Полный текст (8 687 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ورواه مسلم في الزّكاة (١٠١٤) من حديث سعيد بن أبي سعيد، عن سعيد بن يسار، فذكر الحديث إلّا أنه ليس فيه: "ولا يَصْعدُ إلى اللَّه إلّا الطّيب".
• عن أنس بن مالك قال: "كان أبو ذرّ يحدّثُ قصّة المعراج عن النبيّ ﷺ وفيها: ثم أخذ جبريلُ بيدي فعرج بي إلى السّماء الدّنيا. . . ".
قال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم، أنّ ابن عباس وأبا حيّة الأنصاريّ كانا يقولان: قال النبيُّ ﷺ : "ثم عُرج بي حتى ظهرتُ لمستوى أسمع صريف الأقلام".
متفق عليه: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٣٤٢)، ومسلم في الإيمان (١٦٣) كلاهما من حديث يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك في حديث طويل في قصة الإسراء والمعراج، وسيأتي كاملًا في الموضع المناسب إن شاء اللَّه تعالى.
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها، فتأبى عليه إلّا كان الذي في السّماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها".
متفق عليه: رواه مسلم في النكاح (١٤٣٦: ١٢١) عن ابن أبي عمر، حدّثنا مروان، عن يزيد (يعني ابن كيسان)، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
ورواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٣٧)، وفي النكاح (٥١٩٣) من حديث أبي حازم، ومن حديث زرارة (٥١٩٤) كلاهما عن أبي هريرة، وفيه: "لعنتها الملائكةُ حتى تصبح"، وفي رواية: "ترجع" ولم يذكر فيه: "الذي في السّماء".
• عن جابر بن عبد اللَّه، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال في خطبته يوم عرفة: "وأنتم تُسألون عنّي، فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهدُ أنّك قد بلّغتَ وأدّيتَ ونصحت. فقال: بإصبعه السّبابة يرفعها إلى السّماء ويَنْكُتُها إلى النّاس: "اللهم اشهد، اللهمّ اشهد" ثلاث مرّات.
صحيح: طرف من حديث جابر الطّويل في حجّة النّبيّ ﷺ ، رواه مسلم (١٢١٨)، وسيأتي بكامله في كتاب الحجّ.
• عن أنس، أنّ زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج النّبيّ ﷺ تقول: زوّجكن أهاليكنّ، وزوّجني اللَّه من فوق سبع سماوات.
وفي لفظ: تقول: إنّ اللَّه أنكحني في السّماء.
صحيح: أخرجه البخاريّ في التوحيد (٧٤٢٠) عن أحمد: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدميّ:
стр. 247
حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس في قصة زيد بن حارثة الذي جاء إلى النبيّ ﷺ يشكو، وجعل النبيُّ ﷺ يقول: "اتقِ اللَّه وأمسك عليك زوجك". وسيأتي تفصيل ذلك في تفسير سورة الأحزاب.
وأحمد في الإسناد هكذا غير منسوب، فقال أبو نصر الكلاباذيّ: "إنّه أحمد بن سيار المروزيّ" وقال الحاكم: "هو أحمد بن نصر النّيسابوريّ".
واللّفظ الثاني أخرجه أيضًا البخاريّ في التوحيد (٧٤٢١) من وجه آخر عن أنس.
وفي مرسل الشّعبيّ كما ذكره الحافظ في "الفتح" (١٣/ ٤١٢): قالت زينب: يا رسول اللَّه، أنا أعظم نسائك عليك حقًّا، أنا خيرهنّ منكحًا، وأكرمهن سفيرًا، وأقربهنّ رحمًا، فزوجنيك الرّحمن من فوق عرشه، وكان جبريل هو السّفير بذلك، وأنا ابنة عمتك، وليس لك من نسائك قريبة غيري. قال: أخرجه الطبريّ، وأبو القاسم الطّحاويّ في كتاب "الحجّة والتبيان" له.
قلت: أمّا تفسير الطّبريّ فلم أقف فيه على هذا المرسل، ثم وقفتُ عليه في مستدرك الحاكم ٤/ ٢٧ فرواه من طريق علي بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن عامر (هو الشعبيّ)، فذكره بمثله.
• عن أبي موسى، قال: قام فينا رسولُ اللَّه ﷺ بخمس كلمات فقال: "إنّ اللَّه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفضُ القسط ويرفعه، يُرفعُ إليه عملُ اللّيل قبل عمل النّهار، وعملُ النّهار قبل عمل اللّيل، حجابُه النّور -وفي رواية: النّار- ولو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصرُه من خلقه".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٧٩) من طرق عن أبي معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمرو ابن مرّة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، فذكره.
أبو معاوية هو: محمد بن خازم الضّرير.
وأبو عبيدة هو: ابن مسعود يقال: اسمه عامر، ويقال: لا اسم له.
قوله: "يخفض القسط ويرفعه" قيل: أراد به الميزان، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [سورة الأنبياء: ٤٧] أي: ذوات القسط وهو العدل. وأراد أن اللَّه يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرفوعة إليه، وبما يوزن من أرزاقهم النازلة من عنده.
وقيل: أراد بالقسط الرّزق الذي هو قسط كلّ مخلوق، يخفضه مرة فيقتره، ويرفعه مرة فيبسطه، يريد أنه مقدّر الرّزق وقاسمه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [سورة الرعد: ٢٦].
وقوله: "سُبُحات وجهه" أي نور وجهه، ويقال: جلال وجهه، ومنها قيل: "سبحان اللَّه" إنّما هو تعظيم له وتنزيه، وقول: سبحانك، أي: أنرّهك يا ربٌ من كلّ سُوء. انظر: شرح السنة (١/ ١٧٤).
• عن معاوية بن الحكم السّلميّ، قال: كانت لي جاريةٌ ترعى غنمًا لي قبل أُحد والجوانية، فاطلعتُ ذات يوم فإذا الذّئبُ قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجلٌ من
стр. 248
بني آدم آسفُ كما يأسفون، لكني صككتُها صكّةً. فأتيتُ رسول اللَّه ﷺ فعظَّم ذلك عليَّ. قلتُ: يا رسول اللَّه، أفلا أُعتقها؟ قال: "ائتني بها" فأتيتُه بها، فقال لها: "أين اللَّه؟ " قالت: في السّماء. قال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسولُ اللَّه. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة".
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٣٧) من طرق عن إسماعيل بن إبراهيم (هو ابن علية)، عن حجّاج الصّواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية ابن الحكم السلميّ، فذكره في حديث طويل، وسيأتي في النهي عن الكلام في الصّلاة.
والحديث رواه مالك في كتاب العتق (٨) عن هلال بن أسامة بإسناده، ولكن جعل اسم الصّحابي: "عمر بن الحكم"، وكذا رواه أيضًا الشافعي عن مالك، -ومن طريقه البيهقيّ (٧/ ٣٨٧) - فقال: "عمر بن الحكم".
قال الشافعي: "اسم الرجل "معاوية بن الحكم" كذا روى الزهريّ، ويحيى بن أبي كثير". قال البيهقيّ: كذا رواه جماعة عن مالك (يعني فقالوا: عمر بن الحكم)، ورواه يحيى بن يحيى عن مالك مجوّدًا فقال: "معاوية بن الحكم".
قلت: كذا رواه الدّارميّ في "الرّد على الجهمية" (٦٢) عن يحيى بن يحيى التّيميّ، قال: قرأتُ على مالك بن أنس، بإسناده وفيه: "معاوية بن الحكم".
فالظّاهر أنّ الصّواب هو "معاوية بن الحكم" والذي قال: "عمر بن الحكم" فإمّا أنّه أخطأ على مالك، أو مالك نفسه أخطأ فيه، كما نبّه على ذلك الإمام الشافعيّ وابن الجارود وغيرهما. انظر للمزيد: "التمهيد" (٢٢/ ٧٨ - ٨٠).
• عن أنس، قال: أصابنا ونحن مع رسول اللَّه ﷺ مطرٌ، قال: فحسر رسولُ اللَّه ﷺ ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول اللَّه، لم صنعتَ هذا؟ قال: "لأنّه حديث عهد بربِّه تعالى".
صحيح: رواه مسلم في الاستسقاء (٨٩٨) عن يحيى بن يحيى، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابت البنانيّ، عن أنس، فذكره.
وأخرجه أيضًا عثمان الدّارميّ في "الرّد على الجهميّة" (٧٦) من وجه آخر عن جعفر بن سليمان بإسناده مثله وقال: لو كان على ما يقول هؤلاء الزّائغة: في كلّ مكان، ما كان المطر أحدث عهدًا باللَّه من غيره من المياه والخلائق".
• عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ الرّحم معلقة بالعرش، وليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا انقطعتْ رحمُه وصلَها".
стр. 249
صحيح: رواه الإمام أحمد عن يعلى بن عبيد (٦٥٢٤)، وعن وكيع (٦٨١٧) كلاهما عن فِطر (وهو ابن خليفة)، عن مجاهد، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره.
وصحّحه ابن حبان (٤٤٥)، ورواه من وجه آخر عن فطر بإسناده، مثله.
وقال الذّهبيّ في "العلو" (٩٣): "إسناده قويّ".
وأصله في صحيح البخاري في الأدب (٥٩٩١) عن محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن الأعمش والحسن بن عمرو وفطر، عن مجاهد، عن عبد اللَّه بن عمرو قال سفيان: لم يرفعه الأعمش إلى النبيّ ﷺ ، ورفعه الحسن وفطر، عن النبيّ ﷺ ولم يذكر الجزء الأول من الحديث الذي هو موضع الشّاهد.
هذا الخلاف في الرّفع والوقف لا يؤثر في صحة الحديث، لأنّ الثقات رفعوه، وهو الصّحيح في مثل هذه الحال.
وذكر الحافظ اختلاف الرّواة، وخلص إلى القول بأن الرّفع هو المعتمد.
• عن ذكوان حاجب عائشة قال: دخل ابن عباس على عائشة وهي تموت فقال لها: كنتِ أحبَّ نساء رسول اللَّه ﷺ إلى رسولُ اللَّه ﷺ ، ولم يكن رسولُ اللَّه ﷺ يحبُّ إلّا طيبًا، وأنزل براءتك من فوق سبع سماوات، جاء بها الرّوح الأمين، فأصبح ليس مسجدٌ من مساجد اللَّه يذكر فيه اسم اللَّه إلّا وهي تتلى فيه آناء اللّيل وآناء النّهار.
حسن: رواه عثمان بن سعيد الدّارميّ في "الرّد على بشر" (١/ ٥٢٠)، وفي "الرّد على الجهميّة" (٨٤) عن النّفيليّ، ثنا زهير بن معاوية، ثنا عبد اللَّه بن عثمان بن خُثيم، حدثني عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مليكة أنّه حدّثه ذكوان صاحب عائشة، فذكره.
ورواه الإمام أحمد (٢٤٩٦)، والطبرانيّ في الكبير (١٠/ ٣٩٠)، وأبو يعلى (٢٦٤٨) كلّهم من طرق عن عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم مطوّلًا.
وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم وهو وإن كان من رجال مسلم إلّا أنه "صدوق" كما في "التقريب".
وأصل القصّة أخرجها البخاريّ في التفسير (٤٧٥٣) من وجه آخر عن ابن أبي مليكة قال: استأذن ابن عباس -قبيل موتها- على عائشة، وهي مغلوبة قالت: أخشى أن يُثني عليَّ. فقيل: ابن عمّ رسول اللَّه ﷺ ومن وجوه المسلمين. قالت: ائذنوا له، فقال: كيف تجدينكِ؟ قالت: بخير إن اتقيتُ. قال: فأنت بخير إن شاء اللَّه تعالى، زوجةُ رسول اللَّه ﷺ ، ولم ينكِح بِكرًا غيرك، ونزل عذرُك من السّماء. . . ودخل ابنُ الزبير خلافه، فقالتْ: دخل عليّ ابن عباس فأثنى عليّ، وددتُ أني كنتُ منسيًا منسيًّا. انتهى.
وقوله: "خلافه" أي بعد أن خرج ابن عباس من عندها فتخالفا في الدّخول والخروج ذهابًا وإيابًا.
стр. 250
• عن الشّريد بن سويد الثقفيّ، قال: أتيتُ رسول اللَّه ﷺ ، فقلتُ: إنّ أمي أوصتْ أن تُعتق عنها رقبة، وإنّ عندي جاريةٌ نُوبيّةٌ أفيجزي عني أن أعتقها عنها؟ قال: "ائتني بها" فأتيتها بها، فقال: "من ربُّك"؟ قالت: اللَّه، قال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول اللَّه. قال: "فأعتقها فإنّها مؤمنة".
حسن: رواه أبو داود (٣٢٨٣)، والنسائيّ (٣٦٥٣) كلاهما من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن الشّريد بن سويد، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو فإنّه حسن الحديث.
والشّريد بن سويد الثقفيّ لا خلاف في صحبته.
ولكن رواه ابن خزيمة في التوحيد (٢١٩) من وجه آخر عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن محمد بن الشريد جاء بخادم سوداء عتماء إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، إنّ أمي جعلت عليها عتق رقبة مؤمنة، فقال: يا رسول اللَّه، هل يجزئ أن أعتق هذه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ للخادم: "أين اللَّه؟ "، فرفعت رأسها، فقالت: في السماء، فقال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول اللَّه! فقال: "أعتقها فإنّها مؤمنة".
فجعل الحديث من مسند محمد بن الشريد وهو مختلف في صحبته، وأظن أنه سقط فيه: "عن أبيه".
• عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء وقال: يا رسول اللَّه، إنّ عليّ رقبةً مؤمنةً، فإن كنتَ ترى هذه مؤمنة أعتقتُها؟ فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "أتشهدين أن لا إله إلا اللَّه؟ " قالت: نعم. قال: "أتشهدين أني رسول اللَّه؟ " قالت: نعم. قال: "أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ " قالت: نعم. قال: "أعتقها".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٥٧٤٣) عن عبد الرزّاق -وهو في مصنفه (١٦٨١٤) - حدثنا معمر، عن الزُهريّ، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه، عن رجل من الأنصار، فذكره.
ورواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٢٢٣) من طريق عبد الرزاق.
ورواه مالك في العتق (٩) عن ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه مرسلًا عن النبيّ ﷺ .
وأمّا ما رُوي من طريق المسعوديّ، عن عون بن عبد اللَّه، عن أخيه عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن أبي هريرة، قال: جاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ بجارية أعجمية. . فذكره، فهو ضعيف.
رواه أبو داود (٣٢٨٤) من طريق يزيد بن هارون، عن المسعوديّ.
ومن هذا الوجه رواه الإمام أحمد (٧٩٠٦)، وابن خزيمة (٢٢٠)، والبيهقيّ (٧/ ٣٨٨).
والمسعوديّ هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود الكوفيّ، وثقه ابن معين وغيره إلّا أنه اختلط لما دخل بغداد، فمن سمع منه بالكوفة والبصرة فسماعه جيد، وكان عبد الرحمن بن مهدي
стр. 251
ويزيد بن هارون ممن سمع منه بعد اختلاطه.
ولعلّ من اختلاطه أنه جعل الأمَة "أعجمية" وهي مخالفة للروايات الصّحيحة، كما أنه جعله من مسند أبي هريرة، والثقات جعلوه من مسند رجل من الأنصار.
وفي معناه ما رُوي عن ابن عباس قال: جاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ ومعه جارية له سوداء، فقال: إنّ عليَّ رقبة -أحسبه قال: مؤمنة- فهل يجزئ عني هذه؟ فقال لها: "أين اللَّه؟ " قالت: بيدها إلى السماء. قال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول اللَّه، قال ﷺ : "أعتقها فإنّها مؤمنة".
وفي رواية قال: أني رجلٌ النبيّ ﷺ فقال: إنّ على أمي رقبة وعندي أمَةٌ سوداء؟ فقال النبيُّ ﷺ : "ائتني بها"، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "أتشهدين أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه؟ " قالت: نعم، قال: "فأعتقها".
الرواية الأولى رواها البزار -كشف الأستار (٣٧) -، عن أبي كريب، ثنا أبو معاوية، عن سعيد بن المرزبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
قال الذهبي في كتابه "العرش" (٢٠): "أخرجه العسال بإسناد صحيح عن أبي سعد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس".
قلت: أبو سعد البقّال هو سعيد بن المرزبان العبسيّ مولاهم الكوفي الأعور. قال فيه أبو زرعة: لين الحديث، وقال البخاريّ: منكر الحديث، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: هو في جملة الضعفاء، وفي التقريب: "ضعيف مدلس".
وهل خفي هذا على الذهبيّ، وقد ترجمه في "الميزان" ونقل فيه قول البخاري وابن عدي وغيرهما، وذكر عددا من أحاديثه وحكم عليها بالنكارة؟ ! .
وقال في كتابه "العلو" (١/ ٢٦٣): "هذا حديث محفوظ عن أبي معاوية، لكن شيخه قد ضُعّف". وهو يقصد به سعيد بن المرزبان.
والرّواية الثّانية رواها أيضًا البزار -كشف الأستار (١٣) - عن محمد بن عثمان، ثنا عبيد اللَّه، ثنا ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
قال الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٢٢٤): "رواه الطبرانيّ في الكبير والأوسط والبزار بإسنادين، متن أحدهما مثل هذا، والآخر: فقال لها: "أين اللَّه؟ " فأشارت بيدها إلى السماء. قال: "من أنا؟ " قالت: رسول اللَّه. وفيه سعيد بن أبي سعيد المرزبان وهو ضعيف يدلس وعنعنه، وفيه محمد بن أبي ليلى، وهو سيء الحفظ وقد وُثِّق".
وفي معناه أحاديث أخرى ولا يسلم منها من ضعيف أو مجهول أو انقطاع.
ومن هذه الأحاديث ذكر أئمّة السّلف بأنه يجوز السؤال عن اللَّه تعالى بـ "أين". ويجوز للمسؤول أن يقول: إنه في السماء.
стр. 252
فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على المصطفى ﷺ ، وإنّ الأئمّة كانوا يمرون على هذه الأحاديث ولا يتعرضون لها بتأويل ولا بتحريف.
• عن البراء بن عازب، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّ العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، أنزل اللَّه إليه ملائكة من السماء -فساق الحديث كما سيأتي بكامله في إثبات عذاب القبر- فيخرج روحه، فيصعدون به حتى ينتهوا به إلى السماء، فيستفتح فيفتح له، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول اللَّه : اكتبوا كتاب عبدي في عليين في السماء السابعة، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، وأما الكافر قال: ينتهى به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون فلا يُفتح له، ثم قرأ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [سورة الأعراف: ٤٠] ". . . فذكر الحديث.
صحيح: رواه أبو داود (٤٧٥٣) عن هناد بن السّريّ -وهو في زهده (٣٣٩) - والإمام أحمد (١٨٥٣٤) كلاهما -أعني هنّادًا والإمام أحمد- عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء.
انظر تخريجه كاملًا في إثبات عذاب القبر.
وقول اللَّه تعالى: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾: دلالة ظاهرة أن اللَّه فوق السماء؛ لأنّ أبواب السماء إنما تفتح لأرواح المؤمنين لرفع أعمالهم إلى اللَّه .
• عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، يبلغ به النبيّ ﷺ قال: "الرّاحمون يرحمهم الرحمن، ارْحمُوا أهلَ الأرض يرحمْكم من في السماء".
حسن: رواه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذيّ (١٩٢٤) كلاهما من حديث سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس مولى لعبد اللَّه بن عمرو، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره، واللّفظ لأبي داود.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (١٤٩٤)، والدّارميّ في "الرّد على الجهميّة" (٦٩)، وصحّحه الحاكم (٤/ ١٥٩) وزاد البعض بعد قوله: "من في السّماء": "الرّحم شُجنة من الرحمن فمن وصلها وصله اللَّه، ومن قطعها قطعه اللَّه". قال الترمذيّ: "حسن صحيح".
وجعل الحاكم هذا الحديث وما في الباب كلّها صحيحة.
قلت: إنّما هو حسن فقط من أجل أبي قابوس، ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٨٨)، وترجمه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٩/ ٥٨٩)، والبخاريّ في "التاريخ الكبير" (٧/ ١٩٤) وهو لا يرتقي إلى درجة "الثقة"، ولكن لا بأس به في الشّواهد؛ لأنه أتي بما يوافق عليه الثقات، ولذا صحّحه الترمذيّ والحاكم، وقال الذهبي في "الميزان": "لا يعرفه"، وأقرّ في "العلو" (١٤)
стр. 253
تصحيح الترمذيّ له.
• عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "الميّتُ تحضره الملائكةُ، فإذا كان الرّجل صالحًا، قالوا: اخرُجي أيّتها النّفسُ الطيّبة، كانت في الجسد الطّيّب. . . حتى تخرج، ثم يُعرجُ بها إلى السّماء، فيُفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقال: مرحبًا بالنّفس الطّيّبة ... فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السّماء التي فيها اللَّه ".
صحيح: رواه ابنُ ماجه (٤٢٦٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدّثنا شبابةُ، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، فذكره في حديث طويل سيأتي في الجنائز.
ورواه الإمام أحمد (٨٧٦٩) من وجه آخر عن ابن أبي ذئب، به.
وإسناده صحيح، وأصل الحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه (٣٠١٤)، والحاكم (١/ ٣٥٢ - ٣٥٣)، والنسائي (١٨٣٣) كلهم من وجه آخر عن أبي هريرة، ولم يذكروا: "إلى السّماء التي فيها اللَّه ".
• عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: صلينا مع رسول اللَّه ﷺ المغرب، فرجع من رجع، وعقَّب من عقَّب، فجاء رسولُ اللَّه ﷺ مسرعًا قد حفزه النَّفَس، وقد حسر عن ركبتيه، فقال: "أبشروا هذا ربُّكم قد فتح بابًا من أبواب السّماء يباهي بكم الملائكة، يقول: انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضةً، وهم ينتظرون أخرى".
صحيح: رواه ابن ماجه (٨٠١) عن أحمد بن سعيد الدّارميّ، قال: حدّثنا النّضر بن شُميل، قال: حدّثنا حمّاد، عن ثابت، عن أبي أيوب، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فذكره.
وإسناده صحيح، وأبو أيوب هو: الأزديّ واسمه يحيى، ويقال: حبيب بن مالك العتكيّ البصريّ من رجال الشّيخين.
ورواه أحمد (٦٧٥٠) عن عفّان، عن حماد -يعني ابن سلمة-، فذكر مثله، وزاد في أول الحديث فضيلة "لا إله إلا اللَّه" وذلك أنّ نوفًا (وهو ابن فضالة البِكاليّ)، وعبد اللَّه بن عمرو -يعني ابن العاص- اجتمعا فقال نوفٌ: "لو أنّ السماوات والأرض وما فيهما وُضع في كفّة الميزان، ووضعت "لا إله إلا اللَّه" في الكفة الأخرى لرجحتْ بهنّ، ولو أنّ السماوات والأرض وما فيهنّ كنّ طبقًا من حديد فقال رجلٌ: "لا إله إلّا اللَّه" لخرقتهنّ حتى ننتهي إلى اللَّه . فقال عبد اللَّه ابن عمرو: "جلسنا مع رسول اللَّه ﷺ المغرب" فذكره.
وللحديث أسانيد أخرى غير أنّ ما ذكرته هو أمثلها.
стр. 254
وقوله: "عقّب من عقّب" بالتّشديد هو الجلوس لانتظار الصّلاة التي بعدها، والتعقيب هو: الجلوس في مصلاه بعدما يفرغ من الصّلاة.
• عن أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول اللَّه، لم أرَكَ تصوم شهرًا من الشّهور ما تصوم من شعبان؟ قال: "ذلك شهرٌ يغفُل النّاسُ عنه بين رجب ورمضان، وهو شهرٌ ترفع فيه الأعمال إلى ربّ العالمين، فأحبُّ أن يرفع عملي وأنا صائم".
حسن: رواه النسائي (٢٣٥٧) عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، قال: حدّثنا ثابت بن قيس أبو الغصن -شيخٌ من أهل المدينة- قال: حدّثني أبو سعيد المقبريّ، قال: حدّثني أسامةُ بن زيد، فذكره.
ورواه الإمام أحمد (٢١٧٥٣) عن عبد الرحمن بن مهدي، عن ثابت بن قيس، وزاد في حديثه: "قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس؟ فقال: "ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على ربّ العالمين، وأحبُّ أن يعرض عملي وأنا صائم".
وإسناده حسن لأجل ثابت بن قيس فإنه حسن الحديث.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كان ملك الموت يأتي النّاس عِيانًا، فأتى موسى ﵇ فلطمه، فذهب بعينه، فعرج إلى ربّه وقال: يا ربّ بعثتني إلى موسى فلطمني فذهب بعيني. . . ".
صحيح: ذكره الذّهبيّ في "العلو" (٢٥) من صحيفة همّام بن منبّه وهو فيه (٥٠) وليس فيه: "فعرج إلى ربّه " بل ولكن فيه: "فرجع الملك إلى اللَّه ".
وأصل هذا الحديث في الصّحيحين وغيرهما مرفوعًا وموقوفًا.
فأمّا المرفوع، فرواه مسلم (٢٣٧٣: ١٥٨) من طريق عبد الرّزاق، حدثنا معمر، عن همّام بن منبّه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن رسول اللَّه ﷺ فذكر أحاديث منها: وقال رسول اللَّه ﷺ (فذكر الحديث) وفيه: "فرجع الملك إلى اللَّه تعالى". وسيأتي الحديث بكامله في فضائل موسى ﵇.
وأمّا الموقوف فهو أيضًا ما رواه عبد الرزّاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: أرسل ملك الموت" فذكر الحديث، ولم يرفعه إلى النبيّ ﷺ .
رواه البخاريّ في الجنائز (١٣٣٩)، وفي أحاديث الأنبياء (٣٤٠٧)، ومسلم (٢٣٧٣) كلاهما من طريق عبد الرزّاق وفيه: "فرجع الملك إلى ربّه". وأشار البخاريّ إلى رواية همّام بن منبّه.
ومن طريق عبد الرزّاق رواه أيضًا الإمام أحمد (٧٦٤٦).
والحديث في "المصنف" (٢٠٥٣٠) عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ هكذا مرفوعًا. وذلك يعود إلى اختلاف الروايات عن عبد الرزاق.
стр. 255
وللحديث طرق أخرى غير أنّ ما ذكرته هو أمثله، وسيأتي ذكر بعض هذه الطّرق في فضائل موسى ﵇.
• عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اتقوا دعوات المظلوم، فإنّها تصعد إلى السّماء كأنّها شرار".
صحيح: رواه الحاكم (١/ ٢٩) من طرق عن أبي كُريب، ثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن عاصم بن كليب، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، فذكره.
قال الحاكم: "قد احتجّ مسلمٌ بعاصم بن كليب، والباقون من رواة هذا الحديث متفق على الاحتجاج بهم ولم يخرجاه".
وأورده الذهبي في "العلو" (٤٠) وقال: "غريب، وإسناده جيد".
وأورده المنذري في "الترغيب والترهيب" (٣٤١٤) وعزاه للحاكم وأقرّ بما قال: "وحسين بن علي هو ابن الوليد الجعفيّ مولاهم، وللحديث أسانيد أخرى، وهذا أصحّها".
• عن أبي ذرّ، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا مكث المني في الرَّحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس فعرج به إلى الرّب في راحته، فيقول: أي ربّ عبدك هذا ذكر أم أنثى، فيقضي اللَّه إليه ما هو قاض، ثم يقول: أي ربّ أشقي أم سعيد؟ فيكتب بين عينيه ما هو لاق".
قال: وتلا أبو ذر من فاتحة التغابن خمس آيات.
حسن: رواه عثمان بن سعيد الدّارميّ في "الرّد على الجهميّة" (٩٤) عن عمرو بن خالد الحرانيّ، ثنا ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن أبي تميم الجيشانيّ، عن أبي ذر الغفاري، فذكره.
وفي الإسناد ابن لهيعة وفيه كلام معروف، ولكن روي هذا الحديث عبد اللَّه بن وهب عنه كما ذكره الحافظ ابن القيم في "شفاء العليل" (ص ٢٠) وروايته عنه مستقيمة.
• عن أنس قال: كنتُ جالسًا مع رسول اللَّه ﷺ في الحلقة إذ جاء رجلٌ فسلّم على النّبيّ ﷺ وعلى القوم، فقال: السّلام عليكم، فردّ عليه النبيُّ ﷺ : "وعليكم السّلام ورحمة اللَّه وبركاته". فلما جلس الرجل قال: الحمد للَّه كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضى. فقال له النبيُّ ﷺ : "كيف قلت؟ ". فردّ على النّبيّ ﷺ كما قال، فقال النبيّ ﷺ : "والذي نفسي بيده لقد ابتدرها عشرة أملاك كلّهم حريص على أن يكتبوها، فبادروا كيف يكتبونها حتى رفعوه إلى ذي العزّة فقال: اكتبوها كما قال عبدي".
стр. 256
حسن: رواه النسائيّ في عمل اليوم والليلة (٣٤١) عن قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا خلف، عن ابن أخي أنس، عن أنس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل خلف وهو ابن خليفة بن صاعد الأشجعيّ مولاهم الواسطيّ، وهو حسن الحديث، قال ابن عدي: "أرجو أنه لا بأس به، ولا أبرئه من أن يخطئ في بعض الأحاديث في بعض رواياته".
قلت: وقد اختلط بأخرة، وأخرج له مسلم من رواية قتيبة عنه.
وصحّحه ابن حبان (٨٤٥)، والضياء في "المختارة" (١٨٨٧) كلاهما من حديث قتيبة بن سعيد، به، مثله.
وأخرجه الإمام أحمد (١٢٦١٢) من وجه آخر عن خلف بإسناده، مثله.
والذي رُوي من غير وجهه عن أنس أنّ الرّجل الذي قال ذلك في الصّلاة -كما سيأتي- لا يعارض ما رواه خلف للحمل على التّعدد.
وابن أخي أنس هو حفص بن عمر كما في رواية الإمام أحمد فيكون هو حفص بن عمر بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، وهو ابن أخي أنس لأمّه وهو "صدوق".
وقد صحّح الحاكم (١/ ٥٠٣) حديثًا له -كما سيأتي في الصّلاة- على شرط مسلم فوهم، فإنّ ابن أخي أنس هذا لم يرو له مسلمٌ، وإنّما روى له أبو داود والترمذيّ والبخاريّ في الأدب المفرد كما رمز له الحافظ في "التقريب".
• عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لما كانت اللّيلة التي أُسري بي فيها، أتَتْ عليَّ رائحةٌ طيّبةٌ، فقلت: يا جبريل ما هذه الرّائحة الطيّبة؟ فقال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها. قال: قلت: وما شأنُها؟ قال: بينا هي تمشطُ ابنةَ فرعون ذات يومٍ إذْ سقطتِ المدرَي من يدها، فقالت: بسم اللَّه، فقالت لها ابنةُ فرعون: أبي؟ قالت: لا ولكن ربّي وربُّ أبيك اللَّه. قالت: أخبرُه بذلك؟ قالت: نعم، فأخبرتْه فدعاها، فقال: يا فلانة إنَّ لكِ ربًّا غيري؟ قالتْ: نعم، ربّي وربُّك اللَّه، فأمر ببقرة من نحاس فأُحْميت، ثم أمر بها أن تُلقى هي وأولادها فيها. قالت له: إنّ لي إليك حاجةً. قال: وما حاجتُك؟ قالت: أحبُّ أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا. قال: ذلك لك علينا من الحقّ. قال: فأمر بأولادها فألقوا بين يديها واحدًا واحدًا إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضِع، كأنها تقاعستْ من أجله، قال: يا أمَّهْ اقتحمي، فإنّ عذاب الدّنيا أهونُ من عذاب الآخرة فاقتحمتْ". وفي رواية قالت: "ربّي وربُّك الذي في السّماء".
стр. 257
قال ابنُ عباس: تكلّم أربعةٌ صغار: عيسى ابن مريم ﵇، وصاحبُ جريج، وشاهد يوسف، وابنُ ماشطة ابنة فرعون.
وفي رواية: قال: والرّابع لا أحفظه.
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٨٢١)، وأبو يعلى (٢٥١٧)، والبزّار -كشف الأستار (٥٤) -، والطبرانيّ في الكبير (١١/ ٤٥١) كلّهم من طرق عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره، واللّفظ لأحمد.
ورواه الدّارميّ في "الرّد على الجهمية" (٧٣)، وأبو يعلى، باللّفظ الثاني وهو: "ربّي وربُّك الذي في السّماء". ومن طريق أبي يعلى أخرجه الذهبيّ في "العلو" وحسّن إسناده.
وإسناده صحيح، عطاء بن السائب ثقة وثّقه الأئمة إلا أنه اختلط لكن حماد بن سلمة روى عنه قبل الاختلاط.
وصحّحه الحاكم (٢/ ٤٩٦) من هذا الوجه.
ولا بأس بالاستشهاد في هذا الباب بحديث جرير بن عبد اللَّه مرفوعًا: "من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء".
أخرجه الطبرانيّ في "الكبير" (٢/ ٤٠٦: ٤٠٧)، وفي إسناده أبو إسحاق السّبيعيّ، وهو مدلس مختلط، ولم يصرّح بالسّماع.
وبحديث عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا: "من لم يرحم من في الأرض لم يرحمْه من في السّماء". رواه الطبرانيّ في "الكبير" (١٠/ ١٨٣)، وفي الصغير (١/ ١٠١)، وأبو يعلى، والدارميّ في "الرّد على الجهميّة" (٧٤) كلّهم من طريق أبي عبيدة، عن أبيه عبد اللَّه بن مسعود. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، ففيه انقطاع.
وفي الباب ما رُوي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَن اشتكى منكم شيئًا أو اشتكاه أخ فليقل: ربنا اللَّه الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، فاجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمةٌ مِن رحمتك، وشفاءً من شفائك على هذا الوجع، فيبرأ".
رواه أبو داود (٣٨٩٢)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٣٧)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٠٥٤)، كلهم من حديث الليث، عن زيادة بن محمد، عن محمد بن كعب، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء فذكره.
وأخرجه الحاكم (١/ ٣٤٢ - ٣٤٤) من هذا الوجه، وقال: "احتج الشيخان بجميع رواة هذا الحديث، غير زيادة بن محمد، وهو شيخ من أهل مصر، قليل الحديث"، وتعقبه الذهبي فقال: قال البخاري وغيره: "منكر الحديث".
стр. 258
انظر للمزيد: كتاب الطب باب الرقية.
ما جاء عن الأئمة في صفة العلو:
قال الذّهبيّ في "العلو" (٣٣٢): "وبلغنا عن أبي مطيع الحكم بن عبد اللَّه البلخيّ صاحب "الفقه الأكبر" قال: "سألتُ أبا حنيفة عمّن يقول: لا أعرفُ ربّي في السّماء أو في الأرض؟ فقال: قد كفر؛ لأنّ اللَّه يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه: ٥] وعرشه فوق سماواته. فقلتُ له: إنّه يقول: أقول على العرش استوى، ولكن قال: لا يدرى العرش في السماء أو في الأرض؟ فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر".
وقال أيضًا: "واللَّه تعالى يُدعى من أعلى لا من أسفل؛ لأنّ الأسفل ليس وصف الرّبوبية والألوهية في شيء".
وقال مالك رحمه اللَّه تعالى: "اللَّه في السماء، وعلمه في كلّ مكان لا يخلو منه مكان". "العلو" (٣٤٣).
وقد سُئل رحمه اللَّه تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فأطرق مالكٌ وعلاه الرّحضاء (يعني العرق) وانتظر القومُ ما يجيء منه فيه، فرفع رأسه إليه وقال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأحبك رجل سَوء، وأمر به فأُخرج". ذكره ابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص ٣٨)، والبيهقي في الاعتقاد (ص ١١٦).
وقال الشّافعي رحمه اللَّه تعالى: "القول في السّنة التي أنا عليها، ورأيتُ أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتُهم وأخذتُ عنهم: الإقرار بشهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمّدًا رسول اللَّه ﷺ ، وأن اللَّه تعالى على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، وأنّ اللَّه تعالى ينزل إلى السّماء الدّنيا كيف شاء".
ذكره الذهبيّ في "العلو" (٤٠٤) نحوه أو قريبًا منه.
قال الحاكم: سمعتُ الأصمّ يقول: سمعتُ الرّبيع، سمعتُ الشافعيّ -وقد روى حديثًا- فقال له رجل: تأخذ بهذا يا أبا عبد اللَّه؟ فقال: "إذا رويتُ حديثًا صحيحًا عن رسول اللَّه ﷺ فلم آخذ به فأشهدكم أنّ عقلي قد ذهب". "العلو" (٤٠٦).
قال عبد اللَّه بن أحمد: قيل لأبي: "ربنا ﵎ فوق السماء السابعة على عرشه، بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكل مكان؟ قال: نعم، لا يخلو شيء من علمه". اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم (١٣٥).
١٧ - باب ما جاء في استواء اللَّه تعالى على العرش
قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه: ٥].
стр. 259
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [سورة الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، الرعد: ٢، الفرقان: ٥٩، السجدة: ٤، الحديد: ٤].
ومعنى قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ علا على العرش.
قال ابن عباس: "الكرسيّ موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحدٌ قدره".
رواه الحاكم (٢/ ٢٨٢) وصحّحه وقال: على شرط الشيخين، وأورده الذهبي في "العلو" (١٤٨) وقال: "رواته ثقات".
ولما قبض رسول اللَّه ﷺ قال أبو بكر الصدّيق ﵁: "أيُّها النّاس إن كان محمد إلهكم الذي تعبدون فإنه قد مات، وإن كان إلهكم الذي في السماء فإنّ إلهكم حيٌّ لا يموت، ثم تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [سورة آل عمران: ١٤٤] ". رواه البزّار في البحر الزّخار (١٠٣) وقال الهيثميّ في "المجمع" (٩/ ٣٧ - ٣٨): "رواه البزّار، ورجاله رجال الصّحيح غير علي بن المنذر وهو ثقة".
قلت: وقد تُوبع، فقد رواه الدّارميّ في "الرّد على الجهميّة" (٧٨) عن عبد اللَّه بن أبي شيبة كلاهما -أعني علي بن المنذر، وعبد اللَّه بن أبي شيبة- عن محمد بن فضيل، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر، عن أبي بكر، فذكره. واللفظ للدارميّ، ولفظ البزّار أطول.
وقال ابن خزيمة: "نحن نؤمن بخبر اللَّه -جلّ وعلا- أنّ خالقنا مستوٍ على عرشه، لا نبدّل كلام اللَّه، ولا نقول قولًا غير الذي قيل لنا، كما قالت الجهمية المعطّلة: إنّه استولى على عرشه لا استوى، فبدّلوا قولًا غير الذي قيل لهم، لفعل اليهود كما أُمروا أن يقولوا: حطّة، فقالوا: حنطة، مخالفين لأمر اللَّه جلّ وعلا، كذلك الجهمية". كتاب التوحيد (١/ ٢٣٠).
وقال الحافظ الذهبيّ رحمه اللَّه تعالى في كتابه "العلو" (١/ ٧٨٦ - ٧٨٧): "ومما يدل على أن الباري تعالى عالٍ على الأشياء فوق عرشه المجيد غيرُ حالّ في الأمكنة، قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سورة سبأ: ٢٣]، وقال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [سورة الرعد: ٩]، وقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [سورة الأعلى: ١]. وقد أمرنا نبيُّنا أن نقول إذا سجدنا: "سبحان ربي الأعلى". وقال تعالى في وصف الشهداء: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٦٩]، وقالت امرأة فرعون: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [سورة التحريم: ١١].
وفي الصّحيحين -كذا قال- (والصّواب عند أبي داود (٣٨٥٤)، وأحمد (١٢٤٠٦): أنّ النّبيّ ﷺ دعا لقوم فقال: "أكلَ طعامَكم الأبرار، وأفطر عندكم الصّائمون، وصلّت عليكم الملائكة، وذكركم اللَّه فيمن عنده".
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٦]، وقال: ﴿وَلَهُ
стр. 260
مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [سورة الأنبياء: ١٩].
وفي صحيح مسلم (٤٣٠) من حديث جابر بن سمرة مرفوعًا: "ألا تصفُّون كما تصُفُّ الملائكةُ عند ربّهم، يتمّون الأوّل فالأوّل، ويتراصّون في الصّف".
وفي صحيح مسلم (٢٦٥٢) من طريق يزيد بن هرمز، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "احتج آدم وموسى عند ربِّهما" وذكر الحديث.
قلت: لقد تمّ تخريج جميع هذه الأحاديث التي أوردها الذهبي في مواضعها، وفي هذه الآيات والأحاديث دليل على اختصاص بعض المخلوقات بالعنديّة له ، وفيه دليل على إثبات علوه ، كما هو مستلزم لنفي وجود اللَّه في كل مكان، وعند جميع المخلوقات حسب ما يدّعيه الحلوليون وأصحاب وحدة الوجود.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لما قضى اللَّه الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إنّ رحمتي غلبتْ غضبي".
متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣١٩٤)، ومسلم في التوبة (٢٧٥١) كلاهما من حديث أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
قال ابن خزيمة: "هذا الخبر دالٌ على أنّ ربَّنا جلّ وعلا فوق عرشه الذي كتابُ -إنّ رحمته غلبتْ غضبَه- عنده".
• عن أبي ذر، قال: قال النبيُّ ﷺ لأبي ذر حين غربتِ الشّمس: "أتدري أين تذهبُ؟ " قلت: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "فإنّها تذهب حتى تسجد تحت العرش. . . . ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣١٩٩)، ومسلم في الإيمان (١٥٩) كلاهما من حديث إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر في حديث طويل، وهو مذكور في موضعه
وفي رواية: "قال أبو ذر: سأل رسول اللَّه عن قول اللَّه تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [سورة يس: ٣٨] قال: "مستقرّها تحت العرش".
• عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "الرّحم معلّقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله اللَّه، ومن قطعني قطعه اللَّه".
متفق عليه: رواه مسلم في البر والصّلة (٢٥٥٥)، والبخاري في الأدب (٥٩٨٩) كلاهما من حديث معاوية بن أبي مُزرِّد، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة، فذكرته.
• عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الرّحم معلقة بالعرش، وليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا انقطعتْ رحمُه وصلَها".
стр. 261
صحيح: رواه الإمام أحمد عن يعلى بن عبيد (٦٥٢٤)، وعن وكيع (٦٨١٧) كلاهما عن فِطر (وهو ابن خليفة)، عن مجاهد، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره.
وصحّحه ابن حبان (٤٤٥)، ورواه من وجه آخر عن فطر بإسناده، مثله.
وقال الذّهبيّ في "العلو" (٩٣): "إسناده قويّ".
• عن وهب بن جابر الخيوانيّ، قال: كنت عند عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فقدم عليه قهرمان من الشّام، وقد بقيت ليلة من رمضان، فقال له عبد اللَّه: هل تركت عند أهلي ما يكفيهم؟ قال: قد تركت عندهم نفقة. فقال عبد اللَّه: عزمت عليك لما رجعت وتركت لهم ما يكفيهم. فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "كفى إثمًا أن يضيّع الرّجلُ من يقوت". قال: ثم أنشأ يحدثنا قال: "إنّ الشّمس إذا غربت سلّمت وسجدت واستأذنتْ، قال فيؤذن لها، حتى إذا كان يومًا غربتْ فسلّمتْ وسجدت واستأذنت فلا يؤذن لها. فتقول: أيْ ربّ إنّ المسير بعيد وإني لا يؤذن لي، لا أبلغ. قال: فتحبس ما شاء اللَّه ثم يقال لها: اطْلعي من حيث غربت، قال فمن يومئذ إلى يوم القيامة: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سورة الأنعام: ١٥٨]. قال: وذكر يأجوج ومأجوج، قال: ما يموتُ الرّجلُ منهم حتى يولد له من صلبه ألف، وإنّ من ورائهم ثلاثَ أمم، ما يعلم عدَّتَهم إلا اللَّه: منسك، وتاويل، وتاويس".
حسن: رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٢٠٨١٠) عن معمر، عن أبي إسحاق، عن وهب بن جابر الخيوانيّ، به، فذكره.
ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم (٤/ ٥٠٠ - ٥٠١) وقال: "صحيح على شرط الشّيخين". وأورده الذّهبي في "العلو" (٢٢١) نقلًا عن ابن منده بأنّ إسناده صحيح.
قلت: هو حسن فقط من أجل وهب بن جابر فإنّه مختلف فيه فوثّقه ابن معين، والعجليّ، وذكره ابن حبان في الثقات، وجهّله ابن المديني.
ثم هو ليس من رجال الشيخين، وإنما أخرج له أبو داود والنسائي فقط.
• عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "أنا سيّد النّاس يوم القيامة. . . ". فذكر حديث الشّفاعة الطويل، وهو مخرج في موضعه - وفيه: "فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربّي، ثم يفتح اللَّه عليَّ ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحد قبلي. . . . ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧١٢)، ومسلم في الإيمان (١٩٤) كلاهما من حديث
стр. 262
أبي حيان التيميّ، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، فذكر الحديث بطوله، ولفظهما قريب.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "سبعة يظلُّهم اللَّه في ظلّه، يوم لا ظلَّ إلّا ظلُّه. . . ". وساق الحديث وهو مذكور في موضعه.
متفق عليه: رواه مالك في كتاب الشعر (١٤) عن خُبيب بن عبد الرحمن الأنصاريّ، عن حفص ابن عاصم، عن أبي سعيد الخدريّ أو عن أبي هريرة، فذكره
ورواه مسلم في الزكاة (١٠٣١) عن يحيى بن يحيى، قال: قرأتُ على مالك، فذكر إسناده ومتنه.
ورواه البخاريّ في الصلاة (٦٦٠)، ومسلم كلاهما من حديث يحيى بن سعيد، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن خبيب بن عبد الرحمن، بإسناده من حديث أبي هريرة بدون تردّد.
• عن مسروق قال: سألنا عبد اللَّه بن مسعود عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٦٩]، فقال: "أما إنّا قد سألنا عن ذلك، فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنّة حيث شاءتْ، ثم تأوي إلى تلك القناديل" فذكر الحديث بطوله.
صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٨٨٧) من طرق عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرّة، عن مسروق، فذكر الحديث، وسيأتي بكامله في موضعه.
وقوله: "سألنا عن ذلك" الظّاهر أن المسؤول هو النبيّ ﷺ ، وحذفه لظهور العلم به، كما قال ابن القيم في "تهذيب السنن" (٣/ ٣٧٤).
• عن ابن مسعود، عن النّبيّ ﷺ قال: "يجمع اللَّه الأوّلين والآخرين لميقات يوم معلوم أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السّماء ينتظرون فصْل القضاء، وينزل اللَّه في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسيّ". الحديث بطوله.
حسن: رواه ابن منده في التوحيد (٥٣١) من طرق عن إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، حدّثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد، عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن مسروق بن الأجدع، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكر الحديث بطوله.
وإسناده حسن، وقد حسّنه أيضًا الذهبيّ في "العلو" (٢٠٠). انظر: تخريجه المفصل في رؤية المؤمنين ربّهم يوم القيامة.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه ﵎ يقول يوم القيامة: أين المتحابُّون لجلالي، اليوم أظلُّهم في ظلي يوم لا ظلّ إلا ظلّي".
стр. 263
صحيح: رواه مالك في كتاب الشعر (١٣) عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن معمر، عن أبي الباب سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
ورواه مسلم في البر والصلة (٢٥٦٦) عن قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، بإسناده، مثله.
ومن طريق مالك رواه أيضًا الإمام أحمد (٧٢٣١).
وأورده الحافظ الذهبي في "العلو" (١٧٦) من حديث فليح (وهو ابن سليمان عن أبي طُوالة، عن سعيد بن يسار، بإسناده، وفيه: "أظلّهم في ظلّ عرشي يوم لا ظلّ إلّا ظلّي".
وحديث فليح بن سليمان رواه أبو داود الطيالسيّ في مسنده (٢٣٣٥) عنه، عن سعيد بن يسار، بإسناده وليس فيه: "ظلّ العرش".
• عن العرباض بن سارية، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قال اللَّه : المتحابون بجلالي في ظل عرشي يوم لا ظلّ إلا ظلّي".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٧١٥٨)، والطبرانيّ في الكبير (٨/ ٢٥٨) كلاهما من حديث إسماعيل ابن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن العرباض بن سارية، فذكره.
وإسناده حسن من أجل إسماعيل بن عياش الحمصيّ فإنّه صدوق في روايته عن أهل بلده، وهذا منه فإنّ صفوان بن عمرو وهو السكسكيّ من حمص وهو ثقة.
وأورده الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٢٧٩) وقال: "رواه أحمد، والطبرانيّ، وإسنادهما جيد". وكذا قال المنذريّ في الترغيب والترهيب أيضًا (٤/ ٤٨) إلّا أنه قصر في العزو على أحمد.
• عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "قال اللَّه ﵎: وجبتْ محبّتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ".
صحيح: رواه مالك في الشعر (١٦) عن أبي حازم بن دينار، عن أبي إدريس الخولانيّ أنه قال: "دخل مسجد دمشق، فإذا فتى شابّ برّاق الثّنايا، وإذا النّاس معه، إذا اختلفوا في شيء أسندوا إليه، وصدروا عن قوله، فسألتُ عنه فقيل: هذا معاذ بن جبل، فلما كان الغد هجّرتُ، فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته يصلي، قال: فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئتُه من قبل وجهه فسلمت عليه، ثم قال: واللَّه إني لأحبُّك للَّه، فقال آللَّه؟ فقلت: آللَّه، فقال: آللَّه؟ فقلت: آللَّه، فقال: آللَّه؟ فقلت: آللَّه. قال: فأخذ بحبُوة ردائي فجبذني إليه وقال: أبشر فإنّي سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول (فذكر الحديث).
وفي رواية قال: "المتحابون في اللَّه في ظلّ العرش يوم القيامة".
رواه الإمام أحمد (٢٢٠٣١) عن روح، حدّثنا الحجاج بن أسود، عن شهر بن حوشب، عن معاذ ابن جبل، فذكره.
стр. 264
وفيه شهر بن حوشب، وفيه كلام مع الانقطاع فإنه لم يلق معاذًا.
ولكن رواه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٧٨)، والبزّار في البحر الزّخّار (٢٦٧٢)، وعبد اللَّه بن المبارك في الزهد (٧١٥) كلّهم من حديث عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، قال: حدثني عائذ اللَّه بن عبد اللَّه، قال: قلت لمعاذ بن جبل، فذكر القصة.
وعائذ اللَّه هو أبو إدريس الخولاني وقد اختلف في سماعه من معاذ بن جبل، والصحيح أنّه سمع منه كما تدل عليه قصة مالك.
وأخرجه الحاكم (٤/ ١٦٩) من وجه آخر عن أبي إدريس، عن معاذ بن جبل، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وقد جمع أبو إدريس -بإسناد صحيح- بين معاذ وعبادة بن الصّامت في هذا المتن".
ولكن نقل الدارقطني في العلل (٦/ ٧١) عن محمد بن مسلم الزّهريّ بأنه رواه عن أبي إدريس الخولانيّ فقال: "أدركتُ عبادة بن الصّامت ووعيتُ عنه. . . وقال: فاتني معاذ بن جبل، وأُخبرتُ عنه" ثم قال الدارقطني: "والقول قول الزهري لأنه أحفظ الجماعة". انتهى.
وذكر قبله جماعة من أهل الحجاز والشام منهم: أبو حازم سلمة بن دينار، والوليد بن عبد الرحمن، وقيس بن محمد القاص، وذكر أيضًا عطاء الخراساني، ويزيد بن أبي مريم، ويونس ابن ميسرة بن حلبس كلّهم ذكروا أنّ أبا إدريس سمعه من معاذ، فترجيح رواية الزّهريّ على هؤلاء جميعًا فيه نظر.
• عن ابن عمر، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ للَّه عبادًا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الشّهداء والنّبيّون يوم القيامة لقربهم من اللَّه تعالى، ومجلسِهم منه". فجثا أعرابيٌّ على ركبتيه فقال: يا رسول اللَّه، صفهم لنا. قال: "قومٌ من أقناء النّاس من نزّاع القبائل، تصادقوا في اللَّه، وتحابوا فيه، يضع اللَّه لهم يوم القيامة منابر من نور، يخاف الناس ولا يخافون، هم أولياء اللَّه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون".
صحيح: رواه الحاكم (٤/ ١٧٠ - ١٧١) عن أبي عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه الزّاهد الأصبهانيّ، ثنا أحمد بن يونس الضبيّ بأصبهان، ثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، قال: سمعت زياد بن خيثمة، يحدث عن أبيه، عن ابن عمر، فذكره.
وإسناده صحيح، رجاله ثقات؛ أحمد بن يونس بن المسيب، أبو العباس الضّبيّ، كوفي الأصل، بغداديّ المنشأ، نزل أصبهان وحدّث بها، وثّقه الدارقطني وغيره، انظر: تاريخ بغداد ٥/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
وقال الحاكم: "حديث صحيح الإسناد".
стр. 265
• عن أبي مالك الأشعريّ، قال: كنتُ عند رسول اللَّه ﷺ ، فنزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [سورة المائدة: ١٠١]. قالوا: فنحن نسأله، إذا قال: "إنّ للَّه عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النّبيّون والشهداء بقربهم ومقعدهم من اللَّه يوم القيامة". قال: وفي ناحية القوم أعرابي فقام فحثى على وجهه ورمي بيديه ثم قال: حدِّثنا يا رسول اللَّه عنهم من هم؟ قال: فرأيتُ وجه رسول اللَّه ﷺ أَبْشَرَ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "هم عبادٌ من عباد اللَّه من بلدان شتّى، وقبائل شتّى، من شعوب القبائل لم يكن بينهم أرحام يتواصلون بها، ولا دنيا يتبادلون بها، يتحابُّون بروح اللَّه، يجعلُ اللَّه وجوههم نورًا، ويجعل لهم منابر من لؤلؤ قدام الرحمن يفزع الناس ولا يفزعون، ويخاف الناس ولا يخافون".
حسن: رواه عبد الرزّاق في المصنف (٢٠٣٢٤) عن معمر، عن ابن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، عن أبي مالك الأشعريّ، فذكره.
وعنه الطبرانيّ في "الكبير" (٣٤٣٣)، والبغويّ في "شرح السنة" (٣٤٦٤).
وفيه شهر بن حوشب مع الكلام الذي فيه فإنه لم يلق أبا مالك الأشعريّ.
لكن أقام إسناده عبد اللَّه بن المبارك في "الزهد" (٧١٤)، والإمام أحمد في "المسند" (٢٢٩٠٦)، فأدخلوا بين شهر بن حوشب، وبين أبي مالك الأشعريّ "عبد الرحمن بن غنم" وهو الأشعريّ من ثقات التابعين.
ورواه أبو يعلى (٦٨٤٢) من وجه آخر عن شهر بن حوشب قال: كان منا رجلٌ -معشر الأشعرين- قد صحب رسول اللَّه ﷺ وشهد معه المشاهد الحسنة الجملية، مالكٌ أو ابن مالك -شكّ عوفٌ- فأتانا يومًا فقال: أتيتكم لأعلمكم وأصلّي بكم كما كان رسول اللَّه ﷺ يصلي بنا. قال: فدعا بجفنة عظيمة فجعل فيها من الماء، ثم دعا بإناء صغير، فجعل يُفرغ في الإناء الصغير على أيدينا، ثم قال: اسبغوا الآن الوضوء، فتوضّأ القوم، ثم قام فصلّى بنا صلاةً تامّة وجيزة، فلما انصرف، قال: قال لنا رسول اللَّه: "قد علمتُ أنّ أقوامًا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبِطُهم الأنبياء والشهداء بمكانهم من اللَّه".
فقال رجل من حَجْرة القوم أعرابيٌّ قال: وكان يعجبُنا إذا شهدنا رسولَ اللَّه ﷺ أن يكون فينا الأعرابيُّ؛ لأنهم يَجْترئون أن يسألوا رسول اللَّه ﷺ ولا نجترئ فقال: يا رسول اللَّه، سمِّهم لنا؟ قال: فرأينا وجه رسول اللَّه ﷺ يتهلّل. قال: "هم ناسٌ من قبائل شتى يتحابُّون في اللَّه، واللَّه إنّ وجوههم لنُور، وإنّهم لعلى نور، ما يخافون إذا خاف الناس، ولا يَحْزنون إذا حَزِنُوا".
قال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٢٧٧): "رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصّحيح غير شهر، وقد
стр. 266
وثقه غير واحد".
وقد حسّن الحافظ المنذريّ في الترغيب والترهيب (٤٥٦٣) إلّا أنه وهم فعزاه للحاكم، والصّواب أن الحاكم لم يخرّج حديث أبي مالك الأشعريّ، وإنّما أخرج حديث ابن عمر، كما سبق.
وإسناده حسن من أجل الكلام في شهر بن حوشب فإنه حسن الحديث إذا لم يرو ما ينكر عليه.
وفي معنى: المتحابين في اللَّه أحاديث كثيرة ستأتي في مواضعها.
• عن أبي إدريس عائذ اللَّه قال: مرّ رجلٌ فقمتُ إليه، فقلتُ: إنّ هذا حدّثني بحديث رسول اللَّه ﷺ فهل سمعته؟ يعني معاذًا، قال: ما كان يحدّثُك إلّا حقًّا، فأخبرته. قال: قد سمعتُ هذا من رسول اللَّه ﷺ يعني المتحابين في اللَّه يظلّهم اللَّه في ظلّ عرشه، يوم لا ظل إلا ظله، وما هو أفضل منه. قلت: أيْ رحمك اللَّه! وما هو أفضل منه؟ قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يأثر عن اللَّه قال: "حقّت محبّتي للمتحابين فىَّ، وحقّتْ محبّتي للمتواصلين فيَّ، وحقّت محبّتي للمتزاورين فيّ، وحقّت محبّتي للمتباذلين فيَّ". ولا أدري بأيتها بدأ. قلت: من أنتَ رحمك اللَّه؟ قال: أنا عُبادة بن الصّامت".
صحيح: رواه الحاكم (٤/ ١٦٩) من طريق الأوزاعيّ، عن ابن حلبس، عن أبي إدريس، فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين".
ورواه الإمام أحمد (٢٢٠٠٢) ومن طريقه الحاكم (٤/ ١٦٩ - ١٧٠) عن محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن أبي إدريس، والسياق نفسه بزيادة بعض الألفاظ.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد رواه عطاء الخراسانيّ عن أبي إدريس الخولانيّ".
• عن أبي الدّرداء قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليبعثنَّ اللَّهُ أقوامًا يوم القيامة في وجوههم النور على منابر اللّؤلؤ، يغبطهم الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء". قال: جثا أعرابيّ على ركبتيه فقال: يا رسول اللَّه حِلَّهم لنا نعرفهم. قال: "هم المتحابون في اللَّه من قبائل شتى، وبلاد شتى، يجتمعون على ذكر اللَّه يذكرونه".
حسن: رواه الطبرانيّ وإسناده حسن كما قال المنذريّ في "الترغيب والترهيب" (٢٣٤٨، ٤٥٧١) ولم أقف على إسناده لأنّ مسند أبي الدّرداء لم يطبع بعد.
ويشهد له حديث عمرو بن عَبسَة قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "عن يمين الرّحمن -وكلتا يديه يمين- رجال ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغشى بياض وجوههم وقربهم من اللَّه ". قيل:
стр. 267
يا رسول اللَّه من هم؟ قال: "هم جُمّاع من نوازع القبائل يجتمعون على ذكر اللَّه، فينتقون أطايب الكلام كما ينتقي آكلُ التمر أطايبه".
رواه الطبرانيّ، وإسناده مقارب لا بأس به، كذا قال المنذريّ في "الترغيب والترهيب" (٢٣٤٧)، ولم أتمكن من الوقوف على إسناده؛ لأنّ مسند عمرو بن عبسة لم يطبع بعد، وقول المنذريّ بأن إسناده مقارب يشير إلى علّة خفية، وإلّا لحسّنه، فإنه يحسّن الأحاديث المعلولة فكيف إذا خليت من العلة؟ ولذا ذكرته في الباب ولم أذكره في صلب الموضوع.
• وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ طرف صاحب الصّور مُذْ وُكِّل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه، كأنّ عينيه كوكبان درّيان".
حسن: رواه الحاكم (٤/ ٥٥٨ - ٥٥٩) من طريق محمد بن هشام بن ملاس النّمريّ، عن مروان ابن معاوية الفزاريّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصمّ، ثنا يزيد بن الأصمّ، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه أبو الشيخ في "العظمة" (٣٩١) من وجه آخر عن مروان بن معاوية، بإسناده نحوه.
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".
وقال الذهبي: "صحيح على شرط مسلم". وأخرجه في "العلو" (٨١) عن الحاكم وأقرّ تصحيحه.
قلت: الصواب أنه حسن فقط؛ فإنّ محمد بن هشام بن ملاس النمريّ الدّمشقيّ، ليس من رجال مسلم، بل ليس من رجال التهذيب غير أنه "صدوق" كما قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٨/ ١١٦).
ولذا حسّنه الحافظ في "الفتح" (١١/ ٣٦٨).
وسيأتي مزيد من التخريج مع شاهده عن أنس في جموع الإيمان باليوم الآخر.
• عن جابر قال: لما رجعتْ إلى رسول اللَّه مهاجرة البحر، قال: "ألا تحدّثوني بأعاجيبَ ما رأيتم بأرض الحبشة؟ ". قال فتية منهم: بلى يا رسول اللَّه، بينا نحن جلوسٌ مرّتْ بنا عجوزٌ من عجائز رهابينهم تحمل على رأسها قلَّةً من ماء، فمرّتْ بفتى منهم، فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثم دفعها فخرّت على ركبتيها فانكسرت قلّتُها. فلما ارتفعت التفتتْ إليه، فقالت: سوف تعلم يا غُدَر! إذا وضع اللَّه الكرسيَّ وجمع الأوّلين والآخرين وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدًا. قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : "صدقتْ صدقتْ، كيف يقدس اللَّه أمّةً لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم".
حسن: رواه ابن ماجه (٤٠١٠)، وابن حبان (٥٠٥٨)، وابن أبي الدنيا في الأهوال (٢٤٢)
стр. 268
كلهم من طريق عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم فإنه حسن الحديث.
وأورده الذهبي في "العلو" (١٧٩) وقال: "إسناده صالح".
• عن بريدة قال: سأل رسولُ اللَّه ﷺ جعفرًا حين قدم من الحبشة: "ما أعجبُ شيء رأيتَه؟ ". قال: رأيتُ امرأةً تحمل على رأسها مكتلًا من طعام، فمر فارس فركضه فأبذره، فجلست تجمع طعامها، ثم التفتتْ فقالت: ويلٌ لك، إذا وضع الملك ﵎ كرسيَّه فأخذ للمظلوم من الظالم، فقال رسول ﷺ تصديقا لقولها: "لا قُدِّستْ أمّةٌ -أو كيف تقدّس أمّة- لا يأخذ ضعيفُها حقَّه من شديدها، وهو غير متعتع".
حسن: رواه البزار -كشف الأستار (١٥٩٦) -، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٦٠) كلاهما من طريق سعيد بن سليمان، عن منصور بن أبي الأسود، ثنا عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة (وهو سليمان)، عن أبيه بريدة بن الحصيب، فذكره.
قال البزّار: "لا نعلم له عن بريدة طريقًا غير هذا، تفرّد به منصور".
قلت: ليس كما قال، فقد رواه عمرو بن أبي قيس، عن عطاء بن السّائب، ومن طريقه رواه ابن أبي عاصم في السنة (٥٨٢).
ولكن في الإسناد عطاء بن السّائب وهو مختلط، ومنصور بن أبي الأسود وعمرو بن أبي قيس ليسا ممن سمع منه قبل الاختلاط، ولكن الشّواهد تؤكّد أنّ عطاء بن السّائب لم يختلط في هذا الحديث، ولذا حسّنه ابنُ حجر وغيره.
وللجزء المرفوع شاهد من حديث أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّ اللَّه لا يقدّس أمّة لا يأخذ الضّعيف حقّه من القويّ وهو غير متعتع".
أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٥٦) ولكن فيه شيخ لم يسم، قال الحاكم: "وقد سمّاه غندر (محمّد بن جعفر) غير أنه لم يذكر أبا سفيان في الإسناد". انتهى.
قلت: فهو إمّا منقطع أو مرسل.
وأما ما روي عن أبي هريرة، أنّ النبيّ ﷺ أخذ بيدي، فقال: يا أبا هريرة، إنّ اللَّه خلق السماوات والأرضين وما بينهما في ستّة أيام، ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، والتُقْن يوم الثلاثاء، والنّور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة في آخر ساعة من النّهار بعد العصر، وخلق أديم الأرض، أحمرها وأسودها وطيّبها وخبيثها، من أجل ذلك جعل اللَّه من آدم الطيب
стр. 269
والخبيث". فهو غريب.
رواه النسائي في السنن الكبرى (١١٣٢٨) في سورة السجدة عن إبراهيم بن يعقوب، قال: حدثني محمد بن الصّباح، قال: حدثنا أبو عبيد الحدّاد، قال: حدثنا الأخضر بن عجلان، عن ابن جريج المكيّ، عن عطاء، عن أبي هريرة، فذكره.
وأورده الذهبي في "العلو" (٢٠٥) عن النسائي وقال: "الأخضر وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وليّنه الأزديّ، وحديثه في السنن الأربعة. وهذا الحديث غريب من أفراده". انتهى.
قلت: وهو كما قال، وقد وثقه أيضًا النسائيّ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤/ ٦٣).
ويشهد لمتنه ما رواه مسلم في "صحيحه" في صفات المنافقين (٢٧٨٩) من طرق عن حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد اللَّه بن رافع مولى أمّ سلمة، عن أبي هريرة، قال: "أخذ رسول اللَّه ﷺ يدي فقال: "خلق اللَّه التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشّجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدّواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر والليل".
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (٨٣٤١).
وقد عاب العلماءُ إخراج مسلم هذا الحديث في صحيحه؛ لأنه مخالف لصريح القرآن، لأن اللَّه يقول: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [سورة الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، هود: ٧، الفرقان: ٥٩، السجدة: ٤، ق: ٣٨، الحديد: ٤]، وقد ثبت أنّ آخر الخلق كان يوم الجمعة، فيلزم أن يكون أول الخلق يوم الأحد، ولو كان أول الخلق يوم السبت وآخره يوم الجمعة لكان قد خلقه في سبعة أيام، وهو خلاف ما أخبر به القرآن.
انظر: مجموع فتاوي شيخ الإسلام (١٧/ ٢٣٥)، (١٨/ ١٨ - ١٩).
وقال ابن كثير في تفسيره بعد أن أورد الحديث من طريق مسلم: "هذا الحديث من غرائب صحيح مسلم"، وقد تكلّم عليه ابن المديني، والبخاريّ وغير واحد من الحفّاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنّما اشتبه على بعض الرّواة فجعلوه مرفوعًا".
وقال أيضًا: "وفيه استيعاب الأيام السبعة، واللَّه تعالى قال: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، ولهذا تكلّم البخاريّ وغير واحد من الحفّاظ في هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ليس مرفوعًا".
قلت: وهو ما ذكره البخاريّ في "التاريخ الكبير" (١/ ٤١٣ - ٤١٤) من طريق إسماعيل بن أمية، به ثم قال: وقال بعضهم عن أبي هريرة، عن كعب، وهو أصح".
стр. 270
ورواه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٨١٢) من طريق مسلم وقال: قال ابن المديني: "وما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلا عن إبراهيم بن أبي يحيى. قلت (يعني البيهقي): وقد تابعه على ذلك موسى بن عبيدة الرّبذيّ عن أيوب بن خالد، إلّا أنّ موسى بن عبيدة ضعيف، وروي عن بكر بن الشرود، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن صفوان بن سُليم، عن أيوب بن خالد، وإسناده ضعيف".
ويرى بعض أهل العلم أن هذا الحديث يشير إلى تدبير الأرض لا الخلق، ولكن يصادم هذا القول قوله تعالى في سورة فصلت: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ٩، ١٠] فجعل تدبير الأرض مع خلقها في أربعة أيام: الأحد والاثنين خلق الأرض، والثلاثاء والأربعاء تدبيرها، ثم قال: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ. . .﴾ [فصلت: ١٢] أي: بقية اليومين من السنة، وهما: الخميس والجمعة.
هكذا تم خلْق السماوات والأرض وما فيهما في ستة أيام كما نص عليه القرآن في عدة آيات في كتاب اللَّه.
١٨ - باب نزول الرّب إلى السّماء الدّنيا
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ينزل اللَّه ﵎ كلّ ليلة إلى السّماء الدّنيا حين يبقى ثلثُ اللّيل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيبَ له، من يسألني فأُعطيه، من يستغفرني فأغفرَ له".
متفق عليه: رواه مالك في القرآن (٣٠) عن ابن شهاب، عن أبي عبد اللَّه الأغرّ، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه البخاريّ في التهجد (١١٤٥) عن عبد اللَّه بن مسلمة، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٥٨) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك، به، مثله.
ورواه مسلم من وجه آخر وفيه من الزيادة: "حتى يُضيء الفجر".
قال أبو عيسى الترمذيّ (٣/ ٣٠٩): "ورُوي هذا الحديث من أوجه كثيرة عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، وروي عنه أنه قال: ينزل اللَّه حين يبقى ثلث اللّيل الآخر وهو أصح الروايات" انتهى.
• عن أبي سعيد وأبي هريرة، قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه يمهل حتى إذا ذهب ثلث اللّيل الأوّل نزل إلى السّماء الدّنيا، فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من سائل؟ هل من داع؟ حتى ينفجر الفجر".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٥٨: ١٧٢) من طرق عن جرير، عن منصور، عن أبي إسحاق، عن الأغر أبي مسلم، يرويه عن أبي سعيد، وأبي هريرة، فذكراه.
стр. 271
ورواه أيضًا عن شعبة، عن أبي إسحاق، بهذا الإسناد غير أن حديث منصور أتم وأكثر.
ورواه ابن أبي الدّنيا في التهجد (٢٤٦) من طريق أبي عوانة، عن أبي إسحاق بإسناده غير أن فيه: "إنّ اللَّه تعالى يهبط إذا ذهب ثلث الأول، وبقي ثلث الليل. . . " والباقي مثله.
ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (٨٩٧٤) غير أنه قال: "إنّ اللَّه يُمهل حتى يذهب ثلثُ الليل، ثم يهبط فيقول: هل من داع، فيستجاب له؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ ".
ورواه أيضًا (١١٢٩٥) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، مثل لفظ مسلم.
• وعن أبي هريرة يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "ينزل اللَّهُ في السّماء الدّنيا لشطر اللّيل، أو لثلث اللّيل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيبَ له، أو يسألني فأعطيه، ثم يقول: من يُقْرِضُ غيرَ عديم ولا ظلوم".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٥٨: ١٧١) عن حجّاج بن الشاعر، حدّثنا محاضر أبو المورِّع، حدّثنا سعد بن سعيد، قال: أخبرني ابن مرجانة، قال: سمعتُ أبا هريرة، فذكره.
وقوله: "غير عديم" قال أهل اللّغة: يقال: أعدم الرّجل إذا افتقر، فهو معدِم وعديم وعدوم.
• عن أبي هريرة قال: حدّثني رسولُ اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ليقضي بينهم".
صحيح: رواه الترمذيّ (٢٣٨٢) عن سويد بن نصر، أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك، أخبرنا حيوة بن شريح، أخبرنا الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان المدائني، أنّ عقبة بن مسلم حدّثه، أنّ شُفيًّا الأصبحيّ حدّثه، عن أبي هريرة، فذكره في حديث طويل وهو مذكور في موضعه.
وصحّحه ابن خزيمة (٢٤٨٢)، والحاكم (١/ ٤١٨ - ٤١٩)، وروياه من وجه آخر عن عبد اللَّه ابن المبارك بإسناده، مثله في حديث طويل.
وإسناده صحيح، والوليد بن أبي الوليد عثمان المدني أبو عثمان، قال فيه ابن حجر: "لين الحديث" والحقّ أنّه ثقة، وثّقه أبو زرعة والذهبيّ في "الكاشف" وغيرهما.
وأصل هذا الحديث في صحيح مسلم من وجه آخر إلا أنه ليس فيه ذكر النزول (١٩٠٥).
• عن رفاعة الجهنيّ قال: أقبلنا مع رسول اللَّه ﷺ حتى إذا كُنّا بالكديد -أو قال: بقُديد- فجعل رجالٌ منّا يستأذنون إلى أهليهم، فيَأُذنُ لهم، فقام رسول اللَّه ﷺ فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: "ما بال رجال يكون في شِقُّ الشجرة التي تلي رسولَ اللَّه ﷺ أبغضَ إليهم من الشِّقِ الآخر". فلم نر عند ذلك من القوم إلّا باكيًا، فقال رجل: إنّ الذي يستأذِنُك بعد هذا لسفيهٌ. فحمدَ اللَّه وقال حينئذ: "أشهد عند اللَّه لا يموتُ عبد يشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأنّي رسول اللَّه صِدْقًا من قلبه، ثم يُسدِّدُ
стр. 272
إلّا سلك في الجنة". قال: "وقد وعدني ربي أن يُدخلَ من أُمّتي سبعين ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب، وإني لأرْجُو أن لا يدخلوها حتى تبوَّءُوا أنتم ومن صلح من آبائكم وأزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة".
وقال: "إذا مضي نصفُ اللّيل -أو قال: ثُلثا اللّيل- ينزلُ اللَّه إلى السّماء الدُّنيا، فيقول: لا أسألُ عن عبادي أحدًا غيري، من ذا يستغفرني فأغفر له، من الذي يدْعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأُعطيه حتى ينفجر الصُّبحُ".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٦٢١٥) عن إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا هشام الدّستوائيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن رفاعة الجهنيّ، فذكره.
إسناده صحيح، صححه ابن خزيمة وأخرجه في كتاب التوحيد (١/ ٢٨٩ - ٢٩١)، وابن حبان (٢١٢) من طرق عن الوليد بن مسلم، قال: حدّثني الأوزاعيّ، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني هلال بن أبي ميمونة، قال: حدثني عطاء بن يسار، قال: حدثني رفاعة بن عرابة الجهنيّ، فذكر الحديث نحوه.
هكذا رواه ابن خزيمة وابن حبان بالتحديث إلى آخر الإسناد.
وهذا الإسناد أصحّ ما جاء به هذا الحديث، وقد صححه شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والحافظ ابن حجر وغيرهم.
ورواه ابن ماجه (١٣٦٧، ٢٠٩٠) مختصرًا من طريق محمد بن مصعب، عن الأوزاعيّ. ومحمد بن مصعب ضعيف، وبه ضعّفه أيضًا البوصيريّ.
قال فيه صالح بن محمد: "عامة أحاديثه عن الأوزاعيّ مقلوبة".
وقد رُوي هذا الحديث عن عقبة بن عامر، عن النبيّ ﷺ ، فقال الدّارقطني في "كتاب النزول" (٦٥) وفيه نظر.
وقال بعد أن أخرج الحديث من طريق علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني هلال بن أبي ميمونة، أن عطاء بن يسار حدّثه، أنّ عقبة بن عامر حدّثه، فذكر الحديث ثم قال: "وروى هذا الحديث جماعةٌ منهم: هشام الدّستوائيّ، وعبد الرحمن الأوزاعيّ، وأبان العطّار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن رفاعة بن عرابة الجهنيّ، عن النبيّ ﷺ وهو المحفوظ" انتهى.
• عن نافع بن جبير، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ قال: "ينزل اللَّهُ في كلّ ليلة إلى السّماء الدّنيا فيقول: هل من سائل فأُعطيه، هل من مستغفر فأغفر له، حتى يطلع الفجرُ".
стр. 273
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٦٧٤٥)، والبزّار -كشف الأستار (٣١٥٢) -، وأبو يعلى (٧٤٠٨)، والنسائيّ في اليوم واللّيلة (٤٨٧)، وابن أبي عاصم في "السنة" (٥٠٧)، والدّارقطني في النزول (٤) كلّهم من طريق حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير، به، واللّفظ لأحمد.
وصحّحه ابنُ خزيمة، وأخرجه في كتاب التوحيد (١/ ٢٩٢).
وإسناده صحيح على شرط مسلم، وصحّحه أيضًا الحافظ ابن القيم كما في "مختصر الصواعق" (ص ٣٧٤).
ولا يُعلُّ هذا بما رواه نافع بن جبير مرةً عن أبيه، ومرةً عن أبي هريرة، وأخرى عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ؛ فإنّ الرّاوي قد يشك في اسم الصحابي، فمن جزم حجة على من لم يجزم، وأمّا كونه عن أبيه، أو عن أبي هريرة، فلعلّ نافعًا سمع من الاثنين.
ولذا وقع الخلاف في بعض ألفاظ الحديث ففي حديثه عن أبي هريرة: "حتى تُرجل الشّمس" هكذا ذكره ابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٢٩٤).
وقال: "وبين طلوع الفجر وبين ترجل الشّمس ساعة طويلة. فلفظ خبره الذي روى عن أبيه، أو عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ غير مسمّى - غيرُ لفظ خبره الذي روى عن أبي هريرة. فهذا كالدّال على أنّهما خبران لا خبرًا واحدًا".
• عن عليّ بن أبي طالب، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسّواك عند كلّ صلاة، ولأخرتُ العشاء الآخرة إلى ثلث اللّيل، فإنّه إذا مضى ثلث اللّيل الأوّل هبط اللَّه ﵎ إلى السّماء الدّنيا، فلم يزل هنالك حتى يطلع الفجر يقول: ألا سائل فيُعطى، ألا داعٍ يجاب، ألا مستشفع فيشفَّع، ألا تائب مستغفر فيغفر له".
حسن: رواه البزّار (٤٧٧، ٤٧٨) قال: حدثنا سليمان بن سيف الحراني، ثنا سعيد بن بزيع، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الرحمن بن يسار، ح. وحدّثنا إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، والفضل بن سهل، وأحمد بن منصور، قالوا: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الرحمن بن يسار، عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، فذكر الحديث.
قال البزار: "واللّفظ لفظ سعيد بن بزيع، وهذا الحديث قد رُوي عن النّبيّ ﷺ من وجوه، لا تعلمه بروي عن علي، عن النبيّ ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد" انتهى.
وإسناده حسن لأجل سعيد بن بزيع وهو الحرّانيّ، قال فيه أبو زرعة: "صدوق" الجرح والتعديل (٤/ ٨).
ومحمد بن إسحاق مدلّس إلّا أنّه صرّح بالتحديث.
стр. 274
وعبد الرحمن بن يسار هو القرشيّ مولاهم، عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، وعنه ابن أخيه محمد بن إسحاق، وثّقه ابن معين. وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: "تعجيل المنفعة" (٦٥٤).
قلت: هكذا صرّح محمد بن إسحاق في رواية الإمام أحمد (٩٦٨)، والدّارميّ (١٤٩٢)، والدّارقطنيّ في "النزول" (١) فقال: حدّثني عمي عبد الرحمن بن يسار إلّا أن أحمد، والدّارميّ لم يذكرا لفظ الحديث، وإنّما أحالا على لفظ أبي هريرة، وحديث أبي هريرة جزء منه سيأتي في كتاب الطهارة - باب السواك، وجزء منه في كتاب الصلاة. المواقيت، والجزء الثالث سبق قريبًا.
الإمام أحمد (٩٦٧، ١٠٦١٨)، والدّارميّ (١٤٩١) جمعاه كله في حديث واحد، وروياه من طريق محمد بن إسحاق، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عطاء مولى أمّ صُبيّة، عن أبي هريرة.
وعطاء المدنيّ مولى أم صُبيّة مجهول، ومحمد بن إسحاق وإن كان عنعن في بعض الرّوايات، فإنه صرّح أيضًا في البعض الآخر.
• عن ابن مسعود، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا كان ثلثُ اللّيل الباقي، يهبِطُ اللَّهُ إلى السّماء الدّنيا، ثم تُفتح أبوابُ السماء، ثم يبسط يده فيقول: هل من سائل يُعطى سؤلَه، فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر".
حسن: رواه الإمام أحمد (٣٦٧٣، ٣٨٢١) عن عبد الصّمد، حدّثنا عبد العزيز بن مسلم، حدّثنا أبو إسحاق الهمداني، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، فذكره.
رواه أيضًا أبو يعلى (٥٣١٩) من هذا الوجه.
قال الهيثمي في "المجمع": "رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجالهما رجال الصّحيح".
قلت: وهو كما قال إلّا أنّ فيه أبا إسحاق السّبيعيّ وهو ممن اختلط في آخره، وكان مدلّسًا وقد عنعن.
ولكن رواه أيضًا الإمام أحمد (٤٢٦٨) عن معاوية بن عمرو، قال: حدثنا زائدة، حدثنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه، عن النبيّ ﷺ ، قال: "إنّ اللَّه يفتح أبوابَ السّماء ثلث اللّيل الباقي، ثم يهبط إلى السّماء الدّنيا، ثم يبسط يده ثم يقول: ألا عبد يسألني فأعطيه حتى يسطع الفجرُ".
وهذا إسناد ضعيف للكلام في إبراهيم الهجريّ وهو ابن مسلم العبديّ ضعّفه الجمهور ومشّاه ابنُ عدي فقال: "يكتبُ حديثه مع ضعفه" "الكامل" (١/ ٢١١) فإذا ضُمَّ هذا إلى رواية أبي إسحاق يحدث قوّة فيصير الحديث حسنًا.
وأبو الأحوص هو عوف بن مالك بن نضلة الجشميّ.
تعليق: قال الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة: "نشهد شهادةَ مقر بلسانه، مصدِّق بقلبه، مستيقن بما في هذه الأخبار؛ من ذكر نزول الرّب من غير أن نصف الكيفيّة؛ لأنّ نبينا المصطفى لم
стр. 275
يصفْ لنا كيفيةَ نزول خالقنا إلى سماء الدّنيا، وأعلَمنا أنه ينزل، واللَّه جلّ وعلا لم يترك، ولا نبيَّه ﵇ بيان ما بالمسلمين إليه الحاجة من أمر دينهم.
فنحن قائلون مصدِّقون بما في هذه الأخبار، من ذكر النزول غير متكلّفين القول بصفة الكيفية، إذ النبيّ ﷺ لم يصف لنا كيفية النّزول.
وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصحّ أنّ اللَّه جلّ وعلا فوق سماء الدّنيا الذي خبَّرنا نبيُّنا ﷺ أنه ينزل إليه. إذْ محال في لغة العرب أن تقول: نزل من أسفل إلى أعلى، ومفهومٌ في الخطاب أنّ النّزول من أعلى إلى أسفل". "كتاب التوحيد" (١/ ٢٧٥).
وفي الباب ما رواه الدّارقطنيّ في كتاب "النزول" (٦، ٧) قالوا: وحدّثنا محاضر بن المورّع، قال: قال الأعمش: وأري أبا سفيان ذكره عن جابر أنه قال: "ذلك في كلّ ليلة".
ولفظه: "إنّ اللَّه ينزل كلَّ ليلة إلى السّماء الدّنيا لثلث اللّيل فيقول: ألا عبد من عبادي يدعوني فأستجيب له، أو ظالم لنفسه يدعوني فأغفر له، ألا مُقَتَّرٍ عليه فأرزقه، ألا مظلوم يستنصر فأنصره، ألا عان يدعوني فأفكّ عنه، فيكون ذلك مكانه حتى يُصلّي الفجرُ ثم بعلو ربُّنا إلى السّماء العليا على كرسيّه".
رواه عن أحمد بن محمد بن مسعدة، وعبد الرحمن بن الحسن بن أحمد الهمداني، قالا: ثنا إبراهيم بن الحسين الهمدانيّ، قال: ثنا محمد بن إسماعيل الجعفريّ، ثنا عبد اللَّه بن سلمة بن أسلم، عن محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري، عن رسول اللَّه ﷺ ، فذكره.
وفي الإسناد محمد بن إسماعيل الجعفريّ، قال فيه أبو حاتم: منكر الحديث. ترجمه الذهبيّ في "الميزان" وقال الحافظ في "اللّسان": قال أبو نعيم الأصبهانيّ: متروك.
قلت: هو محمد بن إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب. وشيخه عبد اللَّه بن سلمة بن أسلم ضعّفه الدّارقطنيّ، وقال أبو نعيم: متروك. وسلمة تحرّف في كتاب "النزول" إلى "مسلمة".
وفي الإسناد أيضًا رجال لا أعرفهم.
وأصل حديث جابر في "صحيح مسلم" في كتاب صلاة المسافرين (٧٥٧) من وجهين أحدهما من طريق جرير، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "إنّ في اللّيل لساعةً لا يوافقها رجل مسلم يسأل اللَّه خيرًا من أمر الدّنيا والآخرة إلّا أعطاه إياه، وذلك كلّ ليلة".
والوجه الثاني من طريق معقل، عن أبي الزّبير، عن جابر، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ من اللّيل ساعةً لا يوافقها عبد مسلم يسأل اللَّه خيرًا إلّا أعطاه إيّاه". وليس في أحدهما ذكر نزول اللَّه ﵎.
وكذلك ما روي عن عمرو بن عبسة مرفوعًا: "إن اللَّه يتدلّي في جوف اللّيل فيغفر إلّا
стр. 276
ما كان من الشّرك والبغي" في حديث طويل سيأتي في كتاب الوضوء -باب ثواب الطهور- وليس فيه هذا اللّفظ.
رواه الإمام أحمد (١٩٤٣٣) عن يزيد بن هارون، حدّثنا حريز بن عثمان -وهو الرّحبيّ-، حدّثنا سُليم بن عامر، عن عمرو بن عبسة.
ومن طريق يزيد بن هارون رواه أيضًا الدارقطني في كتاب "النزول" (٦٦، ٦٧)، قال أبو حاتم: "لم يسمع سُليم بن عامر من عمرو بن عبسة".
وإنما الصّحيح في الإسناد هو ما رواه أبو أمامة، عن عمرو بن عبسة السلميّ. رواه أبو داود (١٢٧٧)، والترمذيّ (٣٥٧٩)، والنسائيّ (٥٧٢) من طريقه.
ولفظ الحديث: "أقرب ما يكون الرّبُ من العبد في جوف اللّيل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر اللَّه في تلك السّاعة فكن".
وقال: "حسن صحيح غريب من هذا الوجه".
وصحّحه أيضًا ابن خزيمة (١١٤٧) ورواه من هذا الوجه.
وكذلك ما روي عن عثمان بن أبي العاص مرفوعًا: "إنّ اللَّه ينزلُ إلى السّماء الدّنيا في كل ليلة فيقول: هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له".
رواه الطبراني (٨٣٧٣)، وابن خزيمة في "كتاب التوحيد" (٢٦٦)، وابن أبي عاصم (٥٠٨) كلّهم من طريق حمّاد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، فذكره.
وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان قال فيه أحمد: ليس بشيء، وقال عثمان الدارمي: ليس بذاك القوي، وقال النسائي: ضعيف.
والحسن هو البصريّ الإمام مدلّس وقد عنعن، واختلف في سماعه من عثمان ابن أبي العاص فأثبته البخاريّ ونفاه غيره.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا الإمام أحمد (١٦٢٨٠) من طريق حماد بن سلمة وفيه: "ينادي منادٍ كلّ ليلة. . . " ولم يذكر فيه نزول الربّ .
وفي الباب أيضًا عن عبادة بن الصّامت، وأبي الدّرداء.
وكذلك ما رُوي عن عدد من الصّحابة عن نزول الرّب ليلة النصف من شعبان فلا يصح منه شيء، ومن هؤلاء:
١ - عن أبي بكر الصديق ﵁ أنّ النبيّ ﷺ قال: "ينزلُ ربُّنا وتعالى ليلة النّصف من شعبان فيغفر لكل نفس إلّا مشرك باللَّه ومشاحن".
رواه الدّارميّ في الرّد على الجهميّة (١٣٦)، وابن أبي عاصم في "السنة" (٥٠٩)، والبزّار -
стр. 277
كشف الأستار (٢٠٤٥)، وابن خزيمة في "كتاب التوحيد" (٢٦٩)، واللالكائيّ في "أصول الاعتقاد" (٧٥٠) كلّهم من طريق عمرو بن الحارث، عن عبد الملك بن عبد الملك، عن المصعب ابن أبي ذئب، عن القاسم بن محمد، عن أبيه، أو عن عمّه، عن جدّه أبي بكر، فذكر الحديث، واللّفظ للدّارميّ. وفي بعض الرّوايات: "وفي قلبه شحناء".
وإسناده ضعيف فإنّ عبد الملك بن عبد الملك وشيخه المصعب بن أبي ذئب ذكرهما ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل فلم يقل فيهما شيئًا؛ في ترجمة عبد الملك بن عبد الملك إلا قول أبيه: "روى عنه عمرو بن الحارث" (٥/ ٣٥٩)، وقال في ترجمة الثاني (٨/ ٣٠٦ - ٣٠٧): "مصعب بن أبي ذئب، روي عن القاسم بن محمد، روى عنه عبد الملك بن أبي ذئب، روي عمرو بن الحارث، عن عبد الملك بن عبد الملك، عن مصعب بن أبي ذئب هذا، سمعت أبي يقول: لا يعرف منهم إلّا القاسم بن محمد - يعني في الإسناد".
وهذا صريح في تجهيل عبد الملك وشيخه المصعب بن أبي ذئب.
وقال البخاريّ "في حديثه نظر" يعني حديث عمرو بن الحارث، عن عبد الملك، وقال ابن حبان: "لا يتابع على حديثه". ونقل ابنُ عدي أيضًا وساق الحديث وقال: "هو معروف بهذا الحديث، لا يرويه عنه غير عمرو بن الحارث، وهو حديث منكر بهذا الإسناد". انظر للمزيد: "لسان الميزان" (٤/ ٦٧) في ترجمة عبد الملك بن عبد الملك.
وقال ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/ ٦٧): "هذا حديث لا يصح ولا يثبت". وتعقّب الهيثمي البزّار في قوله: "عبد الملك ليس بمعروف، وقد روي هذا الحديث أهلُ العلم واحتملوه"، فقال: "هذا كلام ساقط". كشف الأستار (٢/ ٤٣٦).
٢ - وعن أبي ثعلبة، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا كان ليلة النصف من شعبان يطلع اللَّه إلى خلقه فيغفر للمؤمنين، ويترك أهل الضغائن وأهل الحقد بحقدهم".
رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٥١١)، واللالكائي في "أصول الاعتقاد" (٧٦٠)، والبيهقي في "فضائل الأوقات" (٢٣) كلّهم من طريق الأحوص بن حكيم، عن مهاجر بن حبيب، عن أبي ثعلبة الخشني، فذكر الحديث واللّفظ لابن أبي عاصم.
وفي إسناده الأحوص بن حكيم العنسيّ الحمصيّ قال النسائيّ: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بقوي، منكر الحديث. وقال الجوزجانيّ: ليس بالقوي في الحديث. والخلاصة فيه: أنّه ضعيف الحفظ كما في التقريب.
وأورد ابن الجوزيّ هذا الحديث في "العلل المتناهية" (٢/ ٧٠) وقال: "هذا حديث لا يصح، قال أحمد بن حنبل: الأحوص لا يُروى حديثُه. وقال يحيى: ليس بشيء. وقال الدّارقطنيّ: منكر الحديث، وقال: مضطرب غير ثابت".
стр. 278
وقال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٦٥): "رواه الطبرانيّ، وفيه الأحوص بن حكيم وهو ضعيف".
وأمّا مهاجر بن حبيب فهو أبو ضمرة بن حبيب الزّبيديّ قال أبو حاتم: لا بأس به. الجرح والتعديل (٨/ ٤٣٩ - ٤٤٠)، ورواه البيهقي أيضًا موقوفًا على مكحول.
٣ - وعن عائشة قالت: فقدت رسول اللَّه ﷺ ليلة، فخرجتُ فإذا هو بالبقيع، فقال: "أكنتِ تخافين أن يحيفَ اللَّه عليك ورسولُه؟ ". قلت: يا رسول اللَّه، ظننتُ أنّك أتيتَ بعض نسائك. فقال: "إنّ اللَّه ﵎ ينزلُ ليلة النّصف من شعبان إلى السّماء الدّنيا، فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب".
رواه الترمذيّ (٧٣٩)، وابن ماجه (١٣٨٩) كلاهما من طريق يزيد بن هارون، قال: أخبرنا الحجاج بن أرطاة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة، فذكرتِ الحديث، واللّفظ للترمذيّ.
قال الترمذيّ: "حديث عائشة لا نعرفه إلّا من هذا الوجه من حديث الحجّاج، وسمعتُ محمدًا يضعِّفُ هذا الحديث. وقال: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة. وقال محمد: والحجاج بن أرطاة لم يسمع من يحيى بن أبي كثير".
قلت: وكلاهما مدلّسان وقد عنعنا.
وأخرجه البيهقيّ في "الشّعب" (٣٨٢٤) وقال: "إنّما المحفوظ هذا الحديث من حديث الحجاج بن أرطاة، عن يحيى بن أبي كثير مرسلًا.
والحديث رواه الإمام أحمد (٢٦٠١٨) عن يزيد بن هارون وفيه قالت عائشة: فإذا هو بالبقيع رافع رأسه إلى السّماء.
ومن طريقه رواه ابن الجوزيّ في "العلل المتناهية" (٢/ ٦٦) وقال: قال الدّارقطنيّ: "قد روي من وجوه، وإسناده مضطرب غير ثابت".
٤ - عن أبي موسى، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ اللَّه ليطلع في ليلة النّصف من شعبان فيغفر الجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن".
رواه ابن ماجه (١٣٩٠) عن راشد بن سعيد بن راشد الرّمليّ، قال: حدّثنا الوليد، عن ابن لهيعة، عن الضّحّاك بن أيمن، عن الضّحّاك بن عبد الرحمن بن عَرْزَب، عن أبي موسى الأشعريّ، فذكر الحديث.
ورواه أيضًا من وجه آخر عن النّضر بن عبد الجبّار، قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن الزبير بن سُليم، عن الضّحاك بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: سمعتُ أبا موسى، فذكر نحوه.
وإسناده ضعيف لأجل ابن لهيعة فإنه اضطرب في هذا الإسناد في الأول قال: قال الضّحاك بن عبد الرحمن بن عزرب، عن أبي موسى. وزاد في الثاني: "عن أبيه". مع جهالة عبد الرحمن بن
стр. 279
عزرب والد الضّحاك كما في "التقريب".
وكذلك في الإسناد الأوّل الضّحاك بن أيمن الكلبيّ شيخ ابن لهيعة وهو مجهول أيضًا، ولكن رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٥١٠) من طريق ابن لهيعة، عن الربيع بن سليمان، عن الضّحّاك ابن عبد الرحمن، عن أبيه - فزاد فيه: "عن أبيه".
وفي "أصول الاعتقاد" للالكائيّ (٧٦٣): الزبير بن سليمان، وفي الإسناد الثاني عند ابن ماجه الزبير بن سُليم وهو مجهول أيضًا.
وشيخ شيخه هل رواه عن أبيه أم عن أبي موسى فهو كله يدل على أنْ ابن لهيعة اضطرب فيه اضطرابًا شديدًا.
٥ - وعن معاذ بن جبل، عن النبيّ ﷺ قال: "يطلع اللَّه إلى خلقه ليلة النّصف من شعبان فيغفر الجميع خلقه إلّا مشرك أو مشاحن".
رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٥١٢) عن هشام بن خالد، ثنا أبو خُليد عتبة بن حماد، عن الأوزاعيّ وابن ثوبان، عن مكحول، عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل، فذكر الحديث.
ورواه أيضًا ابن حبان في "صحيحه" (٥٦٦٥)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ١٠٩)، والبيهقيّ في فضائل الأوقات (٢٢) كلّهم من هذا الوجه، وزادوا بعد ابن ثوبان: "عن أبيه". والظاهر أنه سقط في "السنة" لأنّ كلَّ مَنْ رواه من طريق شيخ ابن أبي عاصم أثبت ذلك.
قال الهيثميّ في "المجمع" (٨/ ٦٥): رواه الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط" ورجالهما ثقات".
قلت: وهو كما قال إلّا أنه لم يتنبّه أنّ في الإسناد انقطاعًا فإن مكحولا لم يلقَ مالك بن يخامر كما قال الذهبيّ.
وقد رُوي موصولًا إلّا أنه لم يصح أيضًا لأن في إسناده سليمان بن أحمد الواسطيّ كذّبه يحيى، وضعفه النسائيّ.
٦ - عن عبد اللَّه بن عمرو، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "يطلع اللَّه إلى خلقه ليلة النّصف من شعبان، فيغفر لعباده إلّا الاثنين: مشاحن، وقاتل نفس".
رواه الإمام أحمد (٦٦٤٧) عن حسن، حدّثنا ابن لهيعة، حدّثنا حُييّ بن عبد اللَّه، عن أبي عبد الرحمن الحُبليّ، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره.
وفي الإسناد ابنُ لهيعة وفيه كلام معروف، وشيخه حييُّ بن عبد اللَّه، قال فيه الإمام أحمد: أحاديثه مناكير، وقال البخاريّ: فيه نظر، وقال النسائي: ليس بالقويّ، ومشّاه ابن معين، وابن عدي، وابن حبان، ولذا حسّنتُ حديثه في الشّواهد إذا روى عنه غير ابن لهيعة.
٧ - وعن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا كان ليلة النّصف من شعبان يغفر اللَّه لعباده إلّا لمشرك أو مشاحن".
стр. 280
رواه البزّار -كشف الأستار (٢٠٤٦) - عن أبي غسّان روح بن حاتم، ثنا عبد اللَّه بن غالب، ثنا هشام بن عبد الرحمن، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
قال البزّار: "لا يتابع هشام على هذا، ولم يرو عنه إلّا عبد اللَّه بن غالب، وابن غالب ليس به بأس". انتهى.
وقال الهيثميّ في "المجمع" (٨/ ٦٥): "رواه البزّار، وفيه هشام بن عبد الرحمن، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
وأخرجه ابن الجوزيّ في "العلل المتناهية" (٢/ ٥٦٠) من هذا الوجه.
٨ - وعن عوف بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يطلع اللَّه ﵎ على خلقه ليلة النّصف من شعبان، فيغفر لهم كلهم إلّا لمشرك أو لمشاحن".
رواه البزار -كشف الأستار (٢٠٤٨) - عن أحمد بن منصور، ثنا أبو صالح الحرّانيّ -يعني عبد الغفار بن داود-، ثنا عبد اللَّه بن لهيعة، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبادة بن نسي, عن كثير بن مرة، عن عوف بن مالك، فذكره.
قال الهيثميّ في "المجمع" (٦/ ٦٥): "رواه البزار، وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وثّقه أحمد بن صالح، وضعّفه جمهور الأئمّة، وابن لهيعة ليّن، وبقية رجاله ثقات". انتهى.
وقال أبو محمد الجوهريّ في "المجلس السابع": "إسناده ضعيف". نقله الشيخ الألبانيّ في "الصحيحة" (٣/ ١٣٧).
٩ - وعن عليّ بن أبي طالب، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا كانت ليلةُ النّصف من شعبان، فقوموا ليلها وصوموا نهارها، فإنّ اللَّه ينزل فيها لغروب الشّمس إلى سماء الدنيا فيقول: ألا من مستغفر لي فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه، ألا كذا، ألا كذا حتى يطلع الفجر".
رواه ابن ماجه (١٣٨٨) عن الحسن بن علي الخلّال، قال: حدثنا عبد الرزّاق، قال: أنبأنا ابن أبي سبرة، عن إبراهيم بن محمد، عن معاوية بن عبد اللَّه بن جعفر، عن أبيه، عن عليّ بن أبي طالب، فذكره.
ومن هذا الوجه أخرجه البيهقيّ في "فضائل الأوقات" (٢٤).
وفي الإسناد ابن أبي سبرة وهو: أبو بكر بن عبد اللَّه بن محمد بن أبي سبرة. قال فيه أحمد: يضع الحديث ويكذب. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ، وهو في جملة من يضع الحديث. وقال ابن حبان: كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يحلّ كتابة حديثه، ولا الاحتجاج به بحال.
١٠ - عن ابن كردوس، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أحيى ليلتي العيد، وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت فيه القلوب".
стр. 281
رواه ابن الجوزيّ في "العلل المتناهية" (٢/ ٧١) من طريق عيسي بن إبراهيم القرشيّ، عن سلمة بن سليمان الجزريّ، عن مروان بن سالم، عن ابن كردوس، فذكره.
قال ابن الجوزيّ: "هذا حديث لا يصح عن رسول اللَّه ﷺ وفيه آفات. أما مروان بن سالم فقال أحمد: ليس بثقة، وقال النسائيّ والدّارقطني والأزديّ: متروك. وأما سلمة بن سليمان فقال الأزدي: هو ضعيف، وأما عيسى فقال يحيى: ليس بشيء". انتهى.
وفيه أيضًا عن أبي أمامة الباهليّ، وعقبة بن عامر ولا يصح.
وخلاصة القول: إنّه لا يوجد في نزول اللَّه ﵎ في ليلة النّصف من شعبان وفضله حديث يعتمد عليه. ولكن ورود هذه الأحاديث الكثيرة في نزول اللَّه ﵎ في ليلة النصف من شعبان يدل على أن له أصلًا. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة نزول ﵎ كل ليلة، وليلة النصف من شعبان داخل فيها.
وأما إحياء ليلة النصف من شعبان، وإقامة مجالس الذكر والدعاء، وتقسيم الأطعمة على الفقراء والمساكين وغيرها من أنواع العبادات فلم يرِدُ فيها شيءٌ.
قال العقيليّ في "الضعفاء" (٣/ ٢٩): "وفي النزول في ليلة النصف من شعبان أحاديث فيها لين، والرواية في النزول في كل ليلة أحاديث ثابتة صحاح، فليلة النصف من شعبان داخلة فيها إن شاء اللَّه".
وقال القاسميّ في كتابه "إصلاح المساجد": "ونقل عن أهل التعديل والتجريح قولهم: إنه ليس في فضل ليلة النصف من شعبان حديث صحيح".
وقد سئل سماحة الشّيخ ابن باز ﵀ عن ليلة النّصف من شعبان فأجاب بأن الأحاديث الواردة في ليلة النصف من شعبان كلّها ضعيفة، وأن إحياء هذه اللّيلة بدعة، لم يثبت عن النبيّ ﷺ ولا عن أحد من الصّحابة إحياء ليلة النصف من شعبان، إنّما روي عن بعض أهل الشّام أنّهم كانوا يجتمعون ليلة النصف من شعبان لإحيائها، وهي كلّها مردودة لقول النبيّ ﷺ : "كلّ عمل ليس عليه أمرنا فهو مردود" وأطال رحمه اللَّه تعالى في بيان بدعة إحياء هذه اللّيلة. انظر: مجموع فتاوى ابن باز (١/ ١٨٦ - ١٩٢).
وهل العرش يخلو من نزوله أم لا؟
فقول جمهور أهل الحديث أنه لا يخلو.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهو المأثور عن الأئمّة المعروفين بالسنة".
وقال: "ولم ينقل عن أحد منهم بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه، وما ذكره عبد الرحمن (أي ابن محمد بن إسحاق بن منده الأصبهانيّ المتوفى سنة (٤٧٠ هـ) من تضعيف الرواية عن إسحاق، فقد ذكرنا الرواية الأخرى الثابتة التي رواها ابن بطّة وغيره. وذكرنا أيضًا
стр. 282
اللّفظ الثابت عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد، رواه الخلال وغيره. وأمّا رسالة أحمد بن حنبل إلى مسدّد بن مسرهد فهي مشهورة عند أهل الحديث والسنة من أصحاب أحمد وغيرهم، تلقوها بالقبول، وقد ذكرها أبو عبد اللَّه بن بطّة في كتاب "الإبانة" واعتمد عليها غير واحد كالقاضي أبي يعلى، وكتبها بخطّه". انظر: شرح حديث النزول (ص ٢٠١).
وقد احتجّ إسحاق بن راهويه على بعض الجهمية بحضرة الأمير عبد اللَّه بن طاهر أمير خراسان، فسئل عن حديث النزول أصحيح هو؟ فقال: نعم، فقال له بعض قوُّاد عبد اللَّه: يا أبا يعقوب، أتزعم أن اللَّه ينزل كلّ ليلة؟ ! قال: نعم. قال: كيف ينزل؟ قال: أثبتْه فوق حتى أصف لك النزول. فقال له الرجل: أثبتُه فوق. فقال له إسحاق: قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [سورة الفجر: ٢٢]. فقال الأمير عبد اللَّه بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذا يوم القيامة. فقال إسحاق: أعزّ اللَّه الأمير، ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟ ! ". شرح حديث النزول (ص ١٤٩).
وقال الخلال في كتاب "السنة" حدثنا جعفر بن محمد الفريابيّ، ثنا أحمد بن محمد المقدميّ، ثنا سليمان بن حرب، قال: سأل بشر بن السّري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل، الحديث الذي جاء: "ينزل ربُّنا إلى سماء الدنيا" يتحوّل من مكان إلى مكان؟ فسكت حمّاد بن زيد ثم قال: "وهو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء". شرح حديث النزول (ص ١٥٠ - ١٥١).
١٩ - باب إثبات الصورة للَّه تعالى
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "فيأتيهم اللَّه في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ باللَّه منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم اللَّه في الصورة التي يعرفون".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٣٧) ومسلم في الإيمان (١٨٢) كلاهما من حديث إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة، فذكره في حديث طويل، انظر: باب الصراط جسر جهنم في جموع أبواب اليوم الآخر.
انظر بقية الأحاديث في باب رؤية النبي ﷺ ربه في المنام.
٢٠ - باب ما جاء في إثبات الوجه للَّه تعالى
قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن: ٢٧].
وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [سورة القصص: ٨٨].
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [سورة الروم: ٣٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [سورة الإنسان: ٩]ـ
стр. 283
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [سورة الرعد: ٢٢].
وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [سورة الكهف: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [سورة الليل: ٢٠].
وغيرها من الآيات البيّنات.
• عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: جاءني رسول اللَّه ﷺ يعودني عام حجّة الوداع من وَجَع اشتدّ بي. فقلتُ: يا رسول اللَّه، قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنةٌ لي، أفأتصدّق بثلثي مالي؟ قال رسول اللَّه ﷺ : "لا". فقلت: فالشّطر؟ قال: "لا". ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "الثلث، والثلث كثير، إنّك إنْ تذرْ ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالةً يتكفّفون النّاس، وإنّك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه اللَّه إلّا أُجرت حتى ما تجعل في في امرأتك".
متفق عليه: رواه مالك في الوصية (٤) عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، فذكر الحديث بطوله، وسيأتي في موضعه.
ورواه البخاريّ في الجنائز (١٢٩٥) عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك بإسناده، ورواه مسلم في الوصية (١٦٢٨) من وجه آخر عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب بإسناده، مثله.
• عن عبد اللَّه قال: لما كان يوم حُنين آثر أناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائةً من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب، فآثرهم يومئذ في القسمة. فقال رجل: واللَّه إنّ هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجهُ اللَّه! فقلت: واللَّهِ لأُخْبرنّ النبيّ ﷺ فأتيتُه فأخبرتُه، فقال: "فمن يعدلْ إذا لم يعدل اللَّه ورسوله، رحم اللَّهُ موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فرض الخمس (٣١٥٠)، ومسلم في الزكاة (١٠٦٢) كلاهما من حديث جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، فذكره، ولفظهما سواء.
• عن أبي بكر بن عبد اللَّه بن قيس، عن أبيه، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "جنّتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربّهم إلّا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٨٧٨)، ومسلم في الإيمان (١٨٠) كلاهما من حديث عبد العزيز بن عبد الصمد العمّيّ، حدثنا أبو عمران الجونيّ، عن أبي بكر بن عبد اللَّه بن قيس، فذكره.
• عن عتبان بن مالك يقول: غدا عليَّ رسولُ اللَّه ﷺ فقال رجلٌ: أين مالك بن
стр. 284
الدخْشُن؟ فقال رجل منا: ذلك منافق لا يحبّ اللَّه ورسوله. فقال النبيُّ ﷺ : "ألا تقولوه يقول: لا إله إلا اللَّه، يبتغي بذلك وجه اللَّه". قال: بلى. قال: "فإنه لا يوافي عبد يوم القيامة به إلّا حرّم اللَّه عليه النار".
صحيح: رواه البخاريّ في استتابة المرتدين (٦٩٣٨) عن عبدان، أخبرنا عبد اللَّه، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، أخبرني محمود بن الربيع، قال: سمعت عتبان بن مالك، فذكره.
والحديث في الصّحيحين في سياق أطول منه، تقدم في باب من مات على التوحيد دخل الجنة، وسيأتي أيضًا في كتاب الصّلاة.
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [سورة الأنعام: ٦٥] قال النبيُّ ﷺ : "أعوذ بوجهك" فقال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، فقال النبيُّ ﷺ : "أعوذ بوجهك". قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾، فقال النبيُّ ﷺ : "هذا أيسر".
صحيح: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٠٦) في باب قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [سورة القصص: ٨٨] عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا حمّاد بن زيد، عن عمرو، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره.
• عن سعد بن أبي وقاص قال: كنّا مع النبيّ ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبيّ ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لستُ أسميهما. فوقع في نفس رسول اللَّه ﷺ ما شاء اللَّه أن يقع، فحدّث نفسه، فأنزل اللَّه : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام: ٥٢].
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصّحابة (٢٤١٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا محمد بن عبد اللَّه الأسديّ، عن إسرائيل، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد، فذكره.
• عن عبد اللَّه، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّ المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشّيطان، وأقرب ما تكون من وجه ربّها وهي في قعر بيتها".
صحيح: رواه ابن خزيمة في صحيحه (١٦٨٥)، وفي كتاب التوحيد (٢٣)، وعنه ابن حبان في صحيحه (٥٥٩٩) عن أبي موسى محمد بن المثني، نا عمرو بن عاصم، ثنا همّام، عن قتادة، عن مورق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه، فذكره.
ورواه الترمذيّ (١١٧٣) من وجه آخر عن عمرو بن عاصم بإسناده، واقتصر على قوله: "المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشّيطان". وقال: "حسن صحيح غريب". وتابع سعيد بن بشير
стр. 285
همامًا عن قتادة بإسناده، ومن طريقه رواه ابن خزيمة في "صحيحه" (١٦٨٧).
وخالفهما المعتمر بن سليمان، فروى عن أبيه، عن قتادة، عن أبي الأحوص، وأسقط مورّقًا.
ومن طريقه رواه أيضًا ابن خزيمة في "صحيحه" (١٦٨٦)، وابن حبان (٥٥٩٨) كلاهما عن أحمد بن المقدام، ثنا المعتمر، بإسناده، مثله.
فالذي يظهر أنّ الحديث رُوي من وجهين فمرّة رواه قتادة عن مورق، عن أبي الأحوص، ثم تيسر له لقاء أبي الأحوص فروى عنه مباشرة، ويدل عليه صنيع ابن حبان في "صحيحه" حيث أخرجه على الوجهين، واللَّه تعالى أعلم.
• عن الحارث الأشعريّ، أنّ النبيّ ﷺ قال: "إنّ اللَّه أمر يحيى بن زكريا بخمس كلماتٍ أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنه كادَ أن يُبْطئ بها، قال عيسى: إنّ اللَّه أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإمّا أن تأمرَهُم وإمّا أنْ آمرَهُم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يُخسفَ بي أو أعذّب، فجمع الناس في بيت المقدس فامتلأ المسجدُ وتَعدَّوا على الشُّرَف، فقال: إنّ اللَّه أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن.
أوَّلُهن: أن تعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئًا، وإنَّ مَثَلَ مَنْ أشرك باللَّه كمثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو ورق فقال: هذه داري وهذا عملي، فاعمل وأدِّ إليَّ، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيِّدِه، فأيُّكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟ .
وإنّ اللَّه أمركم بالصّلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإنّ اللَّه يَنْصِبُ وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفتْ. . .
صحيح: رواه الترمذيّ (٢٨٦٣) عن محمد بن إسماعيل (البخاريّ) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان بن يزيد، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، أنّ أبا سلّام حدّثه، فذكر الحديث بطوله، وقد تقدّم في موضعه.
قال الترمذيّ: "حديث حسن صحيح غريب. قال محمد بن إسماعيل (البخاريّ): "الحارث الأشعري له صحبة وله غير هذا الحديث".
ورواه أيضًا عن محمد بن بشّار، حدثنا أبو داود الطّيالسيّ، حدّثنا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام، عن أبي سلّام، عن الحارث الأشعريّ، عن النّبيّ ﷺ ، بمعناه.
وقال "هذا حديث حسن غريب. وأبو سلّام: اسمه ممطور، وقد رواه علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير" انتهى.
قلت: ورواه الإمام أحمد (١٧١٧٠)، وصحّحه ابن خزيمة (١٨٩٥)، وابن حبان (٦٢٣٣)،
следующие страницы →