Полный текст (8 687 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام ابن باز -رحمه الله تعالى- في فتاواه.
٥ - باب من زار قبر الكافر فلا يدعو له، بل يبشره بالنار
• عن عامر بن سعد، عن أبيه أن أعرابيًا، أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أين أبي؟ فقال: "في النار" قال: فأين أبوك؟ قال: "حيث ما مررت بقبر كافر فبشره بالنار".
وفي رواية: فأسلم الأعرابي وقال: لقد كلَّفني رسولُ الله ﷺ تعبًا ما مررتُ بقبر كافر إلا بشرته بالنار.
صحيح: رواه البزار "كشف الأستار" (٩٣)، والطبرانيّ في "الكبير" (١/ ١٤٥)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٥٩٥) كلهم من طرق عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد فذكره.
واللفظ للبزار، والزيادة من الرواية الثانية عند ابن السني، قال الهيثمي في "المجمع" (١١٧ - ١١٨): ورجاله رجال الصّحيح". وصحّحه الضّياء في "المختارة" (١٠٠٥).
• عن عبد الله بن عمر قال: جاء أعرابيٌّ إلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إنّ أبي كان يصلُ الرَّحم، وكان وكان، فأين هو؟ قال: "في النار". قال: فكأنّه وجد من ذلك، فقال: يا رسول الله! ، فأين أبوك؟ فقال رسول الله ﷺ : "حيثما مررتَ بقبر مشرك فبشِّرْه بالنّار"، قال: فأسلم الأعرابيُّ بعد، وقال: لقد كلّفني رسول الله ﷺ تعبًا، ما مررتُ بقبر كافر إلّا بشّرتُه بالنّار".
صحيح: رواه ابن ماجه (١٥٧٣) عن محمد بن إسماعيل بن البختريّ الواسطيّ، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، عن إبراهيم بن سعد، عن الزّهريّ، عن سالم، عن أبيه، فذكره. وإسناده صحيح، وقد صحّحه أيضًا البوصيريّ في "الزوائد" وقال: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، محمد بن إسماعيل وثقه ابن حبان والدارقطني والذهبي، وباقي رجال الإسناد على شرط الشيخين".
فالذي يظهر كأنّ الزهريّ يروي هذا الحديث بإسنادين وعن صاحبين وكلاهما صحيح، ولا يحتاج إلى تخطئة أحدهما.
وفي معناه ما رُوي عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "إذا مررتُم بقبورنا وقبوركم من أهل الجاهلية، فأخبروهم أنهم من أهل النار".
رواه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٥٩٤)، وابن حبان في صحيحه (٨٤٧) كلاهما عن الحارث ابن سُريج، ثنا يحيى بن يمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
ويحيى بن يمان مختلف فيه غير أنه يحسن حديثه في الشواهد إذا لم يأت بشيء منكر. ولكن آفته الحارث بن سريج النّقّال ذكره الذهبيّ في "الميزان" (١/ ٤٣٣)، ونقل تضعيفه عن عدد من أهل العلم، قال ابن عدي: "ضعيف يسرق الحديث".
стр. 2417
١٤ - كتاب الزكاة
جموع الأبواب في وجوب الزكاة والترغيب في أدائها والترهيب من منعها
١ - باب فرض الزّكاة
قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة: ٤٣].
• عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ قال: "إنّك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّي رسول الله. فإنْ هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة. فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمْهم أنّ الله افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ في فقرائهم. فإن هم أطاعوا لذلك، فإيّاكَ وكرائمَ أموالهم. واتّقِ دعوةَ المظلوم فإنّه ليس بينها وبين الله حجاب".
متفق عليه: رواه البخاريُّ في الزّكاة (١٤٥٨)، ، ومسلم في الإيمان (١٩) كلاهما من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد، عن ابن عباس، فذكر الحديث. واللّفظ لمسلم.
قوله: "كرائم أموالهم" الكرائم: جمع كريمة، وهي الجامعة للكمال الممكن في حقّها، من غزارة لبن، وجمال صورة، أو كثرة لحم أو صوف.
• عن أبي أيوب أنّ أعرابيًّا عرض لرسول الله ﷺ وهو في سفر، فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها، ثم قال: يا رسول الله! أو يا محمد! أخبرني بما يقرّبني من الجنّة وما يباعدني من النّار. قال: فكفَّ النّبيُّ ﷺ ، ثم نظر في أصحابه، ثم قال: "لقد وفِّقَ أو هُدي". قال: "كيف قلتَ؟ ". قال: فأعاد. فقال النبيُّ ﷺ : "تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصّلاة، وتؤتي الزّكاة، وتصل الرّحم. دعِ النّاقة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٣٩٦)، ومسلم في الإيمان (١٣) كلاهما من طريق عمرو بن عثمان، حدثنا موسى به نحة، قال: حدّثني أبو أيوب، فذكره.
стр. 2418
واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه إلّا أنه قال في إسناده: عن ابن عثمان بن عبد الله بن موهب.
• عن أبي هريرة، أنّ أعرابيًّا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! ، دلّني على عمل إذا عملتُه دخلتُ الجنّة. قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصّلاة المكتوبة، وتؤدّي الزّكاة المفروضة، وتصوم رمضان". قال: والذي نفسي بيده! لا أزيد على هذا شيئًا أبدًا، ولا أنقص منه. فلمّا ولّى قال النّبيُّ ﷺ : "من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى هذا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٣٩٧)، ومسلم في الإيمان (١٤) كلاهما من طريق عفّان بن مسلم، حدّثنا وُهيب، عن يحيى بن سعيد بن حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث، واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه.
• عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله". قال: والله! لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاه حق المال، والله! تو متعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه.
فقال عمر: فوالله! ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٢٨٤)، ومسلم في الإيمان (٢٠: ٣٢) كلاهما عن قتية بن سعيد، حدّثنا ليث، عن عقيل، عن الزّهريّ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة، فذكره.
قال البخاريّ عقبه: قَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ وَعبد الله عن اللَّيْثِ "عَنَاقًا" وَهُوَ أَصَحُّ.
قلت: ابن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير، ورواية عن اللّيث، في استتابة المرتدين (٦٩٢٤). وعبد الله هو أبو صالح المصريّ كاتب اللّيث.
وقول البخاريّ: "وهو أصحّ" يعني من رواية "عِقَالًا".
والعَناق: بفتح العين والنون جميعًا هي الأنثى من ولد المعز لم تبلغ سنة.
• عن أبي جمرة قال كنت أترجم بين يدي ابن عباس وبين الناس فأتته امرأة تسأله عن نبيذ الجر فقال: إن وفد عبد القيس أتوا رسول الله ﷺ . فقال رسول الله
стр. 2419
- ﷺ : "من الوفد أو من القوم؟ ". قالوا: ربيعة، قال: "مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا الندامى". قال: فقالوا: يا رسول الله! إنا نأتيك من شقة بعيدة، وإن بيننا وبين هذا الحي من كفار مضر وإنَّا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر الحرام فمرنا بأمرٍ فصل نخبر به من وراءنا ندخل به الجنة. قال: فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع. قال: أمرهم بالإيمان بالله وحده، وقال: "هل تدرون ما الإيمان بالله؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمسًا من المغنم، ونهاهم عن الدباء، والحنتم والمزفَّت".
قال شعبة: وربما قال: النَّقير. قال شعبة: وما قال: المُقَيَّرِ. وقال: "احفظوه وأخبروا به من ورائكم".
وقال أبو بكر في روايته: "من وراءكم". وليس في روايته: المقيَّر.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٣٩٨)، وفي المغازي (٤٣٦٨)، ومسلم في الإيمان (١٧: ٢٤) كلاهما من طريق أبي جمرة، به، فذكره. واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه.
وفي رواية عند البخاريّ: عن أبي جمرة، قلت لابن عباس ﵄: "إنّ لي جرّة يتبذ لي نبيذ فأشربه حلوًا في جرٍّ، إن أكثرتُ منه فجالست القوم فأطلتُ الجلوس خشيتُ أن أفتضح؟ فقال: قدم وفد عبد القيس (فذكره).
• عن أنس قال: كنا نتمنّى أن يأتي الأعرابيُّ العاقل فيسأل النّبيَّ ﷺ ونحن عنده، فبينا نحن كذلك إذ أتاه أعرابيٌّ فجثا بين يدي النّبيّ ﷺ فقال (فذكر الحديث) وجاء فيه: إنّ رسولك زعم لنا أنّك تزعم أن علينا في أموالنا الزّكاة؟ فقال النبيّ ﷺ : "صدق". فقال الأعرابيّ: والذي بعثك بالحقّ! لا أدع منهن شيئًا، ولا أجاوزهنّ، ثم وثب. فقال النبيّ ﷺ : "إنْ صدق الأعرابيُّ دخل الجنّة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (٦٣)، ومسلم في الإيمان (١٢) كلاهما من طريق سليمان ابن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، فذكره بطوله كما مضى في كتاب الإيمان.
• عن أبي سعيد الخدريّ، أنّ أعرابيًّا سأل رسول الله ﷺ عن الهجرة، فقال: "ويحك إنّ شأنها شديد، فهل لك من إبل تؤدي صدقتها؟ ". قال: نعم. قال: "فاعمل من وراء البحار، فإنّ الله لن يترك من عملك شيئًا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٥٢)، ومسلم في الإمارة (١٨٦٥) كلاهما من طريق
стр. 2420
الوليد بن مسلم، حَدَّثَنَا الأوزاعيّ، حَدَّثَنِي ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكره.
وقوله: "لن يترك" بكسر التاء معناه: لن ينقصك من ثواب أعمالك شيئًا.
• عن بَهْزَ بْنَ حَكِيمٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قُلْتُ " يَا نَبِىَّ اللَّهِ! مَا أَتَيْتُكَ حَتَّى حَلَفْتُ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِهِنَّ لأَصَابِعِ يَدَيْهِ أَنْ لا آتِيَكَ وَلا آتِىَ دِينَكَ، وَإِنِّى كُنْتُ امْرَأً لا أَعْقِلُ شَيْئًا إِلَاّ مَا عَلَّمَنِى اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَإِنِّى أَسْأَلُكَ بِوَحْىِ اللَّهِ بِمَا بَعَثَكَ رَبُّكَ إِلَيْنَا؟ قَالَ "بِالإِسْلامِ" قُلْتُ وَمَا آيَاتُ الإِسْلامِ؟ قَالَ: "أَنْ تَقُولَ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ إِلَى اللَّهِ، وَتَخَلَّيْتُ وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِىَ الزَّكَاةَ".
حسن: رواه النسائي (٢٤٣٦) عن محمد بن عبد الأعلى، حَدَّثَنَا معتمر، قال: سمعت بهز بن حكيم، به، فذكره.
وإسناده حسن من أجل بهز بن حكيم فهو صدوق، ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (٢٠٠٣٧)، وابن ماجة (٢٥٣٦) مختصرًا.
وقوله: "تخليتُ". يعني من الترك.
وقوله: "أن لا أتيك" أي دينك كارهًا له.
• عن أبي أمامة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يخطب في حجّة الوداع [وهو على الجدعاء، واضع رجله في غرز الرّحْل يتطاول] فقال: "اتقوا الله ربَّكم، وصلُّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدُّوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنّة ربَّكم".
صحيح: رواه الترمذيّ (٦١٦) عن موسى بن عبد الرحمن الكنديّ الكوفيّ، حَدَّثَنَا زيد بن الحباب، أخبرنا معاوية بن صالح، حَدَّثَنِي سليم بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة، فذكره.
فقلت لأبي أمامة: منذ كم سمعتَ من رسول الله ﷺ هذا الحديث؟ قال: سمعته وأنا ابن ثلاثين سنة.
وإسناده صحيح. قال الترمذيّ: "حسن صحيح"، وصحّحه أيضًا ابن حبَّان (٤٥٦٣)، والحاكم (١/ ٩)، وهو في مسند الإمام أحمد (٢٢١٦١) كلّهم من طريق معاوية بن صالح، قال: أخبرني سليم بن عامر، فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولا نعرف له علّة، ولم يخرجاه، وقد احتج البخاريّ ومسلم بأحاديث سليم بن عامر، وسائر رواته متفق عليهم".
وقول: "ذا أمركم"، وفي رواية: "وأطيعوا أمراءكم".
• عن علقمة بن ناجية الخزاعي أن النَّبِيّ ﷺ قال لهم عام المريسيع حين أسلموا: "إن من تمام إسلامكم أن تؤدوا زكاة أموالكم".
стр. 2421
حسن: رواه الطبرانيّ في "الكبير" (٨/ ١٨) والبزّار. - "كشف الأستار" (٨٧٦) وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٣٣٤) من حديث يعقوب بن حميد، ثنا عيسى بن الحضرمي بن كلثوم بن علقمة بن ناجية بن الحارث الخزاعيّ، عن جده كلثوم، عن أبيه، فذكره.
إِلَّا أن البزّار لم يسم شيخه، فقال: حَدَّثَنَا بعض أصحابنا، عن عيسي بن الحضرمي بن كلثوم، عن علقمة بن ناجية الخزاعيّ، عن جده، عن أبيه علقمة فذكره، وقال: "لا نعلم روي علقمة إِلَّا هذا".
وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب" (١٨٦٣): "علقمة بن ناجية له حديث واحد مخرجه عن ولده".
وإسناده حسن من أجل الكلام في يعقوب بن حميد بن كاسب المدنيّ، قال البخاريّ: "لم يزل خيرًا، هو في الأصل صدوق". وتكلم فيه غيره. غير أنه حسن الحديث إذا لم يأت في حديثه ما يُغرب لأنه كان كثير الحديث، كثير الغرائب كما قال ابن عدي.
وفي الباب ما رُوي عن أبي الدّرداء أنَّ النَّبِيّ ﷺ قال: "أخلصوا عبادة ربّكم، وصلوا خمسكم، وأدّوا زكاة أموالكم، وصوموا شهركم، وحجّوا بيت ربِّكم، تدخلوا جنّة ربّكم)). فهو ضعيف.
رواه الطَّبرانيّ في "مسند الشَّامين" (٦٥٩) عن أحمد بن مسعود المقدسيّ، ثنا عمرو بن أبي سلمة، ثنا صدقة بن عبد الله، عن الوضين بن عطاء، عن يزيد بن مرند، عن أبي الدّرداء، أنَّ رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! ما عصمة هذا الأمر وعراه ووثاقه؟ قال: فعقد بيمينه فقال: (فذكره).
وعنه رواه أبو نعيم في "الحلية" (٥/ ١٦٦) وقال: "غريب من حديث يزيد، تفرّد به عنه الوضين".
قلت: وإسناده ضعيف من أجل صدقة بن عبد الله وهو أبو معاوية الدّمشقيّ ضعَّفه النّسائيّ وغيره. وفي "التقريب": "ضعيف".
وأمّا الوضين الذي تفرّد به فهو الوضين بن عطاء بن كنانة الخزاعيّ الدّمشقيّ مختلف فيه فوثقه أحمد وابن معين، وضعّفه ابن سعد والجوزجاني. وقال ابن عدي: "ما أرى بأحاديثه بأسًا".
وأمّا ما رُوي عن فاطمة بنت قيس قالت: سألت أو سئل النَّبِيّ ﷺ عن الزكاة فقال: "إنَّ في المال لحقًّا سوى الزّكاة". ثمّ تلا هذه الآية التي في البقرة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [سورة البقرة: ١٧٧] فهو ضعيف.
رواه الترمذيّ (٦٥٩، ٦٦٠) من وجهين عن شريك، عن أبي حمزة، عن عامر الشّعبيّ، عن فاطمة بنت قيس، فذكرته.
قال الترمذيّ: "هذا حديث إسناده ليس بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يُضعّف. وروي بيان وإسماعيل بن سالم، عن الشّعبي هذا الحديث قوله. وهذا أصح" انتهى.
وفي الإسناد أيضًا شريك وهو عبد الله النخعي سيء الحفظ. وقال النوويّ في "الخلاصة" (٣٨٣٧): "هذا حديث منكر".
стр. 2422
وحديث بيان الذي أشار إليه الترمذيّ -رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ١٩١) عن ابن فضيل، عن بيان، عن عامر، قال: "في المال حقّ سوى الزّكاة".
وقد انقلب هذا الحديث على بعض الرّواة، فرووه بلفظ: "ليس في المال حقّ سوى الزّكاة". هكذا رواه ابن ماجه (١٧٨٩) من طريق يحيي بن آدم، عن شريك، بإسناده.
قال البيهقيّ (٤/ ٨٤) بعد أن ذكر اللّفظ الأوّل من الحديث: "هذا حديث يعرف بأبي حمزة ميمون الأعور كوفيّ، وقد جرّحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين فمن بعدهما من حفَّاظ الحديث، والذي يرويه أصحابنا في التعاليق: "ليس في المال حق سوى الزّكاة" فلست أحفظ فيه إسنادًا" انتهى.
٢ - باب البيعة على إيتاء الزّكاة
• عن جرير بن عبد الله قال: "بايعتُ رسولَ الله ﷺ على إقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، والنُّصح لكلِّ مسلم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٠١)، ومسلم في الإيمان (٥٦) من طرق، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن جرير، فذكره.
٣ - باب ما جاء في تعجيل الزّكاة قبل تمام الحول
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا" ثُمَّ قَالَ: "يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟ ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٦٨)، ومسلم في الزّكاة (٩٨٣) كلاهما من طريق أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه.
قوله: "احتبس" أي حبس.
وقوله: "أعتاده" جمع عتد، وعند البخاريّ: "أعتده" وهو جمع أيضًا، والمراد: ما يُعدّ من الدّواب والسّلاح، وقيل: الخيل خاصة، ويقال: فرس عنيد أي صلب، أو معدٌّ للركوب، أو سريع الوثوب.
وقوله: "وأمّا العباس فهي عليّ"، معناه: أني سلفت منه زكاة عامين، وعلى المعنى تدل عليه الأحاديث الأخرى وإن كان أكثرها لا تصح، ولكن مجموعها يدل عليه.
• عن عليّ بن أبي طالب، أنَّ العبَّاس سأل النَّبِيّ ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن
стр. 2423
تحلّ، فرخَّصَ له في ذلك. قال مرّة: فأذَّن له في ذلك.
حسن: رواه أبو داود (١٦٢٤)، والتِّرمذيّ (٦٧٨)، وابن ماجه (١٧٩٥) كلّهم من طريق سعيد ابن منصور، حَدَّثَنَا إسماعيل بن زكريا، عن حجَّاج بن دينار، عن الحكم، عن حُجية بن عديّ، عن عليّ، فذكره. ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (٨٢٢) وصحّحه ابن خزيمة (٢٣٣١)، والحاكم (٣/ ٣٣٢).
وقال الترمذيّ: حسن. وقال أيضًا: وقد روي هذا الحديث عن الحكم بن عتيبة، عن النَّبِيّ ﷺ مرسلًا" انتهى.
وقال أبو داود عقب رواية الحديث: "روي هذا الحديث هُشيم، عن منصور بن زاذان، عن الحكم، عن الحسن بن مسلم، عن النَّبِيّ ﷺ ، وحديث هُشيم أصح".
وهو الذي رجّحه أيضًا الدَّارقطنيّ والبيهقي وغيرهما؛ لأنه اختلف على الحكم بن عتبة، فرواه عنه الحجاج بن دينار بإسناده، وحجاج بن دينار ضعَّفه الدارقطنيّ، ومشّاه الآخرون، وحجة بن عدي صدوق يخطئ من رجال السنن.
ونظرًا لكون هذه القصة رويت من أوجه كثيرة، ومخارج مختلفة فالغالب على الظّن أن حجية بن عدي لم يخطئ في بيانها، وقد أيدته ما رواه الشّيخان كما سبق؛ لأنَّ قول النَّبِيّ ﷺ في حديث أبي هريرة: "أمّا العباس فهي عليَّ". وقد قيل معناه: هي عندي قرض؛ لأنّي استسلفت منه صدقة عامين.
قال الحافظ ابن حجر بعد أن تكلّم على الروايات الواردة في تعجيل صدقته: "وليس ثبوت هذه القصة في تعجيل صدقة العباس بيعيد في النظر بمجموع هذه الطرق". "الفتح" (٣/ ٣٣٤).
قلت: وله تفسير آخر كما في المرجع المذكور.
وأمّا من رجّح المرسل فلا يضر من رجّح الموصول لما فيه زيادة علم؛ ولذا حسّنه الترمذيّ والبغوي وغيرهما.
وبه أخذ جمهور أهل العلم في جواز تعجيل الزّكاة قبل تمام الحول، منهم: الزّهريّ، والأوزاعيّ، والشّافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرّأي. وقال مالك: لا يجوز تعجيله ويعيد لو عجّل. انظر "شرح السنة" (٦/ ٣٢).
٤ - باب ما جاء في كراهية حبس الصّدقة
• عن عقبة بن الحارث، قال: صلَّى بنا النَّبِيُّ ﷺ العصرَ فأسرعَ، ثمّ دخل البيتَ فلم يلبث أن خرج، فقلت -أو قيل- له. فقال: "كنتُ خلَّفتُ في البيت تبرًا من الصَّدقة فكرهتُ أن أبيِّته، فقسمته".
صحيح: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٣٠) حَدَّثَنَا أبو عاصم، عن عمر بن سعيد، عن ابن أبي
стр. 2424
مُلكة، أنّ عقبة بن الحارث حدَّثه، فذكر الحديث.
• عن أبي هريرة، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "ما يسرُّني أنَّ لي أُحدًا ذهبًا يأتي عليَّ ثالثةٌ وعندي منه دينار إِلَّا دينار أرصده لديْن عليَّ".
متفق عليه: رواه مسلم في الزّكاة (٩٩١) من طرق عن محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة، فذكر الحديث. ورواه البخاريّ في الاستقراض (٢٣٨٨٩) من وجه آخر عن أبي هريرة نحوه.
٥ - باب ما جاء من الوعيد الشَّديد لمانع الزّكاة
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [سورة التوبة: ٣٤، ٣٥].
• عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ. فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: "هُمُ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ". قَالَ: فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ فَلَمْ أَتَقَارَّ أَنْ قُمْتُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "هُمُ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ! مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ، وَلَا بَقَرٍ، وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا، عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٦٠)، ومسلم في الزّكاة (٩٩٠) كلاهما من طريق الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذرّ الغفاريّ، فذكر الحديث. واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ مختصر.
قوله: "فلم أتقارَّ" أي لم يُمكنني القرار أي لم أستقرّ.
• عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى مَلَإٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّيَابِ وَالهَيْئَةِ، حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: بَشِّرِ الكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ يَتَزَلْزَلُ. ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ وَأَنَا لا أَدْرِي مَنْ هُوَ. فَقُلْتُ لَهُ: لا أُرَى القَوْمَ إِلَّا قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْتَ -قَالَ: إِنَّهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا، قَالَ لِي خَلِيلِي- قَالَ: قُلْتُ: مَنْ خَلِيلُكَ؟
стр. 2425
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أَبَا ذَرٍّ أَتُبْصِرُ أُحُدًا؟ " قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ، وَأَنَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، أُنْفِقُهُ كُلَّهُ، إِلَّا ثَلاثَةَ دَنَانِيرَ". وَإِنَّ هَؤُلاءِ لا يَعْقِلُونَ، إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا، لا وَاللَّهِ، لا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا، وَلا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ، حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ.
وفي رواية: "بَشِّرِ الْكَانِزِينَ، بِكَيٍّ فِي ظُهُورِهِمْ يَخْرُجُ مِنْ جُنُوبِهِمْ، وَبِكَيٍّ مِنْ قِبَلِ أَقْفَائِهِمْ يَخْرُجُ مِنْ جِبَاهِهِمْ. قَالَ: ثُمَّ تَنَحَّى فَقَعَدَ، قَالَ قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ. قَالَ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: مَا شَيْءٌ سَمِعْتُكَ تَقُولُ قُبَيْلُ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ إِلَّا شَيْئًا قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّهِمْ ﷺ قَالَ: قُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الْعَطَاءِ؟ قَالَ: خُذْهُ فَإِنَّ فِيهِ الْيَوْمَ مَعُونَةً، فَإِذَا كَانَ ثَمَنًا لِدِينِكَ فَدَعْهُ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٠٧ - ١٤٠٨)، ومسلم في الزّكاة (٩٩٢) كلاهما من طريق الحريريّ، عن أبي العلاء، عن الأحنف فذكره.
والرّواية الثانية رواها مسلم (٩٩٢: ٣٥)، حَدَّثَنَا شيبان بن فروخ، حَدَّثَنَا أبو الأشهب، حَدَّثَنَا خُليد العصريّ، عن الأحنف بن قيس، قال: كنتُ في نفر من قريش.
قوله: "نُغْض كتفيه" النُّغْضُ: بضم النون - العظم الدّقيق الذي على طرف الكتف، أو على أعلى الكتف. قوله: "يتزلزل" أي يتحرّك ويضطرب.
قوله: "برَضْفٍ" بفتح الراء وسكون المعجمة - هي الحجارة المحماة، واحدها رضفة.
تنبيه: قال أبو العباس القرطبي: العطاء الذي سُئل عنه أبو ذرّ هو ما يعطاه الرّجل من بيت المال على وجه يستحقُّه، وهو الذي قال فيه النَّبِيُّ ﷺ : "ما أتاك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك".
وقوله: "إذا كان ثمنا لدينك" أي إذا كنت لا تتوصّل إليه إِلَّا بوجه غير جائز فلا تلتفتْ إليه.
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ. فَأَمَّا الَّذِي هي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ بِهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنَ المَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ، وَلَوْ أَنَّها قطَعت طِيَلُهَا ذلك فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ كَانَ ذَلِكَ له حَسَنَاتٍ فَهِيَ له أَجْرٌ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا ولَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلا ظُهُورِهَا، فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الإِسْلامِ، فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ".
стр. 2426
وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الحُمُرِ؟ فَقَالَ: "مَا يُنْزَلَ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الآيَةُ الجَامِعَةُ الفَاذَّةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [سورة الزلزلة: ٧ - ٨] ".
متفق عليه: رواه مالك في الجهاد (٣) عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح السَّمان، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه البخاريّ في المساقاة (٢٣٧١) من طريق مالك به.
ورواه مسلم في الزّكاة (٩٨٧) من وجه آخر عن حفص بن ميسرة الصّنعانيّ، عن زيد بن أسلم، بإسناده، ولفظه: "مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَالْإِبِلُ؟ قَالَ: "وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ".
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: "وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ، وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَالْخَيْلُ؟ قَالَ: "الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ لِأَهْلِ الإِسْلَامِ فِي مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ وَلَا تَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَالْحُمُرُ؟ قَالَ: "مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ".
стр. 2427
ثمّ إن مسلمًا جمع عدَّة أحاديث من رواية سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة.
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من آتاه الله مالًا فلم يؤدِّ زكاته مُثِّلَ له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يُطوّقه يوم القيامة، ثمّ يأخذ بِلِهْزِمَتَيِه - يعني شدْقيه- ثمّ يقول: أنا مالُك، أنا كنزك، ثمّ تلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية [سورة آل عمران: ١٨٠] ".
صحيح: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٠٣) عن عليّ بن عبد الله، حَدَّثَنَا هاشم بن القاسم، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح السّمان، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
قوله: "له زبيبتان" ذُكر في معناها أقوال أظهرها: الزبيبتان: لحمتان على رأسه مثل القرنين. انظر "الفتح" (٣/ ٢٧٠).
وقوله: "يُطوّقه" أي يصير ذلك الثعبان طوقًا.
• عن أبي هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَأْتِي الإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَأْتِي الغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَظْلافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا".
وَقَالَ: "وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى المَاءِ".
قَالَ: "وَلَا يَأْتِي أَحَدُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ! فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ بَلَّغْتُ، وَلا يَأْتِي بِبَعِيرٍ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ! فَأَقُولُ لا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، قَدْ بَلَّغْتُ".
صحيح: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٠٢) حَدَّثَنَا الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، حَدَّثَنَا أبو الزّناد، أنَّ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، حدَّثه أنه سمع أبا هريرة يقول (فذكره).
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " تَأْتِي الْإِبِلُ الَّتِي لَمْ تُعْطِ الْحَقَّ مِنْهَا تَطَأُ صَاحِبَهَا بِأَخْفَافِهَا، وَتَأْتِي الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ تَطَأُ صَاحِبَهَا بِأَظْلَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وَيَأْتِي الْكَنْزُ شُجَاعًا أَقْرَعَ، فَيَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُهُ فَيَفِرُّ فَيَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ، أَنَا كَنْزُكَ، فَيَتَقِيهِ بِيَدِهِ فَيَلْقَمُهَا".
حسن: رواه ابن ماجه (١٧٨٦) عن أبي مروان محمد بن عثمان العثمانيّ، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن أبي حازم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل العلاء بن عبد الرحمن الحرقيّ المدنيّ مختلف فيه غير أنه حسن
стр. 2428
الحديث، وهو من رجال مسلم. وصحّحه ابن حبَّان (٣٢٥٤)، ورواه من هذا الوجه.
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: "يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ ذَا زَبِيبَتَيْنِ، يَتْبَعُ صَاحِبَهُ وَهُوَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُ وَلَا يَزَالُ يَتْبَعُهُ حَتَّى يُلْقِمَهُ أُصْبُعَهُ".
حسن: رواه الإمام أحمد (٨٩٣٣) عن قُتَيبة، حَدَّثَنَا ليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل ابن عجلان وهو محمد المدنيّ، فإنه حسن الحديث.
وصحّحه ابن خزيمة (٢٢٥٤)، وابن حبَّان (٣٢٥٨)، والحاكم (١/ ٣٨٩) وقال: على شرط مسلم.
• عَنْ أَبِي عُمَرَ الْغُدَانِيِّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ جَالِسًا قَالَ: فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ فَقِيلَ لَهُ هَذَا أَكْثَرُ عَامِرِيٍّ نَادَى مَالًا. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: رُدُّوهُ إِلَيَّ، فَرَدُّوهُ عَلَيْهِ فَقَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّكَ ذُو مَالٍ كَثِيرٍ؟ فَقَالَ الْعَامِرِيُّ: إِي وَاللهِ إِنَّ لِي مِائَةً حُمْرًا وَمِائَةً أَدْمَاءَ حَتَّى عَدَّ مِنْ أَلْوَانِ الْإِبِلِ، وَأَفْنَانِ الرَّقِيقِ، وَرِبَاطِ الْخَيْلِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِيَّاكَ وَأَخْفَافَ الْإِبِلِ وَأَظْلَافَ الْغَنَمِ! -يُرَدِّدُ ذَلِكَ عَلَيْهِ- حَتَّى جَعَلَ لَوْنُ الْعَامِرِيِّ يَتَغَيَّرُ أَوْ يَتَلَوَّنُ فَقَالَ: مَا ذَاكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ إِبِلٌ لَا يُعْطِي حَقَّهَا فِي نَجْدَتِهَا، وَرِسْلِهَا". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا رِسْلُهَا وَنَجْدَتُهَا؟ قَالَ: "فِي عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا، فَإِنَّهَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغَذِّ مَا كَانَتْ وَأَكْبَرِهِ، وَأَسْمَنِهِ، وَأَسَرِّهِ ثُمَّ يُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ فَتَطَؤُهُ فِيهِ بِأَخْفَافِهَا، إِذَا جَاوَزَتْهُ أُخْرَاهَا أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فَيَرَى سَبِيلَهُ وَإِذَا كَانَتْ لَهُ بَقَرٌ لَا يُعْطِي حَقَّهَا فِي نَجْدَتِهَا وَرِسْلِهَا فَإِنَّهَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغَذِّ مَا كَانَتْ وَأَكْبَرِهِ، وَأَسْمَنِه، وأَسَرِّهِ، ثُمَّ يُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ فَتَطَؤُهُ فِيهِ كُلُّ ذَاتِ ظِلْفٍ بِظِلْفِهَا وَتَنْطَحُهُ كُلُّ ذَاتِ قَرْنٍ بِقَرْنِهَا إِذَا جَاوَزَتْهُ أُخْرَاهَا أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى يَرَى سَبِيلَهُ وَإِذَا كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ لَا يُعْطِي حَقَّهَا فِي نَجْدَتِهَا وَرِسْلِهَا، فَإِنَّهَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغَذِّ مَا كَانَتْ وَأَكْبَرِهِ، وَأَسْمَنِهِ، وأَسَرِّهِ، ثُمَّ يُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ فَتَطَؤُهُ كُلُّ ذَاتِ ظِلْفٍ بِظِلْفِهَا وَتَنْطَحُهُ كُلُّ ذَاتِ قَرْنٍ بِقَرْنِهَا يَعْنِي لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ إِذَا جَاوَزَتْهُ أُخْرَاهَا أُعِيدَتْ أُولَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فَيَرَى سَبِيلَهُ".
فَقَالَ الْعَامِرِيّ: وَمَا حَقُّ الْإِبِلِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: أَنْ تُعْطِيَ الْكَرِيمَةَ، وَتَمْنَحَ
стр. 2429
الْغَزِيرَةَ، وَتُفْقِرَ الظَّهْرَ، وَتُسْقِيَ اللَّبَنَ، وَتُطْرِقَ الْفَحْلَ".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٠٣٥٠) عن محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي عمر الغدانيّ، قال (فذكره).
ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٢٣٢٢) من وجه آخر عن يزيد بن هارون، أخبرنا شعبة، عن قتادة، بإسناده مثله.
ومن هذا الطريق رواه أيضًا أبو داود (١٦٦٠) مختصرًا، والإمام أحمد (١٠٣٥١) إِلَّا أن الإمام أحمد لم يسق لفظه وإنما أحال على ما سبق.
قال ابن خزيمة: لم يرو هذا الحديث غير يزيد بن هارون، عن شعبة.
قلت: ليس كما قال، بل رواه أيضًا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة كما مضى.
ومن هذا الطريق رواه أيضًا النّسائيّ (٢٤٤٢) غير أنه لم يذكر القصّة في أوّل الحديث.
وإسناده حسن من أجل أبي عمر، وقيل: عمرو الغداني فإنه لم يوثقه غير ابن حبَّان؛ ولذا قال الحافظ: "مقبول" أي إذا توبع، وقد توبع في أصل الحديث فيما سبق إِلَّا أنه انفرد بهذه القصة في أول الحديث ولم أجد له متابعًا.
• عن جَابِر بْن عَبْدِ الله الْأَنْصَارِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قَطُّ وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَسْتَنُّ عَلَيْهِ بِقَوَائِمِهَا وَأَخْفَافِهَا، وَلَا صَاحِبِ بَقَرٍ، لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِقَوَائِمِهَا وَلَا صَاحِبِ غَنَمٍ لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا لَيْسَ فِيهَا جَمَّاءُ وَلَا مُنْكَسِرٌ قَرْنُهَا وَلَا صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يَفْعَلُ فِيهِ حَقَّهُ إِلَّا جَاءَ كَنْزُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَتْبَعُهُ فَاتِحًا فَاهُ فَإِذَا أَتَاهُ فَرَّ مِنْهُ فَيُنَادِيهِ خُذْ كَنْزَكَ الَّذِي خَبَأْتَهُ فَأَنَا عَنْهُ غَنِيٌّ فَإِذَا رَأَى أَنْ لَا بُدَّ مِنْهُ سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ فَيَقْضَمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ".
صحيح: رواه مسلم في الزّكاة (٩٨٨) من طريق عبد الرزّاق، أخبرنا ابنُ جريج، أخبرني أبو الزُّبير، أنه سمع جابر بن عبد الله الأنصاريّ، فذكر الحديث.
قوله: "بقاع قرقر" أي بموضع مستو واسع، وأصله الموضع المنخفض الذي يستقر فيه الماء، ويجمع على قيعة وقيعان.
قوله: "ليس فيها جمّاء" الجمّاء من الشّاة هي التي لا قرن لها.
وقوله: "شجاعًا أقرع" هو ذكر الحية الذي تمعّط شعره لكثرة سُمِّه.
стр. 2430
قوله: "فيقضمها" أي يأكلها.
• عن جابر قال: قال رجل من القوم: يا رسول الله! ، أرأيتَ لو أدّى الرّجلُ زكاة ماله؟ فقال رسول الله ﷺ : "مَنْ أدّى زكاة ماله، فقد ذهب عنه شرّه".
حسن: رواه الطبرانيّ في "الأوسط" (مجمع البحرين ١٣٤٥) عن أحمد بن حمدون، حَدَّثَنَا محمد بن عمار الموصليّ، ثنا عمر بن أيوب، عن المغيرة بن زياد، عن أبي الزُّبير، عن جابر، فذكره.
رجاله ثقات غير المغيرة بن زياد وهو البجليّ أبو هشام مختلف فيه، فقال الإمام أحمد: "مضطرب الحديث، منكر الحديث، أحاديثه مناكير". ووثَّقه ابن معين، والعجلي وغيرهما، ومشّاه النسائيّ وأبو داود وابن عدي وغيرهم. وقد تابعه ابن جريج عن أبي الزُّبير.
رواه الحاكم (١/ ٣٩٠) من طريق عبد الله بن وهب، قال: أخبرني ابن جريج، بإسناده، مثله.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
وحسنه الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٦٣) بعد أن عزاه إلى الطبرانيّ في "الأوسط" وقال: "وإن كان في بعض رجاله كلام".
قلت: لعلّه يقصد به المغيرة بن زياد البجليّ وإلَّا بقية رجاله ثقات، ثمّ المغيرة هذا قد توبع كما مضى.
• عَنْ عَبْدِ اللَّه قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ رَجُلٍ لَهُ مَالٌ لَا يُؤَدِّي حَقَّ مَالِهِ إِلَّا جَعَلَ لَهُ طَوْقًا فِي عُنُقِهِ شُجَاعٌ أَقْرَعٌ وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ وَهُوَ يَتْبَعُهُ ثُمَّ قَرَأَ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللهِ : ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة آل عمران: ١٨٠].
صحيح: رواه الترمذيّ (٣٠١٢)، والنسائيّ (٢٤٤١)، وابن ماجه (١٧٨٤) كلّهم من حديث سفيان بن عيينة، عن جامع (وهو ابن أبي راشد)، عن أبي وائل، عن عبد الله، فذكره.
قال الترمذيّ: "حسن صحيح" وصحّحه ابن خزيمة (٢٢٥٦).
ومعنى قوله: "شجاعًا أقرع" يعني حيّة.
• عن عبد الله بن مسعود، قال: "آكل الرِّبا وموكله وشاهداه إذا علماه، والواشمة والمستوشمة، ولاوي الصدقة، والمرتد أعرابيا بعد الهجرة ملعونون على لسان محمد ﷺ يوم القيامة".
حسن: رواه ابن خزيمة (٢٢٥٠)، والحاكم (١/ ٣٨٧ - ٣٨٨) كلاهما من طريق ابن عيسيّ، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، قال: قال عبد الله، فذكره.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم، فقد احتج بيحيى بن عيسى الرملي ولم يخرجاه".
стр. 2431
قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في يحيى بن عيسى، وهو وإن كان من رجال مسلم إِلَّا أنه مختلف فيه، فضعَّفه ابن معين والنسائي وغيرهما، ومشّاه أحمد، وذكره ابن حبَّان، والعجلي في الثّقات، فهو حسن الحديث.
ولكن رواه النسائيّ (٨/ ١٤٧)، والإمام أحمد (٣٨٨١)، وابن حبَّان في صحيحه (٣٢٥٢) كلّهم من طرق، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن الحارث بن عبد الله، أنَّ ابن مسعود، قال (فذكره).
والحارث بن عبد الله هو الأعور ضعيف جدًّا.
فيا تُرى هل رواه عبد الله بن مرة من وجهين، أو أنَّ الأعمش دلّسه؛ لأنَّ النسائيّ رواه من طريق شعبة، عن الأعمش، قال: سمعت عبد الله بن مرة، يحدِّث عن الحارث، عن عبد الله.
ورواه كذلك من طريق حصين ومغيرة وابن عون، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي.
ولكن جاء في مسند الإمام أحمد قال (أي الأعمش): فذكرتُ ذلك لإبراهيم (أي ابن يزيد النَّخعيّ) فقال: حَدَّثَنِي علقمة، قال: قال عبد الله، فذكر بعض الحديث. وهذا إسناد صحيح.
فإذا صحَّ هذا فلا يضرّ ما رُوي عن الحارث بن عبد الله الأعور.
• عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الَّذِي لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ. قَالَ: فَيَلْتَزِمُهُ أَوْ يُطَوِّقُهُ، قَالَ: يَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ، أَنَا كَنْزُكَ".
صحيح: رواه النسائيّ (٢٤٨١) عن الفضل بن سهل، قال: حَدَّثَنَا أبو النضر هاشم بن القاسم، قال: حَدَّثَنَا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فذكره.
وصحّحه ابن خزيمة (٢٢٥٧)، ورواه من طريق أبي النّضر هاشم بن القاسم بإسناده نحوه.
ورواه الإمام أحمد (٥٧٢٩) من وجه آخر عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، بإسناده، مثله.
• وعن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : "من ترك بعده كنزًا مُثِّل له يوم القيامة شجاعًا أقرع، له زبيبتان يتبع فاه، فيقول: ويلك مالك؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته بعدك، فلا يزال يتبعه حتّى يلقمه بده، فيقضمها، ثمّ يتبعه سائر جسده".
صحيح: رواه الطبرانيّ في "الكبير" (١٤٠٨)، والبزّار -"كشف الأستار" (٨٨٢) -، وصحّحه
ابن خزيمة (٢٢٥٥)، والحاكم (١/ ٣٨٨) كلّهم من طرق عن يزيد بن زريع، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد الغطفانيّ، عن معدان بن أبي طلحة اليعمريّ، عن ثوبان، فذكره.
قال البزّار: "قد روي نحوه بلفظه من غير هذا الوجه، ولا نعلم له طريقًا إِلَّا هذا الطريق إسناده حسن".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
стр. 2432
والصّواب ما قاله الحاكم؛ فإنّ معدان بن أبي طلحة من رجال مسلم وحده.
ورجاله ثقات، وذكره الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٦٤)، وعزاه إلى البزّار، ونقل قوله، وقال: "رجاله ثقات، ورواه الطّبرانيّ في "الكبير".
• عن عبد الله بن الزُّبير، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ما من صاحب إبل لا يؤدِّي حقّها في رسلها ونجدتها إِلَّا جيء يوم القيامة حتّى يبطح لها بقاع قرقر يطؤه بأخفافها. كلما نفدت أخراها، أعيدت عليه أولاها حتى يقضى بين النَّاس، ويرى سبيله".
حسن: رواه البزّار (٢١٩٩) -كشف الأستار (٨٧٩) - عن مرزوق بن بكير وعمر بن الخطّاب، قالا: ثنا موسي بن مسعود، ثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن ابن الزُّبير، فذكره.
قال البزّار: "لا نعلمه يروي من حديث ابن الزُّبير إِلَّا بهذا الإسناد".
وعزاه الهيثميّ إلى البزّار وقال: "رجاله ثقات" "المجمع" (٣/ ٦٤).
• عن بريدة بن الحصيب، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منع قوم الزّكاة إِلَّا ابتلاهم الله بالسِّنين".
حسن: رواه الطبرانيّ في "الأوسط" -"مجمع البحرين" (١٣٤٣) - عن عبدان بن أحمد، ثنا العباس بن الوليد الخلَّال الدِّمشقيّ، ثنا مروان بن محمد الطَّاطريّ، ثنا سليمان بن موسى أبو داود الكوفيّ، عن فضيل بن مرزوق، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، فذكره.
وفيه فضيل بن مرزوق الأغرّ مختلف فيه، فضعّفه النسائيّ ومشّاه الآخرون غير أنّه حسن الحديث، وقد توبع أيضًا.
رواه الحاكم (٢/ ١٢٦) من وجه آخر عن بشير بن مهاجر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه مرفوعًا، ولفظه: "ما نقض قومٌ العهد قطّ إِلَّا كان القتلى بينهم، ولا ظهرت الفاحشة في قوم قطّ إِلَّا سلّط الله عليهم الموت، ولا منع قوم الزّكاة إِلَّا حبس الله عنهم القطر".
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
وبشير بن مهاجر مختلف فيه، فقال الإمام أحمد: "منكر الحديث، ومشّاه الآخرون، وهو لا بأس به في المتابعات".
٦ - باب عقوبة مانع الزّكاة في الدُّنيا
• عن بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: سمعت النَّبِيّ ﷺ يَقُول: "فِى كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ فِى كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَلا يُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا فَلَهُ أَجْرُهَا وَمَنْ أَبَى فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لَا يَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْهَا شَيْءٌ".
стр. 2433
حسن: رواه أبو داود (١٥٧٥)، والنسائي (٣٤٤٦) كلاهما من وجهين، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، فذكره.
وصحّحه ابن خزيمة (٢٢٦٦)، والحاكم (١/ ٣٩٧ - ٣٩٨)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على ما قدّمنا ذكره في تصحيح هذه الصحيفة ولم يخرجاه".
قلت: وإسناده حسن من أجل بهز وأبيه، وهما حسنا الحديث، وجدّه معاوية بن حيدة القشيريّ، وله صحبة.
وقوله: "في كلّ أربعين ابنة لبون" أي ما زاد على مائة وعشرين، كما جاء مفسّرًا في كتاب أبي بكر.
وقوله: "مؤتجرا" أي طالبًا أجره عند الله.
وقد تكلّم ابنُ حبَّان في "المجروحين" (١٤٤) من أجل هذا الحديث كلامًا شديدًا في بهز بن حكيم، فقال: "تركهـ جماعة من أئمّتنا، ولولا حديث: "إنَّا آخذوه وشطر إبله عزمة من عزمات ربّنا" أدخلناه في الثّقات، وهو ممن أستخير الله فيه".
قلت: لم أعرف من هؤلاء الأئمّة الذين تركوا بهز بن حكيم، وقد نقل ابن حبَّان نفسه عن الإمام أحمد وإسحاق بن إبراهيم أنّهما يحتجان به، وقد سئل يحيى بن معين عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده؟ فقال: "إسناد صحيح إذا كان دون بهز ثقة". ووثَّقه أيضًا عليّ بن المديني، وقال ابن عدي: "قد روى عنه ثقات الناس، وروى عنه الزهري، وجماعة من الثّقات، وأرجو أنه لا بأس به، ولم أرَ له حديثًا منكرًا، وإذا حدَّث عنه ثقة فلا بأس به". إذا من هؤلاء الأئمة الذين تركوا بهزًا؟ ! . نعم لقد قال أبو حاتم: "هو شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به".
إذًا اختلف أهل العلم في الاحتجاج بحديثه لا أنهم تركوه، وقد قال الحافظ الذّهبي ردًّا على ابن حبَّان في قوله: "تركهـ جماعة": "ما علمتُ أحدًا تركه أبدًا، بل قد يتركون الاحتجاج بخبره، وأمّا حديث الباب فهو مما انفرد به بهز بن حكيم أصلًا ورأسًا، وقد قال به بعض المجتهدين" انتهى كلام الذهبي. انظر ترجمته في "تاريخ الإسلام" ودافع عنه أيضًا في "الميزان" (١/ ٣٥٤) فراجعه.
وأمّا عقوبة مانع الزكاة في الدُّنيا من أخذ شطر ماله، فقال به أحمد، وهو قول قديم للشافعي، ثمّ ذهب الشافعي وأتباعه إلى نسخ حديث بهز، أو تضعيفه من أجل نقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: "هذا الحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولو ثبت لقلنا به".
قال النووي: "هذا تصريح من الشافعي بأنَّ أهل الحديث ضعَّفوا هذا الحديث". انظر "المجموع" (٥/ ٣٣٢، ٣٣٧).
وقال في "الخلاصة" (٢/ ١٠٧٩): "إسناده إلى بهز صحيح، واختلفوا في الاحتجاج ببهز، ونقل الشافعي أنّ هذا الحديث ضعيف عند أهل الحديث، وادّعى أصحابنا أنّه منسوخ" انتهى.
стр. 2434
٧ - باب الكانزين للأموال والتغليظ عليهم
• عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى مَلَإٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّيَابِ وَالهَيْئَةِ حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: بَشِّرِ الكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ يَتَزَلْزَلُ. ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ وَأَنَا لا أَدْرِي مَنْ هُوَ. فَقُلْتُ لَهُ: لا أُرَى القَوْمَ إِلَّا قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْتَ؟ قَالَ: إِنَّهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا، قَالَ لِي خَلِيلِي. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ خَلِيلُكَ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أَبَا ذَرٍّ! أَتُبْصِرُ أُحُدًا؟ ". قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ، وَأَنَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ. قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ، إِلَّا ثَلاثَةَ دَنَانِيرَ". وَإِنَّ هَؤُلاءِ لَا يَعْقِلُونَ، إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا، لا وَاللَّهِ! لا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا وَلا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٠٧)، ومسلم في الزّكاة (٩٩٢) كلاهما من طريق الجريريّ، عن أبي العلاء، عن الأحنف، فذكره. واللّفظ للبخاريّ.
• عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرٍّ ﵁، فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلكَ هَذَا؟ قَالَ: كُنْتُ بِالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِي ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سورة التوبة: ٣٤] قَالَ مُعَاوِيَةُ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الكِتَابِ. فَقُلْتُ: نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي ذَاكَ، وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ ﵁ يَشْكُونِي فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ أَن اقْدَمِ المَدِينَةَ فَقَدِمْتُهَا، فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ فَذَكَرْتُ ذَاكَ لِعُثْمَانَ فَقَالَ لِي: إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ فَكُنْتَ قَرِيبًا فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلَنِي هَذَا المَنْزِلَ وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ".
صحيح: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٠٦) عن عليّ بن أبي هاشم، سمع هُشيمًا، أخبرنا حصين، عن زيد بن وهب، فذكره.
وأمّا ما رُوي عن ابن عباس قال: "لما نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ قال: كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر ﵁: أنا أُفرِّج عنكم، فانطلق فقال: يا نبي الله! إنه كبر على أصحابك هذه الآية، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله لم يفرض الزّكاة إِلَّا ليطيب ما بقي
стр. 2435
من أموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم".
فكبَّر عمر ثمّ قال له: "ألا أخبرك بخير ما يكنز المرأُ: المرأة الصَّالحة إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته". فهو ضعيف.
رواه أبو داود (١٦٦٤) عن عثمان بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا يحيى بن يعلى المحاربيّ، حَدَّثَنَا أبيّ، حَدَّثَنَا غيلان، عن جعفر بن إياس، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره.
وصحّحه الحاكم (١/ ٤٠٨ - ٤٠٩) ورواه من طريق عليّ بن عبد الله بن المدينيّ، ثنا يحيى بن يعلى المحاربيّ، ثنا أبي، عن غيلان بن جامع، بإسناده. وقال: "صحيح على شرط الشّيخين".
قلت: غيلان بن جامع، وهو ابن أشعث البخاريّ أبو عبد الله الكوفي من رجال مسلم دون البخاريّ. ثمّ رواه الحاكم (٢/ ٣٣٣) وعنه البيهقيّ (٤/ ٨٢) من طريق يحيى بن يعلى بن الحارث المحاربيّ، ثنا أبي، ثنا غيلان بن جامع، عن عثمان أبي يقظان، عن جعفر بن إياس، بإسناده.
فزاد في الإسناد بين غيلان بن جامع وبين جعفر بن إياس: "عثمان أبو يقظان". وقال: "صحيح الإسناد". وتعقّبه الذّهبي فقال: "عثمان لا أعرفه، والخبر عجيب".
وقال البيهقي: "قصر به بعض الرّواة عن يحيى، فلم يذكر في إسناده عثمان أبا اليقظان".
قلت: فإذًا هو دائر بين انقطاع وضعيف، فإنه لم يذكر أحد أن غيلان بن جامع رُوي عن جعفر ابن إياس.
وأمّا عثمان فهو ابن عُمير -بالتصغير- ويقال: ابن قيس، والصواب أن قيسًا جدّ أبيه، أبو اليقظان الكوفي الأعمى، ضعَّفه أحمد وابن معين وابن أبي حاتم والجوزجاني والدارقطني وغيرهم.
وأمّا قول الذّهبيّ: "عثمان لا أعرفه". فهو يخالف لما ذكره في "الميزان" في ترجمته، ونقل عن الأئمة تضعيفه، ولعلّ ذلك يعود إلى اختلاف النُّسخ، فإنه كتب مرة: عثمان بن أبي اليقظان، وأخرى: عثمان بن القطان، ولم يقع مثل هذا الاختلاف في نسخ البيهقيّ فإنه قال فيه: عثمان أبو البقظان، وكذا عرَّفه فقال: "عثمان ضعّفوه".
وأمّا رواية جعفر بن إياس عن مجاهد فكان شعبة يُضعفه كما قال أحمد.
٨ - باب ما أُدّي زكاته فليس بكنز
• عن أبي هريرة، قال: إنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا أدّيت زكاة مالك، فقد قضيتَ ما عليك".
حسن: رواه الترمذيّ (٦١٨)، وابن ماجة (١٧٨٨) كلاهما من حديث دراج أبي السمح، عن ابن حُجَيْرة، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في دراج أبي السَّمح فإنه يضعف في روايته عن أبي الهيثم لأنَّ
стр. 2436
فيه ضعفًا كما قال الإمام أحمد، وأمّا في غيره فيحسّن.
وقد صحَّحه ابن خزيمة (٢٤٧١)، وابن حبَّان (٣٢١٦)، والحاكم (١/ ٣٩٠) وجعله شاهدًا صحيحًا لما قبله.
وهو ما رواه الحاكم عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: "إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره". رجّح أبو زرعة والبيهقي وغيرهما أنه موقوف على جابر كما قال ابن حجر في "الفتح" (٣/ ٢٧٢) وكذلك من الموقوف أيضًا ما رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٠٤) عن أحمد بن شبيب عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة: ٣٤]. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرًا لِلْأَمْوَالِ".
٩ - باب لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول
• عن عليّ بن أبي طالب، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "ليس في مال زكاة حتّى يحول عليه الحول" في حديث طويل.
حسن: رواه أبو داود (١٥٧٣) عن سليمان بن داود المهريّ، أخبرنا ابن وهب، أخبرني جرير ابن حازم -وسمَّى آخر-، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور، عن عليّ بن أبي طالب، فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل الكلام في عاصم بن ضمرة، وهو حسن الحديث وهو أيضًا مقرون بالحارث الأعور وإن كان فيه كلام معروف.
وقوله: "وسمَّى آخر" قائله سليمان بن داود المهريّ، أن ابن وهب رواه عن جرير بن حازم، عن شيخ آخر لم يحفظه سليمان بن داود.
ولكن اختلف جرير بن حازم مع هذا الشّيخ الذي لم يحفظه سليمان، فإنَّ جريرًا رفع الحديث إلى النَّبِيّ ﷺ ولم يرفعه هذا الشّيخ، ولذا أفرد ذكر حازم بأنَّه زاد في الحديث عن النَّبِيّ ﷺ ، فالظّاهر أن الآخر لم يقل ذلك، وقد رواه سفيان وشريك وزكريا بن أبي زائدة هذا الحديث عن أبي إسحاق ولم يرفعوه، فعرف أن الوهم وقع من جرير في رفعه، ولكن قبل كثيرٌ من أهل العلم تفرّد جرير بزيادة رفعه، وتابعه في أصل الحديث زهير، قال: حَدَّثَنَا أبو إسحاق بإسناده إِلَّا أنه قال: أحسبه عن النَّبِيّ ﷺ ، هكذا بالشّك، وهذه المتابعة وإن كانت ضعيفة من أجل الشّك إِلَّا أنها تقوي جرير بن حازم في رفع الحديث.
وقد حسَّنه الزيلعيّ، ونقل عن النوويّ في "الخلاصة" أنه قال: "هو حديث صحيح أو حسن، ولا يقدح فيه ضعف الحارث لمتابعة عاصم له"، وقال عبد الحق في "أحكامه": "هذا حديث رواه ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن أبي إسحاق، عن عاصم والحارث، عن عليّ. فقرن أبو
стр. 2437
إسحاق بين عاصم والحارث، والحارث كذّاب، وكثير من الشيوخ يجوز عليه مثل هذا، وهو أن الحارث أسنده، وعاصم لم يسنده، فجمعهما جرير وأدخل حديث أحدهما في الآخر، وكلّ ثقة رواه موقوفًا، فلو أنَّ جريرًا أسنده عن عاصم، وبين ذلك أخذنا منه. وقال غيره: هذا لا يلزم لأنَّ جريرًا ثقة، وقد أسند عنهما". انتهى من "نصب الراية" (٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩).
وقد ثبت كتاب عليّ ﵁ في أمر النَّبِيّ ﷺ في الصّدقة كما أخرجه البخاريّ (٣١١٢) عن ابن الحنفية، قال: أرسلني أبي وقال: خذ هذا الكتاب فاذهب به إلى عثمان، فإن فيه أمر النَّبِيّ في الصّدقة.
رواه البخاريّ معلقًا: قال الحميديّ، حَدَّثَنَا سفيان، حَدَّثَنَا محمد بن سوقة، قال: سمعت منذرًا الثوريّ، عن ابن الحنفية، فذكره مختصرًا.
ورواه عبد الرزّاق (٦٧٩٥) عن ابن عيينة بالكتاب كاملًا، وقال: "وإنما كان في الكتاب ما في حديث عليّ". انتهى.
فمن الرواة من رواه كاملًا ومنهم من اختصرها، ومنهم من جزّأها في مواضع، فلا يبعد ما رواه أبو داود كاملًا أن يكون صحيحًا.
وفيه إثبات الحول في إيجاب الزّكاة وهو أمر متفق عليه عند المسلمين ولم يخالف فيه أحد يعتد به. وفي معناه أحاديث وفيها مقال.
منها: حديث عائشة قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا زكاة في مال حتّى يحول عليه الحول".
رواه ابن ماجة (١٧٩٢) عن نصر بن عليّ الجهضميّ قال: حَدَّثَنَا شجاع بن الوليد، قال: حَدَّثَنَا حارثة بن محمد، عن عمرة، عن عائشة، فذكرته.
وفيه حارثة بن محمد وهو ابن أبي الرجال -بكسر الراء ثمّ جيم- الأنصاريّ، أهل العلم مطبقون على تضعيفه.
ومن طريقه رواه البيهقيّ (٤/ ٩٥) وقال: "ورواه الثوري عن حارثة موقوفًا على عائشة، وحارثة لا يحتج بخبره".
ومنها: عن أنس، رواه الدَّارقطنيّ (١٨٩١) من حديث حسان بن سياه، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا: "ليس في مال زكاة حتّى يحول عليه الحول".
قال ابن حبَّان في "المجروحين": "حسان بن سياه منكر الحديث جدًّا، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد".
وقال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٥٦): "حسان بن سياه ضعيف، وقد انفرد به عن ثابت".
وقول الحافظ البيهقيّ (٤/ ٩٥) بعد إيراد حديث عليّ بن أبي طالب، وحديث عائشة، وإعلاله حديث عائشة بأنه جاء مرفوعًا وموقوفًا - وفيه حارثة لا يحتج بخبره، والاعتماد في ذلك على
стр. 2438
الآثار الصحيحة فيه عن أبي بكر الصديق ﵁، وعثمان بن عفّان، وعبد الله بن عمر وغيرهم ﵃.
وقد سكت عليه أيضًا البيهقيّ، فالعمدة في اشتراط الحول حديث عليّ بن أبي طالب، ثمّ اتفاق الصّحابة على ذلك.
١٠ - باب إباحة المال من طرق الحلال
• عن عمرو بن العاص قال: بعث إليَّ رسول الله ﷺ فقال: "خُذْ عليك ثيابك وسلاحك، ثمّ ائْتني". فأتيتُه وهو يتوضَّأ، فصعَّد في النّظر ثمّ طأطأه فقال: "إني أريد أن أبعثك على جيش فيُسَلِّمك الله ويُغْنِمك، وأزْعب لك من المال زعبة صالحة".
قال: فقلت: يا رسول الله، ما أسلمتُ من أجل المال، ولكني أسلمتُ رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : يا عمرو! نِعمًا بالمال الصَّالح للرجل الصالح".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٧٧٦٣)، والطَّبرانيّ في "الأوسط" (٣٢١٣)، وصحّحه ابن حبَّان (٣٢١٠)، والحاكم (٢/ ٢٣٦) كلّهم من طريق موسي بن عُليّ، عن أبيه، قال: سمعت عمرو بن العاص يقول (فذكره). وإسناده صحيح، وصحّحه الحاكم.
وموسي بن عُليّ -بالتصغير- هو ابن رباح اللّخمي من رجال مسلم، وثَّقه ابن معين وأحمد والنسائي وابن سعد وجماعة.
قال ابن حبَّان: "سمع هذا الخبر عليّ بن رباح عن عمرو بن العاص، وسمعه من أبي القيس بدل عمرو، عن عمرو، والطريقان جميعًا محفوظان".
وقوله: "أزعب زُعبة". بالزَّاي والعين -بمعنى الدّفع، يقال: زعب له من ماله زُعبة- أي دفع له منه دُفعة، والزُّعْب قطعة من المال.
وفي بعض المصادر الحديثية: "أرغب رغبة"، ومعناه مستقيم أيضًا، فكأنَّ بعض الرّواة تصرَّفوا في اللّفظ المأثور، فأتوا بما يتوافق معناه.
١١ - باب المال المستفاد لا زكاة فيه حتّى يحول عليه الحول
في الباب أحاديث، منها:
ما رُوي عن ابن عمر مرفوعًا: "من استفاد مالًا فلا زكاة عليه حتّى يحول عليه الحول عند ربِّه".
رواه الترمذيّ (٦٣١) عن يحيى بن موسيّ، حَدَّثَنَا هارون بن صالح الطلحيّ المدنيّ، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر، فذكره.
стр. 2439
ورواه الدَّارقطنيّ (١٨٨٨) من وجه آخر عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، بإسناده نحوه. ورواه أيضًا (١٨٨٧) من وجه آخر عن بقة، عن إسماعيل، عن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا.
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف، ضعَّفه أحمد وابن المديني وغيرهما.
وقال البيهقيّ: "عبد الرحمن ضعيف لا يحتج به".
وبقية مدلِّس، وإسماعيل هو ابن عَيَّاش ضعيف في روايته عن غير الشاميين، وهذا منها. ولذا قال البيهقيّ (٤/ ١٠٤): "رواه بقية، عن إسماعيل بن عَيَّاش، عن عبيد الله، فرفعه، وليس بصحيح".
قلت: الصواب فيه أنه موقوف على ابن عمر، رواه الترمذيّ (٦٣٢) عن محمد بن بشار، حَدَّثَنَا عبد الوهّاب الثقفيّ، حَدَّثَنَا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره موقوفًا.
قال الترمذيّ: وهذا أصحّ من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال أبو عيسى: وروي أيُوب وعبيد الله بن عمر وغير واحد عن نافع عن ابن عمر موقوفًا وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيفٌ في الحديث ضعَّفه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وغيرهما من أهل الحديث وهو كثير الغلط، وقد رُوي عن غير واحد من أصحاب النَّبِيّ ﷺ أن لا زكاة في المال المستفاد حتّى يحول عليه الحول، وبه يقول مالك بن أنس، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
وقال بعض أهل العلم: إذا كان عنده مالٌ تجب فيه الزّكاة ففيه الزّكاة وإن لم يكن عنده سوي المال المستفاد ما تجب فيه الزّكاة لم يجبْ عليه في المال المستفاد زكاة حتّى يحول عليه الحول، فإن استفاد مالًا قبل أن يحول عليه الحولُ فإنه يزكي المال المستفاد مع ماله الذي وجبتْ فيه الزّكاة، وبه يقول سفيان الثوري وأهل الكوفة" انتهى.
ومعنى المال المستفاد: هو المال الذي حصل للرجل في أثناء الحول من هبة أو ميراث أو مثله، ولا يكون من نتائج المال الأوّل. انظر "تحفة الأحوذيّ" (٣/ ٢٧٣).
وقال الحافظ البغويّ في "شرح السنة" (٦/ ٢٩): "وقد رُوي عن غير واحد من أصحاب النَّبِيّ ﷺ أن لا زكاة في المستفاد حتّى يحول عليه الحول، يروي ذلك عن أبي بكر، وعليّ، وابن عمر، وعائشة، وبه قال عطاء، وإبراهيم النخعيّ، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال بعض أهل العلم: إن استفاد مالًا زكاتيًا، وعنده من جنسه نصاب يضم إليه المستفاد في الحول. فإذا تم حول ما عنده تجب الزّكاة في الكلّ. يُروي ذلك عن ابن عباس، وبه قال الحسن البصريّ، والزهريّ، وهو قول الثوري ومالك وأصحاب الرأي. أما إذا تم النّصاب بالمستفاد، فلا زكاة فيها حتّى يحول عليه الحول من يوم أفاد.
واتفقوا على النّتاج يُضمُّ إلى الأصل في الحول، وكذلك حول الرّبح يبتني على حول الأصل في زكاة التجارة، فإذا تمَّ حول الأصل فعليه أن يُزكَّيَ عن الكلّ.
وفي الحديث دليلٌ على أنَّ النصاب إذا انتقص في خلال الحول انقطع الحول، فإذا تمَّ بعد ذلك
стр. 2440
يستأنف الحول، وبه قال الشافعي، وذهب أصحاب الرّأي إلى أنه لا ينقطع الحول، والنّصاب شرط في طرفي الحول، وعن مالك في الناضِّ يشترط النصاب في آخر الحول حتى لو ملك دينارًا فصار في آخر الحول عشرين تجب عليه الزكاة، كما في زكاة التجارة.
قلت: زكاة التجارة تجب في القيمة، ولا يمكن ضبطُها في جميع الحول فرُوعي آخر الحول فيها.
وفيه دليل على أنه إذا بادل ماله في أثناء الحول بمال آخر من جنسه، أو غير جنسه، ينقطع الحول، ويبتدأ الحول على ما اشتراه من يوم الشراء، وهو قول الأكثرين، وقال مالك: إن بادل بجنسه لا ينقطع الحول، أما إن بادل النّقد بالنقد، فعند الأكثرين لا ينقطع الحول، وعند الشافعي ينقطع.
ومن ورث مالًا، فلا يبتني حول الوارث على حول المورث، بل يستأنف الحول من يوم ورثه، فإذا تمَّ أخرج الزكاة" انتهى.
١٢ - باب ما جاء أن الصدقة تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء
• عن ابن عباس قال: إن معاذًا قال: بعثني رسول الله ﷺ فقال " ... فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فتردّ على فقرائهم".
متفق عليه: رواه البخاري في الزكاة (١٤٥٨)، ومسلم في الإيمان (١٩) كلاهما من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد، عن ابن عباس، فذكره في حديث طويل.
• عن إبراهيم بن عطاء مولى عمران بن حصين، عن أبيه، أنّ زيادًا، أو بعض الأمراء بعث عمران بن حصين على الصّدقة. فلما رجع قال لعمران: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟ أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله ﷺ ، ووضعناها حيث كنّا نضعها على عهد رسول الله ﷺ .
حسن: رواه أبو داود (١٦٢٥)، وابن ماجه (١٨١١) كلاهما من طريق إبراهيم بن عطاء بإسناده، مثله.
وإسناده حسن من أجل إبراهيم بن عطاء بن أبي ميمونة البصريّ فإنه حسن الحديث.
وأما ما رُوي عن أبي جحيفة، قال: قدم علينا مصدّق النبيّ ﷺ فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا، وكنت غلامًا يتيمًا، فأعطاني منها قلوصًا. فهو ضعيف.
رواه الترمذيّ (٦٤٩) عن علي بن سعيد الكنديّ الكوفيّ، حدّثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، فذكره.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا ابن خزيمة في "صحيحه" (٢٣٦٢)، وأشعث هو ابن سوار الكنديّ النجار ضعف، ضعّفه جمهور أهل العلم، قال ابن حبان: "كان فاحش الخطأ كثير الوهم".
وقال ابن خزيمة: "باب إعطاء اليتامى من الصدقة إذا كانوا فقراء -إن ثبت الخبر، فإن في
стр. 2441
النفس من أشعث بن سوار. وإن لم يثبت هذا الخبر فالقرآن كان في نقل خبر الخاص فيه، قد أعلم الله في محكم تنزيله أنّ للفقراء قسم (كذا والصّواب: قسمًا) في الصدقات. فالفقير كان يتيمًا أو غير يتيم فله في الصدقة قسم بنص الكتاب".
قلت: لا خلاف بين أهل العلم بأنّ اليتيم من المسلمين له حق في الصّدقات، بل قد يكون هو أولى من غيره، وإنما الخلاف في ثبوت هذا الخبر.
والظّاهر من أحاديث الباب أن الصّدقة تؤخذ من أغنياء البلد وتردّ على فقراء البلد، ولا تُنقل من بلد إلى بلد آخر إلّا لضرورة قصوى، وعليه جمهور أهل العلم، ولكن لو نقلها إلى بلد آخر أجزأ ذلك وسقط الواجب عنه.
وقوله: "قلوصًا" بفتح القاف: الناقة الشّابة، ويُجمع على قِلاص -بكسر القاف.
١٣ - باب ما جاء في زكاة مال اليتيم
رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنّ النبيّ ﷺ خطب النّاس فقال: "ألا من ولي يتيمًا له مال فليتّجرْ فيه، ولا يتركه حتى تأكله الصّدقة".
رواه الترمذي (٦٤١) عن محمد بن إسماعيل، حدّثنا إبراهيم بن موسى، حدّثنا الوليد بن مسلم، عن المثنى بن الصبّاح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أنّ النّبيّ ﷺ خطب الناس (فذكره).
قال الترمذي: "وإنّما رُوي هذا الحديث من هذا الوجه، وفي إسناده مقال؛ لأنّ المثنى بن الصباح يضعَّف في الحديث".
قلت: بل له وجوه أخرى، ولكن لا يخلو منها من ضعف.
ومن هذه الوجوه ما رواه الدارقطني (١٩٧١) من طريق عبيد بن إسحاق العطّار بالكوفة، حدّثنا أبي، حدّثنا مندل، عن أبي إسحاق الشّيباني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، بلفظ: "احفظوا اليتامى في أموالهم لا تأخذه الزكاة".
وفيه مندل وهو ابن علي العنزي، مختلف فيه، فالجمهور على تضعيفه. وقال الدارمي: "لا بأس به".
ومنها: ما رواه الدارقطني أيضًا (١٩٧٢) من طريق روّاد بن الجراح، حدّثنا محمد بن عبيد الله, عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله ﷺ : "في مال اليتيم زكاة".
ومحمد بن عبيد الله هو العرزميّ "متروك".
ومنها ما رواه ابن عدي في "الكامل" من طريق عبد الله بن علي وهو الأفريقي، وهو ضعيف كما في "تلخيص الحافظ ابن حجر" (٨٢٤).
والخلاصة فيه أن الحديث لا يثبت من حيث الإسناد؛ ولذا قال الإمام أحمد: "ليس بصحيح،
стр. 2442
يرويه المثنى بن عمرو" هذا ما قاله مهنّا في سؤالاته للإمام أحمد. انظر "التلخيص".
ثم خالفهم جميعًا حسين المعلم، فرواه عن مكحول، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن عمر. ورواه ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن شعيب، عن عمر.
ولم يذكر ابن المسيب وهو أصح. قاله الدّارقطني في العلل (٢/ ١٥٧).
وإليه أشار الترمذي في قوله: "وروى بعضهم هذا الحديث عن عمرو بن شعيب، أنّ عمر بن الخطاب" (فذكر الحديث).
ومن الشّواهد لهذا الحديث ما رُوي عن أنس بن مالك مرفوعًا: "اتّجروا في أموال اليتامى، لا تأكلها الزكاة".
رواه الطبراني في "الأوسط" (٤١٦٤) عن علي بن سعيد الرّازي، حدّثنا الفرات بن محمد القيروانيّ، حدّثنا شجرة بن عيسى المعافريّ، عن عبد الملك بن أبي كريمة، عن عُمارة بن غزية، عن يحيى بن سعيد، عن أنس، فذكره.
وفي إسناده فرات بن محمد القيرواني، ترجمه الحافظ في "اللسان" (٤/ ٤٣٢) قال أبو العرب: "سمعت منه كثيرًا". وقال ابن حارث: "كان يغلب عليه الرواية والجمع ومعرفة الأخبار، وكان ضعيفًا متهما بالكذب، أو معروفًا به، مات سنة اثنتين وتسعين ومائتين".
ولكن نقل الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٦٧) قال: "أخبرني سيدي وشيخي أن إسناده صحيح".
وشيخه هو الحافظ العراقي، وأنا أستبعد أن يكون الحافظ العراقي يصحح حديثًا فيه متهم، إلا أنه يقع منه ذهول.
ومنها ما رُوي عن النبيّ ﷺ قال: "ابتغوا في مال اليتيم -أو في أموال اليتامى- حتى لا تذهبها، -أو لا تستهلكها- الصّدقة".
رواه الشّافعي في "الأم" (٢/ ٢٨) قال: أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن يوسف بن ماهك، فذكره.
وهذا مرسل فإنّ يوسف بن ماهك تابعيّ ثقة لم يلق النبيّ ﷺ .
ثم استدلّ الشافعي بعموم قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ [سورة التوبة: ١٠٣] فقال: "الزكاة في مال اليتيم كما في مال البالغ". وبعموم الأحاديث الصّحيحة في إيجاب الزكاة مطلقًا.
وقد صحَّ عن عمر بن الخطّاب ﵁ قال: "ابتغوا بأموال اليتامى، لا تأكلها الصّدقة".
رواه الدارقطني (٢/ ١١٠)، وعنه البيهقيّ (٤/ ١٠٧) وقال: "هذا إسناد صحيح، وله شواهد عن عمر ﵁".
قال أبو عيسى الترمذي: "وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فرأى غير واحد من أصحاب
стр. 2443
النبيّ ﷺ في مال اليتيم زكاة منهم: عمر، وعلي، وعائشة، وابن عمر، وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقالت طائفة من أهل العلم: "ليس في مال اليتيم زكاة. وبه يقول سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك". انتهى.
• * *
стр. 2444
جموع أبواب زكاة الأنعام
١ - باب زكاة الإبل
• عن أنس بن مالك، أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكِتَابَ لمَّا وجَّهَهُ إلى البحرين: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذه فريضة الصَّدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين والتي أمر الله بها رسوله من سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعط. في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كلِّ خمسٍ شاةٌ إذا بلغتْ خمسًا وعشرين إلى خمسٍ وثلاثين ففيها بنت مخاضٍ أنثى، فإذا بلغت ستًّا وثلاثين إلى خمسٍ وأربعين ففيها بنتُ لبونٍ أنثى، فإذا بلغت ستًّا وأربعين إلى ستِّينَ ففيها حقَّةٌ طروقة الجَمَلِ، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت يعني ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حِقَّتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقه ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسا من الإبل ففيها شاة، وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاث مائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاث مائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، وفي الرقة ربع العشر فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها".
صحيح: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٥٤) عن محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاريّ، قال: حدثني أبي، قال: حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس، أنّ أنسًا حدّثه، أنّ أبا بكر كتب له هذا الكتاب، فذكره.
روى البخاريّ هذا الحديث في مواضع متفرقة عن عبد الله بن المثنى بإسناده متصلًا.
ولكن رواه أبو داود (١٥٦٧) من طريق حماد بن سلمة، قال: أخذت من ثمامة بن عبد الله بن أنس كتابًا زعم أن أبا بكر كتبه لأنس، فذكر الحديث بكامله. فظنَّ بعضُ أهل العلم أن فيه
стр. 2445
انقطاعًا، والصحيح أنه موصول، إلّا أن بعض الرّواة قصّر به فرواه كما ذكره أبو داود.
وقد ذكر البيهقيّ في "المعرفة" (٦/ ١٩) الرواة عن حماد بن سلمة، رووه عنه موصولًا بالتحديث ثم قال: "ولا نعلم من حملة الحديث وحفّاظهم من استقصى في انتقاد الرواة ما استقصاه محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ مع إمامته وتقدّمه في معرفة الرجال وعلل الأحاديث، ثم إنه اعتمد في هذا الباب على حديث عبد الله بن المثنى الأنصاريّ، عن ثمامة بن أنس، فأخرجه في "الصّحيح" عن محمد بن عبد الله بن المثنى، عن أبيه، وذلك لكثرة الشواهد لحديث هذا بالصّحة". انتهى.
قوله: "بنت مخاض" هي التي أتى عليها حول ودخلت في السنة الثانية، وحملت أمّها فصارت من المخاض، وهي الحوامل، والمخاض اسم جماعة للنوق الحوامل.
و"بنت لبون" هي التي أتى عليها حولان، ودخلتْ في السنة الثالثة، فصارتْ أمّها لبونًا بوضع الحمل، أي ذات لبن.
و"الحقة" هي التي أتى عليها ثلاث سنين، ودخلتْ في السنة الرّابعة، فاستحقت الحمل والضراب. و"طروقة الفحل" هي التي طرقها الفحل، أي نزا عليها، وهي فعولة بمعنى مفعولة كما قبل: ركوبة وحلوبة، بمعنى مركوبة ومحلوبة.
و"الجذعة" هي التي تمّت لها أربع سنين، ودخلتْ في الخامسة.
وذكر أبو داود تفسير أسنان الإبل فقال: سَمِعْتُهُ مِن الرِّيَاشِيِّ (وهو عباس بن فرج البصريّ النّحويّ) وَأَبِي حَاتِمٍ (وهو سهل بن محمد السجستانيّ النّحويّ المقرئ، كان إمامًا في علوم القرآن واللغة) وغيرهما ومن كتاب النَّضرِ بنِ شميلٍ ومن كتابِ أبِي عبيد وربما ذكر أحدهم الكلمة قالوا يسمّى الحوار ثمّ الفصيل إذا فصل ثمّ تكون بنت مخاضٍ لسنَة إلى تمام سنتين فإذا دخلت في الثالثة فهي ابنَة لبُون فإِذَا تَمَّتْ له ثلاث سِنِينَ فهو حقٌّ وحقّة إلى تمام أربع سنين لأَنَّها استحقَّت أن تركب ويحمل عليها الفحل وهي تلقح ولا يلقح الذّكر حتّى يثني ويقال للحقَّة طروقة الفحل لأَنّ الفحل يطرقها إلى تمام أربع سِنين فإذا طعنت في الخامسة فهي جَذَعةٌ حتى يتِمَّ لها خمس سنين فإذا دخلتْ فِي السَّادسة وألقى ثنيَّتَه فهو حينئذ ثنيّ حتّى يستكمل سنًا فإذا طعن في السَّابِعَةِ سُمِّيَ الذَّكَرُ رَبَاعِيًا وَالأُنْثَى رَبَاعية إلى تَمام السَّابعة فإذا دخل في الثّامنة وألقَى السِّنَّ السَّدِيسَ الَّذِي بَعْدَ الرَّبَاعِيَة فَهو سَدِيسٌ وَسَدَسٌ إلى تَمام الثَّامِنَة فإذا دخَل في التِّسع وَطَلَع نَابه فهو بازل أَي بزل نابه يعنِي طلع حتّى يدخل في العَاشرة فهو حِينَئِذ مخلف ثمّ ليس له اسم ولكن يقال بَازِلُ عَام وبازل عامين ومخلف عام ومخلف عامين ومخلِف ثلاثة أعوام إلى خمس سِنِين والخلفةُ الحَامل قال أبُو حاتم والجذوعةُ وقت من الزّمن ليْس بسنٍّ وفصول الأَسنَان عند طلوع سهيل".
قال أبو داود وأنشدنا الرِّياشِيُّ:
стр. 2446
إِذَا سُهَيْلٌ آخِرَ اللَّيْلِ طَلَعْ ... فَابْنُ اللَّبُونِ الْحِقُّ وَالْحِقُّ جَذَعْ
لَمْ يَبْقَ مِنْ أَسْنَانِهَا غَيْرُ الْهُبَعْ
وَالْهُبَعُ الَّذِي يُولَدُ فِي غَيْرِ حِينِهِ" انتهى كلام أبي داود (٢/ ٢٤٧).
وقوله: "ثني البعير" أي استكمل سنا من السنين، بإلقاء ثنيته.
قال ابن سيده: وللإنسان والخف والسبع: ثنيتان من فوق، وثنيتان من أسفل يعني الأسنان.
وألقحَ الفحلُ النّاقةَ إلقاحًا ولقاحًا بوزن أعطى إعطاء وعطاء: إذا أولدها -ولقِحت الناقة- بالكسر -لقحًا ولقاحًا بالفتح: إذا ولدت.
وقوله: "عند طلوع سهيل" يعني أن أسنان الإبل من وقت طلوع النّجم الذي يسمّى سهيلًا؛ لأنّ سهيلًا إنّما يطلع في زمن نتاج الإبل، فالتي كانت ابنة لبون تصير عند طلوع سهيل حقة، وقلّما تُنتج الإبلُ إلّا في زمن طلوع سهيل، فالإبل التي تلد في غير زمنه يحسب سنُّها من ولادتها.
وقوله: "الهُبع" هو الفصيل يولد في الصيف، وقيل: هو الذي فصل آخر النتاج.
• عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس فيما دون خمس من الإبل صدقة. ولا في الأربع شيء، فإذا بلغت خمسا ففيها شاة إلى أن تبلغ تسعا. فإذا بلغت عشرا ففيها شاتان إلى أن تبلغ أربع عشرة. فإذا بلغت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ تسع عشرة. فإذا بلغت عشرين ففيها أربع شياه إلى أن تبلغ أربعا وعشرين. فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض إلى خمس وثلاثين. فإذا لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر. فإن زادت بعيرا ففيها بنت لبون إلى أن تبلغ خمسا وأربعين. فإن زادت بعيرا ففيها حقة إلى أن تبلغ ستين. فإن زادت بعيرا ففيها جذعة إلى أن تبلغ خمسا وسبعين. فإن زادت بعيرا ففيها بنتا لبون إلى أن تبلغ تسعين. فإن زادت بعيرا ففيها حقتان إلى أن تبلغ عشرين ومائة. ثم في كل خمسين حقة. وفي كل أربعين بنت لبون".
حسن: رواه ابن ماجه (١٧٩٩) عن محمد بن عقيل بن خويلد النيسابوري، حدثنا حفص بن عبد الله السلمي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عمرو بن يحيى بن عُمارة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عقيل بن خويلد، وثقه النسائي ولكن قال الحاكم أبو أحمد: حدَّث عن حفص بن عبد الله بحديثين لم يتابع عليهما. ويقال: دخل له حديث في حديث، وكان أحد الثقات النبلاء.
стр. 2447
قلت: هذا الحديث لم يخطئ فيه إن شاء الله لأنه موافق لحديث أنس.
• عن نافع، أنه قرأ كتاب عمر بن الخطاب: "أنه ليس فيما دون خمسة من الإبل شيء، وإذا بلغت خمسا ففيها شاة إلى تسع، فإذا كانت عشرًا فشاتان إلى أربع عشرة، فإذا بلغت خمس عشرة ففيها ثلاث إلى تسع عشرة، فإذا بلغت العشرين فأربع وإلى أربع وعشرين، فإذا بلغت خمسًا وعشرين ففيها بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت ففيها حقة إلى الستين، فإذا زادت ففيها ابنتا لبون إلى التسعين، فإذا زادت ففيها حقتان إلى العشرين ومائة، فإذا زادت ففي كل خمسين حقّة، وفي كل أربعين ابنة لبون، وليس في الغنم شيء فيما دون الأربعين، فإذا بلغت الأربعين ففيها شاة إلى العشرين ومائة، فإذا زادت فشاتان إلى المائتين، فإن زادت على المائتين فثلاث شياه إلى الثلاث مائة، فإذا زادت على الثلاث مائة، ففي كل مائة شاة".
صحيح: رواه أبو يعلى في "مسنده" (١٢٥) عن أبي الرّبيع (هو الزّهرانيّ)، ثنا حماد (هو ابن زيد)، قال: سمعت أيوب وعبد الرحمن وعبيد الله بن عمر يحدّثون عن نافع، أنّه قرأ كتاب عمر بن الخطّاب، فذكره. وهي رواية وجادة وهي إحدى صيغ التحمّل عند المحدّثين.
ورجاله ثقات كما قال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٧٤)، وهو يشبه كتاب أبي بكر لأنس كما سبق.
• عن قَزَعَة بن يحيى البصريّ، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ وَهُوَ مَكْثُورٌ عَلَيْهِ فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ قُلْتُ: إِنِّي لا أَسْأَلُكَ عَمَّا يَسْأَلُكَ هَؤُلاءِ عَنْهُ، قُلْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ صَلاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: مَا لَكَ فِي ذَلِكَ مِنْ خَيْرٍ، فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ فَقَالَ: كَانَتْ صَلاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ فَيَنْطَلِقُ أَحَدُنَا إِلَى الْبَقِيعِ فَيَقْضِي حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَأْتِي أَهْلَهُ فَيَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَسُولُ الله ﷺ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى. قَالَ: وَسأَلْتُهُ عَن الزَّكَاةِ فَقَالَ: لا أَدْرِي أَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَمْ لا؟ "فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَفِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ فَفِيهَا ثَلاثُ شِيَاهٍ إِلَى ثَلاثِ مِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، وَفِي الإِبِلِ فِي خَمْسٍ شَاةٌ، وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلاثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ابْنَةُ مَخَاضٍ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاثِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ابْنَةُ لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا حِقَّةٌ إِلَى سِتِّينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا جَذَعَةٌ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ إِلَى تِسْعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ
стр. 2448
وَاحِدَةً فَفِيهَا حِقَّتَانِ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّهٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ". وَسَأَلْتُهُ عَن الصَّوْم فِي السَّفَرِ قَالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ، قَال: فَنَزَلْنَا مَنْزِلا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ"، فَكَانَتْ رُخْصَةً فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلا آخَرَ فَقَالَ: "إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا". فَكَانَتْ عَزِيمَةً فَأَفْطَرْنَا ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ.
صحيح: رواه الإمام أحمد (١١٣٠٧) عن عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدّثني معاوية -يعني ابن صالح-، عن ربيعة بن يزيد، قال: حدّثني قزعة، فذكره بطوله.
ورواه مسلم في الصيام (١١٢٠) من هذا الوجه مختصرًا، وهو الجزء الخاص بالصّوم.
• عن عبد الله بن عمر، قال: كَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كِتَابَ الصَّدَقَةِ فَلَمْ يُخْرِجْهُ إِلَى عُمَّالِهِ حَتَّى قُبِضَ، فَقَرَنَهُ بِسَيْفِهِ فَعَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ، ثُمَّ عَمِلَ بِهِ عُمَرُ حَتَّى قُبِضَ، فَكَانَ فِيهِ: "فِي خَمْسٍ مِن الإِبِلِ شَاةٌ، وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلاثُ شِيَاهٍ وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ابْنَةُ مَخَاضٍ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاثِينَ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ابْنَةُ لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا حِقَّةٌ إِلَى سِتِّينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا جَذَعَةٌ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ إِلَى تِسْعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا حِقَّتَانِ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِنْ كَانَت الإِبِلُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ. وَفِي الْغَنَمِ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً فَشَاتَانِ إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً عَلَى الْمِائَتَيْنِ فَفِيهَا ثَلاثُ شِيَاهٍ إِلَى ثَلاثِ مِائَةٍ، فَإِنْ كَانَت الْغَنَمُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ حَتَّى تَبْلَغُ الْمِائَةَ، وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ مَخَافَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ وَلا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلا ذَاتُ عَيْبٍ".
قَالَ: وقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِذَا جَاءَ الْمُصَدِّقُ قُسِّمَت الشَّاءُ أَثْلاثًا: ثُلُثًا شِرَارًا، وَثُلُثًا خِيَارًا، وَثُلُثًا وَسَطًا، فَأَخَذَ الْمُصَدِّقُ مِن الْوَسَطِ وَلَمْ يَذْكُر الزُّهْرِيُّ الْبَقَرَ.
حسن: رواه أبو داود (١٥٦٨) واللّفظ له، والترمذي (٦٢١) كلاهما من حديث عبّاد بن العوّام، حدّثنا سفيان بن حسين، عن الزّهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، فذكره.
ومن هذا الطريق رواه أيضًا الإمام أحمد (٤٦٣٢) مختصرًا.
стр. 2449
ورواه ابن خزيمة (٢٢٦٧) من وجه آخر عن سفيان بن حسين، مختصرًا.
قال الترمذي: "حديث ابن عمر حديث حسن، والعمل على هذا الحديث عند عامة الفقهاء، وقد روى يونس بن يزيد وغير واحد عن الزهريّ، عن سالم، بهذا الحديث ولم يرفعوه، وإنّما رفعه سفيان بن حسين". انتهى.
ونقل البيهقيّ (٤/ ٨٨) عن الترمذيّ في كتابه "العلل" قال: "سألت محمّد بن إسماعيل البخاريّ عن هذا الحديث فقال: أرجو أن يكون محفوظًا، وسفيان بن حسين صدوق" انتهى.
قلت: سفيان بن حسين الواسطيّ ثقة في غير الزهريّ باتفاقهم كما قال الحافظ ابن حجر في "التقريب" وهو من رجال مسلم.
قال ابن الملقن في "البدر المنير" (٥/ ٤٢٤): "ولا يضرُّ تفرّده، فإنّ سفيان وثّقه ابنُ معين وابن سعد والنسائيّ، وأخرج له مسلم في مقدمة صحيحه، والبخاريّ تعليقًا، لكنّه ضعيف في الزّهريّ.
وقد ارتفع ذلك هنا فإنه توبع، قال ابن عدي فيما نقله البيهقي (٤/ ٨٨) عنه: "وافق سفيان بن حسين على هذه الرواية عن سالم، عن أبيه: سليمان بن كثير".
قال: "وبهذا يظهر الرّد على ما نُقل عن ابن معين حيث ضعّف هذا الحديث. وقال: لم يتابع سفيان أحدٌ عليه". انتهى.
ونقل عن الحاكم قوله: "ويصحِّحُه على شرط الشيخين حديثُ عبد الله بن المبارك، عن يونس ابن يزيد، عن الزّهريّ، وإن كان فيه أدنى إرسال، فإنه شاهد صحيح لحديث سفيان بن حسين. ثم ساقه كما أخرجه الدارقطني سواء". انتهى.
قلت: وهو يشير إلى ما رواه أبو داود (١٥٧٠)، والدّارقطني (١٩٨٦)، والحاكم (١/ ٣٩٣ - ٣٩٤)، والبيهقيّ (٤/ ٩٠ - ٩١) كلّهم من طريق عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: "هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه في الصّدقة وهي عند آل عمر بن الخطاب، قال ابن شهاب: أقرأنيها سالم بن عبد الله بن عمر فوعيتُها على وجهها، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من عبد الله بن عبد الله بن عمر، وسالم بن عبد الله بن عمر حين أُمِّر على المدينة، فأمر عماله بالعمل بها، وكتب بها إلى الوليد بن عبد الملك، فأمر الوليد عماله بالعمل بها، ثم لم يزل الخلفاء يأمرون بذلك بعده، ثم أمر بها هشام فنسخها إلى كل عامل من المسلمين، وأمرهم بالعمل بما فيها ولا يتعدونها".
وكون الزهريّ سمع هذه النسخة من سالم بن عبد الله فوعاها ووجدها سالم منسوخة عند آل عمر ابن الخطاب فهي وجادة والرواية بها صحيحة، وحكمها الرّفع. وسالم بن عبد الله عزاه إلى أبيه في رواية سليمان بن كثير قال: حدّثنا ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ .
قال الزّهريّ: أقرأني سالم كتابًا كتبه رسول الله ﷺ في الصدقات قبل موته (فذكر الحديث).
стр. 2450
ومن هذا الطّريق رواه ابن ماجه (١٧٩٨). وبهذا صحّ قول البخاري والترمذي بأنه حسن.
غير أنّ الدّارقطنيّ في كتابه "العلل" (١٢/ ٢٩١) أشار إلى الاختلاف فيه على الزّهريّ، ورجّح رواية يونس بن يزيد يعني الوجادة، وهي حجّة.
ولذلك قال النووي في "المجموع" (٥/ ٣٨٢): "مدار نصب زكاة الماشية على حديثي أنس وابن عمر ﵃".
• عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ زُهَيْرٌ: أَحْسَبُهُ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ: "هَاتُوا رُبْعَ الْعُشُورِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ حَتَّى تَتِمَّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَإِذَا كَانَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ فَعَلَى حِسَابِ ذَلِكَ، وَفِي الْغَنَمِ فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلا تِسْعٌ وَثَلاثُونَ فَلَيْسَ عَلَيْكَ فِيهَا شَيْءٌ". وَسَاقَ صَدَقَةَ الْغَنَمِ مِثْلَ الزُّهْرِيِّ قَالَ: "وَفِي الْبَقَرِ فِي كُلِّ ثَلاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي الأَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ وَلَيْسَ عَلَى الْعَوَامِلِ شَيْءٌ وَفِي الإِبِلِ". فَذَكَرَ صَدَقَتَهَا كَمَا ذَكَرَ الزُّهْرِيُّ قَالَ: "وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ خَمْسَةٌ مِن الْغَنَمِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ابْنَةُ مَخَاضٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاثِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ إِلَى سِتِّينَ". ثُمَّ سَاقَ مِثْلَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: "فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً يَعْنِي وَاحِدَةً وَتِسْعِينَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِنْ كَانَت الإِبْلُ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَلا تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرْمَةٌ، وَلا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلا تَيْسٌ إِلا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ. وَفِي النَّبَاتِ مَا سَقَتْهُ الْأَنْهَارُ أَوْ سَقَت السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَمَا سَقَى الْغَرْبُ فَفَيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ".
وَفِي حَدِيثِ عَاصِمٍ وَالْحَارِثِ: "الصَّدَقَةُ فِي كُلِّ عَامٍ". قَالَ زُهَيْرٌ: أَحْسَبُهُ قَالَ: "مَرَّةً".
وَفِي حَدِيثِ عَاصِمٍ: "إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الإِبِلِ ابْنَةُ مَخَاضٍ وَلا ابْنُ لَبُونٍ فَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ شَاتَانِ".
حسن: رواه أبو داود (١٥٧٢) عن عبد الله بن محمد النّفيليّ، حدّثنا زهير، حدّثنا أبو إسحاق، عن عاصم بن حمزة، وعن الحارث الأعور، عن علي ﵁ قال زهير: أحسبه عن النبيّ ﷺ أنه قال (فذكره).
وعاصم بن حمزة حسن الحديث، وقد تابعه الحارث الأعور.
وصحّحه ابن خزيمة (٢٢٧٠)، ولكنه لم يسم الحارث الأعور، وقال ابن القطان: "إسناده
стр. 2451
صحيح، وكلّهم ثقات، ولا أعني رواية الحارث وإنما أعني رواية عاصم". انظر: "نصب الراية" (٢/ ٣٥٢).
إلا أن قوله: "وفي خمس وعشرين خمسةٌ من الغنم" شاذ، والصحيح أن في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض. كما أن قوله في آخر الحديث "إذا لم يكن في الإبل ابنة مخاض ولا ابن لبون فعشرة دراهم أو شاتان" فيه أيضا شذوذ.
قوله: "تبيع" قال أبو عبيد: تبيع ليس بسنّ، إنّما هو صفة، وإنّما سمّي تبيعًا إذا قوي على اتباع أمّه في الرّعي. وقال: إنه لا يقوى على اتباع أمّه في الرّعي إلا أن يكون حوليًّا -أي قد تمّ له حول". ذكره ابن خزيمة في "صحيحه" (٤/ ٢٠).
وأمّا ما رُوي: "فإذا زادتْ على عشرين ومائة، تردُّ الفرائض إلى أولها" أي تستأنف بها الفرائض فكلّها ضعيفة.
منها ما رُوي عن علي بن أبي طالب، رواه عنه عاصم بن حمزة: "إذا زادت الإبل على عشرين ومائة، فبحساب ذلك يستأنف بها الفرائض".
قال البيهقيّ: وقد أنكر أهل العلم هذا على عاصم بن حمزة؛ لأنّ رواية عاصم بن حمزة، عن علي خلاف كتاب آل عمرو بن حزم، وخلاف كتاب أبي بكر وعمر ﵄.
وقال الشافعي في كتاب القديم: "راوي هذا مجهول عن علي، وأكثر الرواة عن ذلك المجهول يزعم الذي روى هذا عنه غلط عليه، وإن هذا ليس في حديثه".
قال البيهقي: "يريد قوله في الاستئناف. واستدل على هذا في كتاب آخر برواية من روى عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي بخلاف ذلك".
ثم روى الشافعي عن شريك. والبيهقي عن زهير بن معاوية كلاهما عن أبي إسحاق، عن عاصم ابن حمزة، عن علي، قال: "إذا زادت الإبلُ على عشرين ومائة ففي كلّ خمسين حقّة، وفي كلّ أربعين بنت لبون. قال: وقال عمرو بن الهيثم وغيره عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي، مثله. قال الشافعي: وبهذا نقول، وهو موافق للسنة، وهم -يعني بعض العراقيين- لا يأخذون بهذا، فيخالفون ما روي عن النبيّ ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، والثابت عن علي ﵁ عندهم إلى قول إبراهيم وشيء يغلط به عن علي ﵁". انتهى.
قلت: حديث زهير، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة وعن الحارث الأعور، عن علي ﵁ هو ما رواه أبو داود (١٥٧٢) عن عبد الله بن محمد النّفيليّ، عن زهير، بإسناده مطوّلًا كما سبق.
ومنها ما رواه أبو داود في المراسيل (١٠٦) عن موسى بن إسماعيل، قال: قال حماد: قلت لقيس بن سعد: خذ لي كتاب محمد بن عمرو بن حزم، فأعطاني كتابًا أخبر أنه أخذه من أبي بكر
стр. 2452
ابن محمد بن عمرو بن حزم أنّ النبيّ ﷺ كتبه لجدّه فقرأته، فكان فيه ذكر ما يخرج من فرائض الإبل، فقصَّ الحديث إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فإذا كان أكثر من ذلك فعد في كلّ خمسين حقّة، وما فضل فإنه يعاد إلى أوّل فريضة الإبل، وما كان أقلّ من خمس وعشرين ففيه الغنم في كلّ خمس ذود شاة، ليس فيها ذكر ولا هرمة ولا ذات عوار من الغنم".
قال البيهقيّ (٤/ ٩٤): "وهذا منقطع بين أبي بكر بن حزم إلى النبيّ ﷺ ، وقيس بن سعد أخذه عن كتاب لا عن سماع، وكذلك حماد بن سلمة، أخذه عن كتاب لا عن سماع، وقيس بن سعد وحماد بن سلمة، وإن كانا من الثقات فروايتهما هذه بخلاف رواية الحفّاظ عن كتاب عمرو بن حزم وغيره.
وحماد بن سلمة ساء حفظه في آخر عمره، فالحفّاظ لا يحتجّون بما يخالف فيه، ويتجنّبون ما ينفرد به عن قيس بن سعد خاصة وأمثاله، وهذا الحديث قد جمع الأمرين ما فيه من الانقطاع" انتهى.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "سمعت أبي يقول: ضاع كتاب حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، فكان يحدّثهم من حفظه، فهذه قصّته". ذكره ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٦٧٠).
قال حماد بن سلمة: "استعار مني حجاج الأحول كتاب قيس، فذهب إلى مكة، فقال: ضاع". انظر: "معرفة السنن والآثار" (٣/ ٢٩).
قال البيهقيّ: "وإذا كان حديث حماد، عن قيس بن سعد مرسلًا، وخالفه عدد، وفيهم ولد الرجل. والكتاب بالمدينة يتوارثونه بينهم فأخبروا بما وجدوا فيه، ويعرف عنه عمر بن عبد العزيز، وأمر بأن ينسخ له فوجد بخلاف ما رواه حماد عن قيس بن سعد موافقًا لما وجد في الكتاب الذي كان عند آل عمر بن الخطاب، موافقًا لما رواه سفيان بن حسين موصولًا، موافقًا لما رواه ثمامة بن عبد الله موصولًا، إنما يدلّك كلّ هذا على خطأ تلك الرواية التي قد انفردت عن سائر تلك الروايات وأن الأخذ بغيرها أولى". انظر: "معرفة السنن والآثار" (٦/ ٢٩ - ٣٠).
• عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه: أنّ رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسُّنن والدِّيات، وبعث به مع عمرو ابن حزم، فقرئت على أهل اليمن، وهذه نسختها: "من محمد النبي ﷺ إلى شرحبيل بن عبد كلال، والحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، قيل ذي رُعَينٍ ومعافر وهمدان: أمّا بعد، فقد رجع رسولكم، وأعطيتم من الغنائم خُمس الله، وما كتب الله على المؤمنين من العشر في العقار، وما سقت السَّماء أو كان سَيْحًا أو بَعْلا، ففيه العُشْر إذا بلغ خمسة أوسق، وما سقي بالرَّشاء، والدَّالية، ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق. وفي كلّ خمس من الإبل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعًا وعشرين، فإذا زادتْ واحدة على أربع وعشرين ففيها ابنة مخاض، فإن لم
стр. 2453
توجد بنت مخاض، فابن لبون ذكر إلى أن تبلغ خمسًا وثلاثين، فإذا زادتْ على خمس وثلاثين، ففيها ابنة لبون إلى أن تبلغ خمسا وأربعين، فإذا زادتْ على خمس وأربعين، ففيها حقة طروقة إلى أن تبلغ ستين، فإن زادت على ستين واحدة، ففيها جذعة إلى أن تبلغ خمسة وسبعين، فإن زادت على خمس وسبعين واحدة، ففيها ابنتا لبون إلى أن تبلغ تسعين، فإن زادت على تسعين واحدة، ففيها حقّتان طروقتا الجمل، إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فما زاد ففي كلّ أربعين ابنة لبون، وفي كلّ خمسين حقة طروقة الجمل، وفي كلّ ثلاثين باقورة بقرة. وفي كلّ أربعين شاة سائمة شاة إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فإن زادتْ على عشرين واحدة، ففيها شاتان إلى أن تبلغ مئتين، فإن زادت واحدة، فثلاثة شياه إلى أن تبلغ ثلاث مائة، فما زاد ففي كل مائة شاة شاة. ولا تؤخذ في الصّدقة هرمة، ولا عجفاء، ولا ذات عوار، ولا تيس الغنم، ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خيفة الصّدقة، وما أخذ من الخليطين، فإنّهما يتراجعان بينهما بالسّوية. وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم، فما زاد ففي كلّ أربعين درهمًا درهم، وليس فيها دون خمس أواق شيء، وفي كلِّ أربعين دينارا دينار. وإنَّ الصَدقةَ لا تحل لمحمّد ولا لأهل بيته، وإنّما هي الزّكاة تزكي بها أنفسهم في فقراء المؤمنين، أو في سبيل الله. وليس في رقيق ولا مزرعة ولا عمالها شيء، إذا كانت تؤدى صدقتها من العشر. وليس في عبد المسلم ولا فرسه شيء. وإنّ أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير الحق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلّم السّحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم. وإنّ العمرة الحج الأصغر. ولا يمسُّ القرآن إلا طاهر. ولا طلاق قبل إملاك، ولا عتق حتى يبتاع. ولا يصلينَّ أحدكم في ثوب واحد ليس على منكبه منه شيء، ولا يحتبين في ثوب واحد ليس بينه وبين السماء شيء، ولا يصلين أحدكم في ثوب واحد وشقه باد. ولا يصلين أحدكم عاقصا شعره. وإنّ من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة، فهو قود إلا أن يرضى أولياء المقتول. وإنَّ في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدّية، وفي اللسان الدّية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذّكر الدّية، وفي الصّلب الدية، وفي العينين الدّية، وفي الرّجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدّية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل أصبع من الأصابع من اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن
стр. 2454
خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وإنّ الرجل يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار".
صحيح وجادة: رواه ابن حبان (٦٥٥٩) -واللّفظ له-، والحاكم (١/ ٣٩٥ - ٣٩٦)، والبيهقيّ (٤/ ٨٩) مطوّلًا.
ورواه النسائي (٤٨٥٣)، والدّارميّ (١٦٦١، ١٦٦٨، ١٦٧٥) مختصرًا متقطّعًا -كلّهم من طرق عن الحكم بن موسى، ثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، حدّثني الزّهريّ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه، فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح كبير مفسر في هذا الباب يشهد له أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، وأقام العلماءُ في عصره محمّد بن مسلم الزّهريّ بالصّحة كما تقدم ذكري له، وسليمان بن داود الدّمشقيّ الخولانيّ معروف بالزّهريّ، وإن كان يحيى بن معين غمزه فقد عدله غيره.
كما أخبرنيه أبو أحمد الحسين بن علي، ثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: سمعت أبي وسئل عن حديث عمرو بن حزم في كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه له في الصدقات، فقال: سليمان بن داود الخولاني عندنا ممن لا بأس به، قال أبو محمد بن أبي حاتم: وسمعت أبا زرعة يقول ذلك". وقال: "هو قواعد الإسلام" انتهى.
ونقل ابن الجوزيّ في "التحقيق" (٣/ ١١)، والبيهقيّ في "السنن" (٤/ ٩٠) عن الإمام أحمد أنه سئل عن حديث الصّدقات الذي يرويه يحيى بن حمزة أصحيح؟ فقال: "أرجو أن يكون صحيحًا".
قال البيهقيّ: "وقد أثنى جماعة من الحفّاظ على سليمان بن داود الخولاني منهم: أحمد بن حنبل، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرّازيان، وعثمان بن سعيد الدّارميّ، وابن عدي الحافظ، قال: وحديثه هذا يوافق رواية من رواه مرسلًا، ويوافق رواية من رواه من جهة أنس بن مالك وغيره موصولًا".
قلت: هذا كله بناء على أنّ سليمان اسم أبيه داود وهو الخولانيّ، ولكن رواه النسائي (٤٨٥٤) من وجه آخر من طريق محمد بن بكار بن بلال قال: حدّثنا يحيي، حدّثنا سليمان بن أرقم، قال: حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه، فذكره مختصرًا.
قال النسائي: "وهذا أشبه بالصّواب، وسليمان بن أرقم متروك الحديث، وقد روي هذا الحديث يونس عن الزهري مرسلًا". انتهى.
قلت: هذا الذي قاله كثير من الأئمة، ووهّموا فيه الحكم بن موسى، فقالوا: غلط في اسم أبي سليمان، فقال: داود، والصحيح: إنه أرقم. نبّه على ذلك أبو داود في مراسيله (٢٤٧).
وقد تردّد أبو حاتم في أوّل الأمر فقال: "لا أدري أيّهما هو، ثم قال: وما أظن أنه هذا الدمشقي (يعني سليمان بن داود الخولانيّ الدّمشقيّ) ويقال: إنّهم أصابوا هذا الحديث بالعراق من حديث سليمان بن أرقم". "العلل" (١/ ٢٢٢).
стр. 2455
وخلاصة القول في حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه، أنه دائر بين ضعيف وإرسال، فإنّ المرفوع فيه سليمان بن أرقم أهل العلم مطبقون على تضعيفه؛ فالصّواب فيه أنه منقطع.
قال الزّهريّ: "جاءني أبو بكر بن حزم بكتاب في رقعة أدم عن رسول الله ﷺ ". فذكر بعض نصوص الكتاب في الديات.
رواه النسائي (٤٨٥٦) عن أحمد بن عبد الواحد، حدّثنا مروان بن محمد، قال: حدّثنا سعيد (وهو ابن عبد العزيز)، عن الزهريّ، فذكره.
وقد يرى البيهقيّ أن نصّ الكتاب الذي رواه داود بن سليمان (أو ابن أرقم) يوافق ما رواه غيره مرسلًا إلا أني لم أقف على نصّ الكتاب كاملًا من رواية من رواه مرسلًا. فإذا صحّ قول البيهقيّ فمن خالف شيئًا من هذا النّص فهو شاذ أو منكر.
والخلاصة فيه أنّ العلماء قبلوا كتاب أبي بكر بن حزم -سواء كان مرفوعًا أو مرسلًا-، وهو يوافق أيضًا كتاب أبي بكر الصّديق ﵁ كما قال البيهقيّ.
قال الزّيلعيّ في "نصب الراية" (٢/ ٣٤٢): "وقال بعضُ الحفَّاظ من المتأخِّرِينَ: وَنُسْخَةُ كتاب عمرو بن حزم تَلَقَّاها الأئمَّةُ الأربعة بالقبُول، وهي مُتَوَارَثَةٌ، كَنُسخَةِ عمرو بن شُعَيب عن أَبيه عن جَدِّه، وهي دائرة على سُليمان بن أرقم، وسليمان بن أَبِي دَاوُد الخولانيِّ عن الزّهريِّ، عن أبي بكر ابن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن أَبِيه، عن جدِّه، وكلاهما ضعيف، بل المرجّح في روايتِهما سليمان بن أرقم، وهو مترُوك، لكن قَالَ الشَّافعيّ ﵁ في "الرّسالة": "لم يَقبلوه حتَّى ثَبَت عندهم أنَّه كتاب رَسُولِ الله ﷺ ". وقال أحمد ﵁: "أرجو أن يكون هذا الحَدِيث صحيحًا". وقال يعقوب بن سفيان الفسويُّ: "لا أعلم في جميع الكتب المنقولة أصحّ منه، كان أصحاب النَّبِيِّ ﷺ والتّابعون يرجعون إلَيْهِ، ويدعون آرَاءَهُم". انتهى.
قلت: وفي الباب أيضًا عن أبي ذرّ مرفوعًا: "في الإبلِ صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتُها، وفي البز أو تبر صدقته".
وهو حديث ضعيف، ينظر تخريجه في باب العروض التي للتجارة فيها زكاة.
٢ - باب زكاة البقر
• عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كلّ أربعين مسنّة، ومن كلّ ثلاثين تبيعًا أو تبيعة.
صحيح: رواه أبو داود (١٥٧٦)، والترمذي (٦٢٣)، والنسائي (٢٤٥٥)، وابن ماجه (١٨٠٣) كلّهم من طرق عن الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، فذكره.
следующие страницы →