Полный текст (8 687 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
لأنا لو جعلناه سببًا لكان مخالفًا للقرآن وهو قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، والله أعلم. انتهي.
وعلى هذا فحمل عائشة على عذاب اليهود أمر نسبي، فعذابهم لعدم إيمانهم بالله ورسوله، وعذاب المسلمين لعدم منعهم من النياحة بعد الموت.
وقد أطال الحافظ ابن القيم في تهذيب السنن في الدفاع عن الأحاديث التي رواها عمر وابنه وغيرهما، وقال: ومحال أن يكون هؤلاء كلهم وهموا في الحديث، ثم أجاب عن شبهة عائشة مثل إجابة الخطابي وزاد عليه.
٩ - باب كراهية البكاء على من تُظله الملائكة بأجنحتها
• عن جابر بن عبد الله قال: جيئ بأبي يوم أحُد قد مُثِّل به حتى وُضع بين يدي رسول الله ﷺ ، وقد سُجي ثوبًا، فذهبت أريد أن أكشف عنه، فنهاني قومي، ثم ذهب أكشف عنه فنهاني قومي، فأمر رسول الله ﷺ فرُفع، فسمع صوت صائحة فقال: "من هذه؟ " فقالوا: ابنة عمرو -أو أخت عمرو- قال: "فلم؟ تبكي أو لا تبكي، فما زالت الملائكة تُظله بأجنحتها حتى رُفع".
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٩٣)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٧١) كلاهما من حديث سفيان، حدثنا ابن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله فذكره ولفظهما سواء.
وقوله: "تبكي أو لا تبكي" للتخيير، ومعناه أنه مكرم بصنيع الملائكة، وتزاحمهم عليه لصعودهم بروحه.
١٠ - باب جواز البكاء على الميت وإظهار الحزن عليه
• عن أسامة بن زيد قال: أرسلت ابنةُ النبي ﷺ إليه إن ابنًا لي قُبض، فَأتِنا، فأرسل يُقرئ السلام، ويقول: "إن الله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمي، فلتصبر ولتحتسب" فأرسلتْ إليه قسم عليه ليأْتِينَّها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال، فرفع إلى النبي ﷺ الصبي، ونفسُه تتقَعْقَع، -قال: حسبته أنه قال: كأنها شنٌ، ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول الله! ما هذا؟ فقال: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماءَ".
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٨٤)، ومسلم في الجنائز (٩٢٣) كلاهما من طريق عاصم بن سليمان الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد فذكره، واللفظ للبخاري،
стр. 2207
ولفظ مسلم قريب منه.
وبعد الرجوع إلى كتب التاريخ والسير تبين لي أن المُرسلة ابنة النبي ﷺ هي فاطمة، والصبي هو: محسن بن علي بن أبي طالب، لأن أهل العلم بالأخبار اتفقوا على أنه مات صغيرًا في حياة النبي ﷺ .
وقيل إن المرسلة ابنة النبي ﷺ هي زينب، ولكن بشكل على هذا، اسم الصبي الذي مات، وزينب لم تلد إلا علي بن أبي العاص بن الربيع، وهو قد ناهز الحلم يوم الفتح، وأمامة التي عاشت بعد النبي ﷺ وتزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة.
• عن عبد الله بن عمر قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يَعُوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقَّاص وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله فقال: "قد قضى؟ " قالوا: لا يا رسول الله! فبكى النبي ﷺ ، فلما رأى القومُ بكاءَ النبي ﷺ بكوا. فقال: "ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين، وبحزن القلب، ولكن يُعَذِّب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم، وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه".
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٠٤)، ومسلم في الجنائز (٩٢٤) كلاهما من حديث ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن الحارث الأنصاري، عن عبد الله بن عمر فذكر الحديث، ولفظهما سواء.
• عن عائشة قالت: لما جاء النبيَّ ﷺ قتلُ ابن حارثة وجعفر وابن رواحة جلس، يُعرف فيه الحزنُ، وأنا أنظر من صائر الباب شَقِ الباب.
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٩٩)، ومسلم في الجنائز (٩٣٥) كلاهما عن محمد ابن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، قال: سمعتُ يحيي، قال: أخبرتْني عمرة قالت: سمعت عائشة فذكرت الحديث.
• عن أنس قال: قنت رسول الله ﷺ شهرًا حين قُتِل القُرَّاءُ، فما رأيت رسول الله ﷺ حَزِن حُزْنًا قط أشدَّ منه.
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٠٠) عن عمرو بن علي، حدثنا محمد بن فُضيل، حدثنا عاصم الأحول، عن أنس فذكره. وأخرجه مسلم في المساجد (٦٧٧/ ٣٠٢) من وجه آخر عن عاصم نحوه.
• عن أنس بن مالك قال: شهدنا بنتًا لرسول الله ﷺ ، قال: ورسولُ الله ﷺ جالس على القبر، قال: فرأيتُ عينيه تدمعان، قال: فقال: "هل منكم رجل لم
стр. 2208
يقارف الليلة؟ " فقال أبو طلحة: أنا، قال: "فانزل"، قال: فنزل في قبرها.
صحيح: رواه البخاري في الجنائز (١٢٨٥) عن عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر، حدثنا فُليح ابن سُليمان، عن هلال بن علي، عن أنس بن مالك فذكر الحديث.
وقوله: "لم يقارف" بالقاف والفاء، زاد ابن المبارك عن فليح: "أراه يعني الذنب" ذكره البخاري في باب: من يدخل قبر المرأة تعليقًا.
وقيل معناه: "لم يجامع تلك الليلة" رجحه الحافظ وغيره.
تنبيه: تحرف هلال بن علي في فتح الباري إلى "بلال بن علي".
• عن أنس قال: لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشَّاه، فقالت فاطمة: واكرب أباه، فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، فلما مات ﵇ قالت: يا أبتاه، أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلما دُفن قالت فاطمة: يا أنس! أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟ .
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٤٦٢) عن سليمان بن حرب، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس فذكره.
• عن أنس قال: لما قالت فاطمة ذلك، يعني لما وجد رسول الله ﷺ من كرب الموت ما وجد، قالت فاطمة: وا كرباه. قال رسول الله ﷺ : "يا بُنَيَّةُ! إنه قد حضر من أبيك ما ليس الله بتارك منه أحدا لموافاة يوم القيامة".
حسن: رواه أحمد (١٢٤٣٤) عن أبي النضر، حدثنا المبارك، عن ثابت البناني، عن أنس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل المبارك وهو ابن فضالة -بفتح الفاء- البصري، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا صرح؛ لأنه يدلس ويسوي، وقد صرَّح في الإسناد الثاني.
ثم إنه لم ينفرد به، بل تابعه عبد الله بن الزبير الباهلي أبو الزبير فقال: حدثنا ثابت عن أنس بن مالك، فذكر نحوه، وزاد فيه: "لا كَرْبَ على أبيك بعد اليوم". رواه ابن ماجه (١٦٢٩)، والترمذي في "الشمائل" (٣٨٠) كلاهما من هذا الوجه.
• عن أبي هريرة قال: لما توفي بن رسول الله ﷺ صاح أُسامة بن زيد فقال رسول الله ﷺ : "ليس هذا منّا، ليس لصارخ حظ، القلب يحزنُ، والعين تدمع، ولا نقول ما يُغضب الرّب".
حسن: رواه ابن حبان في صحيحه (٣١٦٠) عن عمران بن موسي بن مجاشع، قال: حدثنا هُدْبة بن خالد القيسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره.
стр. 2209
وأخرجه أيضا الحاكم (١/ ٣٨٢) من طريق حماد بن سلمة بإسناده.
وإسناده حسن لأجل محمد بن عمرو وهو: ابن علقمة بن وقاص الليثي مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، وهو من رجال الجماعة.
• عن جابر بن عَتيك أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت، فوجده قد غُلب عليه، فصاح به، فلم يُجبه، فاسترجع رسول الله ﷺ وقال: "غُلبنا عليك يا أبا الربيع" فصاح النسوةُ ويبكين، فجعل جابر يسكتهنَّ، فقال رسول الله ﷺ : "دعهن، فإذا وجب، فلا تَبْكِيَنَّ باكية" قالوا: يا رسول الله! وما الوجوب؟ قال: "إذا مات" فقالت ابنتُه: والله إن كنتُ لأرجو أن تكون شهيدًا، فإنك كنت قد قضيت جهازك، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله قد أوقع أجره على قدر نيِته. وما تعدون الشهادة؟ " قالوا: القتل في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : "الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغرق شهيد، وصاحب ذات الجنْب شهيد، والمبطون شهيد، والحَرِقُ شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمْعٍ شهيد".
حسن: رواه أبو داود (٣١١١)، والنسائي (١٨٤٦) كلاهما من طريق مالك (وهو في الموطأ - الجنائز- ٣٦) عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، عن عتيك بن الحارث، وهو جد عبد الله بن عبد الله بن جابر أبو أمه، أنه أخبره أن جابر بن عتيك أخبره فذكره.
ورواه أيضًا الإمام أحمد (٢٣٧٥٣) من طريق مالك إلا أنه اختصره.
وصحَّحه ابن حبان (٣١٨٩)، والحاكم (١/ ٣٥١ - ٣٥٢) وروياه من طريق مالك. قال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، رواته مدنيون قرشيون .... ".
قلت: إسناده حسن من أجل عتيك بن الحارث وهو ابن عتيك بن قيس بن هيشة المعاوي الأوسي الأنصاري من أهل المدينة، يروي عن جابر بن عتيك وجماعة من الصحابة، روى عنه عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عنك والناس كذا في ثقات ابن حبان (٥/ ٢٨٦) وهو وإن لم أقف على من وثَّقه ولكن كونه من رواة مالك في الموطأ اكتسب قوة، لأن مالكًا كان أدرى الناس بأهل المدينة.
وأما من اضطرب في رواية هذا الحديث فلا يضر من أقامه.
فقد رواه ابن ماجه (٢٨٠٣) من وجه آخر عن أبي العُميس، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، عن أبيه، عن جده، أنه مرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقال قائل من أهله إن كنا لنرجو أن تكون وفاته قتلَ شهادة في سبيل الله ... فأخطأ في الإسناد.
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (١٩/ ٢٠٦): "هكذا يقول أبو العُميس في إسناد هذا الحديث، والصواب ما قاله مالك فيه، ولم يُقِمْه أبو العميس".
стр. 2210
قولها: "قد قضيت جهازَك" أي قد أعددت ما تحتاج إليه في سفرك للغزو، أو رحيلك إلى الآخرة من عُدة أو عمل صالح.
• عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ مر بنساء عبد الأشهل، يبكين هَلْكاهن يوم أحد، فقال رسول الله ﷺ : "لكن حمزةَ لا بَواكي له" فجاء نساء الأنصار يبكين حمزة فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: "ويحهن ما انقلبن بعد؟ مروهن فلينقلبن، ولا يبكين على هالك بعد اليوم".
حسن: رواه ابن ماجه (١٥٩١) عن هارون بن سعيد المصري، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أنبأنا أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
وإسناده حسن من أجل أسامة بن زيد وهو الليثي، وهو مختلف فيه غير أنه حسن الحديث وهو من رجال مسلم، وأخرجه الحاكم (٣/ ١٩٤ - ١٩٥) وقال: "صحيح على شرط مسلم"، والحديث في مسند الإمام أحمد (٥٥٦٣) من رواية أسامة بن زيد به مثله.
ورواه أبو يعلى (٣٥٦٤) من وجهين: عن أسامة، عن نافع، عن ابن عمر، وعن أسامة، قال: وحدثني الزهري، عن أنس بن مالك فذكر الحديث. ومن الوجه الثاني رواه أيضًا الحاكم (١/ ٣٨١) وقال: "صحيح على شرط مسلم".
• عن ابن عباس قال: أخذ النبي ﷺ بنتًا له، تقضِي فاحتضنها، فوضعها بين ثدْييه فماتتْ وهي بين ثدْييه، فصاحت أم أيمن فقيل: أتبكي عند رسول الله؟ قالت: ألستُ أَراك تبكي يا رسول الله؟ قال: "لست أبكي، إنما هي رحمة، إن المؤمن بكل خير على كل حال، إن نفسه تخرج من بين جنبيه، وهو يحمد الله ".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٤٧٥) عن أبي أحمد، حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده صحيح، وعطاء بن السائب ثقة، وثَقه الأثمة إلا أنه اختلط في آخر عمره، لكن روي سفيان عنه قبل الاختلاط.
وقد رواه النسائي (١٨٤٣) من طريق أبي الأحوص، والإمام أحمد (٢٤١٢) من طريق أبي إسحاق، والبزار "كشف الأستار" (٨٠٨) من طريق جرير بن عبد الحميد- هؤلاء الثلاثة عن عطاء بن السائب به مثله.
وهذه المتابعات تُقوي رواية سفيان، عن عطاء بن السائب، وتؤكد بأنه لم يختلط في هذا الحديث.
وذكره الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٨) وعزاه إلى البزار وقال: "وفيه عطاء بن السائب مختلط".
стр. 2211
قلت: وهو ليس على شرطه لرواية النسائي له.
١١ - باب حزن النبي ﷺ على موت ابنه إبراهيم
• عن أنس بن مالك قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيفٍ القين- وكان ظِئْرًا لإبراهيم ﵇ فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبَّله وشمَّه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلتْ عينا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: "يا ابن عوف! إنها رحمة" ثم أتبعها بأخرى فقال ﷺ : "إن العينَ تدمع، والقلبَ يحزنُ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقِك يا إبراهيم لمحزونون".
وفي رواية: قال أنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ : "ولد لي الليلة غُلام فسميتُه باسم أبي -إبراهيم" ثم رفعه إلى أم سيفٍ، امرأة قين، يقال له أبو سيف، فانطلق يأتيه وأتبعتُه، فانتهينا إلى أبي سيف، وهو ينفخُ بكيره، قد امتلأ البيت دُخانًا، فأسْرعتُ المشي بين يدي رسول الله ﷺ فقلت: يا أبا سيف أمسك جاء رسول الله ﷺ ، فأمسك، فدعا النبي ﷺ بالصبي، فضمَّه إليه وقال ما شاء الله أن يقول. فقال أنس: لقد رأيته وهو يكيد بنفسه بين يدي رسول الله ﷺ فدمعتْ عينا رسول الله ﷺ فقال: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربُّنا، والله! يا إبراهيم إنا بك لمحزونون".
وفي رواية: فلما توفي إبراهيم قال رسول الله ﷺ : "إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له لظِئْرين تُكَمِّلان رضاعه في الجنة".
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٠٣) عن الحسن بن عبد العزيز، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا قريش - وهو ابن حيَّان، عن ثابت، عن أنس فذكره.
الرواية الثانية رواها مسلم في الفضائل (٢٣١٥) من وجه آخر عن ثابت به.
والرواية الثالثة عند مسلم أيضًا.
وقوله: "ظِئْرا" بكسر المعجمة وسكون التحتانية المهموزة بعدها راء -أي مرضعًا وأطلق عليه ذلك لأنه كان زوج المرضعة.
• عن أسماء بنت يزيد قالت: لما توفي ابن رسول الله ﷺ إبراهيم بكي رسول الله ﷺ ، فقال له المُعزِّي -إما أبو بكر، وإما عمر- أنت أحق من عظَّم الله حقَّه، قال رسول الله ﷺ : "تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يُسخط الربَّ، لولا أنه
стр. 2212
وعد صادق وموعود جامع، وأن الآخر تابع للأول، لوجدنا عليك يا إبراهيم أفضلَ مما وجدنا، وإنا بك لمحزونون".
حسن: رواه ابن ماجه (١٥٨٩) حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا يحيى بن سُلَيم، عن ابن خُثَيْم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد فذكرته. ورواه ابن سعد في "الطبقات" (١/ ١٤٣) من وجه آخر عن ابن خثيم به نحوه.
وإسناده حسن من أجل الكلام في شهر بن حوشب غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف. وقد حسّنه أيضا البوصيري.
• عن محمود بن لبيد قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم، فخرج رسول الله ﷺ حين سمع ذلك، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد أيها الناس! إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياة أحدٍ، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى المساجد"؛ ودمعت عيناه، فقالوا: يا رسول الله! تبكي وأنت رسول الله! قال: "إنما أنا بشر تدمع العين ويخشع القلب ولا نقول ما يسخط الرب، والله! يا إبراهيم إنا بك لمحزونون". ومات وهو ابن ثمانية عشر شهرًا. وقال: "إن له مرضعا في الجنة".
حسن: رواه ابن سعد في "الطبقات الكبري" (١/ ١٤٢) عن الفضل بن دكين، أخبرنا عبد الرحمن ابن الغسيل، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن الغسيل، وهو عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة الأنصاري المعروف بابن الغسيل حسن الحديث. ومحمود بن لبيد من صغار الصحابة.
وأما ما رُوي عن جابر بن عبد الله قال: أخذ النبي ﷺ بيد عبد الرحمن بن عوف، فانطلق به إلى ابنه إبراهيم فوجده يجود بنفسه، فأخذه النبي ﷺ فوضعه في حجره فبكى، فقال له عبد الرحمن: أتبكي؟ أو لم تكن نهيتَ عن البكاء؟ قال: "لا، ولكن نهيتُ عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة، خمش وجوه وشق جيوب، ورنه شيطان" فهو ضعيف.
رواه الترمذي (١٠٠٥) عن علي بن خشرم، أخبرنا عيسي بن يونس، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن جابر فذكره، ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣/ ٣٩٣) من طريق ابن أبي ليلى أطول من هذا.
قال الترمذي: حسن، وفي نسخة: حسن صحيح.
والصواب: أنه ضعيف لأن فيه ابن أبي ليلى واسمه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، جمهور أهل العلم على تضعيفه. قال النووي في "الخلاصة" (٣٧٧٦) بعد أن نقل تحسين الترمذي: "هو من رواية محمد بن أبي ليلى، وهو ضعيف، فلعله اعتضد، والصوت الثاني هو رنَّة الشيطان،
стр. 2213
والمراد به الغناء والمزامير، وقال: وكذا جاء مبينًا في رواية البيهقي" انتهي.
قلت: هو ما رواه البيهقي (٤/ ٦٩) من وجه آخر عن ابن أبي ليلى بإسناده وفيه: "إني لم أنْهَ عن البكاء، إنما نهيتُ عن النوح صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نغمة لهوٍ ولعبٍ ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجوه، وشق جيوب ورنة، وهذا هو رحمة، ومن لا يرحم لا يُرحم، يا إبراهيم لولا أنه أمر حق، ووعد صدق، وإن آخرنا سيلحق بأولنا، لحزنا عليك حزنًا هو أشد من هذا، وإنا بك لمحزونون، تبكي العين، ويحزن القلب، ولا تقول ما يُسخط الرب".
ورواه البزار "كشف الأستار" (٨٠٥) من طريق النضر بن إسماعيل، ثنا ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن عوف فذكر نحوه.
قال البزار: لا نعلمه عن عبد الرحمن إلا بهذا الإسناد، وروى عنه بعضه بإسناد آخر.
قال الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" (١/ ٢٢٥) بعد أن ذكر الأسانيد الأخرى: "وابن أبي ليلى سيء الحفظ، والاضطراب فيه منه".
وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٧): "رواه أبو يعلى والبزار، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وفيه كلام".
"فائدة في وقت وفاة إبراهيم".
جزم الوافدي بأنه مات يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر. وقال ابن حزم: مات قبل النبي ﷺ بثلاثة أشهر.
وكان عمره بين ستة عشر شهرًا وبين ثمانية عشر شهرًا.
١٢ - باب ما جاء في صنع الطعام لأهل الميّت
• عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر قال النبي ﷺ : "اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلُهم، أو أمر يشغلُهم".
حسن: رواه أبو داود (٣١٣٢)، والترمذي (٩٩٨)، وابن ماجه (١٦١٠) كلهم من طريق سفيان ابن عيينة، حدثني جعفر بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر فذكره، واللفظ لابن ماجه ولفظهما نحوه.
قال الترمذي: "حسن صحيح، وجعفر بن خالد هو ابن سارة، وهو ثقة، روى عنه ابن جُريج".
ورواه الإمام أحمد (١٧٥١) وصحَّحه الحاكم (١/ ٣٧٢) كلاهما من طريق ابن عيينة به.
قلت: والد جعفر هو خالد بن سارَّة المخزومي المكي حسَّن حديثه الترمذي وصحَّحه، وصحَّحه الحاكم، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال فيه الحافظ: "صدوق" وأما ابنه جعفر فهو ثقة كما قال الترمذي.
стр. 2214
وأما ما رُوي عن أسماء بنت عُميس قالت: لما أُصيب جعفر رجع رسول الله ﷺ إلى أهله فقال: "إن آل جعفر قد شُغِلوا بشأن ميتهم، فاصنعوا لهم طعامًا" ففيه مجاهيل. رواه ابن ماجه (١٦١١) عن يحيى بن خلف أبو سلمة قال: حدثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن ام عيسي الجزَّار، قالت: حدثتني أم عون ابنة محمد بن جعفر، عن جدتها أسماء بنت عميس فذكرته.
ورواه أيضًا الإمام أحمد (٢٧٠٨٦) من طريق محمد بن إسحاق بإسناده. وفي الإسناد أم عيسي لم تُسم، وكذلك أم عون وكلاهما مجهولتان.
قال الحافظ: "أم عيسى الخزاعية لا تعرف حالها" وقال: "أم عون ابنة محمد بن جعفر بن أبي طالب ويقال لها: أم جعفر "مقبولة" أي عند المتابعة، ولم تتابع فهي "لينة الحديث".
وبهما ضعَّفه أيضًا البوصيري في زوائد ابن ماجه.
وأورده الهيثمي في "المجمع" (٦/ ١٦١) وقال: "رواه أحمد وفيه امرأتان لم أجد من وثَّقهما، ولا جرَّحهما، وبقية رجاله ثقات" وهو ليس على شرطه.
١٣ - باب ما جاء في طبخ التلبينة لأهل الميت
• عن عائشة أنها كانت إذا مات الميت من أهلها، فاجتمع لذلك النساء، ثم تفرقن إلا أهلها وخاصتها -أمرتْ ببرمةٍ من تلبينةٍ فطُبخت، ثم صُنع ثَريد، فصُبَّت التلبينةُ عليها، ثم قالت: كلن منها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "التلبينة مُجِمَّة لفُؤاد المريض، تُذهب بعضَ الحزن".
متفق عليه: رواه البخاري في الأطعمة (٥٤١٧)، ومسلم في السلام (٢٢١٦) كلاهما من حديث الليث بن سعد، عن عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة فذكرته.
والتلبينة: هي حساء دقيق أو نُخالة، قالوا: وربما جعل فيها عسل، قال الهروي وغيره: سميت تلبينة تشبيهًا باللبن لبياضها ورقّتها.
ومُجِمَّة: بضم الميم وكسر الجيم - أي تريح الفؤاد، وتزيل عنه الهم، وتنشطه.
١٤ - باب في كراهية ضيافة الواردين للعزاء
• عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كُنَّا نرى الاجتماع إلى أهل الميت، وصَنيعةَ الطعام من النِياحة.
صحيح: رواه ابن ماجه (١٦١٢) من طريقين:
الأولى: عن محمد بن يحيى، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا هُشيم، عن إسماعيل
стр. 2215
ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله فذكر الحديث.
والثانية: عن شجاع بن مخلد أبي الفضل، قال: حدثنا هُشيم بإسناده.
وهذا إسناده صحيح. قال البوصيري في "الزوائد": "رجال الطريق الأول على شرط البخاري، والثاني على شرط مسلم"، وصحَّحه النووي في "المجموع" (٥/ ٣٢٠).
ورواه أحمد (٦٩٠٥) عن نصر بن باب، عن إسماعيل بإسناده وفيه: "وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة" ونصر بن باب من رجال "التعجيل"، وأهل العلم مُطبقون على تضعيفه، ولكنه قد توبع كما رأيت عند ابن ماجه.
وقوله: "كنا نعد الاجتماع" قال السندي: "هذا بمنزلة رواية إجماع الصحابة، أو تقرير النبي ﷺ وعلى الثاني فحكمه الرفع، وعلى التقديرين فهو حجة، ثم قال: وبالجملة فهذا عكس الوارد، إذ الوارد أنه يصنع الناسُ الطعامَ لأهل الميت، فاجتماع الناس في بيتهم حتى يتكلفوا لأجلهم الطعام قلب لذلك، وقد ذكر كثير من الفقهاء أن الضيافة لأجل الموت قلب للمعقول. لأن الضيافة حقها أن تكون للسرور لا للحزن" انتهى.
стр. 2216
جموع أبواب غسل الميت وتكفينه
١ - باب ما جاء تسجية الميت
• عن عائشة أن النبي ﷺ حين توفي سُجِّي ببُرْدٍ حِبَرَةٍ.
متفق عليه: رواه البخاري في اللباس (٥٨١٤)، ومسلم في الجنائز (٩٤٢) كلاهما عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أن عائشة أخبرتْه فذكرته. ولفظهما سواء.
وقوله: "سُجِّي" معناه غُطِّي جميع بدنه. وحِبَرة ضرب من برود اليمن.
٢ - باب في تقبيل الميت
• عن عائشة قالت: أقبل أبو بكر على فرسه من مسكنه بالسُّنْح حتى نزل، فدخل المسجد فلم يكلِّم الناس، حتى دخل على عائشة، فتيمم النبيَّ ﷺ وهو مُسَجَّى ببُرْد حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكَبَّ عليه فقبَّله، ثم بكى فقال: بأبي أنت يا نبي الله، لا يَجْمَعُ اللهُ عَليكَ مَوْتَتَين، أما الموتة التي كُتِبَتْ عليك فقد مُتَّها.
قال أبو سلمة: فأخبرني ابن عباس ﵄: أن أبا بكر ﵁ خرج وعمر ﵁ يكَلِّمُ الناس، فقال: اجْلِسْ، فأبى، فقال: اجلس، فأبى، فتشهَّد أبو بكر، فمال إليه الناس وتركوا عمر، فقال: أما بعد: فمن كان منكم يعبدُ محمدًا ﷺ فإن محمدًا ﷺ قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموتُ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ إلى قوله: ﴿الشَّاكِرِينَ﴾. [آل عمران: ١٤٤]. والله! لكأنَّ الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزلها حتى تلاها أبو بكر، فتلقَّاها منه الناس، فما يَسمع بشر إلا يتلوها.
وفي رواية قالت: ثم جاء أبو بكر، فرفعت الحجاب، فنظر إليه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات رسول الله ﷺ ثم أتاه من قِبَلِ رأسه فَحَدَرَ فاه، وقبَّل جبهتَه، ثم قال: وا نبياه، ثم رفع رأسه، ثم حَدَرَ فاه، وقبَّل جبهتَه، ثم قال: وا صفياه، ثم رفع رأسه، وحَدَرَ فاه، وقبَّل، وقال: وا خليلاه، مات رسول الله
стр. 2217
- ﷺ ... " فذكرت الحديث بطوله وسيأتي موضعه.
صحيح: رواه البخاري في الجنائز (١٢٤١، ١٢٤٢) عن بشر بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرني معمر ويونس، عن الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة أن عائشة قالت فذكرته.
ورواه أيضًا البخاري في المغازي (٤٤٥٥) من وجه آخر عن عائشة وابن عباس، أن أبا بكر قبَّل النبي ﷺ ، مختصرًا، فجعل الحديث من مسند عائشة وابن عباس جميعًا.
والرواية الثانية رواها الإمام أحمد (٢٥٨٤١) عن بهز، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرني أبو عمران الجوني، عن يزيد بن بابنوس قال: ذهبتُ أنا وصاحب لي إلى عائشة فاستأذنا عليها، فألقت لنا وسادةً، وجذبتْ إليها الحجاب، فذكرت الحديث في سياق طويل وسيأتي في موضعه.
وإسناده حسن لأجل يزيد بن بابنوس فقد قال فيه الدارقطني: لا بأس به، وقال ابن عدي: أحاديثه مشاهير، وذكره ابن حبان في الثقات، ومثله بحسن حديثه، ولم يثبت ما نُقل عن أبي حاتم، أنه قال فيه: "مجهول".
وقول أبي بكر: "لا يجمع الله عليك مَوْتتين، أما الموتة التي كتبتْ عليك فقد مُتَّها" لعله قصد بذلك الرد على من ظن أنه ﷺ لم يمت، وإنما استتر عن أعين الناس، فأكَّدهم أنه مات الموتة الحقيقية كما يموت. أي إنسان لقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وقد ذكر الحافظ ابن حجر أوجها أخرى غير هذا.
وأما ما روي عن عائشة قالت: قبَّل النبي ﷺ عثمان بن مَظْعُون وهو ميت، فكأني أنظر إلى دموعه على خديه، فهو ضعيف.
رواه أبو داود (٣١٦٣)، والترمذي (٩٨٩)، وابن ماجه (١٤٥٦) كلهم من طريق سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن القاسم بن محمد، عن عائشة فذكرته. والحديث في مسند الإمام أحمد (٢٤١٦٥) من هذا الوجه.
قال الترمذي: حسن صحيح. وأخرجه الحاكم (١/ ٣٦١) من هذا الوجه إلا أنه لم يحكم عليه وإنما قال: هذا حديث متداول بين الأئمة إلا أن الشيخين لم يحتجا بعاصم بن عبيدالله، وشاهده الصحيح المعروف حديث عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وعائشة أن أبا بكر الصديق قَبَّل النبي ﷺ وهو ميت" انتهى.
قلت: وهو كما قال، فإن عاصم بن عبيدالله بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني أجمعوا على تضعيفه فقال ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم والبخاري: "منكر الحديث".
وأظن أن هذا الحديث من مناكيره، فإن الصحيح الثابت هو أن أبا بكر الصديق قبل النبي ﷺ وهو ميت.
ومن مناكيره وأخطائه أيضًا ما رواه العُمري عن عاصم بن عبيدالله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة،
стр. 2218
عن أبيه قال: رأيتُ النبي ﷺ قبَّل عثمان بن مظعون. رواه البزار "كشف الأستار" (٨٠٩)، وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢٠): "إسناد حسن". قلت: بل ضعيف لأجل عاصم بن عبيدالله هذا.
٣ - باب النهي عن المبالغة في التزكية للميت
• عن خَارِجَة بْن زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ أَنَّ أُمَّ الْعَلاءِ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهمْ قَدْ بَايَعَت النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ طَارَ لَهُ سَهْمُهُ فِي السُّكْنَى حِينَ أَقْرَعَت الْأَنْصَارُ سُكْنَى الْمُهَاجِرِينَ، قَالَتْ أُمُّ الْعَلاءِ: فَسَكَنَ عِنْدَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَاشْتَكَى، فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى إِذَا تُوُفِّيَ وَجَعَلْنَاهُ فِي ثِيَابِهِ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكَ أبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللهُ. فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللهَ أَكْرَمَهُ؟ " فَقُلْتُ: لا أَدْرِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّيِ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَّا عُثْمَانُ فَقَدْ جَاءهُ وَاللهِ! الْيَقِينُ وَإِنِّي لأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَاللهِ! مَا أدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللهِ مَا يُفْعَلُ بِهِ" قَالَتْ: فَوَاللهِ! لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا، وَأَحْزَنَنِي ذَلِكَ. قَالَتْ: فَنِمْتُ فَأُرِيتُ لِعُثْمَانَ عَيْنًا تَجْرِي، فَجِئْتُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "ذَاك عَمَلُهُ".
وفي رواية: "أما هو فقد جاءه اليقين، والله! إني لأرجو له الخير، والله! ما أدري، وأنا رسول الله، ما يُفعل بي"، قالت: فوالله! لا أزكِّي أحدًا بعده أبدًا".
صحيح: رواه البخاري في الشهادات (٢٦٨٧) حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: حدثني خارجة بن زيد الأنصاري، فذكره.
رواه البخاري أيضا في الجنائز (١٢٤٣) من حديث عقيل، عن ابن شهاب به وفيه: "والله ما أدري، وأنا رسول الله، ما يُفعل بي".
وإنما قال رسول الله ﷺ ذلك موافقة لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] وكان ذلك قبل نزول وله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]؛ لأن الأحقاف مكية وسورة الفتح مدنية بلا خلاف فيها. وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: "أنا أول من يدخل الجنة"، وغير ذلك من الأحاديث الصريحة في معناه. الفتح (٣/ ١١٥ - ١١٦).
٤ - باب ما جاء من الفضيلة في تغسيل الميت وتكفينه وحفر قبره
• عن أبي رافع قال: قال رسول الله ﷺ : "من غَسَّل ميتًا فكتم عليه غفر له أربعين مرة، ومن كفَّن ميتًا كساه الله من السندس، وإستبرق الجنة، ومن حفر لميت
стр. 2219
قبرًا فأجنَّه فيه أُجري له من الأجر كأجر مسكن أسكنه إلى يوم القيامة".
حسن: رواه الحاكم (١/ ٣٥٤) عن بكر بن محمد الصيرفي، ثنا عبد الصمد بن الفضل، ثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، ثنا سعيد بن أبي أيوب، عن شرحبيل بن شريك المعافري، عن علي بن رباح اللخمي، عن أبي رافع فذكره.
قال الزيلعيّ في "نصب الراية" (٢/ ٢٥٦): "ورواه الطبراني في "معجمه" عن هارون بن مكحول المصري، ثنا عبد الله بن يزيد المقرئ به سندًا ومتنًا".
ولعل الحديث في الجزء المفقود، فإني لم أجده في المطبوع.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
وقال الذهبي في المهذب في اختصار "السنن الكبرى" (٣/ ١٣٢٧): "إسناده جيد". وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢١): "رواه الطبراني في "الكبير" ورجاله رجال الصحيح".
قلت: وهو كما قالا: إلا أن شرحبيل بن شريك المعافري صدوق، وهو من رجال مسلم.
وقال الحافظ في "الدراية": "إسناده قوي".
• عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "من غَسَّل ميتًا فستره، ستره الله من الذنوب، ومن كفَّنه كساه الله من السندس".
حسن: رواه الطبراني في "الكبير" (٨/ ٣٣٧) عن أحمد بن سهل بن أيوب الأهوازي، ثنا عبد الملك ابن مروان الحذَّاء، ثنا سُليم بن أخضر، ثنا سعير بن الخِمس، عن أبي غالب، عن أبي أمامة فذكره.
وإسناده حسن من أجل سعير بن الخِمس وشيخه أبي غالب فهما صدوقان.
وأما شيخ الطبراني أحمد بن سهل بن أيوب فترجمه الحافظ في "اللسان" (١/ ١٨٤) وذكر له حديثا غير هذا وقال: هذا خبر منكر، وإسناد مركب وفيه كلام آخر راجعه، ولم يذكره الهيثمي في "المجمع" مع أنه على شرطه، ولكنه ذكر الذي بعده وهو عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبو الربيع الزهراني، ثنا معتمر بن سلمان، عن أبي عبد الله الشامي، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ قال: "من غسَّل ميتًا فكتم عليه طهره الله من ذنوبه، فإن كفَّنه كساه الله من السندس" وقال: فيه أبو عبد الله الشامي، روي عن أبي خالد، ولم أجد من ترجمه". "المجمع" (٣/ ٢١) كذا قال: أبو خالد - والصواب أبو غالب.
وأما أبو عبد الله الشامي فلعله هو ما ذكره البخاري في "الكني" في تاريخه (٩/ ٤٩ رقم ٤٢٧) فقال: أبو عبد الله الشّامي روى عنه جعفر بن سليمان، ولم يقل فيه شيئًا، فهو "مقبول" لأنه توبع في الإسناد الأول.
وأمّا ما رُوي عن ابن عمر مرفوعًا: "ليُغسل موتاكم المأمونون" فهو موضوع. رواه ابن ماجه (١٤٦١) عن محمد بن المصفَّى الحمصي، قال: حدثنا بقية بن الوليد، عن مبشر بن عبيد، عن زيد
стр. 2220
ابن أسلم، عن عبد الله بن عمر فذكره.
وفيه بقية بن الوليد مدلس تدليس التسوية، وشيخه مبشر بن عبيد يكذب.
قال الإمام أحمد: روى عنه بقية وأبو المغيرة أحاديث موضوعة كذب، وقال الدارقطني: يكذب.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن علي بن أبي طالب مرفوعًا: "من غسَّل ميتًا، وكفَّنه، وحنَّطه، وحمله، وصلى عليه، ولا يفش عليه ما رأي، خرج من خطيئته مثل يوم ولدتْه أمه" رواه ابن ماجه (١٤٦٢) عن علي بن محمد، قال: حدثنا عبد الرحمن المحاربي، قال: حدثنا عبَّاد بن كثير، عن عمرو بن خالد، عن حيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي فذكره.
وفيه عمرو بن خالد أبو خالد القرشي كذَّبه أحمد ويحيى بن معين وأبو داود وغيرهم، وقال أبو زرعة: "كان يضع الحديث". وكذلك لا يصح ما رُوي: "للمسلم على المسلم ثمانية حقوق، وذكر منها غسل الميت".
ذكره الشيخ جلال الدين الخبازي في حواشيه. قال الزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ٢٥٧): "هذا حديث ما عرفته، ولا وجدته".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: "من حفر قبرًا بنى الله له بيتًا في الجنة، ومن غسَّل ميتًا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ومن كفَّن ميتًا كساه الله من حلل الجنة، ومن عزي حزينًا ألبسه الله التقوى، وصلى على روحه في الأرواح، ومن عزي مصابًا كساه الله حلتين من حلل الجنة، لا تقوم لهما الدنيا، ومن اتبع جنازة حتى يقضي دفنها كتب له ثلاثة قراريط، القيراط منها أعظم من جبل أحد، ومن كفَّل يتيمًا، أو أرملة، أظله الله في ظله، وأدخله الجنة".
رواه الطبراني في "الأوسط" (٩٢٩٢) عن هاشم بن مرثد، ثنا المعافي بن سليمان، ثنا موسي ابن أعين، عن الخليل بن مرة، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن جابر بن عبد الله فذكره، قال الطبراني: "لا يُروي عن جابر إلا بهذا الإسناد". وفيه الخليل بن مرة الضُّبعي قال فيه البخاري: "منكر الحديث"، وقال النسائي: "ضعيف"، وقال يحيى بن معين: "ضعيف"، وقال ابن حبان: "منكر الحديث عن المشاهير، كثير الرواية عن المجاهيل".
قلت: وشيخه إسماعيل بن إبراهيم من المجاهيل إن كان هو ابن شماس الأنصاري.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن عائشة مرفوعًا: "من غَسَّل ميتًا، فأدى فيه الأمانة، ولم يُفش ما يكون منه عند ذلك، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" قالت: وقال رسول الله ﷺ : "لِيَلهِ أقربُكم منه إن كان يعلم، فإن لا يعلم فمن ترون أن عنده حظًا من ورع وأمانة".
رواه الإمام أحمد (٢٤٨٨١)، والطبراني في "الأوسط" (٣٥٩٩) كلاهما من طريق سَلَّام بن أبي مُطيع، عن جابر بن يزيد الجُعفي، عن عامر، عن يحيى بن الجزَّار، عن عائشة فذكرته.
قال الطبراني: "لا يروى هذا الحديث عن عائشة إلا بهذا الإسناد، تفرد به سلَّام بن أبي مطيع".
стр. 2221
قلت: وجابر بن يزيد الجعفي رافضي ضعيف، وبه علَّله الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢١) وقال: "فيه كلام كثير".
ويحيى بن الجزار الكوفي يغلو في التشيع غير أنه ثقة
٥ - باب ما جاء في صفة غسل النبي ﷺ -
• عن عائشة تقول: لما أرادوا غسل النبي ﷺ قالوا: والله! ما ندري أنُجرد رسولَ الله ﷺ من ثيابه كما نُجرد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقي الله عليهم النومَ حتى ما منا رجل إلا وذقنُه في صدره، ثم كلَّمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو؟ أن اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابُه، فقاموا إلى رسول الله ﷺ فغسلوه، وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم، وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسَله إلا نساءُه.
حسن: رواه أبو داود (٣١٤١)، وابن ماجه (١٤٦٤) كلاهما من حديث محمد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عبَّاد، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير، قال: سمعت عائشة فذكرته. واللفظ لأبي داود. وأما ابن ماجه فاقتصر على قول عائشة: "لو استقبلت من أمري ... ".
وإسناده حسن لأجل محمد بن إسحاق فإنه مدلس إلا أنه صرَّح بالتحديث.
والحديث رواه الإمام أحمد (٢٦٣٠٦) وصحَّحه ابن حبان (٦٦٢٧)، والحاكم (٣/ ٥٩ - ٦٠) كلهم رووه من هذا الوجه، قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
وأما ما رُوي عن بريدة قال: لما أخذوا في غُسْل النبي ﷺ ناداهم منادٍ من الداخل: لا تنزعوا عن رسول الله ﷺ قميصَه. فهو ضعيف، رواه ابن ماجه (١٤٦١) من طريق أبي معاوية قال: حدثنا أبو بردة، عن علقمة بن مرثَد، عن ابن بريدة، عن أبيه فذكره.
وأخرجه الحاكم (١/ ٣٦٢) من هذا الوجه وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وقال الحاكم بعده: "وأبو بردة هذا: بريد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري محتج به في الصحيحين".
قلت: وهذا وهم منه، فإن أبا بردة هذا هو: عمرو بن يزيد التميمي الكوفي ضعيف، ضعّفه جمهور أهل العلم.
وفي الباب أيضًا عن ابن عباس رواه الإمام أحمد (٢٣٥٧) في حديث طويل، وفي إسناده حسين بن عبد الله -وهو ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي المدني ضعيف.
٦ - باب غسل أحد الزوجين للآخر
• عن عائشة قالت: رجع رسولُ الله ﷺ من البقيع، فوجدني، وأنا أجد صُداعًا
стр. 2222
في رأسي، وأنا أقول: وا رأساه، فقال: "بل أنا يا عائشة! وا رأساه" ثم قال: "ما ضَرَّكِ لو مِتِّ قبلي فقُمتُ عليكِ، فغسَلتكِ، وكفَّنْتُكِ، وصَليتُ عليك، ودفنتكِ".
حسن: رواه ابن ماجه (١٤٦٥)، والنسائي في "الكبري" (٧٠٧٤)، وأحمد (٢٥٩٠٨)، وابن حبان (٦٥٨٥)، والبيهقي (٣/ ٣٩٦) كلّهم من حديث محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عُتْبة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة فذكرته.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق وهو مدلس، إلا أنه صرَّح بالتحديث فيما رواه البيهقي في "الدلائل" (٧/ ١٦٨) فقال فيه: حدثنا يعقوب بن عُتبة، فانتفت عنه تهمة التدليس.
وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة": "إسناد رجاله ثقات، ورواه البخاري من وجه آخر مختصرًا".
وهو يعني به ما أخرجه البخاري في المرضى (٥٦٦٦) عن يحيى بن يحيى أبي زكريا، أخبرنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعتُ القاسم بن محمد قال: قالت عائشة: وا رأساه، فقال رسول الله ﷺ : "ذاكِ لو كان وأنا حيٌ فأستغفر لكِ وأدعو لكِ" فقالت عائشة: وا ثكلياه، والله إني لأظنك تحب موتي، ولو كان ذاك لظَلِلْتَ آخرَ يومك مُعَرِّسًا ببعض أزواجك، فقال النبي ﷺ : "بل أنا وا رأساه لقد هممتُ أو أردت أن أُرسل إلى أبي بكر وابنه، وأعهدَ أن يقول القائلون، أو يتمنَّى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون أو يدفعُ الله ويأبى المؤمنون".
• عن عائشة، قالت: دخل علي رسولُ الله ﷺ في اليوم الذي بُدئ فيه. فقلت: وا رأساه! فقال: "وددتُ أن ذلك كان وأنا حي، فهيئتك ودفنتك". قالت: فقلت غيري: كأني بك في ذلك اليوم عروسًا ببعض نسائك. قال: "وأنا وا رأساه! ادعوا لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابًا، فإني أخاف أن يقول قائل، ويتمنى متمنٍ: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٥١١٣)، والبيهقي (٨/ ١٥٣) كلاهما من حديث يزيد بن هارون، أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، فذكرته.
وإسناده صحيح. وهو في مسلم (٢٣٨٧) بهذا الإسناد مختصرًا في ذكر استخلاف أبي بكر.
وفي سنن البيهقي (٣/ ٣٦٦) قالت فاطمة بنت رسول الله ﷺ : "يا أسماء! إذا أنا مت فاغسليني أنت وعلي بن أبي طالب، فغسلها علي وأسماء".
ورواه هبة الله الطبري عن أسماء: أن عليا غسَّل فاطمة، قالت أسماء: وأعنته عليها. قال ابن الجوزي في "التحقيق" (٢/ ٦٢٤): "ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فصار كالإجماع".
قال ابن التركماني في "الجوهر النقي" معلقًا على حديث البيهقي: "في سنده من يحتاج إلى
стр. 2223
كشف حاله، ثم الحديث مشكل، ففي الصحيح أن عليا دفنها ليلًا ولم يعلم أبا بكر، فكيف يمكن أن تغسلها زوجه أسماء وهو لا يعلم ... ".
وقال: "وعلى تقدير ثبوت هذا الحديث فهي كانت زوجته في الدنيا والآخرة، لقوله ﷺ : "كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي" فالسبب الذي كان بينهما لم يقطعه الموت.
وقال: ومذهب أبي حنيفة والثوريّ والشّعبيّ أنّ الرجل لا يغسل امرأته" انتهي.
وقد سبق أن رد ابن الجوزي على هذا فقال: "قال بعض المتفقه: لو صح هذا الحديث، قلنا: إنما غسَّلها لأنها زوجته في الآخرة، فما انقطعت الزوجية. قال: قلنا: لو بقيت الزوجية لما تزوج بنت أختها أمامة بنت زينب بعد موتها، وقد مات عن أربع حرائر" انتهى.
وابن مسعود غسّل امرأته حين ماتت، إلا أن إسناده ضعيف.
وروي بإسناد ضعيف عن ابن عباس، قال: "الرجل أحقّ بغسل امرأته". رواه البيهقي، وفيه الحجاج ابن أرطاة ضعيف.
وفي أحاديث الباب دليل للجمهور بأن المرأة يغسلها زوجها إذا ماتت، منهم: الشافعي والأوزاعي وإسحاق وأهل الحديث.
قال أبو حنيفة وأصحابه والشعبي والثوري ورواية عن أحمد: لا يجوز أن يغسلها زوجها لبطلان نكاحها.
وأما أن تغسل الزوجة زوجها فهذا لا خلاف فيه؛ لأن نكاح المرأة لا يبطل بموت زوجها لأنّ عليها عدّة.
٧ - باب غسل الميت وترًا
• عن أم عطية الأنصارية قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنتُه، فقال: "اغسِلْنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك. إن رأيتُن ذلك بماء وسِدْر، واجعلنَ في الآخرة كافورًا، أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتُنَّ فآذِنَّني" قالت: فلما فرغنا آذنَّاه، فأعطانا حِقْوه، فقال: "أشعِرنَها إيَّاه" تعني بحِقْوه: إزارَه.
متفق عليه: رواه مالك في الجنائز (٢) عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية الأنصارية فذكرت الحديث.
ورواه البخاري في الجنائز (١٢٥٣) عن إسماعيل بن عبد الله، ومسلم في الجنائز (٩٣٩/ ٣٨) عن قتيبة بن سعيد، كلاهما عن مالك بن أنس.
وأما ما رُوي عن ابن سيرين قال: قال رسول الله ﷺ : "من غسَّل ميتًا فليبدأ بعصره" فهو ضعيف.
стр. 2224
رواه البيهقي (٣/ ٣٨٨) وقال: "هذا مرسل، وراويه ضعيف". ووافقه النووي في "الخلاصة" (٣٣٢٤).
٨ - باب يُبدأ بميامن الميت
• عن أم عطية قالت: قال رسول الله ﷺ في غسل ابنته: "ابدأْنَ بميامنِها، ومواضع الوضوء منها".
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٥٥)، ومسلم في الجنائز (٩٣٩/ ٤٣) كلاهما من حديث إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا خالد الحذاء، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية فذكرته.
٩ - باب جعل شعر المرأة ثلاثةَ قرون
• عن أم عطية قالت: ضفرنا شعر بنت النبي ﷺ ، تعني ثلاثة قرون- وقال وكيع: قال سفيان: نَاصِيتَها وقرنَيْها.
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٦٢) عن قبيصة، حدثنا سفيان، عن هشام، عن أم الهُذيل (حفصة بنت سيرين) عن أم عطية فذكرته. هشام هو: ابن حسان.
ورواه مسلم (٩٣٩/ ٤١) من وجه آخر عن هشام بن حسان به وفيه: قالت: فضفرنا شعرها ثلاثة أثلاثٍ، قَرنَيْها وناصِيتَيْها.
ورُوي عن حماد بن سلمة، عن أيوب وهشام وحبيب، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية وفيه الأمر "واجعلْنَ لها ثلاثة قرون" رواه ابن حبان في صحيحه (٣٠٣٣) والطبراني في "الكبير" (٢٥/ ٤٩ - ٥٠).
ولعل عمل أم عطية كان بأمر النبي ﷺ إلا أن الرواة اختصروا في البيان.
١٠ - باب ما جاء في مشط شعر المرأة
• عن أم عطية قالت: قال النبي ﷺ : "اغسلنها وترًا ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا" وقالت: مشطناها ثلاثة قرون.
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٥٤)، ومسلم في الجنائز (٩٣٩) كلاهما من حديث أيوب، عن حفصة، عن أم عطية فذكرته.
١١ - باب إلقاء شَعر المرأة خَلْفها
• عن أم عطية قالت: توفيتْ إحدى بنات النبي ﷺ فأتانا النبي ﷺ فقال: "اغسِلْنَها بالسِدر وترًا ثلاثًا أو خمسًا، أو أكثر من ذلك إن رأيتُن ذلك، واجعلْنَ في
стр. 2225
الآخرة كافورًا، أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتُنَّ فآذِنِّنِي، فلما فرغنا آذنَّاه، فألقى إلينا حِقْوه، فضفرنا شعرها ثلاثة قرون، وألْقيناها خلفها".
صحيح: رواه البخاري في الجنائز (١٢٦٣) عن مسدد، حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام بن حسان، قال: حدثنا حفصة، عن أم عطية فذكرته.
١٢ - باب كيف الإشعار للميت
• عن ابن سيرين قال: جاءت أم عطية امرأةٌ من الأنصار من اللاتي بايعْنَ، قدمتِ البصرةَ تبادر ابنا لها فلم تُدْرِكه، فحدثتنا قالت: دخل علينا النبي ﷺ ونحن نَغْسِلُ ابنتَه فقال: "اغْسِلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك إن رأيتُنَّ ذلك بماءٍ وسِدْرٍ، واجعلْنَ في الآخرة كافورًا، فإذا فرغتُنَّ فآذِنَّني" قالت: فلما فرغْنَا ألْقى إلينا حِقْوه، فقال: "أشْعِرْنَها إياه" ولم يزد على ذلك، ولا أدري أي بناته، وزعم أن الإشعار الْفُفْنَها فيه.
وكذلك كان ابن سيرين: يأمر بالمرأة أن تُشْعر ولا تُؤزر.
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٦١) عن أحمد، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرنا ابن جريج، أن أيوب أخبره، قال: سمعت ابن سيرين يقول فذكره. وأخرجه مسلم في الجنائز (٩٣٩/ ٣٦) من وجه آخر عن أيوب نحوه إلى قوله: "أشْعِرْنَها إياه".
والإشعار: ما يلي الجسد من الثياب.
وقوله: زعم: هو أيوب كما وقع التصريح في رواية عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: قلت لأيوب قوله: أَشْعرنَها أتؤزر به، قال: ما أراه إلا قال: الفُفْنَها فيه.
وقوله: ولا أدري أي بناته؟ هو مقول أيوب، لأنه لم يسمع تسميتها من حفصة، وبينت في روايات أخرى أنها أم كلثوم، وقيل: إنها زينب بنت النبي ﷺ وسيأتي بعض التحقيقات في ذلك.
١٣ - باب كفنِ النبي ﷺ في ثلاثة أثواب
• عن عائشة قالت: إن رسول الله ﷺ كفِّن في ثلاثة أثواب بيضٍ سُحولية، ليس فيها قميص ولا عِمامة.
متفق عليه: رواه مالك في الجنائز (٥) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
ورواه البخاري في الجنائز (١٢٧٣) عن إسماعيل، عن مالك به.
ورويا -البخاري (١٢٧١)، ومسلم (٩٤١/ ٤٦) كلاهما- من طريق سفيان بن عيينة، عن هشام به مثله.
وفي وجه عن هشام بإسناده عن عائشة قالت: أدرج رسولُ الله ﷺ في حلة يمنية كانت لعبد الله بن
стр. 2226
أبي بكر، ثم نُزِعتْ عنه، وكفِّن في ثلاثة أثواب سُحول يمانيةٍ، ليس فيها عمامة ولا قميص. فرفع عبد الله الحلة فقال: أُكَفَّن فيها. ثم قال: لم يُكفَّنْ فيها رسول الله ﷺ ، وأُكَفَّن فيها؟ فتصدق بها.
قوله: "سحولية" وفي رواية: "سحولية يمانية"، وفي رواية "سحولية من كرسف" كما عند مسلم، وسُحول جمع سحل. وهو الثوب الأبيض النقي، ولا يكون إلا من قطن، ويُروى بالفتح نسبة إلى سحول قرية باليمن.
قال الأزهري: بالفتح المدينة، وبالضم الثياب.
ورواه أصحاب السنن: أبو داود (٣١٥٢)، والترمذي (٩٩٦)، والنسائي (١٨٩٩)، وابن ماجه (١٤٦٩)، وفيها: فذكروا لعائشة قولهم: "في ثوبين وبُرْد حبَرةٍ" فقالت: قد جاءوا ببُردِ حبرة ولكنهم ردُّوه، ولم يكفِّنُوا فيه.
وبرد حبرة: أي مخطط.
قال الترمذي: "حديث عائشة حديث حسن صحيح. وقد رُوي عن كفن النبي ﷺ روايات مختلفة، وحديث عائشة أصحُّ الأحاديث التي رُويت في كفَنِ النبي ﷺ ، والعمل على حديث عائشة عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، قال سفيان الثوري: يُكفَّنُ الرجل في ثلاث أثواب: إن شئت في قميصٍ ولفافتَين، وإن شئت في ثلاث لفائف، ويُجزي ثوب واحد إن لم يجدوا ثوبين، والثوبان يُجزيان، والثلاثة لمن وجدها أحب إليهم، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: تُكَفَّنُ المرأةُ في خمسة أثواب"، انتهى.
• عن عائشة قالت: دخلت على أبي بكر فقال: في كم كفَّنتُم النبي ﷺ ؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سَحولية ليس فيها قميص ولا عمامة، وقال لها: في أي يوم توفي رسولُ الله ﷺ ؟ قالت: يومَ الاثنين، قال: فأيُّ يوم هذا؟ قالت: يوم الاثنين، قال: أرجو فيما بيني وبين الليلة، فنظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه، به رَدْعٌ من زعفران فقال: اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيهما، قلت: إن هذا خَلَقٌ، قال: إن الحيَّ أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة، فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلثاء، ودُفن، قبل أن يُصبح.
صحيح: رواه البخاري في الجنائز (١٣٨٧) عن معلي بن أسد، حدثنا وُهيب، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
ورواه مالك في الجنائز (٦) عن يحيى بن سعيد بلاغًا، أن أبا بكر قال لعائشة فذكر نحوه مختصرًا.
وقوله: "للمهلة" قال عياض: رُوي بضم الميم، وفتحها، وكسرها، وقال ابن حبيب: هو
стр. 2227
بالكسر: الصديد، وبالفتح: التمهل، وبالضم: عكر الزيت. والمراد الصديد.
ورواه ابن حبان في صحيحه (٣٠٣٦) من وجه آخر عن مجاهد بن وردان، عن عروة، عن عائشة قالت: كنت عند أبي بكر حين حضرتْه الوفاة، فتمثلثُ بهذا البيت:
من لا يزال دمْعُه مُقَنَّعًا ... يُوشِك أن يكون مَدْفُوقا
فقال: يا بُنَيَّةُ لا تقولي هكذا، ولكن قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] ثم قال: في كم كُفِّن النبي ﷺ ؟ فقلت: في ثلاثة أثواب، فقال: كفِّنوني في ثوبيَّ هذين، واشتروا إليهما ثوبًا جديدًا، فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت، وإنما هي للمِهْنة، أو للمهلة، ورواه أيضًا الإمام أحمد (٢٤١٢٢) باختلاف بعض الألفاظ.
• عن عبد الله بن عمر قال: كُفِّن رسولُ الله ﷺ في ثلاث رباطٍ بيضٍ سُحوليةٍ.
حسن: رواه ابن ماجه (١٤٧٠) عن محمد بن خلف العسقلاني قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: هذا ما سمعتُ من أبي مُعَيد حفص بن غيلان، عن سليمان بن موسى، عن نافع، عن عبد الله بن عمر فذكر الحديث.
وإسناده حسن لأجل حفص بن غيلان، وشيخه سليمان بن موسى وهو الأشدق فهما صدوقان، وإلى هذا أشار البوصيري بقوله: "هذا إسناد حسن لقصور سليمان بن موسي وحفص بن غياث عن درجة أهل الحفظ والضبط، وأصله في الصحيحين من حديث عائشة وابن عباس".
قلت: أما حديث عائشة فهو صحيح كما سبق، وأما حديث ابن عباس فهو ضعيف كما سيأتي وأما ما رُوي عن علي بن أبي طالب بأن النبي ﷺ كُفِّن في سبعة أثواب، فهو ضعيف. رواه الإمام أحمد (٧٢٨)، والبزار -البحر الزخار- (٦٤٦) كلاهما من طريق حماد بن سلمة، عن عبد الله ابن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي (المعروف بابن الحنفية) عن أبيه، علي بن أبي طالب فذكره.
قال البزار: هذا الحديث لا نعلم أحدًا تابع ابن عقيل على روايته هذه، ولا نعلم أحدًا رواه عن ابن عقيل بهذا الإسناد إلا حماد بن سلمة" انتهى.
وأما الهيثمي فحسَّن إسناده في "المجمع" (٣/ ٢٣).
قلت: وهو كذلك فإن عبد الله بن محمد بن عقيل حسن الحديث.
ولكن فيه علة خفية وهى مخالفته للأحاديث الصحيحة.
وقد نبَّه عليه الحافظ في "التلخيص الحبير" (٢/ ١٠٨) فقال في ابن عقيل: "سيء الحفظ، يصلح حديثه للمتابعات، فأما إذا انفرد فيُحسَّن، وأما إذا خالف فلا يُقبل، وقد خالف هو رواية نفسه، فروى عن جابر أنه ﷺ كُفِّن فِي ثوب نمرة" انتهى.
وأورده ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/ ٤١٥) وضعَّفه لأجل ابن عقيل. ونقل عن ابن
стр. 2228
حبان: "ردئُ الحفظ، يحدث على التوهم، فيجئ بالخبر على غير سُنَنِه، فوجب مجانبة أخباره" وبه أعله الزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ٢٦١ - ٢٦٢).
قلت: لأن الصحيح كما سبق أن النبي ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثواب.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن الفضل بن عباس أن النبي ﷺ كُفِّن في ثوبين سحوليين أبيضين. رواه الطبراني في "الكبير" (١٨/ ٢٧٥) من حديث علي بن المديني، عن إبراهيم بن سليمان أبي سليمان المؤدب، عن يعقوب بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس فذكره.
ويعقوب بن عطاء وهو ابن أبي رباح المكي الجمهور على تضعيفه منهم: أحمد وابن معين وأبو زرعة والنسائي وأبو حاتم، إلا أن ابن حبان فذكره في "الثقات" (٧/ ٦٣٩) وأخرج الحديث في صحيحه (٣٠٣٥).
ورواه أيضًا أبو يعلي من طريق سليمان الشاذكوني، عن يحيى بن أبي الهيثم، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس فذكره. وسليمان هذا ضعيف، وقد اتُّهِم.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن عباس أن النبي ﷺ كُفِّن في ثوبين أبيضين، وفي برد أحمر فإنه منكر. رواه الإمام أحمد (٢٢٨٤) عن عفان، حدثنا عبد الواحد، حدثنا الحجاج بن أرطاة، حدثنا أبو جعفر محمد بن علي.
قال: يعني حجاجًا، حدثني الحكم، عن مِقسم، عن ابن عباس فذكره.
والحجاج وصف بكثرة الخطأ والتدليس، فلعل هذا من خطئه، لأن الصحيح الثابت أن النبي ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، وقد رُوي عنه ما يوافق ذلك إلا أن فيه يزيد بن أبي زياد وهو أضعف منه، فقد رواه عن مِقسم، عن ابن عباس أن النبي ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثواب: في قميصه الذي مات فيه، وحلةٍ نجرانيةٍ، الحلَّة ثوبان. رواه أبو داود (٣١٥٣) عن الإمام أحمد وهو في مسنده (١٩٤٢) قال: حدثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا يزيد -يعني ابن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس فذكره.
ورواه أيضًا ابن ماجه (١٤٧١) من طريق عبد الله بن إدريس بإسناده ويزيد بن أبي زياد لا يحتج به لضعفه، لا سيما وقد خالف رواية الثقات. قال الحافظ ابن حجر: "تفرد يزيد بن أبي زياد، وقد تغير، وهذا من ضعيف حديثه" "التلخيص" (٢/ ١٠٨).
وقال الترمذي: "حديث عائشة أصح الأحاديث التي رُويتْ في كفن النبي ﷺ .
وكذلك لا يصح ما رُوي عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثواب، أحدها قميص، رواه الطبراني في "الأوسط" (٢١١٨) عن أحمد بن زهير، ثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل المقرئ، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس بن مالك فذكره.
قال الطبراني: لم يروه عن حميد إلا حماد، ولا عنه إلا مسلم، تفرد به المقرئ، وفي نسخة: عقيل.
стр. 2229
قلت: في المتن نكارة، فإن النبي ﷺ لم يُكَفَّن في القميص كما ثبت في الصحيحين، لعل هذا مما أخطأ فيه حماد بن سلمة؛ لأنه تغير حفظه بآخره.
١٤ - باب ما جاء في تكفين حمزة بن عبد المطلب
• عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ كفَّن حمزة بن عبد المطلب في نمرةٍ في ثوب واحد.
حسن: رواه الترمذي (٩٩٧) عن ابن أبي عمر، حدثنا بشر بن السري، عن زائدة، عن عبد الله ابن محمد بن عقيل، عن جابر فذكره.
ورواه الإمام أحمد (١٤٥٢١) من طريق زائدة بإسناده.
وإسناده حسن من أجل عبد الله بن محمد بن عقيل فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
والنمرة: شملة فيها خطوط بيضٌ وسودٌ، أو بردة من صوف تلبسها الأعراب.
وجاء في حديث أنس قال: دعا رسول الله ﷺ بنمرة فكفَّنه فيها، قال: وكانت إذا مُدَّتْ على رأسه بدتْ قدماه، وإذا مُدَّتْ على قدميه بدا رأسُه، رواه الإمام أحمد (١٢٣٠٠) وفيه أسامة بن زيد الليثي، قال البخاري: "أخطأ فيه أسامة بن زيد، فإن الصواب أنه حديث جابر بن عبد الله". انظر باب دفن الجماعة في قبر واحد.
• عن عروة قال: أخبرني أبي الزبيرُ أنه لما كان يوم أُحُدٍ أقبلت امرأةٌ تسعى، حتَّى إذا كادت أن تشرِف على القتلى، قال: فكرهَ النبيُّ ﷺ أن تراهم، فقال: "المرأة المرأة". قال الزبير: فتوسَّمتُ أنها أمِّي صفيَّة، قال: فخرجتُ أسعى إليها، فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى، قال: فلَدَمَتْ في صدري، وكانت امرةً جلدةً، قالت: إليك، لا أرضَ لك. قال: فقلتُ: إنَّ رسول الله ﷺ عزم عليك. قال: فوقفتْ، وأخرجتْ ثوبين معها، فقالت هذان ثوبان جئتُ بهما لأخي حمزة، فقد بلغني مقتلُه، فكفِّنوه فيهما، قال: فجئنا بالثوبين لنكفِّن فيهما حمزةَ، فإذا إلى جنبه رجُلٌ من الأنصار قتيلٌ، قد فُعِلَ به كما فُعِلَ بحمزة، قال: فوجدْنا غضاضةً وحياءً أنْ نُكَفِّن حمزة في ثوبين، والأنصاريُّ لا كفن له، فقلنا: لحمزة ثوبٌ، وللأنصاريِّ ثوبٌ، فقدرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر، فأَقْرعْنا بينهما، فكفَّنَّا كلَّ واحدٍ منهما في الثوب الذي طارَ له.
حسن: رواه الإمام أحمد (١٤١٨)، والبزار (٩٨٠)، وأبو يعلى (٦٨٦)، كلهم من طريق سليمان بن داود الهاشمي، أخبرنا عبد الرحمن -يعني ابن أبي الزياد، عن هاشم، عن عروة، عن
стр. 2230
أبيه الزبير، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن أبي الزياد فإنه حسن الحديث.
ورواه البيهقي (٣/ ٤٠١ - ٤٠٢) من وجه آخر عن هشام بن عروة بإسناده قال النووي في "الخلاصة" (٣٣٩٢): "إسناده صحيح".
وقوله: "لدمتْ" أي ضربت ودفعت في صدري.
١٥ - باب يستحب أن يكون أحد ثوبيه حِبرة
• عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا توفي أحدكم فوجد شيئًا فليكفَّن في ثوب حِبرةٍ".
حسن: رواه أبو داود (٣١٥٠) عن الحسن بن الصباح البزار، حدثنا إسماعيل -يعني ابن عبد الكريم- حدثني إبراهيم بن عقيل بن معقل، عن أبيه، عن وهب بن منبه، عن جابر فذكره.
وإسناده حسن من أجل إبراهيم بن عقيل فإنه "صدوق"، وأمَّا أبوه عقيل بن معقل فإنَّ الحافظ وإنْ قال فيه "صدوق"، إلَّا أنَّ أحمد وابن معين وغيرهما وثَّقوه.
ورواه الإمام أحمد (١٤٦٠١) من وجه آخر عن جابر وفيه قال النبي ﷺ : "من وجد مشقةً فليكفَّن في ثوب حِبرةٍ". وفي إسناده ابن لهيعة قال: حدثنا أبو الزبير، عن جابر فذكره. وابن لهيعة فيه كلام.
١٦ - باب ما جاء في كفن المرأة
• عن أم عطية قالت: دخل علينا النبي ﷺ ونحن نغسل ابنته، فلما فرغنا ألقي إلينا حِقْوه، فقال: "أشعرنها إياه".
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٦١)، ومسلم في الجنائز (٩٢٩: ٣٦) كلاهما من حديث أيوب، عن ابن سيرين، عن أم عطية فذكرته في كيفية غسل النبي ﷺ .
وقال الحافظ في "الفتح" (٣/ ١٣٣): "ورواه الجوزقي من طريق إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، عن هشام، عن حفصة، عن أم عطية قالت: فكفنّاها في خمسة أثوابٍ، وخمّرناها كما يخمّر الحيُّ، وقال هذه الزيادة صحيحة الإسناد".
وأما ما رُوي عن ليلى بنت قائف الثقفيّة قالت: كنت فيمن غسَّل أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ عند وفاتها، فكان أول ما أعطانا رسولُ الله ﷺ الحِقا، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة ثم أُدرجتْ بعد في الثوب الآخر. قالت: ورسول الله ﷺ جالس عند الباب معه كفنها يُناولنا ثوبًا ثوبًا. فهو ضعيف.
رواه أبو داود (٣١٥٧) عن أحمد بن حنبل، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن ابن
стр. 2231
إسحاق، حدثني نوح بن حكيم الثقفي، وكان قارئًا للقرآن، عن رَجُل من بني عروة بن مسعود، يقال له داود، قد ولدتْه أم حبيبة بنت أبي سفيان، زوج النبي ﷺ أن ليلي بنت قائف قالت: فذكرته.
والصحيح أن هذه قصة في زينب بنت رسول الله ﷺ كما قال أهل العلم.
وفي إسناده: نوح بن حكيم الثقفي مجهول.
وفيه أيضا: رجل من بني عروة بن مسعود يقال له: داود، ووُصف بأنه ولدتْه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وقد أطال الزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ٢٥٨) في الرد على هذا الزعم، والخلاصة أنه لا يُعرف من هو؟ .
ومن أجله وأجل الراوي عنه وهو نوح الثقفي ضُعِّفَ هذا الحديث.
ونظرا لضعف هذا الحديث ذهبَ بعضُ أهل العلم إلى أنه لا فرق بين كفن المرأة وكفن الرجل، فيُكفنُ كلٌّ منهما في ثلاثة أثواب.
وذهب الأئمة الأربعة وأصحابهم إلى أن الأفضل للمرأة أن تكفن في خمسة أثواب لحديث ليلى بنت قائف، وأعضدوه بقول بعض التابعين مثل الحسن البصري وغيره كما أن الزيادة التي ذكرها الجوزقي في حديث أم عطية تساندهم، بل وقد قال المالكية: الأفضل للمرأة أن تكفن في سبعة أثواب بزيادة لفافتين.
١٧ - باب في تكفين المحرم
• عن عبد الله بن عباس قال: كان رجل واقف مع النبي ﷺ بعرفة، فوقع عن راحلته. قال أيوب: فوقصتْه، وقال عمرو: فأقصعتْه - فمات، فقال النبي ﷺ : "اغسِلوه بماء وسدر، وكفِّنُوه في ثوبين، ولا تُحنِّطوه، ولا تُخمِّروا رأسه، فإنه يُبعث يوم القيامة".
قال أيوب: يُلَبِّي، وقال عمرو: ملبيًا.
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٦٨)، ومسلم في الجنائز (١٢٠٦) كلاهما من حديث حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار وأيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.
واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم قريب منه إلا أن فيه عكس ما نقل عن أيوب وعمرو في الوقصة والتلبية.
وقوله: "ثوبين" أي -في ثوبيه كما في رواية سفيان بن عيينة عن عمرو عند مسلم، وفي رواية أبي بشر، عن سعيد بن جبير عند البخاري (١٨٥١).
والثوبان هما الإحرامان الذَين أحرم فيهما.
وقوله: "ولا تُحنطوه" أي تمسوه حنوطًا، والحَنوط يقال له: الحِناط أخلاط من طيب يجمع للميت خاصة، ولا تستعمل في غيره.
стр. 2232
وقوله: "لا تخمروا رأسه" أي لا تُغطوه، وعلل كل ذلك لأنه يبعث يوم القيامة ملبيًا. فدل أن سبب النهي أنه كان محرمًا، فإذا انتفتِ العلةُ انتفى.
قال أبو داود (٣٢٣٨): "سمعت أحمد بن حنبل يقول: "في هذا الحديث خمس سنن: "كفِّنوه في ثوبيه" أي يكفن الميت في ثوبين. "واغسلوه بماء وسدر" أي: إن في الغسلات كلها سدرًا. "ولا تُخمروا رأسه"، ولا تقربوه طِيبًا، وكان الكفنُ من جميع المال".
١٨ - باب تكفين عبد الله بن أُبي في قميص رسول الله ﷺ -
• عن جابر بن عبد الله قال: أتى النبي ﷺ قبر عبد الله بن أبيّ بعد ما دُفن، فأخرجه فنفث فيه من ريقه، وأَلْبسه قميصَه.
وفي رواية: فوضعه على ركبتيه.
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٧٠)، ومسلم في صفات المنافقين (٢٧٧٣) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو (هو ابن دينار) سمع جابرًا يقول: فذكره.
قوله: "بعد ما دُفن" أي دُلّي في حفرته، وكان أهل عبد الله بن أبيّ خشوا على النبي ﷺ المشقة في حضوره، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبي ﷺ ، فلما وصل وجدهم قد دلوه في حفرته، فأمر بإخراجه إنجازًا لوعده في تكفينه في القميص والصلاة عليه. كذا في "الفتح" (٣/ ١٣٩).
• عن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن أبيّ لما توفي جاء ابنه إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أعطني قميصك أُكفِّنه فيه، وصلِّ عليه، واستغفر له، فأعطاه النبي ﷺ قميصه فقال: "آذني أصلي عليه". فآذنه: فلما أراد أن يُصلي عليه جذبه عمر ﵁ فقال: أليس الله قد نهاك أن تصلي على المنافقين؟ فقال: أنا بين خيرَتين قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فصلى عليه، فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤].
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٦٩)، ومسلم في صفات المنافقين (٢٧٧٤) كلاهما من حديث يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. قال مسلم: وزاد: فترك الصلاة عليهم.
• عن أسامة بن زيد قال: خرج رسول الله ﷺ يعود عبد الله بن أبيّ في مرضه الذي مات فيه، فلما دخل عليه عرف فيه الموت قال: "قد كنتُ أنهاك عن حب يهود" قال: فقد أبغضهم أسعدُ بن زُرارة فمه؟ . فلما مات أتاه ابنه فقال: يا رسول الله! إن عبد الله بن أبي قد مات، فأعطني قميصك أُكفّنه فيه. فنزع رسول الله ﷺ قميصه
стр. 2233
فأعطاه إياه.
حسن: رواه أبو داود (٣٠٩٤) عن عبد العزيز بن يحيي، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد فذكره.
ومحمد بن إسحاق مدلس، ولكنه صرَّح بالتحديث في السيرة، ومنه رواه البيهقي في "الدلائل" (٥/ ٢٨٥) وابن كثير في "التاريخ" (٥/ ٣٤) وبهذا صار الإسناد حسنًا.
قال الواقدي: مرض عبد الله بن أبيّ في ليال بقين من شوال، ومات في ذي القعدة، وكان مرضه عشرين ليلة، فكان رسول الله ﷺ يعوده فيها، فلما كان اليوم الذي مات فيه دخل عليه رسول الله ﷺ وهو يجود بنفسه فقال: "قد نهيتك عن حب يهود" فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة فما نفعه؟ ثم قال: يا رسول الله! ليس هذا الحين عتاب هو الموت، فأحضر غسلي وأعطني قميصك الذي يلي جلدك، فكفِّني فيه، وصلِّ علّي، واستغفر لي، ففعل ذلك به رسول الله ﷺ .
ذكره ابن كثير في تاريخه (٥/ ٣٤ - ٣٥) وقال: "وروى البيهقي من حديث سالم بن عجلان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، نحوا مما ذكره الواقدي".
قلت: وهو سيأتي.
• عن ابن عباس، أن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ قال له أبوه: أي بني! اطلب ثوبًا من ثياب النبي ﷺ تُكَفِّني فيه، ومره فليصَلِّ عليَّ، قال: فأتاه فقال: يا رسول الله! قد عرفت شرف عبد الله، وهو يطلب إليك ثوبًا من ثيابك نُكَفِّنه فيه، وتُصلي عليه، فقال عمر: يا رسول الله! أتصلي عليه، وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال: "أين؟ " فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] قال: فإني سأزيد على سبعين، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] قال: فأرسل إلى عمر فأخبره بذلك.
حسن: رواه البيهقي في "الدلائل" (٥/ ٢٨٨) عن بشر بن السري، حدثنا رباح بن أبي معروف المكي، حدثنا سالم بن عجلان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.
ورجاله رجال الصحيح غير أن رباح بن أبي معروف وشيخه سالم بن عجلان فيهما كلام إلا أنهما حسنا الحديث، ولم يسق البيهقي بقية الإسناد إلى بشر بن السري، والله أعلم.
١٩ - باب ما جاء في تحسين كفن الميت
• عن جابر بن عبد الله قال: إن النبي ﷺ خطب يومًا فَذَكر رجلًا من أصحابه قُبض فكُفِّن في كفَنٍ غير طائلٍ، وقُبر ليلًا فزجر النبي ﷺ أن يُقْبر الرجل بالليل حتى
стр. 2234
يُصلي عليه، إلا أن يُضطر إنسان إلى ذلك.
وقال النبي ﷺ : "إذا كفَّن أحدكم أخاه فليُحَسِّنْ كفَنَه".
صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٤٣) من طرق، عن حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يُحَدِّث أن النبي ﷺ خطب يومًا فذكر الحديث مثله. وقوله: "غير طائل" أي حقير، غير كامل الستر.
وقوله: "زجر النبي ﷺ أن يُقبر الرجل بالليل" حمل أهل العلم على الرجل المذكور لأنه فاتته صلاةُ النبي ﷺ ، وإلا فالجمهور على أنه يجوز دفن الميت بالليل، وقد دُفن أبو بكر بالليل، فمن كره الدفن بالليل رأى أن المصلين عليه يقلون لملازمتهم البيوت.
• عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ولي أحدكم أخاه فليحسنْ كفَنَه".
حسن: رواه الترمذي (٩٩٥)، وابن ماجه (١٤٧٤) كلاهما عن محمد بن بشار، قال: حدثنا عمر بن يونس، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي قتادة فذكر الحديث.
قال الترمذي: "حديث حسن".
قلت: وهو كما قال، فإن عكرمة بن عمار وهو العجلي مختلف فيه. وثقه أبو داود والعجلي والدارقطني وغيرهم، وتكلم فيه الإمام أحمد وابن المديني والبخاري وغيرهم، إلا أنه حسن الحديث في غير روايته عن يحيى بن أبي كثير، أشار إليه الحافظ في التقريب بقوله: "صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب".
وأما ما رُوي عن علي بن أبي طالب قال: لا تُغال لي في كفن، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تغالوا في الكفن، فإنه يُسْلَبُه سلبًا سريعًا" ففيه عمرو بن هاشم أبو مالك الجَنْبي، ومن طريقه رواه أبو داود (٣١٥٤) عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن علي بن أبي طالب فذكره.
قال المنذري: فيه عمرو بن هاشم أبو مالك الجنْبي، وفيه مقال.
قلت: وهو كما قال، تكلم فيه كبار النقاد منهم: البخاري ومسلم والنسائي وأبو أحمد الحاكم، وبالغ فيه ابن حبان، وخلص الحافظ إلى القول بأنه "ليِّن الحديث".
وفي سماع عامر وهو الشعبي عن علي خلاف، والصحيح أنه سمع منه كما جاء في صحيح البخاري، وهو لا يكتفي بمجرد إمكان اللقاء، انظر "جامع التحصيل" (ص ٢٠٤).
٢٠ - باب ما جاء في بياض الكفن
• عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "خير ثيابكم البياض، فكفِّنوا فيها موتاكم، وألبسوها".
стр. 2235
حسن: رواه أبو داود (٣٨٧٨)، والترمذي (٩٩٤)، والنسائي (٥١١٣)، وابن ماجه (١٤٧٢) كلهم من طريق عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكر الحديث، واللفظ لابن ماجه، وصحَّحه ابن حبان (٥٤٢٣)، والحاكم (١/ ٣٥٤) وقال: صحيح على شرط مسلم.
وقال الترمذي: "حسن صحيح".
قلت: في إسناده عبد الله بن عثمان بن خثيم من رجال مسلم، قال فيه أبو حاتم: لا بأس به، ووثَّقه النسائي، إلا أنه ليَّنه في السنن.
والخلاصة فيه أنه حسن الحديث.
• عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ قال: "ألبسوا من ثيابكم البياض، فإنها أطهر وأطيب، وكفِّنوا فيها موتاكم".
صحيح: رواه النسائي (١٨٧٩٦) عن عمرو بن علي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن أبي عروبة، يحدث عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلِّب، عن سمرة بن جندب فذكره.
وإسناده صحيح، وسعيد بن أبي عروبة وإن كان ثقة حافظًا إلا أنه كثير التدليس، واختلط، وقد تابعه معمر، عن أيوب بإسناده ولفظه: "عليكم بهذا البياض فليلبسه أحياؤُكم، وكفِّنوا فيه موتاكم، فإنه من خيار ثيابكم" رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٦١٩٨) عن معمر، ورواه الإمام أحمد (٢٠٢٣٥)، والطبراني في "الكبير" (٦٩٧٥)، والحاكم (٤/ ١٨٥) كلهم من طريق عبد الرزاق به مثله، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه لأن سفيان بن عيينة وإسماعيل ابن علية أرسلاه عن أيوب"، انتهى.
قلت: وأما حديث سفيان فرواه الترمذي (٢٨١٠)، وابن ماجه (٣٥٦٧) كلاهما من طريق سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن سمرة بن جندب فذكر نحوه.
قال الترمذي: حسن صحيح، وجعله الحاكم (١/ ٣٥٤) شاهدًا صحيحًا لحديث ابن عباس، فلعلهما يقصدان أصل الحديث، فإنه صحيح بدون شك، وأما حديث سفيان ففيه ميمون بن أبي شبيب لم يسمع من أحد من الصحابة، قال عمرو بن علي الفلاس: "كان يحدث عن أصحاب النبي ﷺ وحدَّث عن عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر، وسمرة بن جندب، وعبد الله بن مسعود، وليس عندنا في شيء منه يقول: سمعت، ولم أُخبر أن أحدًا يزعم أنه سمع من أصحاب النبي ﷺ "تحفة التحصيل" (٣٢٢).
وكذلك لا يصح ما رواه الإمام أحمد (٢٠١٠٥) من طريق أبي قلابة، عن سمرة، فإن أبا قلابة هو عبد الله بن زيد الجرمي لم يسمع من سمرة، إلا أن ما صَحَّ لا يُعلُّه ما لم يصح.
стр. 2236
٢١ - باب ما جاء في المسك بأنه أطيب الطيب للحي والميت
• عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ ذكر امرأة من بني إسرائيل، حشتْ خاتمها مسكًا، والمسك أطيب الطيب.
صحيح: رواه مسلم في كتاب الألفاظ في الأدب (٢٢٥٢) من طرق عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري فذكره.
وفي رواية عند أبي داود (٣١٥٨)، والترمذي (٩٩١): "أطيبُ طيبكم المسك" أخرجاه في كتاب الجنائز في باب المسك للميت.
قال الترمذي: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق، وقد كره بعض أهل العلم المسك للميت" انتهى.
٢٢ - باب ما جاء في إجمار الكفن وتبخيره وتطييبه بالكافور والمسك
• عن أم عطية قالت: دخل علينا النبي ﷺ ونحن نغسل ابنته فقال: "واجعلن في الآخرة كافورًا، أو شيئًا من كافور".
متفق عليه: رواه مالك في الجنائز (٢) عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية الأنصارية فذكرت الحديث.
ورواه البخاري في الجنائز (١٢٥٣) عن إسماعيل بن عبد الله، ومسلم في الجنائز (٩٣٩/ ٣٨) عن قتيبة بن سعيد، كلاهما عن مالك بن أنس.
• عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : "إذا أجمرتم الميت فأجمروا ثلاثًا".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٤٥٤٠)، وأبو يعلى (٢٣٠٠) كلاهما من حديث يحيي بن آدم، حدثنا قُطبة بن عبد العزيز، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر فذكره.
وصحَّحه ابن حبان (٣٠٣١).
وأخرجه الحاكم (١/ ٣٥٥) من وجه آخر عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن قطبة بن عبد العزيز بإسناده مثله.
وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم".
وهو كما قال، إلا أن قطبة بن عبد العزيز وإن كان أخرج له مسلم فإنه "صدوق".
وأما البيهقي (٣/ ٤٠٥) فرواه عن شيخه الحاكم من طريق يحيي بن آدم، عن قطبة كما مضى، ونقل عن ابن معين أنه قال: "لم يرفعه إلا يحيى بن آدم" وقال: "ولا أظن هذا الحديث إلا غلطًا".
قلت: هذا وهمٌ من يحيى بن معين مع إمامته في هذا الفن، فإن يحيى بن آدم لم ينفرد في رفعه،
стр. 2237
بل تابعه أيضًا محمد بن عبد الله بن نمير، وهو ثقة فاضل، والبيهقي لم يقف على رواية محمد بن عبد الله بن نمير وإلا رد على ابن معين، وإنما أخرج هو عن شيخه الحاكم من طريق يحيى بن آدم كما مضي.
ثم أن الذي عليه جمهور أهل العلم من المحدثين، إذا اختُلِف في الرفع والوقف فالصحيح الحكم للرفع لأنه زيادة ثقة، ولا شك في توثيق يحيى بن آدم، كما قال النووي في "الخلاصة" (٣٤٠٧) فكيف قد توبع على رفعه.
وروى مالك (١/ ٢٢٦) بإسناد صحيح عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت لأهلها: أجمروا ثيابي إذا مِتُّ، ثم حنِّطوني، ولا تَذُرُّوا على كفني حنوطًا، ولا تتبعوني بنار.
٢٣ - باب ما جاء في تحنيط الميت
• عن ابن عباس قال: إن رسول الله ﷺ قال لرجل مات بعرفة وهو محرم: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تُحنطوه ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يُلَبِّي أو مُلَبِّيًا".
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٦٨)، ومسلم في الجنائز (١٢٠٦) كلاهما من حديث حماد ابن زيد، عن عمرو بن دينار وأيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره، واللفظ للبخاري.
وفي الحديث دليل على أن غير المحرم يُحنَّط كما يُخمر، وأن النهي وقع لأجل الإحرام.
• عن عُتَيٍّ قال: رأيتُ شيخًا بالمدينة يَتَكلَّمُ، فسأَلتُ عنه، فقالوا: هذا أُبَيُّ بن كعب، فقال: إن آدمَ ﵇ لما حَضَره الموتُ قال لِبَنِيه: أيْ بَنِيَّ! إني أشتهي من ثمار الجنةِ، فذهبوا يُطلبون له، فاستقبلَتهم الملائكةُ ومعهم أَكفانُهُ وحَنُوطُه، ومعهم الفُؤوسُ والمساحي والمكاتِلُ، فقالوا لهم: يا بَني آدم، ما تُريدُون وما تَطلبون -أو ما تُريدون وأَين تَذهبون؟ - قالوا: أَبونا مريضٌ فاشتَهي من ثمار الجنةِ، قالوا لهم: ارجِعوا فقد قُضي قضاءُ أَبيكُم.
فجاؤوا، فلما رأَتهم حوَّاءُ عَرَفَتهم، فلاذَت بآدمَ، فقال: إليكِ عني فإني إنما أُوتيتُ مِن قِبَلِك، خَلِّي بيني وبين ملائكةِ ربِّي ﵎، فَقَبَضوه، وغَسلُوه وكفَّنوه وحنَّطوه، وحَفَروا له وأَلْحَدوا له، وصَلَّوا عليه، ثم دَخَلوا قبرَه فوضَعوه في قبرِه ووَضَعوا عليه اللَّبِنَ، ثم خرجوا من القَبرِ، ثم حَثَوْا عليه التراب، ثم قالوا: يا بَني آدمَ! هذه سنَّتُكم.
حسن: رواه عبد الله بن أحمد (٢١٢٤٠) عن هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، عن حُميد،
стр. 2238
عن الحسن، عن عُتَيٍّ قال فذكره.
وإسناده حسن لما قيل في عُتَيٍّ وهو ابن ضمرة السعدي روى عنه ابنه عبد الله والحسن، وثَّقه ابن سعد والعجلي وابن حبان وغيرهم، واعتمده الحافظ في "التقريب" فقال: "ثقة" وقد أعل الحديث من أجل تفرده.
قلت: ولا يضر تفرده ما دام هو ثقة.
ورواه الحاكم (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥) من وجهين آخرين:
أحدهما: عن أبي بكر بن نصر الداربردي بمرو، ثنا أبو الموجه، ثنا سعيد بن منصور، وعلي ابن حجر قالا: حدثنا هُشيم، أنبأنا يونس بن عبيد.
والثاني: عن أحمد بن جعفر القطيعي، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا إسماعيل -كلاهما- أعني هشيما وإسماعيل ابن علية عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عُتَيٍّ، عن أُبي بن كعب فذكر نحوه.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وهو من النوع الذي لا يوجد للتابعي إلا الراوي الواحد، فإن عُتَيّ بن ضمرة السعدي ليس له راوٍ غير الحسن، وعندي أن الشيخين عللاه بعلة أخرى، وهو أنه روي عن الحسن، عن أُبيّ دون ذكر عُتَيٍّ".
ثم رواه من وجه آخر عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن الحسن، عن أبي بن كعب مرفوعًا نحوه مختصرًا.
وقال: "هذا لا يُعلل حديث يونس بن عبيد، فإنه أعرف بحديث الحسن من أهل المدينة، ومصر والله أعلم".
قلت: من العلل التي أعلت به هذا الحديث الاختلاف في الرفع والوقف، والصواب فيه الرفع لأن معه زيادة علم.
ومن العلل التي أعلت به هذا الحديث عنعنة الحسن وهو مدلس، قلت: لقد ثبت التصريح بالتحديث عند البيهقي (٣/ ٤٠٤) إلا أنه موقوف، وثبوت التصريح في هذا الموقوف يُقَوِّي جهة السماع، وبالتالي تنفي عنه تهمة التدليس.
وفي الإسناد كلام آخر غير أن ما ذكرته هو أحسنه وبالله التوفيق.
• عن أبي وائل قال: كان عند علي مسك، فأوصى أن يُحنط به، قال: قال علي: هو فضل حنوط رسول الله ﷺ .
حسن: رواه البيهقي (٣/ ٤٠٥ - ٤٠٦) عن أبي عبد الله الحافظ، أنبأ أبو بكر بن إسحاق، أنبا محمد بن أيوب، أنبا إبراهيم بن موسي، ثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، ثنا الحسن بن صالح، عن هارون بن سعد، عن أبي وائل فذكره.
стр. 2239
وإسناده حسن من أجل هارون بن سعد وهو العجلي أو الجعفي الكوفي الأعور مختلف فيه غير أنه حسن الحديث وهو من رجال مسلم، وإنما انتقم عليه غلوه في الرفض.
قال ابن حبان: "كان غاليًا في الرفض، لا تحل عنه الرواية بحال".
قلت: وذلك إذا ثبت عنه الكذب، وإنه لم يثبت.
ولذلك حسَّنه النووي في "الخلاصة" (٣٣٩٨).
تنبيه: تحرف في سنن البيهقي هارون بن سعد إلى "هارون بن سعيد" فتنبه.
• عن حميد قال: لما توفي أنس بن مالك جُعل في حنوطه مسك فيه من عرق رسول الله ﷺ .
حسن: رواه البيهقي (٣/ ٤٠٦) من طريق ابن أبي مريم، حدثني يحيى بن أيوب، حدثني حُميد فذكره.
وابن أبي مريم هو: سعيد بن الحكم المصري.
وإسناده حسن من أجل الكلام في يحيي بن أيوب وهو الغافقي غير أنه حسن الحديث وهو من رجال الجماعة.
وأما ما رُوي عن نافع قال: مات سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل وكان بدريًّا، فقالت أم سعيد لعبد الله بن عمر: أتُحنطه بالمسك؟ فقال: وأي طبيب أطيب من مسك؟ هاتي مسككِ، فناولته إياه قال: ولم نكن نَصنع كما تصنعون - "كنا نتبع بحنوطه مراقه ومغابنه" فهو ضعيف.
رواه البيهقي (٣/ ٤٠٦) من طريق سعيد بن مسلمة، ثنا إسماعيل بن أمية، عن نافع فذكره.
وسعيد بن مسلمة هو ابن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي، نزيل الجزيرة، أهل العلم مطبقون على تضعيفه، إلا ابن عدي أَلان القول فيه فقال: "أرجو أنه ممن لا يترك حديثه".
٢٤ - باب إذا لم يجد كفنًا إلا ما يُواري رأسه أو قدميه غطَّى رأسه
• عن خبَّاب بن الأَرَتِّ قال: هاجرنا مع رسول الله ﷺ في سبيل الله، نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله، فمِنَّا من مضى لم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير قُتل يوم أُحد، فلم يُوجد له شيء يُكفن فيه إلا نمرة، فكنا إذا وضعنا على رأسه خرجتْ رجلاه، وإذا وضعنا على رجليه خرج رأسُه فقال رسول الله ﷺ : "ضعوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه الإذْخر" ومنا من أَيْنَعَتْ له ثمرتُه فهو يَهْدِبُها.
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٧٦)، ومسلم في الجنائز (٩٤٠) كلاهما عن طريق الأعمش، عن شقيق، عن خبَّاب بن الأرَثِّ فذكره ولفظهما سواء.
стр. 2240
قوله: "أينَعَتْ" أي نضجت.
وقوله: "يهدُبها" أي يجتنيها.
• عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم قال: أتي عبد الرحمن بن عوف يومًا بطعامه، فقال: قُتل مصعب بن عُمير -وكان خيرًا مني- فلم يوجد له ما يُكفَّن فيه إِلَّا بردة، لقد خشيتُ أن يكون قد عُجِّلت لنا طيباتُنا في حياتنا الدُّنيا، ثمّ جعل يبكي.
صحيح: رواه البخاريّ في الجنائز (١٢٧٤) عن أحمد بن محمد المكيّ، حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعد، عن سعد، عن أبيه فذكره.
وفي رواية شعبة عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم وفيه: كفِّن في بُردة إن غُطِّي رأسْه بَدَتْ رجلاه، وإن غُطِّي رجلاه بدا رأسُه، وأراه قال: وقُتل حمزة -وهو خير مني- ثمّ بُسط لنا من الدُّنيا ما بُسط -أو قال: أُعطينا من الدُّنيا ما أعطينا- وقد خشينا أن تكون حسناتُنا عُجِّلتْ لنا، ثمّ جعل يبكي حتّى ترك الطعام. رواه البخاريّ (١٣٧٥)، عن محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا شعبة بإسناده.
• عن حارثة بن مُضَرِّب قال: دخلت على خبَّاب، وقد اكتوي سبعًا فقال: لولا أني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يتمنى أحدكم الموت" لتمنيتُ، ولقد رأيتُنِي مع رسول الله ﷺ ما أملك، وإن في جانب بيتي الآن لأربعين ألف درهم. قال: ثمّ أتي بكفنه، فلمّا رأه بكى وقال: لكن حمزة لم يُوجد له كفن إِلَّا بردة ملحاءُ، إذا جعلت على رأسه قَلَصَت عن قدميه، وإذا جعلتْ على قدميه قَلَصَتْ عن رأسه، حتي مُدَّت على رأسه، وجعل على قدميه الإذْخِر.
صحيح: رواه الترمذيّ (٩٧٠) عن محمد بن بشار، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضَرِّب فذكر الحديث غير أن الترمذيّ لم يذكر قصة كفن حمزة، وإنما ذكره الإمام أحمد (٢١٠٧٢، ٢٧٢١٩) واللّفظ له من وجه آخر، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق بإسناده.
قال الترمذيّ: "حديث حسن صحيح". وأصله في الصحيحين.
٢٥ - باب من أعد الكفن في حياته
• عن سهل بن سعد أن امرأة جاءت النَّبِيّ ﷺ ببردةٍ منسوجةٍ فيها حاشيتُها، أتدرون ما البردةُ؟ قالوا: الشملة، قال: نعم، قالت: نسجتُها بيدي فجئت لأكسوكها، فأخذها النَّبِيّ ﷺ محتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فحَسَّنها فلان فقال: اكسُنِيها ما أحسنَها، قال القوم: ما أحسنتَ، لبسها النَّبِيّ ﷺ محتاجًا إليها،
стр. 2241
ثمّ سألته وعلمت أنه لا يردُّ، قال: إني والله! ما سألتُها لأَلْبسها، إنّما سألتُه لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفَنه.
صحيح: رواه البخاريّ في الجنائز (١٢٧٧) عن عبد الله بن مسلمة، حَدَّثَنَا ابن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل فذكره.
وقوله: "حاشيتها" أي طرفها، أو أنها جديدة لم تقطع من ثوب.
وقوله: "فلان" قيل: عبد الرحمن بن عوف، وقيل: رجل من الأعراب لا يُعرف اسمه.
٢٦ - باب استحباب الغُسل لمن غسَّل ميتًا
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من غَسَّل ميتًا فليغتسل".
حسن: رواه الترمذيّ (٩٩٣)، وابن ماجة (١٤٦٣) كلاهما عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: حَدَّثَنَا عبد العزيز بن المختار، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكر الحديث واللّفظ لابن ماجه.
ولفظ الترمذيّ: "من غُسْلِه الغُسْلُ، ومن حَملهِ الوضوءُ".
ورواه أبو داود (٣١٦٢) من وجه آخر عن سفيان، عن سهيل بإسناده إِلَّا أن أبا صالح أدخل بينه وبين أبي هريرة "إسحاق مولي زائدة" كما رواه أيضًا من وجه آخر عن أبي هريرة ولفظ الحديث: "من غسَّل الميت فليغسل، ومن حمله فليتوضأ".
وإسناده حسن من أجل سهيل بن أبي صالح فإنه "صدوق" وقد حسَّنَه أيضًا الترمذيّ وقال: وقد رُوي عن أبي هريرة موقوفًا.
قلت: اختلف أهل العلم في إسناد هذا الحديث اختلافًا كثيرًا كما قال المنذري. قال الإمام أحمد وعلي بن المديني: "لا يصح في هذا الباب شيءٌ" وقال محمد بن يحيى: "لا أعلم في "من غَسَّل ميتًا فليغتسل" حديثًا ثابتًا، ولو ثبت لزمنا استعماله" وقال الشافعي في البويطي: "إن صحَّ الحديث قلت بوجوبه" هذا آخر كلام المنذري.
وخلاصة القول في حديث أبي هريرة أنه لا ينزل عن درجة الحسن.
قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ١٣٧) معقبًا على قول الرّافعيّ: "لم يصحِّح علماء الحديث في هذا الباب شيئًا مرفوعًا" قلت: قد حسّنه الترمذيّ، وصحّحه ابن حبَّان، وله طريق أخرى. قال عبد الله بن صالح: ثنا يحيى بن أيوب، عن عقيل، عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، رفعه: "من غسَّل ميِّتًا فليغتسل" ذكره الدَّارقطنيّ، وقال: فيه نظر. قلت: رواته موثقون، وقال ابن دقيق العيد في "الإمام": حاصل ما يعتل به وجهان: من جهة الرّجال، ولا يخلو إسناد منها من متكلّم فيه، ثمّ ذكر ما معناه أن أحسنها رواية سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، وهي
стр. 2242
معلولة، وإن صحَّحها ابن حبَّان وابن حزم، فقد رواه سفيان، عن سهيل، عن أبيه، عن إسحاق مولي زائدة، عن أبي هريرة. قلت: إسحاق مولي زائدة أخرج له مسلم، فينبغي أن يصحّح الحديث، قال: وأمّا رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فإسناد حسن، إِلَّا أنَّ الحفاظ من أصحاب محمد بن عمرو رووه عنه موقوفًا، وفي الجملة هو بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسنًا. فإنكار النّوويّ على الترمذيّ تحسينه معترض، وقد قال الذّهبيّ في "مختصر البيهقيّ": "طرق هذا الحديث أقوى من عدّة أحاديث احتجّ بها الفقهاء، ولم يعلوها بالوقف، بل قدّموا رواية الرّفع، والله أعلم". انتهى كلام الحافظ.
قلت: انظر كلام الذّهبيّ في "المهذّب في اختصار سنن البيهقيّ" (١/ ٣٠١)، وقد نقل الشوكاني في "النّيل" (١/ ٣٥٦) بعض فقرات الحافظ وأقرّه.
وقال الحافظ ابن القيم: "وهذه الطّرق تدل على أنَّ الحديث محفوظ". "تهذيب السنن".
ولكن قال أبو داود عقب إخراج الحديث: "هذا منسوخ، سمعتُ أحمد بن حنبل وسئل عن الغسل من غسَّل الميت، فقال: يُجزئه الوضوء". ومثله قال ابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" (٣٨، ٣٩) وقال: "ناسخه حديث ابن عباس الآتي". انظر فقه هذا الباب في "المنة الكبرى" (٣/ ٢٤ - ٢٥).
وفي الباب عن عائشة، وعليّ، وأبي سعيد الخدريّ، وحذيفة بن اليمان، والمغيرة بن شعبة، وفي الجميع مقال، وإن ثبت بمجموع الشواهد فهو منسوخ كما سيأتي. انظر تخاريج هذه الأحاديث في "البدر المنير" (٢/ ٥٢٤).
٢٧ - باب من لم ير الغُسل من غُسل الميت
• عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس عليكم في غُسل ميتكم غُسل إذا اغتسلتموه، فإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم".
حسن: رواه الدَّارقطنيّ في سننه (٢/ ٧٦) وعنه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٣٨٦)، عن أحمد ابن محمد بن سعيد، عن أبي شيبة إبراهيم بن عبد الله بن أبي شيبة، عن خالد بن مخلد، عن سليمان ابن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
قال الحاكم: "صحيح على شرط البخاريّ، ولم يخرجاه، وفيه رفض لحديث مختلف فيه على محمد بن عمرو بأسانيد: "من غسَّل ميتًا فليغتسل" انتهى.
وتعقبه الذّهبيّ على قوله "وفيه رد لحديث "من غسل ميتًا فليغتسل" بل نعمل بهما فيستحب الغسل. انتهى.
قلت: وإسناده حسن من أجل الكلام في عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، وهو الذي ذهب إليه الذّهبيّ نفسه في "الميزان" بعد أن ساق أقوال أهل العلم فيه.
стр. 2243
ولكن قال البيهقيّ (١/ ٣٠٦) بعد أن أخرج الحديث عن الحاكم من الطريق نفسه: "هذا ضعيف، والحمل فيه على أبي شيبة، كما أظن".
ونبَّه ابن الملقن في "البدر المنير" (٤/ ٦٥٩) فقال: "أبو شيبة هذا هو إبراهيم بن عبد الله بن أبي شيبة، وهو ثقة كما سلف، والمطعون فيه الواهي هو أبو شية إبراهيم بن عثمان الكوفي قاضي واسط، فتنبّه لذلك". انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر معقبًا على كلام البيهقيّ: اقلت: أبو شيبة، هو إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، احتجّ به النسائيّ ووثَّقه الناس، ومن فوقه احتجّ بهم البخاريّ، وأبو العباس الهمداني هو ابن عقدة حافظ كبير، إنّما تكلّموا فيه بسبب المذهب، ولأمور أخرى، ولم يضعفه بسبب المتون أصلًا، فالإسناد حسن، فيجمع بينه وبين الأمر في حديث أبي هريرة، بأنَّ الأمر على النَّدب، أو المراد بالغسل غسل الأيديّ، كما صرَّح به في هذا. قلت: ويؤيّد أن الأمر فيه للندب، ما روي الخطيب في ترجمة محمد بن عبد الله المخرميّ من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قال لي أبي كتبتَ حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: "كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل"؟ قال: قلت: لا، قال: في ذلك الجانب شاب يقال له محمد بن عبد الله يحدِّث به عن أبي هشام المخزوميّ عن وهيب فاكتبه عنه، قلت: وهذا إسناد صحيح، وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث، والله أعلم". انتهى كلام الحافظ من "التلخيص الحبير" (١/ ١٣٨).
• * *
стр. 2244
جموع أبواب ما جاء عن الميت وحمل الجنازة والقيام لها
١ - باب ثناء الناس على الميت
• عن أنس بن مالك قال: مرُّوا بجنازة فأثْنَوا عليها خيرًا، فقال النَّبِيّ ﷺ : "وجبْت" ثمّ مرُّوا بأخرى، فأثْنَوا عليها شرًّا فقال: "وجبتْ" فقال عمر بن الخطّاب: ما وجبتْ؟ قال: "هذا أَثنيتُم عليه خيرًا فوجبَتْ له الجنّة، وهذا أَثْنيتم عليه شرًّا فوجبَتْ له النّار، أنتم شهداء الله في الأرض".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الجنائز (١٣٦٧) عن آدم، عن شعبة، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن صُهَيب قال: سمعت أنس بن مالك فذكر الحديث.
ورواه مسلم في الجنائز (٩٤٩) من وجه آخر عن ابن علية، أخبرنا عبد العزيز بن صُهَيب بإسناده وفيه تكرار "وجبت وجبت وجبت" ثلاث مرات، فقال عمر بن الخطّاب: فدى لك أبي وأمي.
كما أن فيه قول النَّبِيّ ﷺ : "أنتم شهداء الله في الأرض" ثلاث مرات.
وزاد الحاكم (١/ ٣٧٧): "إن لله ملائكة تنطق على ألْسِنة بني آدم بما في المرأ من الخير والشر" رواه من وجه آخر عن النضر بن أنس، عن أنس، وصحَّحه على شرط مسلم.
وأمّا ما رُوي عنه مرفوعًا: "ما من رجل يموت فيشهد له رجلان من خبرته الأقربين فيقولان: اللَّهُمَّ! لا نعلم إِلَّا خيرًا إِلَّا قال الله لملائكته: أشهدكم أني قد غفرت لعبدي بشهادتهما، وتجاوزت له عما لا يعلمان" فهو ضعيف.
رواه إسحاق بن راهويه في مسنده (٣٥٩) قال: أخبرنا بقية بن الوليد، حَدَّثَنِي الضَّحَّاك بن حمزة، عن صالح الأملوكيّ، عن أنس بن مالك فذكره.
والضحاك بن حمزة هو الواسطيّ، وأصله من الشام، "ضعيف"، قال فيه ابن معين: "ليس بذاك" وفي رواية: "ليس بشيء" وقال النسائيّ: "ليس بثقة" وتكلم فيه غيرهما من أهل العلم، وقال ابن عدي: "له أحاديث حسان غرائب" وفي "التقريب": "ضعيف".
وبقية بن الوليد مدلس تدليس التسوية لم يصرح بالتحديث في جميع الطَّبقات كما اشترط بعض أهل العلم في قبول حديثه خوفًا من تدليس التسوية والجمهور على قبول تحديثه في شيوخه.
• عن أبي الأسود قال: قدمتُ المدينة -وقد وقع بها مرض- فجلست إلى عمر بن الخطّاب فمرتْ بهم جنازة، فأُثْني على صاحبها خيرًا فقال عمر: وجبتْ، ثمّ مُرَّ بأُخرى
стр. 2245
فأُثني على صاحبها خيرًا، فقال عمر: وجبتْ، ثمَّ مُرَّ بأخرى، فأثني على صاحبها خيرًا، فقال عمر: وجبتْ، ثمّ مُرَّ بالثالثة فأُثْنِي على صاحبها شرًّا، فقال: وجبتْ.
فقال أبو الأسود: فقلت: وما وجبتْ يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النَّبِيّ ﷺ : "أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنّةَ" فقلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة. فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان. ثمّ لم نسأله عن الواحد.
صحيح: رواه البخاريّ في الجنائز (١٣٦٨) عن عفّان بن مسلم، حَدَّثَنَا داود بن أبي الفرات، عن عبد الله بن بريدة، عن أبي الأسود فذكره.
• عن أبي هريرة قال: مُرَّ على النَّبِيّ ﷺ بجنازة فأُثني عليها خيرًا في مناقب الخير فقال: "وجبتْ" ثمّ مرُّوا عليه بأُخرى، فأُثني عليها شرًا في مناقب الشر فقال: "وجبتْ إنكم شهداءُ الله في الأرض".
حسن: رواه ابن ماجة (١٤٩٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن مُسْهر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
وصحَّحه ابن حبَّان (٣٠٢٤)، وأخرجه الإمام أحمد (٧٥٢) كلاهما من طريق محمد بن عمرو بإسناده.
وإسناده حسن لأجل محمد بن عمرو وهو الليثي فإنه حسن الحديث.
ورواه أبو داود (٣٢٣٣)، والنسائي (١٩٣٣) كلاهما من طريق شعبة، عن إبراهيم بن عامر، عن عامر بن سعد، عن أبي هريرة قال: مروا على رسول الله ﷺ بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال: "وجبتْ" ثمّ مروا بأخرى فأَثنوا عليه شرًّا فقال: "وجبتْ" ثمّ قال: "إن بعضكم على بعض شهداءُ" وفي لفظ النسائيّ: "الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض".
وأخرجه الإمام أحمد (١٠٠١٣) من طريق سفيان ومسعر، عن إبراهيم بن عامر بن مسعود الجُمحيّ، بإسناده.
وفيه عامر بن سعد وهو البجلي روى له مسلم وأصحاب السنن غير ابن ماجة، إِلَّا أنه لم يوثقه غير ابن حبَّان، ولذا جعله الحافظ في مرتبة "مقبول".
قلت: وهو كذلك فإنه تابعه أبو سلمة في الإسناد السابق.
• عن أبي قتادة قال: كان رسول الله ﷺ إذا دعي لجنازة سأل عنها، فإن أُثْني عليها خير قام فصلى عليها، وإن أثني عليها غير ذلك قال لأهلها: "شأنكم بها" ولم يُصل عليها.
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٢٥٥٥) عن يعقوب، حَدَّثَنَا أبيّ، عن أبيه، حَدَّثَنِي عبد الله بن أبي
следующие страницы →