الله ﷺ ، وسمَّاه عبد الله.
قال ثابتٌ: وكانَ يُعدُّ من خيارِ المسلمينَ. ولعل الزيادات التي في هذه القصة ليست من سليمان بن المغيرة؛ لأن السياق الذي ساقه مسلم والإمام أحمد (١٣٠٢٦) عنه، ليس فيه هذه الزيادات، وإليه أشار الطيالسي في قوله: وحدثنا شيخ سمعه من النضر بن أنس، وقد دخلت حديث بعضهم في بعض، قال مالك أبو أنس لامرأته، فذكر القصة. وهذا الشيخ المجهول لا يضر؛ لأنَّ أبا داود أسنده عن غيره.
٩ - باب ما جاء بأنَّ الأنبياء أشد الناس بلاءً
• عن سعد بن أبي وقاص، قال: قلت: يا رسول الله! أيُّ الناس أشد بلاءً؟ قال: "الأنبياء، ثمَّ الأمثل، فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صُلبًا اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقَّة ابتُلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتَّى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة".
حسن: رواه الترمذي (٢٣٩٨) وابن ماجه (٤٠٢٣) كلاهما من طريق حماد بن زيد، عن عاصم، عن مصعب بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص، فذكر مثله، ولفظهما سواء. قال الترمذي: "حسن صحيح".
قلت: إسناده حسن فقط؛ لأنَّ عاصمًا وهو ابن بَهدلة، حسن الحديث، ومن طريقه رواه الإمام أحمد (١٤٨١)، وصححه ابن حبان (٢٩٠٠).
ولكن قال الحاكم (١/ ٤٠ - ٤١): "ولحديث عاصم بن بهدلة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه،
стр. 2092
طرق يُتَّبع ويُذاكر بها، وقد تابع العلاء بن المسيب عاصم بن بهدلة على روايته عن مصعب بن سعد، ثمَّ أسنده من طريقه، ولفظه: سئل النبي ﷺ : أيُّ الناس أشد بلاءً؟ قال: والأنبياء، ثمَّ الأمثل، فالأمثل، فإن كان الرجل صلب الدين يبتلى الرجل على قدر دينه، فمن ثخن دينه ثخن بلاؤه". وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين". ثمَّ أسند من طرق كثيرة حديث عاصم عن مصعب بن سعد، عن أبيه.
قلت: ولكن رواه ابن حبان في صحيحه (٢٩٢٠) من وجه آخر عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن سعد نحوه. والمسيب هو ابن رافع، لم يسمع من سعد.
وقوله: "الأمثل فالأمثل" أي الأعلى فالأعلى في الرتبة والمنزلة. يقال: هذا أمثل من هذا، أي أفضل، وأماثل الناس: خيارهم.
والخلاصة في حديث الباب: أنَّ ابتلاء الأنبياء صلوات الله عليهم ليس لمحو خطاياهم إذ لا خطايا لهم؛ بل لرفع درجاتهم عند الله - عَزَّوَجَلَّ -. انظر معنى هذا عند الطحاوي في مشكله: (٥/ ٤٥٦).
١٠ - باب مضاعفة أجر النبي ﷺ إذا أصابه الوعك
• عن عبد الله بن مسعود، قال: دخلتُ على رسول الله ﷺ وهو يوعَك، فقلت: يا رسول الله! إنَّك توعَك وَعْكًا شديدًا؟ ! قال: "أَجل! إنِّي أُوعَك كما يوعَك رجلان منكم". فقلتُ: ذلك أنَّ لك أجرين؟ قال: "أَجل! ذلك كذلك، ما من مسلم يُصيبُه أذىً، شوكةٌ فما فوقها إلَّا كفَّر الله بها سيِّئآته كما تحطُّ الشجر ورقها".
متفق عليه: رواه البخاري في المرضى (٥٦٤٧) ومسلم في البر والصلة (٢٥٧١) كلاهما من حديث سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سُوَيد، عن عبد الله، فذكره.
• عن أبي سعيد الخدري، قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك، فوضعت يدي عليه، فوجدت حره بين يديَّ فوق اللِّحاف، فقلت: يا رسول الله! ما أشدَّها عليك! قال: "إنَّا كذلك يُضعَّف لنا البلاء، ويُضعَّف لنا الأجر". قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاءً؟ قال: "الأنبياء". قلت: يا رسول الله! ثمَّ من؟ قال: "ثمَّ الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتَّى ما يجد أحدهم إلَّا العباءة يحوبها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء".
حسن: رواه ابن ماجه (٤٠٢٤) عن عبد الرحمن بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن أبي فُديك، قال: حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
إسناده حسن من أجل الكلام في هشام بن سعد المدني؛ فقد ضعَّفه ابن معين، والنسائي، ومشَّاه الآخرون، فقال أبو زرعة: "محله الصدق". وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يُحتجُّ به".
стр. 2093
وقال العجلي: "جائز الحديث".
قلت: هو من رجال مسلم، من أثبت الناس في زيد بن أسلم، وقد صحَّح هذا الإسناد البوصيري في "زوائده"، إلَّا أنَّه زاد بين الأنبياء والصالحين "العلماء"، وزاد أيضًا: ويبتلى بالقمل حتَّى تقتله". وقال: "صحيح على شرط مسلم، فقد احتجَّ بهشام بن سعد".
• عن فاطمة، أخت حذيفة، قالت: أتينا رسول الله ﷺ نعوده في نساء، فإذا سقاء معلق نحوه، يقطر ماؤه عليه من شدة ما يجد من حرِّ الحمَّى، قلنا: يا رسول الله! لو دعوت الله فشفاك. فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ من أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٧٠٧٩) والطبراني في "الكبير" (٢٤/ ٢٤٥) كلاهما من طريق شعبة، عن حصين بن عبد الرحمن، قال: سمعت أبا عبيدة بن حذيفة يحدث عن عمَّته فاطمة، فذكرت الحديث.
ورواه الحاكم (٤/ ٤٠٤) من هذا الوجه، ورجال إسناده ثقات، غير أبي عبيدة بن حذيفة، وهو معروف بكنيته، ولا يسمَّى كما قال أبو حاتم. وقد روي عنه جمع، ووثَّقه ابن حبان، والعجلي، وحسن حديثه الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٩٢) ولم يُعرف فيه جرح، وأمَّا الحافظ؛ فقال فيه: "مقبول". أي إذا توبع، لكني لم أقف على متابع له غير أنَّه يُحسَّن حديثه لشهرته، وشواهده.
• عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: دخلنا على النبي ﷺ وهو يوعك. فقلنا: أخ أخ، بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله! ما أشدَّ وعكك! فقال: "إنَّا معشر الأنبياء يُضاعف علينا البلاءُ تضعيفًا". قال: قلنا: سبحان الله! قال: "أفعجبتم؟ إنَّ أشدَّ الناس بلاءً الأنبياء والصالحون، الأمثل فالأمثل". قلنا سبحان الله! قال: "أفعجبتم؟ إن كان النبي من الأنبياء ليدرع العباءة من الحاجة، لا يجد غيرها". قلنا: سبحان الله! قال: "أفعجبتم؟ إن كان النبي من الأنبياء ليقتله القمل". قلنا: سبحان الله! قال: "أفعجبتم؟ إن كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرّخاء".
حسن: رواه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" (٥) عن عبيدالله بن عمر الجُشمي، وغيره، حدَّثنا يحيى بن سليم الطائفي، حدثنا إسماعيل بن كثير، عن زياد بن أبي زياد -مولي ابن عياش-، عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، قال: فذكره.
وإسناده حسن، فإنَّ يحيى بن سليم الطائفي وإن كان من رجال الجماعة إلَّا أنَّه مختلف فيه؛ فتكلَّم فيه النسائي، والدارقطني، ووثَّقه ابن معين، وابن سعد، وابن حبان، والعجلي، وغيرهم. وهو حسن الحديث. وبقية رجاله ثقات، وزياد بن أبي زياد -مولي ميسرة المخزومي- المدني،
стр. 2094
مولي عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، من رجال مسلم، روي عن مولاه، وعن جماعة من الصحابة، وثَّقه النسائي وغيره، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: "كان عابدًا زاهدًا". وقال مالك: "كان عمر بن عبد العزيز يُكرمه". وقال أيضًا: "كان رجلًا عابدًا معتزلًا لا يزال يكون وحده".
• عن عمر، قال: وضعتُ يدي على النبي ﷺ ، فقلت: بأبي وأمي ما أجرك! وهو يومئذٍ محموم، فقال: "إن كنَّا يُضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر".
صحيح: رواه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" (٢٤١) عن عبد الرحمن بن صالح، حدثنا علي بن ثابت، عن الأوزاعي، عن نافع، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن عمر، فذكر مثله.
ورجاله ثقات، غير علي بن ثابت، وهو الجزري، فقال فيه الحافظ: "صدوق ربما أخطأ، وقد ضعَّفه الأزدي بلا حجة". كذا قال، والصواب أنَّه ثقة؛ لأنَّه وثَّقه ابن معين، وأبو داود، وأبو زرعة، وابن سعد، وقال النسائي: "ليس به بأس". وذكره ابن حبان في الثقات.
وفي الباب عن أبي هريرة، قال: سئل النبي ﷺ : من أشد الناس بلاءً؟ فقال: "النبيون، ثمَّ الصالحون".
رواه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" (٤)، وفيه ليث، وهو ابن أبي سُليم، ضعَّفه جمهور أهل العلم لضعف حفظه واختلاطه في آخر عمره، قال ابن حبان: "اختلط في آخر عمره، فكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم".
وفي الباب أيضًا عن عائشة مرفوعًا: "إنَّا معشر الأنبياء يُشدُّ علينا الوجع ليكفِّر عنَّا".
رواه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" (٩)، عن إبراهيم، (وهو ابن زياد سبلان)، حدَّثني يحيى بن بُكير، حدثنا ابن لهيعة، حدثني محمد بن عبد الرحمن، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يُشدَّد عليه إذا مرض، حتَّى لربَّما مكث خمس عشرة لا ينام، وكان يأخذه عرق الكلية، وهو الخاصرة، فقلنا: يا رسول الله! لو دعوتَ الله فيكشف عنك. فقال, فذكرت الحديثَ.
وابن لهيعة فيه كلام مشهور، والحديث ليس من رواية أحد العبادلة عنه.
وفي الباب أيضًا عن عائشة مرفوعًا: "من أُصيب بمصية فليتعز بمصيبته بي؛ فإنَّه لن يُصاب أحد من أمتي بأشد منها".
رواه ابن ماجه (١٥٩٩)، من حديث موسي بن عبيدة، حدثنا مصعب بن محمد، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن، عن عائشة، فذكرته.
وفيه موسى بن عبيدة الربذي، أهل العلم مطبقون على تضعيفه، وبه ضعَّفه البوصيري في زوائد ابن ماجه.
стр. 2095
١١ - باب ثواب المؤمن فيما يُصيبه من مرضٍ، أو حزن أو نحو ذلك
• عن أبي هريرة، وأبي سعيدٍ، عن النبي ﷺ ، قال: "ما يُصيب المسلمَ من نصبٍ، ولا وَصبٍ، ولا همٍّ, ولا حزنٍ، ولا أذىً، ولا غمٍّ، حتَّى الشوكة يُشاكها إلَّا كفَّر الله بها من خطاياه".
متفق عليه: رواه البخاري في المرض (٥٦٤١، ٥٦٤٢) ومسلم في البر والصلة (٢٥٧٣) كلاهما من حديث محمد بن عمرو بن عطاء، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد وأبي هريرة، فذكر الحديثَ، واللفظ للبخاري.
وفي رواية مسلم: "حتَّى الهمّ يُهمُّه إلَّا كفَّر به من سيِّئاته".
قال الترمذي (٩٦٦): وسمعت الجارود يقول: سمعت وكيعًا يقول: "لم يُسمع في الهمِّ أنَّه يكون كفَّارة إلَّا في هذا الحديث".
وقوله: "نَصَب ووَصَب" كلاهما بفتحتين، والنصب: التعب، والوصب: دوام الوجع ولُزومه.
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم! مَرِضتُ فلم تعُدني؟ قال: يا ربِّ! كيف أعودك وأنتَ ربُّ العالمين؟ قال: أما علِمتَ أنَّ عبدي فلانًا مرِض فلم تعُده؟ أما علِمتَ أنَّك لو عُدتَه لوجدتَّني عنده؟ يا ابن آدم! استطعمتُكَ فلم تُطعِمني؟ قال: يا ربِّ! وكيف أُطعمك وأنت ربُّ العالمين؟ قال: أما علمتَ أنَّه استطعمك عبدي فلانٌ فلم تُطعمه؟ أما علمتَ أنَّك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم! استسقيتُك فلم تَسقني؟ قال: يا ربِّ! كيفَ أسقيك وأنت ربُّ العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلانٌ فلم تَسقه، أمَا إنَّك لو سقيتَه وجدتَّ ذلك عندي".
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٦٩) عن محمد بن حاتم بن ميمون، حدَّثنا بهزٌ، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن ثابتٍ، عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن أبي هريرة، لمَّا نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [سورة النساء: ١٢٣]. بلغت من المسلمين مبلغًا شديدًا، فقال رسول الله ﷺ : "قاربوا وسدِّوا، ففي كلِّ ما يُصاب به المسلم كفَّارةٌ، حتَّى النكبة يُنكبها، والشوكة يُشاكها".
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٧٤) من طرق عن سفيان بن عيينة، عن ابن محيصن، شيخٍ من قريش، سمِع محمد بن قيس يُحدِّث عن أبي هريرة، فذكره.
• عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وصب المؤمن كفَّارةٌ لخطاياه".
стр. 2096
صحيح: رواه الحاكم (١/ ٣٤٧) وابن أبي الدنيا في "المرض" (٥٨, ١٣١) كلاهما من طريق عبيدالله بن موسى، أنبأ إسرائيل، عن عبد الله بن المختار، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، فذكره. قال الحاكم: "صحيح".
وعبد الله بن المختار وإن قال فيه الحافظ: "لا بأس به". فالصواب أنَّه ثقة؛ فقد وثَّقه جماعة من أهل العلم، منهم: ابن معين، والنسائي، وغيرهما، وهو من رجال مسلم. وأمَّا بقية الرجال؛ فهم ثقات من رجال الصحيح.
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتَّى يلقى الله وما عليه خطيئةٌ".
حسن: رواه الترمذي (٢٣٩٩) وأحمد (٧٨٥٩) والحاكم (١/ ٣٤٦) كلهم من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن فإن محمد بن عمرو هو ابن علقمة الليثي؛ وهو حسن الحديثِ.
• عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إنَّ الله ليبتلي عبدَه بالسقم، حتَّى يُكفِّر ذلك عنه كلَّ ذنبٍ".
حسن: رواه الحاكم (١/ ٣٤٧ - ٣٤٨) من طريق ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن سلمان الحجري، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المقبري، عن أبي هريرة، فذكره.
وإليه عزاه المنذري في "الترغيب والترهيب" (٥١٦١).
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
والصواب أنَّ عبد الرحمن بن سلمان الحجري لم يخرج له البخاري، وإنَّما أخرج له مسلم فقط. ثمَّ هو مختلفٌ فيه، قال البخاري: "فيه نظر". وقال النسائي: "ليس به بأس".
• عن أبي هريرة قال: جاءت الحمَّى إلى النبي ﷺ فقالت: ابعثي إلى آثر أهلك عندك. فبعثها إلى الأنصار. بقيت عليهم ستة أيام ولياليهم. فاشتدَّ ذلك عليهم.
فأتاهم في ديارهم، فشكوا ذلك إليه، فجعل النبي ﷺ يدخل دارًا دارًا، وبيتًا بيتًا، يدعو لهم بالعافية. فلمَّا رجع؛ تبعته امرأة منهم فقالت: والذي بعثك بالحق إنِّي لمن الأنصار، وإنَّ أبي لمن الأنصار، فادع الله لي كما دعوت للأنصار، قال: "ما شئتِ؟ إن شئتِ دعوت الله أن يُعافيكِ، وإن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنَّة". قالت: بل أصبر، ولا أجعل الجنَّة خطرًا.
حسن: رواه البخاري في الأدب المفرد (٥٠٢) عن قرة بن حبيب، قال: حدثنا إياس بن أبي تميمة، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة، فذكر مثله.
стр. 2097
وإسناده حسن من أجل إياس بن أبي تميمة؛ فإنَّه "صدوق".
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال المليلةُ والصداع بالعبد والأَمة، وإنَّ عليهما من الخطايا مثل أحدٍ، فما يدعهما وعليهما مثقال خردلةٍ".
حسن: رواه أبو يعلى (٦١٢٤ - الأثري) عن سويد بن سعيد، حدَّثنا ضِمام، عن موسي بن وَرْدَان، عن أبي هريرة، فذكر مثله.
قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣٠١): "رواه أبو يعلى ورجاله ثقات".
قلت: وهو كما قال، إلَّا أنَّ سويد بن سعيد وإن كان مسلم أخرج له ولكنه مختلَف فيه؛ قال عبد الله بن أحمد: "عرضت على أبي أحاديثَ سويد عن ضمام بن إسماعيل، فقال لي: اكتُبْها كلَّها؛ فإنَّه صالحٌ، أو قال: ثقة". وقال الميموني عن أحمد: "ما علمت إلَّا خيرًا". وتكلم فيه ابن معين والنسائي، وغيرهما، غير أنَّ الخلاصة فيه: أنَّه حسن الحديث، وخاصة في ضمام بن إسماعيل.
وكذلك فيه عن موسي بن وَرْدَان أبي عمر المصري، مختلف فيه، غير أنَّه حسن الحديث إذا لم يخالف.
والمليلة: حرارة الحُمَّى التي تكون في العِظام.
• عن جابر بن عبد الله، أنَّ رسول الله ﷺ دخل على أم السائب، أو أم المسيب، فقال: "ما لكِ يا أمَّ السائب! أو أمَّ المُسيِّب! تُزفزفين؟ ". قالت: الحُمَّى لا بارك الله فيها! فقال: "لا تسُبِّي الحمَّى؛ فإنَّها تُذِهب خطايا بني آدم كما يُذهِب الكير خَبَثَ الحديدِ".
صحيح: رواه مسلم في البر والصّلة (٢٥٧٥) عن عبيدالله بن القواريريّ، حدَّثنا يزيد بن زُرَيع، حدَّثنا حجَّاجٌ الصوَّاف، حدَّثني أبو الزبير، حدَّثنا جابر بن عبد الله، فذكره.
• عن جابر، قال: استأْذَنَت الحُمَّي على النبي ﷺ ، فقال: "من هذه؟ ". قالت: أُمُّ مِلْدَم. قال: فأمر بها إلى أهلِ قباء. فلقوا منها ما يعلم الله، فأتوه فشكوا ذلك إليه. فقال: "ما شئتم؟ إن شئتم أن أدعو الله لكم فيكشفها عنكم، وإن شئتم أن تكون لكم طَهورًا".
وفي رواية قالوا: بل تكون طهورًا.
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٤٣٩٣) وأبو يعلي (١٨٩٢) كلاهما من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، فذكر مثله.
وصحَّحه ابن حبان (٢٩٣٥) والحاكم (١/ ٣٤٦) وقال: "صحيح على شرط مسلم". وأورده الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦) وقال: "رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجال أحمد رجال الصحيح".
стр. 2098
• عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم ولا مسلمة، ولا مؤمن ولا مؤمنة، يمرض مرضًا إلَّا حطَّ الله عنه من خطاياه".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٥١٤٦) وأبو يعلى (٢٣٠٥) كلاهما من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، فذكر مثله، واللفظ لأحمد.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا البخاري في "الأدب المفرد" (٥٠٨) إلَّا أنَّه قال فيه: "إلَّا قضي الله به عنه خطاياه".
وأبو سفيان هو طلحة بن نافع، وهو "صدوق"، وقد توبع عند أحمد (١٤٧٢٥) والبزار (٧٥٨ - كشف) وابن حبان في صحيحه (٢٩٢٧) فرووه من وجهٍ آخر عن أبي الزبير، عن جابر.
ولفظ ابن حبان: "إلَّا حطَّ الله بذلك خطاياه كما تنحط الورقة عن الشجرة".
قال البزار: "لا نحفظ له طريقًا عن جابر أحسن من هذا".
وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣٠١): "رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح".
• عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يُصيب المؤمنَ من مصيبة حتَّى الشوكة إلَّا قُصَّ بها، أو كفِّر بها من خطاياه".
لا يدري أيهما قال عروة.
متفق عليه: رواه مالك في العين (٦) عن يزيد بن خصيفة، عن عروة بن الزبير، أنَّه قال: سمعتُ عائشةَ زوج النبي ﷺ ، فذكرت مثله.
ورواه مسلم في البر والصلة (٢٥٧٢) عن أبي الطاهر، أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك ابن أنس، بإسناده، فذكر مثله.
ورواه الشيخان، البخاري في المرضى (٥٦٤٠) ومسلم كلاهما من حديث ابن شهابٍ، عن عروة، بإسناده، وفيه: "إلَّا كفَّر الله بها عنه، حتَّى الشوكة يُشاكُها" بدون تردد.
• عن الأسود، قال: دخل شابٌ من قريش على عائشة، وهي بمنًى وهم يضحكون، فقالت: ما يُضحككم؟ قالوا: فُلانٌ خرَّ على طُنُبِ فُسطاط فكادت عنقه، أو عينه أن تذهب، فقالت: لا تضحكوا؛ فإنِّي سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ما من مسلم يُشاك شوكةً فما فوقها إلَّا كُتِبت له بها درجةٌ، ومُحِيَت عنه بها خطيئةٌ".
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٧٢) من طرق عن جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، به مثله.
وقوله: "طُنب": هو الحبل الذي يُشدُّ الفسطاط، والخِباء، ونحوه.
وفي الباب عن عائشة، أنَّ رجلًا تلا هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، فقال: إنَّا لنُجزي
стр. 2099
بكلِّ عملنا؟ هلكنا إذًا! فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "نعم يُجزى به المؤمنون في الدنيا في مصيبة في جسده فيما يؤذيه".
رواه أحمد (٢٤٣٦٨) وأبو يعلى (٤٦٧٥, ٤٨٣٩) كلاهما عن هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو، أنَّ بكر بن سوادة حدَّثه، أنَّ يزيد بن أبي يزيد حدَّثه، عن عبيد بن عمير، عن عائشة، فذكرت الحديث.
وصحَّحه ابن حبَّان (٢٩٢٣)، وفي الإسناد يزيد بن أبي يزيد، وهو الأنصاري، مولي مسلمة بن مخلد، لم يوثقه أحدٌ، وإنَّما ذكره ابن حبَّان في "الثقات" (٧/ ٦٣١)، وأخرج حديثَه في صحيحه، وهو من رجال "التعجيل" (١١٩٣)، وقد أطال الحافظ الكلام عليه، فانظره، وأمَّا قول الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٢): "رواه أحمد وأبو يعلى، ورجالهما رجال الصحيح"، فليس بصحيحٍ؛ لأنَّ يزيد بن أبي يزيد ليس من رجال الصحيح، ولعلَّ الهيثمي ظنَّ أنَّه يزيد بن أبي يزيد الضُّبَعي، المعروف بالرِّشك؛ فإنَّه من رجال الجماعة، وليس كذلك.
وأمَّا ما رُوي عن أبي بكر، قال: يا رسول الله! كيف الصلاح بعد هذه الآية: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. فكلُّ سوء عملنا جُزينا به؟ فقال رسول الله ﷺ : "غفر الله لك يا أبا بكر! ألستَ تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألستَ تصيبُك اللأواء؟ ". قال: بلى. قال: "فهو ما تُجزون به". ففيه انقطاع، رواه الإمام أحمد (٦٨) وأبو يعلى (٩٨, ٩٩, ١٠٠, ١٠١) كلاهما من طرق، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن أبي بكر بن أبي زهير، قال: أُخبِرتُ أنَّ أبا بكر قال، فذكر مثله. واللفظ لأحمد.
وأخرجه ابن حبَّان في صحيحه (٢٩١٠, ٢٩٢٦) والحاكم (٣/ ٧٤, ٧٥) كلاهما من طريق إسماعيل بن أبي خالدٍ، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإِسناد.
قلتُ: أبو بكر بن أبي زهير لم يروِ عنه إلَّا اثنان، ولم يوثقه أحدٌ؛ ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول" أي إذا توبع، ثمَّ هو من صغار التابعين، لم يسمع من أبي بكر؛ وقد جزم به الحافظ في التهذيب: "أرسل عن أبي بكر".
ولهذا الحديث أسانيد أخرى، وكلُّها معلولةٌ، وإلى هذا يشير الترمذي (٣٠٣٩) بعد أن رواه من وجهٍ آخر: "هذا حديثٌ غريب، وفي إسناده مقال، موسي بن عُبيدة يُضعَّف في الحديث، ضعَّفه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل. ومولي ابن سباع مجهول. وقد رُوي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي بكر، وليس له إسنادٌ صحيحٌ".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن عائشة. أنَّها سُئلت عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، وعن قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، فقالت: ما سألني عنها أحد منذ سألتُ رسول الله ﷺ ، فقال: "هذه معاتبة الله العبدَ فيما يُصيبُه من الحُمَّى
стр. 2100
والنكبة، حتَّى البضاعة يضعها في كمِّ قميصه فيفقدها، فيفزع لها، حتَّى إنَّ العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج التِّبْرُ الأحمر من الكير".
رواه الترمذي (٢٩٩١) من طريق حمَّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أمية، أنَّها سألت، فذكرت مثله.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (٢٥٨٣٥) ولفظه: "يا عائشة! هذه متابعة الله العبد بما يصيبه من الحُمَّة، والنكبة، والشوكة، حتَّى البضاعة يضعها في كُمِّه، فيفقدها، فيفزع لها، فيجدها في ضِبنه، حتَّى إنَّ المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر من الكير". أورده الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٢) وعزاه لأحمد، وقال: "وأمية لم أعرفها".
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من حديث عائشة، لا نعرفه إلَّا من حديث حمَّاد بن سلمة".
قلت: علي بن زيد، وهو ابن جُدعان ضعيف، وأمَيَّة هي بنت عبد الله، لا يُعرف حالها، وهي أم محمد، امرأة والد علي بن زيد بن جُدعان، وليست بأمِّه. كذا في "التقريب". وتفرَّد بالرواية عنها علي بن جدعان، ابن زوجها، ولم ينُقل توثيقها عن أحدٍ.
قوله: "معاتبة" و "متابعة" هكذا في الروايتين.
وقوله: "فيجدها في ضِبْنه" بكسر الضاد، وسكون الباء، هو ما بين الكشح والإبط. والكشح: هو ما بين الخاصرة والضلوع.
وأمَّا ما رُوي عن ابن عباس مرفوعًا: "من أُصيبَ بمصيبة في ماله، أو جسده، فكتمها، فلم بشكها إلى الناس، كان حقًّا على الله أن يغفر له". فهو موضوعٌ، أخرجه الطبراني في "الكبير" (١١/ ١٨٤) عن أحمد بن علي الأبَّار، ثنا هشام بن خالد، ثنا بقية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكر مثله. قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣٣١) "فيه بقية، وهو مدلس".
وذكر ابن أبي حاتم، عن أبيه ثلاثة أحاديث من رواية هشام بن خالد الأزرق، منها الحديث المذكور، فقال: قال أبي: "هذه الثلاثة الأحاديث موضوعة، لا أصل لها، وكان بقيَّة يُدلِّس، فظنَّ هؤلاء أنَّه يقول في كلِّ حديثٍ: حدَّثنا، ولم يتفقَّدوا الخبر منه". العلل" (١٨٧١)، ونقل عن أبيه، في موضع آخر بأنَّه حديثٌ باطل (٢٠٢٨).
وذكر ابن حبان هذه الأحاديث الثلاثة في "المجروحين" (١/ ٢٣١) وقال: هي كلُّها موضوعة".
وأمَّا هشام بن خالدٍ، فهو من ثقات الدماشقة، ولكنَّه يروج عليه، قاله الذهبي في "الميزان" في ترجمته. ثمَّ ذكر الحديثَ المذكور. ونقل قول أبي حاتم بأنَّه موضوع وأقرَّه.
وأمَّا قول المنذري في "الترغيب" (٤/ ٢٨٦): "رواه الطبراني ولا بأس به". فهو تساهلٌ منه.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن أنس مرفوعًا: "إنما مثل المريض إذا برأ وصحَّ كالبَرْدة تقع من السماء
стр. 2101
في صفائها ولونها".
رواه الترمذي (٢٠٨٦) عن علي بن حُجْر، قال: أخبرنا الوليد بن محمد الموقَري، عن الزهري، عن أنسٍ، فذكر مثله.
ووهم الهيثمي، فأورده في "المجمع" (٢/ ٣٠٣) وهو ليس على شرطه، وعزاه للبزار والطبراني في "الأوسط" وقال: فيه الوليد بن محمد الموقري، وهو ضعيف".
قلت: وهو كما قال؛ فإنَّ الوليد بن محمد الموقَري -بضمِّ الميم، وقاف مفتوحة- أبو بشر البلقاوي مولى بني أميَّة، العلماء مطبقون على تضعيفه، وقال في "التقريب": "متروك".
• عن عائشة، قالت: سألتُ رسول الله ﷺ عن الحساب اليسير، فقلت: يا رسول الله! ما الحساب اليسير؟ فقال: الرجل تُعرَض عليه ذنوبه، ثمَّ يُتجاوز له عنها، إنَّه من نوقش الحساب هلكَ، ولا يُصيبُ عبدًا شوكةٌ فما فوقها، إلَّا قاصّ الله بها من خطاياه".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٥٥١٥) عن يونس بن محمد، حدَّثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدَّثنا عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير، قال: سمعتُ عباَّد بن عبد الله بن الزبير يقول: سمعت أمَّ المؤمنين عائشة، فذكرته.
وإسناده حسن من أجل عبد الواحد بن حمزة، فإنَّه ليس به بأس كما قال ابن معين، وروى له مسلم.
ورواه أيضًا (٢٤٢١٥) من وجهٍ آخر عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني عبد الواحد بن حمزة بإسناده، إلَّا أنَّه زاد في أوَّل الحديث: سمعت النبي ﷺ يقول في بعض صلاته: "اللهمَّ حاسبني حسابًا يسيرًا". فلما انصرف قلت: يا نبي الله! ما الحساب اليسير؟ ". فذكر بقية الحديث مثله.
ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم (١/ ٥٧، ٢٥٥) وأبو حاتم بن حبان في صحيحه (٧٣٧٢).
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذا اللفظ؛ إنَّما اتفقا على حديث ابن أبي مليكة، عن عائشة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: من نوقش الحساب عُذِّب".
قلت: حديث ابن أبي مليكة، عن عائشة ذكر في كتاب الإيمان، وأمَّا زيادة ابن إسحاق في أول الحديث: سمعت النبي ﷺ يقول في بعض صلاته: "اللهمَّ حاسبني حسابًا يسيرًا". فلم يوافقه عليها أحدٌ.
وكذلك زاد أبو عامر الخزَّاز، عن ابن أبي مليكة في أوَّل الحديث عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله! إنِّي لأعلم أشدَّ آية في القرآن، قال: أية آيةٍ يا عائشة؟ " قالت: قول الله : ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: "أما علِمتِ يا عائشة! أنَّ المؤمن تُصيبه النكبة أو الشوكة فيُكافأُ بأسوء عمله؟ ومن نوقش؛ عُذِّب". قالت: أليس الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ [الانشقاق: ٨]. قال: "ذاكم العرض يا عائشة! من نوقش الحساب غُذِّب". رواه أبو داود (٣٠٩٣) من طرق عن أبي عامر الخزَّاز، به مثله.
стр. 2102
وأبو عامر اسمه: صالح بن رُستم المُزني مولاهم. قال ابن معين: "ضعيف". وفي "التقريب": "صدوق كثير الخطأ". وعليه؛ فلعلَّ زيادته في أوَّل الحديث من أخطائه؛ فإنَّه لم يُوافقه عليها أحدٌ.
• عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ الحُمَّى تحطُّ الخطايا كما تحطُّ الشجر ورقها".
حسن: رواه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" (٢٢) عن هاشم بن الوليد، حدَّثنا عبد الوهاب ابن عطاء، عن عمر بن قيس، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، فذكرت مثله.
إسناده حسن؛ من أجل عبد الوهاب بن عطاء، وهو الخفاف، مختلف فيه، فضعفه البخاري والنسائي، وقال ابن معين: "لا بأس به". وقال أبو حاتم: "يكتب حديثه، محله الصدق". وقال ابن سعد: "كان صدوقًا". فمثله يُحسن حديثه إذا لم يخالف؛ ولذا قال فيه الحافظ: "صدوق ربما أخطأ، أنكروا عليه حديثا في فضل العباس، يقال دلَّسه عن ثور".
وأمَّا شيخه عمر بن قيس؛ فلم أستطع تعيينه؛ فهو إمَّا أن يكون عمر بن قيس الماصر بن أبي مسلم الكوفي أبو الصباح، مولي ثقيف، وهو ثقة، والغالب أنَّه هو، أو هو عمر بن قيس المكي، أبو جعفر المعروف بسَنْدَل، وهما متقاربان في الطبقة، إلَّا أنَّ الثاني ضعيف جدًّا. فمن تأكَّد أنَّه الثاني فليضرب على هذا الحديث.
• عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "إذا اشتكى المؤمن أَخلصه ذلك كما يُخلص الكيرُ خَبَثَ الحديد".
صحيح: رواه ابن حبَّان (٢٩٣٦) والقُضاعي في "مسند الشهاب" (١٤٠٧) كلاهما من حديث ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، فذكرته.
ورواه الطبراني في "الأوسط" (١١٥٥ - مجمع البحرين) والقُضاعي (١٤٠٦) وابن أبي الدنيا في "المرض والكفَّارات" (٩٠) كلُّهم من حديث ابن أبي الذئب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مثله.
وإسناده صحيح، ولا يُعلُّ بما رواه البخاري في "الأدب المفرد" (٤٩٧) فأدخل بين ابن أبي الذئب وبين ابن شهاب "جُبَير بن أبي صالح". وجبير هذ؛ قال عنه الذهبي: "لا يُدري من هو؟ "؛ فإنَّ الإسنادَ صحيح بدونه، بل هو الأولى؛ لأنَّ جمهورَ الرواة عن ابن أبي ذئبٍ أسقطوا جبير بن أبي صالح.
أمَّا ما رُوي عن فاطمة الخزاعية -وكانت قد أدركت عامة أصحاب النبي ﷺ ، أنَّ رسولَ الله ﷺ عاد امرأة من الأنصار، وهي وَجِعَةٌ، فقال لها: "كيف تجدينكِ؟ ". فقالت: بخير يا رسول الله! وقد برَّحت بي أمُّ مِلْدَم -تُريد الحُمَّى- فقال لها رسول الله ﷺ : "صبري، فإَّنها تُذهِب من خَبَثِ الإنسان كما يُذهب الكير من خَبَث الحديد".
стр. 2103
فهو مرسل كما هو واضح، رواه عبد الرزَّاق (٣٠٣٠٦) ومن طريقه الطبراني في "الكبير" (٢٤/ ٤٠٥) عن معمر، عن الزهري، قال: حدَّثني فاطمة الخزاعية، فذكرت الحديث.
قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣٠٧): "رجاله رجال الصّحيح". وفاطمة الخزاعية -كما في قول الزهري-، تابعيّة، وعليه فروايتها عن النبي ﷺ مرسلةٌ.
• عن عائشة، أنَّ النبي ﷺ طرقه وجَعٌ، فجعل يشتكي ويتقلَّب على فراشه. فقالت عائشة: لو صنع هذا بعضنا لوجدتَ عليه! فقال النبي ﷺ : إنَّ الصالحين يُشدَّد عليهم، وإنَّه لا يُصيبُ مؤمنًا نَكْبةٌ من شوكةٍ فما فوق ذلك إلَّا حُطَّت به عنه خطيئةٌ، وترفع بها درجةً".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٥٢٦٤) عن هشام بن سعيد، أخبرنا معاوية -يعني ابن سلام-، قال: سمعت يحيى بن أبي كثيرٍ، قال: أخبرني أبو قلابة، أنَّ عبد الرحمن بن شيبة أخبره، أنَّه عائشة أخبرته، فذكرته.
وأورده الهيثمي في "المجمع" (٢/ ١٩٢) وقال: "رواه أحمد، ورجاله ثقات".
قلت: وهو كما قال، وإسناده صحيح، وعبد الرحمن بن شيبة، هو العبدي المكي، وصحَّحه ابن حبَّان (٢٩١٩) والحاكم (١/ ٣٦٥ - ٣٦٦) كلاهما من طريق يحيى بن أبي كثير به مثله. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
وعبد الرحمن بن شيبة العبدي. ليس من رجال الشيخين، غير أنَّه ثقة. وفي صحيح ابن حبان "عبد الله بن نسيب" بدلًا من عبد الرحمن بن شيبة، قال ابن حبان: "يحيى ابن أبي كثير واهم في قوله: عبد الله بن نسيب، إنَّما هو عبد الله بن الحارث نَسيب بن سيرين، فسقط عليه "الحارث" فقال: عبد الله بن نسيب".
وعبد الله بن الحارث هذا -أيضًا- ثقة من رجال الجماعة. إن صحَّ قول ابن حبان فيكون عبد الله ابن الحارث متابعًا لعبد الرحمن بن شيبة.
ورواه مسدد كما في "المطالب" (٢٤٥٣)، وهناد في "الزهد" (١/ ٢٤١) كلاهما من حديث أبي الأحوص، حدثنا أشعث بن سُليم، عن أبي بردة، عن بعض أمهات المؤمنين نحوه. وإسناده صحيح، ولعل المبهمة هي عائشة.
• عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "ما ضرب على مؤمن عرق قط، إلَّا حطَّ الله عنه به خطيئة، وكتب له حسنة، ورفع له درجة".
حسن: رواه الطبراني في "الأوسط" (١١٥٧ - مجمع البحرين)، والحاكم (١/ ٣٤٧) كلاهما من طريق عمران بن زيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن سالم، عن عائشة فذكرته. وقال
стр. 2104
الحاكم: صحيح الإسناد، وعمران بن زيد التغلبي شيخ من أهل الكوفة. وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣٠٤): "إسناده حسن".
قلت: عمران بن زيد وقيل: ابن يزيد، فيه كلام؛ فقال ابن معين: "ليس يُحتجُّ بحديثه". وقال أبو حاتم: "يُكتب حديثه وليس بالقوي". وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن عدي: "قليل الحديث". وصحَّح حديثه الذهبي في المختصر، وقال في "الكاشف" بأنَّه مختلف فيه.
والخلاصة أنَّه لا بأس به في الشواهد، وفي معناه أحاديث كثيرة.
• عن أمِّ العلاء، قالت: عادني رسول الله ﷺ وأنا مريضة فقال: "أبشري يا أمَّ العلاء! فإنَّ مرض المسلم يُذهِب الله به خطاياه كما تُذهب النار خبث الذهب والفضَّة".
صحيح: رواه أبو داود (٣٠٩٢) عن سهل بن بكَّار، عن أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن أمِّ العلاء، فذكرت مثلَه.
وإسناده صحيح، رجاله ثقات، رجال البخاري، إلَّا أنَّ المنذري حسَّنه.
• عن عبد الرحمن بن أزهر قال: قال رسول الله ﷺ : مثل العبد المؤمن حين يصيبه الوَعكُ، أو الحمَّي، كمثل حديدة تُدخل النارَ، فيذهب خبثها، ويبقى طيبها".
حسن: رواه البزار (٧٥٦ - كشف) عن يوسف بن أبي يزيد، ثنا سعيد بن أبي مريم، عن نافع ابن يزيد، حدَّثني جعفر بن ربيعة، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن السائب، أنَّ عبد الحميد بن عبد الرحمن بن أزهر حدَّث عن أبيه عبد الرحمن بن أزهر، فذكر مثله.
ورواه الحاكم (١/ ٧٣، ٣٤٨) وابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" (٢٤) كلاهما من طريق سعيد بن أبي مريم به مثله.
قال الحاكم في الموضع الأول: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والذي عندي: أنَّهما تركاه لتفرد عبد الحميد، عن أبيه بالرواية".
وقال في الموضع الثاني: "صحيح الإسناد، رواته مدنيون ومِصريون، ولم يُخرجاه".
ولكن قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣٠٢): "رواه البزَّار والطبراني وفيه من لا يُعرف".
قلت: لعله يقصد به عبد الحميد بن عبد الرحمن الذي ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٦/ ١٥) ولم يقل فيه شيئًا، ولكن ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ١٢٧) وقال: "من أهل المدينة، يروي عن أبيه، وجماعة من التابعين، روى عنه أهل المدينة". ومعناه أنَّه كان معروفًا عند أهل المدينة بالرواية عنه. وأهل المدينة ما كانوا يروون إلَّا عمَّن عرفوه.
وعبيدالله بن عبد الرحمن بن السائب؛ من أهل المدينة، روي عن عبد الحميد وغيره. روي عنه ابن جريج، ونافع بن يزيد مرة بالواسطة -كما هنا-، وأخرى بدون واسطة، وهو ممن ذكره-
стр. 2105
أيضًا- ابن حبان في "الثقات" (٢/ ١٨٩).
وعبد الرحمن بن أزهر له صحبة، شهد حنينًا مع النبي ﷺ . وذكره ابن سعد في الطبقة السابعة ممن حفظ عن رسول الله ﷺ من الصغار، قال: "وهو نحو عبد الله بن عباس في السن، بقي إلى فتنة ابن الزبير". وله ذكر في الصّحيحين في ذكر الركعتين بعد العصر.
وإلى هؤلاء أشار الحاكم بقوله: "رواته مدنيون". فمثلهم يحسَّن حديثهم إذا لم يُخالفوا.
وأمَّا ما رُوي عن أبي هريرة، قال: ذُكرت الحمَّى عند رسول الله ﷺ ، فسبَّها رجلٌ، فقال النبي ﷺ : "لا تسبُّها؛ فإنَّها تنفي الذنوبَ كما تنفي النار خبث الحديد"، فهو ضعيفٌ، رواه ابن ماجه (٣٤٦٩) عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدَّثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن علقمة بن مرثد، عن حفص بن عبيد الله، عن أبي هريرة، فذكر الحديثَ.
وموسي بن عُبيدة، هو ابن نشيطٍ الربذي المدني، ضعيف عند جماهير أهل العلم. وأطلق عليه الحافظ في "التقريب" بأنَّه "ضعيف".
• عن معاوية، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من شيء يُصيب المؤمن في جسده يؤذيه إلَّا كفَّر الله عنه به من سيِّئاته".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٦٨٩٩) عن يعلى بن عبيد، قال: حدَّثنا طلحة -يعني ابن يحيى-، عن أبي بُردة، عن معاوية، فذكر مثله.
وأخرجه الحاكم (١/ ٣٤٧) من هذا الوجه وقال: "صحيح على شرط الشيخين". والصواب أنَّه على شرط مسلم؛ لأنَّ طلحة بن يحيى لم يُخرج له سوى مسلم، ثمَّ هو مختلَف فيه، غير أنَّه حسن الحديث.
ورواه الطبراني في "الكبير" (١٩/ ٣٥٩) وفي الأوسط" (٥٨٤٣) من طريق يونس بن بكير، عن طلحة بن يحي بإسناده، وقال في "الأوسط": "لم يرو هذا الحديث عن طلحة بن يحيى إلَّا يونس ابن بكير، ولم يرو عن معاوية إلَّا أبو بردة". كذا قال، وقد رواه يعلي بن عبيد عن طلحة بن يحيي كما مضى، وأورده الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣٠١) وقال: رواه أحمد والطبراني في "الكبير" و "الأوسط"، وفيه قصَّة، ورجال أحمد رجال الصحيح".
قلت: القصة التي يشير إليها الهيثمي هي ما ذكرها الطبراني في "الكبير" و "الأوسط" والمنذري في "الترغيب" (٥١٢٥) واللفظ له، عن ابن أبي الدنيا، قال أبو بردة: كنت عند معاوية وطبيب يُعالج قُرحةً في ظهره، وهو يتضرَّر، فقلتُ له: لو بعض شبابنا فعل هذا لعبنا ذلك عليه! فقال: ما يسرُّني أنِّي لا أجده، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم يصيبه أذى من جسده إلَّا كان كفَّارةً لخطاياه". ولفظ الطبراني فيه سقطات، إلَّا أنَّ ابن أبي الدنيا لم يذكر هذه القصة، وإنَّما اكتفى بلفظ الحديث المرفوع، وهو قوله ﷺ : "ما من شيءٍ يصيب المؤمن في جسده، ويؤذيه إلَّا كُفِّر به عن سيئاته". رواه في "المرض والكفارات" (٣٥) عن محمد بن عبد الرحمن، عن يعلى بن
следующие страницы →