← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

يكن الحديث من ابنه محمد فإنه كان يُدخل عليه، وكذلك إذا لم يكن الحديث من روايته عن الأوزاعي، فإنه روى عنه ما لا يوافقه عليه أحد كما قال ابن عدي، وقد وثَّقه ابن أبي خيثمة وأبو مسهر، وقال ابن معين: لا بأس به، وبقية رجاله ثقات وإسناده متصل. قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٤١): "رجاله ثقات". • عن أبي هريرة أن النبي ﷺ أتي بجنازة فقام يصلي عليها، قالوا: عليه دين، فقال رسول الله ﷺ : "انطلقوا بصاحبكم، فصلوا عليه، فقال رجل: عليَّ دينه، فصَلِّ عليه، فقام رسول الله ﷺ فصلى عليه. حسن: رواه البزار (٧٨٠٤) عن محمد بن معمر، قال: نا روح بن عبادة قال: نا محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره. قال البزار: "هذا الحديث رواه ابن أبي ذئب عن الزهري، عن أبي سلمة، ولا نعلم أحدا قال: عن سعيد إلا ابن أبي حفصة". قلت: وهو كما قال. ولكن لا يبعد أن يكون عند الزهري حديثان، أحدهما هذا، والآخر هو ما يأتي في الباب الذي يليه. ومحمد بن أبي حفصة مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٤٠): "رجاله رجال الصحيح". وأما ما رُوي عن عيسى بن صدقة بن عباد اليشكري قال: دخلت مع أبي على أنس بن مالك فقلنا له: حدَّثنا حديثًا ينفعنا الله به، فسمعته يقول: من استطاع منكم أن يموت ولا دين عليه فليفعل، فإني رأيت نبي الله ﷺ وأتي بجنازة رجل، وعليه دين فقال: "لا أصلي عليه حتى تضمنوا دَيْنَه فإن صلاتي عليه تنفعه" فلم يضمنوا دَينه، ولم يُصل عليه، وقال: "إنه مرتهن في قبره" فهو ضعيف. رواه أبو يعلى (٤٢٢٩) عن سعيد بن الأشعث، أخبرني عيسي بن صدقة بن عَبَّاد فذكره. ورواه أبو الوليد قال: حدثنا عيسى بن صدقة، عن عبد الحميد بن أمية قال: شهدتُ أنس بن مالك، فقال له رجل: يا أبا حمزة! حدِّثنا حديثًا ينفعنا الله به، قال: من استطاع منكم أن يموت، وليس عليه دين فليفعل، فإني شهدت رسول الله- ﷺ أتي بجنازة رجل يُصلي عليه، فقال: "عليه دين؟ " فقالوا: نعم، قال: فما ينفعكم أن أصلي على رجل روحه مرتهن في قبره، لا تصعد روحه إلى الله، فلو ضمن رجل دَينَه قُمت فصلَّيت عليه، فإن صلاتي تنفعه"، رواه العُقيلي في الضعفاء (١٤٣٢) عن معاذ بن المثنى بن معاذ قال: حدثنا أبو الوليد فذكره. قال: حدثني آدم بن موسي، قال: سمعت البخاري يقول: عيسي بن صدقة، ويقال: ابن عبَّاد ابن صدقة، قال لي أبو الوليد: هو ضعيف. وكرر الذهبي في" الميزان" ترجمته فقال: عيسي بن صدقة ويقال: صدقة بن عيسى أبو محرز، والصحيح الأول، ونقل فيه تضعيف أبي الوليد، وقال أبو زرعة: شيخ، وقال الدارقطني: متروك،

стр. 2312

ثم ترجمه في عيسي بن صدقة بن عبَّاد بن صدقة وقال: وينسب إلى جده فيقال: عيسي بن صدقة، ضعَّفوه، روى عنه أبو الوليد فقال: صدقة بن عيسى، ثم ضعَّفه، وكذا ضعَّفه أبو حاتم، وقال ابن حبان، منكر الحديث. انتهى. وانتقده الحافظ في "اللسان" (٤/ ٣٩٨) وقال: هذا هو الذي قبله، كررَّه بلا فائدة". قلت: وقال الحافظ الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٣٩): "رواه أبو يعلى وعيسى وثَّقه أبو حاتم وضعَّفه غيره" هذا هو الصحيح بأن أبا حاتم لم يضعف عيسي بن صدقة، فإن عبد الرحمن بن أبي حاتم نقل عن أبيه في "الجرح والتعديل" (٦/ ٢٧٩) فقال: "شيخ يكتب حديثه، وترجمه أيضًا في صدقة بن عيسي (٤/ ٤٢٨) فلم ينقل تضعيفه من أبيه، ولم يُنبه عليه الحافظ ابن حجر في اللسان فتنبه". وقد رُوي عن أسماء بنت يزيد قالت: دُعي رسول الله ﷺ إلى جنازة رجل من الأنصار، فلما وضع السرير تقدم نبي الله ﷺ ليصلي عليه، ثم التفت فقال: "علي صاحبكم دين؟ " قالوا: نعم يا رسول الله ديناران، فقال: "صلوا على صاحبكم". فقال أبو قتادة: إنا ندينه يا نبي الله، فصلى عليه. رواه الطبراني في "الكبير" (٢٤/ ١٨٤) عن يحيى بن عثمان بن صالح، ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا محمد بن مهاجر، عن أبيه، قال: حدثتنا أسماء بنت يزيد فذكرته. ومهاجر هو: ابن دينار الشامي الأنصاري مولي أسماء بنت يزيد، ذكره ابن حبان في "الثقات" ولم يوثقه أحد، ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول" أي عند المتابعة، ولم يتابع فهو "لين الحديث". وأما الهيثمي فقال في "المجمع" (٣/ ٤٠) بعد أن عزاه للطبراني "رجاله ثقات" وذلك اعتمادًا على توثيق ابن حبان. ٣١ - باب ما جاء في نسخ ترك الصلاة على من مات وعليه دين • عن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﷺ كان يُؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيسأل: "هل ترك لدينه فضْلًا؟ " فإن حُدِّث أنه ترك لدَينه وفاءً صلى، وإلا قال للمسلمين: "صلوا على صاحبكم" فلما فتح الله عليه الفتوح قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُوفي من المؤمنين فترك دينا فعلي قضاؤُه، ومن ترك مالا فلورثته". متفق عليه: رواه البخاري في الكفالة (٢٢٩٨)، ومسلم في الفرائض (١٦١٩) كلاهما من حديث الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. قال الطيالسي (٢٣٣٨): "بهذا نسخ تلك الأحاديث التي جاءت في ترك الصلاة على الذي عليه الدين". • عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ لا يصلي على رجل مات وعليه دين، فأتي بميت فقال: "أعليه دين؟ " قالوا: نعم، ديناران، قال: "صلوا على صاحبكم" فقال

стр. 2313

أبو قتادة الأنصاري: هما علي يا رسول الله؟ ، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ ، فلما فتح الله على رسوله ﷺ قال: "أنا أولى بكل مؤمن عن نفسه، فمن ترك دينًا فعلي قضاؤُه، ومن ترك مالًا فلورثته". صحيح: رواه أبو داود (٣٣٤٣)، والنسائي (١٩٦٢) كلاهما من حديث عبد الرزاق وهو في مصنفه (١٥٢٥٧) عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر فذكره. وإسناده صحيح. وصحَّحه أيضًا ابن حبان (٣٠٦٤) من هذا الوجه، وبوَّب عليه بقوله: الإباحة للمرء الصلاة على كل مسلم مات من أهل القبلة، وإن كان عليه دين. ٣٢ - باب الصلاة على كل من عمل خيرًا • عن أبي عطية أن رجلًا توفي على عهد رسول الله ﷺ ، فقال بعضهم يا رسول الله! لا تُصل عليه، فقال: "هل رآه أحد منكم على شيء من أعمال الخير" فقال رجل: حرس معنا ليلة كذا وكذا، قال: فصلَّى عليه رسول الله ﷺ ، ثم مشى إلى قبره ثم حثا عليه ويقول: "إن أصحابك يظنون أنك من أهل النار، وأنا أشهد أنك من أهل الجنة" ثم قال رسول الله ﷺ لعمر: "إنك لا تسأل عن أعمال الناس، وإنما تسأل عن الغيبة". وفي رواية: "وإنما تسأل عن الفطرة". حسن: أخرجه أبو يعلى "المطالب العالية" (٨٨٨) والبغوي وأبو أحمد والحاكم كما في "الإصابة" (٤/ ١٣٤) كلهم من طريق إسماعيل بن عياش، حدثنا بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن أبي عطية. والرواية الثانية عند أبي أحمد من رواية البغوي. وإسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن الشاميين، وهذه منها، وفي غير الشاميين مخلط، وقد تابعه بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، بإسناده، رواه الطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٣٧٨) وبقية مدلس، ولكنه صرَّح بالتحديث إلا أن فيه شيخ الطبراني وهو إبراهيم بن محمد بن عرق الحمصي ضعَّفه الذهبي، كما في "المجمع" (٥/ ٢٨٨). وأما ما روي عن ابن عمر مرفوعًا: "صلوا على من قال لا إله إلا الله، وصلوا خلف من قال لا إله إلا الله" فهو ضعيف. رواه الدارقطني (٢/ ٥٦) من طريق عثمان بن عبد الرحمن، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر فذكره. وعثمان بن عبد الرحمن هو القرشي قال فيه الذهبي في "الميزان" قال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرة: يكذب، وضعَّفه عَلِي (ابن المديني) جدًّا. ورواه أيضًا من وجه آخر وفيه أبو الوليد المخزومي وهو خالد بن إسماعيل قال ابن عدي: متهم بالكذب. وله وجه آخر وفيه محمد بن الفضل حديثه حديث أهل الكذب، قاله أحمد.

стр. 2314

والخلاصة أن كل طريق روي منه هذا الحديث لا يصح. ولذا قال الدارقطني: "ليس منها شيء يثبت". وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "الصّلاة واجبة على كل مسلم يموت برًا كان أو فاجرًا، وإن عمل بالكبائر". رواه أبو داود (٥٩٤) باختصار، والدارقطني (٢/ ٥٦) في سياق طويل كلاهما من طريق مكحول، عن أبي هريرة. وفيه انقطاع فإن مكحولًا لم يدرك أبا هريرة. وذكر الدارقطني الأحاديث الأخرى بمعناه وضعَّفها. • * *

стр. 2315

جموع أبواب ما جاء في غسل الشهداء والصلاة عليهم ودفنهم ١ - باب أن الشهيد في سبيل الله لا يُغَسَّل ولا يُنزع منه ثيابه التي استشهد فيها، ولا يُصَلِّى عليه • عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أُحد في ثوب واحد، ثم يقول: "أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ " فإذا أُشير إلى أحدهما قدَّمه في اللحد وقال: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة" وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يُغَسِّلُوا، ولم يُصَلِّ عليهم. صحيح: رواه البخاري في الجنائز (١٣٤٣) عن عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، قال: حدثني ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد الله فذكره. ورواه النسائي (٢٠٠٢) من طريق معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة، قال: قال رسول الله ﷺ لقتلى أُحد: "زمِّلوهم بدمائهم، فإنه ليس كَلْم يُكْلَم في سبيل الله إلا يأتي يومَ القيامة يَدْمي لونُه لونُ الدم، وريحُه ريح المسك" وهذا إسناد صحيح غير أن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير لم يحضر المشهد، لأنه كان صغيرًا، وإنما سمع ذلك من جابر بن عبد الله هكذا رواه عبد الرزاق (٦٦٣٣) وعنه الإمام أحمد (٣٣٦٦٠) عن معمر، عن الزهري، عن ابن أبي صُعير، عن جابر بن عبد الله فذكر الحديث بطوله وفيه: "زَمِّلوهم بدمائهم، فإني قد شهدت عليهم" فكان يُدفن الرجلان والثلاثة في القبر الواحد، ويسأل: "أيهم كان أقرأ للقرآن" فيقدمونه، قال جابر: فدفن أبي وعَمِّي يومئذ في قبر واحد. قال البغوي في "شرح السنة" (٥/ ٣٦٦): "اتفق العلماء على أن الشهيد المقتول في معركة الكفار لا يُغَسَّلُ، واختلفوا في الصلاة عليه، فذهب أكثرهم إلى أنه لا يُصَلِّي عليه، وهو قول أهل المدينة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وذهب قوم إلى أنه يُصلى عليه، لأنه رُوي أن النبي ﷺ صلى على حمزة، وهو قول الثوري وأصحاب الرأي وبه قال إسحاق"، انتهى. قلت: ولهم أيضًا حديث عقبة بن عامر كما سيأتي. وأما ما رُوي عن ابن عباس قال: "أتي بهم رسول الله ﷺ يوم أُحد، فجعل يصلي على عشرةٍ عشرةٍ، وحمزة هو كما هو، يُرْفَعُون وهو كما هو موضوع"، فهو ضعيف.

стр. 2316

رواه ابن ماجه (١٥١٣) عن محمد بن عبد الله بن نُمير، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن يزيد ابن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس فذكره. ورواه البيهقي (٤/ ١٢) من وجه آخر عن أبي بكر بن عياش عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن عباس قال: "لما قتل حمزة يوم أُحد أقبلت صفيةُ تطلبه لا تدري ما صنع، فلقيتُ عليًا والزبير فقال عليّ للزبير: اذكر لأمك، فقال الزبير: لا بل أنت اذكر لعمتك قال: فقالت: ما فعل حمزة فأرياها أنهما لا يدريان. قال: فجاء النبي ﷺ فقال: "إني أخاف على عقلها فوضع يده على صدرها ودعا لها" قال: فاسترجعت وبكت، قال: ثم جاء فقام عليه وقد مثل به فقال: "لولا جزع النساء لتركته حتى يحشر من بطون السباع وحواصل الطير" قال: ثم أمر بالقتلى فجعل يصلي عليهم، فيوضع تسعة وحمزة فيكبر عليهم سبع تكبيرات ويرفعون ويترك حمزة ثم يجاء بتسعة فيكبر عليهم سبعًا حتى فرغ منهم - لا أحفظه إلا من حديث أبي بكر بن عياش، عن يزيد بن أبي زياد وكانا غير حافظين"، انتهى. وكذلك لا يصح ما رُوي عن محمد بن إسحاق قال: حدثني من لا أتهم عن مقسم مولي عبد الله ابن الحارث، عن ابن عباس قال: أمر رسول الله ﷺ بحمزة فسُجِّي ببردة، ثم صلى عليه، فكبَّر ست تكبيرات، ثم أُتي بالقتلى فيوضعون إلى حمزة فصلى عليهم وعليه معهم، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة، ذكره ابن هشام في "السيرة" (٢/ ٩٧). قال الهيثمي: "ولا يعرج بما يرويه ابن إسحاق إذا لم يذكر اسم راويه لكثرة روايته عن الضعفاء والمجهولين، والأشبه أن تكون روايتُه غلطًا لمخالفتها الرواية الصحيحة عن جابر أنه ﷺ لم يُصل عليهم، وهو قد شهد القصة". وقال السهيلي في "الروض الأنف": "قول ابن إسحاق في هذا الحديث: حدثني من لا أتهم - إن كان هو الحسن بن عمارة- كما قاله بعضهم فهو ضعيف بإجماع أهل الحديث، وإن كان غيره فهو مجهول، ولم يُرو عن النبي ﷺ أنه صلى على شهيد في شيء من مغازيه، إلا في هذه الرواية، ولا في مدة الخليفتين من بعده". انتهى كلامه. وقال الزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ٣١١): "قد ورد مصرحًا فيه بالحسن بن عُمارة كما رواه الإمام أبو قرة موسي بن طارق الزبيدي في "سننه" فذكر بطوله. وأما ما رواه الطبراني في "الكبير" (١١/ ٦٢) بأن محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن كعب القرظي والحكم بن عتيبة، عن مقسم ومجاهد، عن ابن عباس فذكره، إلا أنه قال فيه: "كبَّر عليه تسعًا" ففي طريقه إليه أحمد بن أيوب بن راشد البصريّ، ثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق بإسناده. قال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ١٢٠): "أحمد بن أيوب بن راشد ضعيف، وجعله الحافظ في درجة "مقبول" أي إن تُوبع، ولكنه لم يتابع فهو ليِّن الحديث". وكذلك لا يصح ما روي عن أبي مالك الغفاري أنه قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أُحد

стр. 2317

عشرة عشرة، ثم كل عشرة منهم حمزة حتى صلى عليه سبعين صلاة. رواه البيهقي (٤/ ١٢) وقال: "هذا أصح ما في هذا الباب، وهو مرسل، أخرجه أبو داود في "المراسيل" (٤١٧) بمعناه قال: حدثنا هنَّاد، عن أبي الأحوص، عن عطاء، عن الشعبي، قال: صلى النبي ﷺ يوم أحد على حمزة سبعين صلاة، بدأ بحمزة فصلى عليه، ثم جعل يدعو بالشهداء فيصلي عليهم، وحمزة مكانه. قال: وهذا أيضًا منقطع، وحديث جابر موصول، وكان أبوه من شهداء أحد". انتهى كلام البيهقي. وكذلك لا يصح ما رُوي عن أنس أن النبي ﷺ مرَّ بحمزة، وقد مُثِّل به، ولم يُصَلِّ على أحد من الشهداء غيره، رواه أبو داود (٣١٣٧) عن عباس العنبري، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا أسامة، عن الزهري، عن أنس فذكره. وصححَّه الحاكم (٣/ ١٩٦) وقال: "على شرط مسلم"، وقال النووي في "المجموع" (٥/ ٢٦٥): فرواه أبو داود وإسناده حسن، أو صحيح". قلت: لم يتنبه هؤلاء إلى أن في الإسناد علة خفية ذكرها البخاري كما في "العلل الكبير" (١/ ٤١١) للترمذي أنه سأل البخاري عن حديث عبد الرحمن بن كعب، عن جابر بن عبد الله في شهداء أحد فقال: " هو حديث حسن"، وحديث أسامة بن زيد، عن ابن شهاب، عن أنس غير محفوظ، غلط فيه أسامة بن زيد"، انتهى. فأبدى البخاري علة خفية في الإسناد والمتن، فأما الإسناد فما رواه الليث بن سعد، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر هو الأصح من رواية أسامة بن زيد عن ابن شهاب، وأما المتن فجابر يؤكد أنه ﷺ لم يُصَلِّ على أحد من شهداء أُحد، وكان فيهم أبوه عبد الله، فهو أعرف الناس بالصلاة على شهداء أُحد بخلاف ما ذكره أسامة بن زيد فإنه جعل حمزة ممن صلى عليه النبي ﷺ . ثم رأيت أن أسامة بن زيد اضطرب في متن الحديث، فرواه أبو داود (٣١٣٥) من طريق ابن وهب، عن أسامة بن زيد بإسناده بأن شهداء أحد لم يغسلوا، ودفنوا بدمائهم، ولم يُصَلِّ عليهم، وكذلك رواه الترمذي (١٠١٦) من طريق أبي صفوان، عن أسامة في سباق طويل وفيه أيضًا: "فدفنهم رسول الله ﷺ ولم يُصَلِّ عليهم" قال الترمذي: حديث أنس حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث أنس إلا من هذا الوجه". فمرة قال: "لم يُصَلِّ على أحد من الشهداء غير حمزة" وأخرى في الصلاة على شهداء أُحد نفيًا عامًا، فلعل هذا يعود إلى سوء حفظه، لأنه وصف به، قال الحافظ في "التقريب": "صدوق يهم" وهو أسامة بن زيد الليثي مولاهم، أبو زيد المدني، وبهذا صحَّ تعليل البخاري لهذا الحديث، والحافظ في "التلخيص" (٧٥٩)، وكذا أعله الدارقطني. وقال الحافظ ابن القيم في "تهذيب السنن": "والذي يظهر من أمر شهداء أُحد أنه لم يُصَلِّ عليهم عند الدفن، وقد قتل معه بأحد سبعون نفسًا، فلا يجوز أن تخفي الصلاة عليهم، وحديث

стр. 2318

جابر بن عبد الله في ترك الصلاة عليهم صحيح صريح، وأبوه عبد الله أحدُ القتلى يومئذ، فله الخبرة ما ليس لغيره". • عن أبي برزة أن النبي ﷺ كان في مغزًى له، فأفاء الله عليه، فقال لأصحابه: "هل تفقدون من أحدٍ؟ " قالوا: نعم، فلانًا وفلانًا وفلانًا، ثم قال: "هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: نعم، فلانًا وفلانًا وفلانًا، ثم قال: "هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: لا. قال: "لكني أفقد جُلَيبيبًا فاطلبوه" فطلب في القتلى، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه، فأتى النبي ﷺ ، فوقف عليه فقال: "قتل سبعةً، ثم قتلوه هذا مني، وأنا منه، هذا مني وأنا منه" قال: فوضعه على ساعديه، ليس له إلا ساعدا النبي ﷺ قال: فحفر له، ووضع في قبره، ولم يذكر غُسْلًا. صحيح: رواه مسلم في المناقب (٢٤٧٢) عن إسحاق بن عمر بن سَليط، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن كنانة بن نُعيم، عن أبي برزة فذكره. • عن عبد الله بن الزبير قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله ﷺ حتى انتهى بعضُهم إلى دون الأعراض إلى جبل بناحية المدينة، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ ، وقد كان حنظلة بن أبي عامر الثقفي هو، وأبو سفيان بن حرب، فلما استعلاه حنظلة رآه شداد بن الأسود، فعلاه شداد بالسيف حتى قتله، وقد كاد يقتل أبا سفيان، فقال رسول الله ﷺ : "إن صاحبكم حنظلة تُغَسِّله الملائكة، فسلوا صاحبتَه". فقالت: خرج وهو جنب لما سمع الهائعة، فقال رسول الله ﷺ : "فذاك قد غسَّلته الملائكة". حسن: رواه ابن حبان في صحيحه (٧٠٢٥)، والحاكم (٣/ ٢٠٤) من طريق محمد بن إسحاق ابن إبراهيم، ثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثني أبي، قال: قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله، عن أبيه، عن جده فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه مدلس إلا أنه صرَّح بالتحديث، وصحَّحه الحاكم على شرط مسلم. وجد يحيى بن عباد هو: عبد الله بن الزبير، فيكون الحديثُ مرسل صحابي، لأن عبد الله بن الزبير لم يدرك يوم أُحد، كان له سنتان، والجمهور يحتجون بمرسل الصحابي كما قال النووي في "الخلاصة" (٣٣٦٨). وقوله: "أعراض المدينة، أي قراها التي في أوديتها، وقيل: أعراض المدينة هي: بطون سوادها حيث الزرع والنخل. وقولها: "الهائعة" أي الصوت الذي تفْزَعُ عنه وتخاف.

стр. 2319

• عن جابر قال: رمي رجل بسهم في صدره، أو في حلقه فمات، فأدرج في ثيابه كما هو، ونحن مع رسول الله ﷺ . حسن: رواه أبو داود (٣١٣٣) وأحمد (١٤٩٥٢) كلاهما من طرق عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي الزبير. وأما ما رُوي عن ابن عباس من ذكر حمزة بن عبد المطلب مع حنظلة فهو ضعيف، رواه الطبراني في "الكبير" (١١/ ٣٩١) في إسناده شريك وهو سيء الحفظ وفيه رجال لم أعرفهم، وأما الهيثمي فقال في المجمعه (٣/ ٢٣): "إسناده حسن". ورواه أيضًا الطبراني من وجه آخر (١٢/ ٣٦٥)، والبيهقي (٢/ ١٥) وفيه أبو شيبة متروك، ورواه الحاكم (٣/ ١٩٥) من وجه آخر بذكر حمزة وحده، وقال: "صحيح الإسناد" فتعقبه الذهبي فقال: فيه معلى (ابن عبد الرحمن الواسطي) هالك، ورواه ابن سعد عن الحسن البصري مرفوعًا، وهو مرسل، ولذا حكم أهل العلم على ذكر حمزة في قصة غسل الملائكة بأنه شاذ. ٢ - باب من قال يُصَلِّي على الشهيد في سبيل الله • عن عقبة بن عامر قال: صلَّى رسولُ الله ﷺ على قَتْلى أُحُد بعد ثماني سنين كالمودِّع للأحياء والأموات، ثم طلع على المنبر فقال: "إني بين أيديكم فَرَطٌ، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لستُ أخشى عليكم أن تُشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا" قال: فكانت آخر نَطْرةٍ نظرتُها إلى رسول الله ﷺ . متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٤٣)، ومسلم في الفضائل (٢٢٩٦) كلاهما من حديث يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم قريب منه وفيه: "فصلَّى على أهل أُحد صلاته على الميت". وحمل البيهقي وغيره الصلاة هنا على الدعاء، لأنه لو كان المراد بها صلاة الجنازة لما أخرها كل هذه المدة، وقد أطال الشافعي القول في الرد على من أثبت أنه صلى عليهم، نقله البيهقي في "المعرفة" (٣/ ١٤٣ - ١٨٤). ثم حديث عقبة بن عامر ليس فيه دليل لمن أجازوا الصلاة على الشهداء، لأنهم لا يرون تأخيرها أكثر من ثلاثة أيام. والحق في هذه المسألة ما قاله الحافظ ابن القيم: "الصواب في هذه المسألة أنه مخير بين الصلاة عليهم وتركها لمجيء الآثار بكل واحد من الأمرين، وهذا إحدى الروايات عن الإمام أحمد، وهي الأليق بأصوله ومذهبه" "تهذيب السنن" (٤/ ٢٩٥).

стр. 2320

• عن شداد بن الهاد أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ فآمن به واتَّبعه ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبيُّ ﷺ بعض أصحابه، فلما كانت غزوة غنم النبيُّ ﷺ في سبيًا فقَسَمَ وقَسَمَ له، فأعطى أصحابه ما قَسَمَ له وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا؟ قالوا: قَسم قَسَمَهُ لك النبي ﷺ فأخذه فجاء به إلى النبي ﷺ فقال: ما هذا؟ قال قَسَمتُه لك، قال: ما على هذا اتَّبَعتُكَ، ولكني اتَّبَعتُك على أن أُرمي إلى ههنا. وأشار إلى حَلقه بسهم فأمُوتَ فأدخلَ الجنَّة، فقال: "إن تَصدُق الله يصدقكُ" فلبثوا قليلًا، ثم نَهَضوا في قتال العدُوِّ فأُتِيَ به النبي ﷺ يُحمل وقد أصابه سهمٌ حيث أشار، فقال النبي ﷺ : "أَهُو هو؟ " قالوا: نعم، قال: "صدق الله فصدقَه"، ثم كفَّنه النبيُّ ﷺ في جُبَّةِ النبي ﷺ ثم قدَّمه فصَلَّى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: "اللهم! هذا عَبدُك خرج مُهاجرًا في سبيلك فقُتِلَ شهيدًا، أنا شهيدٌ على ذلك". صحيح: رواه النسائي (١٩٥٣) من طريق ابن جريج قال: أخبرني عكرمة بن خالد، أن ابن أبي عمار أخبره، عن شداد بن الهاد فذكره. وأخرجه الحاكم (٣/ ٥٩٥) من هذا الطريق. وإسناده صحيح، غير أن شدَّاد بن الهاد مختلف في صحبته فذكره ابن قانع في معجم الصحابة (٤١٢)، وقال ابن حبان في "الثقات" (٣/ ١٨٦): "يقال إن له صحبة"، هذا هو الصحيح. ولكن قال بعض أهل العلم: هو مختلف فيه، وجزم النووي في "المجموع" (٥/ ٢٦٥) بأنه تابعي وحديثه مرسل، والله تعالى أعلم. وقوله: "كانت غزوة غنم النبي ﷺ سبيًا" وفي رواية "شيئًا" كانت غزوة خيبر أو حنين. والحديث أخرجه أيضًا البيهقي (٤/ ١٥ - ١٦) من هذا الوجه إلا أنه أوَّله بأنه يحتمل أن يكون هذا الرجل بقي حيًا حتى انقطعت الحرب، ثم مات فصلى عليه رسول الله ﷺ ، والذين لم يُصَل عليهم بأُحد ماتوا قبل انقضاء الحرب. انتهي. ٣ - باب ما جاء أن الشهداء يُدفنون في مصارعهم • عن جابر بن عبد الله، قال: كنا حملنا القتلى يوم أُحُد لندفنهم، فجاء منادي النبي ﷺ فقال: "إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم" فرددناهم. حسن: رواه أبو داود (٣١٦٥)، والترمذي (١٧١٧)، والنسائي (٢٠٠٥)، وابن ماجه (١٥١٦) كلهم من حديث الأسود بن قيس، سمع نُبيحًا العنزي يقول: سمعت جابر بن عبد الله فذكره. ورواه أحمد (١٤١٦٩) مختصرًا هكذا، ومطولًا (١٥٢٨١) من وجهين عن الأسود بن قيس، عن نُبيح العنزي، عن جابر بن عبد الله قال: فبينما أنا في النظارين، إذ جاء عمتي بأبي وخالي

стр. 2321

عادِلَتَهما على ناضح، فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا، إذ لحق رجل ينادي "ألا إن النبي ﷺ يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قُتِلت"، فرجعنا بهما فدفناهما حيث قتلا. وإسناده حسن، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح ونُبيح ثقة". وصحَّحه أيضًا ابن حبان (٣١٨٣) من هذا الطريق. وأما قول الحافظ في نُبيح العنزي بأنه "مقبول" ففيه نظر، إذ وثَّقه أبو زرعة والعجلي وابن حبان والترمذي كما مضى، فهو لا ينزل عن درجة "صدوق". • عن أبي سعيد الخدري قال: "لما كان يوم أُحد نادي منادي رسول الله ﷺ أن رُدوا القتلى إلى مضاجعهم". حسن: رواه البزار"كشف الأستار" (٨٤١) عن محمد بن عبد الرحيم صاعقة، ثنا مصعب بن عبد الله، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن كثير بن زيد، عن رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن جده فذكره. قال البزار: لا نعلمه عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في "المجمع" (٤٣/ ٤٣): "رواه البزار وإسناده حسن". قلت: وهو كما قال، وإن كان فيه رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد مختلف فيه، والخلاصة أنه يُحسّن حديثُه إذا كان له أصلٌ ثابتٌ، وهذا منه. • * *

стр. 2322

جموع أبواب ما جاء في أولاد المسلمين والمشركين ١ - باب ما جاء في أولاد المسلمين • عن البراء بن عازب قال: لما توفي إبراهيم ﵇ قال رسول الله ﷺ : "إن له مرضعًا في الجنة". صحيح: رواه البخاري في الجنائز (١٣٨٢) عن أبي الوليد، حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، أنه سمع البراء قال: فذكر الحديث. • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كل مولود يُولد على الفطرة، فأبواه يُهودانه أو ينصرانه كما تُنَاتَجُ الإبلُ من بهيمةٍ جمعاءَ، هل تُحِسُّ فيها من جَدعَاء؟ " قالوا: يا رسول الله! أرأيت الذي يموت وهو صغير؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين". وفي رواية: "من يُولد يُولد على هذه الفطرةِ، فأبواه يهودانه ويُنصرانه كما تنَتِجون الإبلَ، فهل تجدون فيها جَدعاء؟ حتى تكونوا أنتم تجدعونها". وفي رواية أخري: "كل إنسان تلده أمه علي الفطرة, وأبوه بعد يُهَوِّدانه, ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانه، فإن كانا مُسلِمَين فمسلم، كل إنسان تلده أمه يَلكزه الشيطان في حِضنَه، إلا مريم وابنها". متفق عليه: رواه مالك في الجنائز (٥٢) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. ورواه الشيخان -البخاري في الجنائز (١٣٥٩)، ومسلم في القدر (٢٦٥٨) كلاهما من حديث الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: فذكر الحديث. وفيه ثم يقول أبو هريرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] والرواية الثانية والثالثة عند مسلم من أوجه أخرى عن أبي هريرة. وقد ورد في بعض الروايات في الصحيح: "حتي يُعبر عنه لسانه". • عن عائشه قالت: توفي صبي, فقلت: طوبي له, عُصفور من عَصافير الجنة, فقال رسول الله ﷺ : "أَوَ لا تدري أن الله خلق الجنة، وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا، له ولهذه أهلًا".

стр. 2323

وفي رواية: دُعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله! طوبي لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يُدركه، قال: "أَوَ غير ذلك يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أَصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أَصلاب آبائهم". صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٦٢) عن زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن العلاء بن المسيب، عن فُضيل بن عمرو، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين فذكرت الحديث. والرواية الثانية عند مسلم أيضًا من وجه آخر عن طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة، بإسنادها. يقول أهل العلم: إنما أنكر النبي ﷺ على عائشة الجزم بالجنة لطفل معين، ولا يصح الجزمُ في مخصوص، لأن إيمان الأبوين تحقيقًا غيبٌ، وهو المناطُ عند الله تعالى، قاله السندي في حاشية النسائي, وقال غيره: لعله قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة كما سبق في كتاب الإيمان. ٢ - باب الصلاة على أطفال المسلمين وسِقطهم • عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: "الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفَها وأمامَها، وعن يمينها وعن يسارها قريبًا منها، والسِقطُ يُصَلَّي عليه، ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة". صحيح: رواه أبو داود (٣١٨٠)، والترمذي (١٠٣١)، وابن ماجه (١٤٨١، ١٥٠٧)، والنسائي (١٩٤٣) كلهم من طرق، عن زياد بن جبير بن حية، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة فذكره. واللفظ لأبي داود، ولفظ غيره: "الطفلُ يصلى عليه". قال الترمذي: "حسن صحيح". وصحَّحه ابن حبان (٣٠٤٩)، والحاكم (١/ ٣٥٥، ٣٦٣)، وقال: "صحيح على شرط البخاري". والسِقْط: هو الذي يسقط من بطن أمه قبل تمامه، فإذا أكمل أربعة أشهر يُصَلَّي عليه لأنه تم فيه نفخ الروح، وما كان قبل ذلك لا يُصلَّي عليه، لأنه ليس بميت، وإنما هو علقة، أو مضغة. قال الترمذي: "والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم قالوا: يُصلي على الطفل وإن لم يستهل بعد أن يُعلم أنه خلق، وهو قول أحمد وإسحاق". ويدل على هذا حديث ابن مسعود مرفوعًا: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه، أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث ملكًا ... ينفخ فيه الروح" متفق عليه، مضي بكامله في كتاب الإيمان. قلت: وللشافعي قولان، القول الثاني: لا يُصلَّي على الطفل حتى يستهل، ولعله احتج بحديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "الطفل لا يُصلَّي عليه، ولا يرث، ولا يورث حتي يستهل". رواه الترمذي (١٠٣٢)، وابن ماجه (١٥٠٨) كلاهما من طريق أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله فذكره.

стр. 2324

قال الترمذي: "هذا حديث قد اضطرب الناس فيه، فرواه بعضهم عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ مرفوعًا، وروى أشعث بن سوار وغير واحد، عن أبي الزبير، عن جابر موقوفًا، وروى محمد بن إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر موقوفًا، وكأن هذا أصح من الحديث المرفوع". انتهى. وقال ابن القطان: "هو من رواية أبي الزبير، عن جابر معنعنًا من غير رواية الليث عنه، وهو علة، ومع ذلك فهو من رواية إسماعيل بن مسلم المكي، عن أبي الزبير، وهو ضعيف جدًّا". قلت: ورواه أيضًا ابن حبان (٦٠٣٢) والحاكم (٤/ ٣٤٨، ٣٤٩) كلاهما من حديث إسحاق الأزرق، ثنا سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "إذا استهل الصبي صلي عليه وورث". انظر للمزيد: "نصب الراية" (٢/ ٢٧٧). والخلاصة في حديث جابر أنه كثير الاضطراب كما قال الترمذي. ٣ - باب ما جاء في صلاة النبي ﷺ على ولده إبراهيم ﵇ • عن إسماعيل السدي قال: سألت أنس بن مالك قلت: صلَّى رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم؟ قال: لا أدري، رحمةُ الله على إبراهيم، لو عاش كان صديقًا بينًّا، قال: قلت: كيف أنصرف إذا صليتُ، عن يميني أو عن يساري؟ قال: أما أنا فرأيتُ رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه. حسن: رواه الإمام أحمد (١٣٩٨٥) عن عفان، حدثنا أبو عوانة، عن إسماعيل السدي به مثله. وإسماعيل السدي هو: ابن عبد الرحمن بن أبي كريمة السُدِّي، أبو محمد الكوفي من رجال مسلم، وقد روى مسلم في الصلاة (٧٠٨) الحديث المذكور عن قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو عوانة، عن السُدي قال: سألت أنسًا كيف أنصرفُ إذا صليتُ؟ عن يميني أو عن يساري؟ قال: أما أنا فأكثر ما رأيتُ رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه. انتهي. ولم يذكر فيه سؤاله عن الصلاة على إبراهيم ﵇. وقول أنس: "لا أدري" يحتمل أنه نفي علمه به لأنه قد يكون بعيدا عن المسجد لقضاء حاجة من حاجات رسول الله ﷺ لأنه خادمه. وقد رُوي في الصلاة عليه أحاديث مسندة ومرسلة. فأما المسندة: فمنها: ما روي عن البراء بن عازب قال: "صلَّي رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم، ومات وهو ابن ستة عشر شهرًا وقال: إن له في الجنة من تُتِم رَضاعَه، وهو صديق". رواه الإمام أحمد (١٨٤٩٧) عن أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن البراء فذكره. وإسناده ضعيف، لأجل جابر وهو: ابن يزيد الجعفي.

стр. 2325

وعامر هو: الشعبي، وقد رُوي عنه مرسلًا بدون ذكر البراء. ومنها: ما رُوي عن عبد الله بن عباس قال: لما مات إبراهيم بن محمد رسول الله ﷺ صلَّي رسول الله ﷺ وقال: "إن له مرضعًا في الجنة، ولو عاش لكان صديقًا نبيًّا، ولو عاش لعتقت أخوالُه القبطُ، وما استرقَّ قِبطي". رواه ابن ماجه (١٥١١) عن عبد القدوس بن محمد، قال: حدثنا داود بن شَبيب الباهلي، قال: حدثنا إبراهيم بن عثمان، قال: حدثنا الحكم بن عيينة، عن مقسم، عن ابن عباس فذكره. وإسناده ضعيف جدًّا، فيه إبراهيم بن عثمان وهو: أبو شيبة الكوفي قاضي واسط متروك الحديث. ومنها ما رُوي عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ صلى على ابنه إبراهيم، فكبر عليه أربعا. رواه أبو يعلي (٣٦٦٠) وفيه محمد بن عبيد الله الفزاري العرزمي ضعيف باتفاق أهل العلم، وشيخه عطاء بن عجلان متروك أيضا. ومنها ما رُوي عن أبي سعيد الخدري عند البزار "كشف الأستار" (٨٠٦) وهي كلها معلولة. وأما المرسلة فمنها ما رواه أبو داود (٣١٨٨) بإسناده عن البهي، قال: لما مات إبراهيم بن النبي ﷺ صلَّى عليه رسول الله ﷺ في المقاعد. قال المنذري: "والبهي هو: عبد الله بن يسار مولي مصعب بن الزبير، تابعي يُعد في الكوفيين. والمقاعد -أي كان منتهيًا إلى موضع يسمى مقاعد بقرب المسجد الشريف، اتخذ للقعود فيه للحوائج والوضوء". انتهى كلام المنذري. ومنها ما رُوي عن عطاء قال: إن النبي ﷺ صلَّى على ابنه إبراهيم وهو ابن سبعين ليلة، وهذا مرسل أيضًا، رواه أبو داود. وقد أورد الحافظ الزيلعي في "نصب الراية": (٢/ ٢٨٠) هذه الآثار، وهي وإن كان لا يصح منها شيء ولكن يشد بعضها بعضا، وقد ذكر الخطابي مرسل عطاء في صلاته ﷺ عليه ثم قال: "هذا أولى الأمرين، وإن كان حديث عائشة أحسن اتصالا". وممن ذهب إلى تقوية هذه الآثار البيهقي (٤/ ٩) وابن القيم في "زاد المعاد"، وفي "تحفة المودود" بناء على أصل استحباب الصلاة على الأطفال، وبالله التوفيق. وأما حديث عائشة الذي أشار إليه الخطابي فهو ما روي عنها، قالت: مات إبراهيم بن النبي ﷺ ، وهو ابن ثمانية عشر شهرًا، فلم يُصل عليه رسول الله ﷺ . رواه أبو داود (٣١٨٧) عن محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثني أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة فذكرته. ورواه الإمام أحمد (٢٦٣٠٥) عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد به مثله. قلت: ظاهر إسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق إلا أن فيه علة خفية، وهي تفرده،

стр. 2326

والجمهور على عدم قبول تفرده في الأحكام. ولذا قال الإمام أحمد: هذا حديث منكر جدا، ووَهَّي ابن إسحاق. كذا ذكره ابن القيم في زاده (١/ ٥١٤). وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب": "هذا غير صحيح والله أعلم؛ لأن الجمهور قد أجمعوا على الصلاة على الأطفال إذا أستهلوا وراثة وعملا مستفيضا عن السلف والخلف، ولا أعلم أحدا جاء عنه غير هذا إلا عن سمرة بن جندب". وممن ذهبوا إلى ترك الصلاة عليه علَّلوه بعلل: منها: شُغل النبي ﷺ بصلاة الكسوف. ومنها: أنه استغني بفضيلة نبوة النبي ﷺ عن الصلاة عليه، كما استغنى الشهداء بفضيلة الشهادة. ومنها: أنه لا يصلي نبي على نبي، وقد جاء في الأخبار: أنه لو عاش لكان نبيًا إلا أنه لا يصح كما سيأتي. ومنها: أنه لم يصل عليه بنفسه، وصلى عليه غيره. ذكر هذه العلل الحافظ الزيلعي، ووصفها بأنها: علل ضعيفة. يعني أنها لا تضاهي أدلة القائلين بجواز الصلاة على إبراهيم. ٤ - باب ما قيل في أولاد المشركين • عن ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين فقال: "الله إذ خلقهم أعلمُ بما كانوا عاملين". متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٨٣)، ومسلم في القدر (٢٦٦٠) كلاهما من طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. • عن أبي هريرة يقول: سئل النبي ﷺ عن ذَراري المشركين فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين". متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٨٤)، ومسلم في القدر (٢٦٥٩) كلاهما عن أبي اليمان، أخبرنا شُعيب، عن ابن شهاب الزهري قال: أخبرني عطاء بن يزيد الليثي، أنه سمع أبا هريرة فذكر الحديث. ولفظهما سواء. • عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الغلام الذي قتله الخَضِرُ طُبع كافرًا، ولو عاش لأَرهقَ أبويه طغيانًا وكفرًا". صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٦١) عن عبد الله بن مسلمة، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن رَقبة بن مسقلة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب فذكره.

стр. 2327

٥ - باب عرض الإسلام على الصبي عند الموت • عن أنس قال: كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعودُه، فقعد عند رأسه فقال له: "أسلم" فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم ﷺ ، فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه من النار". صحيح: رواه البخاري في الجنائز (١٣٥٦) عن سليمان بن حرب، حدثنا حماد (وهو ابن زيد) عن ثابت، عن أنس فذكره. • * *

стр. 2328

جموع أبواب الدفن وتوابعه ١ - باب من أحب أن يدفن في الأرض المقدسة أو نحوها • عن أبي هريرة قال: أُرسل ملك الموت إلى موسى ﵇، فلما جاءه صكَّه, فرجع إلي ربه فقال: أرسلتني إلي عبد ل يريد الموت ,فرد الله عليه عينه, وقال: ارجع فقُل له يضع يَده على متن ثور، فله بكل ما غطَّت به يدُه بكل شعرة سنة، قال: أي رب! ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن. فسأل الله أن يُدنِيه من الأرض المقدسة رميةً بحجرٍ. قال رسول الله ﷺ : "فلو كنتُ ثم، لأريتُكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر". متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٣٩)، ومسلم في الفضائل (٢٣٧٣) كلاهما من حديث عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. ولم يذكرا فيه الرفَع إلى النبي ﷺ ولكن ساقه البخاري في أحاديث الأنبياء من هذا الوجه ثم قال: وعن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وكذلك ساقه مسلم. اختلف أهل العلم من نقل الميت من بلد إلى بلد، فاستحب الشافعي إن كان نقله إلى الأرض الفاضلة كمكة وغيرها، وكره إن لم يكن الغرض منه الدفن في البقاع الفاضلة. رُوي أن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل ماتا بالعقيق فحُملا إلى المدينة، ودُفنا بها، وحُمل أسامة بن زيد من الجرف، وحمل عبد الرحمن بن أبي بكر من الحُبشي -أحد جبال مكة على مسافة ستة أميال- إلى مكة ودفن بها، وحمُل قتلى أُحد ليدفنوا بالبقيع فنادى مناد "إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم" قال جابر: فرددناهم. ولكن إن ترتب على ذلك تأخير دفنهم، وتعرضهم لهتك حرمتهم فيحرم ذلك، أو يكره. ٢ - باب ما جاء في الأوقات التي تكره فيها الصلاة على الجنازة • عن عقبة بن عامر الجهني قال: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو نَقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تَضيَّفُ الشمسُ للغروب حتى تغربَ". صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٣١) عن يحيى بن يحيى، حدثنا عبد الله بن وهب، عن موسى بن علي، عن أبيه، قال: سمعتُ عقبة بن عامر الجهني يقول: فذكر الحديث.

стр. 2329

وزاد البيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ٣٢): قيل لعقبة: أيُدفن بالليل؟ قال: نعم، قد دُفن أبوبكر بالليل. قال الترمذي: (١٠٣٠): "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم يكرهون الصلاة على الجنازة في هذه الساعات، وقال ابن المبارك: معنى هذا الحديث: أن نَقبُر فيهن موتانا -يعني الصلاة على الجنازة، وكره الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وإذا انتصف النهار حتى تزول الشمس، وهو قول أحمد وإسحاق، وقال الشافعي: لا بأس في الصلاة على الجنازة في الساعات التي تكره فيهن الصلاة" انتهى. وممن ذهب إلى كراهية الصلاة في الأوقات المكروهة ابن عمر وعطاء والنخعي والأوزاعي وسفيان الثوري وأصحاب الرأي وغيرهم. قال الخطابي: "قول الجماعة أولى لموافقته الحديث". وأما الصلاة على الجنازة بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر فلا حرج في ذلك كما روي مالك في الجنائز (٢١) عن نافع، أن عبد الله بن عمر قال: "يُصلَّي على الجنازة بعد العصر وبعد الصبح إذا صُلّيتا لوقتهما". وروي أيضًا عن محمد بن أبي حَرملةَ مولي عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حُويطب، أن زينب بنت أبي سلمة تُوفِّيت، وطارق أمير المدينة، فأُتي بجنازتها بعد صلاة الصبح، فوُضِعت بالبقيع. قال: وكان طارق يُغلِّس بالصبح. قال ابن أبي حَرملةَ: فسمعتُ عبد الله بن عمر يقول لأهلها: إما أن تُصلُّوا على جنازتكم الآن، وإما أن تتركوها حتى ترتفعَ الشمسُ، وبوَّب عليه مالك بقول: الصلاة على الجنازة بعد الصبح إلى الإسفار، وبعد العصر إلى الإصفرار. ٣ - باب الدفن بالليل • عن ابن عباس قال: صلى النبي ﷺ على رجل بعد ما دُفِن بليلة، قام هو وأصحابُه، وكان سأل عنه فقال: "من هذا؟ " فقالوا: فلان، دُفن البارحة، فصلوا عليه. صحيح: رواه البخاري في الجنائز (١٣٤٠) عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الشيباني، عن الشعبي، عن ابن عباس فذكره. وفيه دليل لمن يقول بجواز الدفن بالليل، لأن النبي ﷺ لم ينكر دفنهم إياه بالليل، بل أنكر عليهم عدم إعلامهم بأمره، وقد صح أن دُفن أبو بكر ليلًا، ودَفَن علي بن أبي طالب فاطمةَ ليلًا، ولم يُنقل إنكار أحد من الصحابة على الدفن بالليل بل ثبت أن النبي ﷺ أيضا دفن في الليل، وسيأتي تفصيل ذلك في السيرة. • عن جابر بن عبد الله قال: رأى ناس نارًا في المقبرة، فأتوها، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم

стр. 2330

في القبر، وإذا يقول: "ناولوني صاحبكم" فإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر. حسن: رواه أبو داود (٣١٦٤) عن محمد بن حاتم بن بزيغ، حدثنا أبو نعيم، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، أخبرني جابر بن عبد الله، أو سمعت جابر بن عبد الله قال: فذكره. وأخرجه الحاكم (١/ ٣٦٨) وقال: "صحيح على شرط مسلم". قلت: وهو كما قال: فإن في الإسناد محمد بن مسلم: وهو ابن سوسن الطائفيّ، وقيل سويس، روى عنه مسلم متابعة، والبخاري تعليقًا، إلا أنه مختلف فيه، فضعَّفه الإمام أحمد، ومشاه الآخرون، فوثَّقه ابن معين وأبو داود والعجلي وغيرهم، وذكره ابن حبان في "الثقات" إلا أنه قال: "يخطئ". والخلاصة فيه كما في التقريب: "صدوق يخطئ" ولم يظهر لنا خطؤه في هذا الحديث، بل له شواهد تقويه، منها ما مضى، ومنها ما رواه ابن عباس أن النبي ﷺ دخل قبًرا ليلًا فأُسرِج له سراج، فأخذه من القبلة وقال: "رحمك الله إن كنت لأوَّاها تلاءً للقرآن" وكبَّر عليه أربعًا. رواه الترمذي (١٠٥٧)، وابن ماجه (١٥٢٠) كلاهما من طريق يحيى بن اليمان، عن المنهال ابن خليفة، عن الحجاج بن أرطاة، عن عطاء، عن ابن عباس فذكر الحديث واللفظ للترمذي، وأما ابن ماجه فاختصره. وهذا إسناد ضعيف من أجل المنهال بن خليفة فإنه "ضعيف" كما في "التقريب"، والحجاج بن أرطاة "مدلس" وقد عنعن، وضعَّفه أيضًا البيهقي (٤/ ٥٥)، وأما الترمذي فقال: "حديث حسن" وقال: "رخص أكثر أهل العلم في الدفن بالليل". قلت: وعليه يدل عمل الصحابة، فأبو بكر دفن ليلًا، وعلي بن أبي طالب دفن فاطمةَ ليلًا، وممن دفن ليلًا: عثمان وعائشة وابن مسعود، ورخص فيه عقبة بن عامر وابن المسيب وعطاء والثوري والشافعي وإسحاق، وكرهه الحسن وأحمد في إحدى الروايتين، والآثار في جواز الدفن بالليل أكثر. قال الحافظ ابن القيم ﵀ في "تهذيب السنن" (٤/ ٣٠٨ - ٣٠٩) بعد أن نقل هذه الآثار وغيرها: "والآثار في جواز الدفن بالليل أكثر" وقال: "قيل: وحديث النهي محمول على الكراهة والتأديب، والذي ينبغي أن يقال في ذلك -والله أعلم- إنه متى كان الدفن ليلًا لا يفوت به شيء من حقوق الميت والصلاة عليه، فلا بأس به، وعليه تدل أحاديث الجواز، وإن كان يفوت بذلك حقوقه، والصلاة عليه، وتمام القيام عليه نهي عن ذلك، وعليه يدل الزجر، وبالله التوفيق". ٤ - باب ما جاء في النهي عن الدفن بالليل، والمراد به كيلا تفوته الصلاة على الجنازة • عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث أن النبي ﷺ خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قُبض، فكفِّن في كفن غير طائل، وقُبر ليلًا، فزجر النبي ﷺ أن

стр. 2331

يُقبر الرجلُ بالليل حتى يصلي عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وقال النبي ﷺ : "إذا كفَّن أحدكم أخاه فليُحسِن كفَنَه". صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٤٣) من طرق عن حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، فذكره. وقيل في هذا الحديث إن النهي كان لترك النبي ﷺ الصلاة عليه، ولم ينه عن مجرد الدفن بالليل، أو لقلة المصلين، أو لإساءة الكفن، أو عن المجموع، فكل ذلك ممكن. وأما ما رُوي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا تدفنوا موتاكم بالليل" فهو ضعيف، رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٤٢٧) وقال: فيه محمد بن عمران بن أبي ليلى قال البخاري: منكر الحديث. انتهي. ٥ - باب من السنة أن يُدْخَل الميت من قبل رجلي القبر • عن أبي إسحاق قال: أوصى الحارث أن يُصَلِّي عليه عبد الله بن زيد، فصلى عليه، ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر. وقال: "هذا من السنة". صحيح: رواه أبو داود (٣٢١١) عن عبيدالله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق فذكره. ورواه البيهقي (٤/ ٥٤) من طريق أبي داود وقال: "هذا إسناد صحيح، وقد قال: هذا من السنة فصار كالمسند، وروينا هذا القول عن ابن عمر وأنس بن مالك". انتهى كلامه. قلت: وأما أثر أنس بن مالك فهو ما رواه محمد بن سيرين قال: كنت مع أنس في جنازة، فأمر بالميت، فُسُلّ من قبل رجل القبر، رواه الإمام أحمد (٤٠٨١) عن عبد الأعلى، حدثنا خالد، عن محمد بن سيرين فذكره. قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٤٣): "رواه أحمد ورجاله ثقات". قلت: وهو كما قال، خالد هو: ابن مهران الحذاء. وهذا هو الصحيح بأن الميت بوضع رأسه عند رجل القبر، ثم يُسَلّ سلا، وهو المعروف عن جمهور الصحابة، وهو عمل المهاجرين والأنصار بمكة والمدينة، كذلك رواه الشافعي في الأم، وغيرُه من العلماء عن أهل مكة والمدينة من الصحابة، ومن بعدهم، وهم بأمور رسول الله ﷺ أعلم من غيرهم، قاله النووي في "المجموع" (٥/ ٢٩٤). واستشهد البيهقي بحديث عمران بن موسى بأن النبي ﷺ سُلّ من قبل رأسه، وكذلك من حديث ابن عباس مثله. قال البيهقي: قال الشافعي: أنبأنا بعض أصحابنا عن أبي الزناد وربيعة وأبي النضر: لا

стр. 2332

اختلاف بينهم في ذلك أن رسول الله ﷺ سُل من قبل رأسه، وأبو بكر وعمر". قال البيهقي: "هذا هو المشهور فيما بين أهل الحجاز". ولكن تعقبه ابن التركماني فقال: حديث عمران بن موسى فيه أمران، أحدهما: أنه معضل من جهة عمران هذا. الثاني: أن الشافعي رواه عن مسلم الزنجي وغيره، ومسلم ضعَّفه النسائي، وقال أبو زرعة والبخاري: "منكر الحديث"، وقال ابن المديني: "ليس بشيء", والغير الذي قرنه الشافعي بالزنجي "مجهول"، وحديث ابن عباس قال فيه الشافعي: "أنبأنا الثقة" -قال ابن التركماني: مشهور عند أهل هذا الشأن أن قولهم: "أخبرنا الثقة" ليس بتوثيق، وفيه عمر بن عطاء ضعَّفه يحيي والنسائي، قال مرة: "ليس بشيء". انتهى. وقال أبو حنيفة: "يوضع عرضا من ناحية القبلة، ثم يدخل معترضًا"، ورُوي فيه حديث ابن عباس وهو ضعيف، انظر باب الدفن في الليل، وحديث بريدة قال: أدخل النبي ﷺ من قبل القبلة، وأُلحد له لحدًا، ونصب عليه اللبن نصبًا، رواه البيهقي (٤/ ٥٤ - ٥٥) من طريق يحيي بن عبد الحميد، ثنا أبو بردة في منزله، ثنا علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه فذكره. قال البيهقي: أبو بردة هو: عمرو بن يزيد التميمي الكوفي، وهو ضعيف في الحديث، ضعَّفه يحيى بن معين وغيره. ٦ - باب ما جاء في تولي الرجال إنزال الميت في القبر ولو كانت امرأة أجنبية • عن أنس قال: شهدنا بنتَ رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان, فقال: "هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة؟ " فقال أبو طلحة: أنا، قال: "فأنزل في قبرها" فنزل في قبرها فقبرها. قال ابن المبارك: قال فليح: أُراه يعني الذنب. قال أبو عبد الله (البخاري) ﴿لِيَقْتَرِفُوا﴾ أي ليكتسبوا. صحيع: رواه البخاري في الجنائز (١٣٤٢) عن محمد بن سِنان، حدثنا فليح بن سليمان، حدثنا هلال بن علي، عن أنس فذكره، ومن طريق فليح رواه الإمام أحمد (١٢٢٧٥). وقد ثبت في الروايات الصحيحة أن بنت النبي ﷺ هي أم كلثوم, زوج عثمان, وتنحي عثمان عن النزول في القبر، لأنه جامع بعض جواريه في تلك الليلة. وأما ما رواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن رقية لما ماتت قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل القبر رجل قارف أهلَه" فلم يدخل عثمان بن عفان القبر، فسماها أنها رقية بنت النبي ﷺ فهو وهم منه، ومن هذا الوجه أخرجه الإمام أحمد (١٣٣٩٨)، والحاكم (٤/ ٤٧) وقال: "صحيح على شرط مسلم". قلت: الصواب أن فيه وهما وقع من حماد بن سلمة، فإن رقية بنت النبي ﷺ ماتتْ، والنبي ﷺ -

стр. 2333

ببدر لم يشهدها، كما قال البخاري وغيره، فالصحيح أن التي ماتت هي أم كلثوم كما ثبت في الروايات التاريخية. فقول الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٤٣): "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح" لا يستلزم صحة الحديث فتنبه، وكذلك لا يصح ما رُوي عن عامر (وهو الشعبي) قال: غسَّل رسولَ الله ﷺ عليٌّ والفضل وأسامة بن زيد، وهم أدخلوه قبره. قال: وحدثني مرحَّب، أو أبو مرحَّب، أنهم أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف، فلما فرغ علي قال: إنما يلي الرجل أهلُه، فهو مرسل. رواه أبو داود (٣٢٠٩) عن أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر فذكره. وفي رواية أخرى عن محمد بن الصباح، أخبرنا سفيان، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي، عن أبي مرحَّب، أن عبد الرحمن بن عوف نزل في قبر النبي ﷺ قال: كأني أنظر إليهم أربعة. ومرحَّب أو أبو مرحَّب مختلف في صحبته كما قال الحافظ في التقريب. وجاء في أثر صحيح عن عبد الرحمن بن أبزى، أن عمر بن الخطاب كبَّر علي زينب بنت جحش أربعًا، ثم أرسل إلى أزواج النبي ﷺ من يدخل هذه قبرها؟ ، قلن: من كان يدخل عليها في حياتها. وفي رواية: وكان عمر يعجبه أن يدخلها، فلما قلن ما قلن: قال: صدقن، رواه البيهقي (٤/ ٥٣) من طريق شعبة، عن إسماعيل بن خالد، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبزي فذكره. وفي حديث أنس دليل على أن الرجال يتولون دفن المرأة ولو كانوا أجنبيين عند الحاجة، والأولى أن يتولى ذلك أولياؤها. وفيه دليل أيضًا أن الذي لم يجامع أهله تلك الليلة أولى بالدفن من الذي جامع أهله ولو كان أجنبيا؛ فإن بعيد العهد عن الملاذ يكون بعيد التفكير في الشهوات. ٧ - باب ماذا يقال إذا أدخل الميت في القبر • عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر قال: "بسم الله، وعلى سنة رسول الله". صحيح: رواه أبو داود (٣٢١٣)، والنسائي في الكبرى (١٠٩٢٧) وصحَّحه ابن حبان (٣١١٠)، والحاكم (١/ ٣٦٦) كلهم من طريق همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي الصديق وهو الناجي، عن ابن عمر فذكره، واللفظ لأبي داود. وأخرجه الإمام أحمد (٤٨١٢) عن يزيد (وهو ابن هارون) عن همام بن يحيى بإسناده. وإسناده صحيح، وأبو الصديق هو بكر بن عمرو وهو ثقة، ولفظ ابن حبان وأحمد: "إذا وضعتم موتاكم في اللحد فقولوا: بسم الله، وعلى سنة رسول الله"، وعند أحمد: "وعلى ملة رسول الله".

стр. 2334

ورواه الترمذي (١٠٤٦)، وابن ماجه (١٥٥٠) كلاهما من طريق أبي خالد الأحمر، عن الحجاج، عن نافع، عن ابن عمر ولفظه: "باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله"، وفي رواية "على سنة رسول الله". وقال الترمذي: "حسن غريب من هذا الوجه، وقد رُوي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، ورواه أبو الصديق الناجي عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، وقد رُوي عن أبي الصديق الناجي، عن ابن عمر موقوفًا أيضًا" انتهى. قلت: ما صح منه لا يُعلل بما لم يَصح، ولذا قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وهمام بن يحيي ثبت مأمون إذا أسند مثل هذا الحديث لا يُعلل بأحد إذا أوقفه شعبة" انتهى. وفي الباب ما رُوي عن البياضي، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الميت إذا وضع في قبره فليقل الذين يضعونه حين يوضع في اللحد: باسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله ﷺ ". وفيه أبو حازم مولى الغفارين -واسمه التمار، ذكره ابن حبان في "الثقات"، ولم يوثقه أحد، ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول" أي حيث يتابع، ولم أجد من تابعه. ورواه الحاكم (١/ ٣٦٦) من حديث الليث بن سعد، حدثني ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي حازم مولى الغفاريين، قال: حدثني البياضي فذكره. قال الحاكم: "حديث البياضي وهو مشهور في الصحابة شاهد لحديث همام عن قتادة مسندًا". قلت: كون حديث البياضي شاهدًا لحديث ابن عمر فلا بأس به، لأنه ليس فيه متهم. وفي الباب أيضًا ما رُوي عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللَّجاج، عن أبيه قال: قال لي أبي: يا بني! إذا أنا مُتُّ فألحدني، فإذا وضعتني في لحدي فقل: "بسم الله، وعلى ملة رسول الله، ثم شُنَّ عليَّ الثري شَنَّا، ثم اقرا عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمها"، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك، رواه الطبراني في "الكبير" (١٩/ ٣٢١) بإسناده عن عبد الرحمن بن العلاء فذكره، وأورده الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٣٠) وسكت عليه. وذكره الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٤٤) وقال: "رجاله موثقون". قلت: قال ذلك تبعًا لابن حبان فإنه ذكر عبد الرحمن بن العلاء في "الثقات" ولم يسبق له توثيق من أحد، ولم يذكر المزي من الرواة عنه سوى مبشر بن إسماعيل الحلبي، وأكَّد ذلك الذهبي في "الميزان" فهو مجهول. وقال الحافظ في "التقريب": "مقبول" أي إذا توبع، ولم يتابع على روايته فهو ليّن الحديث. ٨ - باب ما جاء في حثو التراب في القبر ثلاثا روي عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت، فحثا

стр. 2335

عليه من قبل رأسه ثلاثًا. رواه ابن ماجه (١٥٦٥) حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي، قال: حدثني يحيى بن صالح، قال: حدثنا سلمة بن كلثوم، قال: حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكر الحديث. وهو منكر أنه لم يذكر هذا الحديث بهذا اللفظ إلا سلمة بن كلثوم عن الأوزاعي، وسلمة بن كلثوم وصف بأنه كان يهم كثيًرا. وقد نقل ابن أبي حاتم عن أبيه بأنه حديث باطل، وقال الدارقطني في "علله" (٩/ ٣٢٢): "زاد فيه ألفاظًا لم يأت بها غيره، وهي قوله: "أتى النبي ﷺ على القبر حثا عليه ثلاثًا .. ". أي أنه تفرد به وخالف كثيًرا من الرواة؛ لأنّ أصل حديث أبي هريرة في الدعاء على الجنازة "اللهم! اغفر لحينا وميتنا ... " رواه جماعة كثيرون، ولم يذكر أحدٌ هذه اللفظة إلا سلمة بن كلثوم، وهو ممن لا يقبل تفرده. وأما ما رُوي عن أبي أمامة قال: لما وُضِعت أم كلثوم ابنة رسول الله ﷺ في القبر، قال رسول الله ﷺ : ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] قال: ثم لا أدري أقال: "بسم الله وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله" أم لا؟ فلما بُني عليها لحدُها طفق يطرح لهم الجبوب ويقول: "سُدُّوا خلال اللَّبن" ثم قال: "أما إن هذا ليس بشيء، ولكنَّه يُطيِّب بنفس الحيّ" فهو ضعيف جدا. رواه الإمام أحمد (٢٢١٨٧) عن علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله -يعني ابن المبارك، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن عبيدالله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة فذكره. وفيه عبيدالله بن زحر وشيخه علي بن يزيد وهو ابن أبي هلال الألهاني ضعيفان. وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٧٩) وعنه البيهقي (٣/ ٤٠٩) من طريق يحيي بن أيوب به مثله. وقال البيهقي: "وهذا إسناد ضعيف". وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "من حثا على مسلم، أو مسلمة احتسابًا كتب له بكل ثراة حسنة"، رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٤٢٨) وفيه الهيثم بن رُزيق المالكي وهو مجهول ولا يتابع عليه. وفي الباب أيضًا عن عامر بن ربيعة وجعفر بن محمد، عن أبيه وغيرهما وهي كلها معلولة. انظر: "المنة الكبري" (٣/ ٨٢ - ٨٣). وقد صحّ عن بعض الصحابة حثو التراب على القبر بعد دفن الميت منهم: علي وابن عباس وأبي أمامة وغيرهم؛ ولذا رأي أهل العلم أنه لا يكره ذلك. ٩ - باب الاستغفار للميت عند القبر بعد دفنه • عن عثمان بن عفان قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه

стр. 2336

فقال: "استغفروا لأخيكم، وسَلُوا له التثبيتَ، فإنه الآن يُسأل". حسن: أخرجه أبو داود (٣٢٢١) عن إبراهيم بن موسي الرازي، حدثنا هشام، عن عبد الله بن بَحير، عن هانئ مولي عثمان، عن عثمان بن عفان فذكره. ورواه البيهقي في إثبات عذاب القبر (٥٠) من وجه آخر عن هشام بن يوسف بإسناده مثله. وعبد الله بن بحير -بفتح الموحدة، وكسر المهملة- ابن رَيسان أبو وائل القاص وثَّقه ابن معين، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٣٣١). وأما قول الحافظ في "التقريب": "واضطرب فيه كلام ابن حبان" فالصحيح أنه لم يضطرب، لأنه فرق بين عبد الله بن بحير بن رَيسان وبين عبد الله بن بَحير الصنعاني فذكر الأول في "الثقات" كما تقدم، والثاني في "المجروحين" (٥٤٨) فقال: "وليس هذا عبد الله بن بَحير بن رَيسان ذاك ثقة، وهذا هالك، هذا يروي عن عروة بن محمد بن عطية وعبد الرحمن بن يزيد الصنعاني العجائب التي كأنها معمولة، لا يجوز الاحتجاج به" إلا أنه كنَّى الصنعاني بأبي وائل القاص، وصاحبنا هو الأول، ولكن في الإسناد هانئ مولي عثمان، وهو أبو سعيد البربري قال فيه النسائي: ليس به بأس"، وذكره ابن حبان في "الثقات" فهو حسن الحديث، لا يرتقي إلى درجة "ثقة". وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٣٧٠) من هذا الوجه، وقال: "صحيح على شرط الإسناد". وأمّا التلقين، فقال الحافظ ابن القيم في "زاده" (١/ ٥٢٢ - ٥٢٣): "لم يكن من هديه ﷺ أن يجلس يقرأ عند القبر, ولا يلقَّن الميِّت كما يفعله النّاسُ اليوم, وأمّا الحديث الذي رواه الطّبراني في "معجمه" [٧٩٧٩] من حديث أبي أمامة مرفوعًا، فلا يصح". وأورده الهيثميّ في "مجمع الزوائد" (٢/ ٣٢٤) وقال: "رواه الطّبراني في "الكبير"، وفيه من لم أعرفه". أما رفع اليدين مستقبل القبلة عند دفن الميت والدعاء له فلم يثبت، وأما ما روي عن عبد الله بن مسعود قال: والله لكأني أنطبع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وهو في قبر ذي البجادين، وأبو بكر وعمر، وهو يقول: "أدنيا إلى أخاكما"، فأخذه من قبل القبلة حتى أسنده في لحده، ثم خرج النبي ﷺ ووليا العمل، فلما فرغ من دفنه استقبل القبلة رافعا يديه يقول: "اللهم! إني أمسيت عنه راضيًا، فارض عنه", وكان ذلك ليلا , فواللهّ لقد رأيتني ولقد أسلمت قبله بخمسة وعشرين سنة ولوددت أني مكانه، فهو غريب. رواه البغوي في "معجم الصحابة" (٢/ ٣٢٣) عن عبد الله بن أبي سعد، نا إسحاق بن إبراهيم الفارسي، قال: ثني جدي سعد بن الصلت، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، فذكره. ورواه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ١٢٢)، وفي "معجم الصحابة" (٣/ ١٦٣٦) من طريق محمد بن عمر بن حفص، ثنا إسحاق بن إبراهيم شاذان بإسناده مثله. وأخرجه ابن مندة -كما في "الإصابة"- من طريق سعد بن الصلت بإسناده، والغالب أنه من

стр. 2337

طريق إسحاق بن إبراهيم والنهشلي، المعروف بشاذان الفارسي، ابن ابنة سعد بن الصلت ترجمه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ٢١١)، وقال: "هو صدوق". وسعد بن الصلت هو ابن بُرد بن أسلم القاضي، ترجمه الذهبي في "السير" (٩/ ٣١٧) ووصفه بأنه الإمام المحدث الفقيه. سأل عنه سفيان الثوري، فقال: "ما فعل سعد؟ " قالوا: ولي قضاء شيراز، قال: "دُرة وقع في الحُشّ"، قال الذهبي: "هو صالح الحديث، وما علمت لأحد فيه جرحًا". انتهى. وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: "ربما أغرب". قلت: لعل هذا الحديث من غرائبه، فإنه تفرد بالرواية عن الأعمش، وهو كثير الرواية. وقد حكم الذهبي أيضًا على حديث رواه سعد بن الصلت، عن عيسي بن عمر بإسناده مرفوعًا: "من حج عن أبويه، ولم يحجا جزي عنهما، وعنه، ونُشرت أرواحهما في السماء، وكتب عند الله برًا". قال الذهبي: "غريب جدًّا, وعيسي هذا هو الكوفي المقرئ صدوق". وللحديث إسناد آخر وهو ما رواه محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، أن عبد الله بن مسعود كان يحدث، قال: قمت من جوف الليل، وأنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، قال: فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، قال: فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله ﷺ في حفرته، وأبو بكر وعمر يدلّيانه إليه، وهو يقول: "أدنيا إلي أخاكم"، فدلّياه، فلما هيأه لشقِّه قال: "اللهم! إني أمسيت راضيًا عنه، فارض عنه"، قال: يقول عبد الله بن مسعود: ياليتني كنت صاحب الحفرة. رواه البغوي في "معجم الصحابة"، وأبو نعيم في "الحلية"، وهو في "سيرة ابن هشام" (٢/ ٥٢٧) كلهم من حديث محمد بن إسحاق، وفيه انقطاع كما أشار إليه ابن حجر في "الإصابة" (٢/ ٣٣٩)، فإن محمد بن إبراهيم الحارث لم يسمع من عبد الله بن مسعود، ثم هو مختلف فيه، فوثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي. وقال أحمد: "في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو منكرة". ثم ليس فيه محل الشاهد وهو: "استقبل القبلة رافعًا يديه". وعبد الله ذو البجادين سمي به لأنه كان يتيمًا في حجر عمه، وكان محسنًا له، فبلغ عمه أنه أسلم، فنزع منه كل شيء أعطاه، حتي جرّده من ثوبه، فأتى أمه، فقطعت له بجادًا لها اثنتين، فاتزر نصفًا، وارتدى نصفًا، ثم أسلم، فقال له النبي ﷺ : "أنت عبد الله ذو البجادين"، فلزم به. هذا عند دفن الميت، أما رفع اليدين للدعاء عند زيارة المقابر فهو صحيح ثابت من حديث عائشة كما هو مذكور في باب الأدعية لأصحاب القبور.

стр. 2338

١٠ - باب في دفن الكافر والمشرك في مقابرهم الخاصة، وأنهم لا يُدفنون في مقابر المسلمين • عن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة قال: لما كان يومُ بدرٍ، وظهر عليهم نبي الله ﷺ وأمر ببضعة وعشرين رجلًا-وفي رواية: بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فأُلقوا في طَوِيٍّ من أطواء بدرٍ. متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٣٩٧٦)، ومسلم في كتاب الجنَّة (٢٨٧٥)، كلاهما من حديث روح بن عبادة، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، فذكره في سياق طويل وسيأتي في المغازي بطوله. وفي رواية: فجروا بأرجلهم. وقوله: "في طَوِي" بفتح الطاء وكسر الواو، بئر مطوي بالحجارة أو غيرها، وجمعه أطواء كشريف وأشراف. • عن عمر بن الخطاب قال: إنَّ رسول الله ﷺ كان يُرينا مصارع أهل بدر بالأمس، يقول: "هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله" قال: فوالذي بعثه بالحق ما أخطؤوا الحدود التي حدَّ رسول الله ﷺ ، قال: فجعلوا في بئر بعضهم على بعض. صحيح: رواه مسلم في الجنة (٢٨٧٣) عن إسحاق بن عمر بن سليط الهذلي، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، قال: قال أنس: كنت مع عمر بين مكة والمدينة، فتراءَينا الهلال، وكنت رجلًا حديد البصر فرأيتهُ، وليس أحد يزعم أنه رآه غيري، قال: فجعلتُ أقول لعُمَر: أمَا تراه؟ فجعل لا يراه، قال: يقول عمر: سأراه وأنا مستلق على فراشي، ثم أنشأ يحدثنا عن أهل بدر فذكره. • عن عائشة قالت: أمر رسول الله ﷺ بالقتلى أن يُطرحوا في القَليبِ، فطُرحوا فيهِ، إلَّا ما كان من أميَّة بن خلف، فإنَّهُ انتفخَ في دِرعِه فملأها، فذهبوا ليحركوه، فتزايلَ (لحمه) فأقرُّوه وألقَوا عليه ما غيَّبه من التُّراب والحجارة، فذكر الحديث بطوله وسيأتي في موضعه كاملًا. حسن: رواه الإمام أحمد (٢٦٣٦١) عن يعقوب، قال: حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة فذكرته، وهو في "سيرة ابن هشام" (١/ ٦٣٨ - ٦٣٩) من هذا الوجه، وصحَّحه ابن حبان (٧٠٨٨) والحاكم (٣/ ٢٢٤) وقال: "صحيح على شرط مسلم". قلتُ: إسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه إن صرَّح فهو حسن الحديث لأنه مدلس، وقد صرَّح هنا بالتحديث فانتفت عنه تهمة التدليس. والقَليب: البئر، وقوله: "تزايل" أَي تفرَّقَ لحمُهُ.

стр. 2339

وكان بالمدينة مقابر خاصة للمشركين، ومقابر خاصة للمسلمين كما هو الظاهر من حديث بشير ابن الخصامية الذي سيأتي في باب كراهية المشي في النعال بين القبور، ويستفاد من حديثه أيضًا أن من السنة الدفنُ في المقبرة العامة للمسلمين، لأن النبي ﷺ كان يُدفن الموتى في مقبرة البقيع، ولم يثبت أنه أجاز دفن أحد من المسلمين في بيوتهم، بل قوله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم مقابر" كما جاء في صحيح مسلم ظاهره يقتضي النهي عن الدفن في البيوت، وأما دفن النبي ﷺ في حجرته فهو من خصوصياته ﵇ كما دل عليه حديث أبي بكر الذي سبق، وأما دفن أبي بكر وعمر مع صاحبيه فهو لظروف خاصة، ولا يقاس عليهما غيرهما. ١١ - باب ما جاء في دفن المشرك • عن علي بن أبي طالب قال: قلت للنبي ﷺ : إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: "اذهب فوار أباك، ثم لا تحدثَنَّ شيئًا حتى تأتيني" فذهبت فواريتُه وجئتُه، فأمرني فاغتسلت، ودعا لي. حسن: رواه أبو داود (٣٢١٧)، والنسائي (٢٠٠٦)، وابن الجارود (٥٥٠)، وأحمد (١٠٩٣) كلّهم من حديث أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي بن أبي طالب فذكره. وإسناده حسن من أجل ناجية بن كعب فهو مختلف فيه، فقد سئل يحيى بن معين عنه فقال: "صالح"، وقال أبو حاتم: "شيخ"، وقال العجلي: "كوفي ثقة"، وجعله الحافظ في درجة "ثقة" وأرى أنه لا يرتقي عن درجة "صدوق" وتكلم فيه ابن المديني فقال: "مجهول". وأورده الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٧/ ١٩٥) وسكت عنه (إلا أنه عزاه إلى ابن خزيمة أيضًا، وهذا سهو منه، فإنه لم يعزه إليه في "إتحاف المهرة" (١٤٧٧٦) فتنبه). ونقل البيهقي (١/ ٣٠٤) عن ابن المديني قال: لم نجد هذا الحديث إلا عند أهل الكوفة، وقال البيهقي: وفي إسناده بعض الشيء. رواه أبو إسحاق عن ناجية، ولا نعلم أحدا روي عن ناجية غير أبي إسحاق، قال الإمام أحمد: وقد رُوي من وجه آخر ضعيف عن علي هكذا. انتهى. قلت: لعل الإمام أحمد يشير إلى ما رواه في مسنده (٨٠٧) عن إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا الحسن بن يزيد الأصم، قال: سمعت السُدي إسماعيل يذكره عن أبي عبد الرحمن السُلمي، عن علي قال فذكره، وزاد في آخر الحديث: "فدعا لي بدعوة ما يسرني أن لي بها حمرَ النعم وسودها قال: وكان علي إذا غسل الميت اغتسل" وهذا الإسناد فيه شيء من الضعف. ورواه ابن الإمام أحمد في "زوائد المسند" (١٠٧٤) من وجه آخر عن الحسن بن يزيد الأصم بإسناده مثله، والإسناد الثاني هذا يقوي الإسناد الأول الذي من طريق ناجية بن كعب، والله أعلم. وقد قال الحافظ في "التلخيص" بعد أن عزاه للمخرجين من طريق أبي إسحاق: "ومدار كلام البيهقي على أنه ضعيف، ولا يتبين وجه ضعفه، وقال الرافعي: إنه حديث ثابت مشهور، قال ذلك في أماليه".

стр. 2340

قلت: هذا الحديث وإن كان من جهة النّقل فيه مقال، ولكن الحديث يدل على قصة وقعت بدون شك، فإن لم يفعل علي بن أبي طالب بأبيه هذا فماذا كان يجب عليه عمله بعد موته؟ ! وأمّا كونه غسّل أبا طالب قبل دفنه فلم يثبت هذا لا في حديث صحيح ولا ضعيف، وإنّما فيه أنّ النبيّ ﷺ أمره أن يغتسل بعد دفنه تنظيفًا؛ لأنّ الاغتسال إنّما شرع من غسل الميت، ولم يشرع من دفنه، ولذا لم يقلْ أحدٌ بالاغتسال من الدَّفن. ١٢ - باب ما جاء في احترام الميت والنهي عن كسر عظامه • عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "كسر عظْم الميت ككسْره حيًّا". صحيح: رواه أبو داود (٣٢٠٧)، وابن ماجه (١٦١٦) كلاهما من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، قال: حدثنا سعد بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة فذكرته. وقد تابع الدراوردي كل من ابن نمير عند أحمد (٢٤٣٠٨)، ومحاضر بن المورّع عند ابن الجارود (٥٥١)، وابن جريج -مع التحديث- عند الدارقطني (٣٤١٣) كلهم عن سعد بن سعيد بإسناده، مثله. وسعد بن سعيد هو أخو يحيى بن سعيد، تُكلّم فيه من ناحية حفظه والخلاصة فيه كما قال ابن عدي: "له أحاديث صالحة، تقرب من الاستقامة لا أرى بحديثه بأسًا بمقدار ما يرويه". وقد تابعه على رفعه كل من: يحيى بن سعيد أخوه ومن طريقه رواه ابن حبان (٣١٦٧)، والبيهقي (٤/ ٥٨). وأبو الرجال: وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي الرجال، ومن طريقه رواه أحمد (٢٤٧٣٩). وحارثة بن أبي الرجال ممن ذكره الدارقطني في "العلل" (١٤/ ٤٠٨)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ١٥٠). وللدارقطني في "سننه" (٣٤١٥) إسناد آخر عن زهير بن محمد، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن القاسم، عن عائشة، فذكرته مرفوعًا. وبهذه المتابعات وغيرها صحّ هذا الحديث مرفوعًا. وأما البخاري فرجّح الوقف كما في "التاريخ الكبير" فلعله بناء على أن الذين رفعوه هم عنده اثنان كما ذكر، وهما: سعد بن سعيد، وحارثة وقال: "وغير مرفوع أكثر". والله تعالى أعلم. وأما ما رُوي عن أمّ سلمة عن النبي ﷺ قال: "كسر عظْم الميت ككسر عظْم الحي في الإثم" فهو ضعيف. رواه ابن ماجه (١٦١٧) عن محمد بن مُعَمَّر، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا عبد الله بن زياد، قال: أخبرني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، عن أمه، عن أم سلمة فذكرته. قال البوصيري في "الزوائد": "فيه عبد الله بن زياد مجهول، ولعله عبد الله بن زياد بن سمعان المدني أحد المتروكين فإنه في طبقته" ثم ذكر حديث عائشة شاهدًا له.

стр. 2341

جموع أبواب القبور ١ - باب كراهية الذبح عند القبر • عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عَقْر في الإسلام". قال عبد الرزاق: كانوا يَعْقِرون عند القبر ببقرةٍ أو شاةٍ. صحيح: رواه أبو داود (٣٢٢٢) عن يحيى بن موسى البلْخِي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ثابت، عن أنس فذكره. والحديث في مصنف عبد الرزاق (٦٦٩٠) مطولًا. وأما قول عبد الرزاق الذي ذكره أبو داود فلم أجده في مصنفه. وقوله: "ولا عقر" قال السندي: العَقْر: ضرب قوائم البعير، أو الشاة بالسيف وهو قائم، وكانوا يَعْقِرون الإبل على قبور الموتى - أي ينحرونها ويقولون: صاحب القبر كان يعقر للأضياف، فنكافثه بمثله". وقال النووي في "المجموع" (٥/ ٣٢٠): "وأما الذبح والعَقْر عند القبر فمذموم لحديث أنس هذا". رواه أبو داود والترمذي وقال: "حسن صحيح". قلت: العزو إلى الترمذي وهم منه رحمه الله تعالى. ٢ - باب النهي عن بناء المسجد على القبر • عن عائشة قالت: لما اشتكى النبي ﷺ ذكرتْ بعض نسائه كنيسةً رأينَها بأرض الحبشة يقال لها مارية، وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع رأسه فقال: "أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، ثم صوَّروا فيه تلك الصورة، أولئك شِرار الخلق عند الله". متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٤١)، ومسلم في المساجد (٥٢٨) كلاهما من حديث هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرته واللفظ للبخاري. وبقية أحاديث النهي عن بناء المساجد على القبور انظر في "المساجد". وقد رُوي عن أبي سعيد "أن النبي ﷺ نهى أن يُبْنى على القبر" إلا أنه منقطع، رواه ابن ماجه (١٥٦٤) عن محمد بن يحيى قال: حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي، قال: حدثنا وُهيب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن القاسم بن مُخيمِرة، عن أبي سعيد فذكره.

стр. 2342

القاسم بن مُخيمرة لم يثبثْ سماعُه من أحد من الصحابة، قاله يحيى بن معين وغيره. وقد أشار إليه البوصيري في "الزوائد بقوله": "هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع، القاسم بن مخيمرة لم يسمع من أبي سعيد". ٣ - باب النهي عن تجصيص القبور والكتابة عليها • عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُجصَّص القبرُ، وأن يُقْعد عليه، وأن يبُنى عليه". صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٧٠) من طرق عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله فذكر الحديث مثله. ورواه أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "نهى عن تقصيص القبور". وزاد أبو داود (٣٢٢٦) من طريق سليمان بن موسى، عن جابر "وأن يكتب عليه"، ورواه أيضًا ابن ماجه (١٥٦٣) من طريق حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن جابر فذكر الحديث بقوله: "نهى رسول الله ﷺ أن يكتب على القبر شيء". وسليمان بن موسى لم يلق جابرًا. ورواه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٣٧٠) من طريق حفص بن غياث النخعي، ثنا ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر فجمع فيه ألفاظ الحديث جميعًا وهي قوله: "نهى رسول الله ﷺ أن يُبنى على القبر، ويُجصص، أو يُقعد عليه، ونهى أن يكتب عليه"، وقال: "على شرط مسلم، وقد خرَّج بإسناده "غير الكتابة"، فإنها لفظة صحيحة غريبة، وكذلك رواه أبو معاوية، عن ابن جريج" انتهى. ثم رواه من طريقه وقال: "هذه الأسانيد صحيحة، وليس العمل عليها، فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم، وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف" انتهى. وردَّه الذهبي قائلًا: "ما قُلْتَ طائلًا، ولا نعلم صحابيًا فعل ذلك، وإنما هو شيء أحدثه بعض التابعين فَمن بعدهم، ولم يبلغهم النهي". والتجصيص والتقصيص هو: البناء بالجص، وهو القص والقصة، والجصاص والقصاص واحد، فإذا خلط الجص بالرماد فهو الجيار. انظر "المفهم" (٢/ ٦٢٦). وفي الباب أيضًا عن أم سلمة قالت: "نهى رسول الله ﷺ أن يُبْنى على القبر، أو يُجصص". رواه الإمام أحمد (٢٦٥٥٥، ٢٦٥٥٦) من وجهين أولهما: عن حسن، ثنا ابن لهيعة، ثنا يزيد ابن أبي حبيب، عن ناعم مولى أم سلمة فذكرته. والثاني: عن علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله، أخبرنا ابن لهيعة، حدثني يزيد بن حبيب، عن ناعم مولى أم سلمة "أن النبي ﷺ نهى أن يُجَصَّص قبر، وأن يبُنى عليه، أو يُجلس عليه"، قال أبي: ليس فيه "أم سلمة". انتهى.

стр. 2343

والوجه الثاني هو الصحيح لأن عبد الله وهو ابن المبارك أحد العبادة الذين سمعوا أبن لهيعة، قبل احتراق كتبه، إلا أنه مرسل كما نقل عبد الله بن أحمد، عن أبيه. ٤ - باب الأمر بتسوية القبور • عن ثُمامة بن شفيٍّ قال: كنا مع فَضالة بن عُبيد بأرض الروم برودس، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسُوِّيَ ثم قال: "سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها". صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٦٨) من طرق، عن أبي علي الهمداني، حدَّثه، أن ثُمامة بن شُفَيِّ حدَّثه قال: فذكره. ورودِس: جزيرة معروفة في البحر الأبيض المتوسط، جنوب غرب تركيا. • عن أبي الهَيَّاج الأسَدي قال: قال لي عليُّ بن أبي طالب: ألا أبعثُك على ما بَعَثَي عليه رسولُ الله ﷺ ، أن لا تَدَعَ تمثالًا إلا طمستَه، ولا قبرًا مشرقًا إلا سوَّيته. وفي رواية: ولا صورةً إلا طمستها. صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٦٩) من طرق عن وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن أبي الهيَّاج فذكره. والرواية الثانية رواها من طريق يحيى (وهو القطان) عن سفيان بإسناده. • عن معاوية قال: إن تسوية القبور من السنة، وقد رفعت اليهود والنصارى فلا تُشبهوا بهما. صحيح: رواه الطبراني في "الكبير" (١٩/ ٣٥٢) عن الحسين بن إسحاق التستري، ثنا وهب بن بقية، أنا خالد بن عبد الله، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، أن معاوية قال: فذكره. قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٣٥٢): رجاله رجال الصحيح". قلت: وهو كما قال. ٥ - باب النهي عن الجلوس على القبر ووطئه والصلاة عليه • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن يجلس أحدكم على جَمْرة فَتحْرِق ثيابُه، فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر". صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٧١) من طرق عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. وأما ما رُوي عنه بلفظ: "من جلس على قبر يتغوط، أو يبول فكأنما جلس على جمرة" فهو ضعيف فيه محمد بن أبي حُميد قال فيه البخاري: "منكر الحديث"، وضعَّفه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وغيرهم، ومن طريقه أخرجه أبو داود الطيالسي، والطحاوي وأحمد بن منيع وغيرهم،

стр. 2344

انظر: "المطالب العالية" (٨٣٨). • عن أبي مرثَدٍ الغَنَوي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجلسوا على القبور، ولا تُصلوا إليها". صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٧٢) من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن جابر (وهو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر) عن بُسر بن عبيدالله، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد الغنوي فذكره. ورواه أيضًا من وجه آخر عن ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وأدخل بين بسر بن عبد الله وبين واثلة بن الأسقع "أبا إدريس الخولاني". قال البخاري: هذا خطأ أخطأ فيه ابن المبارك، وزاد فيه "عن أبي إدريس الخولاني" وإنما هو بُسر بن عبيد الله، عن واثلة. هكذا روى غير واحد عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وليس فيه "عن أبي إدريس "وبسر بن عبد الله، قد سمع من واثلة بن الأسقع، هذا ما نقله الترمذي (١٠٥١) عن البخاري. قلت: عبد الله بن المبارك حافظ ثقة، فلعل عبد الرحمن بن يزيد بن جابر نفسه روى من وجهين، فإنه سمع أولًا عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن واثلة بن الأسقع، ثم سمع عن واثلة بن الأسقع بدون واسطة أبي إدريس الخولاني، فسمع منه عبد الله بن المبارك من أحد هذه الوجوه وهي بالواسطة فروى عنه، وسمع غيره من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن بسر بن عبيد الله، عن واثلة بن الأسقع بدون واسطة "أبي إدريس الخولاني" ومن هؤلاء الوليد بن مسلم عند مسلم، وعيسى بن يونس عند أبي داود (٣٢٢٩) وفيه التصريح من بسر بن عبيدالله بأنه سمع من واثلة بن الأسقع. وقوله: "لا تُصلوا إليها" أي لا تتخذوها قبلة، لأن ذلك يُؤدي إلى تعظيم من فيها، ومن ثم عبادته، وقد صرَّح كثير من أهل العلم أن الصلاة إلى القبر محرم لظاهر النهي. • عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يُقْعَدَ عليه، وأن يبنى عليه". صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٧٠) من طرق، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله فذكر الحديث وسبق قبل أبواب. • عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن أمشي على جمرةٍ أو سيفٍ، أو أخصف نعلي برجلي، أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي، أو وسط السوق". صحيح: رواه ابن ماجه (١٥٦٧) عن محمد بن إسماعيل بن سمرة، قال: حدثنا المحاربي، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني، عن عقبة بن

стр. 2345

عامر فذكره. وإسناده صحيح. قال البوصيري في "زوائد ابن ماجه": "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات" ثم ذكر من شواهده حديث أبي هريرة وحديث أبي مرثد. وأما ما رُوي عن عمرو بن حزم، عن رسول الله ﷺ قال: "لا تقعدوا على القبور" ففيه رجل مجهول. رواه النسائي (٢٠٤٥) عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شُعيب، قال: حدثنا الليث، قال: حدثنا خالد، عن ابن أبي هلال، عن أبي بكر بن حزم، عن النضر بن عبد الله السلمي، عن عمرو بن حزم فذكره. والنضر بن عبد الله السَلمي قال فيه الحافظ: "مجهول" والحديث في أطراف مسند الإمام أحمد (٥/ ١٣١) من هذا الوجه (لأنه سقط من المسند المطبوع) وله طرق أخرى بلفظ: رآني رسول الله ﷺ متكئًا على قبر فقال: "لا تؤذِ صاحب هذا القبر" في بعض طرقه ابن لهيعة وفيه كلام معروف. وفي أحاديث الباب دليل على تحريم الجلوس على قبر المسلم ووطئه، ولكن قال مالك رحمه الله تعالى في الموطأ (١/ ٢٣٣): "إنه بلغه أن علي بن أبي طالب كان يتوشَّدُ القبور، ويضطجعُ عليها، قال مالك: وإنما نُهي عن القعود على القبور، فيما نُرى للمذاهب" أي يريد قضاء الإنسان حاجته، إلا أن هذا التأويل يرده حديث عقبة بن عامر فإنه سوَّى بين قضاء الحاجة بين القبور، أو وسط السوق - يعني أنه كما يجب الاستحياء من الأحياء، يجب الاستحياء من الأموات فلا يقضي حاجته بين القبور. ٦ - باب كراهية المشي في النّعال بين القبور • عن بشير بن الخصاصية -وكان اسمه في الجاهلية زحم بن معبد، فهاجر إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "ما اسمك؟ " قال: زحم، قال: "بل أنت بشير"- قال: بينما أنا أمشي مع رسول الله ﷺ مرَّ بقبور المشركين فقال: "لقد سبق هؤلاء خيرًا كثيرًا" ثلاثًا، ثم مر بقبور المسلمين فقال: "لقد أدرك هؤلاء خيرًا كثيرًا" وحانت من رسول الله ﷺ نظرة فإذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان فقال: "يا صاحب السَّبْتّيِتينِ ويحك ألْقِ سَبْتّيتيك" فنظر الرجل، فلما عرف رسول الله ﷺ خَلعهما فرمى بهما. حسن: رواه أبو داود (٣٢٣٠)، والنسائي (٢٠٤٨)، وابن ماجه (١٥٦٨) كلهم من طريق الأسود ابن شيان، عن خالد بن سمير، عن بشير بن نَهِيك، عن بشير بن الخصاصية فذكره ولفظهم قريب. وإسناده حسن لأجل خالد بن سُمير فإنه حسن الحديث، وثَّقه النسائي والعجلي وغيرهما. وأخرجه أيضًا ابن حبان (٣١٧٠)، والحاكم (١/ ٣٧٣)، والإمام أحمد (٢٠٧٨٧) كلهم من هذا الوجه، قال الحاكم: "صحيح الإسناد".

стр. 2346

ونقل الحافظ ابن القيم في "تهذيب السنن" (٤/ ٣٤ - ٣٥) عن الإمام أحمد قال: إسناده جيّد، أذهب إليه إلّا من علّة. ونقل ابنه عبد الله في مسائل أبيه: قال: ورأيته إذا أراد أن يخرج إلى الجنازة لبس خفيه، وكان يأمر بخلع النِّعال في المقابر، وقال: حديث بشير بن الخصاصية، حديث النبيّ ﷺ . قال: ورأيت أبي في جنازة ينظر إلى رجل من الجيران وعليه نعلاه يمشي في المقابر نظرًا كأنّه منكر عليه. وقال: رأيت أبي إذا أراد أن يدخل المقابر خلع نعليه، وربما رأيته أن يذهب إلى الجنازة، ربما لبس خفيه أكثر ذلك وينزع نعليه. انظر مسائل الإمام أحمد (٦٧٩ - ٦٨١). وقوله: السبتية -نسبة إلى السِبت، وهو جلود البقر المدبوغة بالقرظ يتخذ منها النعال، لأنه سُبِتَ شعرها أي- حُلق وأزيل. ٧ - باب من قال بجواز المشي بالنعال بين القبور • عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه إنه يسمع قرعَ نعالهم". متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٧٤)، ومسلم في كتاب الجنة (٢٨٧٠) كلاهما من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك في حديث طويل - انظر جموع إثبات عذاب القبر. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن الميت يسمع حِس النعال إذا ولَّوا عنه الناس مدبرين، ثم يُجلس ويوضع كفنُه في عنقه، ثم يسأل". حسن: رواه البغوي في "شرح السنة" (٥/ ٤١٣) بإسناده عن ابن عدي، نا عبد الله بن سعيد، نا أسد بن موسى، نا عنبسة بن سعيد بن كثير، قال: حدثني جدي، عن أبي هريرة فذكره. قال الشيخ: "كثير جد عنبسة: هو كثير بن عبيد رضيع عائشة مولى أبي بكر". وإسناده حسن، كثير بن عبيد التيمي روى عنه جمعٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ولا يوجد فيه جرح، وليس في حديثه ما يُنكر عليه، فيُحسّن حديثُه إذا كان لحديثه أصلٌ ثابت، وهذا منه. قال الشّيخ: قوله: "إن الميت بسمع حِسّ النعال" فيه دليل على جواز المشي في النعال بحضرة القبور، وبين ظهرانيها". وقال أيضًا: "والعامة على أن لا كراهة فيه". ٨ - باب ما جاء في إعماق القبر وتوسيعه • عن هشام بن عامر قال: شُكي إلى رسول الله ﷺ الجراحات يوم أُحد فقال:

стр. 2347

"احفروا وأوسعوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وقدِّموا أكثرهم قرآنا". قال: فمات أبي فقُدم بين يدي رجلين. وفي رواية: قتل أبي يوم أُحد فقال النبي ﷺ : "احفِروا وأوسِعوا وأحسنوا وادفنِوا الاثنين والثلاثة في القبر، وقدِّموا أكثرهم قرآنا"، فكان أبي ثالث ثلاثةِ، وكان أكثرهم قرآنّا فقُدِّم. صحيح: رواه الترمذي (١٧١٣)، وابن ماجه (١٥٦٠) كلاهما عن أزهر بن مروان، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا أيوب، عن حُميد بن هلال، عن أبي الدهماء، عن هشام ابن عامر فذكره، واللفظ للترمذي. ولفظ ابن ماجه مختصر. ورواه النسائي (٢٠١٧) من وجه آخر عن عبد الوارث، والحديث أخرجه أحمد (١٦٢٦٢) من طريق أيوب بإسناده والرواية الثانية عند النسائي. قال الترمذي: "حسن صحيح، وروى سفيان الثوري وغيره هذا الحديث، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن هشام بن عامر، وأبو الدهماء اسمه قِرفة بن بُهيس أو بيهس" انتهى. قلت: والرواية الثانية عند أبي داود (٣٢١٦)، والنسائي (٢٠١٠) من طريق سفيان كما قال الترمذي، وعند الإمام أحمد (١٦٢٥١)، وأبي داود (٣٢١٥) من طريق سليمان بن المغيرة، عن حُميد بن هلال به مثله. اختلف في سماع حميد بن هلال من هشام بن عامر فقال أبو حاتم كما في "المراسيل" (١٧١): "حُميد بن هلال لم يلق هشام بن عامر، يدخل بينه وبين هشام: أبو قتادة العدوي، ويقول بعضهم: عن أبي الدهماء، والحفاظ لا يدخلون بينهم أحدًا حميد عن هشام، قيل له: فأي ذلك أصح؟ قال: ما رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن حُميد، عن هشام، انتهى. قلت: الظاهر أن حميدًا سمع من هشام بن عامر كما جاء التصريح به في رواية معمر، عن أيوب، عنه قال: أخبرنا هشام بن عامر فذكر الحديث، رواه الإمام أحمد (١٦٢٦١) عن عبد الرزاق، عن معمر بإسناده، وصرح به أيضا الحافظ ابن حجر في "إتحاف المهرة" (١٣/ ٦٣٢) وبهذا صحَّ الإسنادان، وأقر الحافظ أيضا في "التلخيص" (٢/ ١٢٧) تصحيح الترمذي له. • عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فرأيت رسول الله ﷺ وهو على القبر يُوصي الحافر: "أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه". وفي رواية: "لرُبَّ عَذْقٍ له في الجنة". حسن: رواه أبو داود (٣٣٣٢) عن محمد بن العلاء، أخبرنا ابن إدريس، أخبرنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن رجل من الأنصار في حديث طويل سيأتي في موضعه.

стр. 2348

وإسناده حسن من أجل عاصم وأبيه كليب فهما "صدوقان". وقد رواه الإمام أحمد (٢٢٥٠٩، ٢٣٤٦٥) مطولًا ومختصرًا من أوجه عن عاصم بن كليب بإسناده. وصحَّح إسناده الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٢٧). ٩ - باب ما جاء في اللحد ونصب اللبن على الميت • عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص أن سعد بن أبي وقاص قال في مرضه الذي هلك فيه: أَلْحِدُوا لي لَحْدًا، وانْصِبُوا عليَّ اللَّبِنَ نصْبًا، كما صُنِع برسول الله ﷺ . صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٦٦) عن يحيى بن يحيى، نا عبد الله بن جعفر المِسْوَرِي، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص فذكره. • عن علي بن أبي طالب قال: غسَّلت النبيَّ ﷺ فذهبتُ لأنظر ما يكون من الميت، فلم أر شيئًا، وكان طيبًا ﷺ حيًا وميتًا، وولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة: علي والعباس والفضل وصالح مولى رسول الله ﷺ ، ولحد لرسول الله ﷺ لحدًا، ونصب عليه اللبن نصبًا. صحيح: رواه الحاكم (١/ ٣٦٢) وعنه البيهقي (٣/ ٣٨٨) من طريق مسدد، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: قال علي بن أبي طالب فذكره. ورواه ابن ماجه (١٤٦٧) عن يحيى بن خذام، قال: حدثنا صفوان بن عيسى، قال: أخبرنا معمر بإسناده مختصرًا، وشيخ ابن ماجه يحيى بن خِذام "مقبول" لأنه توبع. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين"، وتعقّبه الذهبي فقال: "فيه انقطاع". قلت: إن كان يقصد به الانقطاع بين سعيد بن المسيب وبين على ففيه نظر، لأن سعيد بن المسيب ولد بعد مضي سنتين من خلافة عمر - أي في سنة أربع عشرة أو خمس عشرة، وقد ثبت سماعه من عثمان، وإنما اختلف في سماعه من عمر، فكيف لا يصح سماعه من علي بن أبي طالب، على أني لم أجد من نص على عدم سماعه منه. • عن أنس بن مالك قال: لما تُوفي النبي ﷺ كان بالمدينة رجل يَلْحَدُ، وآخر يُصَرِّحُ فقالوا: نستخير ربَّنا ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأُرسل إليهما، فسبق صاحبُ اللحدِ، فلحدوا للنبي ﷺ . حسن: رواه ابن ماجه (١٥٥٧) قال: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا هاشم بن القاسم، قال: حدثنا مبارك بن فَضالة، قال: حدثني حُميد الطويل، عن أنس فذكر الحديث. وهاشم بن القاسم هو أبو النضر شيخ الإمام أحمد، وعنه رواه في مسنده (١٢٤١٥) مثله.

стр. 2349

وإسناده حسن من أجل مبارك بن فَضالة فإنه "صدوق يدلس ويُسوي"، قال أبو زرعة: يُدَلِّس كثيرًا فإذا قال: "حدثنا" فهو ثقة، وقد صرَّح هنا بالحديث، وبقية رجاله ثقات، وقد حسنه الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٢٨). وقال البوصيري: " إسناده صحيح ورجاله ثقات" والصواب كما قلت. وجاء في بعض الروايات أن الذي يُصرح هو: أبو عبيدة، وأن الذي كان يلحد هو: أبو طلحة. وقوله: "يلحد" هو عمل الشق الذي يُعمل في جانب القبر لموضع الميت، لأنه أمْيل عن وسط القبر إلى جانبه. و"يُضرح" وهو عمل الضريح، وهو القبر، من الضرح وهو الشقُّ في الأرض. وأبو عبيدة هو ابن الجرَّاح، وهو عامر بن عبد الله بن الجراح القرشي المكي شهد له النبي ﷺ بالجنة، وسماه أمين الأمة، وله مناقب كثيرة توفي سنة ثمان عشرة في طاعون عَمَواس. وأبو طلحة هو زيد بن سهل الخزرجي النجاري الأنصاري، من بني أحوال النبي ﷺ ، أحد أعيان البدريين، وأحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة، وله مناقب كثيرة توفي سنة أربع وثلاثين. • عن عائشة قالت: كان بالمدينة حفاران، أحدهما يلحد، والآخر يشق فانتظروا أن يجيء أحدهما فجاء الذي يلحد، فلحد لرسول الله ﷺ . صحيح: رواه ابن سعد (٢/ ٢٩٥) عن يزيد بن هارون وهشام أبي الوليد الطيالسي، قال يزيد: قال أخبرنا، وقال هشام: أخبرنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته وإسناده صحيح. ورواه مالك في الموطأ عن هشام بن عروة، عن أبيه مرسلًا. وأما ما رواه ابن ماجه (١٥٥٨) من وجه آخر عن عائشة قالت: لما مات رسول الله ﷺ اختلفوا في اللحد والشق حتى تكلموا في ذلك، وارتفعتْ أصواتُهم، فقال عمر: لا تَصخبوا عند رسول الله ﷺ حيًّا ولا ميتًا، أو كلمة نحوها، فأَرْسِلوا إلى الشَقَّاق واللاحِد جميعًا فجاء اللاجِدُ، فلحد لرسول الله ﷺ ، ثم دُفن ﷺ ، ففي إسناده عبيد بن طفيل المُقري قال فيه الحافظ: "مجهول" وشيخه عبد الرحمن بن أبي مليكة القرشي وهو عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي مليكة قال فيه الحافظ: "ضعيف" وضعَّفه أيضًا في "التلخيص" (٢/ ١٢٨). وأما البوصيري فلم يتنبه فقال: "إسناده صحيح رجاله ثقات". • عن عبد الله بن عباس قال: دخل قبر رسول الله ﷺ العباس وعلي والفضل، وشق لحدَه رجل من الأنصار، وهو الذي يشُق لحود قبور الشّهداء. صحيح: رواه ابن الجارود في "المنتفى" (٥٤٧) عن محمد بن عبد الملك بن زنجويه، قال: ثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، قال: ثني زياد بن خيثمة، قال: أني إسماعيلُ السدي، عن عكرمة، عن

стр. 2350

ابن عباس فذكره. وأما ما رُوي عن ابن عباس مرفوعًا: "اللحد لنا، والشق لغيرنا" فهو ضعيف. رواه أبو داود (٣٢٠٨)، والترمذي (١٠٤٥)، والنسائي (٢٠٠٩)، وابن ماجه (١٥٥٤) كلهم من طرق، عن حُكَّام ابن سَلْم الرازي، عن علي بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. وضعَّفه النووي في "الخلاصة" (٣٦١٦) وقال: "مداره على عبد الأعلى بن عامر وهو ضعيف" وبه ضعَّفه الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٢٧). قلت: عبد الأعلى بن عامر الثعلبي الكوفي ضعَّفه جمهور أهل العلم، منهم أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم، والنسائي وابن عدي ويحيى بن سعيد والعقلي ويعقوب بن سفيان، وابن سعد وغيرهم، نقل أقوالهم الحافظ في "التهذيب" وقال في نهاية الترجمة: "وصحَّح الطبري حديثه في الكسوف، وحسَّن له الترمذي، وصحَّح له الحاكم وهو من تساهله" انتهى. فالخلاصة فيه أنه: "ضعيف". وأما الترمذي فقال فيه: "حسن غريب من هذا الوجه" وهو الذي أشار إليه الحافظ آنفًا، ولعل تحسين الترمذي يعود إلى شواهده. وأما ولده علي فهو أحسن حالًا من أبيه، فقد وثَّقه البخاري، وقال أحمد والنسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات". وكذلك لا يصح ما رُوي عن جرير بن عبد الله البجلي مرفوعًا: "اللحد لنا، والشق لغيرنا" رواه ابن ماجه (١٥٥٥) وفيه أبو اليقظان واسمه عثمان بن عمير وهو متفق على ضعفه، كما قال البوصيري. ورواه الإمام أحمد (١٩١٥٨) وفيه الحجاج - وهو ابن أرطاة وفيه كلام معروف، وله طريق آخر عند الإمام أحمد (١٩١٧٧) وفيه ثابت وهو ابن أبي صفية أبو حمزة الشمالي وهو" ضعيف رافضي" كما قال الحافظ في" التقريب"، ورواه أيضًا الإمام أحمد (١٨١٧٦) في سياق طويل وفيه أبو جناب وهو يحيى بن أبي حية الكلبي ضعيف. انظر "التلخيص" (٢/ ١٢٧). وقال النووي في "الخلاصة" (٣٦١٧): "رواه أحمد وابن ماجه من رواية جرير وهو ضعيف أيضًا". والخلاصة أني لم أقف على سند صحيح أو حسن لحديث جرير بن عبد الله البجلي إلا أن يقال إن هذه الأسانيد يُقوي بعضُها بعضًا. وكذلك لا يصح إسناد ما رُوي عن عائشة وابن عمر أن النبي- ﷺ أُلحد له لحد، والحديث صحيح. رواه الإمام أحمد (٤٧٦٢) عن وكيع، حدثنا العمري، عن نافع، عن ابن عمر وعن عبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. وإسناده ضعيف من أجل العُمري: وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عبد الرحمن المدني، قال النسائي: ضعيف الحديث. وقال ابن حبان: كان ممن غلب عليه الصلاح حتى غفل عن الضبط، ومشاه بعض أهل العلم فقال ابن عدي: لا بأس به في
следующие страницы →