← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

قال أبو الزبير، عن جابر: كنت في الصف الثاني. متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٢٠)، ومسلم في الجنائز (٩٥١) كلاهما من حديث ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، أنه سمع جابر بن عبد الله فذكر الحديث، واللفظ للبخاري. ولفظ مسلم مختصر. وقول أبي الزبير، عن جابر ... وصله مسلم من وجه آخر عن أيوب، عن أبي الزبير. وأخرجه البخاري (١٣١٧) من وجه آخر عن قتادة، عن عطاء، عن جابر قال: إن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- صلّى على النجاشي، فكنت في الصف الثاني أو الثالث. وفي الباب حديثان معللان: أحدهما: ما رواه مالك بن هبيرة قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: "ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب". فكان مالك إذا استقل أهل الجنازة جزأهم ثلاثة صفوف. أخرجه أبو داود (٣١٦٦)، والترمذي (١٠٢٨)، وابن ماجه (١٤٩٠) كلهم من طرق عن محمد ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد اليزني، عن مالك بن هبيرة فذكر الحديث، ولفظهم قريب إلا أن الترمذي وابن ماجه لم يذكرا تجزئة، مالك بن هبيرة ثلاثة صفوف. وأخرجه الحاكم (١/ ٣٦٢، ٣٦٣) وقال: "صحيح على شرط مسلم". وقال الترمذي: حسن، وأقرّه الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٣/ ١٤٥). قلت: محمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعن، فلا يرتقي الحديث إلى درجة الحسن حتي بصرح بالسماع، ولو ثبت سماعه في طريق آخر فلا يُقبل تفرده؛ لأنه في الأحكام وليس له أصل ثابت. والأصل في الصلاة أن يتم الصف الأول فالأول إنْ كان في المسجد، وإذا كانت الصلاة خارج المسجد فلا بأس بتجزئة الصفوف لفعل مالك بن هبيرة، والمراد "بالثلاثة" الوتر في الصفوف. وثانيهما: ما رواه الطبراني كما في "المجمع" (٣/ ٤٣٢) عن أبي أمامة قال: صلى رسول الله -صلي الله عليه وسلم- على جنازة، ومعه سبعة نفر فجعل ثلاثة صفًا، واثنين صفًا، واثنين صفًا، فيه ابن لهيعة وفيه كلام معروف. وقد سُئل سماحة الشّيخ ابن باز ﵀ عن حكم تكثير الصّفوف ولو لم تتم؟ فأجاب: "الأصل أن يصفُّوا في صلاة الجنازة كما يصفُّون في الصّلاة المكتوبة، فيكمِّلون الصَّف الأوّل فالأوّل، وأمّا عمل مالك بن هبيرة ﵁ ففي سنده ضعف، وهو مخالف للأحاديث الصّحيحة الدّالة على وجوب إكمال الصّف الأول فالأوّل في الصّلاة". "مجموع فتاواه" (١٣/ ١٣٩). وكلام الشيخ يُحمل إنْ كانت الصلاة في المسجد.

стр. 2277

٩ - باب صفوف الصبيان مع الرجال في الجنائز • عن ابن عباس أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- مرَّ بقبر قد دُفن ليلًا فقال: "متى دُفن هذا؟ " قالوا: البارحة، قال: "أفلا آذنتموني؟ " قالوا: دفنَّاه في ظلمة الليل، فكرهنا أن نُوقِضك، فقام فصففنا خلْفه. قال ابن عباس: وأنا فيهم فصلى عليه. صحيح: رواه البخاري في الجنائز (١٣٢١) عن موسى بن إسماعيل، ثنا عبد الواحد، ثنا الشيباني، عن عامر، عن ابن عباس فذكره. ١٠ - باب أقل عدد ورد فيمن صلى على جنازة فوقعت بهم الكفاية • عن عبد الله بن أبي طلحة أن أبا طلحة دعا رسول الله -صلي الله عليه وسلم- إلى عمير بن أبي طلحة حين توفي، فأتاهم رسول الله -صلي الله عليه وسلم- فصلى عليه في منزله، فتقدم رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وكان أبو طلحة وراءه، وأم سليم وراء أبي طلحة، ولم يكن معهم غيرهم. حسن: رواه البيهقي (٤/ ٣٠) من طريق عمارة بن غزية، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه، أن أبا طلحة فذكره. ورواه الطبراني في "الكبير"، وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٣٤): "رجاله رجال الصحيح". قلت: وإسناده حسن من أجل الكلام في عمارة بن غزية غير أنه حسن الحديث. ١١ - باب الجماعة يصلون على الجنازة أرْسالًا • عن أبي عَسيب، أو أبي عَسيم، قال بهز: أنه شهد الصلاة على رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، قالوا: كيف نُصلي عليه؟ قال: ادخلوا أَرسالًا أَرسالًا، قال: فكانوا يدخلون من هذا الباب، فيُصلون عليه، ثم يخرجون من الباب الآخر، قال: فلما وُضع في لَحْدِه ﷺ قال المغيرة: قد بقي من رجليه شيءٌ لم يصلحوه، قالوا: فادخُلْ فأَصْلِحْه، فدخل وأدخل يدَه، فمسَّ قدميه، فقال: أَهيلوا عليَّ التراب، فأهالوا عليه التراب حتى بلغ أنصاف ساقيه، ثم خرج، فكان يقول: أنا أَحدَثُكم عَهْدًا برسول الله -صلي الله عليه وسلم-. صحيح: رواه أحمد (٢٠٧٦٦) عن بهز وأبي كامل، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي عمران -يعني الجَوْني، عن أبي عَسيب أو أبي عسيم فذكره. وإسناده صحيح، ذكره الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٢٤) وسكت عليه. وأبو عسيب مولي رسول الله -صلي الله عليه وسلم- مشهور بكنيته، وقيل اسمه: أحمد، وقيل: هو سفينة مولي

стр. 2278

أم سلمة، والراجح أنه غيره- كذا في "الإصابة" (٤/ ١٣٣). والحديث المذكور أخرجه الحافظ في "الإصابة" في ترجمة "أبي عَسيم" من البغوي والحاكم أبي أحمد من طريق حماد بن سلمة وقال: هكذا أخرجه أبو مسلم الكجي من طريق حماد، وأخرجه ابن مندة في ترجمة أبي عسيب موقع عنده بالموحدة. انتهى. قلت: وفاته أن يعزو إلى الإمام أحمد، ثم أبدى البغوي الشك في صحبة أبي عسيب، ولم يذكر له وجهًا لشكهـ، والإمام أحمد جعل له مسندًا، وأخرج الحديث في مسنده، وقال في الحديث الذي بعده وهو حديث الطاعون، أبا عَسيب مولي رسول الله -صلي الله عليه وسلم-. • عن سالم بن عبيد وكان من أصحاب الصفة، قال: دخل أبو بكر على رسول الله -صلي الله عليه وسلم- حين مات، ثم خرج، فقيل له: توفي رسول الله -صلي الله عليه وسلم-؟ فقال: نعم، فعلموا أنه كما قال، وقيل: ويصلي عليه، وكيف يصلى عليه؟ قال: يجيئون عصبًا عصبًا فيصلون، فعلموا أنه كما قال، فقالوا: هل يُدفن؟ وأين؟ فقال: حيث قبض الله روحه، فإنه لم يقبض الله روحه إلا في مكان طيب، فعلموا أنه كما قال. صحيح: رواه البيهقي (٤/ ٣٠) من طريق يونس بن بكير، عن سلمة بن نُبيط، عن أبيه نُبيط بن شريط الأشجعي، عن سالم بن عبيد فذكره. وأخرجه الترمذي في "الشمائل" (٣٧٩)، وابن ماجه (١٢٣٤)، والطبراني في "الكبير" (٧/ ٦٤) كلهم من طرق، عن سلمة بن كهيل، في قصة طويلة ستأتي في موضعها، ومضى بعضها في كتاب الصلاة. وإسناده صحيح كما قال البوصيري في زوائد ابن ماجه. قال ابن عباس: لما صُلِّي على رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أُدخل الرجال فصلوا عليه بغير إمام أرسالًا حتى فرغوا، ثم أُدخل النساء فصلين عليه، ثم أدخل الصيان فصلوا عليه، ثم أُدخل العبيد فصلوا عليه أرسالًا، لم يؤمهم على رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أحد. قال الشافعي: وذلك لعظم أمر رسول الله -صلي الله عليه وسلم- بأبي هو وأمي، وتنافسهم في أن لا يتولى الإمامة في الصلاة عليه واحد، وصلوا عليه مرة بعد مرة، ذكره البيهقي. قلت: حديث ابن عباس رواه ابن ماجه (١٦٢٨) عن نصر بن علي الجهضمي، قال: أنبأنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس في سياق طويل وهذا نصه: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله -صلي الله عليه وسلم- بعثوا إلى أبي عبيدة بن الجراح، وكان يضرح كضريح أهل مكة، وبعثوا إلى أبي طلحة، وكان هو الذي يحفر لأهل المدينة، وكان يُلحد، فبعثوا إليهما رسولَين، فقالوا: اللهم! خِرْ لرسولك، فوجدوا أبا طلحة فجيء به، ولم يوجد أبو عبيدة، فلحد لرسول الله -صلي الله عليه وسلم-.

стр. 2279

قال: فلما فرغوا من جهازه يوم الثلاثاء، وُضِع على سريره في بيته، ثم دخل الناس على رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أَرسالًا، يُصلون عليه، حتى إذا فرغوا أَدخلوا النساء، حتى إذا فرغوا أَدخلوا الصبيان، ولم يَؤُمَّ الناس على رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أحدٌ. لقد اختلف المسلمون في المكان الذي يُحفر له، فقال قائلون: يُدْفَنُ في مسجده، وقال قائلون: يُدفَنُ مع أصحابه، فقال أبو بكر: إني سمعتُ رسول الله -صلي الله عليه وسلم- يقول: "ما قُبضَ نبيٌّ إلا دُفِنَ حيث يُقْبَضُ" قال، فرفعوا فراش رسول الله -صلي الله عليه وسلم- الذي توفي عليه، فحفروا له، ثُمَّ دُفِنَ ﷺ وسط الليل من ليلة الأربعاء، ونزل في حُفْرَتِه علي بن أبي طالب، والفضل بن العباس، وقُثَم أخُوه، وشُقْران مولى رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، وقال أوس بن خَوْلي، وهو أبو ليلى لعلي بن أبي طالب: أنْشُدُكَ الله وحظَّنا من رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، قال له علي: انْزِلْ، وكان شُقْرانُ مولاه، أخذ قطيفةً كان رسول الله -صلي الله عليه وسلم- يلبسُها، فدَفَنها في القبُر وقال: والله! لا يلبَسُها أحدٌ بعدَكَ أبدًا، فدُفِنَتْ مع رسول الله -صلي الله عليه وسلم-. هذا الحديث رُوي من أوجه كثيرة كما سيأتي تخريجها كاملا في سيرة النبي -صلي الله عليه وسلم- العطرة. وخلاصته أنه حسن، وعمل به الصحابةُ رضوان الله عليهم، ولم يخالفْه أحدٌ فصار كالإجماع. وأما صلاة الناس على النبي -صلي الله عليه وسلم- أفرادًا فمجتمع عليه عند أهل السير، وأهل النقل فإنهم لا يختلفون فيه كما قال الحافظ ابن عبد البر. انظر "التمهيد" (٢٤/ ٣٩٤ - ٤٠٢). وقد قيل: بلغ المصلون على النبي -صلي الله عليه وسلم- ثلاثين ألفًا. وأما ما رُوي عن ابن مسعود في وصية النبي -صلي الله عليه وسلم- أن يغسله رجال أهل بيته، وأنه قال: كفِّنوني في ثيابي هذا، أو في يمانية، أو بياض مصر، وأنه إذا كفَّنوه يضعونه على شفر قبره، ثم يخرجون عنه حتى تُصلي عليه الملائكة، ثم يدخل عليه رجال أهل بيته فيصلون عليه، ثم الناس بعدهم فرادي، الحديث بتمامه سيأتي في موضعه. رواه البيهقي والبزار من حديث مرة، عن ابن مسعود، قال الحافظ ابن كثير في "تاريخه" (٥/ ٢٦٥): "في صحته نظر". فقه هذا الباب: استدل أهل العلم بصلاة الصحابة على النبي -صلي الله عليه وسلم- أرسالًا وفرادى بأنه يسقط الفرض لو صلوا على جنازة فرادي لإجماع الصحابة على ذلك، ولكن السنة أن تُصلى بالجماعة لمواظبة النبي -صلي الله عليه وسلم- طيلة حياته، والصحابة بعده والمسلمون. ١٢ - باب ما جاء في أربع تكبيرات على الجنائز • عن جابر بن عبد الله أن النبي -صلي الله عليه وسلم- صلَّى على أصحمة النجاشي فكبَّر أربعًا. متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٣٤)، ومسلم في الجنائز (٩٥٢) كلاهما من حديث

стр. 2280

سَليم بن حَيَّان، حدثنا سعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد الله فذكره. • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي للناس في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصفَّ بهم وكبَّر أربع تكبيرات. متفق عليه: رواه مالك في الجنائز (١٤) عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكره. ورواه البخاري في الجنائز (١٢٤٥) عن إسماعيل، ومسلم في الجنائز (٩٥١) عن يحيى بن يحيى -كلاهما عن مالك به مثله. • عن أبي هريرة أن النبي ﷺ صلى على جنازة فكبَّر عليها أربعًا، ثم أتى قبر الميت فحثا عليه من قبل رأسه ثلاثًا. حسن: رواه ابن ماجه (١٥٦٥) عن العباس بن الوليد، قال: حدثني يحيى بن صالح، قال: حدثنا سلمة بن كلثوم، قال: حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكر الحديث غير أنه لم يذكر "فكبَّر عليها أربعًا" وإنما رواه المِزِّي في ترجمة سلمة بن كلثوم (٢٤٥٠) بإسناده عن أبي بكر عبد الله بن أبي داود، قال: حدثنا العباس بن الوليد بن صُبح الخلال بإسناده. قال أبو بكر بن أبي داود: "ليس يُروي عن النبي ﷺ حديث صحيح "أنّه كبَّر على جِنازة أربعًا" إلا هذا. ولم يروه إلا سلمة، إنما يُروي عن النبي ﷺ "أنه كبَّر على النجاشي أربعًا، وأنه صلى على قبر فكبَّر أربعًا". ونقل المنذري في مختصر أبي داود كلام أبي بكر بن أبي داود ولفظه هكذا: "ليس يُروى عن النبي ﷺ حديث صحيح: "أنه كبَّر على جنازة أربعًا" إلا هذا. ولم يروه إلا سلمة بن كلثوم، وهو ثقة من كبار أصحاب الأوزاعي، قال: وإنما يُروي عن النبي ﷺ من وجه ثابت أنه "كبّر على قبر أربعًا" و"أنه كبَّر على النجاشي أربعًا" وأما على جنازة هكذا فلا، إلا حديث سلمة بن كلثوم" قال المنذري: هذا آخر كلامه. وفيه تصحيح هذا الحديث من ابن أبي داود. قلت: وإسناده حسن من أجل سلمة بن كلثوم فإنه حسن الحديث لا يرتقي إلى درجة "ثقة". • عن ابن عمر أن النبي ﷺ صلَّى على النجاشي فكبَّر أربعًا. حسن: رواه ابن ماجه (١٥٣٨) عن سهل بن أبي سهل، قال: حدثنا مكي بن إبراهيم أبو السكن، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. وإسناده حسن لأجل سهل بن أبي سهل، وهو ابن زنجلة، قال أبو حاتم: "صدوق"، واعتمده الحافظ في "التقريب"، وذكره ابن حبان في "الثقات".

стр. 2281

وأما ما رُوي عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ كبَّر على النجاشي خمسًا فهو باطل، رواه الجوزقاني في "الأباطيل" (٤٢٧) وقال: "هذا حديث باطل، وسعيد بن المرزبان هذا كان أعور من أهل الكوفة، قال أبو حفص عمرو بن علي: هو ضعيف الحديث، وقال يحيى بن معين: هو ليس بشيء، وعكاشة بن محصن هذا مجهول، هو ليس بعكاشة بن محصن الأسدي الذي روى عن النبي ﷺ "، انتهى. وعلق عليه الدكتور الفريوائي محقق كتاب "الأباطيل" قائلًا: "لعله سقط من السند لفظ "ابن" كان فيه عن ابن عكاشة، والمراد به محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن عكاشة بن محصن أحد المتروكين، نسب إلى جده الأعلى، وهو مذكور في "التهذيب" (٩/ ٤٣٠) انتهى. • عن الشعبي قال: أخبرني من شهد النبيَّ ﷺ أنه أتى على قبر منبوذ فصَفَّهم وكبَّر أربعًا. قلت: يا أبا عمرو! من حدَّثك؟ . قال: ابن عباس ﵄. صحيح: رواه البخاري في الجنائز (١٣١٩) عن مسلم، (وهو ابن إبراهيم) حدثنا شعبة، حدثنا الشيباني، عن الشعبي فذكره، وسيأتي مفصلًا. • عن يزيد بن ثابت، وكان أكبر من زيد، قال: خرجنا مع النبي ﷺ فلما ورد البقيعَ فإذا هو بقبر جديد فسأل عنه فقالوا: فُلانة، قال: فعرفها وقال: "ألا آذنتموني بها" قالوا: كنتَ قائلًا صائمًا، فكرهنا أن نؤذيك، قال: "فلا تفعلوا، لا أعرفنَّ ما مات منكم ميت، ما كنت بين أَظهركم إلا آذنتموني به، فإن صلاتي عليه له رحمةٌ" ثم أتى القبر، فصفَفنا خلقَه، فكبَّر عليه أربعًا. صحيح: رواه النسائي (٢٠٢٢)، وابن ماجه (١٥٢٨) كلاهما من حديث عثمان بن حكيم الأنصاري، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن عمه يزيد بن ثابت فذكره، وإسناده صحيح. وصحَّحه أيضًا ابن حبان (٣٠٨٧) ورواه من هذا الوجه. • عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف أنه قال: اشتكت امرأة بالعوالي مسكينةٌ، فكان النبي ﷺ يسألُهم عنها، وقال: إن ماتت فلا تُدفنوها حتى أصلي عليها، فتوفيت فجاؤا بها إلى المدينة بعد العتمة، فوجدوا رسولَ الله ﷺ قد نام، فكرهوا أن يُوقِظوه، فصلوا عليها ودفنوها ببقيع الغرقد، فلما أصبح رسول الله ﷺ جاؤا فسألهم عنها، فقالوا: قد دُفنت يا رسول الله، وقد جئناك فوجدناك نائمًا فكرهنا أن نوقظك، قال: "فانطلقوا" فانطلق يمشي، ومشوا معه حتى أرَوه قبرها، فقام رسول الله ﷺ وصفوا وراءه فصلى عليها وكبر أربعًا.

стр. 2282

صحيح: رواه النسائي (١٩٦٩) عن يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: حدثني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل فذكره. والحديث صحيح إلا أن أبا أمامة بن سهل واسمه أسعد مشهور بكنيته له رؤية ولم يسمع من النبيّ ﷺ ، وليس هو أبو أمامة الباهلي الصحابي المشهور، وأقام البيهقي (٤/ ٤٨) إسناد هذا الحديث فرواه من طريق الأوزاعي. قال: أخبرني ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف الأنصاري أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ أخبره، أن رسول الله ﷺ كان يعود مرضى مساكين المسلمين وضعفائهم، ويتبع جنائزهم، ولا يصلي عليهم أحد غيره، وإن امرأة مسكينة من أهل العوالي ... فذكر بقية الحديث مثله، وزاد فيه بعض التفاصيل، وفيه: "أنه كبَّر أربعًا كما يكبر على الجنائز". • عن أبي يعفور، عن عبد الله بن أبي أوفي قال: شهدته، وكبَّر على جنازة أربعًا، ثم قال ساعة يعني يدعو، ثم قال: أتروني كنتُ أكبر خمسًا؟ قالوا: لا. قال: إن رسول الله ﷺ قال: يكبر أربعًا. صحيح: رواه البيهقي (٤/ ٣٥) من طرق عن أبي العباس محمد بن يعقوب، ثنا السري بن يحيى، ثنا قبيصة، ثنا الحسن بن صالح، عن أبي يعفور فذكره. ورواه أيضًا إبراهيم الهجري، عن ابن أبي أوفى بمعناه إلا أنه قال: قالوا: قد رأينا ذلك. قال: ما كنت لأفعل أن رسول الله ﷺ كان يُكبر أربعًا، ثم يمكث ما شاء الله، وذكر فيه قصة وهي أن ابنة له ماتت، وكان يتبع جنازتها على بغلةٍ خلفَها، فجعل النساء يبكين، فقال: لا ترثين، فإن رسول الله ﷺ نهى عن المرائي، فتفيض إحداكن من عَبرتها ما شاءت، ثم كبَّر عليها أربعًا، ثم قام بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يدعو، ثم قال: كان رسول الله ﷺ يصنع في الجنازة هكذا. رواه الإمام أحمد (١٩١٤٠) عن حسين بن محمد، حدثنا شعبة، عن إبراهيم الهَجري، عن عبد الله بن أبي أوفي فذكره. إلا أن إبراهيم هو ابن مسلم الهَجري ضعيف، ولذا تعقب الذهبي على الحاكم (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠) في قوله: "هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، وإبراهيم بن مسلم الهجري لم يُنقم عليه بحجة" قال: "ضعَّفوا إبراهيم". وهذا الحديث أخرجه أيضًا ابن ماجه (١٥٠٣) وضعَّفه البوصيري في الزوائد من أجل إبراهيم الهجري. قلت: إن كانت القصة غير صحيحة فأصل الحديث صحيح كما رأيت من طريق أبي يعفور، ولكن يُعكر هذا ما قاله الطبراني في الصغيره (٢٦٨) بأن الحديث المشهور الذي رواه أبو يعفور عن ابن أبي أوفي هو قوله: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، نأكل فيهن الجراد، هكذا قال: ولا يعد من أبي يعفور وهو ثقة ضابط أن يروي عن ابن أبي أوفي حديثين مستقلين، فلا يُضعَّفُ

стр. 2283

أحدهما بالثاني، ولذا صدَّر البيهقي رواية أبي يعفور، وأتبعه برواية إبراهيم الهجري، وسكت الذهبي في "مهذب السنن الكبرى" (٣/ ١٣٨٠)، والحافظ في "التلخيص" والحمد لله على توفيقه. وأما ما جاء في حديثه من زيادة بأنه سلَّم عن يمينه، وعن شماله من رواية إبراهيم الهجري فلم أجد له متابعًا كما سيأتي في باب ما جاء في تسليمتين. ١٣ - باب ما جاء من الزيادة على أربع تكبيرات • عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان زيد (بن أرقم) يُكَبّر على جنازة أربعًا، وإنه كبَّر على جنازة خمسًا، فسألتُه فقال: كان رسول الله ﷺ يُكبرها. صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٥٧) من طرق عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى فذكره. قال ابن عبد البر: ففي هذا ما يدل على أن تكبيره على الجنازة كان أربعًا، وإنه إنما كبر خمسًا مرة واحدة، ولا يوجد هذا عن النبيّ ﷺ إلا من هذا الوجه". ونقل الترمذي عن الإمام أحمد وإسحاق: إذا كبر الإمام على الجنازة خمسًا، فإنه يُتَّبع، انتهى. وأما ما رُوي عن كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ كبَّر خمسًا فهو ضعيف، رواه ابن ماجه (١٥٠٦) من طريق إبراهيم بن علي الرافعي، عن كثير بن عبد الله، عن أبيه عن جده. وإبراهيم بن علي الرافعي رماه بعضهم بالكذب، وشيخه كثير بن عبد الله قال فيه الشافعي: "ركن من أركان الكذب". وكذلك لا يصح ما رُوي عن حذيفة أنه كبَّر على جنازة خمسًا، ثم قال: رأيتُ رسول الله ﷺ فعله، رواه ابن أبي شيبة (٣/ ١٨٦) عن وكيع، عن جعفر بن زياد، عن يحيى بن الحارث التيمي مولى لحذيفة، عن حذيفة فذكره، ورواه الطحاوي في "شرح المعاني" (٢٧٥٥) من وجه آخر نحوه، وفي الإسناد من لا يحتج به كما قال ابن عبد البر، وسيأتي النقل منه. أقوال أهل العلم في عدد التكبيرات على الجنائز: بوَّب البيهقي (٤/ ٣٧) بقوله: "باب ما يستدل به على أن أكثر الصحابة اجتمعوا على أربع، ورأى بعضهم الزيادة منسوخة" ثم أخرج بإسناده عن عمر بن الخطاب قال: كل ذلك قد كان أربعًا وخمسًا، فاجتمعنا على أربع تكبيرات على الجنازة، وعن أبي وائل قال: كانوا يكبرون على عهد رسول الله ﷺ سبعًا وخمسًا وستًا، أو قال: أربعًا فجمع عمر بن الخطاب أصحاب رسول الله ﷺ ، فأخبر كل رجل بما رأى، فجمعهم عمر على أربع تكبيرات كأطول الصلاة. وقال المنذري: وقد اختلف الناس في التكبير على الجنازة. فقيل: أربع تكبيرات، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت،

стр. 2284

وجابر بن عبد الله، والحسن بن علي، وأخيه محمد بن علي، وأبي هريرة، والبراء بن عازب، وعقبة ابن عامر، وعبد الله بن أبي أوفي، وعطاء بن أبي رباح، وهو قول مالك والشافعي والأوزاعي، وأبي حنيفة والثوري والكوفيين، وأحمد بن حنبل، وأبي ثور، وداود. وقال ابن عبد البر النَّمَري: "هو قول عامة الفقهاء، إلا أن أبي ليلى وحده، فإنه قال: خمسًا، ولا أعلم له في ذلك سلفًا إلا زيد بن أرقم، وقد اختلف عنه في ذلك، وحذيفة، وأبا ذر، وفي الإسناد عنهما: من لا يحتج به" هذا آخر كلامه - يعني ابن عبد البر. ثم قال المنذري: "ورجح بعضهم الأربع بكثرة رواته، وصحة أسانيدها، وأنها متأخرة، وقد صلى أبو بكر الصديق على النبي ﷺ فكبر أربعًا، وصلى عمر على أبي بكر فكبر أربعًا، وصلى صهيب على عمر فكبر أربعًا، وصلى الحسن على أبيه عليّ فكبر أربعًا، وصلى عثمان على جنازة فكبر أربعًا، وروي: أن ابن عمر كبر على عمر أربعًا، ولا يصح، وإنما هو صهيب. وقال ابن سيرين وجابر بن زيد: فكبر ثلاثًا، وروي ذلك عن ابن عباس. وكان علي بن أبي طالب يكبر على أهل بدر ستَّ تكبيرات، وعلى سائر الصحابة خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا. وقد روى البيهقي: أن عليًا صلى على أبي قتادة الأنصاري، فكبر عليه سبعًا، وكان بدريًا، وقال البيهقي: هكذا رُوي، وهو غلط؛ لأن أبا قتادة بقي بعد علي ﵄ مدة طويلة، هذا آخر كلامه- أي البيهقي. ومن الناس: من صحَّح أن أبا قتادة توفي بالمدينة، سنة أربع وخمسين، وهذا يؤيده ما قاله البيهقي. وقال أبو عمر النمري: والصحيح أنه توفي بالكوفة في خلافة علي، وهو صلى عليه، وهذا يؤيد الرواية الأولى، والله أعلم. وقال بعضهم: اختلف السلف الأول من الصحابة في ذلك: من ثلاث تكبيرات، إلى تسع. هذا آخر كلام المنذري. وفي هذا النقل من المنذري رد على من ادعي الإجماع على أربع تكبيرات، وأما ما رُوي عن ابن عباس قال: آخر جنازة صلى عليها رسول الله ﷺ كبَّر عليها أربعًا، رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ٣٧) وقال: تفرد به النضر بن عبد الرحمن أبو عمر الخزاز، عن عكرمة وهو ضعيف. وقد رُوي هذا اللفظ من وجوه أخر كلها ضعيفة"، انتهى. ١٤ - باب رفع اليدين في التكبيرات على الجنازة أجمع أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على أنه يرفع يديه في أول تكبيرة، واختلفوا في سائرها. ورد في الباب حديثان:

стр. 2285

أحدهما: حديث أبي هريرة قال: "إن رسول الله ﷺ كبَّر على جنازة فرفع يديه في أول تكبيرة، ووضع اليمني على اليسرى". رواه الترمذي (١٠٧٧) عن القاسم بن دينار الكوفي، حدثنا إسماعيل بن أبان الوراق، عن يحيى بن يعلى، عن أبي فروة يزيد بن سنان، عن زيد (وهو ابن أبي أُنيسة) عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب، عن أبي هريرة فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه". قلت: هذا إسناد ضعيف فإن فيه يزيد بن سنان أبا فروة ضعَّفه الدارقطني وأورده النووي في "الخلاصة" (٣٥١٤) في الفصل الضعيف. والحديث الثاني: حديث ابن عباس قال: "إن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة، ثم لا يعود". رواه الدارقطني (٢/ ٧٥) من طريق الفضل بن السكن، حدثني هشام بن يوسف، ثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس فذكره. قال الذهبي في "الميزان" (٣/ ٣٥٢): الفضل بن السكن الكوفي عن هشام بن يوسف، لا يعرف، وضعَّفه الدارقطني". وهذا الحديث ذكره أيضًا النووي في الفصل الضعيف، ونقل تضعيفه عن الدارقطني. وقال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٤٧): "ضعيف لا يصح فيه شيء". والحديثان ذكرهما ابن التركماني في "الجوهر النقي" (٤/ ٤٤) وسكت عليهما. وقال الترمذي عقب حديث أبي هريرة: "اختلف أهل العلم في هذا، فرأى أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، أن يرفع الرجل يديه في كل تكبيرة على الجنازة، وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: لا يرفع يديه إلا في أول مرة، وهو قول الثوري وأهل الكوفة، وذُكر عن ابن المبارك أنه قال: لا يقبض يمينه على شماله، ورأى بعض أهل العلم أن يقبض بيمينه على شماله كما يفعل في الصلاة. قال الترمذي: هذا أحب إليّ". انتهى. قلت: لعل الجمهور ذهبوا إلى رفع اليدين في كل تكبيرة قياسًا على الصلاة، لأن النبي ﷺ سماها صلاةٌ في أكثر من حديث كما ذكرها البخاري في صحيحه (٣/ ١٨٩). ولعل من أدلتهم ما رواه البيهقي (٤/ ٤٤) وغيره بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه على كل تكبيرة من تكبيرة الجنازة، وإذا قام بين الركعتين يعني في المكتوبة، ويذكر عن أنس بن مالك أنه كان يرفع يديه كلما كبَّر على الجنازة. ومن المعروف أن ابن عمر كان شديد التتبع لفعل النبي ﷺ فلا يبعد أن يكون قد أخذ هذا العمل من النبي ﷺ ؛ ولم يصل إلينا بسند يعتمد عليه، وأما ما رُوي عنه مرفوعًا فهو ضعيف، رواه

стр. 2286

الطبراني في "الأوسط" "مجمع البحرين" (١٢٨٢) عن موسى بن عيسى الجزري، ثنا صهيب بن محمد بن عباد بن صُهيب، ثنا عبَّاد بن صُهيب، ثنا عبد الله بن محرر، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه عند التكبيرة في كل صلاة، وعلى الجنازة. قال الطبراني: لم يرو هذه اللفظة: "وعلى الجنائز" إلا ابن محرر، تفرد به عبَّاد. قلت: وهو كما قال، فإن عبد الله بن محرر القاضي قال فيه أبو حاتم: "متروك الحديث". وقال ابن حبان: كان من خيار عباد الله إلا أنه يكذب، والراوي عنه عباد بن صُهيب أحد المتروكين أيضًا كما في الميزان" و "اللسان". وقد أشار الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٣٢) إلى تضعيفه فقال: "عبد الله بن محرر مجهول" وسكت عن عباد بن صُهيب. وضعَّفه أيضًا الحافظ في "الفتح" (٣/ ١٩٠). فالصحيح أن ما روي عن ابن عمر هو موقوف عليه. ١٥ - باب قراءة سورة الفاتحة جهرًا وسرًا • عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: صليتُ خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: ليعلموا أنها سنة. صحيح: رواه البخاري في الجنائز (١٣٣٥) عن محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن سعد، عن طلحة فذكره. وأما محل قراءة الفاتحة فهو بعد التكبيرة الأولى. قال الترمذي (١٠٢٧) بعد أن أخرج حديث ابن عباس من طريق سفيان، عن سعد بن إبراهيم: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم يختارون أن يُقْرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: لا يقرأ في الصلاة على الجنازة، إنما هو ثناء على الله، والصلاة على النبي ﷺ والدعاء للميت وهو قول الثوري وغيره من أهل الكوفة"، انتهى. انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (٣/ ٥٧). وأما ما رواه النسائي (١٩٨٧) عن الهيثم بن أيوب، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن طلحة وفيه: "فقرأ بفاتحة الكتاب وسورةٍ، وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذتُ بيده فسألته فقال: "سنة وحق"، فزاد فيه: سورة أخرى مع الفاتحة -كما جهر في قراءته وإسناده صحيح. وثبت أيضا ذكر قراءة سورة أخرى عند ابن الجارود (٥٣٧) من وجهين آخرين عن إبراهيم بن سعد. وقد صحح إسناده النووي في "المجموع" (٥/ ٢٣٤) فلعله فعل مرة أو مرتين لبيان جواز ذلك لا أنه سنة مستمرة، وإلا فقد قال البيهقي (٤/ ٣٨): اذكر السورة غير محفوظ". • عن أبي أمامة أنه قال: السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة

стр. 2287

الأولى بأم القرآن مُخافتةٌ، ثم يكبر ثلاثًا، والتسليم عند الآخرة. صحيح: رواه النسائي (١٩٨٩) عن قتيبة قال: حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة فذكره. وإسناده صحيح، صحَّحه الحاكم (١/ ٣٦٠) على شرط الشيخين، وكذا قال النووي أيضًا في "المجموع" (٥/ ٣٣)، وصحَّحه الحافظ في "الفتح". وقوله: "من السنة أي من سنة رسول الله ﷺ . قلت: إلا أنه مرسل الصحابي، فإن أبا أمامة ليس هو الباهلي الصحابي المشهور، وإنما هو: أسعد ابن سهل بن حُنيف الأنصاري، ولد في حياة النبي ﷺ ، ولم يسمع منه، وروي عن النبي ﷺ مرسلًا. والحديث المذكور وصله الشافعي بذكر رجل من أصحاب النبي ﷺ ، أخرجه البيهقي (٤/ ٣٩) من طريق الشافعي أنبأ مطرف بن مازن، عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل، أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ "أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يُكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سِرًا في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات لا يقرأ في شيء منهن، ثم يُسلم سِرًا في نفسه". ومطرف كذّبه ابن معين، ثم روى عن الضحاك بن قيس مثل قول أبي أمامة، ثم قال البيهقي: "فقويت بذلك رواية مطرف في ذكر الفاتحة" انتهى. فلا كراهية في قراءة الفاتحة سواء على سبيل الثناء كما يقول الحنفية، أو على سبيل القراءة كما يقول الجمهور. انظر ما ذكره الشيخ عبد الحي الحنفي في "التعليق الممجد" (٢/ ١١٣) وقوله: "ثم يصلي على النبي ﷺ " أي بعد التكبيرة الثانية، ويختار من صيغ الصلاة على النبي ﷺ كما سبق في التشهد. وقوله: "ويُخلص الدعاء" أي بعد التكبيرة الثالثة، ويختار من الأدعية ما يشاء كما سيأتي. وقوله: "ثم يسلم سرا" أي لا يرفع صوته كالصلوات، بل يُسلم حتى يسمع من يليه، وكان ابن عمر يفعل ذلك، وهو أحد أقوال الإمام أحمد، والقول الثاني له: أنه يُسلم جهرًا. وأما من فاته بعض الصلاة، فإنه يقضي ما فاته على صفته بعد أن يُسلم الإمام، قياسًا على الصّلوات المفروضة، لأني لم أجد حديثًا صحيحًا ولا ضعيفًا فيمن فاته بعض الصلاة على الجنائز. ١٦ - باب إخلاص الدعاء للميت • عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا صليتُم على الميت فأخلصوا له الدعاء". حسن: رواه أبو داود (٣١٩٩)، وابن ماجه (١٤٩٧) كلاهما من طريق محمد بن سلمة الحرّاني، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي

стр. 2288

هريرة فذكره. وإسناده حسن لأجل محمد بن إسحاق فإنه مدلس، فإذا صرَّح يُحسن حديثه، وقد وقع التصريح بالتحديث عند ابن حبان (٣٠٧٧) فإنه رواه من وجه آخر عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن إبراهيم، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسلمان الأغر مولى جهينة، كلهم حدثوني عن أبي هريرة فذكر الحديث. ١٧ - باب ما جاء من الأدعية على الجنازة • عن عوف بن مالك يقول: صلى رسول الله ﷺ على جنازة، فحفظتُ من دعائه وهو يقول: "اللهم! اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأَكرِم نُزُلَه، ووَسِّع مُدخَلَه، واغسِله بالماء والثلج والبَرَد، ونَقِّه من الخطايا كما نَقَّيتَ الثوبَ الأبيضَ من الدنَس، وأبدِله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخِله الجنة، وأعِذه من عذاب القبر أو من عذاب النار" قال: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت. صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٦٣) عن هارون بن سعيد الأيلي، أخبرنا ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح، عن حبيب بن عبيد، عن جبير بن نُفير، سمعه يقول: سمعت عوف بن مالك فذكر الحديث. وفي رواية عنده من طريق ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي حمزة بن سليم، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه ولفظه: "اللهم! اغفر له وارحمه، واعف عنه وعافه، وأكرم نُزُلَه، ووسِّع مُدخله، واغسِله بماءٍ وثلجٍ وبَرَدٍ، ونَقِّه من الخطايا كما يُنَقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدنس، وأبدله دارُا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وقِهِ فتنةَ القبرِ وعذابَ النار". وروى الترمذي (١٠٢٥) من هذا الوجه مختصرا بقوله: "اللَّهم اغفر له، وارحمه، واغسله بالبرد، واغسله كما يُغسل الثوب". وقال: قال محمد -يعني البخاري-: "أصح شيء في هذا الباب هذا الحديث". كذا بصيغة المجهول: "كما يُنَقَّى الثوبُ الأبيضُ"، هذا هو الصحيح ولا يحتاج إلى تفسير، وأما قوله: "كما نَقَّيتَ الثوبَ الأبيضَ" فيحتاج إلى كشف معانيه. • عن أبي هريرة قال: صلى رسول الله ﷺ على جنازة فقال: "اللَّهم! اغفر لحيِّنا ومَيِّتِنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأُنثانا، وشاهدنا وغائبنا، اللَّهم! من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيتَه منا فتوفه على الإسلام، اللَّهم! لا تحرمنا

стр. 2289

أجره، ولا تضلنا بعده". صحيح: رواه أبو داود (٣٢٠١)، والترمذي (١٠٢٤)، وابن ماجه (١٤٩٨) من طرق عن يحيى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة فذكره، إلا ابن ماجه فإنه أخرجه من وجه آخر عن أبي سلمة بإسناده مثله. ويحيى بن أبي كثير مدلس، إلا أنه توبع عند ابن ماجه فرواه من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، كما أنه صرَّح بالتحديث في رواية الحاكم (١/ ٣٥٨) وصحَّحه على شرط الشيخين، وصحَّحه أيضًا ابن حبان (٣٠٧٠). وليحيى بن كثير طرق أخرى، منها: ما رواه الأوزاعي عنه، عن أبي إبراهيم الأشهلي، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى على جنازة قال: "اللَّهم! اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا"، رواه الترمذي (١٠٢٤)، والنسائي (١٩٨٦)، وقال الترمذي: "حديث والد أبي إبراهيم حسن صحيح"، وقال: سمعتُ محمدًا -يعني البخاري- يقول: "أصح الروايات في هذا، حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم الأَشهلي، عن أبيه، وسألتُه عن اسم أبي إبراهيم فلم يعرفه"، انتهى. وقال أبو حاتم عن أبي إبراهيم الأشهلي: "لا يُدري من هو؟ " "الجرح والتعديل" (٩/ ٣٣٢). وجعله الحافظ في درجة "مقبول" أي حيث يتابع، وقد توبع. ومنها ما رواه هشام الدستوائي وعلي بن المبارك هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عن سلمة ابن عبد الرحمن، عن النبي ﷺ مرسلًا. ورواه الحاكم (١/ ٣٥٨) من طريق عمر بن يونس بن القاسم اليمامي، ثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: سألت عائشة أم المؤمنين كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ على الميت فقالت: كان يقول: "اللَّهم! اغفر لحينا وميتنا، وذَكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، اللَّهم! من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان". جعله الحاكم شاهدًا صحيحًا على شرط مسلم لحديث أبي هريرة. ولكن قال الترمذي: حديث عكرمة بن عمار غير محفوظ، وعكرمة ربما يهم في حديث يحيي". قلت: وهو كما قال، والجمهور على أنه مضطرب الحديث وخاصة في روايته عن يحيى بن أبي كثير، لأنه لم يكن عنده كتاب ولعلّ هذا منه، لأن المعروف أن هذا الحديث رواه الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة. وليحيى بن أبي كثير طرق أخرى منها ما رواه عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه أنه شهد النبي ﷺ صلى على ميت، فسمعه يقول: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا،

стр. 2290

وذَكرنا وأُنثانا". قال: وحدثني أبو سلمة بهؤلاء الثمان كلمات، وزاد كلمتين: "من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان". رواه الإمام أحمد (١٧٥٤٦، ٢٢٥٥٤) من طريقين عن همام، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثنا عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه فذكره، وقد صرَّح ابن أبي كثير في إحدى روايته بالتحديث. وهذا الطريق ذكره الذهبي في المختصر السنن الكبرى" (٣/ ١٣٨٥) وسكت عليه. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "اللَّهم! عبدُك وابن عبدك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمدًا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، إن كان محسنًا فزده في إحسانه، وإن كان مسيئًا فاغفر له، ولا تَحرمنا أجره ولا تَفتِنَّا بعده". صحيح: رواه أبو يعلى "المقصد العلي" (٤٦٥) عن وهب بن بقية، أنا خالد بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن إسحاق المديني، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة فذكر الحديث، وصحَّحه ابن حبان (٣٠٧٣) فأخرجه عن أبي يعلى وهو أحمد بن علي بن المثنى الموصلي به مثله. وإسناده صحيح، قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٣٣): رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح". قلت: وهو كما قال، ولكن رواه مالك في الجنائز (٣/ ٣٣)، وعنه عبد الرزاق في المصنف" (٦٤٢٥) عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، أنه سأل أبا هريرة كيف تُصلي على الجنازة؟ فقال أبو هريرة: لعَمرُ الله أُخبِرُكَ أتَّبِعُها من أهلها، فإذا وُضِعت كبَّرتُ وحمدتُ الله، وصليتُ على النبي، ثم أقول: فذكر الدعاء ولم يرفعه إلى النبي ﷺ . وليس فيه انقطاع كما قالوا: فإن سعيد بن أبي سعيد المقبري روي عن أبيه، عن أبي هريرة، وروي أيضًا عن أبي هريرة بدون واسطة أبيه. وأما كون مالك أوقفه فلعله يَعُود إلى سعيد بن أبي سعيد المقبري فإنه اختلط عليه قبل موته، فلعله رواه مرة مرفوعًا، ثم شك فرواه موقوفًا فما كان من اليقين يُؤخذ، وما كان من الشك يترك. وأما ما رُوي عن علي بن شماخ قال: شهدتُ مروان يسأل أبا هريرة: كيف سمعت رسول الله ﷺ يصلي على الجنازة؟ قال: أمع الذي قلت؟ قال: نعم، قال: كلام كان بينهما قبل ذلك، قال أبو هريرة: "اللَّهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئناك شُفَعَاء فاغفر له" فهو ضعيف. رواه أبو داود (٣٢٠٠) عن أبي معمر عبد الله بن عمرو، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أبو الجُلاس عقبة بن سيار، حدثني علي بن شَمَّاخ قال: شهدت مروان سأل أبا هريرة: كيف سمعت رسول الله ﷺ يصلي على الجنازة فذكر الحديث مثله. ورواه الإمام أحمد (٧٤٧٧) عن يزيد، أخبرنا شعبة، عن الجُلاس، عن عثمان بن شمَّاس قال:

стр. 2291

سمعت أبا هريرة ومرَّ عليه مروان فقال: بعضَ حديثه عن رسول الله ﷺ ، أو حديثك عن رسول الله ﷺ ثم رجع، فقلنا: الآن يقع به، قال: كيف سمعت رسول الله ﷺ يصلي على الجنائز؟ فذكره. قال أبو داود: أخطأ شعبةُ في اسم علي بن شَماَّخ، قال فيه عثمان بن شماس، وسمعت أحمد ابن إبراهيم الموصلي يحدث أحمد بن حنبل قال: ما أعلم أني جلست من حماد بن زيد مجلسًا إلا نهى فيه عن عبد الوارث وجعفر بن سليمان. انتهى. ورُوي هذا الحديث بأسانيد كثيرة إذا جمعت تبين أن فيها اضطرابًا في الإسناد، وجهالةٌ في بعض الرواة، واختلافًا في الوقف والرفع، انظر هذه الأسانيد واختلافها في كتاب الدعاء للطبراني (١١٧٩، ١١٨٠، ١١٨٢، ١١٨٣، ١١٨٤، ١١٨٥) • عن واثلة بن الأسقع قال: صلى بنا رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: "اللَّهم! إن فُلان بن فُلان في ذمتك، وحبلِ جوارك، فقِه من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهلُ الوفاء والحق - وفي رواية "الحمد" اللهم فاغفر له، وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم". حسن: رواه أبو داود (٣٢٠٢)، وابن ماجه (١٤٩٩) كلاهما عن عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا مروان بن جناح، قال: حدثني يونس بن ميسرة بن حَلبَسِ، عن واثلة بن الأسقع فذكره ولفظهما سواء. وإسناده حسن من أجل مروان بن جناح الأموي مولاهم، الدمشقي، أصله كوفي، وثَّقه جماعة من أهل العلم، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال الحافظ في "التقريب": "لا بأس به". قلت: ومثله يحسن حديثه. والوليد بن مسلم، القرشي مولاهم كثير التدليس والتسوية، وقد صرَّح بالتحديث فانتفت منه شبهة التدليس. وأخرجه الإمام أحمد (١٦٠١٨) وصحَّحه ابن حبان (٣٠٧٤) كلاهما من طرق، عن الوليد بن مسلم بإسناده مثله. وقوله: "حبل جوارك" قال بعضهم: كان من عادة العرب أن يخيف بعضهم بعضًا، فكان الرجل إذا أراد سفرًا أخذ عهدًا من سيد كل قبيلة، فيأمن به مادام في حدودها حتى ينتهي إلى الأخرى، فيأخذ مثل ذلك، فهذا حبل الجوار، أي مادام مجاورًا أرضه، أو هو من الإجارة: وهو الأمان والنصرة"، قاله المنذري. • عن يزيد بن ركانة قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام للجنازة ليصلي عليها قال: "اللهم! عبدُك وابن أمتك احتاج إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، إن كان

стр. 2292

محسنًا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه". حسن: رواه الحاكم (١/ ٣٥٩) عن أبي محمد عبد العزيز بن عبد الرحمن الخلال بمكة، ثنا عبد الرحمن بن إسحاق الكاتب، ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن يزيد بن ركانة فذكر الحديث. قال الحاكم: "هذا إسناد صحيح، ويزيد بن ركانة وأبوه ركانة بن عبد يزيد صحابيان من بني المطلب بن عبد مناف ولم يخرجاه". قلت: يزيد بن ركانة وأبوه صحابيان كما قال الحاكم، وكذا أكد أيضًا ابن عبد البر في الاستيعاب. وأخرج ابن قانع والطبراني من طريق حسين بن زيد بن علي، عن ابن عمه جعفر بن محمد الحديث المذكور. أورده الحافظ في "الإصابة" (٣/ ٦٥٥). قلت: وأما الطبراني فرواه في "المعجم الكبير" (٢٢/ ٢٤٩) من وجه آخر عن يعقوب بن حميد ابن كاسب، ثنا حسين بن زيد بن علي بإسناده مثله، "وفيه كبَّر على الميت أربعًا" وزاد في آخر الحديث: "ثم يدعو بما شاء الله أن يدعو". وفيه يعقوب بن حميد بن كاسب المدني نزيل مكة، وقد ينسب إلى جده، تكلم فيه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وغيرهم، إليه أشار الحافظ الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٣٤) بقوله: "رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه يعقوب بن حميد وفيه كلام". قلت: ولا يضر الكلام فيه لأنه تابعه إبراهيم بن المنذر الحزامي في إسناد الحاكم، وهو حسن الحديث، وثَّقه الدارقطني وقال أبو حاتم: "صدوق"، وقال النسائي: "ليس به بأس"، وجعله الحافظ في درجة "صدوق" وقال: "تكلم فيه أحمد لأجل القرآن وهو من رجال البخاري دون مسلم". وأما ما روي عن ابن عباس مرفوعًا: أنه ﷺ إذا صلى على ميت قال: "اللهم! اغفر لحينا وميتنا، ولذَكرنا ولأنثانا، ولصغيرنا ولكبيرنا، من أحيته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم! عفوك، عفوك" فإسناده ضعيف والحديث صحيح. رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" "مجمع البحرين" (١٢٨٦) عن أحمد، ثنا عبيد، ثنا عطاء بن مسلم الخفاف، عن العلاء بن المسيب، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس فذكره. وعطاء بن مسلم الخفاف قال فيه البخاري: "لا أعرفه" وقال أبو داود: "ضعيف" وقال الإمام أحمد: "مضطرب الحديث" وقال ابن حبان: "كان شيخا صالحًا، دفن كتبه، ثم جعل يحدث، فكان يأتي بالشيء على التوهم فيخطئ، فكثر المناكير في أخباره، وبطل الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات". "المجروحين" (٧٢٤) وذكره أيضًا ابن الجوزي في "الضعفاء". ولكن كان ابن معين حسن الراي فيه لصلاحه فوثَّقه، وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٣٣):

стр. 2293

"وإسناده حسن"، وذلك بناء على ذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٢٥٥) وهذا مما تناقض فيه ابن حبان، والله المستعان. وكذلك لا يصح ما رُوي عن عائشة مرفوعًا: "اللهم! اغفر له، وصلِّ عليه، وبارك فيه، وأورده حوض رسولك". رواه الطبراني في "الأوسط" "مجمع البحرين" (١٢٨٧) وأبو يعلى "المقصد العلي" (٤٦٤) كلاهما من حديث زكريا بن يحيى الرقاشي الخزاز، ثنا عاصم بن هلال، ثنا أيوب السختياني، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. واللفظ للطبراني، ولم يذكر أبو يعلى "وبارك فيه" وإسناده ضعيف من أجل عاصم بن هلال، وهو البارقي ضعَّفه ابن معين، وقال النسائي: "ليس بالقوي"، وقال ابن حبان: "كان ممن يقلب الأسانيد توهما"، وقال ابن عدي: "عامة ما يرويه لا يتابعه عليه الثقات". وقال فيه ابن حجر: "فيه لين" ومشاه الآخرون فقال أبو حاتم: "صالح شيخ محله الصدق"، وقال أبو داود: "ليس به بأس". وأورده الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٣٣) وقال: "وفيه عاصم بن هلال وثَّقه أبو حاتم وضعَّفه غيره". وفي الباب أيضًا عن الحارث مرفوعًا ولفظه: "اللهم! اغفر لأحيائنا، ولأمواتنا، وأصلح ذات بيننا، وألِّف بين قلوبنا، اللَّهم! هذا عبدك فلان بن فلان، لا نعلم إلا خيرًا، وأنت أعلم به، فاغفر لنا وله". فقلت له: وأنا أصغر القوم، فإن لم أعلم خيرًا؟ فلا تقل إلا ما تعلم. رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" "مجمع البحرين" (١٢٨٨) وفيه ليث بن أبي سُليم مختلط، وبه علَّله الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٣٣). ١٨ - باب ما جاء في تسليمة واحدة • عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، وكان من كبراء الأنصار وعلمائهم، وأبناء الذين شهدوا بدرًا مع رسول الله أخبره رجال من أصحاب النبي ﷺ في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويخلص الصلاة في التكبيرات الثلاث، ثم يسلم تسليمًا خفيًا حين ينصرف، والسنة أن يفعل من وراءه مثل ما فعل الإمام. صحيح: رواه الحاكم (١/ ٣٦٠)، وعنه البيهقي (٤/ ٣٩ - ٤٠) عن إسماعيل بن أحمد التاجر، ثنا محمد بن الحسن العسقلاني، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف وكان من كبراء الأنصار وعلمائهم، وأبناء الذين شهدوا بدرًا مع رسول الله ﷺ ، أخبره رجال من أصحاب رسول الله ﷺ في الصلاة على الجنازة فذكره.

стр. 2294

قال الحاكم: قال الزهري: "حدثني بذلك أبو أمامة، وابن المسيب يسمع فلم ينكر ذلك عليه، قال ابن شهاب: فذكرت الذي أخبرني أبو أمامة من السنة في الصلاة على الميت لمحمد بن سويد قال: وأنا سمعت الضحاك بن قيس، يحدث عن حبيب بن مسلمة في صلاة صلاها على الميت مثل الذي حدثنا أبو أمامة، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وليس في التسليمة الواحدة على الجنازة أصح منه. انتهى. ورواه ابن الجارود في "المنتقى" (٥٤٠) عن محمد بن يحيى، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، قال: سمعت أبا أمامة بن سهل بن حُنيف يُحدِّث ابنَ المسيب قال: السنة في الصلاة على الجنازة أن تُكبر، ثم تقرأ بأم القرآن، ثم تُصلي على النبي ﷺ ، ثم تُخلص الدعاء للميت، ولا تقرأ إلا في التكبيرة الأولى، ثم تسلم في نفسه عن يمينه، وهذا إسناد صحيح. قال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٢٢) بعد أن ساقه عن ابن الجارود: "ورجال هذا الإسناد مخرج لهم في الصحيحين". قلت: ولكن ظاهره مرسل، ولكن ثبت موصولًا كما مضى. ثم ذكر الحاكم حديث أبي هريرة الآتي شاهدًا لحديث أبي أمامة. وقوله: "في نفسه" أي: لا يرفع صوته رفعا شديدا. • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة، فكبَّر عليها أربعًا، وسلَّم تسليمةً واحدة. حسن: رواه الدارقطني (٢/ ٧٧) عن أحمد بن إسحاق بن البهلول، ثنا الحسين بن عمرو العنقري، ثنا إبراهيم بن إسماعيل، ثنا حفص بن غيات، عن أبي العنبس، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. وأخرجه الحاكم (١/ ٣٦٠) وعنه البيهقي (٤/ ٤٣) من وجه آخر عن حفص بن غياث بإسناده مثله، ولا يضر ما يقال في شيخ الحاكم وهو أبو بكر بن أبي دارم الحافظ واسمه أحمد بن محمد بن السري بن يحيى بن أبي دارم كما في "الميزان" بأنه رافضي كذاب؛ لأن الحديث ثابت من طريق غيره. قال الحاكم: "وقد صحت الرواية فيه عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وعبد الله بن أبي أوفي وأبي هريرة أنهم كانوا يسلمون على الجنازة تسليمة واحدة". قلت: هذه الآثار أسندها البيهقي، وذكر أيضًا معلقًا عن عطاء بن السائب مرسلًا أن النبي ﷺ سلم على الجنازة تسليمة واحدة. وأسنده أبو داود في مراسيله (٤٠٨) عن طريق أبي إسحاق الفزاري، عن عطاء بن السائب فذكره، وأبو إسحاق ليس ممن روى عن عطاء قبل اختلاطه.

стр. 2295

١٩ - باب ما جاء في تسليمتين • عن ابن مسعود قال: ثلاث خلال كان رسول الله ﷺ يفعلهن، تركهن الناس، إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة. حسن: رواه الطبراني في الكبير" (١٠/ ١٠٠) من طريق موسى بن أعين، عن خالد بن يزيد أبي عبد الرحمن، عن زيد بن أبي أنيسة، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود، ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا البيهقي (٤/ ٤٣) واللفظ له. قال الحافظ الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٣٤): "رجاله ثقات". وقال النووي في "المجموع" (٥/ ٢٣٩): "إسناده جيد" وقال في "الخلاصة" (٣٥٠٧): "رواه البيهقي بإسناد جيد". قلت: في إسناده حماد بن أبي سليمان وثقه ابن معين والنسائي والعجلي، وتكلم فيه غيرهم، غير أنه حسن الحديث. وقوله: مثل التسليم في الصلاة -أي الصلوات المفروضات وقد ثبت عن عبد الله بن مسعود وغيره أن النبي ﷺ كان يسلم تسليمتين في الصلاة. وروي عن عبد الله بن أبي أوفي أنه كبَّر أربعًا، فمكث ساعة حتى ظننا أنه سيكبر خمسًا، ثم سلَّم عن يمينه، وعن شماله، فلما انصرف قلنا له: ما هذا؟ قال: إني لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع. رواه الحاكم (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠)، والبيهقي (٤/ ٤٣) كلاهما من حديث إبراهيم الهجري، عن عبد الله بن أبي أوفي فذكر الحديث. قال الحاكم: "صحيح وإبراهيم بن مسلم الهَجري لم ينقم عليه بحجة". ورده الذهبي فقال: "ضعَّفوا إبراهيم". قلت: وهو كما قال. وإلى التسليمتين ذهب أبو حنيفة والشافعي، ورواية عن الإمام أحمد بأنه تُجزئ عنه تسليمتان، كما تجزئُ تسليمة واحدة، والمستحبة واحدة. ٢٠ - باب الصّلاة على السّقط • عن المغيرة بن شعبة، قال: قال النبيّ: "السِّقط يصلي عليه، ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة". صحيح: رواه أبو داود (٣١٨٠)، والترمذي (١٠٣١)، والنسائي (١٩٤٣)، وابن ماجه (١٤٨١) كلّهم من طرق، عن زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، فذكره في حديث

стр. 2296

طويل. انظر: ما جاء في الركوب خلف الجنازة. وإسناده صحيح. قال الحاكم: "صحيح على شرط البخاري". والسقط الذي يصلي عليه هو من استكمل أربعة أشهر لحديث ابن مسعود، قال: حدّثنا رسول الله ﷺ -وهو الصادق المصدوق-: "إنّ خلق أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يومًا وأربعين ليلة، ثم يكون علقة مثله، ثم يكون مضغة مثله، ثم يبعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات، فيكتب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد، ثم ينفخ فيه الروح". متفق عليه. البخاري (٧٤٥٤)، ومسلم (٢٦٤٣)، وقد مضى في كتاب الإيمان. وبه قال الإمام أحمد بأن السقط يغسّل ويصلى عليه. وعند الشافعي: يغسل، وفي الصلاة عليه قولان. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يغسل ولا يصلى عليه إلا أن يستهل. وفي معناه ما روي عن أبي هريرة مرفوعًا: "صلوا على أطفالكم فإنهم من أفراطكم". رواه ابن ماجه (١٥٠٩)، من طريق البختري بن عبيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. والبختري ضعيف متروك. قال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به إذا انفرد. وأبوه عبيد وهو ابن سلمان الطانجي "مجهول" كما قال أبو حاتم والدّارقطنيّ. وأما ما روي عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "الطفل لا يصلي عليه، ولا يرث ولا يورث حتى يستهل" فهو ضعيف. رواه الترمذي (١٠٣٢)، والنسائي في الكبرى -كما في التحفة-، وابن ماجه (١٥٠٨)، وابن حبان (٦٠٣٢)، والحاكم (٤/ ٣٤٨ - ٣٤٩) كلهم من حديث أبي الزبير، عن جابر، فذكره. وأبو الزبير المكي مدلس وقد عنعن، ومع هذا فقد اضطرب الناس في هذا الحديث كما قال الترمذي، فرواه بعضهم عن أبي الزبير مرفوعًا. ورواه بعضهم عن أبي الزبير موقوفًا، وكأنه أصح. قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (٢/ ١١٣): "وبه جزم النسائي، وقال الدارقطني في "العلل": لا يصح رفعه، وقد روي عن شريك، عن أبي الزبير مرفوعًا ولا يصح. وذكر طرقه عن أبي الزبير وضعّفها. ثم حصر هذه العلل في تدليس أبي الزبير وإن كان محفوظًا عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر كما رواه الحاكم وصحّحه على شرط الشيخين، وقال: ووهم لأنَّ أبا الزبير ليس من شرط البخاري وقد عنعن" انتهى كلام الحافظ. وفي معناه حديث علي وابن عباس ذكرهما الزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ٢٧٧)، وابن حجر في "التلخيص" وبيّنا ضعفهما. والخلاصة أنه لم يثبت شرط الاستهلال للصلاة على السقط.

стр. 2297

٢١ - باب الصلاة على الغائب • عن جابر قال: قال النبي ﷺ حين مات النجاشي: "مات اليومَ رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة". متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٧٧)، ومسلم في الجنائز (٩٥٢/ ٦٥) كلاهما من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله فذكره واللفظ للبخاري، وزاد مسلم: "فقام فأمَّنا وصلي عليه". • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي للناس في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصفَّ بهم وكبَّر أربع تكبيرات. متفق عليه: رواه مالك في الجنائز (١٤) عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكره. ورواه البخاري في الجنائز (١٢٤٥)، ومسلم في الجنائز (٩٥١) كلاهما من حديث مالك به مثله. وفي رواية: "فنهض ونهضنا حتى انتهى إلى البقيع". رواه أبو داد الطيالسي (٢٣٠٠) وفيه زمعة بن صالح الجَندي جمهور أهل العلم مطبقون على تضعيفه. • عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أخًا لكم قد مات، فقوموا فصلوا عليه" يعني النجاشي. وفي رواية: "إن أخاكم". صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٥٣) من طرق عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين فذكره. ورواه الإمام أحمد (٢٠٠٥) وغيره من وجه آخر عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة وفيه: "فصفَّ رسول الله ﷺ ، وصففنا خلْفَه، فصلى عليه، وما نحسب الجنازة إلا موضوعة بين يديه"، وصحَّحه ابن حبان (٣١٠٢)، ورواه من هذا الوجه. • عن حذيفة بن أَسيد الغفاري أن رسول الله ﷺ أُخبِر بموت النجاشي، قال: فقال: "صَلُّوا على أخ لكم مات بغير أرضكم" قالوا: من هو؟ قال: "النجاشي". صحيح: رواه ابن ماجه (١٥٣٧) عن محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أَسيد فذكره. قال البوصيري: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وله شاهد في الصحيحين من حديث جابر ابن عبد الله، ومن حديث أنس بن مالك". قلت: وهو كما قال، لكن اختلف في سماع قتادة عن أبي الطفيل، فالصحيح أنه سمع منه كما قال ابن المديني. ذكره العلائي في "جامع التحصيل" (٦٣٣).

стр. 2298

وقد حسَّنه الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٣٩) بعد أن عزاه إلى الطبراني في الكبيره (٣/ ١٩٩) لأنه رواه من طريق عمران القطان، عن قتادة بإسناده، وزاد في الحديث: "فمن أراد أن يصلي عليه فليصل عليه" وعمران القطان هو أبو العوام قال فيه ابن معين: ليس بالقويّ، وفي رواية: ليس بشيء لم يرو عنه يحيى بن سعيد، وضعَّفه أيضًا أبو داود في رواية، كما ضعَّفه أيضًا النسائي، وغيره، ولذا هذه الزيادة منكرة، فإنه لم يتابع عليها. والحديث رواه الإمام أحمد (١٦١٤٥) عن رَوح قال: حدثنا سعيد بن أبي عَروبة، وعبد الوهاب، عن سعيد، (يعني ابن أبي عروبة) عن قتادة، عن أبي الطفيل بإسناده، مثل حديث ابن ماجه. وسعيد بن أبي عروبة مختلط، ولكن سمع منه رَوح وعبد الوهاب قبل اختلاطه. وفي الباب حديث مجمع بن جارية الأنصاري مرفوعًا: "إن أخاكم النجاشي قد مات فقوموا وصلوا عليه" رواه ابن ماجه (١٥٣٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا معاوية بن هشام، قال: حدثنا سفيان، عن حمران بن أعين، عن أبي الطفيل، عن مجمع بن جارية الأنصاري فذكره. ورواه عبد الله بن أحمد (١٦٦٠٦) من هذا الوجه إلا أنه قال: عن فلان بن جارية الأنصاري، ورواه الإمام أحمد (٢٣١٩٥) عن معاوية بن هشام به مثله. وإسناده ضعيف فإن حمران بن أعين ضعيف عند جمهور أهل العلم، وبه أعلَّه البوصيري في زوائد ابن ماجه (١/ ٥٠٠) فقال: "حمران ضعَّفه ابن معين والنسائي، وقال أبو داود: رافضي، وقال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات". انتهى. وقد اختلط على الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي فنقل في سنن ابن ماجه من زوائد البوصيري: "إسناده صحيح، ورجاله ثقات" وإنما قال البوصيري هذا القول في حديث حذيفة بن أسيد كما سبق، فتنبه، فإن كل من اعتمد على الشيخ محمد فؤاد وقع في هذا الوهم. وفي الباب عن أنس. رواه الطبراني في "الأوسط" (٢٦٨٨)، وفيه مؤمل بن إسماعيل تُكلم فيه، وله طريق آخر في "الأوسط" (٥١٤٣)، وفيه أبو بكر بن عياش. وفيه أيضا عن وحشي بن حرب، رواه الطبراني في "الكبير" (٢٢/ ١٣٦) من طريق وحشي بن حرب بن وحشي بن حرب، عن أبيه، عن جده. ووحشي بن حرب الحفيد "مستور" كما قال الحافظ، وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٣٩): "رواه الطبراني في "الكبير" وفيه سليمان بن أبي داود الحراني وهو ضعيف" هكذا قال الهيثمي، والإسناد الذي ساقه الطبراني فيه: محمد بن سليمان بن أبي داود الحراني، قال: ثنا وحشي بن حرب، ولم يقل فيه محمد بن سلمان، عن أبيه سليمان بن أبي داود، فلعل النسخة التي كانت عند الهيثمي فيها زيادة "أبيه". وعن أبي سعيد الخدري رواه الطبراني في "الأوسط" (٤٦٤٢) وفيه أبو أسلم محمد بن مخلد

стр. 2299

الرعيني ضعيف جدًّا. وعن جعفر بن أبي طالب رواه البزار، والطبراني في "الكبير" (٢/ ١١٠ - ١١١) وفيه مجالد بن سعيد ضعيف. وعن جرير رواه أحمد (١٩١٨٦)، والطبراني في "الكبير" (٢/ ٣٦٧) من حديث شريك، عن أبي إسحاق، عن عامر الشعبي، عن جرير. وشريك سيء الحفظ، وله طرق أخرى لا تخلو من ضعف. ويستفاد من أحاديث الباب جواز الصلاة على الميت الغائب عن البلد، وهو مذهب الشافعي وأحمد وأكثر السلف، لأن المقصود من الصلاة الدعاء والاستغفار للميت وهو مطلوب شرعًا، وخاصة إذا كان الميت له جهود في خدمة الإسلام والمسلمين فأدنى حق على كل مسلم أن يصلي عليه ويدعو له. ومنعه أبو حنيفة ومالك وغيرهما من أهل العلم وقالوا: هذا خاص بالنجاشي وليس لغيره؛ لأنه مات في بلد لم يُصل عليه، وقيل إن النبي ﷺ طُويتْ له الأرض فكأنه بين يديه، وقيل غير ذلك. قال النووي في "المجموع" (٥/ ٢٥٣): "دليلنا حديث النجاشي، وهو صحيح لا مطعن فيه، وليس لهم عنه جواب صحيح، بل ذكروا فيه خيالات أجاب عنها أصحابنا بأجوبة مشهورة، منها قولهم: إنه طويت الأرض فصار بين يدي النبي ﷺ . وجوابه: أنه لو فتح هذا الباب لم يبق وثوق بشيء من ظواهر الشرع لاحتمال انحراف العادة في تلك القضية مع أنه لو كان شيء من ذلك لتوفرت الدواعي بنقله. وأما حديث العلاء بن زيدل ويقال ابن زيد عن أنس أنهم كانوا في تبوك فأخبر جبريل النبي ﷺ بموت معاوية بن معاوية في ذلك اليوم وأنه قد نزل عليه سبعون ألف ملك يصلون عليه فطويت الأرض للنبي ﷺ حتى ذهب فصلى عليه ثم رجع، فهو حديث ضعيف، ضعفه الحفاظ منهم البخاري في تاريخه، والبيهقي، واتفقوا على ضعف العلاء هذا وأنه منكر الحديث، انتهى. وقال الخطابي في "معالم السنن": "وهذا تأويل فاسد، لأن رسول الله ﷺ إذا فعل شيئًا من أفعال الشريعة، كان علينا متابعته والاتِّساءُ به، والتخصيص لا يُعلم إلا بدليل، ومما يُبَين ذلك أنه ﷺ خرج بالناس إلى المصلى فصفَّ بهم، فصلوا معه، فعُلم أن هذا التأويل فاسد. والله أعلم"، انتهى. وانظر أيضًا "المنة الكبرى" (٣/ ٧٠ - ٧١). ومن أخبار النجاشي ما ورد عن عائشة قالت: لما مات النجاشي كنا نتحدّث أنه لا يزال يُرى على قبره نور. رواه أبو داود (٢٥٢٣) عن محمد بن عمرو الرازي، حدثنا سلمة -يعني ابن الفضل- عن محمد ابن إسحاق، حدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة فذكرته. وهو في السيرة النبوية لابن

стр. 2300

هشام (١/ ٣٤٠). وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق. ٢٢ - باب من صلى عليه مائة شُفِّعوا فيه • عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "ما من ميت يُصلِّي عليه أمة من المسلمين يَبْلُغون مائة كلهم يشفعون له إلا شُفِّعوا فيه". صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٤٧) عن الحسن بن عيسي، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا سلَّامُ ابن أبي مطيع، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد رضيع عائشة، عن عائشة فذكرته. قال: "فحدثتُ به شُعيب بن الحَبْحَاب فقال: حدثني به أنس بن مالك، عن النبي ﷺ ، انتهى. وقوله: " فحدثت به شعيب" القائل هو سلَّامُ بن أبي المطيع هكذا بَيَّنه النسائي (٩٩١) وفي رواية عنده: "أمة من الناس يبلغون أن يكونوا مائة .. ". • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من صلَّى عليه مائة من المسلمين غُفر له". صحيح: رواه ابن ماجه (١٤٨٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبيدالله، قال: أنبأنا شيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده صحيح، قال البوصيري: "هذا إسناد صحيح رجاله رجال الصّحيحين، وله شاهد من حديث عائشة رواه النسائي والترمذي وقال: حسن صحيح". قلت: هذا تقصير من البوصيري، فإن حديث عائشة مخرج في صحيح مسلم كما مضى. ٢٣ - باب من صلى عليه أربعون شُفِّعوا فيه • عن ابن عباس أنه مات ابن له بقَديد، أو بعُسْفان، فقال: يا كريب! انظر ما اجتمع له من الناس، قال: فخرجتُ فإذا ناس قد اجتمعوا له، فأَخبرتُه، فقال: تقول هم أربعون؟ قال: نعم، قال: أخرجوه، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجل مسلم يموتُ فيقوم على جنازته أربعون رجلًا، لا يُشْركون بالله شيئًا إلا شَفَّعهم الله فيه". صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٤٨) من طرق، عن ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كُريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس فذكر الحديث. ٢٤ - باب من صلى عليه أمة شُفِّعوا • عن ميمونة زوج النبي ﷺ قالت: أخبرني النبي ﷺ قال: "ما من ميت يُصلِّي عليه أمة من الناس إلا شُفِّعوا فيه". فسألت أبا المليح عن الأمة، فقال: أربعون.

стр. 2301

وفي رواية: الأمة أربعون إلى مائة. حسن: رواه النسائي (١٩٩٣) عن إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا محمد بن سواء أبو الخطاب، قال: حدثنا أبو بكَّار الحكم بن فرُّوخ قال: صلَّى بنا أبو الملح على جنازة فظننا أنه قد كبَّر، فأقبل علينا بوجهه فقال: أقيموا صفوفكم ولتحسُنْ شَفاعتُكم، قال أبو المليح: حدثني عبد الله وهو ابن سليط، عن إحدى أمهات المؤمنين، وهي ميمونة فذكرت الحديث. والرواية الثانية عند الإمام أحمد (٢٦٨١٢) عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكار إلا أنه قال في إسناده: "عبد الله بن سليل" ولكن رواه أيضًا عن أبي عبيدة الحدَّاد قال: حدثني عبد الله بن سليط. وهذا يؤيد ما قاله أبو الخطاب محمد بن سواء. وقد رجَّح الحافظ وغيره أن يكون هو عبد الله بن سليط، وهو ممن ذكره ابن حبان في الصحابة، ثم في التابعين، وقال: له صحبة فيما يزعمون انظر: "الإصابة" (٢/ ٣٢١ - ٣٢٢) فإن صحَّ ما ذكره ابن حبان بأن له صحبة فالإسناد حسن من أجل محمد بن سواء أبي الخطاب فإنه "صدوق". وللحديث أسانيد أخرى غير أن ما ذكرته هو أصحَّها. ٢٥ - باب الصلاة على القبر بعد الدفن • عن سليمان الشيباني قال: سمعت الشعبي قال: أخبرني من مرَّ مع النبي ﷺ على قبر منبوذٍ فأمَّهم، وصفُّوا عليه، فقلت: يا أبا عمرو! من حدثك؟ قال: ابن عباس. وفي رواية: عن ابن عباس قال: مات إنسان كان رسول الله ﷺ يعوده فمات بالليل، فدفنوه ليلًا، فلما أصبح أخبروه فقال: "ما منعكم أن تعلموني؟ قالوا: كان الليلُ فكرهنا -وكانت ظُلمة- أن نَشُقَّ عليك، فأتى قبره فصلى عليه. متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٨٥٧)، ومسلم في الجنائز (٩٥٤) كلاهما من حديث محمد بن جعفر غندر، قال: حدثنا شعبة، عن سليمان الشيباني فذكره. والرواية الثانية عند البخاري (١٢٤٧) من طريق أبي معاوية، عن الشيباني، ورواه الشيخان من أوجه أخرى عن سليمان الشيباني به مثله. إلا أنه في طريق عبد الله بن إدريس، عن الشيباني عند مسلم زيادة: "فكبَّر أربعًا". وأما ما رواه الدارقطني (٢/ ٧٨) من طريق هريم بن سفيان، عن الشيباني، عن الشعبي، عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى على ميت بعد موته بثلاث. فلفظة "ثلاث" شاذة كما قال غير واحد من أهل العلم، والصحيح أنه صلى عليه في صبيحة دفنه. • عن أبي هريرة أن امرأة سوداء كانت تقُمُّ المسجد (أو شابًا) ففقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها (أو عنه) فقالوا: مات. قال: "أفلا كنتُم آذنتموني" قال: فكأنهم

стр. 2302

صغروا أمرها (أو أمره) فقال: "دُلُّوني على قبره" فدلُّوه فصلى عليها، ثم قال: "إن هذه القبور مملوءة ظلمةً على أهلها، وإن الله يُنَوِّرها لهم بصلاتي عليهم". متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٣٧)، ومسلم في الجنائز (٩٥٦) كلاهما من حديث حماد بن زيد، عن ثابت البناني، عن أبي رافع، عن أبي هريرة فذكره، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري قريب منه. ورجح أهل العلم أن هذا القبر كان لامرأة لأنه جاء في بعض الروايات بغير شك، واليقين مقدم على الشك، وقوله: "تَقُمُّ المسجد"، أي تكنسه، والقُمامة الكناسة، والمِقَمَّة المكنسة. أخذ جمهور أهل العلم بهذا الحديث، وقالوا بمشروعية الصلاة على الميت بعد ما دُفن، ومنعه مالك وأبو حنيفة وغيرهم بحجة أن ذلك من خصوصيات النبي ﷺ ؛ لأن الله يُنور قبر الميت بصلاته ﷺ كما أخبره المصطفى ﷺ . انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (٣/ ٦٨). • عن أنس أن النبي ﷺ صلَّى على قبر. صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٥٥) عن إبراهيم بن محمد بن عرعرة السامي، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن حبيب بن الشهيد، عن ثابت، عن أنس فذكر الحديث، هكذا رواه مسلم حديث أنس مختصرا وجاء تفصيله في الحديث التالي. • عن أنس أن أسود كان ينظف المسجد فمات، فدُفِن ليلا، وأَتي النبي ﷺ ، فأُخْبِرَ، فقال: "انطلِقوا إلى قبره"، فانطلَقوا إلى قبره، فقال: "إن هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة، وإن الله ينورها بصلاتي عليها"، فأتي القبر فصلَّى عليه، وقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! إن أخي مات ولم تصل عليه. قال: فأين قبره؟ " فأخبره فانطلق رسول الله ﷺ مع الأنصاري. حسن: رواه أحمد (١٢٥١٧) عن سليمان بن داود الطيالسي، حدثنا أبو عامر -يعني الخزاز، عن ثابت، عن أنس، فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي عامر، وهو صالح بن رستم المزني مولاهم البصري مختلف فيه، فضعفه ابن معين، ووثقه أبو داود. وقال أحمد: صالح الحديث. وقال ابن عدي: "عزيز الحديث"، وقال: "روى عنه يحيى القطان مع شدة استقصائه، وهو عندي لا بأس به، ولم أر له حديثا منكرا جدا". • عن يزيد بن ثابت، وكان أكبر من زيد، قال: خرجنا مع النبي ﷺ فلما ورد البقيعَ فإذا هو بقبر جديد سأل عنه فقالوا: فُلانة، قال: فعرفها وقال: "ألا آذنتموني بها" قالوا: كنتَ قائلًا صائمًا، فكرهنا أن نؤذيك، قال: فلا تفعلوا، لا أعرفنَّ ما

стр. 2303

مات منكم ميت، ما كنت بين أَظهركم إلا آذنتموني به، فإن صلاتي عليه له رحمةٌ" ثم أتي القبر، فصفَفْنا خلْفَه، فكبَّر عليه أربعًا. صحيح: رواه النسائي (٢٠٢٢)، وابن ماجه (١٥٢٨) كلاهما من حديث عثمان بن حكيم الأنصاري، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن عمه يزيد بن ثابت فذكره. وإسناده صحيح. وصحَّحه ابن حبان (٣٠٨٧) والحاكم (٣/ ٥٩١). • عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف أنه أخبره، أن مسكينةً مرضَتْ، فأخبر النبي ﷺ بمرضها، وكان رسول الله ﷺ يعود المساكين، ويسأل عنهم، فقال رسول الله ﷺ : "إذا ماتت فآذنتموني بها" فخرج بجنازتها ليلًا، فكرهوا أن يُوقِظوا رسولَ الله ﷺ ، فلما أصبح رسول الله ﷺ أخبر بالذي كان من شأنها فقال: "ألم آمركم أن تؤذنوني بها؟ " فقالوا: يا رسول الله! كرهنا أن نُخرجَك ليلًا، ونوقظك، فخرج رسول الله ﷺ حتي صفَّ بالناس على قبرها، وكبَّر أربع تكبيرات. صحيح: رواه مالك في الجنائز (١٥) عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل فذكره، وهذا مرسل فإن أبا أمامة -واسمه سعد، مشهور بكنيته له رؤية ولم يسمع من النبي ﷺ . ورواه النسائي (١٩٠٧) من طريق مالك. وأقام البيهقي (٤/ ٤٨) إسناد هذا الحديث فرواه من طريق الأوزاعي قال: أخبرني ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف الأنصاري، قال: إن بعض أصحاب النبي ﷺ أخبره فذكر الحديث بطوله وزاد فيه بعض التفاصيل الأخرى. وأما ما رُوي عن أبي أمامة بن سهل، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يعود فقراء أهل المدينة، ويشهد جنائزهم إذا ماتوا، قال: فتوفيت امرأة من أهل العوالي، فذكر الحديث بمثله. ففيه سفيان بن حسين يروي عن الزهري، وهو ضعيف فيه، أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (٣/ ٣٦١) عن سعيد بن يحيى الحميري، عن سفيان بن حسين بإسناده، وقد خطّأ أبو حاتم هذه الطريق، ولكنه رجح رواية الزهري عن أبي أمامة مرسلة كما رواها مالك، وزيادة الثقة مقبولة، وقد زاد الأوزاعي: "عن بعض أصحاب النّبي ﷺ . • عن جابر أن النبي ﷺ صلى على قبر امرأةٍ بعد ما دُفنتْ. حسن: رواه النسائي (٢٠٢٥) عن المغيرة بن عبد الرحمن، قال: حدثنا زيد بن علي -وهو أبو أسامة، قال: حدثنا جعفر بن بُرقان، عن حبيب بن أبي مرزوق، عن عطاء، عن جابر فذكره. وإسناده حسن لأجل زيد بن علي فإنه "صدوق" وجعفر بن برقان "حسن الحديث". • عن عامر بن ربيعة قال: مر رسول الله ﷺ بقبر فقال: ما هذا القبر؟ " قالوا:

стр. 2304

قبر فلانة، قال: "أفلا آذَنْتموني؟ " قالوا: كنت نائمًا، فكرهنا أن نُوقظك، قال: "فلا تفعلوا فادعوني لجنائزكم" فصفَّ عليها فصلَّي. حسن: رواه الإمام أحمد (١٥٦٧٣) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز -يعني ابن محمد الدراوردي، عن محمد بن زيد التيمي، عن عبد الله بن عامر، عن أبيه فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد العزيز الدراوردي فإنه "حسن الحديث". وأما ما رواه ابن ماجه (١٥٢٩) عن يعقوب بن حُميد بن كاسب، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي بإسناده نحوه وفيه: إن امرأة سوداء ماتت. فإسناده ضعيف لأن شيخ ابن ماجه وهو يعقوب بن حميد بن كاسب تكلم فيه غير واحد من أهل العلم فقال ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال النسائي: ليس بشيء. قلت: والحديث حسن بدونه كما رواه الإمام أحمد. وفي الباب عن حصين بن وحوح أن طلحة بن البراء لما لقي النبي ﷺ قال: يا رسول الله! مرني بأمرك ولا أعصي لك أمرًا. قال فعجب لذلك النبيّ ﷺ وهو غلام فقال له عند ذلك "اذهب فاقتل أباك" قال: فذهب موليًا ليفعل فدعاه فقال: "اقبل فإني لم أبعث بقطيعة الرحم" فمرض طلحة بعد ذلك فأتاه النبي ﷺ يعوده في الشتاء في برد وغيم، فلما انصرف قال لأهله: "إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت، فآذنوني به حتى أشهده وأصلي عليه، وعجلوا" فلم يبلغ النبي ﷺ بني سالم ابن عوف حتى توفي، وجن عليه الليل فكان فيما قال طلحة: ادفنوني وألحقوني بربي ، ولا تدعوا رسول الله ﷺ فإني أخاف اليهود أن يصاب في سببي وأخبر النبي ﷺ حين أصبح فجاء حتى وقف على قبره، وصفَّ الناس معه فقال: " اللهم الق طلحة تضحك إليه، ويضحك إليك". رواه الطبراني في "الكبير" (٤/ ٣٣) عن موسى بن هارون، ثنا عمر بن زرارة الحدثي، ثنا عيسي ابن يونس، عن سعيد بن عثمان البلوي، عن عروة بن سعيد الأنصاري، عن أبيه، عن حصين بن وحوح فذكره. قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٣٧): "عزاه صاحب الأطراف بعض هذا إلى أبي داود -ولم أره- رواه الطبراني في "الكبير" وإسناده حسن". قلت: هو كما قال صاحب الأطراف، فقد رواه أبو داود (٣١٥٩) في باب التعجيل بالجنازة وكراهية حبسها عن عبد الرحيم بن مطرف الرواسي أبي سفيان وأحمد بن جناب، قالا: حدثنا عيسي، قال أبو داود: وهو يونس، عن سعيد بن عثمان البلوي، عن عزرة، وقال عبد الرحيم: عروة بن سعيد الأنصاري، عن أبيه، عن الحصين بن وَحْوَح، أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبيّ ﷺ يعوده فقال: "إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت، فأذنوني به وعجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تُحبس بين ظهراني أهله".

стр. 2305

قلت: وفي الإسناد عروة أو عزرة "مجهول" كما قال الحافظ في "التقريب" وسعيد بن عثمان البلوي، لم يرو عنه إلا عيسى بن يونس، ولم يوثقه أحد، وإنما ذكره ابن حبان في "ثقاته" (٦/ ٣٦١) ولم يذكر من الرواة عنه سوي عيسي بن يونس فهو "مجهول" أيضًا، وجعله الحافظ في "التقريب" "مقبول" لذكره ابن حبان في الثقات، وترجمه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٤/ ٤٧) ولم يقل فيه شيئًا. وفي الباب أيضًا عن بريدة: أن النبي ﷺ صلَّى على ميت بعد ما دفن"، رواه ابن ماجه (١٥٣٢) عن محمد بن حُميد قال: حدثنا مهران بن أبي عمر، عن أبي سنان، عن علقمة بن مرثَد، عن ابن بريدة، عن أبيه فذكره. ورواه البيهقي من هذا الوجه (٤/ ٤٨) في سياق أطول، ومحمد بن حميد هو: ابن حبان الرازي، قال فيه البخاري: "في حديثه نظر"، وقال النسائي: "ليس بثقة"، وقال الجوزجاني: "ردئ المذهب غير ثقة"، وقال ابن حبان: لينفرد عن الثقات بالمقلوبات". وكان ابن معين: حسن الرأي فيه فوثَّقه. والقول فيه قول الجماهير، وشيخه مهران بن أبي عمر العطار مختلف فيه، قال الحافظ: "صدوق له أوهام، سيء الحفظ". وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي سعيد قال: كانت سوداء تقُمُّ المسجدَ، فتوفيتْ ليلًا. فلما أصبح رسول الله ﷺ أُخبر بموتها فقال: "ألا آذنتموني بها؟ " فخرج بأصحابه فوقف على قبرها، فكبَّر عليها، والناس من خلفه، ودعا لها، ثم انصرف. رواه ابن ماجه (١٥٣٣) وفي إسناده عبد الله بن لهيعة وفيه كلام معروف، ولم يرو عنه أحد العبادة، وقد ضعَّفه أيضًا البوصيري في "مصباح الزجاجة". أقوال أهل العلم في الصلاة على القبر: قال الترمذي بعد أن أخرج حديث ابن عباس (١٠٣٧): "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيره، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: لا يُصلي على القبر. وهو قول مالك بن أنس. وقال عبد الله بن المبارك: إذا دفن الميت، ولم يُصل عليه صُلِّى على القبر. (ورأي ابن المبارك الصلاة على القبر) هكذا ذكره مكررًا، وقال أحمد وإسحاق: يصلي على القبر إلى شهر، وقالا: أكثر ما سمعنا عن ابن المسيب أن النبي ﷺ صلي على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر". ثم أخرج مرسل سعيد بن المسيب قال: إن أم سعد ماتت والنبي ﷺ غائب، فلما قدم صلي عليها، وقد مضى لذلك شهر. انتهى. ٢٦ - باب الصلاة على القاتل نفسه لغير ولي المسلمين • عن جابر بن سمرة قال: أتي النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص، فلم يُصَلّ عليه. وفي رواية: ذكرت قصة هذا الرجل بأنه مرض، فصيح عليه، فجاء جاره إلى رسول الله ﷺ ،

стр. 2306

فقال [له]: إنه قد مات، قال: "وما يُدْريك؟ " قال: أنا رأيته، قال رسول الله ﷺ : "إنَّه لم يمت"، قال: فرجع، فصيح عليه، فجاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إنه قد مات، فقال النبي ﷺ : "إنه لم يمت" فرجع، فصيح عليه، فقالت امرأته: انطلق إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال الرجل: اللهم! العنه، قال: ثم انطلق الرجل، فرآه قد نحر نفسه بمشْقَص معه، فانطلق إلى النبي ﷺ فأخبره أنه قد مات، فقال: "وما يُدريك؟ " قال: رأيته ينحر نفسه بمشاقِصَ معه، قال: "أنت رأيته؟ " قال: نعم، قال: "إذًا لا أصلي عليه". صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٧٨) عن عون بن سلَّام، أخبرنا زهير، عن سماك، عن جابر فذكره. والرواية الثانية عند أبي داود (٣١٨٥) من وجه آخر، عن زهير بإسناده. قال الترمذي عقب هذا الحديث (١٠٦٨): "هذا حديث حسن صحيح. واختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: يُصلَّي على كل من صلَّى إلى القبلة، وعلى قاتل النفس، وهو قول الثوري وإسحاق، وقال أحمد: لا يُصَلِّي الإمام على قاتل النفس، ويُصَلِّي عليه غير الإمام". وقال النووي: في هذا الحديث دليل لمن يقول: لا يُصَلِّي على قاتل نفسه لعصيانه، وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي، وقال الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: يُصَلِّي عليه، وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي ﷺ لم يُصَلَّ عليه بنفسه زجرًا للناس عن مثل فعله، وصلت عليه الصحابة، وهذا كما ترك النبي ﷺ الصلاة في أول الأمر على من عليه دين زجرًا لهم عن التساهل في الاستدانة، وعن إهمال وفائه، وأمر أصحابه بالصلاة عليه، فقال ﷺ : "صلوا على صاحبكم". قال القاضي: مذهب العلماء كافة الصلاةُ على كل مسلم، ومحدود، ومرجوم، وقاتل نفسه، وولد الزنا، وعن مالك وغيره: أن الإمام يجتنب الصلاة على مقتول في حد، وأن أهل الفضل لا يُصلون على الفساق زجرًا لهم، وعن الزهري: لا يُصَلِّي على مرجوم، ويُصَلِّي على المقتول في قصاص، وقال أبو حنيفة: لا يُصَلِّي على محارب، ولا على قتيل الفئة الباغية، وقال قتادة: لا يُصَلِّي على ولد الزنا، وعن الحسن: لا يُصَلِّي على النفساء تموت من زنا، ولا على ولدها" انتهى. ونقل القرطبي في "المفهم" عن الإمام أحمد: لا يُصلِّي الإمام على قاتل نفس، ولا على غال، وقال أبو حنيفة: لا يُصلِّي على من ترك الصلاة إذا قيل، ويُصلِّي على من سواه. ٢٧ - باب ترك الصلاة على المرجوم • عن جابر أن رجلًا من أسلم جاء النبي ﷺ فاعترف بالزنا، فأعرض عنه النبي ﷺ حتى شهد على نفسه أربع مرات، قال له النبي ﷺ : "أبك جنون"؟ قال: لا، قال: "أحصنت؟ " قال: نعم، قال: فأمر النبي ﷺ فرجم بالمصلي، فلما أذلقتْه الحجارة فرَّ، فأُدرك فرجم حتى مات، فقال النبي ﷺ خيرًا، ولم يُصَلِّ عليه.

стр. 2307

متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٨٢٠)، ومسلم في الحدود (١٦٩١/ ١٦) كلاهما من حديث عبد الرزاق، وهو في مصنفه (١٣٣٣٧) عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر فذكر الحديث واللفظ من مصنف عبد الرزاق. وأما مسلم لم يسق لفظه، وأما البخاري فقال: "وصلى عليه" وهو خطأ كما قال البيهقي (٨/ ٢١٨) فإن كل من رواه من طريق عبد الرزاق لم يقل فيه "وصلى عليه" منهم أبو داود (٤٤٣٠)، والترمذي (١٤٢٩)، والنسائي (١٩٥٦)، وأحمد (١٤٤٦٢) وغيرهم. ثم قال البخاري: لم يقل يونس وابن جريج، عن الزهري: "فصلى عليه". قلت: وكذلك لم يقل معمر عن الزهري: "فصلي عليه"، بل قال: "ولم يصل عليه" كما سبق. وأما ما رواه أبو برزة الأسلمي أن رسول الله ﷺ لم يُصَلِّ على ماعز بن مالك، ولم ينه عن الصلاة عليه، فقيه رجال مجاهيل. رواه أبو داود (٣١٨٦) عن أبي كامل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، حدثني نفر من أهل البصرة، عن أبي برزة الأسلمي فذكره. ونفر من أهل البصرة رجال لا يعرفون. ٢٨ - باب جواز الصلاة على المرجوم • عن عمران بن حُصين أن امرأة من جُهينة أتتْ نبي الله ﷺ وهي حُبلى من الزنا، فقالت: يا نبي الله! أصبتُ حدًا فأقمه عليَّ، فدعا النبي ﷺ وليها فقال: "أحسن إليها، فإذا وضعت فائتني بها" ففعل. فأمر بها نبي الله ﷺ فشكتْ عليها ثيابُها، ثم أمر بها فرجمتْ، ثم صلَّى عليها، فقال له عمر: تُصلي عَليها يا نبي الله! وقد زنتْ فقال: "لقد تابتْ توبة لو قُسِمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتْهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادتْ بنفسها الله تعالي". صحيح: رواه مسلم في الحدود (١٦٩٦) عن أبي غسان مالك بن عبد الواحد المشمعي، حدثنا معاذ (يعني ابن هشام) حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو قلابة، أن أبا المهلب حدَّثه، عن عمران بن حصين فذكره. ٢٩ - باب ما جاء من النهي عن الصلاة على المنافقين والمشركين والاستغفار لهم • عن عبد الله بن عمر قال: لما تُوفي عبد الله بن أُبَيّ ابن سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ إلى رسول الله ﷺ وسأله أن يُعطيه قميصَه يُكفِّنُ فيه أباه فأعطاه. ثم سأل أن يُصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! تصلي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله ﷺ : إنما خيَّرني الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾

стр. 2308

[التوبة: ٨٠] وسأزيده على سبعين" قال: إنه منافق قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ فأنزل الله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [سورة التوبة: ٨٤]. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٦٧٠)، ومسلم في صفات المنافقين (٢٧٧٤) كلاهما من حديث أبي أسامة، حدثنا عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر فذكره ولفظهما سواء. ورواه مسلم من حديث يحيي القطان، عن عبيدالله بهذا الإسناد نحوه وزاد: قال: "فترك الصلاة عليهم". جاء في بعض الروايات: قال عمر: فعجبتُ من جرأتي على رسول الله ﷺ . • عن المسيب بن حَزْن قال: لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال النبي ﷺ : "أي عم! قل: لا إله إلا الله. أحاج لك بها عند الله" فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أميه: يا أبا طالب! أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال النبي ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك" فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [سورة التوبة: ١١٣]. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٦٧٥)، ومسلم في الإيمان (٢٤/ ٤٠) كلاهما عن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه فذكره، واللفظ للبخاري. وفي رواية عند عبد الرزاق أيضًا بعد قوله فنزلت: .. ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيّ ... ﴾ ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [سورة القصص: ٥٦]. • وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لعمه عند الموت: "قل: لا إله إلا الله. أشهد لك بها يوم القيامة" فأبى، فأنزل الله: ﴿(٥٥) إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [سورة القصص: ٥٦]. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٥) من طرق عن مروان، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة فذكر الحديث، ورواه من وجه آخر عن يحيى بن سعيد، حدثنا يزيد بن كيسان بإسناده، وذكر فيه قول أبي طالب: لولا أن تُعيّرني قريش يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك. • وعن جابر قال: لما مات أبو طالب قال رسول الله ﷺ : "رحمك الله وغفر لك يا عم، ولا أزال أستغفر لك حتي ينهاني الله " فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ

стр. 2309

الْجَحِيمِ﴾ [سورة التوبة: ١١٣]. صحيح: رواه الحاكم (٢/ ٣٣٥) من طريق أبي حمة اليماني، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقال لنا أبو علي (أي شيخه الحافظ الحسين بن علي) على أثره: "لا أعلم أحدًا وصل هذا الحديث عن سفيان غير أبي حمة اليماني، وهو ثقة، وقد أرسله أصحاب ابن عينة". • عن علي بن أبي طالب، قال: سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: أتستغفر لهما وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [سورة التوبة: ١١٤]. حسن: رواه الترمذي (٣١٠١)، والنسائي (٢٠٣٦) كلاهما من حديث سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن علي بن أبي طالب فذكره. قال الترمذي: "حديث حسن". وأخرجه الإمام أحمد (١٠٨٥)، والحاكم (٢/ ٣٣٥) من هذا الوجه وقال: "صحيح الإسناد". وأبو الخليل هو عبد الله بن الخليل، أو ابن أبي الخليل الحضرمي الكوفي، قال ابن سعد: كان قليل الحديث، ووثَّقه ابن حبان، وروى عنه جمع، فيُحسن حديثه في الشواهد، وأما إذا انفرد فينظر فيه. ٣٠ - باب لا يصلي الإمام على من عليه دين حتى يقضي عنه • عن سلمة بن الأكوع قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ إذ أُتِيَ بجنازةٍ، فقالوا: صلِّ عليها، فقال: "هل عليه دَيْنٌ؟ " قالوا: لا، قال: فهل ترك شيئًا" قالوا: لا، فصَلَّى عليه، ثم أُتِيَ بجنازةٍ أُخرى، فقالوا: يا رسول الله! صلِّ عليها، قال: "هل عليه دين؟ " قيل: نعم، قال: فهل ترك شيئًا؟ " قالوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليها، ثم أُتِي بالثالثة، فقالوا: صلِّ عليها، قال: "فهل ترك شيئًا؟ " قالوا: لا، قال: "هل عليه دين؟ " قالوا: ثلاثة دنانير، قال: "صلُّوا على صاحبكم". قال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله! وعليَّ دينُه، فصلى عليه. صحيح: رواه البخاري في الكفالة (٢٢٨٩، ٢٢٩٥) من طريقين عن المكي بن إبراهيم، وأبي عاصم، كلاهما عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، فذكره، واللفظ للمكي، ولفظ أبي عاصم مختصر.

стр. 2310

• عن أبي قتادة، أن النبي ﷺ أتي بجنازة رجل ليصلي عليها فقال النبي ﷺ : "صلوا على صاحبكم، فإن عليه دينا". قال أبو قتادة: هو عليَّ. فقال رسول الله ﷺ : "بالوفاء؟ " قال: بالوفاء، فصلى عليه. وفي رواية كان عليه ثمانية عشر، أو تسعة عشر درهما. صحيح: رواه الترمذي (١٠٦٩)، والنسائي (١٩٦٠)، وابن ماجه (٢٤٠٧) كلهم من طرق، عن شعبة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، قال: سمعت عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه فذكره. والرواية الثانية ذكرها ابن ماجه. قال الترمذي: حسن صحيح. وصحَّحه أيضًا ابن خزيمة (٣٠٦٠) ورواه من هذا الوجه وللحديث طرق أخرى. • عن جابر قال: توفي رجل فغسَّلناه، وحنَّطناه وكفَّنَّاه، ثم أتينا به رسول الله ﷺ يصلي عليه، فقلنا: تُصلي عليه، فخطا خطىً ثم قال: "أعليه دين؟ " قلنا: ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة: فأَتيناه. فقال أبو قتادة: الدنياران عليَّ. فقال رسول الله ﷺ : "حق الغريم، وبَرِئَ منهما الميت؟ " قال: نعم، فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك بيوم "ما فعل الديناران؟ " فقال: إنما مات أمس، قال: فعاد إليه من الغد، فقال: قد قضيتُهما، فقال رسول الله ﷺ : "الآن برَّدْتَ عليه جِلْده". حسن: رواه الإمام أحمد (١٤٣٦) عن عبد الصمد وأبي سعيد، المعنى، قالا: حدثنا زائدة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله فذكره. وإسناده حسن لأجل عبد الله بن محمد ابن عقيل فإنه حسن الحديث ورواه الحاكم (٢/ ٥٨) من هذا الوجه وصحَّحه. وأبو سعيد هو: عبد الله بن عبد الله بن عبيد مولى بني هاشم. وزائدة هو: ابن قدامة. وقوله: "حقَّ الغريم، وبرئ منهما الميت" قال البيهقي (٦/ ٧٤): "إن كان حفظه ابن عقيل فإنما عنَي به -والله أعلم- للغريم مطالبتك بهما وحدك إن شاء، كما لو كان له عليك حق من وجه آخر، والميت منه بريء. • عن أبي أمامة قال: توفي رجل على عهد رسول الله ﷺ فلم يوجد له كفن، فأتوا النبي ﷺ فقال: "انظروا إلى داخلة إزاره" فأصيب دينار، أو ديناران فقال: "كَيَّتَانِ، صلوا على صاحبكم" فقال رجل: إلي قضاؤها يا رسول الله! ، فصلَّى عليه. حسن: رواه الطبراني في "الكبير" (٤/ ١٢٤) عن محمد بن أحمد بن أبي خيثمة، ثنا عبد الرحمن بن يونس الرقي، ثنا عقبة بن علقمة، عن أرطاة بن المنذر، عن ضمرة بن حبيب، عن أبي أمامة فذكره. وإسناده حسن من أجل عقبة بن علقمة، وهو المعافري مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم

стр. 2311

يكن الحديث من ابنه محمد فإنه كان يُدخل عليه، وكذلك إذا لم يكن الحديث من روايته عن الأوزاعي، فإنه روى عنه ما لا يوافقه عليه أحد كما قال ابن عدي، وقد وثَّقه ابن أبي خيثمة وأبو مسهر، وقال ابن معين: لا بأس به، وبقية رجاله ثقات وإسناده متصل. قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٤١): "رجاله ثقات". • عن أبي هريرة أن النبي ﷺ أتي بجنازة فقام يصلي عليها، قالوا: عليه دين، فقال رسول الله ﷺ : "انطلقوا بصاحبكم، فصلوا عليه، فقال رجل: عليَّ دينه، فصَلِّ عليه، فقام رسول الله ﷺ فصلى عليه. حسن: رواه البزار (٧٨٠٤) عن محمد بن معمر، قال: نا روح بن عبادة قال: نا محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره. قال البزار: "هذا الحديث رواه ابن أبي ذئب عن الزهري، عن أبي سلمة، ولا نعلم أحدا قال: عن سعيد إلا ابن أبي حفصة". قلت: وهو كما قال. ولكن لا يبعد أن يكون عند الزهري حديثان، أحدهما هذا، والآخر هو ما يأتي في الباب الذي يليه. ومحمد بن أبي حفصة مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٤٠): "رجاله رجال الصحيح". وأما ما رُوي عن عيسى بن صدقة بن عباد اليشكري قال: دخلت مع أبي على أنس بن مالك فقلنا له: حدَّثنا حديثًا ينفعنا الله به، فسمعته يقول: من استطاع منكم أن يموت ولا دين عليه فليفعل، فإني رأيت نبي الله ﷺ وأتي بجنازة رجل، وعليه دين فقال: "لا أصلي عليه حتى تضمنوا دَيْنَه فإن صلاتي عليه تنفعه" فلم يضمنوا دَينه، ولم يُصل عليه، وقال: "إنه مرتهن في قبره" فهو ضعيف. رواه أبو يعلى (٤٢٢٩) عن سعيد بن الأشعث، أخبرني عيسي بن صدقة بن عَبَّاد فذكره. ورواه أبو الوليد قال: حدثنا عيسى بن صدقة، عن عبد الحميد بن أمية قال: شهدتُ أنس بن مالك، فقال له رجل: يا أبا حمزة! حدِّثنا حديثًا ينفعنا الله به، قال: من استطاع منكم أن يموت، وليس عليه دين فليفعل، فإني شهدت رسول الله- ﷺ أتي بجنازة رجل يُصلي عليه، فقال: "عليه دين؟ " فقالوا: نعم، قال: فما ينفعكم أن أصلي على رجل روحه مرتهن في قبره، لا تصعد روحه إلى الله، فلو ضمن رجل دَينَه قُمت فصلَّيت عليه، فإن صلاتي تنفعه"، رواه العُقيلي في الضعفاء (١٤٣٢) عن معاذ بن المثنى بن معاذ قال: حدثنا أبو الوليد فذكره. قال: حدثني آدم بن موسي، قال: سمعت البخاري يقول: عيسي بن صدقة، ويقال: ابن عبَّاد ابن صدقة، قال لي أبو الوليد: هو ضعيف. وكرر الذهبي في" الميزان" ترجمته فقال: عيسي بن صدقة ويقال: صدقة بن عيسى أبو محرز، والصحيح الأول، ونقل فيه تضعيف أبي الوليد، وقال أبو زرعة: شيخ، وقال الدارقطني: متروك،

стр. 2312

ثم ترجمه في عيسي بن صدقة بن عبَّاد بن صدقة وقال: وينسب إلى جده فيقال: عيسي بن صدقة، ضعَّفوه، روى عنه أبو الوليد فقال: صدقة بن عيسى، ثم ضعَّفه، وكذا ضعَّفه أبو حاتم، وقال ابن حبان، منكر الحديث. انتهى. وانتقده الحافظ في "اللسان" (٤/ ٣٩٨) وقال: هذا هو الذي قبله، كررَّه بلا فائدة". قلت: وقال الحافظ الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٣٩): "رواه أبو يعلى وعيسى وثَّقه أبو حاتم وضعَّفه غيره" هذا هو الصحيح بأن أبا حاتم لم يضعف عيسي بن صدقة، فإن عبد الرحمن بن أبي حاتم نقل عن أبيه في "الجرح والتعديل" (٦/ ٢٧٩) فقال: "شيخ يكتب حديثه، وترجمه أيضًا في صدقة بن عيسي (٤/ ٤٢٨) فلم ينقل تضعيفه من أبيه، ولم يُنبه عليه الحافظ ابن حجر في اللسان فتنبه". وقد رُوي عن أسماء بنت يزيد قالت: دُعي رسول الله ﷺ إلى جنازة رجل من الأنصار، فلما وضع السرير تقدم نبي الله ﷺ ليصلي عليه، ثم التفت فقال: "علي صاحبكم دين؟ " قالوا: نعم يا رسول الله ديناران، فقال: "صلوا على صاحبكم". فقال أبو قتادة: إنا ندينه يا نبي الله، فصلى عليه. رواه الطبراني في "الكبير" (٢٤/ ١٨٤) عن يحيى بن عثمان بن صالح، ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا محمد بن مهاجر، عن أبيه، قال: حدثتنا أسماء بنت يزيد فذكرته. ومهاجر هو: ابن دينار الشامي الأنصاري مولي أسماء بنت يزيد، ذكره ابن حبان في "الثقات" ولم يوثقه أحد، ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول" أي عند المتابعة، ولم يتابع فهو "لين الحديث". وأما الهيثمي فقال في "المجمع" (٣/ ٤٠) بعد أن عزاه للطبراني "رجاله ثقات" وذلك اعتمادًا على توثيق ابن حبان. ٣١ - باب ما جاء في نسخ ترك الصلاة على من مات وعليه دين • عن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﷺ كان يُؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيسأل: "هل ترك لدينه فضْلًا؟ " فإن حُدِّث أنه ترك لدَينه وفاءً صلى، وإلا قال للمسلمين: "صلوا على صاحبكم" فلما فتح الله عليه الفتوح قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُوفي من المؤمنين فترك دينا فعلي قضاؤُه، ومن ترك مالا فلورثته". متفق عليه: رواه البخاري في الكفالة (٢٢٩٨)، ومسلم في الفرائض (١٦١٩) كلاهما من حديث الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. قال الطيالسي (٢٣٣٨): "بهذا نسخ تلك الأحاديث التي جاءت في ترك الصلاة على الذي عليه الدين". • عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ لا يصلي على رجل مات وعليه دين، فأتي بميت فقال: "أعليه دين؟ " قالوا: نعم، ديناران، قال: "صلوا على صاحبكم" فقال

стр. 2313

أبو قتادة الأنصاري: هما علي يا رسول الله؟ ، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ ، فلما فتح الله على رسوله ﷺ قال: "أنا أولى بكل مؤمن عن نفسه، فمن ترك دينًا فعلي قضاؤُه، ومن ترك مالًا فلورثته". صحيح: رواه أبو داود (٣٣٤٣)، والنسائي (١٩٦٢) كلاهما من حديث عبد الرزاق وهو في مصنفه (١٥٢٥٧) عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر فذكره. وإسناده صحيح. وصحَّحه أيضًا ابن حبان (٣٠٦٤) من هذا الوجه، وبوَّب عليه بقوله: الإباحة للمرء الصلاة على كل مسلم مات من أهل القبلة، وإن كان عليه دين. ٣٢ - باب الصلاة على كل من عمل خيرًا • عن أبي عطية أن رجلًا توفي على عهد رسول الله ﷺ ، فقال بعضهم يا رسول الله! لا تُصل عليه، فقال: "هل رآه أحد منكم على شيء من أعمال الخير" فقال رجل: حرس معنا ليلة كذا وكذا، قال: فصلَّى عليه رسول الله ﷺ ، ثم مشى إلى قبره ثم حثا عليه ويقول: "إن أصحابك يظنون أنك من أهل النار، وأنا أشهد أنك من أهل الجنة" ثم قال رسول الله ﷺ لعمر: "إنك لا تسأل عن أعمال الناس، وإنما تسأل عن الغيبة". وفي رواية: "وإنما تسأل عن الفطرة". حسن: أخرجه أبو يعلى "المطالب العالية" (٨٨٨) والبغوي وأبو أحمد والحاكم كما في "الإصابة" (٤/ ١٣٤) كلهم من طريق إسماعيل بن عياش، حدثنا بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن أبي عطية. والرواية الثانية عند أبي أحمد من رواية البغوي. وإسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن الشاميين، وهذه منها، وفي غير الشاميين مخلط، وقد تابعه بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، بإسناده، رواه الطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٣٧٨) وبقية مدلس، ولكنه صرَّح بالتحديث إلا أن فيه شيخ الطبراني وهو إبراهيم بن محمد بن عرق الحمصي ضعَّفه الذهبي، كما في "المجمع" (٥/ ٢٨٨). وأما ما روي عن ابن عمر مرفوعًا: "صلوا على من قال لا إله إلا الله، وصلوا خلف من قال لا إله إلا الله" فهو ضعيف. رواه الدارقطني (٢/ ٥٦) من طريق عثمان بن عبد الرحمن، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر فذكره. وعثمان بن عبد الرحمن هو القرشي قال فيه الذهبي في "الميزان" قال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرة: يكذب، وضعَّفه عَلِي (ابن المديني) جدًّا. ورواه أيضًا من وجه آخر وفيه أبو الوليد المخزومي وهو خالد بن إسماعيل قال ابن عدي: متهم بالكذب. وله وجه آخر وفيه محمد بن الفضل حديثه حديث أهل الكذب، قاله أحمد.

стр. 2314

والخلاصة أن كل طريق روي منه هذا الحديث لا يصح. ولذا قال الدارقطني: "ليس منها شيء يثبت". وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "الصّلاة واجبة على كل مسلم يموت برًا كان أو فاجرًا، وإن عمل بالكبائر". رواه أبو داود (٥٩٤) باختصار، والدارقطني (٢/ ٥٦) في سياق طويل كلاهما من طريق مكحول، عن أبي هريرة. وفيه انقطاع فإن مكحولًا لم يدرك أبا هريرة. وذكر الدارقطني الأحاديث الأخرى بمعناه وضعَّفها. • * *

стр. 2315

جموع أبواب ما جاء في غسل الشهداء والصلاة عليهم ودفنهم ١ - باب أن الشهيد في سبيل الله لا يُغَسَّل ولا يُنزع منه ثيابه التي استشهد فيها، ولا يُصَلِّى عليه • عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أُحد في ثوب واحد، ثم يقول: "أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ " فإذا أُشير إلى أحدهما قدَّمه في اللحد وقال: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة" وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يُغَسِّلُوا، ولم يُصَلِّ عليهم. صحيح: رواه البخاري في الجنائز (١٣٤٣) عن عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، قال: حدثني ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد الله فذكره. ورواه النسائي (٢٠٠٢) من طريق معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة، قال: قال رسول الله ﷺ لقتلى أُحد: "زمِّلوهم بدمائهم، فإنه ليس كَلْم يُكْلَم في سبيل الله إلا يأتي يومَ القيامة يَدْمي لونُه لونُ الدم، وريحُه ريح المسك" وهذا إسناد صحيح غير أن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير لم يحضر المشهد، لأنه كان صغيرًا، وإنما سمع ذلك من جابر بن عبد الله هكذا رواه عبد الرزاق (٦٦٣٣) وعنه الإمام أحمد (٣٣٦٦٠) عن معمر، عن الزهري، عن ابن أبي صُعير، عن جابر بن عبد الله فذكر الحديث بطوله وفيه: "زَمِّلوهم بدمائهم، فإني قد شهدت عليهم" فكان يُدفن الرجلان والثلاثة في القبر الواحد، ويسأل: "أيهم كان أقرأ للقرآن" فيقدمونه، قال جابر: فدفن أبي وعَمِّي يومئذ في قبر واحد. قال البغوي في "شرح السنة" (٥/ ٣٦٦): "اتفق العلماء على أن الشهيد المقتول في معركة الكفار لا يُغَسَّلُ، واختلفوا في الصلاة عليه، فذهب أكثرهم إلى أنه لا يُصَلِّي عليه، وهو قول أهل المدينة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وذهب قوم إلى أنه يُصلى عليه، لأنه رُوي أن النبي ﷺ صلى على حمزة، وهو قول الثوري وأصحاب الرأي وبه قال إسحاق"، انتهى. قلت: ولهم أيضًا حديث عقبة بن عامر كما سيأتي. وأما ما رُوي عن ابن عباس قال: "أتي بهم رسول الله ﷺ يوم أُحد، فجعل يصلي على عشرةٍ عشرةٍ، وحمزة هو كما هو، يُرْفَعُون وهو كما هو موضوع"، فهو ضعيف.
следующие страницы →