← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

ونقل الحافظ ابن القيم في "تهذيب السنن" (٤/ ٣٤ - ٣٥) عن الإمام أحمد قال: إسناده جيّد، أذهب إليه إلّا من علّة. ونقل ابنه عبد الله في مسائل أبيه: قال: ورأيته إذا أراد أن يخرج إلى الجنازة لبس خفيه، وكان يأمر بخلع النِّعال في المقابر، وقال: حديث بشير بن الخصاصية، حديث النبيّ ﷺ . قال: ورأيت أبي في جنازة ينظر إلى رجل من الجيران وعليه نعلاه يمشي في المقابر نظرًا كأنّه منكر عليه. وقال: رأيت أبي إذا أراد أن يدخل المقابر خلع نعليه، وربما رأيته أن يذهب إلى الجنازة، ربما لبس خفيه أكثر ذلك وينزع نعليه. انظر مسائل الإمام أحمد (٦٧٩ - ٦٨١). وقوله: السبتية -نسبة إلى السِبت، وهو جلود البقر المدبوغة بالقرظ يتخذ منها النعال، لأنه سُبِتَ شعرها أي- حُلق وأزيل. ٧ - باب من قال بجواز المشي بالنعال بين القبور • عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه إنه يسمع قرعَ نعالهم". متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٧٤)، ومسلم في كتاب الجنة (٢٨٧٠) كلاهما من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك في حديث طويل - انظر جموع إثبات عذاب القبر. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن الميت يسمع حِس النعال إذا ولَّوا عنه الناس مدبرين، ثم يُجلس ويوضع كفنُه في عنقه، ثم يسأل". حسن: رواه البغوي في "شرح السنة" (٥/ ٤١٣) بإسناده عن ابن عدي، نا عبد الله بن سعيد، نا أسد بن موسى، نا عنبسة بن سعيد بن كثير، قال: حدثني جدي، عن أبي هريرة فذكره. قال الشيخ: "كثير جد عنبسة: هو كثير بن عبيد رضيع عائشة مولى أبي بكر". وإسناده حسن، كثير بن عبيد التيمي روى عنه جمعٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ولا يوجد فيه جرح، وليس في حديثه ما يُنكر عليه، فيُحسّن حديثُه إذا كان لحديثه أصلٌ ثابت، وهذا منه. قال الشّيخ: قوله: "إن الميت بسمع حِسّ النعال" فيه دليل على جواز المشي في النعال بحضرة القبور، وبين ظهرانيها". وقال أيضًا: "والعامة على أن لا كراهة فيه". ٨ - باب ما جاء في إعماق القبر وتوسيعه • عن هشام بن عامر قال: شُكي إلى رسول الله ﷺ الجراحات يوم أُحد فقال:

стр. 2347

"احفروا وأوسعوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وقدِّموا أكثرهم قرآنا". قال: فمات أبي فقُدم بين يدي رجلين. وفي رواية: قتل أبي يوم أُحد فقال النبي ﷺ : "احفِروا وأوسِعوا وأحسنوا وادفنِوا الاثنين والثلاثة في القبر، وقدِّموا أكثرهم قرآنا"، فكان أبي ثالث ثلاثةِ، وكان أكثرهم قرآنّا فقُدِّم. صحيح: رواه الترمذي (١٧١٣)، وابن ماجه (١٥٦٠) كلاهما عن أزهر بن مروان، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا أيوب، عن حُميد بن هلال، عن أبي الدهماء، عن هشام ابن عامر فذكره، واللفظ للترمذي. ولفظ ابن ماجه مختصر. ورواه النسائي (٢٠١٧) من وجه آخر عن عبد الوارث، والحديث أخرجه أحمد (١٦٢٦٢) من طريق أيوب بإسناده والرواية الثانية عند النسائي. قال الترمذي: "حسن صحيح، وروى سفيان الثوري وغيره هذا الحديث، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن هشام بن عامر، وأبو الدهماء اسمه قِرفة بن بُهيس أو بيهس" انتهى. قلت: والرواية الثانية عند أبي داود (٣٢١٦)، والنسائي (٢٠١٠) من طريق سفيان كما قال الترمذي، وعند الإمام أحمد (١٦٢٥١)، وأبي داود (٣٢١٥) من طريق سليمان بن المغيرة، عن حُميد بن هلال به مثله. اختلف في سماع حميد بن هلال من هشام بن عامر فقال أبو حاتم كما في "المراسيل" (١٧١): "حُميد بن هلال لم يلق هشام بن عامر، يدخل بينه وبين هشام: أبو قتادة العدوي، ويقول بعضهم: عن أبي الدهماء، والحفاظ لا يدخلون بينهم أحدًا حميد عن هشام، قيل له: فأي ذلك أصح؟ قال: ما رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن حُميد، عن هشام، انتهى. قلت: الظاهر أن حميدًا سمع من هشام بن عامر كما جاء التصريح به في رواية معمر، عن أيوب، عنه قال: أخبرنا هشام بن عامر فذكر الحديث، رواه الإمام أحمد (١٦٢٦١) عن عبد الرزاق، عن معمر بإسناده، وصرح به أيضا الحافظ ابن حجر في "إتحاف المهرة" (١٣/ ٦٣٢) وبهذا صحَّ الإسنادان، وأقر الحافظ أيضا في "التلخيص" (٢/ ١٢٧) تصحيح الترمذي له. • عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فرأيت رسول الله ﷺ وهو على القبر يُوصي الحافر: "أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه". وفي رواية: "لرُبَّ عَذْقٍ له في الجنة". حسن: رواه أبو داود (٣٣٣٢) عن محمد بن العلاء، أخبرنا ابن إدريس، أخبرنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن رجل من الأنصار في حديث طويل سيأتي في موضعه.

стр. 2348

وإسناده حسن من أجل عاصم وأبيه كليب فهما "صدوقان". وقد رواه الإمام أحمد (٢٢٥٠٩، ٢٣٤٦٥) مطولًا ومختصرًا من أوجه عن عاصم بن كليب بإسناده. وصحَّح إسناده الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٢٧). ٩ - باب ما جاء في اللحد ونصب اللبن على الميت • عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص أن سعد بن أبي وقاص قال في مرضه الذي هلك فيه: أَلْحِدُوا لي لَحْدًا، وانْصِبُوا عليَّ اللَّبِنَ نصْبًا، كما صُنِع برسول الله ﷺ . صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٦٦) عن يحيى بن يحيى، نا عبد الله بن جعفر المِسْوَرِي، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص فذكره. • عن علي بن أبي طالب قال: غسَّلت النبيَّ ﷺ فذهبتُ لأنظر ما يكون من الميت، فلم أر شيئًا، وكان طيبًا ﷺ حيًا وميتًا، وولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة: علي والعباس والفضل وصالح مولى رسول الله ﷺ ، ولحد لرسول الله ﷺ لحدًا، ونصب عليه اللبن نصبًا. صحيح: رواه الحاكم (١/ ٣٦٢) وعنه البيهقي (٣/ ٣٨٨) من طريق مسدد، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: قال علي بن أبي طالب فذكره. ورواه ابن ماجه (١٤٦٧) عن يحيى بن خذام، قال: حدثنا صفوان بن عيسى، قال: أخبرنا معمر بإسناده مختصرًا، وشيخ ابن ماجه يحيى بن خِذام "مقبول" لأنه توبع. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين"، وتعقّبه الذهبي فقال: "فيه انقطاع". قلت: إن كان يقصد به الانقطاع بين سعيد بن المسيب وبين على ففيه نظر، لأن سعيد بن المسيب ولد بعد مضي سنتين من خلافة عمر - أي في سنة أربع عشرة أو خمس عشرة، وقد ثبت سماعه من عثمان، وإنما اختلف في سماعه من عمر، فكيف لا يصح سماعه من علي بن أبي طالب، على أني لم أجد من نص على عدم سماعه منه. • عن أنس بن مالك قال: لما تُوفي النبي ﷺ كان بالمدينة رجل يَلْحَدُ، وآخر يُصَرِّحُ فقالوا: نستخير ربَّنا ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأُرسل إليهما، فسبق صاحبُ اللحدِ، فلحدوا للنبي ﷺ . حسن: رواه ابن ماجه (١٥٥٧) قال: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا هاشم بن القاسم، قال: حدثنا مبارك بن فَضالة، قال: حدثني حُميد الطويل، عن أنس فذكر الحديث. وهاشم بن القاسم هو أبو النضر شيخ الإمام أحمد، وعنه رواه في مسنده (١٢٤١٥) مثله.

стр. 2349

وإسناده حسن من أجل مبارك بن فَضالة فإنه "صدوق يدلس ويُسوي"، قال أبو زرعة: يُدَلِّس كثيرًا فإذا قال: "حدثنا" فهو ثقة، وقد صرَّح هنا بالحديث، وبقية رجاله ثقات، وقد حسنه الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٢٨). وقال البوصيري: " إسناده صحيح ورجاله ثقات" والصواب كما قلت. وجاء في بعض الروايات أن الذي يُصرح هو: أبو عبيدة، وأن الذي كان يلحد هو: أبو طلحة. وقوله: "يلحد" هو عمل الشق الذي يُعمل في جانب القبر لموضع الميت، لأنه أمْيل عن وسط القبر إلى جانبه. و"يُضرح" وهو عمل الضريح، وهو القبر، من الضرح وهو الشقُّ في الأرض. وأبو عبيدة هو ابن الجرَّاح، وهو عامر بن عبد الله بن الجراح القرشي المكي شهد له النبي ﷺ بالجنة، وسماه أمين الأمة، وله مناقب كثيرة توفي سنة ثمان عشرة في طاعون عَمَواس. وأبو طلحة هو زيد بن سهل الخزرجي النجاري الأنصاري، من بني أحوال النبي ﷺ ، أحد أعيان البدريين، وأحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة، وله مناقب كثيرة توفي سنة أربع وثلاثين. • عن عائشة قالت: كان بالمدينة حفاران، أحدهما يلحد، والآخر يشق فانتظروا أن يجيء أحدهما فجاء الذي يلحد، فلحد لرسول الله ﷺ . صحيح: رواه ابن سعد (٢/ ٢٩٥) عن يزيد بن هارون وهشام أبي الوليد الطيالسي، قال يزيد: قال أخبرنا، وقال هشام: أخبرنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته وإسناده صحيح. ورواه مالك في الموطأ عن هشام بن عروة، عن أبيه مرسلًا. وأما ما رواه ابن ماجه (١٥٥٨) من وجه آخر عن عائشة قالت: لما مات رسول الله ﷺ اختلفوا في اللحد والشق حتى تكلموا في ذلك، وارتفعتْ أصواتُهم، فقال عمر: لا تَصخبوا عند رسول الله ﷺ حيًّا ولا ميتًا، أو كلمة نحوها، فأَرْسِلوا إلى الشَقَّاق واللاحِد جميعًا فجاء اللاجِدُ، فلحد لرسول الله ﷺ ، ثم دُفن ﷺ ، ففي إسناده عبيد بن طفيل المُقري قال فيه الحافظ: "مجهول" وشيخه عبد الرحمن بن أبي مليكة القرشي وهو عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي مليكة قال فيه الحافظ: "ضعيف" وضعَّفه أيضًا في "التلخيص" (٢/ ١٢٨). وأما البوصيري فلم يتنبه فقال: "إسناده صحيح رجاله ثقات". • عن عبد الله بن عباس قال: دخل قبر رسول الله ﷺ العباس وعلي والفضل، وشق لحدَه رجل من الأنصار، وهو الذي يشُق لحود قبور الشّهداء. صحيح: رواه ابن الجارود في "المنتفى" (٥٤٧) عن محمد بن عبد الملك بن زنجويه، قال: ثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، قال: ثني زياد بن خيثمة، قال: أني إسماعيلُ السدي، عن عكرمة، عن

стр. 2350

ابن عباس فذكره. وأما ما رُوي عن ابن عباس مرفوعًا: "اللحد لنا، والشق لغيرنا" فهو ضعيف. رواه أبو داود (٣٢٠٨)، والترمذي (١٠٤٥)، والنسائي (٢٠٠٩)، وابن ماجه (١٥٥٤) كلهم من طرق، عن حُكَّام ابن سَلْم الرازي، عن علي بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. وضعَّفه النووي في "الخلاصة" (٣٦١٦) وقال: "مداره على عبد الأعلى بن عامر وهو ضعيف" وبه ضعَّفه الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٢٧). قلت: عبد الأعلى بن عامر الثعلبي الكوفي ضعَّفه جمهور أهل العلم، منهم أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم، والنسائي وابن عدي ويحيى بن سعيد والعقلي ويعقوب بن سفيان، وابن سعد وغيرهم، نقل أقوالهم الحافظ في "التهذيب" وقال في نهاية الترجمة: "وصحَّح الطبري حديثه في الكسوف، وحسَّن له الترمذي، وصحَّح له الحاكم وهو من تساهله" انتهى. فالخلاصة فيه أنه: "ضعيف". وأما الترمذي فقال فيه: "حسن غريب من هذا الوجه" وهو الذي أشار إليه الحافظ آنفًا، ولعل تحسين الترمذي يعود إلى شواهده. وأما ولده علي فهو أحسن حالًا من أبيه، فقد وثَّقه البخاري، وقال أحمد والنسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات". وكذلك لا يصح ما رُوي عن جرير بن عبد الله البجلي مرفوعًا: "اللحد لنا، والشق لغيرنا" رواه ابن ماجه (١٥٥٥) وفيه أبو اليقظان واسمه عثمان بن عمير وهو متفق على ضعفه، كما قال البوصيري. ورواه الإمام أحمد (١٩١٥٨) وفيه الحجاج - وهو ابن أرطاة وفيه كلام معروف، وله طريق آخر عند الإمام أحمد (١٩١٧٧) وفيه ثابت وهو ابن أبي صفية أبو حمزة الشمالي وهو" ضعيف رافضي" كما قال الحافظ في" التقريب"، ورواه أيضًا الإمام أحمد (١٨١٧٦) في سياق طويل وفيه أبو جناب وهو يحيى بن أبي حية الكلبي ضعيف. انظر "التلخيص" (٢/ ١٢٧). وقال النووي في "الخلاصة" (٣٦١٧): "رواه أحمد وابن ماجه من رواية جرير وهو ضعيف أيضًا". والخلاصة أني لم أقف على سند صحيح أو حسن لحديث جرير بن عبد الله البجلي إلا أن يقال إن هذه الأسانيد يُقوي بعضُها بعضًا. وكذلك لا يصح إسناد ما رُوي عن عائشة وابن عمر أن النبي- ﷺ أُلحد له لحد، والحديث صحيح. رواه الإمام أحمد (٤٧٦٢) عن وكيع، حدثنا العمري، عن نافع، عن ابن عمر وعن عبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. وإسناده ضعيف من أجل العُمري: وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عبد الرحمن المدني، قال النسائي: ضعيف الحديث. وقال ابن حبان: كان ممن غلب عليه الصلاح حتى غفل عن الضبط، ومشاه بعض أهل العلم فقال ابن عدي: لا بأس به في

стр. 2351

رواياته، صدوق، وروى له مسلم، ولذا قال الحافظ الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٤٢): "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح". والخلاصة أن النبي ﷺ لُحد له، واللحد والشق كلاهما جائز. قال النووي في "المجموع" (٥/ ٢٨٧): "أجمع العلماءُ أن الدفن في اللحد والشق جائزان، لكن إن كانت الأرض صلبةً لا ينهار ترابُها فاللحد أفضل لما سبق من الأدلة، وإن كانت رخوةً تنهار فالشق أفضل". ١٠ - باب دفن الجماعة في قبر واحد ويقدم من هو أكثر قرآنا وقصة حمزة عم النبي ﷺ - • عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أُحد في ثوب واحد، ثم يقول: "أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ " فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: "أنا شهيد على هؤلاء" وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يُصل عليهم ولم يغسلهم. صحيح: رواه البخاري في الجنائز (١٣٤٧) عن ابن مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا الليث بن سعد، حدثني ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد الله فذكره. ورواه الأوزاعي عن الزهري، عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي ﷺ يقول لقتلى أُحد: "أي هؤلاء أكثر أخذًا للقرآن؟ " فإذا أشير له إلى رجل قدَّمه في اللحد قبل صاحبه. قال جابر: فكفِّن أبي وعمي في نمِرة واحدة. وقال سليمان بن كثير: حدثني الزهري، حدثني من سمع جابرًا. ولا يؤثر حذف الأوزاعي شيخ الزهري، ولا إبهام سليمان بن كثير، فإن الليث بن سعد قد ذكر شيخ الزهري بأنه عبد الرحمن بن كعب بن مالك، والحجة لمن ضبط وزاد وهو ثقة. وأما ما رُوي عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ مرَّ على حمزة وقد مُثِّل به فقال: "لولا أن تجد صفيةُ في نفسها لتركتُه حتى تأكله العافيةُ حتى يُحشر من بطونها" وقلَّت الثيابُ، وكثُرتِ القتلى، فكان الرجل والرجلان والثلاثة يكفنون في الثوب الواحد، ثم يدفنون في قبر واحد، فكان رسول الله ﷺ يسأل: "أيهم أكثر قرآنا"؟ فيقدِّمه إلى القبلة. فهو خطأ. رواه أبو داود (٣١٣٦)، والترمذي (١٠١٦) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو صفوان، عن أسامة بن زيد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك فذكر الحديث واللفظ لأبي داود وزاد الترمذي بعد قوله "من بطونها": ثم دعا بنمرة فكفَّنه فيها، فكانت إذا مُدَّت على رأسه بدَتْ رجلاه، وإذا مُدَّت على رجليه بدا رأسُه". وزاد أيضًا بعد قوله: "فيقدمه إلى القبلة" "فدفنهم رسول الله ﷺ ، ولم يصل عليهم". وقال: "حسن غريب، لا نعرفه من حديث أنس إلا من هذا الوجه، وقد خولف أسامة بن زيد في رواية

стр. 2352

هذا الحديث. فروى الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد الله بن زيد، وروى معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة، عن جابر، ولا نعلم أحدًا ذكره عن الزهري عن أنس إلا أسامة بن زيد، وسألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: حديث الليث، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر أصح" انتهى كلام الترمذي. ونقل المنذري عن الدارقطني أنه قال: "تفرد به أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس بهذه الألفاظ، رواه عثمان بن عمر، عن أسامة، عن الزهري، عن أنس وزاد فيه حرفًا لم يأت به غيره"، وقال في موضع آخر: "لم ينقل هذه اللفظة غير عثمان بن عمر، وليس بمحفوظ، وقال البخاري: "وحديث أسامة بن زيد هو غير محفوظ، غلط فيه أسامة بن زيد". ثم أجاب المنذري عن هذه العلة إلا أن إجابته ضعيفة، لأن كون الراوي من رجال البخاري أو مسلم لا يجعله حجة إنْ أخطأ. انظر أيضًا باب أن الشهيد لا يُغسَّل ولا يُصلى عليه. قلت: حديث عثمان بن عمرو رواه أبو داود (٣١٣٧) عن العباس العنبري، عنه، عن أسامة، عن الزهري، عن أنس أن النبي ﷺ مر بحمزة، وقد مُثِّل به، ولم يصل على أحد من الشهداء غيره، ورواه الحاكم (١/ ٣٦٥) من وجهين آخرين عن عثمان بن عمر وروح بن عبادة به. وهي زيادة غير محفوظة لأن الصحيح الثابت أنه لم يُصل على أحد من قتلى أُحد. ١١ - باب جواز إخراجِ الميتِ من القبرِ للضرورةِ • عن جابر بن عبد الله قال: أتى رسولُ الله ﷺ عبد الله بن أُبيّ بعد ما أُدْخل حُفْرتَه، فأمر به فأخرج، فوضعه على رُكْبتيه، ونَفَثَ عليه من ريقة، وألبسه قميصه، فالله أعلم وكان (أي عبد الله بن أُبيّ) كسا عبَّاسًا قميصًا. قال سفيان: وقال أبو هريرة: وكان على رسول الله ﷺ قميصان، فقال له ابن عبد الله: يا رسول الله! ألْبِس أبي قميصك الذي يلي جلْدك. قال سفيان: فيَروْن أن النبي ﷺ ألْبس عبد الله قميصه مكافأة لما صنع. متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٥٠)، ومسلم في صفات المنافقين (٢٧٧٣) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: فذكر الحديث واللفظ للبخاري، ولم يذكر مسلم بعد قوله: "فالله أعلم". ورواه البخاري (١٢٧٠) من وجه آخر عن عمرو وفيه: أتى النبيُ ﷺ عبد الله بن أُبيّ بعد ما دفن. فأخرجه فنفث فيه ... وقوله: "بعد ما دفن عبد الله بن أُبيّ "أي وضع في حفرته كما في الرواية الأولى، لا أنه دُفن ورمي عليه التراب، وكان أهل عبد الله بن أُبيّ خشوا على رسول الله ﷺ المشقةَ في حضوره،

стр. 2353

فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبي ﷺ ، فلما وصل وجدهم قد دلوه في حفرته، فأمر بإخراجه إنجازًا لوعده في تكفينه في القميص والصلاة عليه. • عن جابر بن عبد الله قال: لما حضر أُحُد دعاني أبي من الليل فقال: ما أُراني إلا مقتولًا في أولِ من يُقتل من أصحاب النبي ﷺ ، وإني لا أترك بعدي أعزَّ عليَّ منك، غيرَ نفْس رسول الله ﷺ ، وإن عليَّ دينا فاقض، واستَوصِ بأخواتِك خيرًا، فأصبحنا فكان أول قتيلٍ، ودفن معه آخر في قبر، ثم لم تَطِبْ نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجتُه بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعتُه هُنيَّةً، غير أُذنِه. صحيح: رواه البخاري في الجنائز (١٣٥١) عن مسدد، أخبرنا بشر بن المفضَّل، حدثنا حسين المعلم، عن عطاء، عن جابر فذكره. والرجل الثاني في القبر هو: عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري، وكان صديق والد جابر، وزوج أخته هند بنت عمرو. قال ابن إسحاق في المغازي: حدثني أبي، عن رجال من بني سلمة أن النبي ﷺ قال: حين أصيب عبد الله بن عمرو، وعمرو بن الجموح: "اجمعوا بينهما، فإنهما كانا متصادقين في الدنيا". انظر للمزيد: افتح الباري (٣/ ٢ ١٦). ١٢ - باب وضع العَلَم على القبر • عن المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته، فدُفن، فأمر النبي ﷺ رجلًا أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إليها رسول الله ﷺ وحسر عن ذراعيه، قال كثير: قال المطلب: قال الذي يخبرني ذلك عن رسول الله ﷺ قال: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله ﷺ حين حسر عنهما، ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال: "أَتَعَلَّمُ بها قبر أخي، وأُدفن إليه من مات من أهلي". حسن: رواه أبو داود (٣٢٠٦) من طريقين عن كثير بن زيد المدني، عن المطلب فذكره. وكثير ابن زيد مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وقال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٣٣): "وإسناده حسن ليس فيه إلا كثير بن زيد راويه عن المطلب وهو "صدوق"، وقد بين المطلب أن مخبرًا أخبره به ولم يُسمه، ولا يضر إبهام الصحابي". وأما ما رُوي عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أعلم قبر عثمان بن مظعون بصخرة فهو خطأ، رواه ابن ماجه (١٥٦١) من وجه آخر عن كثير بن زيد، عن زينب بنت نُبيط، عن أنس. قال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٣٣ - ١٣٤): "وقال أبو زرعة: "هذا خطأ، وأشار إلى أن الصواب رواية من رواه عن كثير عن المطلب".

стр. 2354

وقال أيضًا: "ورواه الطبراني في "الأوسط" من حديث أنس بإسناد آخر فيه ضعف، ورواه الحاكم في "المستدرك" في ترجمة عثمان بن مظعون بإسناد آخر فيه الواقدي من حديث أبي رافع فذكر معناه" انتهى. وكذلك لا يصح ما رُوي عن عبد الله بن محمد بن عمر، عن أبيه أن رسول الله ﷺ رش قبر ابنه إبراهيم، زاد ابن عمر في حديثه. وإنه أول قبر رُشَّ عليه. وإنه قال حين دفن وفرغ منه عند رأسه: "سلام عليكم" ولا أعلمه إلا قال: حثا عليه بيده ولم يقل القعنبي: ابن عمر رواه أبو داود في "المراسيل" (٤١٤) عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب، وعبد الله بن عمر بن محمد ابن أبان بن صالح، أن عبد العزيز بن محمد حدثهم، عن عبد الله بن محمد بن عمر، عن أبيه فذكره. وعبد الله بن محمد بن عمر هو: ابن علي بن أبي طالب أبو محمد العلوي المدني، قال فيه الحافظ: "مقبول " أي حيث يتابع، ولم يتابع فهو ليِّن الحديث، وأبوه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب "صدوق" وروايته عن رسول الله ﷺ مرسلة. وكذلك لا يصح ما رواه الشافعي في مسنده (٣٦٠) وعنه البيهقي (٣/ ٤١١) عن إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن النبي ﷺ رش قبر إبراهيم ابنه، ووضع عليه حصباء. قال الشافعي: والحصباء لا تثبت إلا على قبر مسطح. انتهى. وإبراهيم بن محمد هو: ابن أبي يحيى الأسلمي متهم مع الإرسال. وكذلك لم يثبت رش الماء على قبر النبي ﷺ ، رواه البيهقي من حديث جابر وكان الذي رش بلال بن رباح بدأ من قبل رأسه من شقه الأيمن حتى انتهى إلى رجليه، وفي إسناده الواقدي، قاله الحافظ "التلخيص" (٢/ ١٣٣) وفيه حديث آخر إلا أنه مرسل. ١٣ - باب ما جاء في طرح الإذْخِر في القبر وبسطه فيه • عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "إن الله حرَّم مكة، فلم تحِلَّ لأحد قبلي، ولا تَحِلُّ لأحد بعدي, وإنما أُحِلَّتْ لي ساعة من نهار، لا يُختلي خلاها، ولا يُعْضَدُ شجرها، ولا يُنَفَّر صيدُها، ولا تُلْتقط لُقَطَتُها إلا لمعرف" فقال العباس: يا رسول الله! إلا الإذْخِر لصاغتنا وقبورنا، فقال: "إلا الإذْخِر". متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٤٩) عن محمد بن عبد الله بن حوشب، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. ورواه الشيخان - البخاري (١٨٣٤)، ومسلم (١٣٥٣) كلاهما من حديث جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس في سياق أطول وسيأتي في موضعه إن شاء الله. ١٤ - باب ما جاء في الثوب الذي يُلْقي تحت الميت في القبر • عن ابن عباس قال: جُعل في قبر النبي ﷺ قطيفةٌ حمراءُ.

стр. 2355

صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٦٧) من طرق، عن شعبة، قال: حدثنا أبو جمرة، عن ابن عباس فذكره. قال مسلم: أبو جمرة - اسمه نصر بن عمران. قال القرطبي في "المفهم" (٢/ ٦٢٧): "هذه القطيفة كان النبي ﷺ يلبسها، ويفترشها، فلما مات اختلف في أخذها علي وعباس، وتنازعا فيها، فأخذها شُقْران مولى رسول الله ﷺ وجعلها في القبر وقال: والله! لا يلبسها أحد بعده أبدًا". قال النووي: "وقد نص الشافعي وجميع أصحابنا وغيرهم من العلماء على كراهية وضع قطيفة، أو مضربة، أو مخدة ونحو ذلك تحت الميت في القبر". "وأجابوا عن هذا الحديث: بأن شُقْران انفرد بفعل ذلك لم يوافقه غيره من الصحابة، ولا علموا ذلك، وإنما فعله شُقْران لما ذكرناه عنه من كراهته أن يلبسها أحد بعد النبي ﷺ ، لأن النبي ﷺ كان يلبسها ويفترشُها، فلم تُطب نفس شُقْران أن يستبدلها أحد بعد النبي ﷺ وخالفه غيره، فروى البيهقي عن ابن عباس: أنه كره أن يُجعل تحت الميت ثوب في قبره". "والقطيفة: كساء له خمل". انتهى كلام النووي. ١٥ - باب الجلوس عند القبر أثناء الدفن للتذكير والموعظة • عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرتين أو ثلاثا، وذكر الحديث بطوله وسيأتي في باب إثبات عذاب القبر. صحيح: رواه أبو داود (٣٢١٢)، والنسائي (٢٠٠٣)، وابن ماجه (١٥٤٨) كلهم من طريق المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء فذكره. وأخرجه أبو داود (٤٧٥٣)، والإمام أحمد (١٨٥٣٤) مفصلًا، انظر: إثبات عذاب القبر. وإسناده صحيح. وأخرجه الحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠). وقال: صحيح على شرط الشيخين". ١٦ - باب ما جاء في قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ • عن عائشة قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليتعذرُ في مرضه: "أين أنا اليوم؟ ، أين أنا غدًا؟ " استبطاءً ليوم عائشة، فلما كان يومي قبضه الله بين سَحْري ونَحْري، ودُفِن في بيتي. متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٨٩) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٤٣/ ٨٤) كلاهما من طرق عن هشام، عن عروة، عن عائشة فذكرته، واللفظ للبخاري.

стр. 2356

• عن عائشة عن النبي ﷺ قال في مرَضه الذي مات فيه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدًا". قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره غير أني أخشى أن يتخذ مسجدًا. متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٣٠) ومسلم في المساجد (٥٢٩) كلاهما من حديث شيبان، عن هلال -هو الوزّان- عن عروة، عن عائشة فذكرتْه. وقول عائشة في الحديث السابق: "ودُفن في بيتي". وقولُها في هذا الحديث: "غير أني أخشى"، وفي رواية: "خُشِي"، وفي رواية: "خَشِي" أن يتخذ مسجدًا، ولذا لم يُبرز قبره" يعني لم يُقبر النبي ﷺ خارجَ البيت حتى لا يكون بارزًا، فهي تبين سبب دفنه ﷺ في بيتها. وقد اختلف أصحاب رسول الله ﷺ في موضع دفنه ﷺ ، فمن قائلٍ: يدفن في مكة لأنها مولدُه، ومن قائل: يُدفن في بيت المقدس لأنه مسراه ومبعث الأنبياء ومقابرهم، ومن قائلٍ: يُدفن في بقيع الغرقد لأنه مقابر المسلمين، ومن قائلٍ: يُدفن في بيته. فجاء أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ ، وأمير المؤمنين، وحسم الخلاف بقوله، كما رواه ابنُ سعد في طبقاته (٢/ ٢٩٢) بإسناد صحيح من حديث عائشة قالت: "لما مات النبي ﷺ ، قالوا: أين يُدفن؟ فقال أبو بكر: في المكان الذي مات فيه". ورواه الترمذي في "الشمائل" (٣٧٩) والبيهقي في "الدلائل" (٧/ ٢٥٩) من طريق نبيط بن شريط الأشجعي عن سالم بن عبيد -وكانتْ له صحبة-، فذكر حديثًا طويلًا في مرضه ﷺ ، ووفاته، واختلاف الصحابة في دفنه، "قالوا: يا صاحبَ رسول الله! أيُدفن رسول الله ﷺ ، قال: نعم، قالوا: أين؟ قال: في المكان الذي قبض الله فيه روحَه، فإن الله لم يقبض روحَه إلا في مكانٍ طيب، فعلموا أنْ قد صدق". قال الحافظ ابن حجر في الفتحه (١/ ٥٢٩): "إسناده صحيح، لكنه موقوف. وقد رُويَ عنه مرفوعا وهو مخرج في مواضعه". • عن عمرو بن ميمون الأوْدي قال: رأيتُ عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا عبد الله بن عمر! اذهب إلى أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ فقل: يقرأ عمر بن الخطاب عليكِ السلام، ثم سلها أن أُدْفن مع صاحبيّ، قالت: كنتُ أريد لنفسي، فلأوثِرنَّه اليومَ على نفسي، فلما أقبلَ قال له: ما لَديك؟ قال: أذِنت لك يا أمير المؤمنين، قال: ما كان شيءٌ أهمَّ إليَّ من ذلك المضجع، فإذا قُبضتُ فاحملوني، ثم سلِّموا، ثم قل: يستأذِنُ عمر بن الخطاب، فإن أذِنَتْ لي فادفنوني، وإلا فرُدُّوني إلى مقابر المسلمين، إني لا أعلم أحدًا أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين تُوُفِّي

стр. 2357

رسولُ الله ﷺ وهو عنهم راض، فمن استخلفوا بعدي فهو الخليفة فاسمعوا له وأطيعوا، فسمَّى عثمان وعليّا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقَّاص، ووَلج عليه شابٌّ من الأنصار فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببُشْرى الله، كان لك من القِدَم في الإسلام ما قد علمت، ثم استُخلِفتَ فعدلتَ، ثم الشهادة بعد هذا كله، فقال: ليتَني يا ابن أخي وذلك كفافًا لا عليَّ ولا لي، أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين خيرًا، أن يعرف لهم حقَّهم، وأن يحفظ لهم حُرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرًا، الذين تَبَوّءوا الدار والإيمان أن يُقبل من مُحسنهم، ويُعفي عن مُسيئهم، وأُوصية بذِمَّةِ الله وذمَّةِ رسولهِ ﷺ أن يُوفي لهم بعهدهم، وأن يُقاتل من ورائهم، وأن لا يُكلَّفوا فوقَ طاقتِهم". صحيح: رواه البخاري في الجنائز (١٣٩٢) عن قتيبة، حدثنا جرير بن عبد الحميد، حدثنا حُصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن ميمون فذكره. • قالت عائشة لعبد الله بن الزبير: ادفني مع صواحبي، ولا تدفِني مع النبي ﷺ في البيت، فإنّي أكره أن أُزكَّى. صحيح: رواه البخاري في الاعتصام (٧٣٢٧) عن عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. وقولُها: "أزكِّى" بضم أوله، وفتح الكاف على البناء للمجهول، أي لا يثني علي بسببه، ويجعل لي بذلك مزية وفضل، وأنا في نفس الأمر يحتمل أن لا أكون كذلك، وهذا منها على سبيل التواضع وهضم النفس بخلاف قولها لعمر: كنت أريده لنفسي فكأن اجتهادها في ذلك تغير. • عن سفيان التمار أنه حدَّثه أنه رأى قبر النبي ﷺ مُسَنَّمًا. صحيح: رواه البخاري في الجنائز (١٣٩٠/ ٢) عن محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن سفيان التمار فذكره. وسفيان التمار هو: ابن دينار على الصحيح، وقيل ابن زياد، والصواب أنه غيره، وكل منهما عصفري كوفي، وهو من كبار أتباع التابعين. وقوله "مُسَنَّمًا" أي مرتفعًا. وزاد أبو نعيم في "المستخرج": "وقبر أبي بكر وعمر كذلك" واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية. انظر: "الفتح". ولا يعارض هذا ما رُوي عن القاسم (وهو ابن محمد بن أبي بكر الصديق) قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أمهْ! اكشفي لي عن قبر النبي- ﷺ وصاحبيه ﵄، فكشفتْ لي عن ثلاثة

стр. 2358

قبور، لا مُشرِفة ولا لاطئة، مبطوحةٍ ببطحاء العَرْصةِ الحمراء. قال أبو علي اللؤلوي: يقال إن رسول الله ﷺ مقدم، وأبو بكر عند رأسه، وعمر عند رجليه، رأسه عند رجلي رسول الله ﷺ . أولًا: لأنه ضعيف. رواه أبو داود (٣٢٢٠) عن أحمد بن صالح، حدثنا ابن أبي فديك، أخبرني عمرو بن عثمان بن هانئ، عن القاسم فذكره. وعمرو بن عثمان بن هاني المدني "مستور" كما في "التقريب"، وأما الحاكم فقال في "المستدرك" (١/ ٣٦٩): "صحيح الإسناد". ثانيًا: على فرض صحة قول القاسم يحتمل أن يكون قبره ﷺ لم يكن في أول الأمر مُسَنَّمًا، ثم لما بُني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة، وقد روى أبو بكر الآجري في كتاب "صفة قبر النبي ﷺ من طريق إسحاق بن عيسى ابن بنت داود بن أبي هند، عن غُنيم بن بسطام المديني قال: رأيت قبر النبي ﷺ في إمارة عمر بن عبد العزيز فرأيتُه مرتفعًا نحوًا من أربع أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره، ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر أسفل منه، كذا في "الفتح". ثالثا: قوله: "مسنما" لا ينافي قوله: "مبطوحه ببطحاء العرصة الحمراء" كما قال الحافظ ابن القيم في "زاده" (١/ ٥٢٤): "فقبرُه ﷺ مُسَنَّم مبطوحٌ ببطحاء العَرْصةِ الحمْراءِ، لا مَنْبيٌّ ولا مطيَّنٌ، وهكذا كان قبر صاحيبه" انتهى. قلت: وعليه يدل حديث جابر بن عبد الله الآتي. • عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ أُلحِد، ونُصب عليه اللَّبنُ نَصْبًا، ورفع قبره من الأرض نحوًا من شبرٍ. صحيح: رواه ابن حبان (٦٦٣٥)، والبيهقي (٣/ ٤١٠) كلاهما من طريق أبي كامل الجحدري، حدثنا الفُضيل بن سليمان، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله فذكره. وإسناده صحيح. ويستفاد منه أنه يستحب رفع القبر شبرًا عن الأرض ليتميز فيُصان ولا يُهان. ١٧ - باب إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء • عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإنَّ صلاتكم معروضة عليَّ". قال: قالوا: يا رسول الله! كيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أَرِمتَ؟ يقولون: بَليتَ؟ فقال: "إنَّ الله حرَّمَ على الأرض أجسادَ الأنبياء".

стр. 2359

صحيح: رواه أبو داود (١٠٤٧)، والنسائي (١٣٧٤)، وابن ماجه (١٦٣٦) كلهم من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس، فذكره. وإسناده صحيح، وصحَّحه ابن خزيمة (١٧٣٣)، وابن حبان (٩١٠)، والحاكم (١/ ٢٧٨) فأخرجوه من طريق عبد الرحمن بن يزيد به. قال الحاكم: "صحيح على شرط البخاري، ولم يُخرجاه"، وليس كما قال، بل هو على شرطهما عنده، فقد أخرجا لجميع رواته، إلَّا أنَّ البخاري لم يخرج لأبي الأشعث الصنعاني (واسمه: شرحبيل ابن آدة) إلَّا تعليقًا، والحاكم لا يُفرِّق بين الإخراج للراوي تعليقًا أو متابعة، أو أصلًا. وفي معناه ما رُوي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثروا الصلاة عليَّ يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدًا لم يُصَلِّ عليَّ إلا عرضتْ علي صلاته حتى يفرغَ منها"، قال: قلت: وبعد الموت؟ قال: "وبعد الموت إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجسام الأنبياء، فنبي الله حيٌّ يرزق". رواه ابن ماجه (١٦٣٧) عن عمرو بن سوَّاد المصري، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عُبادة بن نُسي، عن أبي الدرداء فذكره. قال البوصيري: "هذا إسناد رجاله ثقات إلَّا أنه منقطع في موضعين، عُبادة بن نُسي روايته عن أبي الدرداء مرسلة قاله العلائي، وزيد بن أيمن عن عبادة بن نُسي مرسلة، قاله البخاري". ١٨ - باب ما جاء في الأنبياء أنهم أحياء في قبورهم يصلون • عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "مررتُ على موسى ليلة أُسري بي عند الكثيب الأحمر - وهو قائم يُصَلِّي في قبره". صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٧٥) من طريق عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني وسليمان التيمي، عن أنس بن مالك فذكره. • عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون". حسن: رواه أبو يعلى في "مسنده" (٣٤٢٥) عن أبي الجهم الأزرق بن علي، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا المستلم بن سعيد، عن الحجاج، عن ثابت، عن أنس بن مالك فذكره. ومن طريق أبي يعلى أخرجه البيهقي في "حياة الأنبياء" (صـ ٧٢) ورجاله ثقات غير الأزرق وهو أبو الجهم الحنفي، الأزرق بن علي قال الحافظ في "التقريب" "صدوق يُغرب" قلت: إلَّا أنه لم ينفرد به فقد رواه الحسن بن عرفة، قال: حدثني الحسن بن قتيبة المدائني، ثنا المستلم بن سعيد بإسناده مثله.

стр. 2360

كذا قال مع أنه رواه من طريق أبي الجهم الأزرق بن علي كما مضى، ومن طرق أخرى، وإن كان في بعضها من يُتَّهم. وللحديث طريق آخر أخرجه أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ٨٢) من طريق عبد الله بن إبراهيم ابن الصباح، عن عبد الله بن محمد بن يحيى بن أبي بكير، ثنا يحيى بن أبي بكير بإسناده مثله. وقد تبين من هذه المتابعات بأن الأزرق بن علي لم يُغرب فيه، كما أنَّ الحسن بن قُتَيبة المدائني لم ينفرد به. والحياة هذه حياة برزخية، وليست من حياة الدُّنيا في شيء. انظر للمزيد: كتاب الإيمان بالأنبياء ﵈. • * *

стр. 2361

جموع أبواب أحوال الميت في القبر ١ - باب إنَّ القبر أول منازل الآخرة • عن هانئ مولي عثمان قال: كان عثمان بن عفّان إذا وقف على قَبْرٍ يبكي حتّى يَبُلَّ لحيتُه، فقيل له: تذكر الجنّة والنار ولا تبكي، وتبكي من هذا؟ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن القبر أولُ منازل الآخرة، فإن نجا منه مما بعده أيسر منه، وإن لم ينجُ منه مما بعده أشد منه" قال: وقال رسول الله ﷺ : "ما رأيت منظرًا قط إِلَّا والقبر أفظع منه. حسن: رواه الترمذيّ (٢٣٠٨)، وابن ماجة (٤٢٦٧) كلاهما من حديث يحيى بن معين، قال: حَدَّثَنَا هشام بن يوسف، عن عبد الله بن بَحير، عن هانئ مولي عثمان قال: فذكره. قال الترمذيّ: "حسن غريب لا نعرفه إِلَّا من حديث هشام بن يوسف". وأخرجه الحاكم (١/ ٣٧١) وقد صحَّح الإسناد مثله قبله. وتعقبه الذّهبيّ فقال: "ابن بَحير ليس بالعمدة، ومنهم من يقويه، وهانئ روى عنه جماعة، ولا ذكر له في الكتب الستة". قلت: عبد الله بن بحير هو ابن رَيْسان -بفتح الراء وسكون الياء- المرادي أبو وائل القاص اليماني الصنعانيّ، قال يحيى بن معين: ثقة. وقال عليّ بن المديني: سمعت هشام بن يوسف - وسئل عن عبد الله بن بَحير القاص الذي روي عن هانئ مولي عثمان فقال: "كان يُتقن ما سمع". وذكره ابن حبَّان في "الثقات" (٨/ ٣٣١). وقال في "المجروحين": أبو وائل القاص اسمه عبد الله بن بَحير الصنعانيّ، وليس هو عبد الله بن بحير بن رَيسان ذاك ثقة، وهذا يروي عن عروة بن محمد وعبد الرحمن بن يزيد الصنعاني العجائب كأنّها معلولة، لا يجوز الاحتجاج به. فجعل ابن حبَّان رجلين أحدهما ثقة، والآخر ضعيف، والراوي هنا عبد الله بن بحير بن رَيسان هو الثقة. وأمّا هانئ مولي عثمان فهو أبو سعيد البربري قال فيه النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبَّان في "الثّقات"، وقال الذهبي في "الكاشف": "وُثق". فهو حسن الحديث، وقد روى له أبو داود والتِّرمذي وابن ماجه، وقد أشار إلى هذا الذهبي. وأمّا ما رُوي عن أبي سعيد مرفوعًا: "إنَّما القبر روضة من رياض الجنّة، أو حفرة من حُفَر النار" فهو ضعيف.

стр. 2362

رواه الترمذيّ (٢٤٦٠) عن محمد بن أحمد -وهو ابن مدُّويه، حَدَّثَنَا القاسم بن الحكم العُرني، حَدَّثَنَا عبيد الله بن الوليد الوصَّافي، عن عطية، عن أبي سعيد فذكره في سيأتي أطول سيأتي في موضعه. قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إِلَّا من هذا الوجه. قلت: فيه عطية وهو ابن سعد العوفي ضعَّفه النسائيّ، وقال أبو داود: ليس بالذي يعتمد عليه، وفي "التقريب": "صدوق يخطئ كثيرًا كان شيعيًا مدلسًا". والراوي عنه عبيد الله بن الوليد الوصافي، أهلُ العلم مطبقون على تضعيفه. وكذلك لا يصح ما رواه البيهقي في "إثبات عذاب القبر" (٦١) من طريق محمد بن إسحاق الصنعاني، ثنا محمد بن عمر الواقدي، أن سلمة بن أخي عمر، عن عمر بن شَبَّة بن أبي كثير الأشجعي، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: "القبر حفرة من حفر جهم، أو روضة من رياض الجنّة" والواقدي متروك. وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فجلس إلى قبر منها فقال: "ما يأتي على هذا القبر من يوم إِلَّا وهو ينادي بصوت ذلق طلق يا ابن آدم: كيف نَسيتني؟ ألم تعلم أني بيتُ الوحدة، وبيتُ الغربة، وبيتُ الوحشة، وبيتُ الدود، وبيتُ الضِّيق، إِلَّا من وسَّعني الله عليه" ثمّ قال رسول الله ﷺ : "القبر إما روضة من رياض الجنّة، أو حفرة من حفر النار" رواه الطبرانيّ في "الأوسط". قال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٤٦): "وفيه محمد بن أيوب بن سويد وهو ضعيف". قلت: بل هو رُوي عن أبيه، عن الأوزاعي الأشياء الموضوعة، وكان أبو زرعة يقول: رأيت هذا الشّيخ أدخل في كتاب أبيه أشياء موضوعة بخط طريّ، وكان يحدث بها، انظر: "المجروحين". (١٠٠١). ٢ - باب إن الميت يسمع خفق النعال • عن أنس عن النَّبِيّ ﷺ قال: "إنَّ العبد إذا وضع في قبره وتولَّى عنه أصحابه حتّى إنه ليسمع قرع نعالهم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الجنائز (١٣٣٨)، ومسلم في صفة الجنّة (٢٨٧٠/ ٧١) كلاهما من حديث يزيد بن زُريع، حَدَّثَنَا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك فذكره ولفظهما سواء. • عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولم يُلْحدُ فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير، وفي يده عُود ينكتُ به في الأرض، فرفع رأسه فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثًا" زاد في حديث جرير ههنا وقال:

стр. 2363

"وإنه ليسمع خفْقَ نعالهم إذا ولَّوا مدبرين حين يقال له: يا هذا من ربَّك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ". حسن: رواه أبو داود (٤٧٥٣) عن عثمان بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا جرير، ح وحدثنا هناد بن السري، قال: حَدَّثَنَا معاوية، وهذا لفظ هناد -عن الأعمش، عن المنهال، عن زاذان، عن البراء ابن عازب فذكره في حديث طويل. والحديث في زهد هناد بن السري (٣٣٩) من هذا الوجه. وإسناده حسن من أجل المنهال وهو ابن عمرو، فإنه "صدوق". • وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الميت يسمع خفق نعالهم إذا ولَّوا عنه" يعني مدبرين. حسن: رواه البزار "كشف الأستار" (٨٧٣) عن محمد بن عبد الله المخرميّ، ثنا وكيع بن الجراح، ثنا سفيان - يعني الثوريّ، عن السُدِّي، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن من أجل السدي وهو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كُريمة -بضم الكاف- الكوفي الأعور الكبير، مختلف فيه فكذَّبه الجوزجاني (أظن لتشيعه) ووثَّقه الإمام أحمد والعجلي، وقال النسائي: "صالح"، وقال ابن عدي: "له أحاديث يرويها عن عدة شيوخ، وهو عندي مستقيم الحديث صدوق، لا بأس به"، وأخرج له مسلم، والخلاصة أنه "صدوق يهم، رمي بالتشيع". وحسَّنه أيضًا الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٥٤) وأرجو أنه لم يهم في هذا الحديث لشواهده. وبمعناه رُوي عن ابن عباس مرفوعًا: "إذا دُفن الميت سمع خفق نعالهم إذا ولوا عنه منصرفين". رواه الطبراني في "الكبير" (١١/ ٨٧) عن أبي الزنباع روح بن الفرح، ثنا يحيى بن سليمان الجعفي، ثنا محمد بن فُضيل، ثنا مسلم الضبي، عن مجاهد، عن ابن عباس فذكره. قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٥٤): "رجاله ثقات". قلت: وهو وهم عنه، فإن مسلمًا الضبي وهو ابن كيسان ضعيف باتفاق أهل العلم. وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي سعيد أن النَّبِيّ ﷺ قال: "إن الميت يعرف من يحمله، ومن يغسله، ومن يدليه في قبره". رواه أحمد (١٠٩٩٧) عن أبي عامر، حَدَّثَنَا عبد الملك بن حسن الحارثي، حَدَّثَنَا سعيد بن عمرو بن سُلَيم، قال: سمعت رجلًا منا -قال عبد الملك: نسيت اسمه، ولكن اسمه معاوية أو ابن معاوية- يحدث عن أبي سعيد الخدري، أن النَّبِيّ ﷺ قال: فذكره. فقال ابن عمر وهو في المجلس: ممن سمعت هذا؟ قال: عن أبي سعيد. فانطلق ابن عمر إلى أبي سعيد فقال: يا أبا سعيد، ممن سمعت هذا؟ قال: من النَّبِي ﷺ . وإسناده ضعيف لإبهام الراوي عن أبي سعيد، وإن كان هو معاوية أو ابن معاوية فلا يعرف من

стр. 2364

هو هذا؟ قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢٠): "فيه رجل لم أجد من ترجمه". ٣ - باب ما جاء في سماع الموتي • عن أبي طلحة أن نبي الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش فقُذِفوا في طَوي من أطواء بدر خَبيث مُخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلمّا كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشُد عليها رحلُها، ثمّ مشى، واتبعه أصحابُه وقالوا: ما نرى ينطلق إِلَّا لبعض حاجته، حتّى قام على شفة الركي، فجعل يُناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسولَه؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا. قال: فقال عمر: يا رسول الله! ما تُكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم". متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٣٩٧٦)، ومسلم في الجنّة (٢٨٧٥) كلاهما من حديث رَوح بن عُبادة، حَدَّثَنَا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة فذكر الحديث واللفظ للبخاري. ولم يذكر مسلم لفظ الحديث وإنما أحال على لفظ حديث أنس بن مالك الآتي. • عن ابن عمر قال: اطلع النَّبِي ﷺ على أهل القّليب فقال: "وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا" فقيل له: تدعو أمواتا؟ فقال: "ما أنتم بأسمع منهم، ولكن لا يجيبون". صحيح: رواه البخاري في الجنائز (١٣٧٠) عن عليّ بن عبد الله، حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم، حَدَّثَنِي أبي، عن صالح، حَدَّثَنِي نافع، عن ابن عمر فذكره. • عن عمر بن الخطّاب قال: ثم أمر النَّبِي ﷺ فطرحوا في بئر، فانطلق إليهم فقال: "يا فلان بن فلان، يا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقًّا؟ فإني قد وجدتُ ما وعدني الله حقًّا" قلت: يا رسول الله! كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟ قال: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئًا". صحيح: رواه مسلم في الجنّة (٢٨٧٣) من طرق، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس ابن مالك، عن عمر بن الخطّاب فذكره في قصة مصارع أهل بدر. • عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ ترك قتلى بدر ثلاثًا ثم أتاهم فقام عليهم

стр. 2365

فناداهم فقال: "يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة ابن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعد ربّكم حقًا؟ فإني قد وجدتُ ما وعدني ربي حقًا"، فسمع عمر قول النَّبِي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! كيف يسمعوا، وأنَّى يُجيبوا وقد جيَّفوا؟ قال النَّبِي ﷺ : والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا" ثم أمر بهم فسُحبوا فأُلقوا في قليب بدرٍ. صحيح: رواه مسلم في الجنة (٢٨٧٤) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس ابن مالك فذكره. وأما ما رُوي عن عبد الله بن مسعود قال: وقف رسول الله ﷺ على أهل القَليب فقال: يا أهل القَليب! هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ فإني قد وجدتُ ما وعدني ربي حقًّا"، قالوا: يا رسول الله هل يسمعون؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، لكنهم اليوم لا يجيبون" فهو ضعيف. رواه الطبرانيّ في "الكبير" (١٠/ ١٩٨) من طريق أشعث بن سوار، عن أبي إسحاق، عن عمرو ابن ميمون، عن عبد الله فذكره. وأشعث بن سوار الكندي وإن كان رواه مسلم في المتابعات فالأكثر على تضعيفه، ولذا أطلق عليه الحافظ في "التقريب" لفظ "ضعيف" وتناقض في "الفتح" (٧/ ٣٠٣) فقال: "وللطبراني من حديث ابن مسعود مثله بإسناد صحيح". وقول الحافظ الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٩١): "ورجاله رجال الصحيح" صحيح، لأن أشعث ابن سوار من رجال مسلم كما سبق. وكذلك لا يصح ما رُوي عن عبد الله بن سيدان، عن أبيه، قال: أشرف النَّبِيّ ﷺ على أهل القَليب، فقال: "يا أهل القليب! هل وجدتم ما وعد ربّكم حقًا؟ " فقالوا: يا رسول الله! وهل يسمعون؟ قال: "يسمعون كما تسمعون، ولكن لا يجيبون" رواه الطبراني في "الكبير" (٧/ ١٩٧). قال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٩١): "وعبد الله بن سِيدَان مجهول". قلت: وهو كما قال، وقد جهَّله ابن عدي واللالكائي وغيرهما، وقال البخاريّ: "لا يتابع في حديثه". وله الترجمة في "الكامل" و"الميزان" وهو عبد الله بن سِيدان المطرودِي. ٤ - باب ما جاء من إنكار عائشة على سماع الموتي • عن عروة بن الزبير قال: ذكر عند عائشة أن ابن عمر برفع إلى النَّبِيّ ﷺ : "إن الميت يُعذَّب في قبره ببكاء أهله عليه" فقالت: وَهِل، إنما قال رسول الله ﷺ : "إنه لَيُعذَّب بخطيئته وذنبه، وإن أهله ليكون عليه الآن" وذلك مثل قوله: إن رسول الله ﷺ قام على القليب يوم بدر، وفيه قتلي بدر من المشركين فقال لهم ما قال: "إنهم يسمعون ما أقول" وقد وَهِل، إنّما قال: "إنَّهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم

стр. 2366

حق" ثمّ قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] يقول: حين تبؤوا مقاعدهم من النار. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٣٩٧٨)، ومسلم في الجنائز (٩٣٢) كلاهما من طريق أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه فذكره. • عن ابن عمر قال: وقف رسول الله ﷺ على القليب يوم بدر فقال: "يا فلان يا فلان! هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقًّا؟ أما والله! إنهم الآن يسمعون كلامي" قال يحيى: فقالت عائشة: غفر الله لأبي عبد الرحمن، إنه وَهِل، إنّما قال رسولُ الله ﷺ : "والله! إنهم ليعلمون الآن أن الذي كنت أقول لهم حق" وإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]. حسن: رواه الإمام أحمد (٤٨٦٤) عن يزيد، أخبرنا محمد - يعني ابن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أنه حدثهم عن ابن عمر فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو فإنه حسن الحديث. فقه الحديث: إن ما فهمتْه عائشة المخالفة بين الآية والحديث هو الذي فهمه أيضًا بعض الصّحابة، لأنهم تعجبوا من قول النَّبِيّ ﷺ : "يا فلان بن فلان، يا فلان بن فلان -وجيّفوا- قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا؟ " فأجاب النَّبِيّ ﷺ بأنهم يسمعون الآن. وهذا الحديث يدل على أنه حصل خرق العادة في هذه الحالة. ولذا ثبت رجوع عائشة إلى قول هؤلاء لما رواه ابن إسحاق في المغازي من رواية يونس بن بكير بإسناد جيد عن عائشة مثل حديث أبي طلحة وفيه: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" أخرجه أحمد بإسناد حسن كما قال الحافظ في "الفتح" (٧/ ٣٠٤). قلت: وأما ما رواه الإمام أحمد (٢٥٧٢) فهو من طريق هُشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، عن عائشة أنها قالت: لما أمر النَّبي ﷺ يوم بدر بأولئك الرهْطِ، فأُلقوا في الطوِيّ: عتبة وأبو جهل وأصحابه، وقف عليهم فقال: "جزاكم الله شرًّا من قوم نبي، ما كان أسوأَ الطرْدِ وأشد التكذيب" قالوا: يا رسول الله! كيف تكلم قومًا قد جيَّفوا؟ فقال: "ما أنتم بأفهم لقولي منهم، أو لهم أفهم لقولي منكم". وإبراهيم هو ابن يزيد النخعي قال الهيثميّ في "المجمع" (٦/ ٩٠): "رواه أحمد، ورجاله ثقات إِلَّا أن إبراهيم لم يسمع من عائشة، ولكنه دخل عليها" والله تعالى أعلم.

стр. 2367

٥ - باب إثبات عذاب القبر قال الله تعالي: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة التوبة: ١٠١]. قوله: ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ إحداهما في الدُّنيا، والأخرى في القبر. وقوله: ﴿إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ عذاب جهنّم. وقال تعالي: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [سورة غافر: ٤٥ - ٤٦]. قوله: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ أتباعه وأهل طاعته. قوله: ﴿وَحَاقَ﴾ أي نزل وحلَّ. وقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ أي أنهم في القبر يعرضون على النّار صباحًا ومساءً إلى أن تقوم الساعة. وقوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وذلك يوم القيامة. • عن أبي أيوب قال: خرج النَّبِيّ ﷺ وقد وجبتْ الشّمس فسمع صوتًا فقال: "يهود تُعذبُ في قبورها". متفق عليه: رواه البخاريّ في الجنائز (١٣٧٥)، ومسلم في صفة الجنّة والنار (٢٨٦٩) كلاهما من حديث شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، عن البراء بن عازب، عن أبي أيوب فذكر الحديث. واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم قريب منه وفيه: "خرج رسول الله ﷺ بعد ما غربت الشّمس". وقوله: "وجبت الشمس" أي سقطت، والمراد غروبها. • عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت: أتيتُ عائشة ﵂، زوج النَّبِيّ ﷺ ، حين خسفتِ الشّمس، فإذا الناس قيام يصلُّون، وإذا هي قائمة تصَلِّي، فقلتُ: ما للناس؟ فأشارتْ بيدها إلى السماء، وقالت: سبحان الله، فقلت: آيَةٌ؟ فأشارت: أي نعم، قالتْ: فقُمْتُ حتى تجلَّاني الغَشْيُ، فجعلتُ أصُبُّ فوق رأسي الماء، فلمّا انصرف رسولُ الله ﷺ حمدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: "ما من شيء كنتُ لم أرَه إِلَّا قد رأيتُه في مقامي هذا، حتّى الجنَّة والنار، ولقد أوحيَ إليَّ أَنَّكُمْ تُفْتَون في القُبُور مِثْل -أو قريبًا من- فِتْنَةٍ الدَّجَّال"، لا أدري أيَّتَهُما قالتْ أسماء، "يُؤتَي أحدُكم فيقال له: ما عِلْمُكَ بهذا الرّجُلِ؟ فأمَّا المؤمنُ، أو المُوقِنُ"، لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماءُ، "فيقول: محمدٌ رسولُ الله ﷺ ، جاءنا بالبينات والهُدى، فأجبنا وآمنَّا واتبعنَا، فيقال له: نمْ صالحًا، فقد علمنا إن كنت

стр. 2368

لموقِنًا، وأمّا المنافق، أو المرتاب"، لا أدري أيتهما قالت أسماء - "فيقول: لا أدري، سمعتُ الناس يقولون شيْئًا فقلتُه". متفق عليه: رواه مالك في الكسوف (٤) عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر فذكرته. ورواه البخاري في الوضوء (١٨٤) وفي الكسوف (١٠٥٣) من طريقين عن مالك بإسناده. ورواه الشيخان - البخاري في العلم (٨٦)، ومسلم في الكسوف (٩٠٥) من وجهين آخرين عن هشام بإسناده نحوه. • عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قام رسول الله ﷺ خطيبًا فذكر فتنة القبر التي يفتتِن فيها المرأ، فلمّا ذكر ذلك ضَجَّ المسلمون ضجَّةً. صحيح: رواه البخاري في الجنائز (١٣٧٣) عن يحيى بن سليمان، حَدَّثَنَا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزُّبير، أنه سمع أسماء بنت أبي بكر فذكرته. • عن أنس بن مالك أن النَّبِيّ ﷺ قال: "لولا أن لا تدافَنُوا لدعوتُ الله أن يُسمعكم من عذاب القبر". صحيح: رواه مسلم في كتاب الجنة (٢٨٦٨) من طرق عن محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن قتادة، عن أنس فذكره. • عن عائشة قالت: دخل عليَّ عجوزان من عُجْز يهود المدينة فقالتا لي: إن أهل القبور يعذَّبون في قبورهم، فكذبتُهما، ولم أُنْعِم أن أُصدقهما، فخرجتا، ودخل عليَّ النَّبِيّ ﷺ فقلت له: يا رسول الله! إن عجوزين وذكرتُ له، فقال: "صدقَتَا إنهم يعذبون عذبًا تسمعه البهائم كلُّها" فما رأيتُه بعد في صلاة إِلَّا تعوَّذَ من عذاب القبر. متفق عليه: رواه البخاري في الدّعوات (٦٣٦٦)، ومسلم في المساجد (٥٨٦/ ١٢٥) كلاهما من حديث جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة فذكرته. • عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وعندي امرأة من اليهود وهي تقول: هل شعرت أنكم تُفْتنون في القبور، قالت: فارتاع رسول الله ﷺ وقال: "إنما تُفْتَنُ يهود" قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله ﷺ : "هل شعرتِ أنه أُوحي إليَّ أنكم تُفْتَنون في القبور؟ " قالت عائشة: فسمعتُ رسول الله ﷺ بعد يستعيذُ من عذاب القبر. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٨٤) من طرق عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال:

стр. 2369

حَدَّثَنِي عروة بن الزُّبير، أن عائشة قالت فذكرته. • عن عائشة أن يهودية كانت تخدمها، فلا تصنع عائشة إليها شيئًا من المعروف إِلَّا قالَتْ لها اليهودية: وقاكِ الله عذابَ القبر. قالت: فدخل رسولُ الله ﷺ عليَّ، فقلتُ: يا رسولَ الله! ، هل للقبر عذابٌ قبلَ يوم القيامة؟ قال: "لا، وَعَمَّ ذاكِ؟ " قالت: هذه اليهودية لا نصنعُ إليها من المعروف شيئًا إِلَّا قالت: وقاكِ الله عذابَ القبر، قال: "كذَبَتْ يهُودُ، وهم عَلى الله أكذبُ، لا عذاب دون يَوْمِ القيامة قالت: ثم مكثَ بعد ذاك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذاتَ يوم نصفَ النهار مشتملًا بثوبه، محمَّرة عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته: "أيُّها الناسُ! ، أظَلَّتْكُمُ الفِتَنُ كقطِعِ الليل المُظْلِم، أيُّها الناسُ، لو تعلمونَ ما أعلمُ، بكَيْتُم كثيرًا، وضحِكْتُمْ قليلًا، أَيُّها النَّاسُ! ، اسْتَعِيذُوا بالله من عذاب القبر، فإنَّ عذاب القَبْر حَقٌّ". صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٤٥٢٠) عن هاشم، قال: حَدَّثَنَا إسحاق بن سعيد، قال: حَدَّثَنَا سعيد، عن عائشة فذكرته. وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٥٤ - ٥٥) وقال: "هو في الصَّحيح باختصار .. رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح". قلت: وهو كما قال، إسحاق بن سعيد هو: ابن عمرو بن العاص بن سعيد بن العاص الأموي الكوفيّ، وأبوه سعيد بن عمرو المدني ثمّ الدّمشقي من رجال الشيخين، ولا منافاة بين هذا الحديث وبين الأحاديث السابقة، فإنه ﷺ أنكر عذاب القبر أولًا، ثمّ أعلم به، فأَعلم به أصحابه. وفي الباب عن ابن مسعود مرفوعًا: "إنَّ الموتى ليعذبون في قبورهم حتّى إن البهائم لتسمع أصواتهم". رواه الطبراني في "الكبير" (١٠/ ٢٤٧) عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا يعلى بن المنهال السّكوني، ثنا إسحاق بن منصور، ثنا أبو بكر بن عَيَّاش، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله ابن مسعود فذكره. قال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٥٦): "إسناده حسن". قلت: في الإسناد يعلى بن المنهال لم أعرف من هو؟ وإن كان ممن ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٣٠٥) فهو "مجهول" وفي الإسناد أيضًا أبو بكر بن عَيَّاش فإنه كبِر فاختلط عليه. وأمّا ما رُوي عن عائشة مرفوعًا: "يُرسل على الكافر حيَّتان، واحدة من قبل رأسه، وأُخرى من قِبل رجليه، تُقْرضانه قَرْضًا، كلما فرغتا عادتا إلى يوم القيامة" فهو ضعيف. رواه أحمد (٢٥١٨٩) عن رَوح، حَدَّثَنَا حمّاد، عن عليّ بن زيد، عن أم محمد، عن عائشة فذكرته. أورده الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٥٥) وقال: "رواه أحمد وإسناده حسن".

стр. 2370

قلت: ليس بحسن، فإن أم محمد قيل اسمها: أُمينة، وقيل: أمية، وهي زوجة زيد بن جُدعان، تفرّد بالرواية عنها عليّ بن زيد، وهي لا تُعرف، وعلي بن زيد بن جُدعان أهل العلم مطبقون على تضعيفه. ٦ - باب أن أهل الجاهلية يُعذَّبون في قبورهم • عن زيد بن ثابت قال: بينما النَّبِي ﷺ في حائط لبني النجار على بغلة له، ونحن معه، إذ حادثْ به، فكادتْ تُلقيه، وإذا أَقْبرٌ ستةٌ أو خمسةٌ أو أربعةٌ، (كذا كان يقول الجُريري) فقال: "من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ " فقال رجل: أنا. قال: "فمتى مات هؤلاء؟ " قال: ماتوا في الإشراك، فقال: إن هذه الأمة تُبلي في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوتُ الله أن يُسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه" ثمّ أقبل علينا بوجهه فقال: "تعوذُوا بالله من عذاب النّار" قالوا: نعوذ بالله من عذاب النّار، فقال: "تعوذوا بالله من عذاب القبر" قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: "تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن" قالوا: نعوذ بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، قال: "تعوذوا بالله من فتنة الدجال" قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال. صحيح: رواه مسلم في كتاب الجنّة (٢٨٦٧) من طرق، عن سعيد الجُريريّ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ، عن زيد بن ثابت. قال: أبو سعيد: ولم أشهده من النَّبِي ﷺ ، ولكن حَدَّثنيه زيد بن ثابت قال: فذكره. • عن أنس بن مالك: أنَّ النَّبِيّ ﷺ دخل نخلًا لبني النجار، فسمع صوتًا ففزع، فقال: "من أصحابُ هذه القبور؟ " قالوا: يا نبيَّ الله! ، ناسٌ ماتوا في الجاهليّة، قال: "تعوَّذوا بالله من عذاب القبر، وعذاب النّار، وفتنة الدَّجال" قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: "إنَّ هذه الأمة تُبْتَلى في قُبُورِها، فإنَّ المؤمن إذا وُضِعَ في قبره، أتاه مَلَكٌ فَسألَهُ: ما كنت تَعبُدُ؟ فإنِ اللهُ هدَاهُ قال: كنتُ أعبد الله، فيُقالُ له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرّجل؟ قال: فيقولُ: هو عبد الله ورسولُه، قال: فما يُسأَلُ عن شيءٍ غيرَها، فيُنْطَلَقُ به إلى بيتٍ كانَ له في النّار، فيُقال له: هذا بَيْتُكَ كانَ في النّار، ولكِنَّ الله عَصَمَكَ ورَحِمَكَ، فأَبدَلَكَ به بيتًا في الجَنَّةِ، فيقولُ: دَعُوني حتَّى أذهبَ فأُبَشِّرَ أَهلِي، فيُقالُ له: اسْكُنْ. وإن الكافرَ إذا وُضِعَ في قَبْره، أتاهُ مَلَكٌ فيقولُ له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرّجل؟ فيقولُ: كنتُ أقولُ ما يَقُولُ الناسُ، فيضربه بمطراق من حديد بين أُذُنيه، فيصيح صيحة فيسمعها الخلق غير الثقلين".

стр. 2371

صحيح: رواه أحمد (١٣٤٤٧) عن عبد الوهّاب، حَدَّثَنَا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس فذكره. ومن هذا الطريق رواه البيهقيّ في إثبات عذاب القبر (١٩) وأحال إلى رواية أحمد. ورواه مسلم في صفة الجنّة (٢٨٧٠/ ٧٢) عن عمرو بن زرارة، عن عبد الوهّاب (وهو ابن عطاء) بإسناده مختصرًا ولم يذكر فيه قصة الجاهلية. وعبد الوهّاب هو: ابن عطاء الخفاف وهو إن كان من رواة مسلم فقد تكلم فيه البخاريّ والنسائي وغيرهما، غير أنه حسن الحديث وقد توبع هنا. فقد رواه الإمام أحمد (١٢٢٧١) عن روح بن عبادة، حَدَّثَنَا سعيد بإسناده نحوه، وأصل الحديث في البخاريّ (١٣٧٤) من طريق عبد الأعلى، ومسلم في صفة الجنّة (٢٨٧٠) من طريق يزيد بن زريع وعبد الوهّاب - كلّهم عن سعيد بإسناده كما سيأتي في باب إن المؤمن والكافر يسألان. • عن أنس أن النَّبِيّ ﷺ سمع صوتًا من قبر فقال: "متى مات هذا؟ قالوا: مات في الجاهليّة، فسُرَّ بذلك وقال: "لولا أن لا تدافنوا لدعوتُ الله أن يُسمعكم عذابَ القبر". صحيح: رواه النسائيّ (٢٠٥٨) عن سويد بن نصر، قال: حَدَّثَنَا عبد الله، عن حُميد، عن أنس فذكره. وإسناده صحيح، وقد صحَّحه أيضًا ابن حبَّان (٣١٢٦)، وأخرجه البيهقيّ في إثبات عذاب القبر (٩١) كلّهم من طريق حُميد الطّويل، عن أنس فذكر الحديث. وفي رواية أحمد (١٢٠٠٧) عن ابن أبي عديّ، عن حُميد، عن أنس قال: دخل النَّبِيّ ﷺ حائطًا من حيطان المدينة لبني النجار، فسمع صوتًا من قبر فسأل عنه فذكره. وكان خروجه لقضاء حاجته كما في رواية الإمام أحمد (١٢٠٩٦) بإسناد صحيح. • عن أنس بن مالك قال: أخبرني بعض من لا أتهمه من أصحاب النَّبِيّ ﷺ أنه قال: بينما رسول الله ﷺ وبلال يمشيان بالبقيع، فقال رسول الله ﷺ : "يا بلال! ، هل تسمع ما أسمع؟ " قال: لا والله! يا رسول الله، ما أسمعه، قال: "ألا تسمع أهل هذه القبور يُعَذَّبون" يعني قبور الجاهليّة. حسن: رواه الإمام أحمد (١٣٧١٩) عن سُريج، حَدَّثَنَا فُليح، عن هلال بن عليّ، عن أنس بن مالك فذكره. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٤٠). وأورده الهيثمي في "المجمع" وقال: "رجاله رجال الصَّحيح". وقال البيهقي في إثبات عذاب القبر (٩٦): "هذا إسناد صحيح شاهد لما تقدم". قلت: إسناده حسن من أجل فُلَيح وهو ابن سليمان، وهو وإن كان من رجال الجماعة إِلَّا أنه مختلف فيه، فضعَّفه ابن معين وعثمان الدَّارمي وأبو حاتم والنسائي وغيرهم.

стр. 2372

مشَّاه ابن عدي فقال: له أحاديث صالحة، وقال الدَّارقطنيّ: يختلفون فيه، وليس به بأس، وذكره ابن حبَّان في "الثقات". والخلاصة أنه يحسن حديثه إذا لم يأت بشيء منكر، وذكر البقيع في هذا الحديث منكر إذ لم يكن فيها قبور الجاهليّة. • وعن أنس قال: بينما نبي الله ﷺ في نَخْلٍ لنا، نخلٍ لأبي طلحة يتبرز لحاجته، قال: وبلال يمشي وراءَه، يُكرم نبيَّ الله ﷺ أن يمشي إلى جنبه، فمر نبيُّ الله ﷺ بقبر، فقام حتّى تَمَّ إليه بلال فقال: "ويحك يا بلال، هل تسمع ما أسمعُ؟ " قال: ما أسمع شيئًا، قال: "صاحب القبر يُعَذَّب" قال: فسئل عنه فوُجد يهوديًا. صحيح: رواه الإمام أحمد (١٢٥٣٠) عن عبد الصّمد، حَدَّثَنِي أبيّ، حَدَّثَنَا عبد العزيز، عن أنس فذكره. وقال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٥٦): "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح". قلت: وهو كما قال، وعبد العزيز هو: ابن صُهَيب. • عن أم مُبشِّر قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا في حائط من حوائط بني النجار، فيه قبور، منهم قد ماتوا في الجاهليّة، فسمعهم وهم يُعَذَّبون، فخرج وهو يقول: "استعيذوا بالله من عذاب القبر" قالت: قلت: يا رسول الله! وإنهم ليعذبون في قبورهم؟ قال: "نعم، عذابًا تسمعه البهائم". صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٧٠٤٤)، والطَّبرانيّ في "الكبير" (٢٥/ ١٠٣)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١٠٨) كلّهم من طريق أبي معاوية قال: حَدَّثَنَا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر فذكرته. وإسناده صحيح، وصحَّحه أيضًا ابن حبَّان (٣١٢٥). وقال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٥٦): "ورواه أحمد ورجاله رجال الصَّحيح" وفاته العزو إلى الطبرانيّ. • عن جابر بن عبد الله قال: دخل النَّبِيّ ﷺ يومًا نخلًا لبني النجَّار، فسمع أصوات رجال من بني النجار ماتوا في الجاهليّة، يُعَذَّبون في قبورهم، فخرج النَّبِيّ ﷺ فزعًا، فأمر أصحابه أن يتعوذوا من عذاب القبر. حسن: رواه أحمد (١٤١٥٢) عن عبد الرزّاق - وهو في مصنفه (٦٧٤٢) قال: أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزُّبير، أنه سمع جابر بن عبد الله فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي الزُّبير. ورواه البزّار "كشف الأستار" (٨٧١) من وجه آخر عن موسى بن عقبة، عن أبي الزُّبير بإسناده مثله، ورواه الطبرانيّ في "الأوسط" (٤٦٢٥) من وجه آخر عن أسامة بن زيد، عن أبي الزُّبير بإسناده، وزاد فيه: "يعذبون في القبور في النميمة". قال الطبرانيّ: لم يرو هذا الحديث عن أسامة بن زيد إِلَّا ابن لهيعة.

стр. 2373

قلت: وبه علَّله أيضًا الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٥٥) فقال: "رواه أحمد والبزّار، والطَّبراني في "الأوسط"، ورجال أحمد رجال الصَّحيح، وفي إسناد الطبرانيّ ابن لهيعة، وفيه كلام". وقد توبع في أصل الحديث. ٧ - باب ما جاء أن أكثر عذاب القبر من البول والنميمة • عن ابن عباس قال: مرَّ رسول الله ﷺ على قبرين، فقال: "أما إنهما لَيُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبير، أمَّا أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأمّا الآخر فكان لا يستتر من بوله". قال: فدعا بعسيب رطْبٍ فشقَّه باثنين، ثمّ غرس على هذا واحدًا، وعلى هذا واحدًا، ثمّ قال: "لعلّه يُخفَّف عنهما ما لم ييبسا". وفي رواية: "وكان الآخر لا يستنُزه عن البول، أو من البول". متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (٢١٨)، وفي الجنائز (١٣٦١)، ومسلم في الطهارة (٢٩٢) كلاهما من طريق الأعمش، قال: سمعت مجاهدًا يحدّث عن طاوس، عن ابن عباس ... فذكر الحديث. واللّفظ لمسلم، وفي لفظ البخاريّ: ثم أخذ جريدة رطبة ... وفيه أيضًا: قالوا: يا رسول الله! لم صنعت هذا؟ فقال: "لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا". • عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إني مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يُرَفَّه عنهما ما دام الغصنان رطبين". صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٣٠١٢) قال: حَدَّثَنَا هارون بن معروف ومحمد بن عباد، قالا: حَدَّثَنَا حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب بن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصَّامت، عن جابر بن عبد الله في حديث طويل. وسيأتي كاملًا في موضعه. • عن أبي بكرة قال: بينما أنا أُماشي رسول الله ﷺ وهو آخذ بيدي، ورجل عن يساره، فإذا نحن بقبرين أمامنا، فقال رسول الله ﷺ : "إنهما ليعذَّبان، وما يعذَّبان في كبير، وبلي، فأيكم يأتيني بجريدة؟ " فاستبقنا، فسبقتُه، فأتيتُه بجريدة، فكسرها نصفين، فألقى على ذا القبر قطعة، وعلى ذا القبر قطعة، وقال: "إنه يُهوَّنُ عليهما ما كانتا رطْبتَين، وما يُعدَّبان إِلَّا في البول والغيبة". حسن: رواه الإمام أحمد (٢٠٣٧٣) عن أبي سعيد مولى بني هاشم، والبزَّار (٣٦٣٦)، من طريق مسلم بن إبراهيم، كلاهما -أعني أبا سعيد ومسلم بن إبراهيم- عن الأسود بن شيبان، عن بحر بن مرَار، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة .. فذكر الحديث، وهذا إسناد حسن متصل؛ إن بحر بن مرَّار سمع عن جده عبد الرحمن بن أبي بكرة.

стр. 2374

وبحر بن مَرَّار تكلم فيه القطان فقال فيه: إنَّه خولط. إِلَّا أنَّ ابن عدي بعد أن أخرج الحديث المذكور وغيره من رواياته قال: ولا أعرف له حديثًا منكرًا فأذكره، ولم أر أحدًا من المتقدِّمين ممَّن تكلَّم في الرجال ضعَّفه إِلَّا يحيى القطَّان، ذكر أنَّه خولط، ومقدار ما له من الحديث لم أر فيه حديثًا منكرًا". وهذا هو الصواب؛ فحديثه هذا لا بأس به في الشواهد. ولا يُعكِّر على هذا الاختلافُ عليه، أعني به ما رواه ابن ماجه (٣٤٩) من طريق وكيعٍ، وأبو داود الطيالسي في مسنده (٩٠٨) كلاهما عن الأسود بن شيبان، عن بحر بن مَرَّار، عن جد أبيه أبي بكرة، ففيه انقطاع؛ لأنَّ بحرًا لم يسمع من أبي بكرة، ولذا صوَّب الدَّارقطنيّ في "العلل" (٧/ ١٥٦) الرواية الموصولة وقال أبو حاتم: هي أصح: "العلل" (١/ ٣٧٠). • عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ عامة عذاب القبر من البول فتنزهوا من البول". حسن: رواه البزّار "كشف الأستار" (٢٤٣)، والطَّبراني في "الكبير" (١١/ ٨٤)، والحاكم (١/ ١٨٣ - ١٨٤) كلهم من طريق إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: فذكره. وأبو يحيى القَتَّات مختلف فيه، والغالب عليه الضعف، ووثَّقه يحيى بن معين في رواية، وقد تابعه العوام بن حوشب عن مجاهد. رواه الطبراني في "الكبير" (١١/ ٧٩) من طريق العوام بن حوشب، عن مجاهد، عن ابن عباس به مثله. والعوام بن حوشب وثَّقه أحمد وابن معين وأبو زرعة وغيرهم. ولم يحكم عليه الحاكم بشيء، بل ذكره شاهدا لحديث أبي هريرة وهو الآتي: • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثر عذاب القبر من البول". صحيح: رواه ابن ماجه (٣٤٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة - وهو في مصنفه (١/ ١٢٢) قال: حَدَّثَنَا عفّان، قال: حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكر الحديث. ورواه الدَّارقطنيّ (١/ ١٢٨) وقال: "صحيح"، والحاكم (١/ ١٨٣) وقال: "صحيح على شرط الشّيخين ولا أعرف له علة"، وأورده البوصيري في "زوائد ابن ماجه" وقال: "هذا إسناد صحيح رجاله عن آخرهم محتج بهم في الصحيحين" وحكى الترمذيّ في "العلل" عن البخاري أنه قال: "هذا حديث صحيح". وسئل أبو حاتم عن هذا الحديث فقال: "هذا حديث باطل مرفوعًا". "العلل" (١٠٨١). يعني الباطل هو الرفع، والصحيحُ أنه موقوف، ذكره الدَّارقطنيّ في "العلل" (١٥١٨) رواية أبي عوانة هذه ثمّ قال: "وخالفه ابنُ فضيل فوقفه، ويشبه أن يكون الموقوف أصحُّ".

стр. 2375

قلت: هذه من الصناعة الحديثية، وأمّا من فقه الحديث فالصحيح أنه مرفوع؛ لأن مثل هذا الحكم لا يمكن صدوره إِلَّا من الشارع، فمن نظر إلى صناعة الحديث رجّح الوقفَ، ومن نظر إلى فقه الحديث رجّح الرفعَ، وكان الإمام البخاريّ ﵀ سبّاقًا في اختيار هذا المنهج، ولذا حكم على كثير من الأحاديث بالرفع مع أن الصناعة الحديثية تُرَجِّجُ جانب الوقف كما هو ظاهر من صنيع الإمام الدَّارقطنيّ في "الإلزامات والتتبع"، والنسائي في "السنن الكبرى والصغري". وهذا مما تميّز به البخاريّ ﵀ عن غيره، ثمّ نهج هذا المنهج من جاء بعده مثل الحاكم والنووي وابن كثير والحافظ ابن حجر وغيرهم. وهذا مثال لاختلاف أنظار العلماء، وليس فيه ردُّ أحدٍ على أحدٍ، إنّما هو راجعٌ إلى أصولهم وضوابطهم. • عن أبي هريرة، قال: كنا نمشي مع رسول الله ﷺ فمررنا على قبرين، فقام، فقمنا معه، فجعل لونه يتغير حتّى رعد كُمُّ قميصه، فقلنا: ما لك يا نبي الله؟ قال: "ما تسمعون ما أسمع؟ " قلنا: وما ذاك يا نبي الله؟ قال: "هذان رجلان يُعذَّبان في قبورهما عذابًا شديدًا في ذنب هين" قلنا: مِمَّ ذلك يا نبيَّ الله؟ قال: "كان أحدهما لا يستنزه من البول، وكان الآخر يؤذي الناس بلسانه، ويمشي بينهم بالنميمة" فدعا بجريدتين من جرائد النخل، فجعل في كل قبر واحدة، قلنا: وهل ينفعهما ذلك يا رسول الله؟ قال: "نعم يخفف عنهما ما داما رَطْبَتَيْن". صحيح: رواه ابن حبَّان (٨٢٤) قال: أخبرنا أبو عروبة، قال: حَدَّثَنَا محمد بن وهب بن أبي كريمة، قال: حَدَّثَنَا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، قال: حَدَّثَنِي زيد بن أبي أُنَيْسة، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن أبي هريرة فذكر الحديث. ورجاله ثقات، أبو عروبة هو الحسين بن محمد بن معشر الحراني حافظ مترجَم في "تذكرة الحفاظ" (٢/ ٧٧٤) وأبو عبد الرحيم هو: خالد بن يزيد، ويقال: ابن أبي يزيد الأموي مولاهم الحرانيّ، ثقة من رجال مسلم. • عن أبي هريرة قال: مرَّ رسول الله ﷺ على قبر فقال: "ائتوني بجريدتين" فجعل إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، فقيل: يا نبي الله! أينفعُه ذلك؟ قال: "لن يزال يُخفَّف عنه بعض عذاب القبر ما كان فيهما نُدوٌّ". صحيح: رواه أحمد (٩٦٨٦) عن محمد بن عبيد، عن يزيد -يعني ابن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة فذكره. ورواه البيهقي في إثبات عذاب القبر (١٣٦) من طريق ابن أبي شيبة، ثنا محمد بن عبيد بإسناده، وإسناده صحيح.

стр. 2376

وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٥٧): "رواه أحمد، ورجاله رجال الصَّحيح". قلت: وهو كما قال .. ولا يخالف هذا ما سبق من مرور النَّبِيّ ﷺ على قبرين لتعدد القصة. وأمّا ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن عذاب القبر من ثلاثة: من الغيبة والنميمة والبول، وإياكم ذلك" فالصحيح أنه موقوف من رواية أبي عروبة، عن قتادة من قوله: قاله الحافظ البيهقي في إثبات عذاب القبر (٢٦٢) وقال: "وقد روينا معناه في الأحاديث الثابتة فيما تقدم". ٨ - باب ما يخاف من عذاب القبر في الغلول • عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام خيبر، فلم نغنم ذهبًا ولا ورقًا، إِلَّا الأموال، الثياب والمتاع، قال، فأهدي رفاعة بن زيد لرسول الله ﷺ غلامًا أسود، يقالُ له: مِدْعَمٌ، فوجَّهَ رسولُ الله ﷺ إلى وادي القُرَى، حَتَّى إذا كُنَّا بوادي القُرَى، بينما مِدْعَمٌ يَحُطُّ رحلَ رسول الله ﷺ ، إذ جاءه سهم عائرٌ، فأصابه فقتله، فقال الناس، هنيئًا له الجنّة، فقال رسول الله ﷺ : "كلا، والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذ يوم خيبر من المغانم لم تُصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارًا" قال: فلمّا سمع الناس ذلك، جاء رجل بشراكٍ أو شراكَين إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : "شراك أو شراكان من نار". متفق عليه: رواه مالك في الجهاد (٢٥) عن ثور بن زيد الديليّ، عن أبي الغيث سالم مولي ابن مطيع، عن أبي هريرة فذكره. ورواه البخاريّ في المغازي (٤٢٣٤)، ومسلم في الإيمان (١٨٣) كلاهما من طريق مالك به مثله. وأمّا ما رُوي عن أبي رافع قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى العصر ربما ذهب إلى بني عبد الأشهل، فيتحدث معهم حتّى ينحدر للمغرب، قال: فقال أبو رافع: فبينا رسول الله ﷺ مسرعًا إلى المغرب، إذ مرَّ بالبقيع، فقال: "أُفّ لك، أُفٍّ لك"، مرَّتين، فكبر في ذرعي وتأخرتُ، وظننت أنه يريدني، فقال: ما لك؟ ! امشِ"، قال: قلتُ: أحدثتُ حدثًا يا رسول الله. قال: وما ذاك؟ " قلتُ: أقَّفْتَ بيّ، قال: "لا، ولكن هذا قبرُ فلان، بعثتُهُ ساعيًا على بني فلان، فغَلَّ نَمِرَةٌ، فدُرِّعَ الآن مِثْلَها من نار" ففيه من لم يوثَّق. رواه النسائيّ (٨٦٢، ٨٦٣)، والإمام أحمد (٢٧١٩٢)، وابن خزيمة (٢٣٣٧)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١٤٩) كلّهم من طرق، عن ابن جريج، عن منبوذ رجل من آل أبي رافع، عن الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي رافع فذكره. وفي إسناده منبوذ لم يؤثر توثيقه من أحد، وقال الحافظ في "التقريب": "مقبول". أي إذا توبع. وكذا الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع المدني رُوي عن أبيه، وعن جده، ولكن لم يوثقة غير ابن

стр. 2377

حبَّان ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول" أي إذا توبع. ٩ - باب ما جاء إن للقبر ضغطة ً • عن عائشة، عن النَّبِي ﷺ قال: "للقبر ضغطةٌ لو نجا منها أحد لنجا منها سعد ابن معاذ". صحيح: رواه ابن حبَّان في صحيحه (٣١١٢) عن عمر بن محمد الهمدانيّ، حَدَّثَنَا بُنْدار، عن عبد الملك بن الصباح، حَدَّثَنَا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع، عن صفية، عن عائشة فذكرته. وإسناده صحيح، بُندار هو: محمد بن بشار. ونافع هو: مولي ابن معمر. وصفية هي: بنت أبي عبيد الثقفية زوج ابن عمر، وهي أخت المختار بن أبي عبيد، وثَّقها العجلي وابن حبَّان، واعتمد الحافظ على توثيق العجلي في "التقريب" وهي من رواه مسلم والسنن ما عدا الترمذي. هكذا رواه أيضًا البيهقيّ في إثبات عذاب القبر من طريق عبد الملك بن الصباح (١٢٠) ومن طريق آدم بن أبي إياس (١١٩)، والطحاوي في مشكله من طريق عبد الرحمن بن زياد (٢٧٤) كلّهم من حديث شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع، عن صفية، عن عائشة، أو عن امرأة ابن عمر، عن عائشة. وأبهم محمد بن جعفر وهو غندر الراوي عن عائشة فقال: عن إنسان عن عائشة رواه الإمام أحمد (٢٤٦٦٣) عنه عن شعبة بإسناده. فلا يضر هذا الإبهام بعد أن عرفناه، ولذا قال الحافظ الهيثمي في "المجمع"، (٣/ ٤٦): "رواه أحمد عن نافع، عن عائشة، وعن نافع عن إنسان، عن عائشة، وكلا الطريقين رجالهما رجال الصحيح". وقال العراقي في "المغني" (٤/ ٤٨٧): "رواه أحمد بإسناد جيد". وكذلك لا يُعَلُّ بما رواه يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع، عن عائشة، هكذا رواه عنه الإمام أحمد (٢٤٢٨٣) وابنه عبد الله في "السنة" (١٤١٢) عن أبيه عنه، والطحاوي في مشكله (٢٧٣) عن إبراهيم بن مرزوق، حَدَّثَنَا وهب بن جرير، حَدَّثَنَا شعبة بإسناده. قال الطحاوي: "هكذا حَدَّثَنَا ابن مرزوق بغير إدخال منه بين نافع وبين أم المؤمنين أحدًا" لأن من ذكره حجة على من لم يذكره. وكذلك لا يضر ما رواه أبو حذيفة عن سفيان، عن سعد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ولو أن أحدًا نجا من عذاب القبر لنجا منه سعد" ثمّ قال بأصابعه الثلاثة يجمعها كأنه يقللها، ثمّ قال: "لقد ضُغِط ثمّ عوفي"، رواه الطحاويّ في مشكله (٢٧٦)، والبيهقي في "إثبات عذاب القبر" (١٢١)، ، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ١٧٣ - ١٧٤) كلّهم من طرق، عن أبي حذيفة بإسناده.

стр. 2378

قال أبو نعيم: كذا رواه أبو حذيفة، عن الثوري، عن سعد، ورواه غندر (وهو محمد بن جعفر) وغيره عن شعبة، عن سعد، عن نافع، عن إنسان، عن عائشة مثله" انتهى. وقال الطحاويّ: خالف سفيانُ بن سعيد شعبةَ في إسناد هذا الحديث عن سعد فذكر الإسناد. قلت: لعل الوهم من أبي حذيفة وهو موسي بن مسعود النهديّ، وصفه الحاكم أبو عبد الله بكثير الوهم وسيء الحفظ، وقال الحافظ في التقريب: صدوق سيء الحفظ، وكان يُصحف" فلعله تصحف عليه ابن عمر مكان عائشة، ولذا صدَّره البيهقيّ بقوله: وقيل عن نافع عن ابن عمر. • عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ قال: "هذا الذي تحرك له العرش، وفُتِحتْ له أبوابُ السماء، وشهِده سبعون ألْفًا من الملائكة، لقد ضُمَّ ضمةُ ثمّ فُرِّج عنه". صحيح: رواه النسائي (٢٠٥٥) عن إسحاق بن إبراهيم، قال: حَدَّثَنَا عمرو بن محمد العَنْقريّ، قال: حَدَّثَنَا ابن إدريس، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. وأخرجه البيهقي في إثبات عذاب القبر (١٢٢) من وجه آخر، عن محمد بن إدريس بإسناده مثله وقال: تابعه عمرو بن محمد القرشي، عن ابن إدريس. وإسناده صحيح، ومحمد بن إدريس هو الإمام الشافعي المطلبي. وأمّا ما رواه الحاكم وصحّحه (٣/ ٢٠٦) من طريق عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عمر مرفوعًا وزاد فيه: "ضُم سعد في القبر ضمةً، فدعوت الله أن يكشف عنه" ففيه عطاء بن السائب مختلط، وقد زاد فيه الدعاء، وبه أعلّه الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" (٤/ ١٢٨). وللحديث طرق أخرى والذي ذكرته هو أصحها. وفي الباب عن ابن عباس وجابر بن عبد الله وغيرهما ولا يصح منها شيء، انظر أحاديث هؤلاء في "إثبات عذاب القبر" للبيهقي. • عن أبي أيوب أن صبيا دُفن، فقال رسول الله ﷺ : "لو أفلت أحد من ضمة القبر لأفلت هذا الصبي". حسن: رواه الطبراني في "الكبير" (٤/ ١٤٣) عن الحسين بن إسحاق التستريّ، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن حمّاد بن سلمة، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن البراء بن عازب، عن أبي أيوب فذكره. قال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٤٧): "رواه الطبراني في "الكبير" ورجاله رجال الصَّحيح". قلت: وهو كما قال، إِلَّا أن ثمامة بن عبد الله بن أنس وإن كان من رجال الصَّحيح إِلَّا أنه "صدوق". • عن أنس أن النَّبِيّ ﷺ صلَّى على صبيّ، أو صَبية فقال: "لو كان نجا أحد من ضمة القبر لنجا هذا الصبيُّ".

стр. 2379

حسن: رواه الطبراني في "الأوسط" (٣٧٧٤) عن إبراهيم (وهو ابن هاشم البغوي) قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بن الحجاج السامي، قال: حَدَّثَنَا حمّاد بن سلمة، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس فذكره. وإسناده حسن. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣/ ٤٧): ورواه الطبراني في "الأوسط" ورجاله موثقون". قلت: وهو كما قال، فإن إبراهيم بن الحجاج السامي ثقة، وثَّقه الدَّارقطني وغيره وهو من رجال النسائي، وبقية رجاله ثقات غير ثمامة بن عبد الله بن أنس فإنه "صدوق" كما مضى. وأمّا ما رُوي عن أنس بن مالك قال: تُوفيت زينبُ بنت رسول الله ﷺ ، فخرجنا معه، فرأينا رسول الله ﷺ مهتمًا شديد الحزن، فقلنا لا نكلمه حتّى انتهينا إلى القبر، فإذا هو لم يفرغ من لحده، فقعد رسول الله ﷺ وجلسنا حوله، فحدث نفسه هنيهة وجعل ينظر إلى السماء، ثم فرغ من القبر، فنزل رسول الله ﷺ فيه، فرأيته يزداد حزنًا، ثمّ إنه فرغ، فخرج فرأيته سري عنه وتبسم ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله! رأيناك مهتمًا حزينًا لم نستطع أن تكلمك، ثمّ رأيناك سري عنك فلم ذاك؟ قال: "كنت أذكر ضيق القبر وغمه وضعف زينب، فكان ذلك يشق عليّ، فدعوت الله أن يخفف عنها ففعل، ولقد ضغطها ضغطةً سمعها من بين الخافقين إِلَّا الجن والانس" فهو ضعيف. رواه الطبراني في "الكبير" (١/ ٢٣٠، ٢٢/ ٤٣٣) عن محمد بن عبد الله الحضرميّ، ثنا عمران ابن أبي الرطيل، ثنا حبيب بن خالد الأسديّ، عن الأعمش، عن عبد الله بن المغيرة، عن أنس بن مالك فذكره. وأخرجه أيضًا في "الأوسط" (٥٨٠٦) من وجه آخر عن محمد بن عبد الله الحضرميّ، قال: "حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حَدَّثَنَا إسحاق بن سليمان الرازيّ، عن زكريا بن سلام، عن سعيد بن مسروق، عن أنس فذكره مختصرًا، وقال: لم يرو هذا الحديث عن سعيد بن مسروق إِلَّا زكريا بن سلّام، تفرّد به إسحاق بن سليمان". ومن هذا الوجه الثاني أخرجه أيضًا في "الكبير" (٢٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤). قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٤٧) بعد عزوه إلى "الكبير" و"الأوسط": "إسناده ضعيف" ولم يبين سبب ضعفه. وأخرجه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧)، وفي "الموضوعات" (٣/ ٥٤١ - ٥٤٣) من عدة طرق وقال: "هذا حديث لا يصح من جميع طرقه، قال الدَّارقطنيّ: "رواه الأعمش، واختلف عنه، فرواه أبو حمزة السكري، عن الأعمش، عن سليمان بن المغيرة، عن أنس، ورواه سعد بن الصلت، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس، ورواه حبيب بن خالد الأسدي، عن الأعمش، عن عبد الله بن المغيرة، عن أنس، والحديث مضطرب عن الأعمش" انتهى. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٤٦) من طريق سعد بن الصلت بإسناده مختصرًا.

стр. 2380

قلت: مع الاضطراب على الأعمش فإن من رواته عنه سعد بن الصلت وحبيب بن خالد الأسدي لا يُحمدان، وأما أبو حمزة السكري وهو محمد بن ميمون فهو ثقة فاضل. ١٠ - باب ما يكون على من أعرض عن ذكر الله تعالى من العذاب في القبر قبل عذاب يوم القيامة • عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن المَيِّت إذا وضع في قبره إنه يسمع خفق نعالهم حين يوُلُّون عنه، فإن كان مؤمنًا، كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه. فيؤتي من قبل رأسه، فتقول الصلاةُ: ما قِبَلي مَدْخل، ثم يؤتى عن يمينه، فيقول الصيام: ما قِبَلِي مدخلٌ، ثم يؤتى عن يساره، فتقول الزكاة: ما قِبَلِي مدخلٌ، ثم يُؤتَى من قِبَلِ رِجْلَيه، فتقول فِعْلُ الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قبلي مدخل، فيقال له: اجْلِسْ فيجلسُ، وقد مُثِّلتْ له الشمس، وقد أُدْنِيَتْ للغروب، فيقال له: أرأيتَكَ هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه، وماذا تشهد به عليه؟ فيقولُ: دعوني حتى أصلي، فيقولون: إنك ستفعلُ، أخبرني عما نسألُكَ عنه، أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقولُ فيه، وماذا تشهدُ عليه؟ قال: فيقولُ: محمدٌ أشهدُ أنه رسولُ الله، وأنه جاء بالحق من عند الله، فيقال له على ذلك حييتَ وعلى ذلك مُتَّ، وعلى ذلك تُبْعَثُ إن شاء الله، ثم يُفتحُ له باب من أبواب الجنة، فيقال له: هذا مَقْعَدُك منها، وما أعدَّ اللهُ لك فيها، فيزدادُ غبطةٌ وسرورًا، ثم يُفتحُ له باب من أبواب النار، فيقالُ له: هذا مَقْعَدُك منها وما أعدَّ الله لك فيها لو عَصَيْتَهُ، فيزدادُ غبطةً وسرورًا، ثم يُفسحُ له في قبره سبعون ذراعًا، ويُنوَّر له فيه، ويُعادُ الجسد كما بدأ منه، فتجعل نَسْمَتُهُ في النَّسَم الطيب، وهي طير يعلقُ في شجر الجنة، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. قال: إن الكافر إذا أُتي من قبل رأسه، لم يوجد شيء، ثم أتي عن يمينه، فلا يوجد شيء، ثم أتي عن شماله، فلا يوجد شيء، ثم أتي من قبل رجلَيْه، فلا يوجد شيء، فيقال له: اجلس، فيجلسُ خائفًا مرعوبًا، فيقال له: أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ماذا تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: أيُّ رجل؟ فيقال: الذي كان فيكم، فلا يهتدي لاسمِه حتى يقال له: محمد، فيقول: ما أدري سمعتُ الناس

стр. 2381

قالوا قولًا، فقلتُ كما قال الناس، فيقال له: على ذلك حييت، وعلى ذلك مُتَّ، وعلى ذلك تُبْعَثُ إن شاء الله، ثم يُفْتَحُ له باب من أبواب النار، فيقال له: هذا مقعدُك من النار، وما أعدَّ الله لك فيها، فيزدادُ حشرةٌ وثُبورًا، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة، فيقال له: ذلك مقعدك من الجنة، وما أعدَّ اللهُ لك فيه لو أطعتَه فيزدادُ حَسْرَةً وثبورًا، ثم يُضَيَّقُ عليه قبرُهُ حتى تختلِفَ فيه أضلاعُه، فتلك المعيشةُ الضَّنْكَة التي قال الله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]. حسن: رواه ابن حبان (٣١١٣) عن الحسن بن سفيان، قال: حدثنا عبد الواحد بن غياث، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت محمد بن عمرو يحدث عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو وهو ابن علقمة بن وقاص الليثي فإنه حسن الحديث. وأخرجه الحاكم (١/ ٣٧٩ - ٣٨١) من طريق سعيد بن عامر، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (٧٩) من طريق عبد الوهاب بن عطاء - كلاهما عن محمد بن عمرو، ثم رواه الحاكم من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو مختصرًا وقال: حديث سعيد بن عامر أتم، وقال: "صحيح على شرط مسلم". قلت: وهو كما قال، ومحمد بن عمرو وإن كان من رواة الجماعة إلا أن فيه كلامًا يسيرًا يجعل حديثه حسنًا. وعزاه الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٥١ - ٥٢) إلى الطبراني في "الأوسط" وحسن إسناده. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: "عذاب القبر". حسن: رواه ابن حبان (٣١١٩) عن أبي خليفة، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. وأخرجه البيهقي في إثبات عذاب القبر (٦٩) من طريق أبي الوليد بإسناده مثله. وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو بن علقمة الليثي فإنه حسن الحديث. وأخرجه الحاكم (١/ ٣٨١) من طريق أبي الوليد الطيالي بإسناده. • عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ : "إن المؤمن في قبره لفي روضةٍ خضراء، ويُرْحَبُ له قبرُه سبعون ذراعًا، وينور له كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيما أنزلتْ هذه الآية: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ أتدرون ما المعيشة الضنكة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم قال: "عذاب الكافر في قبره والذي نفسي بيده، إنه يسلَّط عليه تسعة وتسعون تِنِّينًا، أتدرون ما التِّنيِّنُ؟ سبعون حيةٌ، لكل حيةٍ سبع رؤوس يلسعونه، ويخدشونه إلى يوم القيامة".

стр. 2382

حسن: رواه ابن حبان في صحيحه (٣١٢٢) عن عبد الله بن محمد بن سلم، قال: حدثنا حرملة ابن يحيى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن أبا السمح حدَّثه عن ابن حُجيرة، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في أبي السمح، وهو دراج بن سمعان وثَّقه ابن معين والدارمي، وقال أبو داود: أحاديثه مستقيمة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وتكلم فيه غير واحد من أهل العلم منهم الإمام أحمد والنسائي وأبو حاتم والدارقطني وغيرهم، والخلاصة فيه أنه حسن الحديث، وفي حديثه عن أبي الهيثم ضعفٌ" وهذا ليس من حديثه. ورواه البيهقي في "إثبات عذاب القبر" (٨٠) من طريق عبد الله بن وهب، ورواه البزار "كشف الأستار" (٢٢٣٣) من طريق آخر عن ابن حجيرة، وفيه قال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٦٧): "من لم أعرفه". • عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "معيشة ضنكا - قال: عذاب القبر". صحيح: رواه الحاكم (٢/ ٣٨١)، -وعنه البيهقي في "إثبات عذاب القبر" (٧١) - عن أبي زكريا العنبري، ثنا محمد بن عبد السلام، ثنا إسحاق، أنبأ النضر بن شُميل، ثنا حماد بن سلمة، عن أبي حازم المدني، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد فذكره. وقال: "صحيح على شرط مسلم". وقال ابن كثير في تفسيره: "إسناده جيد". ورواه عبد الرزاق (٦٧٤١) عن ابن عيينة، عن أبي حازم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري قال: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ولم يرفعه، والرفع زيادة في العلم وهي مقبولة عند جماهير أهل العلم. ١١ - باب ما روي في الجلد في القبر رُوي عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "أُمِرَ بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة، فجلد جلدة واحدة، فامتلأ قبره عليه نارا، فلما ارتفع عنه قال: علام جلدتموني؟ قالوا: إنك صليت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره". رواه الطحاوي في "مشكل الآثار" (٣١٨٥) عن فهد بن سليمان، قال: حدثنا عمرو بن عون الواسطي، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن عاصم، عن شقيق، عن ابن مسعود، فذكره. وإسناده لا بأس به ولكن في متنه غرابة. وذكره المنذري في "الترغيب والترهيب" (٣٤٢٣) بصيغة التمريض، وعزاه إلى أبي الشيخ ابن حبان في كتاب التوبيخ.

стр. 2383

١٢ - باب إن المؤمن والكافر جميعًا يُسْألان وإن أهل القبور تعرض عليهم مقاعدهم في كل يوم مرّتين • عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولَّى عنه أصحابه -إنه يسمع قرعَ نعالهم- أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد ﷺ ؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة فيراهما جميعًا، وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنتَ تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنتُ أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دَريتَ ولا تليتَ، ويضربُ بمطارق من حديد ضربةً، فيصيحُ صيحةً يسمعها من يليه غيرَ الثقلين". متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٣٨)، ومسلم في صفة الجنة (٢٨٧٠/ ٧١) كلاهما من حديث يزيد بن زريع، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس فذكره، ولفظهما قريب. وفي مسلم: قال قتادة: وذكر لنا أن يُفسح له في قبره سبعون ذراعًا، ويُملأ عليه خضِرًا إلى يوم يُبعثون. • عن عبد الله بن عمر قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقْعَدُه بالغداة والعشيِّ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة". متفق عليه: رواه مالك في الجنائز (٤٧) عن نافع، عن ابن عمر فذكره. ورواه البخاري في الجنائز (١٣٧٩) عن إسماعيل، ومسلم في الجنة (٢٨٦٦) عن يحيى بن يحيي -كلاهما عن مالك به مثله. • عن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولما يُلْحد، فجلس رسولُ الله ﷺ ، وجلسنا حوله، كأنّ على رؤوسنا الطير، وفي يده عودٌ ينكُتُ به في الأرض، فرفع رأسَه، فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرّتين أو ثلاثًا، ثم قال: "إنَّ العبدَ المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيضُ الوجوه، كأنَّ وجوهَهُمُ الشمسُ، معهم كَفَنٌ مِن أكْفَانِ الجَنَّةِ، وحَنُوطٌ مِن حَنُوطِ الجنَّة، حتى يجلِسُوا منه مَدَّ البصر، ثم يجئُ ملكُ الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيَّتُها النفس الطيِّبة، اخْرُجي إلى مغفرة من الله ورضوان". قال: "فتخرجُ تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذُها، فإذا أخذها لم

стр. 2384

يَدَعُوها في يده طرفةَ عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسْكٍ وُجِدَتْ على وجه الأرض". قال: "فيصعدون بها، فلا يمُرُّون -يعني بها- على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروحُ الطيب؟ ! فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يُسَمُّونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم فيشيِّعُهُ من كل سماء مُقَرَّبُوها إلى السماء التي تليها، حتى يُنْتَهَى به إلى السماء السابعة، فيقولُ الله : اكتبوا كتاب عبدي في عِلِّيين، وأَعيدُوه إلى الأرض، فإني منها خلقتُهم، وفيها أعيدُهُم، ومنها أُخرجُهُمْ تارة أخرى". قال: "فتعاد روحُه في جَسَدِه، فيأتيه مَلَكان، فَيُجْلِسَانِه، فيقولان له: من رَبُّكَ؟ فيقولُ: رَبِّيَ الله، فيقولان له: ما دِينُكَ؟ فيقولُ: ديني الإسلامُ، فيقولان له: ما هذا الرَّجُلُ الذي بُعِثَ فيكُمْ؟ فيقول: هو رسولُ الله ﷺ ، فيقولان له: وما عِلْمُك؟ فيقول: قرأتُ كتاب الله، فآمنتُ به وصَدَّقتُ، فيُنادي مناد في السماء: أن صدق عبدي، فأفْرِشُوه من الجنَّةِ، وأَلْبِسُوهُ من الجنَّة، وَافْتَحُوا له بابًا إلى الجنَّة". قال: "فيأتيه من رَوْحِها وطيبها، ويُفْسَحُ له في قبره مَدَّ بصره". قال: "ويأْتيه رجل حسن الوجه، وحسن الثياب، طيبُ الريح، فيقول: أبْشِرْ بالذي يَسُرُّكَ، هذا يومُكَ الذي كُنْتَ توعدُ، فيقول له: من أنتَ؟ فوجهُك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملُكَ الصالحُ، فيقول: ربِّ أقِم الساعة حتى أرجعَ إلى أهلي ومالي". قال: "وإنَّ العبد الكافر إذا كان في القطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكةٌ سُودُ الوجوه، معهم المُسُوحُ، فيجلسُون منه مَدَّ البصر، ثم يجيءُ ملَكُ الموتِ حتى يجلِسَ عندَ رأسه، فيقولُ: أيَّتُها النفسُ الخبيثةُ! ، اخْرُجي إلى سَخَطٍ مِنَ الله وغَضَب". قال: "فتفرَّقُ في جسده، فينتَزِعُها كما يُنْتَزَعُ السُّفُّودُ من الصُّوفِ المبلول، فيأْخُذُها، فإذا أخذها لم يَدَعُوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المُسُوح، ويخرج منها كأنتنِ ريح جيفةٍ وُجدتْ على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يَمُرُّوَنَ بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروحُ الخَبيثُ؟ ! فيقولون:

стр. 2385

فلانُ بن فلانٍ، بأقبح أسمائه التي كان يُسَمَّى بها في الدنيا، حتى يُنْتَهَى به إلى السماء الدنيا، فيُسْتَفْتَح له، فلا يفتح له" ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] فيقول الله : اكتبوا كتابَهُ في سجِّين في الأرض السُّفْلي، فتُطْرَحُ رُوحُه طرحًا". ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] فتعاد رُوحُهُ في جسده، ويأتيه ملكان، فيُجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينُك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقولُ: هاه هاه لا أدري، فينادي منادٍ من السماء أن كذب فأَفْرِشوا له من النار، وافْتَحُوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حَرِّها وسَمُومها، ويُضَيَّقُ عليه قبْرُهُ حتَّى تَخْتَلِفَ فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيحُ الوجه، قبيحُ الثياب، مُنْتِنُ الريح، فيقول: أبْشِرْ بالذي يَسُوؤكَ، هذا يَومُكَ الذي كنت تُوعد، فيقول: من أنت؟ فوجهُك الوجهُ الذي يجي بالشرِّ، فيقول: أنا عملُك الخبيثُ، فيقول: ربِّ لا تُقِم الساعة". حسن: رواه أبو داود (٤٧٥٣) عن هنَّاد بن السري، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن زاذان، عن البراء فذكر الحديث. والحديث رواه هناد بن السري في كتابه "الزهد" (٣٣٩) والإمام أحمد (١٨٥٣٤) كلاهما عن أبي معاوية، واللفظ للإمام أحمد، ولفظ هناد نحوه. ورواه النسائي (٢٠٠١)، وابن ماجه (١٥٤٩) كلاهما من طريق المنهال بن عمرو به مختصرًا جدًّا. وإسناده حسن من أجل المنهال بن عمرو فإنه "صدوق"، وقد صحَّحه الحاكم (١/ ٣٧ - ٣٩) وقال: "على شرط الشيخين، فقد احتجا جميعًا بالمنهال بن عمرو وزاذان أبي عمر الكندي، وفي هذا الحديث فوائد كثيرة لأهل السنة، وقمع للمبتدعة، ولم يخرجاه بطوله". قلت: ليس كما قال، فإن المنهال بن عمرو من رجال البخاري فقط، وأما زاذان وهو: أبو عمر الكندي فهو من رجال مسلم، وأخرج له البخاري في "الأدب المفرد" وصحَّحه أيضًا البيهقي وأخرجه في "إثبات عذاب القبر" (٢٧) وقال: هذا حديث كبير صحيح الاسناد، رواه جماعة من الأئمة الثقات عن الأعمش" وأخرجه أيضًا في "شعب الإيمان" (٣٩٥) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد". وأما قول ابن حبان في صحيحه (٧/ ٣٨٧): "خبر الأعمش عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء، - سمعه الأعمش عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، وزاذان لم يسمعه من البراء، فلذلك لم أخرجه" فقد ردوا عليه بأن زاذان صرَّح بقوله: سمعتُ البراء بن عازب يقول:
следующие страницы →