Полный текст (8 687 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
هو باطل لا أصل له؟ .
وفي الباب عن أبي سعيد مرفوعًا في حديث طويل وفيه: دخل رسول الله ﷺ مصلاه، فرأى ناسًا كأنهم يكتثِرون، فقال لهم: "أما إنكم لو أكثرتم ذكر هادِم اللذات لشغلكم عما أرى الموتُ، فأكثروا من ذكر هادِم اللذات الموت ... ".
رواه الترمذي (٢٤٦٠) عن محمد بن أحمد مدُّويَهْ، حدثنا القاسم بن الحكم العرني، حدثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن عطية، عن أبي سعيد فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
قلت: بل هو ضعيف جدًّا وفيه سلسلة الضعفاء، القاسم بن محمد العرني، وشيخه عبيد الله بن الوليد الوصافي، وشيخه عطية كلهم من الضعفاء.
وفي الباب أيضًا عن ابن عمر مرفوعًا ولفظه: "أكثروا ذكر هادِم اللذات، فإنه لا يكون في كثير
إلا قلَّله، ولا في قليل إلا كثَّره".
رواه الطبراني في "الأوسط" (٥٧٨٠) من طريق أبي عامر الأسدي، عن عبيد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. ومن هذا الطريق رواه القضاعي في "مسند الشهاب" (٦٧١).
وأبو عامر هو القاسم لا يُعرف، ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ولم يقل فيه شيئًا.
وكذلك لا يصح ما رُوي عنه قال: كنت مع رسول الله ﷺ فجاءه رجل من الأنصار، فسلَّم على النبي ﷺ ثم قال: يا رسول الله! أيّ المؤمنين أفضل؟ قال: "أحسنهم خلقًا" قال: أي المؤمنين أكيس؟ قال: "أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادًا، أولئك الأكياس".
رواه ابن ماجه (٤٢٥٩) من طريق نافع بن عبد الله، عن فروة بن قيس، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر فذكره.
ونافع بن عبد الله "مجهول"، وكذلك شيخه فروة بن قيس حجازي "مجهول" أيضًا.
وقال الذهبي: "هذا خبر باطل" نقله البوصيري عنه في الزوائد.
وأما قول المنذري في "الترغيب والترهيب" (٤/ ١٢٩): "بإسناد جيد" فغير جيد، وللحديث طرق لا يخلو من ضعف ومجهول.
وفي الباب أيضًا عن عمر بن الخطاب، أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٣٥٥) وفيه عبد الملك ابن يزيد قال الذهبي: "لا يُدرى من هو؟ ".
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن شداد بن أوس مرفوعًا: "الكيِّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أَتْبع نفسه هواها، ثم تمنى على الله".
رواه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠) كلاهما من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن أبي يعلى شداد بن أوس فذكره.
стр. 2172
قال: الترمذي: حسن.
قلت: ليس بحسن، فإن فيه أبا بكر بن أبي مريم وهو: أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي، قد ينسب إلى جده، اتفق أهل هذا الفن على تضعيفه منهم الإمام أحمد وأبو حاتم وأبو داود وأبو زرعة والجوزجاني والنسائي والدارقطني وابن سعد وغيرهم، والراوي عنه عند ابن ماجه بقية بن الوليد إلا أنه توبع، ومعنى قوله: "دان نفسه" أي حاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب يوم القيامة.
١٣ - باب ما يستحب من تطهير الثياب عند الموت
• عن أبي سعيد الخدري أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الميت يُبعث في ثيابه الذي يموت فيها".
حسن: رواه أبو داود (٣١١٤) عن الحسن بن علي، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري فذكر الحديث مثله.
إسناده حسن من أجل يحيى بن أيوب وهو الغافقي فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٧٣١٦)، والحاكم (١/ ٣٤٠) كلاهما من حديث ابن أبي مريم به مثله.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
إلا أن ابن حبان لم يذكر قصة أبي سعيد في تجديد ثيابه عند موته.
وقال: "معنى قوله ﷺ : "الميت يبعث ... " أراد به في أعماله كقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] يريد به: وأعمالك أصلِحها، لا أن الميت يبعث في ثيابه التي قبض فيها، إذ الأخبار الجمة تُصرح عن المصطفى ﷺ بأن الناس يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرْلًا"، انتهى.
وقال الخطابي: وأبو سعيد استعمل الحديث على ظاهره، وقد تأول بعض العلماء على خلاف ذلك فقال: الثياب معناه العمل، ثم قال: "وقال بعضهم: البعث غير الحشر، فقد يجوز أن يكون البعث مع الثياب، والحشر مع العري والحفا".
١٤ - باب ما جاء في فضل من طال عمره وحسن عمله
• عن عبيد بن خالد السُلمي قال: آخى رسول الله ﷺ بين رجلين، فقتل أحدهما، ومات الآخر بعده بجمعة أو نحوها، فصلينا عليه، فقال رسول الله ﷺ : "ما قلتم؟ " فقلنا: دعونا له، وقلنا: اللهم اغفر له، وألحقه بصاحبه، فقال رسول الله ﷺ : "فأين صلاته بعد صلاته، وصومه بعد صومه؟ " شك شعبة في صومه. "وعمله
стр. 2173
بعد عمله، إن بينهما كما بين السماء والأرض".
صحيح: رواه أبو داود (٢٥٢٤)، والنسائي (١٩٨٥) كلاهما من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، قال سمعت عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن رُبَيِّعة، عن عبيد الله بن خالد السلمي فذكره واللفظ لأبي داود، ولفظ النسائي نحوه إلا أنه قال بعد ذكر عبد الله بن رُبَيِّعة: وكان من أصحاب النبي ﷺ ، ويقال: إن شعبة لم يتابع على قوله هذا، وقد نفى أبو حاتم الصحبة له، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين.
والحديث في مسند الإمام أحمد (١٦٠٧٤) من طريق شعبة بإسناده ولكن قال هذا القول في شأن عبيد الله بن خالد السلمي بأنه كان من أصحاب النبي ﷺ .
وفي الحديث دليل على فضيلة طول العمر إذا كان معه العمل، ويدل عليه أيضًا حديث سعد بن أبي وقاص كما سبق في كتاب الوضوء، باب ما جاء في فضل الوضوء والصلاة عقبه.
وأما ما رُوي عن طلحة بن عبيد الله في حديث طويل فهو منقطع وتم تخريجه في الباب المشار إليه.
١٥ - باب في كراهية تمني الموت
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يتمنَّينَّ أحد منكم الموت لضُرٍّ نزل به، فإن كان لا بدَّ متمنِّيا للموت فليقل: اللهم أحْيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاةُ خيرًا لي".
متفق عليه: رواه البخاري في الدعوات (٦٣٥١)، ومسلم في الذكر والدّعاء (٢٦٨٠) كلاهما من حديث إسماعيل ابن علية، عن عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس بن مالك فذكره.
• عن قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على خَبَّاب نعوده، وقد اكتوى سبع كيَّات، فقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقُصْهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد موضِعا إلا التراب، ولولا أن النبي ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به، ثم أتيناه مرة أخرى، وهو يبنى حائطًا له، فقال: إن المسلم ليُؤجر في كل شيء يُنفِقُه إلا في شيء يجعله في هذا التراب.
متفق عليه: رواه البخاري في المرضى (٥٦٧٢)، ومسلم في الذكر والدّعاء (٢٦٨١) كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم فذكره واللفظ للبخاريّ. وأما مسلم فلم يذكر قول خبَّاب: "إن المسلم يؤجر في كل شيء ... ".
وفي لفظ عند الترمذي (٩٧٠) عن حارثة بن مُضَرِّب قال: دخلت على خَبَّاب، وقد اكتوى في بطْنِه فقال: ما أعلم أحدًا من أصحاب النبي لقي من البلاء ما لقيتُ، لقد كنتُ وما أجد درهمًا على عهد النبي ﷺ ، وفي ناحيةٍ من بيتي أربعون ألفًا. ولولا أن رسول الله ﷺ نهانا أو نهى أن نتمنَّى
стр. 2174
الموتَ لتمنَّيتُ.
رواه من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب به مثله.
قوله: "إلا في شيء يجعله في هذا التراب". يعني يتكلف في البناء ما لا يحتاج إليه.
• عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لن يُدخل أحدًا عملُه الجنة" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "لا، ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضلٍ ورحمةٍ، فسَدِّدوا وقَارِبُوا، ولا يتمنينَّ أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله أن يزداد خيرًا، وإما مُسيئًا فلعله أن يستعتِب".
متفق عليه: رواه البخاري في المرضى (٥٦٧٣) عن أبي اليمان، أخبرنا شُعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أبو عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف، أن أبا هريرة قال: فذكره.
ورواه مسلم في صفات المنافقين (٢٨١٦) من طريق ابن شهاب بإسناده، ومن أوجه كثيرة غير أنه لم يذكر فيه النهي عن تمني الموت.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يتمنَّى أحدكم الموتَ، ولا يدْعُ به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عملُه. وإنه لا يزيد المؤمنَ عمرُه إلا خيرًا".
صحيح: رواه مسلم في الذكر والدعاء (٢٦٨٢) من حديث همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها: هذا الحديث.
• عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنوا الموت، فإن هول المطَّلع شديد، وإن من السعادة أن يطولَ عمرُ العبد، ويرزقه الله الإنابة".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٤٥٦٤)، والبزار "كشف الأستار" (٣٢٤٠، ٣٤٢٢) كلاهما من طريق أبي عامر العقدي (وهو عبد الملك بن عمرو العقَدي)، حدثنا كثير بن زيد، حدثني الحارث ابن يزيد، قال: سمعتُ جابر بن عبد الله فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل الحارث بن يزيد وهو من رجال التعجيل (١٦٦)، ذكره ابن حبان في الثقات وقال: "روى عنه محمد بن يحيى المدني، وكثير بن زيد".
وأورده المنذري في "الترغيب" (٤/ ٢٥٧)، وعزاه إلى أحمد، وحسّن إسناده ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٢٤٠) وسكت عنه.
وأما ما رُوي عن أم الفضل أن النبي ﷺ دخل على العباس وهو يشتكي، فتمنى الموتَ، فقال: "يا عباس، يا عم رسول الله، لا تتمنَّ الموتَ، إن كنت محسنًا تزداد إحسانًا إلى إحسانك خير لك، وإن كنت مسيئًا، فإن تؤخر تستعتبُ خير لك، فلا تتمنى الموت".
قال يونس: "وإن كنت مسيئًا فإن تُؤخَّر تستعتب من إساءتك خير لك".
стр. 2175
رواه الإمام أحمد (٢٦٨٧٤)، وأبو يعلى (٧٠٧٦)، والطبراني (٤٤) كلهم من طريق يزيد بن الهاد، عن هند بنت الحارث عن أم الفضل فذكرته.
وهند بنت الحارث هي الخثعمية امرأة عبد الله بن شَدَّاد بن الهاد، روت عن أم الفضل لُبابة بنت الحارث حديثين أحدهما هذا، ولم يُوثقها غير ابن حبان، ولذا قال فيه الحافظ "مقبولة" أي حيث تتابع، ولم تتابع، فهي مجهولة ولينة الحديث.
ورواه الحاكم (١/ ٣٣٩) وقال: "صحيح على شرط الشيخين" وكذا أورده المنذري في "الترغيب والترهيب" (٤/ ٢٥٦) وقال: "صحيح على شرط الشيخين". وذلك ظنًا منهما بأن هند بنت الحارث هي: الفِراسية -بكسر الفاء، ويقال لها: القرشية، فإنها ثقة من رجال البخاري، والصواب كما قلت إنها الخثعمية، والله تعالى أعلم.
١٦ - باب ما جاء في موت الفُجاءة والبَغْتة
• عن عائشة قالت: إن رجلا قال للنبي ﷺ إن أمي افْتُلِتَتْ نفسُهَا، وأظنها لو تكلمتْ تصدقتْ، فهل لها أجر إن تصدقتُ عنها؟ قال: "نعم".
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٨٨)، ومسلم في الزكاة (١٠٠٤) كلاهما من حديث هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرته، واللفظ للبخاري.
وفي الحديث إشارة بأن النبي ﷺ لم يُبد كراهيته لموت الفُجاءة.
وقوله: "افتُلِتَتْ" بضم التاء وكسر اللام -أي سُلِبَتْ على ما لم يُسم فاعله، يقال: افتلَتَ فلان- أي مات فجأةٌ.
• عن تميم بن سلمة أو سعد بن عبيدة، عن عبيد بن خالد السلمي رجل من أصحاب النبي ﷺ قال مرة: عن النبي ﷺ ، ثم قال مرة: عن عبيد قال: "موت الفجأة أخْذةُ أسَفٍ.
صحيح: رواه أبو داود (٣١١٠) عن مسدد، حدثنا يحيى، عن شعبة، عن منصور، عن تميم بن سلمة، أو سعد بن عبيدة، عن عبيد بن خالد السلمي فذكره.
ومن طريق أبي داود رواه البيهقي (٣/ ٣٧٨) وقال: "ورواه روح بن عبادة، عن شعبة، عن منصور، عن تميم بن سلمة، عن عبيد من غير شك ورفعه، قال شعبة: هكذا حدثنيه، وحدثنيه مرة أخرى فلم يرفعه. وقال محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة بهذا موقوف".
قلت: هكذا رواه أيضًا الإمام أحمد (١٥٤٩٧) عن محمد بن جعفر وهو غندر، عن شعبة موقوفًا،
كما رواه قبله عن يحيى بن سعيد، عن شعبة موقوفًا أيضًا وقال: وحدَّث به مرة، عن النبي ﷺ . والحكم في هذا المتن لمن رفعه، لأن معه زيادة علم، وقول الحافظ في "الفتح" (٣/ ٢٥٤):
стр. 2176
"في إسناده مقال، لأن راويه رفعه مرة، ووقفه أخرى" فيه نظر؛ فإن فيه من رواه بدون شك، وقد أجاد المنذري في قوله في "مختصر أبي داود": "رجال إسناده ثقات، والوقف فيه لا يُؤَثِّر، فإن مثله لا يُؤخذ بالرأي، فكيف وقد أسنده الراوي مرة، والله أعلم".
وقوله: "أَسَف" بفتح السين -غَضب وزنا ومعني، ورُوي بوزن فاعل أي غضبان، والمراد أنه أثر غضبه تعالى حيث لم يتركه للتوبة، وإعداد زاد الآخرة.
وقد نُقل عن أحمد وبعض الشافعية كراهة موت الفجأة.
ونقل النووي عن بعض القدماء: "أن جماعة من الأنبياء والصالحين ماتوا كذلك". قال النووي: "وهو محبوب للمراقبين" انتهى كلامه.
قال الحافظ ابن حجر: "وبذلك يجتمع القولان" انظر: "الفتح" (٣/ ٢٥٥).
وأما ما رُوي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ "إني أكره موت الفوات" فهو ضعيف جدًّا، رواه الإمام أحمد (٨٦٦٦)، وأبو يعلى (٦٦١٢) كلاهما من طريق إسرائيل بن يونس، عن إبراهيم بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ مر بجدار، أو حائط مائل، فأسرع المشي، فقيل له فقال: "إني أكره موت الفوات"، إبراهيم بن إسحاق هو: يقال له: إبراهيم ابن الفضل المخزومي المدني، قال فيه البخاري: "منكر الحديث" وقال الدارقطني: "متروك" وضعَّفه غير واحد من الأئمة.
وكذلك لا يصح ما رُوي عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك أن أموت غمًّا، أو هَمًّا، أو أن أموت غرقًا، وأن يتخبطني الشيطانُ عند الموت، وأن أموت لديغًا" رواه الإمام أحمد (٨٦٦٧) وفيه أيضًا إبراهيم بن إسحاق وهو: ابن الفضل المخزومي.
وقد رُوي استعاذته عن موت الفجاءة عن عمرو بن العاص وابنه عبد الله بن عمرو وأبي أمامة وغيرهم وفي كلها مقال.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن عائشة قالت: سألت رسولَ الله ﷺ عن موت الفَجْأة؟ فقال: "راحة للمؤمن وأخذةُ أَسَفٍ للفاجر" رواه الإمام أحمد (٢٥٠٤٢) عن وكيع، حدثنا عبيد الله بن الوليد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عائشة فذكرته. وعبيد الله بن الوليد وهو الوصافي ضعيف جدًّا، وعبد الله بن عبيد بن عمير لم يسمع من عائشة، وله طرق أخرى أضعف منها.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن موسى بن طلحة قال: بلغ عائشة أن ابن عمر يقول: إن موت الفجأة سُخطةٌ على المؤمنين، فقالت: يغفر الله لابن عمر! إنما قال رسول الله ﷺ : "موت الفجأة تخفيف عن المؤمنين، وسُخطة على الكافرين" رواه الطبراني في "الأوسط" (٣١٥٣) عن بكر، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: نا صالح بن موسى الطلحي، عن عبد الملك بن عُمير، عن موسى بن طلحة فذكره.
стр. 2177
قال الطبراني: "لم يروه عن عبد الملك إلا صالح".
قلت: صالح بن موسى هو ابن إسحاق بن طلحة التيمي قال فيه ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: ضعيف. وقال ابن حبان: "كان يروي عن الثقات ما لا يُشبه حديث الأثبات".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: "إن نفس المؤمن تخرج رَشْحًا، ولا أحب موتًا كموت الحمار" قيل: وما موتُ الحمار؟ قال: "موت الفَجْأَةِ". رواه الترمذي (٩٨٠) عن أحمد بن الحسن، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا حُسام بن المِصكِّ قال: حدثنا أبو معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: سمعت عبد الله فذكره.
وحُسام بن المِصَكِّ -بكسر الميم، وفتح المهملة، وبعدها كاف مثقلة، الأزدي أبو سهل البصري ضعَّفه أكثر أهل العلم حتى قال الدارقطني: متروك الحديث. وفي التقريب: "ضعيف، يكاد أن يترك".
١٧ - باب خروج النفس كارهة
• عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "قال الله ﵎ للنفس: اخرجي. قالت: لا أخرج إلا كارهة. قال: اخرجي وإن كرهت".
صحيح: رواه البخاري في "الأدب المفرد" (٢١٩) والبزار (٩٥٩٠) والبيهقي في "الزهد" (٤٦٠) من حديث موسى بن إسماعيل قال: حدثنا الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، فذكره.
وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه إلا أبو هريرة عن النبي ﷺ ، ولا رواه عن أبي هريرة إلا محمد بن زياد، ولا عن محمد إلا الربيع بن مسلم، والربيع بن مسلم ثقة مأمون". أهـ.
قلت: وكذلك محمد بن زياد (وهو القرشي الجمحي)، وموسى بن إسماعيل ثقتان ثبتان.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ٣٢٥): "رواه البزار ورجاله ثقات".
١٨ - باب إغماض بصر الميت
• عن أمِّ سلمة قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة، وقد شق بصره فأغمضه، ثم قال: "إن الرُوح إذا قُبض تبعه البصر" فضجَّ ناس من أهله فقال: "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون".
ثم قال: "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفْه في عقِبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه".
صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٢٠) عن زهير بن حرب، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن قبيصة بن ذُؤيب، عن أم سلمة فذكرته.
стр. 2178
ورواه من وجه آخر عن عبيد الله بن الحسن، عن خالد الحذاء بهذا الإسناد نحوه غير أنه قال فيه: "واخْلُفه في تركته" وقال: "اللهم أوسع له في قبره" ولم يقل: "افسح له" وزاد: قال خالد الحذاء: ودعوة أخرى سابعة نسيتُها.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ألم تروا الإنسان إذا مات شَخَصَ بصرُه؟ " قالوا: بلى. قال: "فذلك حين يتبع بصرُه نفْسَه".
صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٢١) عن محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، عن العلاء بن يعقوب، قال: أخبرني أبي أنه سمع أبا هريرة فذكره.
١٩ - باب ما جاء في النّعِيِّ
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نعى النجاشيَّ في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلى فصف بهم، وكبَّر أربعًا.
متفق عليه: رواه مالك في الجنائز (١٤) عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكره. ورواه البخاري في الجنائز (١٢٤٥) عن إسماعيل، ومسلم في الجنائز (٩٥١) عن يحيى بن يحيى -كلاهما عن مالك به مثله.
• عن أبي هريرة قال: نعى رسول الله ﷺ النجاشيَّ صاحب الحبشة يوم الذي مات فيه فقال: "استغفروا لأخيكم".
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٢٧)، ومسلم في الجنائز (٩٥١/ ٦٣) كلاهما من حديث الليث بن سعد، عن عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، أنهما حدثاه عن أبي هريرة فذكره.
• عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أخًا لكم قد مات، فقوموا فصلوا عليه" يعني النجاشي.
وفي رواية: "إن أخاكم".
صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٥٣) من طرق، عن ابن علية، عن أبوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلَّب، عن عمران بن حصين فذكره.
وفي السنن: فقمنا فصففنا عليه كما يُصف على الميت، وصلينا عليه كما يُصَلَّى على الميت. رواه النسائي (١٩٧٥) من طريق محمد بن سيرين، عن أبي المهلب بإسناده.
• عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : "أخذ الراية زيد فأُصيبَ، ثم أخذها
стр. 2179
جعفر فأُصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأُصيبَ، -وإن عيني رسول الله ﷺ لتذرفان- ثم أخذ الراية خالد بن الوليد من غير إمرةٍ ففُتح له".
صحيح: رواه البخاري في الجنائز (١٢٤٦) عن أبي معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن محمد بن هلال، عن أنس فذكره.
وبوَّب البخاري بقوله: الرجل ينعي إلى أهل البيت بنفسه.
قال الحافظ: "وفائدة هذه الترجمة الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعًا كله. وإنما نُهي عما كان أهل الجاهلية يصنعونه فكانوا يرسلون من يُعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق".
• عن خالد بن شُمير قال: قَدِمَ علينا عبد الله بن رباح فوجدته قد اجتمعَ إليه ناسٌ من الناس، قال: حدَّثنا أبو قتادة فارسُ رسول الله ﷺ قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ جيشَ الأُمراء وقال: "عليكم زيدُ بن حارثةَ، فإنْ أُصيبَ زيدٌ، فجَعْفَرٌ، فإنْ أُصِيبَ جعفرٌ، فعبد الله بن رواحةَ الأنصاريُّ" فوثبَ جعفرٌ، فقال: بأبي أنت يا نبيَّ الله وأُمِّي، ما كنتُ أَرهبُ أن تستعمل عليَّ زيدًا، قال: "امْضُوا فإِنَّكَ لا تَدْري أيُّ ذلك خَيْرٌ" قال: فانطلق الجيشُ فَلَبثُوا ما شاء الله، ثم إن رسول الله ﷺ صَعِدَ المِنبر وأَمَرَ أن يُنادَى: الصَّلاةُ جَامِعَة، فقال رسولُ الله ﷺ : "نابَ خبرٌ -أوْ ثابَ خبرٌ، شكَّ عبد الرحمن- ألا أُخْبِرُكم عن جَيْشِكُم هذا الغازي، إنَّهم انطلقُوا حتى لَقُوا العَدُوَّ، فأصيبَ زيدٌ شهيدًا، فاستغفِرُوا له" فاستغفر له الناسُ "ثم أخَذَ اللِّواءَ جعفرُ بنُ أبي طالب فَشَدَّ على القَوم حتَّى قُتِلَ شهيدًا، أَشْهَدُ له بالشَّهادَةِ، فاستغفِرُوا له، ثم أَخَذَ اللِّواءَ عبد الله بنُ رواحَةَ، فأَثبتَ قَدَمَيْهِ حتَّى أُصِيبَ شَهِيدًا، فاستغفروا له، ثم أَخَذَ اللِّواءَ خالدُ بنُ الوليدِ ولم يكُنْ مِن الأُمَرَاءِ، هو أَمَّرَ نَفْسَه" فرفع رسولُ الله ﷺ أُصبَعَيْه، وقال: "اللهمَّ هو سَيْفٌ مِن سُيوفِك فانصره"، وقال عبد الرحمن مرة: "فانتصر به" فيومئذ سُمي خالد سيف الله. ثم قال النبي ﷺ : "انفِرُوا فأمدُّوا إخوانكم ولا يتخَلَّفَنَّ أحد" فنفر الناس في حرٍّ شديدٍ مشاةً وركبانًا.
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٢٥٥١) عن عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا الأسود بن شيبان، عن خالد بن شُمير فذكره.
وإسناده حسن لأجل خالد بن شُمير، فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يَهِمْ.
وصحّحه ابن حبان (٧٠٤٨) من وجه آخر عن سليمان بن حرب، عن الأسود بن شيبان به مثله.
وأما ما رُوي عن حذيفة أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن النعي فهو ضعيف. رواه الترمذي (٩٨٦)،
стр. 2180
وابن ماجه (١٤٧٦) كلاهما من طريق حبيب بن سُليم العبسي، عن بلال بن يحيى العبسي، عن حذيفة بن اليمان قال: إذا متُّ فلا تُؤذنوا لي، إني أخاف أن يكون نعْيًا، فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي.
ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (٢٣٢٧٠).
وفي رواية ابن ماجه: إني سمعت رسول الله ﷺ بأذُنيَّ هاتين ينهى عن النعي". قال الترمذي: "حسن صحيح".
قلت: في تحسينه وتصحيحه نظر، فإن بلال بن يحيى العبسي لم يسمع من حذيفة كما قال ابن معين، وروايته عن حذيفة بلاغات. قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ٣٩٦): "والذي روي عن حذيفة -وجدته يقول- بلغني عن حذيفة".
وقال أبو الحسن القطان: "روي عن حذيفة أحاديث معنعنة، ليس في شيء منها ذكر سماع.
وحبيب بن سُليم العَبسي لم يوثقه غير ابن حبان، ولذا قال الحافظ: "مقبول" أي إذا توبع، وحيث لم يتابع فهو "ليّنُ الحديث".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن عبد الله بن مسعود برفعه إلى النبي ﷺ قال: "إياكم والنعيَ فإن النعي، من عمل الجاهلية".
قال عبد الله: "النعي أذان للميت".
رواه الترمذي (٩٨٤, ٩٨٥) من وجهين من طريق عنبسة وسفيان الثوري كلاهما عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله رفعه في رواية عنبسة، ولم يرفعه في رواية الثوري.
قال الترمذي: "وهذا أصح من حديث عنبسة عن أبي حمزة. وأبو حمزة هو ميمون الأعور. وليس هو بالقوي عند أهل الحديث، وقال: حديث عبد الله حسن غريب". انتهى.
وفي قوله: "حسن" نظر، لأنه لم يرو إلَّا من طريق أبي حمزة. وقد اتفق جمهور أهل العلم على تضعيفه.
والمنع من نعي الجاهلية هو أن يُنادَي على المنائر والأسواق بأن فلانًا قد مات، فاحضروا جنازته، ويدفع الأجرة على هذا، وقد يمدح السائحُ الميتَ بما قد يعلم أنه ليس كذلك لأجل الأُجرة. فهذا محرم قطعًا، أما إعلام الأقارب والأصدقاء فلا بأس به، بل هو مشروع لحضور جنازته والدّعاء له بالمغفرة.
٢٠ - باب رِثاء النبي ﷺ سعدَ بنَ خولة
• عن سعد بن أبي وقاص قال: جاءني رسولُ الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع، من وجع اشتد بي، فقلتُ: يا رسولَ الله، قد بلغ بي من الوجع ما تَرَى، وأنا ذُو
стр. 2181
مالٍ، ولا يرثني إلَّا ابنة لي، أفأَتَصدَّقُ بثُلُثَي مَالِي؟ قال رسول الله ﷺ : "لا" فقلت: فالشَّطْرُ؟ قال: "لا" ثم قال رسولُ الله ﷺ : "الثُّلُثُ، والثلث كثير، إنك أنْ تَذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرَهم عالة يتكفَّفُون الناس، وإنك لن تُنفِقَ نفقَة تبتغي بها وجه الله، إلَّا أُجرتَ، حتى ما تجعل في فِي امرأتِكَ" قال: فقلتُ: يا رسول الله! أُخَلَّفُ بعد أصحابي؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ، فَتَعملَ عملًا صالِحًا، إلَّا ازْدَدْتَ به درجةً ورِفْعَةً. ثُم لعلك أن تُخَلَّفَ حتى ينتفِعَ بك أقوامٌ ويُضَرَّ بك آخرُون. اللَّهمَّ! أَمْضِ لأصحابي هِجْرَتَهُم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائسُ سعد بن خولة"، يَرْثِي له رسولُ الله ﷺ أنْ ماتَ بمَكَّة.
متفق عليه: رواه مالك في الوصية (٤) عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه أنَّه قال: فذكر الحديث.
ورواه البخاري في الجنائز (١٢٩٥) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به مثله.
ورواه مسلم في الوصية (١٦٢٨) من طرق عن ابن شهاب بإسناده مثله.
وقوله: "لكن البائسُ سعد بن خولة" البائس: اسم فاعل من بئس يبأس إذا أصابه بؤس، وهو الضرر، وسعد بن خولة هو: زوج سبعة الأسلمية، وهو رجل من بني عامر بن لؤي، أنَّه هاجر إلى المدينة وشهد بدرًا وغيرها ثم رجع إلى مكة مختارًا، وتوفي بها في حجة الوداع، فرثى له النبي ﷺ . فتحرَّج سعد بن أبي وقاص والمهاجرون من أن يموتوا بمكة.
وأما قوله: "يرثي له رسولُ الله ﷺ أن مات بمكة" فقيل: إنه من كلام سعد بن أبي وقاص، وقيل: إنه من كلام الزهري وعليه أكثر الناس.
٢١ - باب ما جاء في التعزية
• عن عبد الله بن جعفر أن النبي ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم" ثم قال: "ادعوا لي بني أخي" فجئ بنا كأنَّا أفْرخ، فقال: "ادعو لي الحلاق" فأمره فحلق رؤوسنا.
وزاد أحمد في روايته: ثم قال: "أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب، وأما عبد الله فشبيه خَلقي وخُلقي" ثم أخذ بيدي فأشالها فقال: "اللَّهم! اخلُف جعفرًا في أهله، وبارك لعبد الله في صفْقَة يمينه" قالها ثلاث مرات. قال: فجاءت أمنا، فذكرت له يُتْمنا، وجعلتْ تُفْرِح له، فقال: "العيلة تخافين عليهم، وأنا وَلِيُّهم في الدّنيا والآخرة".
صحيح: رواه أبو داود (٤١٩٢)، والنسائي (٥٢٢٧) كلاهما من حديث وهب بن جرير، قال:
стр. 2182
حدثنا أبي، قال: سمعتُ محمد بن أبي يعقوب، يحدث عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر فذكر الحديث مختصرًا.
ورواه الإمام أحمد (١٧٥٠) عن وهب بن جرير بإسناده بأتم منه كما ذكرت بعضه، والبعض الآخر في المواضع المناسبة، وإسناده صحيح. وأخرجه الحاكم (٣/ ٢٩٨) قطعةً منه وقال: "صحيح الإسناد".
تنبيه: سقط من النسائي "الحسن بن سعد" وهو ثابت في السنن الكبرى له (٩٢٩٥) فتنبه.
وقوله: "فحلق رؤوسنا" لأن أمهم شغلت بالمصيبة عن ترجيل شعورهم وغسل رؤوسهم، فخاف عليهم الوسخ والقمل، كما أفاده السيوطي.
• عن قرة المزني، قال: كان نبي الله ﷺ إذا جلس يجلسُ إليه نفرٌ من أصحابه، وفيهم رجل له ابنٌ صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه، فهلك فامتنع الرجلُ أن يحضر الحلْقة لذكر ابنه، فحزن عليه ففقده النبي ﷺ فقال: "ما لي لا أري فلانًا؟ " قالوا: يا رسول الله! بُنَيّه الذي رأيْتهُ هلك، فلقيه النبي ﷺ فسأله عن بُنيه فأخبره أنَّه هلك فعزّاه عليه ثم قال: "يا فلان! أَيُّما كان أَحَبُّ إليك أن تمَتَّع به عمرك، أو لا تأتي غدًا إلى باب من أبواب الجنة إلا وجَدْته قد سبقك إليه يفتحه لك؟ " قال: يا نبي الله! بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتَحُها لي لهو أحبُّ إليَّ، قال: "فذاك لك".
صحيح: رواه النسائي (٢٠٨٨) عن هارون بن زيد -وهو ابن أبي الزرقاء- قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا خالد بن ميسرة، قال: سمعتُ معاوية بن قرة، عن أبيه فذكر الحديث.
ورواه الإمام أحمد (١٥٥٩٥, ٢٠٣٦٥) من وجه آخر عن شعبة، عن معاوية بن قرة بإسناده وزاد في آخر الحديث: فقال رجل: يا رسول الله! أَلَهُ خاصة أو لكلنا؟ قال: "بل لكلكم".
وإسناده صحيح، وقد صحَّحه ابن حبان (٢٩٤٧)، والحاكم (١/ ٣٨٤).
وفي الباب ما رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قبرنا مع رسول الله ﷺ -يعني ميتًا- فلما فرغنا انصرف رسول الله ﷺ وانصرفنا معه، فلما حاذى بابه وقف، فإذا نحن بامرأة مقبلة، قال: أظنه عرفها، فلما ذهبت إذا هي فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فقال لها رسول الله ﷺ : "ما أخرجك من بيتك يا فاطمة؟ " قالت: أتيت أهل هذا البيت، فترحمتُ عليهم، وعزيتُهم لميتهم. فقال: "لعلك بلغتِ معهم الكُدي" قالت: معاذ الله أن أكون بلغتُها، وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر. فقال: "لو بلغتها معهم ما رأيتِ الجنة، حتى يراها جدُّ أبيكِ".
رواه أبو داود (٣١٢٣)، والنسائي (١٨٨٠) كلاهما من طريق ربيعة بن سيف المعافري، عن أبي
стр. 2183
عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص فذكره، واللفظ للنسائي، ولفظ أبي داود نحوه.
قال النسائي: "ربيعة ضعيف".
قلت: وهو كما قال: قال فيه البخاري: "عنده مناكير"، وقال فيه الحافظ: "صدوق له مناكير".
وكذلك ما رُوي عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، يحدث عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "ما من مؤمن يُعَزِّي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة" فهو ضعيف أيضًا.
رواه ابن ماجه (١٦٠١) عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا خالد بن مخلد، قال: حدثني قيس أبو عُمارة مولى الأنصار، قال: سمعتُ عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فذكره.
ورواه عبد بن حميد في "المنتخب" (٢٨٧) عن خالد بن مخلد البجلي بإستاده مثله.
وقيس أبو عمارة الفارسي مولي سودة بنت سعيد المديني، قال فيه البخاري: "فيه نظر".
وأورده العقيلي في "الضعفاء الكبير" (١٥٢٤) وساق له حديثين آخرين وقال: "لا يتابع عليهما جميعًا" وبه أعلّه البوصيري في زوائد ابن ماجه. وأما ابن حبان فأورده في "الثقات".
وليَّن فيه الحافظ القول فقال: "فيه لين" والحق أنه ضعيف.
والعلة الأخرى: أن فيه إرسالًا، فإن عبد الله بن أبي بكر -جده محمد بن عمرو بن حزم أبو عبد الملك المدني- له رؤية وليس له سماع، قتل يوم الحرة سنة ثلاث وستين.
قال الحافظ في "النكت الظراف" (٨/ ١٤٨): "هذا الحديث من رواية محمد بن عمرو بن حزم، فإن في الإسناد عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده -فجده هو "محمد" وله رؤية، والحديث مرسل، نقلت ذلك من خط ابن عبد الهادي".
وكذلك ما رُوي عن أنس مرفوعًا: "من عَزَّى أخاه المؤمن من مصيبة كساه الله حلة يُحْبَر بها" قيل: يا رسول الله وما يُحبر بها؟ قال: "يُغْبَطُ بها يوم القيامة".
رواه ابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٥٧٢).
قال: كتب إلي مكحول، ثنا عبد الله بن هارون، حدثني قدامة بن محمد بن خشرم، حدثني أبي، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن ابن شهاب، عن أنس فذكره.
قال الشيخ: هذا الحديث بهذا الإسناد ليس له أصل. وقال أيضًا بعد أن ذكر حديثين آخرين: "لم أر لعبد الله بن هارون الفروي أنكر من هذه الأحاديث التي ذكرتها" وأورده ابن حبان في "المجروحين" (٨٨٥) في ترجمة قدامة بن محمد بن خشرم الخشرمي، عن أبيه بإسناده كما سبق وقال: "لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد".
وقدامة بن محمد هذا ذكره ابن عدي في "الكامل"، وابن الجَوْزي في "الضعفاء والمتروكين" (٢٧٦٣).
стр. 2184
ورواه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٦٠) عن وكيع، عن أبي مودود، عن طلحة بن عبيدالله بن كريز فذكره. وهذا موقوف عليه، فإن طلحة بن عبيدالله بن كريز تابعي.
وكذلك لا يصح ما رواه الترمذي (١٠٧٦) عن محمد بن حاتم المؤدِّب، حدثنا يونس بن محمد، قال: حدثتنا أم الأسود، عن منْية بنت عبيد بن أبي برزة، عن جدها أبي برزة مرفوعًا: "من عزَّي ثكلي كُسِي بردًا في الجنة".
قال الترمذي: "حديث غريب، وليس إسناده بالقوي".
قلت: وهو كما قال، فإن في الإسناد مُنية بنت عبيد لا يعرف حالها.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: "من عزَّي مصابًا فله مثلُ أجره".
رواه الترمذي (١٠٧٣)، وابن ماجه (١٦٠٢) كلاهما من طريق علي بن عاصم قال: حدثنا والله محمد بن سوقة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله فذكر الحديث.
قال الترمذي: "حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث علي بن عاصم، وروى بعضهم عن محمد بن سوقة بهذا الإسناد مثله موقوفًا ولم يرفعه، ويقال: أكثر ما ابتلي به علي بن عاصم بهذا الحديث نقموا عليه".
وأخرجه البيهقي (٤/ ٥٩) من هذا الوجه وقال: "تفرد به علي بن عاصم، وهو أحد ما أنكر عليه، وقد رُوي عن غيره، والله أعلم".
وأدخله ابن الجَوْزي في "الموضوعات" (٣/ ٢٢٣).
وقال الخطيب في تاريخه (١١/ ٤٥٠ - ٤٥٤): "ومما أنكره الناس على علي بن عاصم -وكان أكثر كلامهم فيه- بسبه حديث محمد بن سوقة ثم ساق الحديث بأسانيد مختلفة وتقل عن يعقوب بأنه: حديث كوفي منكر، يرون أنه لا أصل له مسندًا ولا موقوفًا ...
قال الخطيب: "وقد روى حديث ابن سوقة عبدُ الحكيم بن منصور مثل ما رواه علي بن عاصم، رُوي كذلك عن سفيان الثوري وشعبة وإسرائيل ومحمد بن الفضل بن عطية وعبد الرحمن بن مالك ابن مغول والحارث بن عمران الجعفري، كلهم عن أبن سوقة، وقد ذكرنا أحاديثهم في مجموعنا لحديث محمد بن سوقة، وليس شيء منها ثابتًا". انتهي.
وقال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٣٨) بعد أن نقل كلام الخطيب: "ويُحكي عن أبي داود أنه قال: عاتب يحيى بن سعيد القطان علي بن عاصم في وصل هذا الحديث، وإنما هو عندهم منقطع، وقال له: إن أصحابك الذين سمعوه معك لا يسندونه، فأبى أن يرجع".
ثم قال الحافظ: "وله شاهد أضعف منه من طريق محمد بن عبيدالله العرزمي، عن أبي الزبير، عن جابر ساقها ابن الجَوْزي في الموضوعات".
قلت: وهو كما قال، فإن العرزمي متروك، فلا يستشهد به.
стр. 2185
وكذلك لا يصح ما رُوي عن القاسم بن عبد الله بن عمر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، قال: لما توفي رسول الله ﷺ ، وجاءت التعزية سمعوا قائلًا يقول: "إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل ما فات، فبالله فثِقُوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب"، قال البيهقي (٤/ ٦٠): "وقد رُوي معناه من وجه آخر عن جعفر، عن أبيه، عن جابر، ومن وجه آخر عن أنس بن مالك. وفي أسانيده ضعف". انتهي.
وقال الذهبي في "مهذب السنن الكبري" (٣/ ١٤٠٤): هذا مرسل، والقاسم كذَّبه أحمد بن حنبل، ثم ذكر كلام البيهقي.
وقوله: رُوي عن أنس بن مالك، قلت: رواه الطبراني في "الأوسط" (٨١٢٠) عن أنس قال: لما قبض رسول الله ﷺ قعد أصحابه حزان يبكون حوله، فجاء رجل طويل صبيح فصيح في إزار ورداء، أشعر المنكبين والصدر، فتخطى أصحاب رسول الله ﷺ حتى أخذ بعضادي الباب، فبكي على رسول الله ﷺ ساعة ثم قال: "إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، وعوضًا من كل ما فات، فإلى الله فأنيبوا، وإليه فارغبوا، فإنما المصاب من لم يجبره الثواب" فقال القوم تعرفون الرجل، فنظروا يمينًا وشمالًا فلم يروا أحدًا، فقال أبو بكر: هذا الخضر أخو النبي ﷺ .
قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٣): "رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه عباد بن عبد الصمد أبو معمر ضعَّفه البخاري".
وقال ابن حبان: "منكر الحديث جدًّا، يروي عن أنس بن مالك ما ليس من حديثه، وما أُراه سمع منه شيئًا، فلا يجوز الاحتجاج به فيما وافق الثقات، فكيف إذا انفرد بالأوابد والطامات" "المجروحين" (٧٩١).
وكذلك لا يثبت ما رُوي عن زرارة بن أبي أوفى قال: عزى النبي ﷺ رجلًا على ولده فقال: "آجرك الله، وأعظم لك الأجر" وزرارة بن أبي أوفي تابعي، لم تثبت صحبته.
وكذلك ما رُوي عن حسين بن أبي عائشة، عن أبي خالد -يعني الوالبي، أن النبي ﷺ عزَّي رجلًا فقال: "يرحَمك الله ويأجرك" رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٦٠) والبيهقي (٤/ ٦٠) وقال: هذا مرسل.
قلت: وأبو خالد الوالبي اسمه هرمز، جعله الحافظ في التقريب "مقبول" أي حيث يتابع، إلا أنه لم يتابع عليه فهو "لين الحديث" مع الإرسال فيه.
وابن أبي عائشة لم بوثقه أحد، غير أن ابن حبان ذكره في "الثقات" (٢/ ٥٩).
انظر للمزيد "باب التعزية" في "المنة الكبرى" (٣/ ١٠٢ - ١٠٦).
وأما ما رُوي عن معاذ بن جبل أنه مات ابن له، فكتب إليه رسول الله ﷺ يعزيه بابنه: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد رسول الله ﷺ إلى معاذ بن جبل، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فأعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، فإن
стр. 2186
أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا من مواهب الله الهنية، وعوارية المستودعة، متعك به في غبطة وسرور، وقبضه منك إلى أجر كثير، الصلاة والرحمة والهدى إن احتسبته، فاصبر ولا يحبط جزعك أجرك فتندم، واعلم أن الجزع لا يرد ميتًا، ولا يدفع حزنًا، وما هو نازل فكان قد، والسلام" فهو ضعيف جدًّا، بل موضوع.
رواه الطبراني في "الكبير" (٢٠/ ١٥٥ - ١٥٦) عن أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي، حدثنا عمرو بن بكر بن بكار القعنبي، ثنا مجاشع بن عمرو بن حسان الأسدي، ثنا الليث بن سعد، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن معاذ بن جبل فذكره.
قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٣) بعد أن عزاه أيضًا إلى "الأوسط": فيه مجاشع بن عمرو ضعيف.
قلت: بل هو متهم بالوضع، قال الذهبي: هذا من وضع مجاشع، معقبًا على الحاكم في "المستدرك" (٣/ ٢٧٣)، ورواه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤) عن الطبراني وقال: "ورُوي من حديث ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر نحوه. وكل هذه الروايات ضعيفة لا تثبت، فإن وفاة ابن معاذ كانت بعد وفاة النبي ﷺ بسنين، وإنما كتب إليه بعض الصحابة، فوهم الراوي، فنسبها إلى النبي ﷺ ". انتهي.
٢٢ - باب ما جاء في الاجتماع للتعزية
• عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها كانت إذا مات الميِّت من أهلها فاجتمع لذلك النساء، ثم تفرَّقن إلا أهلها وخاصَّتها، أمَرَت ببُرمة من تَلبينةٍ فَطُبختْ، ثم صُنع ثريد فصُبت التلبينةُ عليها، ثم قالت: كُلن منها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "التلبينة مُجِمَّةٌ لفؤاد المريض، تذهبُ ببعض الحزن".
متفق عليه: رواه البخاري في الأطعمة (٥٤١٧)، ومسلم في السلام (٢٢١٦)، كلاهما من طريق الليث بن سعد، حدثني عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، فذكرته.
قولها: "التلبينة": ويُقال: التَّلبين، وهو حساء يُعمل من دقيق أو نخالة، وربما جُعل فيها عسل، سُميت به تشبيهًا باللبن لبياضها، ورقَّتها.
قولها: "مجمَّة": أي مريحة، والجِمام -بكسر الجيم- الراحة.
٢٣ - باب من كره الاجتماع للتعزية
• عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام، من النياحة.
صحيح: رواه ابن ماجة (١٦١٢) والإمام أحمد في مسنده (٦٩٠٥) كلاهما من إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجلي قال: فذكر الحديث. وإسناده صحيح.
стр. 2187
وقوله: "كنا نرى الاجتماع"، أي في عهد النبي ﷺ ، أو في عهد الصحابة.
٢٤ - باب ما جاء في النهي عن عزاء الجاهليّة
• عن أبي بن كعب أن رجلًا اعتزي بعزاء الجاهلية فأَعضَّه، ولم يكنه. فنظر القوم إليه فقال للقوم: إني قد أرى الذي في أنفسكم، إني لم أستطع إلا أن أقول هذا، إن رسول الله ﷺ أمرنا: "إذا سمعتم من يعتزي بعزاء الجاهلية فأعِضُّوه ولا تكنوا".
وفي رواية: عن عُتي قال: رأيتُ رجلًا تعزَّى عند أُبيّ بعزاء الجاهلية، افتخر بأبيه، فأعضَّه بأبيه، ولم يكنه.
وفي رواية: قال أُبيّ: كنا نُؤمر إذا الرجل تعزي بعزاء الجاهلية فأعِضُّوه بِهَنِ أبيه، ولا تكنوا.
حسن: هذه الروايات كلها أخرجها الإمام أحمد (٢١٢٣٣, ٢١٢٣٤, ٢١٢٣٦) من طرق، عن عوف، عن الحسن، عن عُتَيّ، عن أبي بن كعب، إلا الرواية الثانية فهي من طريق يونس، عن الحسن، وصحَّحه ابن حبان (٣١٥٣) فأخرجه من طريق عوف بإسناده في فصل في النياحة وغيرها.
ورواه أيضًا النسائي في "اليوم والليلة" (٩٧٦) من طريق عوف، ومن طرق أخرى أيضًا (٩٧٤، ٩٧٥) عن الحسن بإسناده وفي هذه الطرق: "فأعضوه بِهَنِ أبيه ولا تكنوا".
وعُتُيّ -بضم أول مصغرا- ابن ضمرة التميمي السعدي البصري، وثَّقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث.
وأما علي بن المديني فقال: "مجهول سمع من أبي بن كعب، لا نحفظها إلا من طريق الحسن، وحديثه يُشبه حديث أهل الصدق وإن كان لا يعرفه.
فهو في أكثر أحواله يكون صدوقًا، إلا أن الحافظ قال فيه: "ثقة".
والحسن هو الإمام البصري، وهو وإن كان مدلسًا وقد عنعن، إلا أن سماعه عن عُتي ثابت كما أكد بذلك كثير من أهل العلم، وعوف هو الأعرابي العبدي البصري ثقة، ورمي بالقدر، إلا أنه توبع.
وللحديث إسناد آخر رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (٢١٢١٨) عن محمد بن عمرو بن العباس الباهلي، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن أُبيِّ أن رجلًا اعتزى فأعَضَّه أُبيٌّ بِهَنِ أبيه، فقالوا: ما كنت فحَّاشًا! فقال: إنا أمرنا بذلك.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو بن العباس الباهلي ترجمة الخطيب في "تاريخ بغداد" (٤/ ٢١٣) الطبعة الجديدة، قال: "أخبرنا علي بن محمد بن الحسين الدقاق، قال: قرأنا على الحسين بن هارون، عن أبي العباس بن سعيد، قال: محمد بن عمرو بن العباس الباهلي سمعت عبد الرحمن بن يوسف يقول: كان ثقة" انتهي.
стр. 2188
وترجمه أبو أحمد الحاكم في "الكني" (٦٥٨).
قلت: وعبد الرحمن بن يوسف هو: ابن خراش المروزي البغدادي (ت- ٢٨٣) ونقل الخطيب عن محمد بن إسحاق الثقفي أنه قال: مات محمد بن عمرو بن العباس الباهلي سنة تسع وأربعين ومائتين. قال البغوي: بالبصرة.
وقوله: "أعضَّه" أي قال له: اعضض ذكر أبيك.
وقوله: "الهنُ" الشَّيْءُ - كناية عن الشيء يستقبح ذكره. وهنا كناية عن ذَكر الرجل.
ومعنى قوله: "من تعزَّي" وفي رواية: "من اعتزى" أي من تعزَّي بعزاء الجاهلية، ولم يتعزَّ بعزاء الإسلام كقوله في المصيبة: "إنا لله وإنا إليه راجعون".
وهذا هو المعنى الذي فهمه ابن حبان والحافظ الهيثمي فذكرا الحديث في كتاب الجنائز. والمعنى المشهور للتَعَزِّي بعزاء الجاهلية -والانتماء والانتساب إلى القوم يقال: عزيتُ الشيء، وعزوته- إذا أسندته إلى أحد. والعزاءُ والعِزْوَةُ اسم لدعوى المستغيث، وهو أن يقول: يا لفلان، أو يا للأنصار، أو يا للمهاجرين. انظر "النهاية" (٣/ ٢٣٣).
٢٥ - باب ما ينفع الميت بعد موته
• عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
صحيح: رواه مسلم في الوصية (١٦٣١: ١٤) من طرق، عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره.
• عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "خير ما يخلّف الرجل من بعده ثلاثٌ: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلمٌ يعمل به من بعده".
صحيح: رواه ابن ماجه (٢٤١)، وصححه ابن حبان (٩٣) كلاهما من طريق إسماعيل بن أبي كريمة الحراني، قال: ثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرّحيم، (هو خالد بن أبي يزيد بن سماك) قال: حدّثني زيد بن أبي أُنيسة، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، فذكره.
وإسناده صحيح. والكلام عليه مبسوط في كتاب العلم، باب أن العلم النافع لا ينقطع أجره.
والحديث يدل على أن الميت ينتفع بآثاره الصالحة التي خلّفها من صدقة جارية، أو علم نافع، أو ولد صالح يدعو له.
وأما ما ينتفع الميت بعمل غيره، فالصدقة عنه، والدعاء له، والحج والعمرة عنه، وقضاء الصيام، والدَّين عنه، والوفاء بالنذر عنه، وما يفعله أولاده الصالحون من الأعمال الصالحة.
هذه من جملة الأعمال التي جاءت النصوص الصحيحة والصريحة في انتفاع الميت بعمل غيره
стр. 2189
-وهي مخرجة في مواضعها- وهي مما استثنى من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩].
وأما انتفاعه بقراءة الفاتحة وغيرها من القرآن، وإهداء ثوابها له فهو مختلف فيه، والصحيح والراجح أنه لا ينتفع به.
قال سماحة الشيخ ابن باز ﵀: "ولو كان إهداء التلاوة مشروعًا لفعله السلف الصالح، والعبادة لا يجوز فيها القياس، لأنها توقيفية لا تثبت إلا بالنص من كلام الله أو من سنة رسوله". اهـ.
وأما الصلاة والطواف وصيام التطوع وغيرها من الأعمال الصالحة فالصحيح أن ثوابها لا يصل إلى الميت بدون خلاف.
• * *
стр. 2190
جموع أبواب تحريم النياحة على الميت، وجواز البكاء وإظهار الحزن عليه
١ - باب النهي عن النياحة
• عن عائشة قالت: لما جاء النبيَّ ﷺ قتلُ أبن حارثة وجعفر وابن رواحة جلس يعرف فيه الحزنُ، وأنا أنظر من صائِر الباب شَقِّ الباب، فأتاه رجل فقال: إن نساء جعفر -وذكر بكاءهُن- فأمره أن يَنْهاهُنَّ فذهب، ثم أتاه الثانية لم يُطِعْنَه، فقال: "انههن" فأتاه الثالثة، قال: والله! غلَبْنَنَا يا رسول الله! فزعمت أنه قال: "فَاحْثُ في أفواههن الترابَ" فقلت: أرغم الله أنفك، لم تفعل ما أمرك رسولُ الله ﷺ ، ولم تترك رسول الله ﷺ من العَناء.
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٩٩)، ومسلم في الجنائز (٩٣٥) كلاهما عن محمد ابن المثني، حدثنا عبد الوهاب، قال: سمعتُ يحيى بن سعيد، يقول: أخبرتني عمرة أنها سمعت عائشة تقول فذكرته.
وفي رواية عند مسلم من وجه آخر: وما تركت رسول الله ﷺ من العِيِّ.
قوله: "فاحثُ في أفواههن من التراب" من حثا يحثو بمعني ارم في أفواههن التراب. والأمر بذلك مبالغة في إنكار البكاء، ومنعهن منه.
وقولها: "العِيِّ" أي التعب، وهو بمعنى العناء كما في اللفظ السابق.
• عن أم عطية قالت: أخذ علينا النبي ﷺ عند البيعة أن لا ننوحَ، فما وفتْ منا امرأة غير خمس نسوة: أم سُليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ، وامرأتين، أو ابنة أبي سبرة، وامرأةُ معاذ، وامرأة أخرى.
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٠٦)، ومسلم في الجنائز (٩٣٦) كلاهما من طريق حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن محمد، عن أم عطية فذكرته.
قال القاضي عياض: ومعنى قولها: فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة ... لم يف ممن بايع معها على ذلك.
أي ليس المراد من قولها هذا أنه لم يترك النياحة من المسلمات غير خمس.
• عن أمِّ عطية قالت: بايعنا رسولَ الله فقرأ علينا: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾
стр. 2191
[الممتحنة: ١٢] ونهانا عن النياحة، فقبضتِ امرأة يدها فقالت: أسعدتْني فُلانة، فأريد أن أَجْزِيَها، فما قال لها النبي ﷺ شيئًا، فانطلقتْ ورجعت فبايعتْ.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٩٢) عن أبي معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت فذكرت الحديث واللفظ للبخاري.
وزاد النسائي: لما أردت أن أبايع رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله! إن امرأة أسعدتْني في الجاهلية، فأذهبُ فأُسعدُها، ثم أجيئك فأبايعك. قال: "اذهبي فأسعديها" قالت: فذهبتُ فساعدتُها، ثم جئتُ فبايعتُ رسول الله ﷺ .
ورواه مسلم في الجنائز (٩٣٦/ ٣٣) من وجه آخر عن عاصم، عن حفصة بإسناده وهذا لفظه: عن أم عطية قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] قالت: كان منه النياحة. قالت: فقلت: يا رسول الله! إلا آل فلانٍ، فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية. فلا بد لي أن أُسْعِدهم. فقال رسول الله ﷺ : "إلا آل فلان".
وروت أم سلمة الأنصارية قالت: قالت امرأة من النسوة: ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ قال: "تَنُحْنَ" قلت: يا رسول الله: إن بني فلان قد أسعدوني على عمي، ولابد لي من قضائهن فأبى عليَّ. فأتيته مرارًا فأذن لي في قضائهن. فلم أُنْح بعد على آخائهن ولا غيره حتي الساعة، ولم يبق من النسوة امرأة إلا وقد ناحت غيري، رواه الترمذي (٣٣٠٧) عن عبد بن حُميد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا يزيد بن عبد الله الشيباني، قال: سمعت شهر بن حوشب. قال: حدثتنا أم سلمة الأنصارية فذكرته.
قال الترمذي: "حسن، وفيه أم عطية ﵂، قال عبد بن حُميد: أم سلمة الأنصارية هي أسماء بنت يزيد بن السكن".
ورواه ابن ماجه (١٥٧٩) من وجه آخر عن وكيع، عن يزيد بن عبد الله مولى الصهباء بإسناده مختصرًا.
قلت: فرجعت القصة إلى أم عطية. وفي الإسناد شهر بن حوشب مختلف فيه.
قوله: "إلا آل فلان" استشكله كثير من أهل العلم، لأن الناحة محرمة على رأي جمهور أهل العلم، فكيف يؤذن لأم عطية. ذكر القرطبي في "المفهم" عدة تأويلات ورجح أن يكون ذلك من جهة الإنكار، كما قال للمستأذن حين قال: أنا، فقال ﷺ : "أنا أنا" منكرًا عليه. وقال: ويدل على صحة هذا التأويل ما زاد النسائي في حديث بمعنى حديث أم عطية فقال: "لا إسعاد في الإسلام" أي على نياحة انتهي.
ورجّح الحافظ بعد أن سرد أقاويل كثيرة بأن أقرب الأجوبة أنها كانت مباحة، ثم كرهت كراهة تنزيه، ثم التحريم. "الفتح" (٨/ ٦٣٩). ومعنى الإسعاد قيام المرأة مع الأخرى في النياحة
стр. 2192
تراسلها، وهو خاص بهذا المعنى، ولا يستعمل إلا في البكاء والمساعدة عليه. ويقال: إن أصل المساعدة وضع الرجل يده على ساعد الرجل صاحبه عند التعاون على ذلك. انظر "الفتح".
• عن امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا: "أن لا نعصيه فيه، أن لا تخمش وجها، ولا ندعو ويلًا، ولا نشق جيبًا، وأن لا ننشر شَعرًا".
حسن: رواه أبو داود (٣١٣١) عن مسدد، حدثنا حُميد بن الأسود، حدثنا الحجاج عامل لعمر ابن عبد العزيز على الربذة، حدثني أَسيد بن أبي أُسيد، عن امرأة من المبايعات فذكرته.
وفي الإسناد حُميد بن الأسود، وشيخه الحجاج وهو ابن صفوان، وشيخه أَسيد بن أبي أُسيد لا يرتقون إلى درجة "ثقات" وإنما هم قريبون من درجة "صدوق" والمرأة المبايعة لعلها أم عطية، لأنها بايعت النبي ﷺ على ذلك كما مضت قصتها.
• عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيهَا، والداعية بالويل والثُّبور.
صحيح: رواه ابن ماجه (١٥٨٥) عن محمد بن جابر المحاربي، ومحمد بن كرامة، قالا: حدثنا أبو أسامة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن مكحول والقاسم، عن أبي أمامة فذكر الحديث.
وإسناده صحيح، وصحَّحه أيضًا ابن حبان (٣١٥٦) ورواه من وجه آخر عن أبي أسامة بإسناده مثله. وأبو أسامة هو: حماد بن أسامة القرشي.
وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: "هذا إسناد صحيح، محمد بن جابر وثَّقه محمد بن عبد الله الحضرمي، ومسلمة الأندلسي، والذهبي في الكاشف، وبقية رجال الإسناد ثقات على شرط مسلم ... ".
وأما ما روي عن عجوز من الأنصار كانت فيمن بايعن النبي ﷺ قالت: أتيناه يومًا فأخذ علينا "أن لا يَنُحْنَ" قالت العجوز: يا رسول الله! إن ناسًا قد كانوا أسعدوني على مصيبةٍ أصابتني، وإنَّهم أصابتْهم مصيبة، وأنا أريد أن أُسعدَهم، ثم إنها أتتْه فبايعتْه وقالت: هو المعروف الذي قال الله : ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] فهو ضعيف، رواه الإمام أحمد (١٦٥٥٦) عن أبي سعيد، حدثنا عمر بن فرُّوخ، قال: حدثنا مصعب الأنصاري قال: أدركتُ عجوزًا كانت فيمن بايعن النبي ﷺ فذكر الحديث.
ومصعب هو ابن نوح، ذكره الذهبي في "ديوان الضعفاء" (٤١٣٩) ممن سمي بمصعب وهم أربعة: مصعب بن المثني، مصعب بن نوح، ومصعب بن خارجة، ومصعب الحميري قال: أربعتهم مجاهيل.
وترجم له الحافظ في "التعجيل" (١٠٤٣) وذكر القصة وقال: روى عنه عمر بن فرُّوخ، قال أبو
стр. 2193
حاتم: "مجهول". وذكره ابن حبان في الثقات"، قلت: لكنه ذكره في الطبقة الثالثة كان يروي المقاطيع، فكأنه عنده لم يسمع من الصحابية المذكورة". انتهى قول ابن حجر.
وأما قول الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٥): "رواه أحمد ورجاله ثقات".
فهو اعتمادًا على توثيق ابن حبان.
والعجوز: هي أم عطية، وقصتها صحيحة من غير هذا الإسناد.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ لما بعثه إلى اليمن، خرج ﵇، ومعاذ راكب، ورسول الله ﷺ يمشي إلى جنب راحلته فقال: "يا معاذ! إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا فتمر بقبري ومسجدي" فبكي معاذ جشعًا لفراق رسول الله ﷺ فقال: "لا تبك يا معاذ! فإن البكاء من الشيطان".
رواه البزار "كشف الأستار" (٨٠٤) عن العباس بن عبد الله، ثنا عبد القدوس بن الحجاج، ثنا صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن معاذ بن جبل فذكره. وفيه انقطاع، فإن راشد بن سعد لم يلق معاذ بن جبل، وقد وصف بأنه كثير الإرسال، توفي عام (١٠٨ هـ) ولم يلق صغار الصحابة، فكيف بمعاذ بن جبل الذي توفي عام (١٨ هـ).
٢ - باب النّياحة من أمور الجاهلية
• عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية".
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٩٨)، ومسلم في الإيمان (١٠٣) كلاهما من حديث الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، فذكره.
وما رُوي عن أبي هريرة مثله ففيه عبد الله بن عبد القدوس وهو ضعيف ضعَّفه أبو داود، والنسائي وغيرهما، وتساهل فيه ابن حبان فذكره في "الثقات" (٧/ ٤٨).
ورواه الطبراني في "الأوسط" (٢١٤٣) من طريقه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكر الحديث، قال الطبراني: "لم يرو عن الأعمش إلا عبد الله".
قلت: وعبد الله بن عبد القدوس ممن لا يحتمل تفرده وهو ضعيف، وقول الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٥): "فيه عبد الله بن عبد القدوس، وفيه كلام وقد وُثِّق" فهو اعتمادًا على إدخاله ابن حبان في "الثقات".
• عن أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفَخْر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة".
وقال: "النائحة إذا لم تَتُب قبل موتها، تُقام يومَ القيامة، وعليها سِربال من
стр. 2194
قَطِران، ودِرْع من جرب".
صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٣٤) من طرق عن أبان بن يزيد، حدّثنا يحيى، أن زيدًا حدَّثه، أن أبا سلَّام حدَّثه، أن أبا مالك الأشعري حدَّثه فذكره.
• عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث لا يتركن في أمتي حتى تقوم الساعة: النياحة، والتفاخر بالأحساب، والأنواء".
حسن: رواه البزار "كشف الأستار" (٧٩٩) عن محمد بن المثنى، ثنا زكريا بن يحيى بن عمارة، ليس به بأس، ثنا عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس فذكره.
ورواه أبو يعلى (٣٨٩٨, ٣٨٩٩) من وجهين آخرين عن زكريا بن يحي، ولكنه أدخل بينه وبين عبد العزيز بن صُهيب "هُشيما" وهو مدلس وقد صرَّح، وثبت سماع زكريا بن يحيى من عبد العزيز ابن صُهيب، فإن صحَّ ما ذكره أبو يعلى فيكون المزيد في متصل الأسانيد.
وإسناده حسن من أجل زكريا بن يحيى بن عمارة فهو مختلف فيه، فأفحش القول فيه أبو زرعة. وقال أبو حاتم: شيخ وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: "كان يخطئ".
وذكره الهيثمي في "المجمع" (١٢) وقال: "رواه أبو يعلى ورجاله ثقات" ولم يعز إلى البزار.
وكذلك فعل الحافظ في "المطالب العالية" (١/ ٢٢١) وأصاب البوصيري في "الإتحاف" (٢٧١٥) وعزاه لهما وسكت عليه.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٦٧) من طرق عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكره.
ورواه الإمام أحمد (٩٥٧٤) عن يحيى، عن ابن عجلان قال: حدثني سعيد، عن أبي هريرة،
وسمعت أبي يحدث عن أبي هريرة (القائل هنا ابن عجلان وهو محمد) قلت ليحيى (القائل هنا الإمام أحمد) كلاهما عن النبي ﷺ ، قال: نعم، قال: "شعبتان من أمر الجاهلية لا يتركهما الناس أبدًا. النياحة والطعن في النسب" وإسناده صحيح.
ورواه ابن الجارود (٥١٥) من وجه آخر عن أبي عاصم، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره، وهذا يصرح بما أبهم في إسناد أحمد.
• عن أبي هريرة أن سول الله ﷺ قال: "ثلاث من عمل أهل الجاهلية لا يتركهن أهلُ الإسلام: النياحة، والاستسقاء بالأنواء، وكذا". قلت لسعيد: وما هو؟ قال: دعوى الجاهلية يا آل فلان، يا آل فلان.
стр. 2195
حسن: رواه الإمام أحمد (٧٥٦٠) عن ربعي بن إبراهيم، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن إسحاق، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة فذكره.
وصححه ابن حبان (٣١٤١) ورواه من طريق أبي خيثمة، حدثنا ربعي بن إبراهيم به إلا أنه قال في الثالثة: "التعاير" وهو الطعن في الأنساب، فكأنه شك أولًا فقال: "دعوى الجاهلية"، ثم استذكره وتأكد فقال: "التعاير" أو أنه قصد من قوله: "دعوى الجاهلية" الافتخار بالأنساب والطعن فيه.
وإسناده حسن لأجل عبد الرحمن بن إسحاق وهو المدني، نزيل البصرة، حسن الحديث، وليس هو بالواسطي أبو شيبة الضعيف.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لن يدَعَهن الناس: النياحة، والطعن في الأحساب، والعدوى (أجرب بعير فأجرب مائة بعير، من أجرب البعير الأول؟ )، والأنواء (مُطرنا بنوء كذا وكذا".
حسن: رواه الترمذي (١٠٠١) عن محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود، أنبانا شعبة، والمسعوديّ، عن علقمة بن مرثَد، عن أبي الربيع، عن أبي هريرة فذكره.
قال الترمذي: "حديث حسن".
قلت: وهو كما قال، فإن أبا الربيع حسن الحديث قال فيه أبو حاتم: "صالح الحديث"، والمسعوديّ وإن كان مختلطًا إلا أنه تابعه شعبة، وقد رواه الإمام أحمد (٢٣٩٥) من طريق شعبة وحجاج، كلاهما عن علقمة بن مرثَد به نحوه.
وأبو داود هو: الطيالسي صاحب المسند، رواه من هذا الطريق (٢٣٩٥) وصحَّحه ابن حبان (٣١٤٢) فرواه من وجه آخر بإسناد صحيح عن أبي هريرة مثله.
وله إسناد آخر رواه البزار "كشف الأستار" (٨٠٠) عن إبراهيم بن محمد بن سلمة، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا سويد اليمامي، ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أربع في أمتي ليس هم بتاركها: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والنياحة، تبعث يوم القيامة النائحة إذا لم تتب عليها درع من قطران".
قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٣): "رواه البزار وإسناده حسن".
قلت: ولم تُذكر فيه الخصلة الرابعة، فلعلّها الاستمطار بالأنواء كما في حديث الترمذيّ. ولحديث أبي هريرة أسانيد أخرى غير أن ما ذكرته هو أصحّها.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: "ثلاث هي الكفر بالله: النياحة، وشق الجيب، والطعن في النسب".
حسن: رواه ابن حبان في صحيحه (٣١٦١) من طريق الفريابي، قال: حدثنا الأوزاعي، عن
стр. 2196
إسماعيل بن عبيدالله، عن كريمة بنت الحَسْحَاس قالت: سمعت أبا هريرة يقول فذكر الحديث، وصحَّحه الحاكم (١/ ٣٨٣) ورواه من طريق بشر بن بكر، عن الأوزاعي.
قلت: وإسناده حسن فإن كريمة بنت الحَسْحاس لم يرو عنها غير إسماعيل بن عبد الله، ولم يوثقه إلا ابن حبان، إلا أن البخاري ذكر حديثا لها في كتاب التوحيد معلقًا فاكسبت بذلك الثقة، والحق أنها حسن الحديث، لأنه لم تتوفر فيها شروط الصحة.
وفي الباب ما رُوي عن جنادة بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: ثلاث من أمر الجاهلية لن يدعهن أهل الإسلام أبدًا: الاستمطار بالكواكب، وطعنا في النسب، والنياحة".
رواه البزّار "كشف الأستار" (٧٩٧)، والطبراني في "الكبير" (٢/ ٣١٧) كلاهما من طريق يحيي ابن عبد الرحمن الأرحبي، ثنا عبيدة بن الأسود، عن القاسم بن الوليد، عن مصعب بن عبيد الله بن جنادة بن مالك عن أبيه، عن جده جنادة بن مالك فذكره، واللفظ نلبزار، ولفظ الطبراني قريب منه.
وفيه مصعب بن عبيدالله قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٣): "لم أجد من ترجم مصعبًا، ولا أباه".
قلت: ذكرهما البخاري في "التاريخ الكبير" (٧/ ٣٥٣, ٥/ ٣٧٥) وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٨/ ٣٠٦, ٥/ ٣١٠) ولم يذكرا فيهما جرحًا ولا تعديلًا، فهما في عداد المجهولين، ولذا قال البخاري: "في إسناده نظر".
وفي الباب عن عمرو بن عوف وسلمان الفارسي والعباس بن عبد المطلب وغيرهم وهي كلها ضعيفة.
٣ - باب تبرؤ النبي ﷺ من الصالقة والحالقة والشاقة
• عن أبي بردة بن أبي موسى قال: وُجع أبو موسى وجَعًا فغُشي عليه، ورأسُه في حجْرِ امرأةٍ من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق قال: أنا برئٌ ممن برئ منه رسول الله ﷺ : إن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشّاقة.
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٩٦)، ومسلم في الإيمان (١٠٤) كلاهما عن الحكم ابن موسي القنطري، حدثنا يحيى بن حمزة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، أن القاسم بن مُخيمِرة حدَّثه قال: حدثني أبو بردة بن أبي موسى فذكره.
ورواه مسلم من وجه آخر وفيه أن رسول الله ﷺ قال: "أنا بَرِئٌ ممن حلق وسلق وخرق".
والصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة.
والحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة.
والشاقة: التي تشق ثوبها عند المصيبة.
• عن أبي بردة قال: أوصى أبو موسى حين حضره الموت فقال: إذا انطلقتم بجنازتي فأسْرِعوا المشيَ، ولا تُتْبعني بمجمر، ولا تجعلوا في لحدي شيئًا يحول
стр. 2197
بيني وبين التراب، ولا تجعلوا على قبري بناءً، وأُشهدكم أني برئٌ من كل حالقةٍ، أو سالقةٍ، أو خارقة، قالوا: أو سمعت فيه شيئًا؟ قال: نعم من رسول الله ﷺ .
حسن: رواه الإمام أحمد (١٩٥٤٧) عن معتمر بن سليمان التيمي، قال: قرأت على الفُضيل بن ميسرة في حديث أبي حريز، أن أبا بردة حدَّثه قال: أوصى أبو موسى فذكره.
ورواه ابن ماجه (١٤٨٧) وصحَّحه ابن حبان (٣١٥٠) من طريق المعتمر بن سليمان إلا أن ابن ماجه ذكره مختصرًا.
قال البوصيري في "مصباح الزجاجة": "هذا إسناد حسن. أبو حَريز اسمه: عبد الله بن حسين مختلف فيه".
قلت: وهو كما قال، فإن عبد الله بن الحسين الأزدي قاضي سجستان ضعَّفه يحيي بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهم، ووثقه أبو زرعة، وقال أبو حاتم: "حسن الحديث، ليس بمنكر الحديث بكتب حديثه". واختلف فيه قول ابن معين، فوثقه مرة، وضعَّفه أخرى، فمن كان هذا حاله يحسن حديثه إذا لم يكن فيه نكارة.
وأما ما رُوي عن يزيد بن أوس قال: دخلت على أبي موسى وهو ثقيل، فذهبتْ امرأتُه لتبكي، أو تَهُمَّ به، فقال لها أبو موسى: أما سمعت ما قال رسول الله ﷺ ؟ قالت: بلى. قال: فسكتت، فلما مات أبو موسى قال بزيد: لقيتُ المرأة فقلت لها: ما قولُ أبي موسى لكِ: أما سمعتِ قول رسول الله ﷺ ، ثم سكتِّ؟ قالت: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من حلق، ومن سلق، ومن خرق" ففيه يزيد بن أوس لم يوثقه أحد، وإنما ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٥٤٠)، ولذا قال الحافظ في "التقريب": "مقبول" أي حيث يتابع، وإنه لم يتابع على ذلك فهو ليِّن الحديث، رواه أبو داود (٣١٣٠)، والنسائي (١٨٦٦) كلاهما من حديث منصور، عن إبراهيم، عن يزيد بن أوس، فذكره. فجعل يزيد بن أوس هذا الحديث من مسند أبي موسى ومن مسند امرأته جميعًا.
٤ - باب دخول الشيطان في بيت النياحة
• عن أم سلمة قالت: لما مات أبو سلمة قلت: غريب، وفي أرض غُربة، لأَبكيَنَّه بكاءً يُتَحَدَّثُ عنه، فكنتُ قد تهيَّأتُ للبكاء عليه. إذ أقبلتِ امرأةٌ من الصعيد تريد أن تُسْعدني، فاستقبلها رسولُ الله ﷺ وقال: "أتُريدين أن تُدخلي الشيطان بيتًا أخرجه الله منه؟ " مرتين، فكففتُ عن البكاء، فلم أبك.
صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٢٢) من طرق، عن سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن أبيه، عن عبيد بن عُمير قال: قالت أم سلمة فذكرته.
стр. 2198
٥ - باب لا إسعاد في الإسلام
• عن أنس بن مالك قال: أخذ النبي ﷺ على النساء حين بايعن أن لا ينُحْنَ. فقلت: يا رسول الله! إن نساءً أسعدتنا في الجاهلية، فنُسعدهن في الإسلام؟ قال ﷺ : "لا إسعاد في الإسلام، ولا شِغار في الإسلام، ولا عَقْرَ في الإسلام، ولا جلب ولا جنب، ومن انتهب فليس مِنَّا".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٣٠٣٢) عن عبد الرزاق، وهو في مصنفه (٦٦٩٠) عن معمر، عن ثابت، عن أنس فذكر الحديث مثله.
ورواه أبو داود (٣٢٢٢)، والترمذي (١٦٠١)، والنسائي (١٨٥٢) كلهم من طريق عبد الرزاق مقطعًا، وصحَّحه ابن حبان (٣١٤ ٦).
٦ - باب النباحة من رنة الشيطان
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "صوتان ملعونان، في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمةٍ، ورنة عند مصيبة".
حسن: رواه البزار "كشف الأستار" (٧٩٥) عن عمرو بن علي، ثنا أبو عاصم (وهو الضحاك ابن مخلد) ثنا شبيب بن بشر البجلي، قال: سمعت أنس بن مالك فذكره.
وإسناده حسن من أجل شبيب بن بشر فإنه مختلف فيه. فقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ليِّن الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤/ ٣٥٩).
وقال: يخطئ كثيرًا، وذكره الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٣): وقال: "رواه البزار ورجاله ثقات".
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُصلي الملائكة على نائحة ولا على مرنَّة".
حسن: رواه أحمد (٨٧٤٦)، وأبو يعلى (٦١٣٧) من طريق سليمان بن داود، وهو الطيالسي (٢٤٥٧) قال: حدثنا عمران، عن قتادة، عن أبي مُراية، عن أبي هريرة فذكره.
قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٣): "رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه أبو مرانة ولم أجد من وثَّقه، ولا جرَّحه، وبقية رجاله ثقات".
قلت: لعله خفي على الهيثمي أبو مرانة -هكذا في المجمع، والصواب أبو مُراية كما في مسند أحمد وأبي يعلى، وقد أدخله ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٣١) باسمه وهو: عبد الله بن عمرو، وقال فيه: "عبد الله بن عمرو أبو مراية العجلي، يروي عن عمران بن حصين وسلمان، عداده في أهل البصرة، روى عنه قتادة وأسلم العجلي"، ولم يهتد الهيثمي إلى موضعه في "الثقات" وإلا لما قال
стр. 2199
ما قال فيه، لأنه يعتمد غالبًا على توثيق ابن حبان.
وإسناده حسن من أجل أبي مراية فقد روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في "الثقات" وهو من رجال التعجيل، قال فيه أبو سعيد: "كان قليل الحديث، أي أنه عرفه، ولم يقل فيه شيئًا".
وقال البوصيري في "الإتحاف" (٢٧٠٤): "رواه أبو داود الطيالسي وأبو يعلى وأحمد بإسناد صحيح".
وعن أبي هريرة أيضًا مرفوعًا: "أيما نائحة ماتتْ قبل أن تتوبَ ألْبَسها الله سِرْبالًا من قَطِران، وأقامها للناس يوم القيامة" إلا أنه ضعيف.
رواه أبو يعلى (٥٩٧٩) عن أبي إبراهيم الترجماني، حدثنا عُبَيس بن ميمون، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره.
وعُبيس بن ميمون، ويقال: عيسي بن ميمون كما في "تهذيب الكمال" وفروعه، وهو الواسطي، وهو مولى القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، والراوي عنه.
قال البخاري: "هو أبو عبيدة عُبَيس بن ميمون التيمي، عن يحيى بن أبي كثير وغيره منكر الحديث". وقال ابن عدي: "عامة ما يرويه غير محفوظ" "الميزان" (٣/ ٢٧) وقد ضعَّفه يحيي بن معين وأبو حاتم والترمذي والنسائي وغيرهم، وقال ابن حبان: "منكر الحديث جدًّا، يروي عن الثقات أشياء كأنها موضوعات، فاستحق مجانبة حديثه، والاجتناب عن روايته، وترك الاحتجاج بما يروي لما غلب عليه من المناكير" "المجروحين" (٦٩٧)، وبه ضعَّفه البوصيري في "الإتحاف" (٢٧١٤).
وأما الهيثمي فقال في "مجمع الزوائد" (٣/ ١٣): "رواه أبو يعلى وإسناده حسن" لعله ظن أنه عيسي بن ميمون الجرشي أبو موسى، يعرف بابن داية، فإنه ثقة.
وقال الحافظ ابن حجر: "وقد فرق بينهما ابن معين وابن حبان" فقال ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٤٨٩) عن الثاني: مستقيم الحديث". وهذا الذي ظنه الهيثمي فحسَّنه، والصواب أنه عبيس بن ميمون، للقرينة التي ذكرها البخاري، واعتمده البوصيري وضعَّفه. والله تعالى أعلم.
٧ - باب الميت يُعذب في قبره ببكاء أهله عليه
• عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ قال: "الميت يُعذَّب في قبره بما نيح عليه".
وفي رواية: "الميت يعذب ببكاء الحي عليه".
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٩٢) عن عبدان، قال: أخبرني أبي، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن أبيه فذكر الحديث.
ورواه مسلم في الجنائز (٩٢٧/ ١٧) من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة بإسناده مثله.
والرواية الثانية رواها البخاري عن آدم، عن شعبة بإسناده السابق، ورواها مسلم من أوجه عن
стр. 2200
محمد بن بشر العبدي، عن عبيدالله بن عمر، قال: حدثنا نافع، عن عبد الله أن حفصة بكت على عمر فقال: مهلًا يا بُنَيَّةُ! ألم تعلَمِي أن رسول الله ﷺ قال: "إن الميت يُعذَّب ببكاء أهله عليه" ولمسلم طرق أخرى بمعناه وفي لفظ "المُعوَّل عليه يُعذب".
والمعول: من عوَّل عليه وأعول، وهو البكاء بصوتٍ.
وفي رواية: عن أبي موسى قال: لما أصيب عمر أقبل صُهيب من منزله، حتى دخل على عمر، فقام بحياله يبكي، فقال عمر: على ما تبكي؟ أعليَّ تبكي؟ قال: إي, والله! لعليك أبكي يا أمير المؤمنين! قال: والله لقد علمتَ أن رسول الله ﷺ قال: "من يُبْكي عليه يُعذب" قال: فذكرت ذلك لموسى بن طلحة فقال: كانت عائشة تقول: إنما كان أولئك اليهود.
قال الترمذي: "حديث عمر حديث حسن صحيح، وقد كره قوم من أهل العلم البكاء على الميت. قالوا: الميت يُعذَّب ببكاء أهله عليه. وذهبوا إلى هذا الحديث. وقال ابن المبارك: أرجو إن كان ينهاهم في حياته أن لا يكون عليه من ذلك شيء".
• عن المغيرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن كذبًا عليَّ ليس ككذب على أحد، من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" سمعت النبي ﷺ يقول: "من نيح عليه يُعذبْ بما نيح عليه".
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٩١) عن أبي نعيم، حدثنا سعيد بن عبيد، عن علي ابن ربيعة، عن المغيرة فذكر الحديث.
ورواه مسلم متفرقًا -الجزء الأول من الحديث في المقدمة (٤) والجزء الثاني في الجنائز (٩٣٣) من طرق، عن سعيد بن عبيد الطائي بإسناده وزاد في أول الحديث: أوَّل من نيح عليه بالكوفة قرظَةُ ابن كعب. فقال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نيح عليه فإنه يُعذَّب بما نيح عليه يوم القيامة".
وفي الترمذي (١٠٠٠) جاء الحديث مفصلًا -من طريق سعيد بن عبيد الطائي، عن علي بن ربيعة الأسدي قال: مات رجل من الأنصار يقال له قَرظة بن كعب، فنيح عليه. فجاء المغيرةُ بن شُعبة فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما بال النَوح في الإسلام! أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نيحَ عليه عُذَّب بما نيح عليه" وقال: "غريب حسن صحيح".
ومحمل هذا الحديث على ما إذا كان النَوحُ من وصية الميت وسنته، كما كانت الجاهلية تفعل، قال طَرفَةُ:
إذا متُّ فانْعِيني بما أنا أهله ... وشُقِّي عليَّ الجيبَ يابْنَة معبد
ذكره القرطبي في "المفهم" (٢/ ٥٨٢).
стр. 2201
• عن ابن عمر قال: قال رسول الله: "الميت يعذَّب ببكاء أهله عليه".
صحيح: رواه ابن حبان في صحيحه (٣١٣٥) عن أبي يعلى، حدثنا العباس بن الوليد النرسي، حدثنا يحيى القطان، حدثنا عبيدالله بن عمر، أخبرني نافع، عن ابن عمر فذكر الحديث، وإسناده صحيح.
ورواه الطبراني (١٢/ ٢٧٢، ٣٤٤) من أوجه، عن ابن عمر مثله.
• عن محمد بن سيرين قال: ذكر عند عمران بن حصين: الميتُ يعذب ببكاء الحي، فقال عمران: قاله ﷺ .
حسن: رواه النسائي (١٨٤٩) عن محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شعبة، عن عبد الله بن صبيح، قال: سمعت محمد بن سيرين يقول فذكره.
والحديث في مسند أبي داود الطيالسي (٨٩٥) ومن طريقه أخرجه ابن حبان في صحيحه (٣١٣٤)، ورواه الإمام أحمد (١٩٩١٨)، والطبراني (١٨/ ٤٤٠) كلاهما من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة بإسناده وفيه: ذكروا عند عمران بن حصين: "الميت يعذَّب بكاء الحي" فقالوا: كيف يعذب الميت ببكاء الحي؟ فقال عمران: قد قاله ﷺ .
وإسناده حسن من أجل عبد الله بن صبيح فإنه حسن الحديث.
وأما ما رُوي عن الحسن، عن عمران بن حصين قال: الميت يعذب بنياحة أهله عليه، فقال له رجل: أرأيت رجلًا مات بخراسان وناح عليه أهله هنا أكان يُعذَّب بنياحة أهله؟ قال: صدق رسول الله ﷺ وكذبت أنت. فيه انقطاع. رواه النسائي (١٨٥٤) من طريقه، والحسن لم يسمع من عمران ابن حصين على القول المشهور، وقيل: إنه قد سمع منه.
• عن موسى بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "الميت يُعذبَّ ببكاء الحيّ إذا قالوا: وا عضداهُ، وا كاسِياهْ، وا ناصِراهْ، وا جبلاهْ ونحو هذا، يُتعتع ويقال: أنت كذلك؟ أنت كذلك".
قال: أَسيد: فقلتُ سبحان الله إن الله يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] قال: ويحك! أحدثك أنّ أبا موسى حدثني عن رسول الله ﷺ ، فترى أن أبا موسي كذَب على النبي ﷺ ؟ أو ترى أنّي كذبتُ على أبي موسى؟ .
حسن: رواه ابن ماجه (١٥٩٤) عن يعقوب بن حُميد بن كاسب، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، قال: حدثنا أسيد بن أبي أَسِيد، عن موسى بن أبي موسى الأشعري به فذكره.
وفيه شيخ ابن ماجه قال فيه الحافظ في التقريب: "صدوق ربما وهم".
قلت: ولكنه توبع، فقد رواه الإمام أحمد (١٩٧١٦) عن أبي عامر (وهو عبد الملك بن عمرو العقدي) قال: ثنا زهير، عن أَسيد بن أبي أَسيد بإسناده فذكره. وصحَّحه الحاكم (٢/ ٤٧١) ورواه
стр. 2202
من طريق أبي عامر العقدي.
ورواه الترمذي (١٠٠٣) من وجه آخر عن أسيد بن أبي أسيد واختصر على قوله: "ما من ميت يموت فيقوم باكية فيقول: وا جبلاه! وا سيداه! أو نحو ذلك، إلا وُكل به ملكان يلهزانه! أهكذا كنت؟ ".
وقال: "حسن غريب".
قلت: وهو كما قال، فإن مداره على أسيد بن أبي أسيد البراد وهو "صدوق".
• عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ قال: "الميت يعذَّبُ بما نيح عليه".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٠١١٠)، والطبراني في "الكبير" (٦٨٩٦) كلاهما من حديث عبد الصمد، حدثنا عمر بن إبراهيم، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة فذكر الحديث.
وإسناده صحيح، وأما سماع الحسن من سمرة فالصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم أنه سمع منه مطلقًا، أعني حديث العقيقة وغيره.
٨ - إنكار عائشة ﵂ على ابن عمر أن الميت يُعذَّب ببكاء أهله عليه
• عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرت، أنها سمعت عائشة أم المؤمنين تقول: - وذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت ليعذبُ ببكاء أهله، فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب. ولكنه نسيَ، أو أخطأ، إنما مر النبي ﷺ بيهودية يبكي عليها أَهلُها فقال: "إنكم لتبكون عليها، وإنها لتُعذب في قبرها".
متفق عليه: رواه مالك في الجنائز (٣٧) عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة بنت عبد الرحمن فذكرته.
ورواه البخاري في الجنائز (١٢٨٩)، ومسلم في الجنائز (٩٣٢/ ٢٧) كلاهما من طريق مالك ابن أنس إلا أن البخاري اختصره.
وفي رواية: مر النبي ﷺ برجل يهودي فقال: "إن الميت ليعذّب وإن أهله ليبكون عليه".
• عن عروة بن الزبير قال: ذُكر عند عائشة أن ابن عمر رفع إلى النبي ﷺ : "إن الميت يُعذَّب في قبره ببكاء أهله" فقالت: إنما قال رسول الله ﷺ : "إنه ليعذب بخطيئته وذنبه، وإن أهله ليكون عليه الآن".
وقالت: وذلك مثل قوله: إن رسول الله ﷺ قام على القَلِيب، وفيه قتلى بدرٍ من المشركين، فقال لهم ما قال: "إنهم ليسمعون ما أقول" إنما قال: "إنهم الآن ليعلمون أن ما كنتُ أقول لهم حق" ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [سورة النمل: ٨٠].
стр. 2203
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [سورة فاطر: ٢٢] يقول: حين تبوؤا مقاعدهم من النار.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٣٩٧٨، ٣٩٧٩)، ومسلم في الجنائز (٩٣٢) كلاهما من حديث أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه فذكره.
• عن عروة قال: ذُكر عند عائشة قول ابن عمر: الميت يُعَذّبُ ببكاء أهله عليه، فقالت: رحم الله أبا عبد الرحمن، سمع شيئًا فلم يحفظه، إنما مرت على رسول الله ﷺ جنازة يهودي، وهم يبكون عليه، فقال: "أنتم تبكون وإنه ليعذَّبُ".
صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٣١) من طرق، عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه فذكره.
• عن عبد الله بن عبيدالله بن أبي مليكة قال: تُوُفِّيَتْ ابنةٌ لعثمانَ بمكة وجئنا لنشهدَها، وحضرها ابن عمر وابن عباس ﵄، وإني لجالسٌ بينَهما - أو قال: جَلستُ إلى أحَدِهما، ثم جاء الآخَرُ فجلسَ إلى جَنبي- فقال عبد الله بن عمر ﵄ لعمرو بن عثمان: ألا تنهي عنِ البكاء؟ فإن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الميِّتَ ليُعذَّبُ ببكاء أهله عليه".
فقال ابن عباس: قد كان عمرُ يقول بعضَ ذلك، ثم حدَّثَ قال: صدرتُ مع عمر من مكة، حتى إذا كنا بالبَيْداء إذا هو بركب تحت ظِلِّ سَمُرةٍ، فقال: اذهَبْ فانظر من هؤلاء الركبُ. قال: فنظرتُ فإذا صُهَيبٌ، فأخبرتُه، فقال: ادْعُهُ لي، فرجعتُ إلى صُهَيب قلتُ: ارتَحِلْ فالحقْ بأمير المؤمنين. فلما أصيبَ عمرُ دخلَ صُهيبٌ يَبكي يقولُ: وا أخاهُ وا صاحباهُ. فقال عمرُ: يا صُهيبُ أتبكي عليَّ وقد قال رسول الله ﷺ : "إن الميِّت يُعذَّبُ ببعضِ بُكاء أهلِه عليه".
قال ابن عباس: فلما ماتَ عمرُ ذكرتُ ذلك لعائشة فقالت: رحم الله عمر، والله! ما حدَّث رسولُ الله ﷺ أن الله ليُعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله ﷺ قال: إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه، وقالت: حسبُكم القرآن ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] قال ابن عباس عند ذلك: والله ﴿هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣] قال ابن مليكة: والله! ما قال ابن عمر شيئًا.
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٨٦، ١٢٨٧، ١٢٨٨)، ومسلم في الجنائز (٩٢٨) كلاهما من طريق ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن أبي مليكة فذكر الحديث بمثله واللفظ للبخاري.
стр. 2204
• عن عبد الله بن أبي مليكة قال: كنتُ إلى جنب ابن عمر، ونحن ننتظر جنازةَ أم أبان بنت عثمان، وعنده عمرو بن عثمان، فجاء ابن عباس يقودُه قائد، فأُراه أخبره بمكان ابن عمر، فجاء حتى جلس إلى جَنْبي، فكنت بينهما، فإذا صوت من الدار، فقال ابن عمر -كأنه يَعرِض على عمرو أن يقوم ينهاهم- سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الميت ليُعذب ببكاء أهله".
قال: فأرسلها عبد الله مرسلة.
فقال ابن عباس: كنا مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، حتى إذا كنا بالبيداء، إذا هو برجل نازل في شجرة، فقال لي: اذهب فاعلم لي من ذاك الرجل، فذهبتُ فإذا هو صهيب فرجعت إليه، فقلت: إنك أمرتني أن أعلم لك من ذاك، وإنه صهيب، قال: مره فليلحق بنا، فقلت: إن معه أهله، قال: وإن كان معه أهله (وربما قال أيوب: مره فليلحق بنا)، فلما قدمنا لم يلبث أمير المؤمنين أن أصيب، فجاء صهيب يقول: وا أخاه! وا صاحباه! فقال عمر: ألم تعلم، أو لم تسمع (قال أيوب: أو قال: أو لم تعلم أو لم تسمع) أن رسول الله ﷺ قال: "إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله".
قال: فأما عبد الله فأرسلها مرسلة، وأما عمر فقال: ببعض.
فقمتُ فدخلت على عائشة، فحدثتُها بما قال ابن عمر، فقالت: لا، والله! ما قال رسول الله ﷺ قط "إنَّ الميت يعذَّب ببكاء أحد"، ولكنه قال: "إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابًا، وإن الله لهو أضحك وأبكى، ولا تزرُ وازرَةٌ وزر أخرى".
قال أيوب: قال ابن أبي مليكة: حدثني القاسم بن محمد قال: لما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر قالت: إنكم لتحدثوني عن غير كاذِبين ولا مُكذَّبين. ولكن السمع يُخطئُ.
صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٢٨) عن داود بن رُشيد، حدثنا إسماعيل ابن عُلية، حدثنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة فذكره.
قوله: فأرسله عبد الله مرسلة -معناه أن ابن عمر أطلق في روايته تعذيب الميت ببكاء الحي، ولم يُقيد بيهودي، كما قيدتُه عائشة، ولا بوصية كما قيده آخرون، ولا قال ببعض بكاء أهله كما رواه أبوه عمر بن الخطاب.
لقد ثبت بأَسانيد صحيحة عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، والمغيرة بن شعبة، وعمران بن
стр. 2205
حصين، وغيرهم أن الميت يعذب ببكاء أهله، وهل هذه الأحاديث الصّحيحة مخالفة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ كما فهمت عائشة ﵂، وخصصت بأن ذلك كان لأجل عذاب اليهود، والأظهر أن تخطيئة هؤلاء الصحابة جميعًا لا يصح، لأنهم هكذا سمعوا من النبي ﷺ ورواه عنهم الثقات الضابطون، لا مطعن في صدقهم وحفظهم. لذا يجب تفسير هذه الأحاديث وتأويلها حيث لا تخالف الآية الكريمة.
ومن هذه التأويلات: إن الناس في الجاهلية، كانوا يتفاخرون بالنياحة عليه عند موتهم، فكانوا يوصون بذلك نساءهم وزوجاتهم، فلما حرِّمت النياحةُ وجب عليهم أن يمنعوا من ذلك، فلما لم يمنعوا، وقد نيح عليهم حسب العادات الجاهلية فكان ذلك سببًا لعذابهم، فمن تفطن لذلك منع منها مثل عمر بن الخطاب - ومن لم يتفطن ولم يمنع، وقد نيح عليه عُذِّب.
قال الخطابي ﵀: قد يحتمل أن يكون الأمر في هذا على ما ذهبت إليه عائشة لأنها قد روت (أن ذلك إنما كان في شأن يهودي) والخبر المفسر أولى من المجمل ثم احتجت بالآية، وقد يحتمل أن يكون ما رواه ابن عمر صحيحًا من غير أن يكون فيه خلاف الآية، وذلك أنهم كانوا يوصون أهليهم بالبكاء والنوح عليهم، وكان ذلك مشهورًا من مذاهبهم وهو موجود في أشعارهم كقول القائل وهو طرفة:
إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي عليّ الجيب يا ابنة معبد
وكقول لبيد:
فقوما فقولا بالذي تعلمانه ... ولا تخمشا وجهًا ولا تحلفا الشعر
وقولا هو المرء الذي لا صديقه ... أضاع ولا خان الأمين ولا غدر
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر
ومثل هذا كثير في أشعارهم، وإذا كان كذلك فالميت إنما تلزمه العقوبة في ذلك بما تقدم من أمره إياهم بذلك وقت حياته، وقد قال رسول الله ﷺ : "من سَنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سَنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها"، وقولها (وهل ابن عمر) معناه: ذهب وهله إلى ذلك، يقال: وهل الرجل ووهم بمعنى واحد، كل ذلك بفتح الهاء، فإذا قلت وهل بكسر الهاء كان معناه فزع، وفيه وجه آخر ذهب إليه بعض أهل العلم، قال: وتأويله أنه مخصوص في بعض الأموات الذين وجب عليهم بذنوب اقترفوها، وجرى من قضاء الله سبحانه فيهم أن يكون عذابهم وقت البكاء عليهم، ويكون كقولهم مطرنا بنوء كذا، أي عند نوء كذا، كذلك قوله: "إن الميت يعذب ببكاء أهله" أي عند بكائهم عليه لاستحقاقه ذلك بذنبه، ويكون ذلك حالًا لا سببًا،
стр. 2206
لأنا لو جعلناه سببًا لكان مخالفًا للقرآن وهو قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، والله أعلم. انتهي.
وعلى هذا فحمل عائشة على عذاب اليهود أمر نسبي، فعذابهم لعدم إيمانهم بالله ورسوله، وعذاب المسلمين لعدم منعهم من النياحة بعد الموت.
وقد أطال الحافظ ابن القيم في تهذيب السنن في الدفاع عن الأحاديث التي رواها عمر وابنه وغيرهما، وقال: ومحال أن يكون هؤلاء كلهم وهموا في الحديث، ثم أجاب عن شبهة عائشة مثل إجابة الخطابي وزاد عليه.
٩ - باب كراهية البكاء على من تُظله الملائكة بأجنحتها
• عن جابر بن عبد الله قال: جيئ بأبي يوم أحُد قد مُثِّل به حتى وُضع بين يدي رسول الله ﷺ ، وقد سُجي ثوبًا، فذهبت أريد أن أكشف عنه، فنهاني قومي، ثم ذهب أكشف عنه فنهاني قومي، فأمر رسول الله ﷺ فرُفع، فسمع صوت صائحة فقال: "من هذه؟ " فقالوا: ابنة عمرو -أو أخت عمرو- قال: "فلم؟ تبكي أو لا تبكي، فما زالت الملائكة تُظله بأجنحتها حتى رُفع".
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٩٣)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٧١) كلاهما من حديث سفيان، حدثنا ابن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله فذكره ولفظهما سواء.
وقوله: "تبكي أو لا تبكي" للتخيير، ومعناه أنه مكرم بصنيع الملائكة، وتزاحمهم عليه لصعودهم بروحه.
١٠ - باب جواز البكاء على الميت وإظهار الحزن عليه
• عن أسامة بن زيد قال: أرسلت ابنةُ النبي ﷺ إليه إن ابنًا لي قُبض، فَأتِنا، فأرسل يُقرئ السلام، ويقول: "إن الله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمي، فلتصبر ولتحتسب" فأرسلتْ إليه قسم عليه ليأْتِينَّها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال، فرفع إلى النبي ﷺ الصبي، ونفسُه تتقَعْقَع، -قال: حسبته أنه قال: كأنها شنٌ، ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول الله! ما هذا؟ فقال: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماءَ".
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٨٤)، ومسلم في الجنائز (٩٢٣) كلاهما من طريق عاصم بن سليمان الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد فذكره، واللفظ للبخاري،
стр. 2207
ولفظ مسلم قريب منه.
وبعد الرجوع إلى كتب التاريخ والسير تبين لي أن المُرسلة ابنة النبي ﷺ هي فاطمة، والصبي هو: محسن بن علي بن أبي طالب، لأن أهل العلم بالأخبار اتفقوا على أنه مات صغيرًا في حياة النبي ﷺ .
وقيل إن المرسلة ابنة النبي ﷺ هي زينب، ولكن بشكل على هذا، اسم الصبي الذي مات، وزينب لم تلد إلا علي بن أبي العاص بن الربيع، وهو قد ناهز الحلم يوم الفتح، وأمامة التي عاشت بعد النبي ﷺ وتزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة.
• عن عبد الله بن عمر قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يَعُوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقَّاص وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله فقال: "قد قضى؟ " قالوا: لا يا رسول الله! فبكى النبي ﷺ ، فلما رأى القومُ بكاءَ النبي ﷺ بكوا. فقال: "ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين، وبحزن القلب، ولكن يُعَذِّب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم، وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه".
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٠٤)، ومسلم في الجنائز (٩٢٤) كلاهما من حديث ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن الحارث الأنصاري، عن عبد الله بن عمر فذكر الحديث، ولفظهما سواء.
• عن عائشة قالت: لما جاء النبيَّ ﷺ قتلُ ابن حارثة وجعفر وابن رواحة جلس، يُعرف فيه الحزنُ، وأنا أنظر من صائر الباب شَقِ الباب.
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٩٩)، ومسلم في الجنائز (٩٣٥) كلاهما عن محمد ابن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، قال: سمعتُ يحيي، قال: أخبرتْني عمرة قالت: سمعت عائشة فذكرت الحديث.
• عن أنس قال: قنت رسول الله ﷺ شهرًا حين قُتِل القُرَّاءُ، فما رأيت رسول الله ﷺ حَزِن حُزْنًا قط أشدَّ منه.
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٠٠) عن عمرو بن علي، حدثنا محمد بن فُضيل، حدثنا عاصم الأحول، عن أنس فذكره. وأخرجه مسلم في المساجد (٦٧٧/ ٣٠٢) من وجه آخر عن عاصم نحوه.
• عن أنس بن مالك قال: شهدنا بنتًا لرسول الله ﷺ ، قال: ورسولُ الله ﷺ جالس على القبر، قال: فرأيتُ عينيه تدمعان، قال: فقال: "هل منكم رجل لم
стр. 2208
يقارف الليلة؟ " فقال أبو طلحة: أنا، قال: "فانزل"، قال: فنزل في قبرها.
صحيح: رواه البخاري في الجنائز (١٢٨٥) عن عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر، حدثنا فُليح ابن سُليمان، عن هلال بن علي، عن أنس بن مالك فذكر الحديث.
وقوله: "لم يقارف" بالقاف والفاء، زاد ابن المبارك عن فليح: "أراه يعني الذنب" ذكره البخاري في باب: من يدخل قبر المرأة تعليقًا.
وقيل معناه: "لم يجامع تلك الليلة" رجحه الحافظ وغيره.
تنبيه: تحرف هلال بن علي في فتح الباري إلى "بلال بن علي".
• عن أنس قال: لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشَّاه، فقالت فاطمة: واكرب أباه، فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، فلما مات ﵇ قالت: يا أبتاه، أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلما دُفن قالت فاطمة: يا أنس! أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟ .
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٤٦٢) عن سليمان بن حرب، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس فذكره.
• عن أنس قال: لما قالت فاطمة ذلك، يعني لما وجد رسول الله ﷺ من كرب الموت ما وجد، قالت فاطمة: وا كرباه. قال رسول الله ﷺ : "يا بُنَيَّةُ! إنه قد حضر من أبيك ما ليس الله بتارك منه أحدا لموافاة يوم القيامة".
حسن: رواه أحمد (١٢٤٣٤) عن أبي النضر، حدثنا المبارك، عن ثابت البناني، عن أنس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل المبارك وهو ابن فضالة -بفتح الفاء- البصري، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا صرح؛ لأنه يدلس ويسوي، وقد صرَّح في الإسناد الثاني.
ثم إنه لم ينفرد به، بل تابعه عبد الله بن الزبير الباهلي أبو الزبير فقال: حدثنا ثابت عن أنس بن مالك، فذكر نحوه، وزاد فيه: "لا كَرْبَ على أبيك بعد اليوم". رواه ابن ماجه (١٦٢٩)، والترمذي في "الشمائل" (٣٨٠) كلاهما من هذا الوجه.
• عن أبي هريرة قال: لما توفي بن رسول الله ﷺ صاح أُسامة بن زيد فقال رسول الله ﷺ : "ليس هذا منّا، ليس لصارخ حظ، القلب يحزنُ، والعين تدمع، ولا نقول ما يُغضب الرّب".
حسن: رواه ابن حبان في صحيحه (٣١٦٠) عن عمران بن موسي بن مجاشع، قال: حدثنا هُدْبة بن خالد القيسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره.
стр. 2209
وأخرجه أيضا الحاكم (١/ ٣٨٢) من طريق حماد بن سلمة بإسناده.
وإسناده حسن لأجل محمد بن عمرو وهو: ابن علقمة بن وقاص الليثي مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، وهو من رجال الجماعة.
• عن جابر بن عَتيك أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت، فوجده قد غُلب عليه، فصاح به، فلم يُجبه، فاسترجع رسول الله ﷺ وقال: "غُلبنا عليك يا أبا الربيع" فصاح النسوةُ ويبكين، فجعل جابر يسكتهنَّ، فقال رسول الله ﷺ : "دعهن، فإذا وجب، فلا تَبْكِيَنَّ باكية" قالوا: يا رسول الله! وما الوجوب؟ قال: "إذا مات" فقالت ابنتُه: والله إن كنتُ لأرجو أن تكون شهيدًا، فإنك كنت قد قضيت جهازك، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله قد أوقع أجره على قدر نيِته. وما تعدون الشهادة؟ " قالوا: القتل في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : "الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغرق شهيد، وصاحب ذات الجنْب شهيد، والمبطون شهيد، والحَرِقُ شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمْعٍ شهيد".
حسن: رواه أبو داود (٣١١١)، والنسائي (١٨٤٦) كلاهما من طريق مالك (وهو في الموطأ - الجنائز- ٣٦) عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، عن عتيك بن الحارث، وهو جد عبد الله بن عبد الله بن جابر أبو أمه، أنه أخبره أن جابر بن عتيك أخبره فذكره.
ورواه أيضًا الإمام أحمد (٢٣٧٥٣) من طريق مالك إلا أنه اختصره.
وصحَّحه ابن حبان (٣١٨٩)، والحاكم (١/ ٣٥١ - ٣٥٢) وروياه من طريق مالك. قال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، رواته مدنيون قرشيون .... ".
قلت: إسناده حسن من أجل عتيك بن الحارث وهو ابن عتيك بن قيس بن هيشة المعاوي الأوسي الأنصاري من أهل المدينة، يروي عن جابر بن عتيك وجماعة من الصحابة، روى عنه عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عنك والناس كذا في ثقات ابن حبان (٥/ ٢٨٦) وهو وإن لم أقف على من وثَّقه ولكن كونه من رواة مالك في الموطأ اكتسب قوة، لأن مالكًا كان أدرى الناس بأهل المدينة.
وأما من اضطرب في رواية هذا الحديث فلا يضر من أقامه.
فقد رواه ابن ماجه (٢٨٠٣) من وجه آخر عن أبي العُميس، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، عن أبيه، عن جده، أنه مرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقال قائل من أهله إن كنا لنرجو أن تكون وفاته قتلَ شهادة في سبيل الله ... فأخطأ في الإسناد.
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (١٩/ ٢٠٦): "هكذا يقول أبو العُميس في إسناد هذا الحديث، والصواب ما قاله مالك فيه، ولم يُقِمْه أبو العميس".
стр. 2210
قولها: "قد قضيت جهازَك" أي قد أعددت ما تحتاج إليه في سفرك للغزو، أو رحيلك إلى الآخرة من عُدة أو عمل صالح.
• عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ مر بنساء عبد الأشهل، يبكين هَلْكاهن يوم أحد، فقال رسول الله ﷺ : "لكن حمزةَ لا بَواكي له" فجاء نساء الأنصار يبكين حمزة فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: "ويحهن ما انقلبن بعد؟ مروهن فلينقلبن، ولا يبكين على هالك بعد اليوم".
حسن: رواه ابن ماجه (١٥٩١) عن هارون بن سعيد المصري، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أنبأنا أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
وإسناده حسن من أجل أسامة بن زيد وهو الليثي، وهو مختلف فيه غير أنه حسن الحديث وهو من رجال مسلم، وأخرجه الحاكم (٣/ ١٩٤ - ١٩٥) وقال: "صحيح على شرط مسلم"، والحديث في مسند الإمام أحمد (٥٥٦٣) من رواية أسامة بن زيد به مثله.
ورواه أبو يعلى (٣٥٦٤) من وجهين: عن أسامة، عن نافع، عن ابن عمر، وعن أسامة، قال: وحدثني الزهري، عن أنس بن مالك فذكر الحديث. ومن الوجه الثاني رواه أيضًا الحاكم (١/ ٣٨١) وقال: "صحيح على شرط مسلم".
• عن ابن عباس قال: أخذ النبي ﷺ بنتًا له، تقضِي فاحتضنها، فوضعها بين ثدْييه فماتتْ وهي بين ثدْييه، فصاحت أم أيمن فقيل: أتبكي عند رسول الله؟ قالت: ألستُ أَراك تبكي يا رسول الله؟ قال: "لست أبكي، إنما هي رحمة، إن المؤمن بكل خير على كل حال، إن نفسه تخرج من بين جنبيه، وهو يحمد الله ".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٤٧٥) عن أبي أحمد، حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده صحيح، وعطاء بن السائب ثقة، وثَقه الأثمة إلا أنه اختلط في آخر عمره، لكن روي سفيان عنه قبل الاختلاط.
وقد رواه النسائي (١٨٤٣) من طريق أبي الأحوص، والإمام أحمد (٢٤١٢) من طريق أبي إسحاق، والبزار "كشف الأستار" (٨٠٨) من طريق جرير بن عبد الحميد- هؤلاء الثلاثة عن عطاء بن السائب به مثله.
وهذه المتابعات تُقوي رواية سفيان، عن عطاء بن السائب، وتؤكد بأنه لم يختلط في هذا الحديث.
وذكره الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٨) وعزاه إلى البزار وقال: "وفيه عطاء بن السائب مختلط".
следующие страницы →