← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

قالوا قولًا، فقلتُ كما قال الناس، فيقال له: على ذلك حييت، وعلى ذلك مُتَّ، وعلى ذلك تُبْعَثُ إن شاء الله، ثم يُفْتَحُ له باب من أبواب النار، فيقال له: هذا مقعدُك من النار، وما أعدَّ الله لك فيها، فيزدادُ حشرةٌ وثُبورًا، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة، فيقال له: ذلك مقعدك من الجنة، وما أعدَّ اللهُ لك فيه لو أطعتَه فيزدادُ حَسْرَةً وثبورًا، ثم يُضَيَّقُ عليه قبرُهُ حتى تختلِفَ فيه أضلاعُه، فتلك المعيشةُ الضَّنْكَة التي قال الله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]. حسن: رواه ابن حبان (٣١١٣) عن الحسن بن سفيان، قال: حدثنا عبد الواحد بن غياث، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت محمد بن عمرو يحدث عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو وهو ابن علقمة بن وقاص الليثي فإنه حسن الحديث. وأخرجه الحاكم (١/ ٣٧٩ - ٣٨١) من طريق سعيد بن عامر، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (٧٩) من طريق عبد الوهاب بن عطاء - كلاهما عن محمد بن عمرو، ثم رواه الحاكم من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو مختصرًا وقال: حديث سعيد بن عامر أتم، وقال: "صحيح على شرط مسلم". قلت: وهو كما قال، ومحمد بن عمرو وإن كان من رواة الجماعة إلا أن فيه كلامًا يسيرًا يجعل حديثه حسنًا. وعزاه الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٥١ - ٥٢) إلى الطبراني في "الأوسط" وحسن إسناده. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: "عذاب القبر". حسن: رواه ابن حبان (٣١١٩) عن أبي خليفة، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. وأخرجه البيهقي في إثبات عذاب القبر (٦٩) من طريق أبي الوليد بإسناده مثله. وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو بن علقمة الليثي فإنه حسن الحديث. وأخرجه الحاكم (١/ ٣٨١) من طريق أبي الوليد الطيالي بإسناده. • عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ : "إن المؤمن في قبره لفي روضةٍ خضراء، ويُرْحَبُ له قبرُه سبعون ذراعًا، وينور له كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيما أنزلتْ هذه الآية: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ أتدرون ما المعيشة الضنكة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم قال: "عذاب الكافر في قبره والذي نفسي بيده، إنه يسلَّط عليه تسعة وتسعون تِنِّينًا، أتدرون ما التِّنيِّنُ؟ سبعون حيةٌ، لكل حيةٍ سبع رؤوس يلسعونه، ويخدشونه إلى يوم القيامة".

стр. 2382

حسن: رواه ابن حبان في صحيحه (٣١٢٢) عن عبد الله بن محمد بن سلم، قال: حدثنا حرملة ابن يحيى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن أبا السمح حدَّثه عن ابن حُجيرة، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في أبي السمح، وهو دراج بن سمعان وثَّقه ابن معين والدارمي، وقال أبو داود: أحاديثه مستقيمة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وتكلم فيه غير واحد من أهل العلم منهم الإمام أحمد والنسائي وأبو حاتم والدارقطني وغيرهم، والخلاصة فيه أنه حسن الحديث، وفي حديثه عن أبي الهيثم ضعفٌ" وهذا ليس من حديثه. ورواه البيهقي في "إثبات عذاب القبر" (٨٠) من طريق عبد الله بن وهب، ورواه البزار "كشف الأستار" (٢٢٣٣) من طريق آخر عن ابن حجيرة، وفيه قال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٦٧): "من لم أعرفه". • عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "معيشة ضنكا - قال: عذاب القبر". صحيح: رواه الحاكم (٢/ ٣٨١)، -وعنه البيهقي في "إثبات عذاب القبر" (٧١) - عن أبي زكريا العنبري، ثنا محمد بن عبد السلام، ثنا إسحاق، أنبأ النضر بن شُميل، ثنا حماد بن سلمة، عن أبي حازم المدني، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد فذكره. وقال: "صحيح على شرط مسلم". وقال ابن كثير في تفسيره: "إسناده جيد". ورواه عبد الرزاق (٦٧٤١) عن ابن عيينة، عن أبي حازم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري قال: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ولم يرفعه، والرفع زيادة في العلم وهي مقبولة عند جماهير أهل العلم. ١١ - باب ما روي في الجلد في القبر رُوي عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "أُمِرَ بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة، فجلد جلدة واحدة، فامتلأ قبره عليه نارا، فلما ارتفع عنه قال: علام جلدتموني؟ قالوا: إنك صليت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره". رواه الطحاوي في "مشكل الآثار" (٣١٨٥) عن فهد بن سليمان، قال: حدثنا عمرو بن عون الواسطي، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن عاصم، عن شقيق، عن ابن مسعود، فذكره. وإسناده لا بأس به ولكن في متنه غرابة. وذكره المنذري في "الترغيب والترهيب" (٣٤٢٣) بصيغة التمريض، وعزاه إلى أبي الشيخ ابن حبان في كتاب التوبيخ.

стр. 2383

١٢ - باب إن المؤمن والكافر جميعًا يُسْألان وإن أهل القبور تعرض عليهم مقاعدهم في كل يوم مرّتين • عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولَّى عنه أصحابه -إنه يسمع قرعَ نعالهم- أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد ﷺ ؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة فيراهما جميعًا، وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنتَ تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنتُ أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دَريتَ ولا تليتَ، ويضربُ بمطارق من حديد ضربةً، فيصيحُ صيحةً يسمعها من يليه غيرَ الثقلين". متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٣٨)، ومسلم في صفة الجنة (٢٨٧٠/ ٧١) كلاهما من حديث يزيد بن زريع، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس فذكره، ولفظهما قريب. وفي مسلم: قال قتادة: وذكر لنا أن يُفسح له في قبره سبعون ذراعًا، ويُملأ عليه خضِرًا إلى يوم يُبعثون. • عن عبد الله بن عمر قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقْعَدُه بالغداة والعشيِّ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة". متفق عليه: رواه مالك في الجنائز (٤٧) عن نافع، عن ابن عمر فذكره. ورواه البخاري في الجنائز (١٣٧٩) عن إسماعيل، ومسلم في الجنة (٢٨٦٦) عن يحيى بن يحيي -كلاهما عن مالك به مثله. • عن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولما يُلْحد، فجلس رسولُ الله ﷺ ، وجلسنا حوله، كأنّ على رؤوسنا الطير، وفي يده عودٌ ينكُتُ به في الأرض، فرفع رأسَه، فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرّتين أو ثلاثًا، ثم قال: "إنَّ العبدَ المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيضُ الوجوه، كأنَّ وجوهَهُمُ الشمسُ، معهم كَفَنٌ مِن أكْفَانِ الجَنَّةِ، وحَنُوطٌ مِن حَنُوطِ الجنَّة، حتى يجلِسُوا منه مَدَّ البصر، ثم يجئُ ملكُ الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيَّتُها النفس الطيِّبة، اخْرُجي إلى مغفرة من الله ورضوان". قال: "فتخرجُ تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذُها، فإذا أخذها لم

стр. 2384

يَدَعُوها في يده طرفةَ عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسْكٍ وُجِدَتْ على وجه الأرض". قال: "فيصعدون بها، فلا يمُرُّون -يعني بها- على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروحُ الطيب؟ ! فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يُسَمُّونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم فيشيِّعُهُ من كل سماء مُقَرَّبُوها إلى السماء التي تليها، حتى يُنْتَهَى به إلى السماء السابعة، فيقولُ الله : اكتبوا كتاب عبدي في عِلِّيين، وأَعيدُوه إلى الأرض، فإني منها خلقتُهم، وفيها أعيدُهُم، ومنها أُخرجُهُمْ تارة أخرى". قال: "فتعاد روحُه في جَسَدِه، فيأتيه مَلَكان، فَيُجْلِسَانِه، فيقولان له: من رَبُّكَ؟ فيقولُ: رَبِّيَ الله، فيقولان له: ما دِينُكَ؟ فيقولُ: ديني الإسلامُ، فيقولان له: ما هذا الرَّجُلُ الذي بُعِثَ فيكُمْ؟ فيقول: هو رسولُ الله ﷺ ، فيقولان له: وما عِلْمُك؟ فيقول: قرأتُ كتاب الله، فآمنتُ به وصَدَّقتُ، فيُنادي مناد في السماء: أن صدق عبدي، فأفْرِشُوه من الجنَّةِ، وأَلْبِسُوهُ من الجنَّة، وَافْتَحُوا له بابًا إلى الجنَّة". قال: "فيأتيه من رَوْحِها وطيبها، ويُفْسَحُ له في قبره مَدَّ بصره". قال: "ويأْتيه رجل حسن الوجه، وحسن الثياب، طيبُ الريح، فيقول: أبْشِرْ بالذي يَسُرُّكَ، هذا يومُكَ الذي كُنْتَ توعدُ، فيقول له: من أنتَ؟ فوجهُك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملُكَ الصالحُ، فيقول: ربِّ أقِم الساعة حتى أرجعَ إلى أهلي ومالي". قال: "وإنَّ العبد الكافر إذا كان في القطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكةٌ سُودُ الوجوه، معهم المُسُوحُ، فيجلسُون منه مَدَّ البصر، ثم يجيءُ ملَكُ الموتِ حتى يجلِسَ عندَ رأسه، فيقولُ: أيَّتُها النفسُ الخبيثةُ! ، اخْرُجي إلى سَخَطٍ مِنَ الله وغَضَب". قال: "فتفرَّقُ في جسده، فينتَزِعُها كما يُنْتَزَعُ السُّفُّودُ من الصُّوفِ المبلول، فيأْخُذُها، فإذا أخذها لم يَدَعُوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المُسُوح، ويخرج منها كأنتنِ ريح جيفةٍ وُجدتْ على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يَمُرُّوَنَ بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروحُ الخَبيثُ؟ ! فيقولون:

стр. 2385

فلانُ بن فلانٍ، بأقبح أسمائه التي كان يُسَمَّى بها في الدنيا، حتى يُنْتَهَى به إلى السماء الدنيا، فيُسْتَفْتَح له، فلا يفتح له" ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] فيقول الله : اكتبوا كتابَهُ في سجِّين في الأرض السُّفْلي، فتُطْرَحُ رُوحُه طرحًا". ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] فتعاد رُوحُهُ في جسده، ويأتيه ملكان، فيُجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينُك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقولُ: هاه هاه لا أدري، فينادي منادٍ من السماء أن كذب فأَفْرِشوا له من النار، وافْتَحُوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حَرِّها وسَمُومها، ويُضَيَّقُ عليه قبْرُهُ حتَّى تَخْتَلِفَ فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيحُ الوجه، قبيحُ الثياب، مُنْتِنُ الريح، فيقول: أبْشِرْ بالذي يَسُوؤكَ، هذا يَومُكَ الذي كنت تُوعد، فيقول: من أنت؟ فوجهُك الوجهُ الذي يجي بالشرِّ، فيقول: أنا عملُك الخبيثُ، فيقول: ربِّ لا تُقِم الساعة". حسن: رواه أبو داود (٤٧٥٣) عن هنَّاد بن السري، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن زاذان، عن البراء فذكر الحديث. والحديث رواه هناد بن السري في كتابه "الزهد" (٣٣٩) والإمام أحمد (١٨٥٣٤) كلاهما عن أبي معاوية، واللفظ للإمام أحمد، ولفظ هناد نحوه. ورواه النسائي (٢٠٠١)، وابن ماجه (١٥٤٩) كلاهما من طريق المنهال بن عمرو به مختصرًا جدًّا. وإسناده حسن من أجل المنهال بن عمرو فإنه "صدوق"، وقد صحَّحه الحاكم (١/ ٣٧ - ٣٩) وقال: "على شرط الشيخين، فقد احتجا جميعًا بالمنهال بن عمرو وزاذان أبي عمر الكندي، وفي هذا الحديث فوائد كثيرة لأهل السنة، وقمع للمبتدعة، ولم يخرجاه بطوله". قلت: ليس كما قال، فإن المنهال بن عمرو من رجال البخاري فقط، وأما زاذان وهو: أبو عمر الكندي فهو من رجال مسلم، وأخرج له البخاري في "الأدب المفرد" وصحَّحه أيضًا البيهقي وأخرجه في "إثبات عذاب القبر" (٢٧) وقال: هذا حديث كبير صحيح الاسناد، رواه جماعة من الأئمة الثقات عن الأعمش" وأخرجه أيضًا في "شعب الإيمان" (٣٩٥) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد". وأما قول ابن حبان في صحيحه (٧/ ٣٨٧): "خبر الأعمش عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء، - سمعه الأعمش عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، وزاذان لم يسمعه من البراء، فلذلك لم أخرجه" فقد ردوا عليه بأن زاذان صرَّح بقوله: سمعتُ البراء بن عازب يقول:

стр. 2386

فذكر الحديث، ذكره أبو عوانة الإسفرائيني في "صحيحه" كما قال ابن القيم في "تهذيب السنن" (٤/ ٣٣٧). • عن أبي هريرة نحو حديث البراء إلا أنه قال: "ارقد رقدة المتقين المؤمنين" ويقال للفاجر: "ارقد منهوشًا". قال: "فما من دابة إلا ولها في جسده نصيب". حسن: رواه الحاكم (١/ ٣٨) وعنه البيهقي في إثبات "عذاب القبر" (٣٦) عن أبي الحسن محمد بن عبد الله العمري، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا علي بن المنذر، ثنا محمد بن فُضيل، حدثني أبي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه مدلس ولكنه صرَّح بالتحديث. وهو حسن الحديث. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قُبر الميتُ (أو قال أحدكم) أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكرُ والآخرُ النكيرُ، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقولُ ما كان يقولُ: هو عبد الله ورسولُه، أشهدُ أن لا إله إلا الله وأن مُحمدًا عبدُهُ ورسولُه، فيقولان: قد كنا نعلمُ أنَّكَ تقولُ هذا، ثم يُفْسَحُ له في قبره سبعون ذراعًا في سبعينَ، ثم يُنوَّرُ له فيه، ثم يقال له: نَمْ، فيقولُ أرْجعُ إلى أهلي فأخْبرُهُم؟ فيقولان: نَمْ كنومَةِ العروسِ الذي لا يُوقِضُهُ إلا أحبُّ أهله إليه، حتى يبْعثَهُ الله من مَضْجَعِه ذلك. وإن كان مُنافقًا قال: سمعتُ الناسَ يقولونَ فقلتُ مثلهُ، لا أدري، فيقولان: قد كُنَّا نعلم أنك تقولُ ذلك، فيقالُ للأرضِ: التَثمي عليه. فتلْتَئمُ عليه. فتختلفُ أضلاعُهُ، فلا يَزالُ فيها مُعذَبًا حتى يبعَثَهُ الله من مضجَعِهِ ذلك". حسن: رواه الترمذي (١٠٧١) عن أبي سلمة يحيى بن خلف، حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة فذكر الحديث. قال الترمذي: حسن غريب. قلت: وهو كما قال، فإن فيه عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله بن الحارث العامري المدني، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات، وأخرجه ابن حبان (٣١١٧) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق بإسناده مثله. • عن عائشة قالت: جاءت يهودية، فاستطعمتْ على بابي، فقالت: أطْعِموني، أعاذكم الله من فتنة الدّجال، ومن فتنة عذاب القبر، قالت: فلم أزل أحبسها، حتى جاء رسولُ الله ﷺ ، فقلتُ: يا رسول الله! ، ما تقولُ هذه اليهودية؟ قال: "وما تقولُ؟ " قلت: تقول: أعاذكم الله من فتنة الدجال، ومن فتنة عذاب القبر! قالت: عائشة: فقام رسول الله ﷺ ، فرفع يدَيه مَدًّا يستعيذُ بالله من فتنة الدجال، ومن فتنة

стр. 2387

عذاب القبر، ثم قال: "أما فتنة الدجال، فإنه لم يكن نبيٌّ إلا قد حذَّر أمَّته، وسأُحذِّرُكُموه تحذيرًا لم يحذِّرْه نبيٌّ أمته، إنه أعورُ، والله ليس بأعور، مكتوبٌ بين عينيه: كافر، يقرؤُه كلُّ مؤمن، فأمَّا فتنة القبر، فبي تُفْتَنُون، وعَنّي تُسْألون، فإذا كان الرجلُ الصالحُ، أُجلس في قبره غير فزع، ولا مشعوف، ثم يقال له: فيم كنت؟ فيقول: في الإسلام -فيقالُ: ما هذا الرجلُ الذي كان فيكم؟ فيقولُ محمدٌ. رسول الله ﷺ ، جاءنا بالبيِّنات من عند الله ، فصَدَّقْناه، فيُفْرَجُ له فرجة قبل النار، فينظر إليها يحطِمُ بعضُها بعضًا، فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله ، ثم يفرج له فُرْجَةٌ إلى الجنة، فينظر إلى زَهْرَتِها وما فيها، فيُقالُ له: هذا مَقْعَدُكَ منها، ويُقالُ: على اليَقِين كُنْتَ، وعَلَيْهِ مِتَّ، وعَلَيه تُبْعَثُ إن شاء الله. إذا كان الرجل السوء، أُجْلِسَ في قبره فزعًا مشعوفًا، فيقال له: فيمَ كنتَ؟ فيقولُ: لا أدري، فيُقال: ما هذا الرجُلُ الذي كان فيكم؟ فيقولُ: سَمِعْتُ الناس يقولون قولًا، فقُلْتُ كما قالوا، فتُفْرَجُ له فَرْجَةٌ قِبَلَ الجَنَّة، فينظُرُ إلى زَهْرَتِها وما فيها فيُقالُ له: انظُرْ إلى ما صَرَفَ الله عنك، ثُمَّ يُفْرَجُ له فُرْجَةٌ قِبَلَ النَّار، فَيَنْظُرُ إليها يَحْطِمُ بعضها بعضًا، ويقالُ له: هذا مقعدك منها، كنتَ على الشَّكِّ، وعليه مِتَّ، وعليه تُبْعَث إن شاء الله، ثُمَّ يُعَذَّبُ". صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٥٠٨٩) عن يزيد بن هارون قال: أخبرنا ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ذكوان، عن عائشة فذكرته. وإسناده صحيح، وقد عزاه الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٤٨ - ٤٩) لأحمد وسكت عليه، وأورده المنذري في "الترغيب والترهيب" (٤/ ٢٦٧ - ٢٦٩) وقال: رواه أحمد بإسناد صحيح". وقولها: "مشعوف" من الشعف وهو شدة الفزع حتى يذهب بالقلب. • عن أبي الزبير أنه سأل جابر بن عبد الله، عن فتَّانَي القَبْر، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن هذه الأمَّة تُبتلى في قُبورِها، فإذا أُدْخِلَ المُؤْمِنُ قَبْرَه، وتَوَلَّى عنه أصحابُه، جاء مَلَكٌ شديدُ الانْتِهار، فيقولُ له: ما كُنْتَ تقولُ في هذا الرَّجلِ؟ فيقولُ المُؤمِنُ: أقولُ: إنَّه رسولُ الله وعَبْدُه، فيقولُ له المَلَكُ: انظُرْ إلى مَقْعَدِكَ الذي كان لك في النار قد أنجاكَ الله منه، وأبدَلَكَ بمَقْعَدِكَ الذي تَرَى من النار، مَقْعَدَكَ الذي تَرَى من الجنة، فيراهُما كِلاهُما، فيقولُ المُؤْمِنُ: دَعُوني أُبَشِّرْ أهلي، فيُقالُ له: اسْكُنْ، وأمَّا المُنافِقُ، فيُقْعَدُ إذا تَوَلَّى عنه أهله، فيقال له: ما كُنْت تقولُ في هذا

стр. 2388

الرجل؟ فيقولُ: لا أدري، أقولُ ما يقولُ الناسُ، فيقال له: لا دَرَيْتَ، هذا مقْعَدُكَ الذي كان لَكَ من الجنة، قد أُبْدِلْتَ مكانَه مَقْعدَكَ من النار". قال جابر: فسمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ في القبرِ على ما مات: المؤمنُ على إيمانه، والمنافقُ على نفاقِه". صحيح: رواه عبد الرزاق (٦٧٤٤، ٦٧٤٦) عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول فذكره. وإسناده صحيح. ورواه الإمام أحمد (١٤٧٢٢)، والطبراني في "الأوسط" (٩٠٧٢) كلاهما من طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير أنه سأل جابر بن عبد الله واللفظ للإمام أحمد، وابن لهيعة فيه كلام، ولكنه قد توبع في الإسناد الأول. وأما ما رُوي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ ذكر فتَّان القبور، فقال عمر: أتُرد علينا عقولُنا يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم كهيتكم اليوم" فقال عمر: "بفيه الحجر". فهو ضعيف. رواه الإمام أحمد (٦٦٠٣) عن حسن (ابن موسى الأشيب) حدثنا ابن لهيعة، حدثني حُيي بن عبد الله، أن أبا عبد الرحمن حدَّثه، عن عبد الله بن عمرو فذكره. وابن لهيعة فيه كلام معروف، ولكن رواه ابن حبان في صحيحه (٣١١٥) من طريق ابن وهب، قال: حدثني حُييُّ بن عبد الله بإسناده فذكره. وحُيَيُّ بن عبد الله المعافري قال فيه أحمد: "أحاديثه مناكير"، وقال البخاري: "فيه نظر"، وقال النسائي: "ليس بالقوي"، وذكره العقيلي وابن الجوزي وغيرهما في "الضعفاء"، وتساهل فيه ابن حبان فأورده في "الثقات" وأخرج عنه في صحيحه، ولعله اعتمد فيه على قول ابن معين: "ليس به بأس"، ولم ينظر إلى كلام الأئمة السابقين. وكذلك قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٤٧): "رواه أحمد والطبراني في "الكبير"، ورجال أحمد رجال الصحيح" وهو ليس كما قال، لأن ابن لهيعة وحُيَيَّ بن عبد الله ليسا من رجال الصحيح. والفتان هما الملكان السائلان. وقصة فتاني القبر أخرجها الحافظ البيهقي فيه "إثبات عذاب القبر" (١١٦) بعدة أسانيد، وها أنا أسوقها مع التعليق عليها. قال البيهقي رحمه الله تعالى: أخبرني محمد بن عبد الله الحافظ، ومحمد بن موسى بن الفضل قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني، ثنا منصور بن أبي مزاحم، ثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عطاء بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: "يا عمر! كيف بك إذا أنت أعد لك من الأرض ثلاث أذرع وشبر في عرض ذراع وشبر، ثم قام إليك أهلوك فغسلوك، وكفنوك، وحنطوك، ثم احتملوك حتى يغيبوك ثم يهيلوا عليك

стр. 2389

التراب، ثم انصرفوا عنك فأتاك فتانا القبر "منكر" و"نكير" أصواتهما مثل الرعد القاصف, وأبصارهما كالبرق الخاطف، قد سدلا شعورهما فتلتلاك وتوهلاك وقالا: من ربك؟ وما دينك؟ ". قال: يا نبي الله! ويكون معي قلبي الذي معي اليوم؟ . قال: "نعم". قال: إذًا أكفيكهما بالله تعالي. قلت: وهذا مرسل. وقال رحمه الله تعالى: وأخبرنا محمد بن عبد الله، ومحمد بن موسى قالا: حدثنا أبو العباس، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا محمد بن عمر، ثنا عبد الله بن الفضيل بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن أبي غطفان، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنت يا عمر إذا انتهى بك إلى الأرض فحفر لك ثلاثة أذرع وشبر، ثم أتاك "منكر" و"نكير" أسودان، يجران أشعارهما، كأن أصواتهما الرعد القاصف، وكأن أعينهما البرق الخاطف، يحفران الأرض بأنيابهما، فأجلساك فزعًا فتلتلاك وتوهلاك؟ ". قال: يا رسول الله! وأنا يومئذ على ما أنا عليه؟ . قال: "نعم". قال: أكفيكهما بإذن الله يا رسول الله. قلت: وفيه محمد بن عمر وهو الواقدي متروك. وقال رحمه الله تعالى: وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ في (التاريخ) أخبرني سليمان بن محمد بن ناجية، ثنا محمد بن إسحاق بن راهويه، ثنا علي بن عبد الله المدني، ثنا مفضل بن صالح، عن إسماعيل بن [أبي] خالد، عن أبي سهيل، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا عمر! كيف أنت إذا كنت في أربع من الأرض في ذراعين فرأيت "منكرًا، و "نكيرًا؟ ". قال: يا رسول الله! وما منكر ونكير؟ قال: "فتانا القبر، أبصارهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، معهما "مرزبة" لو اجتمع عليها أهل مني ما استطاعوا رفعها، هي أهون عليهما من عصاي هذه، فامتحناك فإن تعاييت أو تلويت ضرباك بها ضربة تصير بها رمادًا". قال: يا رسول الله: وإني على حالتي هذه؟ قال: "نعم". قال: أرجو أكفيكهما. قلت: قال في "الاعتقاد" (ص ٢٢٣): غريب بهذا الإسناد، تفرد به مفضل هذا، وقد رويناه من وجه آخر عن ابن عباس، ومن وجه آخر صحيح، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ مرسلًا في قصة عمر، وقال: "ثلاثة أذرع في عرض ذراع وشبر" ولم يذكر المرزبة، انتهى. قلت: مفضل بن صالح أبو جميلة الكوفي النخَّاس - بالنون والخاء - قال فيه البخاري وغيره: منكر الحديث" وأورد حديثه هذا الذهبي في "الميزان" (٤/ ١٦٨) من وجه آخر عن مفضل بن صالح، حدثنا إسماعيل من أبي خالد، عن أبي شمر، عن عمر فذكره. وقال: أبو شهم، ويقال: أبو شمر فيه جهالة. وقال في ترجمة "أبو شهر" عن عمر، وعنه ابن أبي خالد بخبر منكر: في منكر ونكير، مر في مفضل بن صالح، لا يُعرف، وقيل: مصحف أبو شهم، وقيل: أبو شمر، وقيل: أبو سُهيل" انتهى (٤/ ٥٣٧).

стр. 2390

١٣ - باب إن الله يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت في القبر، ويُضل الله الظالمين في القبر • عن البراء بن عازب، عن النبي ﷺ قال: "إذا أُقْعِد المؤمن في قبره، أُتي ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٦٩) عن حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن البراء بن عازب فذكره. ورواه مسلم في الجنة (٢٨٧١) من طرق، عن محمد بن جعفر غندر، عن شعبة بإسناده قال النبي ﷺ : "نزلت في عذاب القبر فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ونبي محمد ﷺ فذلك قوله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾. ورواه البخاري في التفسير (٤٦٩٩) عن أبي الوليد، عن شعبة بإسناده أن رسول الله ﷺ قال: "المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ". • عن أبي سعيد الخدري قال: شهدتُ مع رسول الله ﷺ جنازةً فقال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس! إن هذه الأمة تُبْتَلى في قبورها، فإذا الإنسان دُفِنَ، فتفرَّقَ عنه أصحابه، جاءَهُ ملكٌ في يده مِطْراقٌ، فأقعده، قال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنًا قال: أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه، فيقولُ: صدَقْتَ، ثم يفتح له باب إلى النار، فيقول: هذا كان منزِلَكَ لو كفَرْت بربِّك، فأما إذ آمَنتَ فهذا منزِلُك، فيُفْتَحُ له باب إلى الجنة، فيُريدُ أن ينْهض إليه، فيقول له: اسْكُنْ، ويُفْسَحُ له في قبره، وإن كان كافرًا أو منافقًا يقول له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، سمعتُ الناس يقولون شيئًا، فيقول: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيتَ ولا اهْتَدَيْتَ، ثم يُفتح له باب إلى الجنة، فيقول: هذا منزلُكَ لو آمنتَ بربِّك، فأما إذ كفرت به، فإن الله أبْدَلَكَ به هذا، ويُفْتَح له باب إلى النار، ثم يَقْمعه قمعةً بالمطراق يَسْمَعُها خلقُ الله كلُّهم غير الثقلين"، فقال بعضُ القوم: يا رسول الله، ما أحد يقوم عليه مَلَك في يده مطراق إلا هيل عند ذلك، فقال رسولُ الله ﷺ : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. حسن: رواه الإمام أحمد (١١٠٠٠) والبزار "كشف الأستار" (٨٧٢) كلاهما من حديث أبي

стр. 2391

عامر عبد الملك بن عمرو، ثنا عباد بن راشد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد فذكره. وإسناده حسن من أجل عباد بن راشد فإنه مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث، وله في البخاري (٤٥٢٩) حديث واحد، وبقية رجاله ثقات، ولذا قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٤٨): "رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح". • عن أبي هريرة قال: تلا رسول الله ﷺ : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ فقال: ذلك إذا قيل له في القبر: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيي جاءنا بالبينات من عند الله فآمنتُ به، وصدقته فيقال: صدقت على هذا حييت، وعليه تبعث إن شاء الله". حسن: رواه البيهقي في "إثبات عذاب القبر" (٨) عن محمد بن عبد الله بن محمد، عن عبد الرحمن بن الحسن القاضي بهمدان، ثنا إبراهيم بن الحسين، ثنا آدم بن أبي إياس، ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. ورواه الطبري في تفسيره من وجه آخر عن آدم بن أبي إياس، وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو وهو ابن علقمة الليثي فإنه حسن الحديث. • عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ : "وذكر الكافر حين تُقبض روحه قال: فتعاد روحُه في جَسده، قال: فيأتيه ملكان شديد الانتهار فيجلسانه فيتهرانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: لا أدري، قال: فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: لا أدري، قال: فيقال له: ما هذا النبي الذي بُعث فيك؟ قال: فيقول: سمعت الناس يقولون ذلك، لا أدري قال: فيقولان: لا دريتَ قال: وذلك قول الله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ". حسن: رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ٢١٨) من طريق أبي عوانة، عن الأعمش، عن المنهال ابن عمرو، عن زاذان، عن البراء فذكره، وهو حديث طويل سبق ذكره في الباب الذي قبله. وهو الذي قال فيه البيهقي في "إثبات عذاب القبر" (٢٧): "هذا حديث كبير صحيح الإسناد، رواه جماعة من الأئمة الثقات عن الأعمش". وإسناده حسن من أجل المنهال بن عمرو فإنه "صدوق". ومعنى قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧] أي تثبيتُه إياهم في الحياة الدنيا بالإيمان بالله وبرسوله ﷺ ، وفي الآخرة بمثل الذي ثبتهم به في الحياة الدنيا، وذلك في قبورهم حين يُسألون عن

стр. 2392

الذي هم عليه من التوحيد والإيمان برسوله ﷺ . وقوله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ فإنه يعني أن الله لا يوفق المنافق والكافر في الحياة الدنيا وفي الآخرة عند المسألة في القبر لما هدى له المؤمن من الإيمان بالله ورسوله ﷺ . انظر "تفسير الطبري" (١٣/ ٢١٨). وأما ما رُوي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "بي يُفتن أهل القبور، وفيّ نزلت هذه الآية: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] ". فهو ضعيف. رواه البيهقي في "إثبات عذاب القبر" (١٥) من طريق محمد بن إسحاق الصغاني، ثنا محمد بن عمر الأسلمي، قال عبد السلام بن حفص: ثنا عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن عائشة قالت: فذكرته. ومحمد بن عمر هو الواقدي الأسلمي متروك. ١٤ - باب ما جاء أنَّ الشهيد لا يُفْتتن في قبره • عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رجلًا قال: يا رسول الله! ما بال المؤمنين يُفْتتَنُونَ في قبورهم إلَّا الشهيد؟ قال: "كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة". صحيح: رواه النسائي (٢٠٥٣) عن إبراهيم بن الحسن قال: حدثنا حجاج، عن ليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، أن صفوان بن عمْرو حدَّثه عن راشد بن سعد، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ فذكره. ورجاله ثقات إلَّا أنَّ راشد بن سعد ثقة يُرسل، فقد سمع جماعة من الصحابة وأرسل عن سعد بن أبي وقاص، واختلف في سماعه من ثوبان فنفاه الإمام أحمد، وأثبته البخاري في "الأدب المفرد". والذي أرجوه أنَّهُ سمع هذا الحديث عن أحد من الصحابة ولم يُرسلهُ. • عن المقدام بن معد يكرب، عن رسول الله ﷺ قال: "للشهيد عند الله ست خصال: ... " وذكر منها: "ويُجار من عذاب القبر". حسن: رواه ابن ماجه (٢٧٩٩) عن هشام بن عمار، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثني بَحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معد يكرب فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجْل إسماعيل بن عياش فإنه حسن الحديث إذا روى عن أهل بلده الشاميين، وبَحير بن سعد منهم من حمص، ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (١٧١٨٢)، وتابعه بقية بن الوليد فرواه عن بحير بن سعد بإسناده مثله رواه الترمذي (١٦٦٣) وقال: "حسن صحيح غريب". قلت: وفيه بقية بن الوليد وهو مدلس لكنْ تقبل عنعنتُه عن بحير بن سعد كما قال ابن عبد الهادي في تعليقه على علل ابن أبي حاتم. . وللحديث أسانيد أخرى من حديث إسماعيل بن عياش فإنه جعله مرة من مسند ابن معد يكرب،

стр. 2393

وأخرى من مسند عبادة بن الصامت رواه الإمام أحمد (١٧١٨٣) عن الحكم بن نافع، حدثنا ابن عياش، عن بَحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ . فلعله سمع هذا الحديث من شيخه بَحير بن سعد من وجهين، لأنَّه حمصي وسماعه من أهل بلده صحيح، فلا اضطراب في الإسناد. • عن قيس الجذامي -رجل كانت له صحبة- قال: قال النبي ﷺ : "يُعطى الشهيد ست خصال عند أول قطرةٍ من دمه: يُكَفَّر عنه كلُّ خطيئةٍ، ويُرَى مقعَده من الجنة، ويُزَوَّج من الحُور العِين، ويُؤْمَن من الفَزَعِ الأكبر، ومن عذاب القبر، ويُحَلَّى حُلَّة الإيمان". حسن: رواه الإمام أحمد (١٧٧٨٣) عن زيد بن يحي الدمشقي، قال: حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن كثير بن مرة، عن قيس الجُذامي فذكره. ورجال إسناده ثقات غير ابن ثوبان وهو: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان الشامي اختلف فيه قول ابن معين فقال مرة: هو ضعيف وأبوه ثقة، وأخرى قال: ليس به بأس، وقال: ابن ثوبان أصله من خراسان، نزل الشام، ولم يذكروه إلَّا بخير، وترجمه ابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٥٩١ - ١٩٩٣) وقال: "وقد كتبت حديثه عن ابن جوصاء وأبي عروبة من جميعهما، ويبلغ أحاديث صالحة، وكان رجلًا صالحًا، ويكتب حديثُه على ضعفه". ولكن خالفه سفيان فرواه عن برد بن سنان عن مكحول وأوقفه عليه، أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٠٧) عن وكيع، عن سفيان. وبرد بن سنان هو أبو العلاء الدمشقي وثَّقه ابن معين وغيره، وضعَّفه علي بن المديني، وعلى ترجيح الوقف، فإن له حكم الرفع، فإن إثبات العذاب والثواب ونهيه لا يقال بالرأي في حين رواه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٥٧٢٣) من وجه آخر عن أبي توبة الربيع بن نافع، ثنا الهيثم بن حُميد، عن زيد بن واقد، عن كثير بن مرة به مرفوعًا وفيه: "ويجار من عذاب القبر". والهيثم بن حميد هو الغساني وثَّقه ابن معين وأبو داود، وقال النسائي: "ليس به بأس". وهذه متابعة قوية لحديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان. وقيس الجذامي هو: ابن زيد بن جبار، وفي "الإصابة": ابن جبار، الجذامي، جمهور أهل العلم أثبتوا أن له صحبة، إلَّا ابن أبي حاتم فإنه نفي ذلك، والصواب ما قاله الجمهور، وقد أورد الحافظ في "الإصابة" قصة وفدِه على النبي ﷺ والدعاء له.

стр. 2394

١٥ - باب من قتله بطنُه لا يُعَذَّب في قبره • عن عبد الله بن يسار قال: كنتُ جالسًا، وسليمانُ بن صُرد وخالد بن عرفُطة فذكروا أن رجلًا توفِّيَ، مات ببطْنِه فإذاهما يشتهيان أن يكونا شهداءَ جنازته، فقال أحدهما للآخر: ألم يَقُل رسول الله ﷺ : "من يقتله بَطْنُه فلن يُعذَّب في قبره" فقال الآخر: بلي. صحيح: رواه النسائي (٢٠٥٢) عن محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا خالد، عن شُعبة، قال: أخبرني جامع بن شَدَّاد، قال: سمعت عبد الله بن يسار فذكره، وإسناده صحيح، وقد صحَّحه أيضًا ابن حبان (٢٩٣٣) وأخرجه الإمام أحمد (١٨٣١٠) كلاهما من حديث شعبة، ورواه الترمذي (١٠٦٤) من وجه آخر عن أبي إسحاق السبيعي، قال: قال سليمان بن صُرد الخالد بن عرفُطة (أو خالد لسليمان) فذكره، وقال: "حسن غريب من هذا الوجه، وقد رُوي من غير هذا الوجه". قلت: لعله يشير بذلك إلى الوجه الذي أخرجه النسائي وغيره كما هو عند البيهقي في "إثبات عذاب القبر" (١٦٩، ١٧٠). ١٦ - باب من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وُقِي من عذاب القبر • عن عبد الله بن عمْرو يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلمٍ يموتُ في ليلة الجمعة إلَّا بُرِئَ من فتنة القبر". حسن: رواه أحمد (٧٠٥٠) عن إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثني معاوية بن سعيد التجيبي، سمعت أبا قبيل المصري يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص فذكر الحديث. وفي هذا الإسناد صرَّح بقية بالتحديث كما صرَّح في بقية الإسناد بالسماع، فزالت منه تهمة التدليس. وهذا إسناد حسن، فإنَّ أبا قَبيل المصري هو حي بن هانئ قال فيه أحمد وابن معين وأبو زرعة: "ثقة"، وقال أبو حاتم: "صالح الحديث". ورواه الإمام أحمد أيضا (٦٦٤٦) عن سُريج، حدثنا بقية، عن معاوية بن سعيد، عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو فذكر الحديث. ورواه البيهقي في "إثبات عذاب القبر" (١٧٢) من طريق الليث بن سعد، حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، أن أبا عبد الرحمن الحبلي أخبره أن أبنًا لعياض بن عُقبة توفِّيَ يوم الجمعة، فاشتد وجده عليه، فقال له رجل من الصدف: يا أبا يحيي ألَا أُبِشِّرك بشيْءٍ سمعته من عبد الله بن عمْرو بن العاص، سمعته يقول: فذكره. ورجل من الصدف هو سنان بن عبد الرحمن الصدفي كما جاء في رواية أخرى عنده (١٧٤) من

стр. 2395

طريق ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن سنان بن عبد الرحمن الصدفي، أن عبد الله بن عمْرو بن العاص كان يقول: "من توفي يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وُقِيَ الفتان"، إلَّا أنه لم يرفعه، وحكمه الرفع، لأن فيه الإخبار عن الغيبيات، وابن وهب كان سماعه من ابن لهيعة قبل اختلاطه. أما ما رواه الترمذي (١٠٧٤) عن محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، وأبو عامر العقدي، قالا: حدثنا هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمْرو مرفوعًا: : ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلَّا وقاه الله فتنة القبر" ففيه انقطاع، فإن ربيعة بن سيف لم يسمع من عبد الله بن عمْرو، وقد أكَّدَ بذلك الترمذي نفسه فقال: "حسن غريب" وقال: هذا حديث ليس إسناده بمتصل، ربيعة بن سيف إنَّما يروي عن أبي عبد الرحمن الحُبلي، عن عبد الله بن عمْرو، ولَا نعرِفُ لربيعة سماعًا من عبد الله بن عمْرو"، هكذا في نسخة فؤاد عبد الباقي، وفي نسخة أخرى قال: "غريب" فقط وهو الصحيح، لأن الحسن والانقطاع لا يجتمعان. وللحديث طرق أخرى غير أنَّ ما ذكرته هو أصحها. وفي الباب حديثان ضعيفان: أحدهما: حديث أنس بن مالك رواه أبو يعلى (٤٠٩٩) وفي سنده يزيد الرقاشي وهو ضعيف. والثاني: حديث جابر بن عبد الله، أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٣/ ١٥٥)، وفيه عمر بن موسى ذاهب الحديث، قال أبو نعيم: "غريب من حديث جابر، تفرد به عمر بن موسى وهو مدني فيه لين". انظر للمزيد "كتاب الجمعة". ١٧ - الرباط في سبيل الله وقاية من عذاب القبر • عن سلمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عملُه الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقُه، وأمن الفُتَّان". صحيح: رواه مسلم في كتاب الإمارة (١٩١٣) عن عبد الله بن عبد الرحمن بن بهرام الدارمي، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا الليث (يعني ابن سعد) عن أيوب بن موسى، عن مكحول، عن شرحبيل بن السِّمْط، عن سلمان فذكره. وقوله: "الفُتَّان" بضم الفاء، جمع فاتن، ويحمل على أنواع من الفتن بعد الإقبار من ضغطة القبر، والسُؤال والتعذيب في القبر. وضبط بعضهم بفتح الفاء، وهو الذي يفتن المقبور بالسؤال فيعذبه. • عن فَضالة بن عبيد أن رسول الله ﷺ قال: "كل الميت يُختم على عمله إلا

стр. 2396

المرابطُ، فإنه ينمو له عملُه إلى يوم القيامة، ويُؤَمَّنُ من فُتَّانِ القبر". صحيح: رواه أبو داود (٢٥٠٠)، والترمذي (١٦٢١) كلاهما من طريق أبي هانئ الخولاني، عن عمرو بن مالك، عن فَضالة بن عبيد فذكره، واللفظ لأبي داود، ولفظ الترمذي قريب منه. وقال: "حسن صحيح". ومن هذا الوجه أخرجه ابن حبان في صحيحه (٤٦٧٤) والحاكم (٢/ ٧٩) وقال: "صحيح على شرط مسلم". قلت: إسناده صحيح إلا أنه ليس على شرط مسلم، فإن عمرو بن مالك وهو الهمداني أبو علي الجنبي لم يخرج له مسلم، وإنما أخرج له أصحاب السنن. • عن عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ميت يُختم على عمله، إلا المرابط في سبيل الله، فإنه يُجرى له أجر عملِه حتى يُبْعث، ويؤمن من فُتَّان القبر". حسن: رواه أحمد (١٧٣٥٩) عن عبد الله بن يزيد، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا مِشْرح قال: سمعت عقبة بن عامر فذكره. قال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، قال فيه: "ويؤمن من فُتَّان القبر". وابن لهيعة فيه كلام معروف إلا أن عبد الله بن يزيد وهو المقرئ سمع منه قبل اختلاطه، ورواية العبادلة عنه مستقيمة. وإسناده حسن من أجله، ومن أجل مِشْرح، وهو ابن هاعان المعافري، أبو مصعب المصري، قال فيه يحيى بن معين: "ثقة" وقال عثمان: "دراج ويشرح ليسا بكل ذاك، وهما صدوقان". وقال ابن عدي في "الكامل" (١/ ٢٤٦٠): "ولمشرح عن عقبة غير ما ذكرتُ، يروي عنه ابن لهيعة وغيره من شيوخ مصر، وأرجو أنه لا بأس به". • عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من مات مرابطًا في سبيل الله أَجرى عليه أجْرَ عمله الصالح الذي كان يعمل، وأُجْري عليه رزقُه، وأُمِن من الفُتَّان، وبعثه الله يوم القيامة آمنًا من الفَزَع". حسن: رواه ابن ماجه (٢٧٦٧) عن يونس بن عبد الأعلى، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني الليث، عن زُهرة بن معبد، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. وفيه والد زهرة وهو معبد بن عبد الله التيمي لم يوثقه أحد، وإنما ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٤٣٣) ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول" أي إذا توبع، وقد توبع فيما رواه الإمام أحمد (٩٢٤٤) عن موسى بن داود، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن موسي بن وردان، عن أبي هريرة مرفوعًا ولفظه:

стр. 2397

من مات مرابطًا وُقِي فتنة القبر، وأُومن من الفزع الأكبر، وغُدي عليه، وريح برزقِه من الجنة، وكتب له أجرُ المرابط إلى يوم القيامة" وفيه ابن لهيعة وفيه كلام معروف، ولكن تبين من متابعته بأنه لم يختلط في هذا الحديث. وأما ما رواه ابن أبي عاصم في كتاب الجهاد (٢٩٧)، والطبراني في "الأوسط" (٩٣٠٨) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة مرفوعًا ولفظه: من مات مرابطًا أُجري عليه رزقه من الجنة، ونما له عملُه إلى يوم القيامة، ووُقي فُتَّان القبر". ففيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيفٌ، ضعَّفه الإمام أحمد والنسائي وأبو زرعة، وقال ابن حبان في المجروحين: "كان يقلب الأخبار، وهو لا يعلم". وبقية الأحاديث في ذكر الرباط وفضله ستأتي في "كتاب الجهاد". ١٨ - باب إن الطاعات وقاية من عذاب القبر • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن الميت إذا وُضع في قبره إنه ليسمع خَفْقَ نعالهم حين يولون عنه فإن كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن يساره، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتي من قبل رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف إلى الناس: ما قبلي مدخل، وذكر الحديث بطوله. حسن: رواه ابن حبان (٣١١٣)، والحاكم (١/ ٣٧٩ - ٣٨١)، والبيهقي في "إثبات عذاب القبر" (١٥٤) كلهم من طرق، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكر الحديث بطوله، وسبق قبل أبواب. وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو، وهو حسن الحديث. ١٩ - باب إن أرواح المؤمنين يستخبرون عن معارفهم من أهل الأرض • عن أبي هريرة، أحسبه رفعه قال: "إن المؤمن ينزل به الموت ويعاين ما يعاين، فود لو خرجت -يعني: نفسه- والله يحب لقاءه، وإن المؤمن يصعد بروحه إلى السماء، فتأتيه أرواح المؤمنين، فيستخبرونه عن معارفهم من أهل الأرض، فإذا قال: تركت فلانا في الدنيا أعجبهم ذلك، وإذا قال: إن فلانا قد مات، قالوا: ما

стр. 2398

جيء به إلينا، وإن المؤمن يجلس في قبره فيسأل: من ربه؟ فيقول: ربي الله. فيقول: من نبيك؟ فيقول: نبي محمد ﷺ . قال: ما دينك؟ قال: ديني الإسلام. فيفتح له باب في قبره، فيقول أو يقال: انظر إلى مجلسك. ثم يرى القبر فكأنما كانت رقدة، وإذا كان عدوا لله نزل به الموت، وعاين ما عاين فإنه لا يحب أن تخرج روحه أبدا، والله يبغض لقاءه، فإذا جلس في قبره أو أجلس يقال له: من ربك؟ فيقول: لا أدري. فيقال: لا دريت، فيفتح له باب من جهنم، ثم يضرب ضربة تسمع كل دابة إلا الثقلين، ثم يقال له: نم كما ينام المنهوش". فقلت لأبي هريرة: ما المنهوش؟ قال: الذي تنهشه الدواب والحيات ثم "يضيق عليه قبره". حسن: رواه البزار في مسنده (٩٧٦٠) وعبد الله بن أحمد في السنة (١٤٤٧) كلاهما من حديث الوليد بن القاسم، نا يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره، واللفظ للبزار. وإسناده حسن من أجل يزيد بن كيسان، فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وأما قول البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة إلا الوليد بن القاسم"، فهو ليس كذلك بل رواه أيضا يحيى بن سعيد، عن يزيد بن كيسان، ومن طريقه رواه عبد الله بن أحمد في السنة (١٤٤٦). وأما ما رُوي عن أنس بن مالك مرفوعًا: "إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيرًا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللَّهم! لا تمتهم حتى تهديَهم كما هديتنا، ففيه رجل لم يسم. رواه الإمام أحمد (١٢٦٨٣) عن عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عمن سمع أنس بن مالك فذكره، وإسناده ضعيف لإبهام الواسطة بين سفيان وأنس، ولم أقف على إسناد آخر ذكر فيه هذه الواسطة. وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعا: "إن نفس المؤمن إذا قُبضتْ تلقَّاها أهل الرحمة من عباد الله، كما تَلَقَّون البشيرَ من أهل الدنيا فيقولون: انظروا صاحبكم يستريح، فإنه في كَرْبٍ شديد. ثم يسألونه: ما فعل فلان؟ وما فعلت فلانة، هل تزوجتْ؟ فإذا سألوه عن الرجل قد مات قبله فيقول: هَيْهات، قد مات ذاك قبلي، فيقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذُهب به إلى أمهِ الهاوية، بئستِ الأُم، وبئستِ المربيةُ، وقال: إن أعمالكم تُعرض على أقاربكم وعشائركم من أهل الآخرة، فإن كان خيرًا فرحوا واستبشروا وقالوا: اللَّهم! هذا فضلُك ورحمتك، فأَتْمِم نعمتَك عليه، وأَمِتْه عليها، ويُعرض عليهم عملُ المسيء فيقولون: اللَّهم! أَلْهِمه عملًا صالحًا تَرضى به، وتُقربه إليك". رواه الطبراني في "الأوسط" (١٤٨) عن أحمد بن يحيي بن خالد بن حيَّان، قال: حدثنا محمد ابن سفيان الحضرمي، قال: حدثنا مَسْلمةُ بن علي، عن زيد بن واقد وهشام بن الغاز، عن

стр. 2399

مكحول، عن عبد الرحمن بن سلامة، عن أبي رُهْم السباعي، عن أبي أيوب الأنصاري فذكره. قال الطبراني: "لا يروي هذا الحديث عن مكحول إلا زيد بن واقد وهشام بن الغاز، تفرد بهما مسلمة بن علي". وأورده الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣٢٧) وقال: "رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" وفيه مسلمة بن علي وهو ضعيف". قلت: وهو كما قال، فإن مسلمة بن علي هو الخشني من أهل الشام قال فيه ابن حبان: "كان ممن يقلب الأسانيد، ويروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم توهمًا، فلما فحش ذلك منه بطل الاحتاج به" "المجروحين" (١٠٧٦). ٢٠ - باب إن المسلم في قبره يمثل له الشمس عند غروبها فيقول: دعوني أصلي • عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل الميت القبر، مُثِّلتْ له الشّمس عند غروبها، فيقول: دعوني أصلي". حسن: رواه ابن ماجه (٤٢٧٢) عن إسماعيل بن حفصٍ الأُبلّي، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر فذكره. وصحَّحه ابن حِبّان (٣١١٦) ورواه من هذا الوجه. وإسناده حسن من أجل إسماعيل بن حفص قال فيه النسائي: "أرجو أن لا يكون به بأس"، وذكره ابن حبان في "الثقات". وأبو بكر بن عياش وهو الأسدي الكوفي الحناط المقريء مختلف فيه، والخلاصة فيه كما قال ابن عدي: "أبو بكر بن عياش هذا كوفي مشهور، وهو يروي عن أجلة الناس، وحديثه فيه كثرة، وقد روى عنه من الكبار جماعة، وحديثه مسندُه ومقطوعه يكثر، وهو من مشهوري مشايخ الكوفة، ومن المختصين بالرواية عن جملة مشايخهم، وهو من قُراء أهل الكوفة، وعن عاصم أخذ القراءة، وعليه قرأ، وهو في رواياته عن كل من روى عنه لا بأس به، وذلك أني لم أجد له حديثًا منكرًا إذا روى عنه ثقة إلا أن يروي عنه ضعيف"، انتهى. ٢١ - باب تمني من غفر له أن يُعلم أهلَه بما أكرمه الله تعالي به • عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل المؤمن قبره فأتاه ملكان فانتهراه فيقوم يهب كما يهب النائم فيسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيي، فيقولان له: صدقت كذلك كنت، فيقال: أفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، فيقول: دعوني حتى آتي أهلي، فيقولان: اسكن".

стр. 2400

حسن: رواه ابن أبي عاصم في السنة (٨٦٦) عن يوسف بن يعقوب الصفار، ثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر فذكره. ومن هذا الوجه رواه أيضًا البيهقي في "إثبات عذاب القبر" (٢٣٨)، ورواه أحمد (١٤٥٤٧) عن شاذان قال: حدثنا أبو بكر بن عياش به مختصرًا. وإسناده حسن من أجل الكلام في أبي بكر بن عياش غير أنه حسن الحديث كما سبق من كلام ابن عدي فيه. • عن أبي الزبير أنه سأل جابر بن عبد الله، عن فتَّانَي القَبْر، فقال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "إن هذه الأُمَّة تُبتلى في قُبورِها، فإذا أُدْخِلَ المُؤْمِنُ قَبْرَه، وتَوَلَّى عنه أصحابُه، جاء مَلَكٌ شديدُ الانتهار، فيقولُ له: ما كُنْتَ تقولُ في هذا الرَّجل؟ فيقولُ المُؤمِنُ: أقولُ: إنَّه رسولُ الله وعَبْدُه، فيقولُ له المَلَكُ: انظُرْ إلى مَقْعَدِكَ الذي كان لك في النار، قد أنجاكَ الله منه، وأبدَلَكَ بمَقْعَدِكَ الذي تَرَي من النار، مَقْعَدَكَ الذي تَرَى من الجنة، فيراهُما كِلاهُما، فيقولُ المُؤْمِنُ: دَعُوني أُبَشِّرْ أهلي، فيُقالُ له: اسْكُنْ، وأمَّا المُنافِقُ، فيُقْعَدُ إذا تَوَلَّى عنه أهله، فيقال له: ما كُنْت تقولُ في هذا الرجل؟ فيقولُ: لا أدري، أقولُ ما يقولُ الناسُ، فيقال له: لا دَرَيْتَ، هذا مَقْعَدُكَ الذي كان لك من الجنة، قد أُبْدِلْتَ مكانَه مَقْعدَكَ من النار". قال جابر: فسمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ في القبرِ على ما مات، المؤمنُ على إيمانِه، والمنافقُ على نفاقِه". صحيح: رواه عبد الرزاق (٦٧٤٤، ٦٧٤٦) عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول فذكره. وإسناده صحيح. ورواه أحمد (١٤٧٢٢)، والطبراني في "الأوسط" (٩٠٧٢) والبيهقي في "إثبات عذاب القبر" (٢٣٩) كلهم من طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير أنه سأل جابرا فذكره، واللفظ لأحمد. وابن لهيعة فيه كلام معروف ولكنه توبع. ٢٢ - باب ما جاء في عَجْب الذَنَبِ • عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "بين النفختين أربعون" قالوا: يا أبا هريرة! أربعون يومًا؟ قال: أبيتُ، قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت. قال: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. "ويَبلى كل شيء من الإنسان إلا عجْب ذنبه، فيه يُرَكَّبُ الخلق". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨١٤)، ومسلم في الفتن (٢٩٥٥) كلاهما من حديث الأعمش، قال: سمعت أبا صالح، قال: سمعت أبا هريرة فذكر الحديث. واللفظ للبخاري.

стр. 2401

وزاد مسلم في أول الحديث: "ثم يُنْزل الله من السماء ماءً فينبتون كما ينبتُ البقلُ، وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظمًا واحدًا وهو عجْبُ الذَنَب". وفي رواية عنده من حديث همام بن منبة: "إن في الإنسان عَظْمًا لا تأكله الأرض أبدًا، فيه يُركَّب يوم القيامة" قالوا: أي عظم هو؟ يا رسول الله؟ قال: "عجْبُ الذَنَب". قال البيهقي: "وكأن أبا هريرة لم يحفظ عن النبيّ ﷺ ما أراد بالأربعين، وأهل التفسير يقولون: هي أربعون سنة"، "إثبات عذاب القبر" (٢٤٢٢). وفي الحديث إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]. قالوا في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ هم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، ثم يأمر ملك الموت أن يقبض روح ميكائيل، ثم روح جبريل، ثم روح إسرافيل، ثم يأمر ملك الموت فيموت، ثم يلبث الخلق بعد النفخة الأولى في البرزح أربعين سنة، ثم تكون النفخة الأخرى، فيُحبي الله إسرافيل فيأمره أن ينفخ الثانية فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ أي على أرجلهم ينظرون إلى البعث الذي كذبوا به في الدنيا. وقيل: غير ذلك. وقالوا أيضًا: إن أرواح الكفار كانوا يعرضون على منازلهم من النار طرفي النهار، فلما كان بين النفختين رفع عنهم العذاب، فرقدت تلك الأرواح بين النفختين، فلما بعثوا في النفخة الأخرى، وعاينوا يوم القيامة ما كانوا يكذبون به في الدنيا من البعث والحساب بعثوا بالويل فقالوا: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] قالت لهم الملائكة: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ على ألسنة الرسل، بأنه يبعثكم بعد الموت، فكذبتم به ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ بأن البعث حق. وذلك أنهم ظنوا لما رفع عنهم العذاب أربعين سنة، إن الله لا يعذبهم، ولكن لما نُفخ النفخة الثانية ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥١، ٥٢] أي من منامنا. • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عَجْبَ الذَّنَب، منه خُلق، وفيه يُركَّبُ". صحيح: رواه مالك في الجنائز (٤٨) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكر الحديث. ورواه مسلم في الفتن (٢٩٥٥/ ١٤٢) من وجه آخر عن المغيرة الحزامي، عن أبي الزناد بإسناده مثله. • عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجْب ذَنَبِه" قيل: مثل ما هو يا رسول الله؟ قال: "مثل حبة خردل، منه تنبتُون".

стр. 2402

ابن لهيعة، عن دَرَّاج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد به. دراج أبو السمع مختلف فيه، والجمهور على تضعيفه وخاصة في روايته عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد كما قال أبو داود، ولكن قال ابن عدي: عامة الأحاديث التي أمليتُها عن دراج مما لا يتابع عليه، ولم يذكر هذا الحديث فيما أنكره، وقال: "أرجو أن أحاديثه بعد هذه التي أنكرت عليه، لا بأس بها". وأما ابن لهيعة فقد توبع عند ابن حبان في صحيحه (٣١٤٠)، والحاكم (٤/ ٦٠٩). • * *

стр. 2403

جموع أبواب زيارة القبور ١ - باب استحباب زيارة القبور • عن بريدة بن الحُصَيب قال: قال رسول الله ﷺ : "نهيتكم عن زيارة القبور فزورها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشرَبُوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرًا". صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٧٧) من طرق، عن محمد بن فُضيل، عن أبي سنان (وهو ضرار بن مرة) عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه فذكر الحديث. ورواه النسائي (٢٠٣٢) من وجه آخر، وفيه: "ولا تقولوا هُجرا" "هُجر" - بضم الهاء، أي لا تقولوا ما لا ينبغي من الكلام، فإنه ينافي المطلوب الذي هو التذكير. ورواه الترمذي (١٠٥٤) وفيه: "فقد أُذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزورها فإنها تذكر الآخرة". ورواه البيهقي (٤/ ٧٦) من وجه آخر عن زهير، عن زيد، عن محارب بن دثار بإسناده وفيه: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فنزلنا منزلًا، ونحن معه قريبا من ألف راكب فقام فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر فقداه بالأب والأم وقال له: ما لك يا رسول الله! قال: "إني استأذنت ربي في استغفاري لأمي فلم يأذن لي، فبكيت لها رحمة لها من النار، وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور ... " فذكر الحديث. ورواه أبو داود (٣٢٣٥) من طريق معرف بن واصل، عن محارب بن دثار بإسناده وفيه: "نهيتكم عن زيارة القبور، فزورها فإن في زيارتها تذكرة". ومعرف ثقة. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "استأذنتُ ربي أن أستغفر لأمي فلم يأْذَنْ لي، واستأذنْتُه أن أزورَ قبرها فأذن لي". وفي رواية قال أبو هريرة: زار النبي ﷺ قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال: "استأذَنْتُ ربي في أن أستغفر لها فلم يُؤذنْ لي، واستأذنتُه في أن أزور قبرها فَأُذِن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت". صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٧٦) من طرق، عن مروان بن معاوية، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة فذكر الحديث مثله. والرواية الثانية رواها محمد بن عبيد، عن يزيد بن كيسان بإسناده مثله.

стр. 2404

قال البغوي ﵀: "ويقال: كان قبر أمه بالأبواء، فمر به عام الحديبية، ويُروى أنه زار قبر أمه في ألْف مُقنع، أي: في ألْف فارس مُغَطَّى بالسلاح"، "شرح السنة" (٥/ ٤٦٣). وقوله: "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي" يحتمل أن يكون هذا الاستئذان قبل نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] ويحتمل أن يكون بعد ذلك، وارتجي خصوصية أمه بذلك. وفي الحديث جواز زيارة قبر المشركين للموعظة والذكرى بمشاهدة قبرهم، ويؤيد ذلك آخر الحديث: "فزوروا القبور فإنها تذكر الموت وقبر المسلم والمشرك فيه سواء. • عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إني نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإن فيها عِبرةً، ونهيتكم عن النبيذ فاشربوا، ولا أحل مسكرًا، ونهيتكم عن الأضاحي فكلوا". حسن: رواه أحمد (١١٣٢٩) عن يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن أُسامة، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن عمه، عن أبي سعيد الخدري فذكره. وإسناده حسن لأجل أسامة وهو: ابن زيد الليثي المدني حسن الحديث. ورواه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٣٧٤) من طريق أسامة بن زيد بإسناده، وقال: صحيح على شرط مسلم". قلت: وهو كما قال، إلا أن أسامة بن زيد تكلم فيه النسائي، فقال: "ليس بالقوي"، ومشاه أبو حاتم، وقال العجلي: "ثقة" والخلاصة فيه كما قال الحافظ: "صدوق يهم"، فلا بأس بالاستشهاد به، لأنه أرجو أنه لم يهم في هذا الحديث. وعم محمد بن حَبَّان هو: واسع بن حبَّان بن منقذ صحابي ابن صحابي. ورواه البزار "كشف الأستار" (٨٦١) من وجه آخر وفيه: "نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فكلوا وادخروا، ونهيتكم عن زيارة القبور فزُوروها، ولا تقولوا ما يُسخط الرب، ونهيتكم عن الأوعية فانتبذوا، وكل مسكر حرام". قال البزار: وعمر ومحمد قد حدَّث كل منهما بأحاديث لم يتابع عليها. قلت: عمر هو: ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ثقة من رجال الشيخين، وكذلك أبوه محمد وهو من رجال الجماعة. وأورده الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٨٥) وقال: "رجاله رجال الصحيح". فلا يضر عدم المتابعة على أحاديثهما إذا كان في الإسناد من قبلهما ومن بعدهما ثقات. • عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "كُنت نهيتكم عن زيارة القبور،

стр. 2405

ألا فزوروها فإنه يرق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجرًا". حسن: رواه الحاكم (١/ ٣٧٦) بإسناده عن عامر بن يساف، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن يحيى ابن عباد، عن أنس فذكره. وإسناده حسن لأجل عامر بن يساف فإنه "صالح" كما قال أبو حاتم. قال الذهبي: ورُوي بإسناد آخر عن أنس. قلت: ما ذكرته هو أجوده، وقد رواه الإمام أحمد (١٣٤٨٧) عن يعقوب، قال: حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني يحيى بن الحارث الجابر، عن عبد الوارث مولى أنس وعمرو بن عامر، كلاهما عن أنس قال: "نهى رسول الله ﷺ عن زيارة القبور، وعن لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وعن النبيذ في الدُّبَّاء والنقير والحنتم والمزفَّت"، قال: ثم قال رسول الله ﷺ بعد ذلك: "ألا إني قد كنت نهيتكم عن ثلاث، ثم بدا لي فيهن، نَهيتُكم عن زيارة القبور، ثم بدا لي أنها تُرقُّ القلبَ، وتُدمعُ العينَ، وتُذكر الآخرة، فزوروها ولا تقولوا هُجرًا، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تأكلوها فوق ثلاث ليال، ثم بدا لي أن الناس يتحفون ضيفَهم، ويُخبِّئُون لغائبهم، فأمْسِكوا ما شئتُم، ونهيتكم عن النبيذ في هذه الأوعية فاشربوا بما شئتُم، ولا تشربوا مُسْكِرا، من شاء أوكى سقاءَه على إثم". ورواه الحاكم (١/ ٣٧٦) من طريق يحيى بن عبد الله التيمي، عن عمرو بن عامر الأنصاري وحده عن أنس مختصرًا. وفي الإسناد يحيى بن الحارث وهو: يحيى بن عبد الله بن الحارث الجابر أكثر أهل العلم على تضعيفه، وقال الإمام أحمد: لا بأس به، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وجعله الحافظ: "ليِّن الحديث" وللحديث أسانيد أخرى أضعف مما ذكرته. وقوله: "ولا تقولوا هُجرًا" أي قولًا قبيحًا مثل يا ويلي وغيرها. • عن عائشة أن رسول الله ﷺ رخَّص في زيارة القبور. وفي رواية: عن عبد الله بن أبي مليكة، أن عائشة أَقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها يا أم المؤمنين! من أين أقبلتِ؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم كان نهى، ثم أمر بزيارتها. صحيح: رواه ابن ماجه (١٥٧٠) عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا رَوح، قال: حدثنا بسطام بن مسلم، قال: سمعت أبا التيَّاح، قال: سمعت ابن أبي مليكة، عن عائشة فذكرته. وهذا إسناده صحيح، ورجاله ثقات كما قال البوصيري في "الزوائد". والرواية الثانية رواها الحاكم (١/ ٣٧٦) وعنه البيهقي (٤/ ٧٨) من طريق بَسْطَام بن مسلم، عن أبي التياح يزيد بن حميد، عن عبد الله بن أبي مليكة فذكره. وقال البيهقي: "تفرد به بسطام".

стр. 2406

قلت: بسطام هو ابن مسلم البصري، ثقة، وثَّقه ابن معين وغيره، وقال فيه الحافظ: "ثقة" فلا يضر تفرده. وتفصيل هذه القصة رواها الترمذي (١٠٥٥) عن عبد الله بن أبي مليكة نفسه قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بحُبْشِيِّ، قال: فحمل إلى مكة فُدفن فيها، فلما قدمت عائشة، أتتْ قبر عبد الرحمن بن أبي بكر فقالت: وكنا كنَدْمَاني جُذَيمةَ حُقْبةً ... من الدهر حتى قيل: لن يتصدَّعا فلما تَفَرَّقنا كأَنِّي ومالكًا ... لطولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معًا ثم قالت: والله لو حضرتُك ما دُفنت إلا حيث مُت، ولو شهدتُك ما زرتك، رواه عن الحسين ابن حريث، حدثنا عيسى بن يونس، عن ابن جُريج، عن عبد الله بن أبي مليكة فذكره. وسكت عليه الترمذي، ورجاله ثقات. وأخرجه عبد الرزاق (٦٥٣٥) عن ابن جريج قال: سمعت ابن أبي مليكة، وتابعه أيوب عند عبد الرزاق (٦٥٣٩). وقوله: "بُحبْشِيّ" هو جبل بأسفل مكة على ستة أميال منها. وقولها: "ولو شهدتُك ما زرتُك" دليل على كراهية زيارة النساء القبور. قال شيخ الإسلام: "وهذا يدل على أن الزيارة ليست مستحبة للنساء، كما تستحب للرجال، إذ لو كان كذلك لاستحب لها زيارته، كما تستحب للرجال زيارته، سواء شهدته أو لم تشهد"، "مجموع الفتاوى" (٢٤/ ٣٤٥). • عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال يومًا: ألا أحدثكم عني، وعن أمي؟ فظننا أنه يريد أمه التي ولدته، قال: قالت عائشة: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله ﷺ ؟ قلنا: بلى، قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبي ﷺ فيها عندي، انقلب فوضع رداءه -فذكرت الحديث بطوله الذي في باب ما جاء من الأدعية لأصحاب القبور وفيه-: قالت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ فقال: "قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون". صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٧٤/ ١٠٣) من طرق عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن كثير بن المطلب، عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب فذكر الحديث بطوله. وأما ما رُوي عن فاطمة بنت محمد ﷺ أنها كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة، فتصلي وتبكي عنده فهو لا يصح.

стр. 2407

رواه الحاكم (١/ ٣٧٧)، وعنه البيهقي (٤/ ٧٨) من طريق سليمان بن داود، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن أبيه، أن فاطمة كانت تزور فذكره. قال الحاكم: "هذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات". وتعقبه الذهبي بقوله: "هذا منكر جدًّا، وسليمان ضعيف". وقال البيهقي: "وقد قيل عن سليمان بن داود، عن أبيه، عن محمد بن محمد، عن أبيه، دون ذكر علي بن الحسين، عن أبيه فيه. وهو منقطع". وقد اغتررتُ بقول الحاكم فصحَّحتُه في "المنة الكبرى" (٣/ ١٢٣) والصواب أنه ضعيف، فمن لديه نسخة منه فليُصَحّحها. وفي معناه ما رُوي عن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ نهى عن زيارة القبور، وعن الأوعية ... ثم قال: "إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة". فإن فيه علي بن زيد، وهو ابن جدعان "ضعيف" وشيخه ربيعة بن النابغة "مجهول". رواه الإمام أحمد (١٢٣٦) عن يزيد، أخبرنا حماد بن زيد، عن علي بن زيد، عن ربيعة بن النابغة، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب فذكر الحديث، وله أسانيد أخرى أضعف منها. وفي الباب ما رُوي عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تُزهِّد في الدنيا، وتذكر الآخرة" رواه ابن ماجه (١٥٧١) عن يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أنبأنا ابن جريج، عن أيوب بن هانئ، عن مسروق بن الأجدع، عن ابن مسعود فذكره. وأيوب بن هانئ الكوفي مختلف فيه، فضعَّفه ابن معين، وقال ابن عدي: "لا أعرفه". وعرفه أبو حاتم فقال: "شيخ صالح"، والخلاصة فيه كما قال الحافظ: "صدوق فيه لين". وأما ابن حبان فأخرجه في صحيحه (٩٨١) مطولًا، وكذلك الحاكم (٢/ ٣٣٦) كلاهما من طريق ابن جريج بإسناده، وصحَّحه الحاكم فتعقبه الذهبي بقوله: "أيوب ضعَّفه ابن معين". وقال ابن عدي في "الكامل" (١/ ٣٥١): "هذا في كتب ابن جريج مرسل، وهذا حديث لا يُساوي شيئًا". وقد أسقط ابن جريج شيخه أيوب بن هانئ في رواية عبد الرزاق في "المصنف" (٦٧١٤) عنه فإنه قال: "حُدثت عن مسروق بن الأجدع به فذكر الحديث". وللحديث إسناد آخر أضعف منه وهو ما رواه الإمام أحمد (٤٣١٩) عن يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن زيد، حدثنا فرقد السبخيُّ، قال: حدثنا جابر بن يزيد، أنه سمع مسروقًا، يحدث عن عبد الله بن مسعود فذكر الحديث. وفرقد السبخيُّ هو: فرقد بن يعقوب السبخيُّ -بفتح المهملة والموحدة، وبخاء معجمة- أبو

стр. 2408

يعقوب البصري تكلم فيه كبار النقاد، فقال البخاري: "في حديثه مناكير"، وقال أحمد: "رجل صالح ليس بقوي في الحديث لم يكن صاحب حديث"، وقال ابن سعد: "كان ضعيفًا منكر الحديث"، قال أبو أحمد: "منكر الحديث"، وقال ابن حبان: "كانت فيه غفلة ورداءة حفظ، فكان يرفع المراسيل وهو لا يعلم، ويُسند الموقوف من حيث لا يفهم، فبطل الاحتجاج به"، وقال النسائي: "ليس بثقة". ومشَّاه ابن معين وابن عدي. وقلت: فمثله لا يُستبعد أن يخطئ في الإسناد، فيجعل جابر بن يزيد محل ابن جريج، مع أن جابر بن يزيد إن كان هو الجعفي، فهو أضعف من ابن جريج، والله المستعان. وأما ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "من زار قبر أبويه، أو أحدهما كل جمعة غفر له، وكتب برًا" فهو ضعيف جدا. رواه الطبراني في "الأوسط" و"الصغير" "مجمع البحرين" (١٣٢٩) عن محمد بن أحمد بن النعمان بن شبل البصري، ثنا أبي، حدثني عم أبي محمد بن النعمان بن عبد الرحمن، عن يحيى بن العلاء البجلي، عن عبد الكريم أبي أمية، عن مجاهد، عن أبي هريرة فذكره. وفيه سلسلة الضعفاء والمجهولين محمد بن النعمان، وشيخه يحيى بن العلاء البجلي، وشيخه عبد الكريم أبي أمية، كلهم ضعفاء، بل وقد أُتهِم البجلي. وقد ضعَّفه أيضًا الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٥٩ - ٦٠) من جهة عبد الكريم أبي أمية. ٢ - باب ما جاء من النهي عن زيارة القبور للنساء • عن أبي هريرة قال: لعن رسول الله ﷺ زوَّارات القبور. حسن: رواه الترمذي (١٠٥٦)، وابن ماجه (١٥٧٦) كلاهما من طريق أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل عمر بن أبي سلمة وهو: عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري قاضي المدينة، حسن الحديث. قال فيه ابن معين: "ليس به بأس"، وقال أبو حاتم: "هو عندي صالح صدوق"، وقال البخاري: "صدوق"، وقال ابن عدي: "حسن الحديث". قال الترمذي: "حسن صحيح"، وصحَّحه أيضًا ابن حبان (٣١٧٩)، ورواه الإمام أحمد (٨٤٤٩) كلاهما من هذا الوجه. وأما كون شعبة تركه فكما قال أحمد: "لم يسمع شعبةُ من عمر بن أبي سلمة". قال الترمذي: "وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يُرخِّص النبي ﷺ في زيارة القبور، فلما رخَّص دخل في رخصته الرجال والنساء، وقال بعضهم: إنما كُرِه زيارةُ القبور للنساء لقلة صبرهن، وكثرة جزعهنَّ"، انتهى.

стр. 2409

وفي الباب حديثان آخران عن ابن عباس وحسان بن ثابت. أما حديث ابن عباس فقال: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج". رواه أبو داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠)، والنسائي (٢٠٤٥)، وابن ماجه (١٥٧٥) كلهم من طريق محمد بن جحادة، قال: سمع أبا صالح، يحدث عن ابن عباس فذكر الحديث، ولفظهم سواء غير أن ابن ماجه رواه مختصرًا، وأبو صالح هو باذام، ويقال: باذان مولى أم هانئ بنت أبي طالب ضعَّفه أَكثر الأئمة منهم أبو حاتم قال: "يكتب حديثه ولا يحتج به"، وقال النسائي: "ليس بثقة"، وقال ابن عدي: "عامة ما يرويه تفسير، وما أقل ما له من المسند، وفي ذلك التفسير ما لم يتابعه عليه أهل التفسير، ولم أعلم أحدا من المتقدمين رضيه"، وقال الجوزجاني: "إنه متروك"، ونقل ابن الجوزي عن الأزدي أنه قال: "كذاب" وقال أبو أحمد الحاكم: "ليس بالقوي عندهم"، وقال ابن حبان: "يحدث عن ابن عباس ولم يسمع منه"، وقال أحمد: "كان ابن مهدي ترك حديث أبي صالح". وأما ابن معين فقال: "ليس به بأس، وإذا روى عن الكلبي فليس بشيء"، وقال ابن المديني عن القطان: "لم أر أحدًا من أصحابنا تركهـ، وما سمعت من الناس يقول فيه شيئًا"، ووثَّقه العجلي، وقد صحَّح حديثه هذا ابن حبان (٣١٧٩، ٣١٨٠) وحسَّنه الترمذي، وأخرجه الحاكم (١/ ٣٧٤) كلهم من هذا الوجه. وقد زعم ابن حبان أن أبا صالح هو: "ميزان، وهو ثقة"، وقال أيضًا: "أبو صالح: اسمه ميزان بصري ثقة، وليس بصاحب محمد بن السائب الكلبي"، انتهى. واستغربه الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٣٧) وقال: "ضعيف" وقال في التقريب: "ضعيف مدلس". وأما الحاكم فأَكَّد أنه باذان، ونفى أن يكون السمان الزيات ذكوان أبو صالح من رجال الشيخين ثم قال: "لكن حديث متداول فيما بين الأئمة، وقد وجدت له متابعا من حديث سفيان الثوري في متن الحديث فخرجته" انتهى. فالذي يظهر من أقوال أهل العلم في أبي صالح أنه ضعيف، فإن من علم حجة على من لم يعلم. وأما حديث سفيان الذي أشار إليه الحاكم فهو ما رواه ابن ماجه (١٥٧٤)، والحاكم (١/ ٣٧٤)، وأحمد (١٥٦٥٧) كلهم من طرق، عن سفيان، عن عبد الله بن عثمان بن خُثيِم القارئ، عن عبد الرحمن بن بهمان، عن عبد الرحمن بن حسان، عن أبيه حسان بن ثابت قال: "لعن رسول الله ﷺ زوّارات القبور"، وعبد الرحمن بن بهمان لم يرو عنه سوى ابن خُثيم، ولم يُوثر فيه توثيق من أحد غير أن ابن حبان أورده في "الثقات"، وكذا العجلي، فهو مجهول على رأي أهل العلم، وأما الحافظ فجعله "مقبولًا" لتوثيق ابن حبان له كما هو معروف من تتبع "المقبولين" في "التقريب"، ولذا حسَّنه بعض أهل العلم في الشواهد، ومنهم الحاكم.

стр. 2410

وكذلك لا يصح ما رُوي عن علي بن أبي طالب قال: خرج رسول الله ﷺ فإذا نسوة جلوس فقال: "ما يُحبسكن؟ " قُلن: ننتظر الجنازة، قال: "هل تغْسِلْن؟ " قُلن: لا، قال: "هل تحملن؟ " قلن: لا، قال: "هل تُدلين فيمن يُدلي؟ " قلن: لا، قال: "فارجعن مأزوراتٍ غير مأجورات" فهو ضعيف جدًّا، رواه ابن ماجه (١٥٧٨) عن محمد بن المصفي، قال: حدثنا أحمد بن خالد، قال: حدثنا إسرائيل، عن إسماعيل بن سلْمان، عن دينار أبي عمر، عن ابن الحنفية، عن علي بن أبي طالب فذكر الحديث. وفيه إسماعيل بن سلمان بن أبي المغيرة التيمي قال النسائي: "متروك"، وضعَّفه أبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود والدارقطني وغيرهم، ودينار بن عمر الأسدي، أبو عمر البزَّار قال فيه الحافظ: "صالح الحديث رمي بالرفض". قلت: هذا الرجل مختلف فيه، فقد وَثَّقه وكيع -على ما رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه- وقال أبو الفتح الأزدي: "متروكٌ"، وقال الخَلِيلي في "الإرشاد": "كذَّاب"، وقال البخاري: "كان مختاريًا من شُرط المختار بن أبي عُبَيد (الكذاب)، ونحن نخشى أن يكون وكيع إنما وَثَّقَ غير الراوي عن محمد بن الحنفية، فإذا كان ذلك كذلك -وهو المرجح- فهو متروك" والله تعالى أعلم. وكذلك لا يصح ما رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قَبرنا مع رسول الله ﷺ -يعني ميتًا- فلما فرغنا انصرف رسول الله ﷺ وانصرفنا معه، فلما حاذى بابه وقف فإذا نحن بامرأة مقبلة، قال: أظنه عرفها، فلما ذهبت إذا هي فاطمة [﵍] فقال لها رسول الله ﷺ : "ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟ " فقالت: أتيت يا رسول الله، أهْلَ هذا البيت فرحَّمْت إليهم ميتهم، أو عزيتهم به، فقال لها رسول الله ﷺ : "فلعلَّك بَلغتِ معهم الكُدَى" قالت: معاذ الله! وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر، قال: "لو بلغت معهم الكُدَى" فذكر تشديدًا في ذلك، فسألت ربيعة عن الكدى، فقال: القبور فيما أحسب. رواه أبو داود (٣١٢٣)، والنسائي (١٨٨٠) كلاهما من طريق ربيعة بن سيف المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو فذكره. وأخرجه ابن حبَّان في صحيحه (٣١٧٧)، والحاكم (١/ ٣٧٣ - ٣٧٤)، والإمام أحمد (٦٥٧٤) كلهم من هذا الطريق. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". والصواب: أنه ليس على شرط أحدهما، وفي إسناده ربيعة بن سيف المعافري ضغَّفه النسائي في "السنن"، وقال البخاري: "عنده مناكير"، وقال المنذري: "ربيعة بن سيف المعافري من تابعي أهل مصر وفيه مقال". وأما ابن حبان فإنه وإن كان أخرج الحديث في صحيحه ولكنه قال في "الثقات": "يخطئ كثيرًا"، وتساهل فيه العجلي فقال: "ثقة".

стр. 2411

وقوله: "الكدى": جمع الكُدية، وهي القطعة الصلبة من الأرض، والقبور: إنما تحفر في المواضع الصلبة لئلا تنهار، والعرب تقول: ما هو إلا ضب كدية، إذا وصفوا الرجل بالدهاء والأرب، ويقال أكدى الرجل: إذا حفر فأفضى إلى الصلابة، ويضرب به المثل فيمن أخفق، فلم ينجح في طلبته". قاله الخطابي في معالمه. ٣ - باب ما جاء من الأدعية لأصحاب القبور والاستغفار لأهل البقيع • عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجَّلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم! اغفر لأهل بقيع الغرقد". صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٧٤) من طرق، عن إسماعيل بن جعفر، عن شريك (وهو ابن أبي نمر) عن عطاء بن يسار، عن عائشة فذكرته. • عن محمد بن قيس قال: سمعتُ عائشة تحدث فقالت: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله ﷺ ؟ قلنا: بلى، قالت: لمَّا كانت ليلتي التي كان النبي ﷺ فيها عندي انقلب فَوَضَعَ رداءَه، وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلا ريثما ظَنَّ أن قد رَقَدْتُ، فأخذ رداءَهُ رُوَيْدًا، وانتعلَ رُوَيدًا، وفتحَ البابَ رُوَيْدًا فخرج، ثم أجافَهُ رُوَيْدًا، فجعلتُ دِرْعي في رأْسي، واخْتَمَرْتُ، وتقنَّعْتُ إزاري، ثم انْطَلقْتُ على إثْرِهِ، حتَّى جاءَ البَقِيعَ فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرَّات، ثم انحرفَ فانحرفتُ، فأَسرع وأسرعتُ، فهرْوَلَ فَهَرْوَلتُ، فأحضرَ فأحضرْتُ، فسَبَقتُه فدخلتُ، فليسَ إلا أنِ اضْطَجَعْتُ، فدخل فقال: "ما لكِ يا عائشُ! حشْيًا رابيةً؟ قالت: قلتُ: لا شيء، قال: "لتُخبريني أو ليُخْبِرَنِّي اللَّطيفُ الخبيرُ" قالتْ: قلتُ: يا رسولَ الله! بأبي أنتَ وأُمِّي، فأَخْبرتُه، قال: "فأنتِ السَّوَادُ الذي رأيتُه أَمَامي؟ " قلتُ: نعم، فلَهَدَني في صَدْرِي لَهْدَةً أوجَعَتْنِي، ثم قال: "أظنَنْتِ أنْ يَحيفَ اللهُ عليكِ ورسولُه؟ " قالت: مهما يَكْتُم الناسُ يَعْلَمْهُ اللهُ، قال رسول الله ﷺ : "فإنَّ جبريل ﵇ -أتَاني حينَ رأيتِ فنَادَاني، فأَخْفَاهُ منكِ، فأجَبتُه، فأَخْفَيْتُهُ منكِ، ولم يكن يَدْخُلُ عَليكِ وقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، وظَنَنْتُ أنْ قَدْ رَقَدْتِ، فكرهتُ أن أُوقِظَكِ، وَخَشيتُ أن تَسْتَوحِشي، فقال: إنَّ رَبَّكَ يَأمُرُكَ أنْ تأتيَ أهلَ البَقيع فتَسْتَغْفِرَ لَهُم" قالت: قلتُ: كيف أقولُ لهم؟ يا رسول الله قال: قولي: "السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم

стр. 2412

الله المستقيمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لَلَاحقون". صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٧٤: ١٠٣) عن هارون بن سعيد الأيلي، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرنا ابن جريج، عن عبد الله بن كثير بن المطلب، أنه سمع محمد بن قيس فذكره. وقولها: "ثم أجافه" بالجيم - أي أغلقه. وقوله: "ما لك يا عائش! حَشْيًا رابية؟ " عائش فيه ترخيم وهو حذف الحرف الأخير من المنادى. و"حَشْيًا" - بفتح الحاء وإسكان الشين، معناه: وقد وقع عليك الحشا وهو الربو، والتهيج الذي يعرض للمُسْرع في مشيه، والمحتد في كلامه من ارتفاع النفس وتواتره، يقال: امرأة حشياء وحشية، ورجل حشيان وحشش، قيل: أصله من أصاب الربو حشاء. وقوله: "رابية" أي مرتفعة البطن. وقولها: "فلَهَدني" بفتح الهاء والدال، ورُوي "فلهزني" - بالزاي وهما متقاربان، ويقرب منهما "لكزه" و"وكزه"، فاللهد الدفع، واللهز الضرب بالكف على الصدر. • عن عائشة قالت: خرج رسول الله ﷺ ذات ليلة، فأَرسلتُ بريرة في أثره لتنظر أين ذهب، قالت: فسلك نحو بقيع الغرقد، فوقف في أدنى البقيع، ثم رفع يديه، ثم انصرف، فرجعت إليّ بريرة، فأخبرتْني، فلما أصبحت، سألتُه فقلت: يا رسول الله! ، أين خرجت الليلة؟ قال: "بعثْتُ إلى أهل البقيع لأُصَلِّي عليهم". حسن: رواه أحمد (٢٤١٦٢) عن قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن علقمة ابن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة قالت: فذكرته. وإسناده حسن من أجل أم علقمة واسمها مرجانة، وهي مختلفة فيها فلم يرو عنها إلا ابنها وشخص آخر، وذكرها ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: "مدنية تابعية ثقة"، واضطرب فيها قول الذهبي فذكرها في "الميزان" في "المجهولات" وقال في الكاشف: "وثِّقَت". ورواه النسائي (٢٠٣٨) وابن حبان (٣٧٤٨)، والحاكم (١/ ٤٨٨) كلهم من طريق مالك -وهو في الموطأ- الجنائز (٥٥) عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مرجانة، إلا أنه لم يذكر فيه رفع اليدين، فلعله اختصره. وأما ابن حجر فقال فيها: "مقبولة" على قاعدته فيمن وثقه ابن حبان، وهو كما قال، فإنها تقبل عند المتابعة، وإلا فهي لينة الحديث، ولكن لا بأس بقبول حديثها لوجود شواهد له. وأما ما رُوي عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ كان يخرج إلى البقيع فيدعو لهم، فسألته عائشة عن ذلك فقال: "إني أُمرت أن أدعو لهم"، فلم يثبت. رواه الإمام أحمد (٢٦١٤٨) عن عبد الله بن عمرو، عن زهير، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه فذكره.

стр. 2413

وأبو بكر هو: ابن محمد بن عمرو بن حزم ولد سنة (٣٦ هـ) ولم يذكروا له سماعًا من عائشة مع أنه كان ممكنًا إذ ماتت عائشة ﵂ سنة (٥٧ هـ) على الصحيح. ولكن اختلف على عبد الله بن أبي بكر، فيقال: ما رواه زهير وهو: ابن محمد، عن عبد الله بن أبي بكر لا يثبت فيه قوله: "عن أبيه" كما قال الدارقطني فإن صحَّ هذا فلقاء عبد الله بن أبي بكر عن عائشة أبعد، والله تعالى أعلم. • عن بريدة بن الحُصَيب قال: كان رسول الله ﷺ يُعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول (في رواية أبي بكر): السّلام على أهل الديار، (وفي رواية زهير): السلام عليكم أهل الدّيار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله لَلاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية". صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٧٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قالا: حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، عن سفيان، عن علقمة بن مَرْثَدٍ، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه فذكره. وزاد النسائي (٢٠٤٠) بعد قوله: "بكم لاحقون": "أنتم لنا فرط، ونحن لكم تبع، أسأل الله العافية لنا ولكم". • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة فقال: "السلام عليكم دارَ قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون". صحيح: رواه مالك في الطهارة (٢٨) عن العلاء بن عبد الرحمن، ومن طريقه مسلم (٢٤٩) في حديث طويل مضى في الطّهارة، باب فضل الوضوء والغرّ المحجلين من آثار الوضوء. قال الخطابي في معالم السنن: "فيه من العلم أن السلام على الموتَى كهو على الأحياء في تقديم الدعاء على الاسم، ولا يقدم الاسم على الدعاء كما تفعله العامة، وكذلك هو في كل دعاء الخير كقوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] وكقوله : ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] وقال في خلاف ذلك: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨] فقدم الاسم على الدعاء، وفيه أنه سمي المقابر دارًا، فدل على أن اسم النار قد يقع من جهة اللغة على الربع العامر المسكون، وعلى الخراب غير المأهول كقول الشاعر: يا دار مَيّة بالعلياء فالسند ثم قال: أقْوات وطال عليها سالف الأمد وأما قوله: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" فقد قيل إن ذلك ليس على معنى الاستثناء الذي يدخل الكلام لشكّ وارتياب، ولكنه عادةُ المتكلِم يُحسِّن بذلك كلامه ويُزينه، كما يقول الرجل

стр. 2414

لصاحبه: "إنك إن أحسنتَ إليّ شكرتك إن شاء الله، وإن ائتمنتني لم أخنك إن شاء الله" في نحو ذلك من الكلام، وهو لا يريد به الشك في كلامه. وقد قبل: أنه دخل المقبرة، ومعه قوم مؤمنون محققون بالإيمان، والآخرون يظن بهم النفاق، فكان استثناؤه منصرفًا إليهم دون المؤمنين، فمعناه اللحوق بهم في الإيمان، وقيل إن الاستثناء إنما وقع في استصحاب الإيمان إلى الموت لا في نفس الموت" انتهى كلامه. وقد رُوي عن أبي مُويهبة مولى رسول الله ﷺ الاستغفار لأهل بقيع، قال: بعثني رسولُ الله ﷺ من جوف الليل، فقال: "يا أبا مُوَيْهِبة! ، إنّي قد أُمرتُ أن أستغفِرَ لأهلِ البقيعِ، فانطلقْ معي" فانطلقتُ معه، فلما وقف بين أظهرهم، قال: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا أهل المقابر! ، ليَهْنِ لكم ما أَصْبَحْتُم فيه مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ الناسُ، لَو تَعْلَمُونَ ما نَجَّاكُمُ اللهُ مِنْهُ، أَقبَلَتِ الفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ أَوَّلَهَا آخِرُها، الآخرَةُ شَرٌّ مِنَ الأولَى"، قال: ثم أقبل عليّ، فقال: "يا أبا مُوَيْهِبة! إني قد أوتيتُ مَفاتيحَ خَزائن الدُّنْيا والخُلْدَ فيها ثُمَّ الجَنَّةَ، وخُيِّرْتُ بينَ ذلك وبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي والجنة" قال: قلتُ: بأبي وأمِّي، فخُذْ مفاتيح الدنيا والخُلد فيها، ثم الجنة، قال: "لا والله يا أبا مُويْهِبة! ، لقد اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي والجَنَّة" ثم استغفَرَ لأهل البقيع، ثم انصرف، فبُدئَ رسولُ الله ﷺ في وجعه الذي قبضه الله فيه حين أصبح. رواه الإمام أحمد (١٥٩٩٦، ١٥٩٩٧) من وجهين: أحدهما: من طريق يعلى بن عبيد، عن عبيد بن جبير، عن أبي مُوَيهِبة مولى رسول الله ﷺ ، والوجه الثاني: من طريق عبد الله بن عمر العبلي، قال: حدثني عبيد بن جبير مولى الحكم بن أبي العاص، عن عبد الله بن عمرو، عن أبي مُوَيهِبة واللفظ للطريق الثاني. وفي الإسنادين عبيد بن جبير لم يوثقه أحد، ذكره ابن حبان في "الثقات"، فهو "مقبول" حسب تعريف ابن حجر، إلا أنه لم يترجم له في "التقريب"، لأنه من رجال "التعجيل" وفي الإسنادين أيضًا بعض المجاهيل. وأما قول الحاكم (٣/ ٥٥ - ٥٦): "صحيح على شرط مسلم" فهو ليس كما قال، فإن عبد الله بن عمر العبلي ليس من رجال مسلم، لعله وقع له وهم فظن أنه عبيد الله بن عمر بن حفص فقال ما قال. والصحيح أنه عبد الله بن عمر العبلي كما في المصادر الأخرى. وأما ما رُوي عن ابن عباس قال: مرَّ رسول الله ﷺ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: "السلام عليكم يا أهل القبور! يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر" فهو ضعيف. رواه الترمذي (١٠٥٣) عن أبي كريب، حدثنا محمد بن الصلت، عن أبي كدينة، عن قابوس ابن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس فذكره. قال الترمذي: "حسن غريب، وأبو كدينة اسمه يحيى بن المهلب، وأبو ظبيان اسمه حصين بن

стр. 2415

جندب" انتهى. وقاموس أبو ظبيان تكلم فيه جمهور أهل العلم فقال الإمام أحمد: "ليس بذاك"، وقال النسائي: "ليس بالقوي ضعيف"، وقال ابن سعد: "فيه ضعف ولا يحتج به"، وقال ابن حبان: "كان رديء الحفظ ينفرد عن أبيه بما لا أصل له". قلت: ولعل قوله: "فأقبل عليهم بوجهه" مما انفرد به، وليس له أصل، لأن من المستحب أن يتوجه إلى القبلة عند الدعاء. وكذلك ما رُوي عن بشير بن الخصاصية قال: أتيتُ رسول الله ﷺ فلحقته بالبقيع، فسمعتُه يقول: "السلام على أهل الديار من المؤمنين" فانقطع شِسْعِي فقال لي: "أتَعِسَ قدمُك؟ " قلت: يا رسول الله! طالت عُزوبتي، ونأيْتُ عن دار قومي، فقال: "يا بشير! ألا تحمدِ الله الذي أخذ بناصيتِك للإسلام من بين ربيعة، قوم يَرَون أن لولاهم لائُتَفَكَتِ الأرضُ بمن عليها" فهو منكر. رواه الطبراني في "الأوسط" (٢٨٧٠) واللفظ منه، وفي "الكبير" (٢/ ٣٣) عن إبراهيم بن هاشم البغوي، وعبيد العجلي، قالا: حدثنا الصلت بن مسعود الجحدري، ثنا عقبة بن المغيرة الشيباني، قال: ثنا إسحاق بن أبي إسحاق الثياني، عن أبيه، عن بشير بن الخصاصية فذكره. قال الطبراني في "الأوسط": لم يرو هذا الحديث عن أبي إسحاق إلا ابنه، تفرد به عقبة، ولا يُروى عن بشير إلا بهذا الإسناد. قلت: عقبة بن المغيرة وشيخه إسحاق بن أبي إسحاق ترجمهما البخاري، وابن أبي حاتم ولم يقولا فيهما شيئًا، فهما في عداد المجهولين، ولذا لا يحتمل تفردهما، وفي بعض لفظ الحديث نكارة. وأما قول الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٦٠): "رواه الطبراني في "الكبير" و "الأوسط" ورجاله ثقات" فهو اعتمادًا على ذكر ابن حبان عقبة وإسحاق في "الثقات". ٤ - باب رفع اليدين عند الدعاء لأصحاب القبور • عن عائشة قالت: جاء النبي ﷺ البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات. صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٧٤: ١٠٣) عن هارون بن سعيد الأبلي، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرنا ابن جريج، عن عبد الله بن كثير بن المطلب، أنه سمع محمد بن قيس أنه قال: سمعت عائشة تقول: فذكر الحديث بطوله وهو مذكور في باب الأدعية لأصحاب القبور. ولا يشترط عند السلام على أصحاب القبور، والدعاء لهم استقبال القبلة، بل يسلم عليهم ويدعو لهم متوجهًا إليهم حيث ما كان، لأن النبي ﷺ لم يأمرنا بذلك، وقد ثبت أنه كان يُكثر زيارة البقيع، ولم ينقل إلينا أنه كان يستقبل القبلة عند السلام على أصحابها والدعاء لهم، كما لا يشترط عند السلام على النبي ﷺ وصاحبيه والدعاء لهم استقبال القبلة باتفاق أهل العلم

стр. 2416

وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام ابن باز -رحمه الله تعالى- في فتاواه. ٥ - باب من زار قبر الكافر فلا يدعو له، بل يبشره بالنار • عن عامر بن سعد، عن أبيه أن أعرابيًا، أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أين أبي؟ فقال: "في النار" قال: فأين أبوك؟ قال: "حيث ما مررت بقبر كافر فبشره بالنار". وفي رواية: فأسلم الأعرابي وقال: لقد كلَّفني رسولُ الله ﷺ تعبًا ما مررتُ بقبر كافر إلا بشرته بالنار. صحيح: رواه البزار "كشف الأستار" (٩٣)، والطبرانيّ في "الكبير" (١/ ١٤٥)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٥٩٥) كلهم من طرق عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد فذكره. واللفظ للبزار، والزيادة من الرواية الثانية عند ابن السني، قال الهيثمي في "المجمع" (١١٧ - ١١٨): ورجاله رجال الصّحيح". وصحّحه الضّياء في "المختارة" (١٠٠٥). • عن عبد الله بن عمر قال: جاء أعرابيٌّ إلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إنّ أبي كان يصلُ الرَّحم، وكان وكان، فأين هو؟ قال: "في النار". قال: فكأنّه وجد من ذلك، فقال: يا رسول الله! ، فأين أبوك؟ فقال رسول الله ﷺ : "حيثما مررتَ بقبر مشرك فبشِّرْه بالنّار"، قال: فأسلم الأعرابيُّ بعد، وقال: لقد كلّفني رسول الله ﷺ تعبًا، ما مررتُ بقبر كافر إلّا بشّرتُه بالنّار". صحيح: رواه ابن ماجه (١٥٧٣) عن محمد بن إسماعيل بن البختريّ الواسطيّ، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، عن إبراهيم بن سعد، عن الزّهريّ، عن سالم، عن أبيه، فذكره. وإسناده صحيح، وقد صحّحه أيضًا البوصيريّ في "الزوائد" وقال: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، محمد بن إسماعيل وثقه ابن حبان والدارقطني والذهبي، وباقي رجال الإسناد على شرط الشيخين". فالذي يظهر كأنّ الزهريّ يروي هذا الحديث بإسنادين وعن صاحبين وكلاهما صحيح، ولا يحتاج إلى تخطئة أحدهما. وفي معناه ما رُوي عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "إذا مررتُم بقبورنا وقبوركم من أهل الجاهلية، فأخبروهم أنهم من أهل النار". رواه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٥٩٤)، وابن حبان في صحيحه (٨٤٧) كلاهما عن الحارث ابن سُريج، ثنا يحيى بن يمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكر الحديث. ويحيى بن يمان مختلف فيه غير أنه يحسن حديثه في الشواهد إذا لم يأت بشيء منكر. ولكن آفته الحارث بن سريج النّقّال ذكره الذهبيّ في "الميزان" (١/ ٤٣٣)، ونقل تضعيفه عن عدد من أهل العلم، قال ابن عدي: "ضعيف يسرق الحديث".

стр. 2417

١٤ - كتاب الزكاة جموع الأبواب في وجوب الزكاة والترغيب في أدائها والترهيب من منعها ١ - باب فرض الزّكاة قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة: ٤٣]. • عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ قال: "إنّك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّي رسول الله. فإنْ هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة. فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمْهم أنّ الله افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ في فقرائهم. فإن هم أطاعوا لذلك، فإيّاكَ وكرائمَ أموالهم. واتّقِ دعوةَ المظلوم فإنّه ليس بينها وبين الله حجاب". متفق عليه: رواه البخاريُّ في الزّكاة (١٤٥٨)، ، ومسلم في الإيمان (١٩) كلاهما من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد، عن ابن عباس، فذكر الحديث. واللّفظ لمسلم. قوله: "كرائم أموالهم" الكرائم: جمع كريمة، وهي الجامعة للكمال الممكن في حقّها، من غزارة لبن، وجمال صورة، أو كثرة لحم أو صوف. • عن أبي أيوب أنّ أعرابيًّا عرض لرسول الله ﷺ وهو في سفر، فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها، ثم قال: يا رسول الله! أو يا محمد! أخبرني بما يقرّبني من الجنّة وما يباعدني من النّار. قال: فكفَّ النّبيُّ ﷺ ، ثم نظر في أصحابه، ثم قال: "لقد وفِّقَ أو هُدي". قال: "كيف قلتَ؟ ". قال: فأعاد. فقال النبيُّ ﷺ : "تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصّلاة، وتؤتي الزّكاة، وتصل الرّحم. دعِ النّاقة". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٣٩٦)، ومسلم في الإيمان (١٣) كلاهما من طريق عمرو بن عثمان، حدثنا موسى به نحة، قال: حدّثني أبو أيوب، فذكره.

стр. 2418

واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه إلّا أنه قال في إسناده: عن ابن عثمان بن عبد الله بن موهب. • عن أبي هريرة، أنّ أعرابيًّا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! ، دلّني على عمل إذا عملتُه دخلتُ الجنّة. قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصّلاة المكتوبة، وتؤدّي الزّكاة المفروضة، وتصوم رمضان". قال: والذي نفسي بيده! لا أزيد على هذا شيئًا أبدًا، ولا أنقص منه. فلمّا ولّى قال النّبيُّ ﷺ : "من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى هذا". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٣٩٧)، ومسلم في الإيمان (١٤) كلاهما من طريق عفّان بن مسلم، حدّثنا وُهيب، عن يحيى بن سعيد بن حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث، واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه. • عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله". قال: والله! لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاه حق المال، والله! تو متعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه. فقال عمر: فوالله! ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٢٨٤)، ومسلم في الإيمان (٢٠: ٣٢) كلاهما عن قتية بن سعيد، حدّثنا ليث، عن عقيل، عن الزّهريّ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة، فذكره. قال البخاريّ عقبه: قَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ وَعبد الله عن اللَّيْثِ "عَنَاقًا" وَهُوَ أَصَحُّ. قلت: ابن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير، ورواية عن اللّيث، في استتابة المرتدين (٦٩٢٤). وعبد الله هو أبو صالح المصريّ كاتب اللّيث. وقول البخاريّ: "وهو أصحّ" يعني من رواية "عِقَالًا". والعَناق: بفتح العين والنون جميعًا هي الأنثى من ولد المعز لم تبلغ سنة. • عن أبي جمرة قال كنت أترجم بين يدي ابن عباس وبين الناس فأتته امرأة تسأله عن نبيذ الجر فقال: إن وفد عبد القيس أتوا رسول الله ﷺ . فقال رسول الله

стр. 2419

- ﷺ : "من الوفد أو من القوم؟ ". قالوا: ربيعة، قال: "مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا الندامى". قال: فقالوا: يا رسول الله! إنا نأتيك من شقة بعيدة، وإن بيننا وبين هذا الحي من كفار مضر وإنَّا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر الحرام فمرنا بأمرٍ فصل نخبر به من وراءنا ندخل به الجنة. قال: فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع. قال: أمرهم بالإيمان بالله وحده، وقال: "هل تدرون ما الإيمان بالله؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمسًا من المغنم، ونهاهم عن الدباء، والحنتم والمزفَّت". قال شعبة: وربما قال: النَّقير. قال شعبة: وما قال: المُقَيَّرِ. وقال: "احفظوه وأخبروا به من ورائكم". وقال أبو بكر في روايته: "من وراءكم". وليس في روايته: المقيَّر. متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٣٩٨)، وفي المغازي (٤٣٦٨)، ومسلم في الإيمان (١٧: ٢٤) كلاهما من طريق أبي جمرة، به، فذكره. واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه. وفي رواية عند البخاريّ: عن أبي جمرة، قلت لابن عباس ﵄: "إنّ لي جرّة يتبذ لي نبيذ فأشربه حلوًا في جرٍّ، إن أكثرتُ منه فجالست القوم فأطلتُ الجلوس خشيتُ أن أفتضح؟ فقال: قدم وفد عبد القيس (فذكره). • عن أنس قال: كنا نتمنّى أن يأتي الأعرابيُّ العاقل فيسأل النّبيَّ ﷺ ونحن عنده، فبينا نحن كذلك إذ أتاه أعرابيٌّ فجثا بين يدي النّبيّ ﷺ فقال (فذكر الحديث) وجاء فيه: إنّ رسولك زعم لنا أنّك تزعم أن علينا في أموالنا الزّكاة؟ فقال النبيّ ﷺ : "صدق". فقال الأعرابيّ: والذي بعثك بالحقّ! لا أدع منهن شيئًا، ولا أجاوزهنّ، ثم وثب. فقال النبيّ ﷺ : "إنْ صدق الأعرابيُّ دخل الجنّة". متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (٦٣)، ومسلم في الإيمان (١٢) كلاهما من طريق سليمان ابن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، فذكره بطوله كما مضى في كتاب الإيمان. • عن أبي سعيد الخدريّ، أنّ أعرابيًّا سأل رسول الله ﷺ عن الهجرة، فقال: "ويحك إنّ شأنها شديد، فهل لك من إبل تؤدي صدقتها؟ ". قال: نعم. قال: "فاعمل من وراء البحار، فإنّ الله لن يترك من عملك شيئًا". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٥٢)، ومسلم في الإمارة (١٨٦٥) كلاهما من طريق

стр. 2420

الوليد بن مسلم، حَدَّثَنَا الأوزاعيّ، حَدَّثَنِي ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكره. وقوله: "لن يترك" بكسر التاء معناه: لن ينقصك من ثواب أعمالك شيئًا. • عن بَهْزَ بْنَ حَكِيمٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قُلْتُ " يَا نَبِىَّ اللَّهِ! مَا أَتَيْتُكَ حَتَّى حَلَفْتُ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِهِنَّ لأَصَابِعِ يَدَيْهِ أَنْ لا آتِيَكَ وَلا آتِىَ دِينَكَ، وَإِنِّى كُنْتُ امْرَأً لا أَعْقِلُ شَيْئًا إِلَاّ مَا عَلَّمَنِى اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَإِنِّى أَسْأَلُكَ بِوَحْىِ اللَّهِ بِمَا بَعَثَكَ رَبُّكَ إِلَيْنَا؟ قَالَ "بِالإِسْلامِ" قُلْتُ وَمَا آيَاتُ الإِسْلامِ؟ قَالَ: "أَنْ تَقُولَ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ إِلَى اللَّهِ، وَتَخَلَّيْتُ وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِىَ الزَّكَاةَ". حسن: رواه النسائي (٢٤٣٦) عن محمد بن عبد الأعلى، حَدَّثَنَا معتمر، قال: سمعت بهز بن حكيم، به، فذكره. وإسناده حسن من أجل بهز بن حكيم فهو صدوق، ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (٢٠٠٣٧)، وابن ماجة (٢٥٣٦) مختصرًا. وقوله: "تخليتُ". يعني من الترك. وقوله: "أن لا أتيك" أي دينك كارهًا له. • عن أبي أمامة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يخطب في حجّة الوداع [وهو على الجدعاء، واضع رجله في غرز الرّحْل يتطاول] فقال: "اتقوا الله ربَّكم، وصلُّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدُّوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنّة ربَّكم". صحيح: رواه الترمذيّ (٦١٦) عن موسى بن عبد الرحمن الكنديّ الكوفيّ، حَدَّثَنَا زيد بن الحباب، أخبرنا معاوية بن صالح، حَدَّثَنِي سليم بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة، فذكره. فقلت لأبي أمامة: منذ كم سمعتَ من رسول الله ﷺ هذا الحديث؟ قال: سمعته وأنا ابن ثلاثين سنة. وإسناده صحيح. قال الترمذيّ: "حسن صحيح"، وصحّحه أيضًا ابن حبَّان (٤٥٦٣)، والحاكم (١/ ٩)، وهو في مسند الإمام أحمد (٢٢١٦١) كلّهم من طريق معاوية بن صالح، قال: أخبرني سليم بن عامر، فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولا نعرف له علّة، ولم يخرجاه، وقد احتج البخاريّ ومسلم بأحاديث سليم بن عامر، وسائر رواته متفق عليهم". وقول: "ذا أمركم"، وفي رواية: "وأطيعوا أمراءكم". • عن علقمة بن ناجية الخزاعي أن النَّبِيّ ﷺ قال لهم عام المريسيع حين أسلموا: "إن من تمام إسلامكم أن تؤدوا زكاة أموالكم".
следующие страницы →