← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

صحيح، وكلّهم ثقات، ولا أعني رواية الحارث وإنما أعني رواية عاصم". انظر: "نصب الراية" (٢/ ٣٥٢). إلا أن قوله: "وفي خمس وعشرين خمسةٌ من الغنم" شاذ، والصحيح أن في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض. كما أن قوله في آخر الحديث "إذا لم يكن في الإبل ابنة مخاض ولا ابن لبون فعشرة دراهم أو شاتان" فيه أيضا شذوذ. قوله: "تبيع" قال أبو عبيد: تبيع ليس بسنّ، إنّما هو صفة، وإنّما سمّي تبيعًا إذا قوي على اتباع أمّه في الرّعي. وقال: إنه لا يقوى على اتباع أمّه في الرّعي إلا أن يكون حوليًّا -أي قد تمّ له حول". ذكره ابن خزيمة في "صحيحه" (٤/ ٢٠). وأمّا ما رُوي: "فإذا زادتْ على عشرين ومائة، تردُّ الفرائض إلى أولها" أي تستأنف بها الفرائض فكلّها ضعيفة. منها ما رُوي عن علي بن أبي طالب، رواه عنه عاصم بن حمزة: "إذا زادت الإبل على عشرين ومائة، فبحساب ذلك يستأنف بها الفرائض". قال البيهقيّ: وقد أنكر أهل العلم هذا على عاصم بن حمزة؛ لأنّ رواية عاصم بن حمزة، عن علي خلاف كتاب آل عمرو بن حزم، وخلاف كتاب أبي بكر وعمر ﵄. وقال الشافعي في كتاب القديم: "راوي هذا مجهول عن علي، وأكثر الرواة عن ذلك المجهول يزعم الذي روى هذا عنه غلط عليه، وإن هذا ليس في حديثه". قال البيهقي: "يريد قوله في الاستئناف. واستدل على هذا في كتاب آخر برواية من روى عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي بخلاف ذلك". ثم روى الشافعي عن شريك. والبيهقي عن زهير بن معاوية كلاهما عن أبي إسحاق، عن عاصم ابن حمزة، عن علي، قال: "إذا زادت الإبلُ على عشرين ومائة ففي كلّ خمسين حقّة، وفي كلّ أربعين بنت لبون. قال: وقال عمرو بن الهيثم وغيره عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي، مثله. قال الشافعي: وبهذا نقول، وهو موافق للسنة، وهم -يعني بعض العراقيين- لا يأخذون بهذا، فيخالفون ما روي عن النبيّ ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، والثابت عن علي ﵁ عندهم إلى قول إبراهيم وشيء يغلط به عن علي ﵁". انتهى. قلت: حديث زهير، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة وعن الحارث الأعور، عن علي ﵁ هو ما رواه أبو داود (١٥٧٢) عن عبد الله بن محمد النّفيليّ، عن زهير، بإسناده مطوّلًا كما سبق. ومنها ما رواه أبو داود في المراسيل (١٠٦) عن موسى بن إسماعيل، قال: قال حماد: قلت لقيس بن سعد: خذ لي كتاب محمد بن عمرو بن حزم، فأعطاني كتابًا أخبر أنه أخذه من أبي بكر

стр. 2452

ابن محمد بن عمرو بن حزم أنّ النبيّ ﷺ كتبه لجدّه فقرأته، فكان فيه ذكر ما يخرج من فرائض الإبل، فقصَّ الحديث إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فإذا كان أكثر من ذلك فعد في كلّ خمسين حقّة، وما فضل فإنه يعاد إلى أوّل فريضة الإبل، وما كان أقلّ من خمس وعشرين ففيه الغنم في كلّ خمس ذود شاة، ليس فيها ذكر ولا هرمة ولا ذات عوار من الغنم". قال البيهقيّ (٤/ ٩٤): "وهذا منقطع بين أبي بكر بن حزم إلى النبيّ ﷺ ، وقيس بن سعد أخذه عن كتاب لا عن سماع، وكذلك حماد بن سلمة، أخذه عن كتاب لا عن سماع، وقيس بن سعد وحماد بن سلمة، وإن كانا من الثقات فروايتهما هذه بخلاف رواية الحفّاظ عن كتاب عمرو بن حزم وغيره. وحماد بن سلمة ساء حفظه في آخر عمره، فالحفّاظ لا يحتجّون بما يخالف فيه، ويتجنّبون ما ينفرد به عن قيس بن سعد خاصة وأمثاله، وهذا الحديث قد جمع الأمرين ما فيه من الانقطاع" انتهى. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "سمعت أبي يقول: ضاع كتاب حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، فكان يحدّثهم من حفظه، فهذه قصّته". ذكره ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٦٧٠). قال حماد بن سلمة: "استعار مني حجاج الأحول كتاب قيس، فذهب إلى مكة، فقال: ضاع". انظر: "معرفة السنن والآثار" (٣/ ٢٩). قال البيهقيّ: "وإذا كان حديث حماد، عن قيس بن سعد مرسلًا، وخالفه عدد، وفيهم ولد الرجل. والكتاب بالمدينة يتوارثونه بينهم فأخبروا بما وجدوا فيه، ويعرف عنه عمر بن عبد العزيز، وأمر بأن ينسخ له فوجد بخلاف ما رواه حماد عن قيس بن سعد موافقًا لما وجد في الكتاب الذي كان عند آل عمر بن الخطاب، موافقًا لما رواه سفيان بن حسين موصولًا، موافقًا لما رواه ثمامة بن عبد الله موصولًا، إنما يدلّك كلّ هذا على خطأ تلك الرواية التي قد انفردت عن سائر تلك الروايات وأن الأخذ بغيرها أولى". انظر: "معرفة السنن والآثار" (٦/ ٢٩ - ٣٠). • عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه: أنّ رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسُّنن والدِّيات، وبعث به مع عمرو ابن حزم، فقرئت على أهل اليمن، وهذه نسختها: "من محمد النبي ﷺ إلى شرحبيل بن عبد كلال، والحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، قيل ذي رُعَينٍ ومعافر وهمدان: أمّا بعد، فقد رجع رسولكم، وأعطيتم من الغنائم خُمس الله، وما كتب الله على المؤمنين من العشر في العقار، وما سقت السَّماء أو كان سَيْحًا أو بَعْلا، ففيه العُشْر إذا بلغ خمسة أوسق، وما سقي بالرَّشاء، والدَّالية، ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق. وفي كلّ خمس من الإبل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعًا وعشرين، فإذا زادتْ واحدة على أربع وعشرين ففيها ابنة مخاض، فإن لم

стр. 2453

توجد بنت مخاض، فابن لبون ذكر إلى أن تبلغ خمسًا وثلاثين، فإذا زادتْ على خمس وثلاثين، ففيها ابنة لبون إلى أن تبلغ خمسا وأربعين، فإذا زادتْ على خمس وأربعين، ففيها حقة طروقة إلى أن تبلغ ستين، فإن زادت على ستين واحدة، ففيها جذعة إلى أن تبلغ خمسة وسبعين، فإن زادت على خمس وسبعين واحدة، ففيها ابنتا لبون إلى أن تبلغ تسعين، فإن زادت على تسعين واحدة، ففيها حقّتان طروقتا الجمل، إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فما زاد ففي كلّ أربعين ابنة لبون، وفي كلّ خمسين حقة طروقة الجمل، وفي كلّ ثلاثين باقورة بقرة. وفي كلّ أربعين شاة سائمة شاة إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فإن زادتْ على عشرين واحدة، ففيها شاتان إلى أن تبلغ مئتين، فإن زادت واحدة، فثلاثة شياه إلى أن تبلغ ثلاث مائة، فما زاد ففي كل مائة شاة شاة. ولا تؤخذ في الصّدقة هرمة، ولا عجفاء، ولا ذات عوار، ولا تيس الغنم، ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خيفة الصّدقة، وما أخذ من الخليطين، فإنّهما يتراجعان بينهما بالسّوية. وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم، فما زاد ففي كلّ أربعين درهمًا درهم، وليس فيها دون خمس أواق شيء، وفي كلِّ أربعين دينارا دينار. وإنَّ الصَدقةَ لا تحل لمحمّد ولا لأهل بيته، وإنّما هي الزّكاة تزكي بها أنفسهم في فقراء المؤمنين، أو في سبيل الله. وليس في رقيق ولا مزرعة ولا عمالها شيء، إذا كانت تؤدى صدقتها من العشر. وليس في عبد المسلم ولا فرسه شيء. وإنّ أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير الحق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلّم السّحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم. وإنّ العمرة الحج الأصغر. ولا يمسُّ القرآن إلا طاهر. ولا طلاق قبل إملاك، ولا عتق حتى يبتاع. ولا يصلينَّ أحدكم في ثوب واحد ليس على منكبه منه شيء، ولا يحتبين في ثوب واحد ليس بينه وبين السماء شيء، ولا يصلين أحدكم في ثوب واحد وشقه باد. ولا يصلين أحدكم عاقصا شعره. وإنّ من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة، فهو قود إلا أن يرضى أولياء المقتول. وإنَّ في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدّية، وفي اللسان الدّية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذّكر الدّية، وفي الصّلب الدية، وفي العينين الدّية، وفي الرّجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدّية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل أصبع من الأصابع من اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن

стр. 2454

خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وإنّ الرجل يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار". صحيح وجادة: رواه ابن حبان (٦٥٥٩) -واللّفظ له-، والحاكم (١/ ٣٩٥ - ٣٩٦)، والبيهقيّ (٤/ ٨٩) مطوّلًا. ورواه النسائي (٤٨٥٣)، والدّارميّ (١٦٦١، ١٦٦٨، ١٦٧٥) مختصرًا متقطّعًا -كلّهم من طرق عن الحكم بن موسى، ثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، حدّثني الزّهريّ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه، فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح كبير مفسر في هذا الباب يشهد له أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، وأقام العلماءُ في عصره محمّد بن مسلم الزّهريّ بالصّحة كما تقدم ذكري له، وسليمان بن داود الدّمشقيّ الخولانيّ معروف بالزّهريّ، وإن كان يحيى بن معين غمزه فقد عدله غيره. كما أخبرنيه أبو أحمد الحسين بن علي، ثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: سمعت أبي وسئل عن حديث عمرو بن حزم في كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه له في الصدقات، فقال: سليمان بن داود الخولاني عندنا ممن لا بأس به، قال أبو محمد بن أبي حاتم: وسمعت أبا زرعة يقول ذلك". وقال: "هو قواعد الإسلام" انتهى. ونقل ابن الجوزيّ في "التحقيق" (٣/ ١١)، والبيهقيّ في "السنن" (٤/ ٩٠) عن الإمام أحمد أنه سئل عن حديث الصّدقات الذي يرويه يحيى بن حمزة أصحيح؟ فقال: "أرجو أن يكون صحيحًا". قال البيهقيّ: "وقد أثنى جماعة من الحفّاظ على سليمان بن داود الخولاني منهم: أحمد بن حنبل، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرّازيان، وعثمان بن سعيد الدّارميّ، وابن عدي الحافظ، قال: وحديثه هذا يوافق رواية من رواه مرسلًا، ويوافق رواية من رواه من جهة أنس بن مالك وغيره موصولًا". قلت: هذا كله بناء على أنّ سليمان اسم أبيه داود وهو الخولانيّ، ولكن رواه النسائي (٤٨٥٤) من وجه آخر من طريق محمد بن بكار بن بلال قال: حدّثنا يحيي، حدّثنا سليمان بن أرقم، قال: حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه، فذكره مختصرًا. قال النسائي: "وهذا أشبه بالصّواب، وسليمان بن أرقم متروك الحديث، وقد روي هذا الحديث يونس عن الزهري مرسلًا". انتهى. قلت: هذا الذي قاله كثير من الأئمة، ووهّموا فيه الحكم بن موسى، فقالوا: غلط في اسم أبي سليمان، فقال: داود، والصحيح: إنه أرقم. نبّه على ذلك أبو داود في مراسيله (٢٤٧). وقد تردّد أبو حاتم في أوّل الأمر فقال: "لا أدري أيّهما هو، ثم قال: وما أظن أنه هذا الدمشقي (يعني سليمان بن داود الخولانيّ الدّمشقيّ) ويقال: إنّهم أصابوا هذا الحديث بالعراق من حديث سليمان بن أرقم". "العلل" (١/ ٢٢٢).

стр. 2455

وخلاصة القول في حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه، أنه دائر بين ضعيف وإرسال، فإنّ المرفوع فيه سليمان بن أرقم أهل العلم مطبقون على تضعيفه؛ فالصّواب فيه أنه منقطع. قال الزّهريّ: "جاءني أبو بكر بن حزم بكتاب في رقعة أدم عن رسول الله ﷺ ". فذكر بعض نصوص الكتاب في الديات. رواه النسائي (٤٨٥٦) عن أحمد بن عبد الواحد، حدّثنا مروان بن محمد، قال: حدّثنا سعيد (وهو ابن عبد العزيز)، عن الزهريّ، فذكره. وقد يرى البيهقيّ أن نصّ الكتاب الذي رواه داود بن سليمان (أو ابن أرقم) يوافق ما رواه غيره مرسلًا إلا أني لم أقف على نصّ الكتاب كاملًا من رواية من رواه مرسلًا. فإذا صحّ قول البيهقيّ فمن خالف شيئًا من هذا النّص فهو شاذ أو منكر. والخلاصة فيه أنّ العلماء قبلوا كتاب أبي بكر بن حزم -سواء كان مرفوعًا أو مرسلًا-، وهو يوافق أيضًا كتاب أبي بكر الصّديق ﵁ كما قال البيهقيّ. قال الزّيلعيّ في "نصب الراية" (٢/ ٣٤٢): "وقال بعضُ الحفَّاظ من المتأخِّرِينَ: وَنُسْخَةُ كتاب عمرو بن حزم تَلَقَّاها الأئمَّةُ الأربعة بالقبُول، وهي مُتَوَارَثَةٌ، كَنُسخَةِ عمرو بن شُعَيب عن أَبيه عن جَدِّه، وهي دائرة على سُليمان بن أرقم، وسليمان بن أَبِي دَاوُد الخولانيِّ عن الزّهريِّ، عن أبي بكر ابن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن أَبِيه، عن جدِّه، وكلاهما ضعيف، بل المرجّح في روايتِهما سليمان بن أرقم، وهو مترُوك، لكن قَالَ الشَّافعيّ ﵁ في "الرّسالة": "لم يَقبلوه حتَّى ثَبَت عندهم أنَّه كتاب رَسُولِ الله ﷺ ". وقال أحمد ﵁: "أرجو أن يكون هذا الحَدِيث صحيحًا". وقال يعقوب بن سفيان الفسويُّ: "لا أعلم في جميع الكتب المنقولة أصحّ منه، كان أصحاب النَّبِيِّ ﷺ والتّابعون يرجعون إلَيْهِ، ويدعون آرَاءَهُم". انتهى. قلت: وفي الباب أيضًا عن أبي ذرّ مرفوعًا: "في الإبلِ صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتُها، وفي البز أو تبر صدقته". وهو حديث ضعيف، ينظر تخريجه في باب العروض التي للتجارة فيها زكاة. ٢ - باب زكاة البقر • عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كلّ أربعين مسنّة، ومن كلّ ثلاثين تبيعًا أو تبيعة. صحيح: رواه أبو داود (١٥٧٦)، والترمذي (٦٢٣)، والنسائي (٢٤٥٥)، وابن ماجه (١٨٠٣) كلّهم من طرق عن الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، فذكره.

стр. 2456

وصحّحه ابن خزيمة (٢٢٦)، وابن حبان (٤٨٨٦)، والحاكم (١/ ٣٩٨) وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". وزاد بعضهم: "ومن كل حالم -يعني محتلمًا- دينارًا أو عدله من المعافر -ثياب تكون باليمن". وقع خلاف بين أهل العلم في إدراك مسروق لمعاذ، فالذي عليه المحقّقون أنّه أدركه. قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢/ ٢٧٥): "قد رُوي هذا الخبر عن معاذ بإسناد متصل صحيح ثابت، ذكره عبد الرزاق، حدثنا معمر والثوري عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ". قلت: مسروق هو ابن الأجدع الهمدانيّ، وهو ممن يروي عن أبي بكر ﵁ الذي توفي سنة ثلاث عشرة، ومعاذ بن جبل توفي سنة ثمان عشرة، وقد أطال الحافظ في "التلخيص" فراجعه. ويؤيده ما رواه مالك موقوفًا على معاذ في الزكاة (٢٤) عن حميد بن قيس المكيّ، عن طاوس اليمانيِّ، أنّ معاذ بن جبل الأنصاريّ أخذ من ثلاثين بَقَرَةً تَبِيعًا ومن أربَعين بقرة مُسِنَّةً وأتي بما دون ذلك فأَبَى أن يأخذ منه شَيْئًا وَقَال: "لم أَسمع من رسول الله ﷺ فيه شيئًا حتَّى أَلْقَاهُ فأسأَله". فتوفِّي رسول الله ﷺ قبل أن يقدم معاذ بن جبل. قال ابن عبد البر: "ظاهر هذا الحديث الوقوف على معاذ بن جبل من قوله، إلّا أنّ في قوله: أنه لم يسمع من النبيّ ﷺ فيما دون الثلاثين والأربعين من البقر شيئًا دليلًا واضحًا على أنه قد سمع منه ﵇ في الثلاثين وفي الأربعين ما عمل به في ذلك، مع أن مثله لا يكون رأيًا إنّما هو توقيف ممن أمر بأخذ الزكاة من الذين يطّهرهم ويزكّيهم بها ﷺ . ولا خلاف بين العلماء أنّ السنة في زكاة البقر ما في حديث معاذ هذا وأنه النّصاب المجتمع عليه فيها. وحديث طاوس هذا عندهم عن معاذ غير متصل والحديث عن معاذٍ ثابتٌ متصّل من رواية معمر والثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ بمعنى حديث مالك". "الاستذكار" (٩/ ١٥٧). قلت: وقد رُوي أيضًا مثله عن ابن مسعود مرفوعًا: "في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي كلّ أربعين مسنّة". ولكن فيه انقطاع وضعف. رواه الترمذيّ (٦٢٢)، وابن ماجه (١٨٠٤) كلاهما من حديث عبد السلام بن حرب، عن خُصيف، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، فذكره. قال الترمذي: هكذا رواه عبد السلام بن حرب، عن خصيف، وعبد السلام ثقة حافظ، وروى شريك هذا الحديث عن خُصيف، عن أبي عبيدة، عن أبيه، عن عبد الله، وأبو عبيدة بن عبد الله لم يسمع من عبد الله "يعني أبيه". قلت: وفيه خصيف وهو ابن عبد الرحمن الجزري ضعّفه الإمام أحمد، وقال أبو حاتم: صالح يخلط، وتكلّم في سوء حفظه، وقال ابن حبان: كان شيخًا صالحًا، فقيهًا عابدًا إلّا أنه كان يخطئ

стр. 2457

كثيرًا فيما يروي، ويتفرّد عن المشاهير بما لا يتابع عليه، وهو صدوق في روايته. ومن طريقه أخرجه الإمام أحمد (٣٩٠٥) بأطول من هذا. وفي الباب أيضًا عن ابن عباس قال: "لما بعث النبيُّ ﷺ معاذًا إلى اليمن أمره أن يأخذ من البقر من كلّ ثلاثين تبيعًا أو تبيعة، جذعًا أو جذعة، ومن كلّ أربعين بقرة بقرة مسنّة". رواه البزّار (٨٩٢)، والدّارقطنيّ (١٩٢٨) من طريق بقية، حدثني المسعوديّ، عن الحكم، عن طاوس، عن ابن عباس، فذكره. قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص": "وهذا موصول، ولكن المسعوديّ اختلط، وتفرّد بوصله عنه بقية بن الوليد، وقد رواه الحسن بن عمارة، عن الحكم، ولكن الحسن ضعيف" انتهى. وقال البزّار: "إنّما يرويه الحفاظ عن الحكم، عن طاوس مرسلًا. ولم يتابع بقية على هذا أحد. ورواه الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن طاوس، عن ابن عباس، والحسن لا يحتجُّ بحديثه إذا تفرّد". والخلاصة في هذا الباب أنه لا خلاف بين أهل العلم أن السّنة في زكاة البقر على ما جاء في حديث معاذ هذا، وأنه النصاب المجمع عليه فيها. وفيه ردٌّ على ابن جرير الطّبريّ الذي ادّعى الإجماع المتيقن المقطوع به أن في كلّ خمسين بقرة بقرة، ولم يرد في حديث صحيح ولا في حديث ضعيف في كلّ خمسين بقرة بقرة، وإنما الصّحيح الذي لا خلاف فيه أنّ في كلّ أربعين مسنّة، وفي كلّ ثلاثين تبيعة. كما في حديث معاذ بن جبل، فيجب الأخذ به. وقوله: "تبيعًا" وهي ما دخل في الثانية، وسمي تبيعًا لأنه فطم عن أمِّه، فهو يتبعها. وقوله: "مسنّة" وهي ما دخلتْ في الثالثة، وقيل: الرابعة. وأمّا في أوقاص البقر، فروي عن معاذ بن جبل قال: "لم يأمرني رسول الله ﷺ في أوقاص البقر شيئًا" فهو مرسل. رواه الإمام أحمد (٢٢٠١٠)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ (٣٤٨) كلاهما من حديث حماد ابن زيد، حدّثنا عمرو بن دينار، عن طاوس، عن معاذ بن جبل، فذكره. وطاوس لم يدرك معاذًا (كما في "المراسيل لابن أبي حاتم" (٩٩" ولذا أخرجه أبو داود في "المراسيل" (١٠٧) من وجه آخر عن طاوس قال: "إنّ معاذًا أتى باليمن" فذكره وزاد فيه: "والعسل". وأمّا ما رواه الدّارقطنيّ (٢/ ٩٤) من طريق طاوس، عن ابن عباس، قال: "لما بعث رسول الله ﷺ معاذًا إلى اليمن". فذكره، ففيه الحسن بن عمارة ضعيف جدًّا. والوقص في الزّكاة ما بين النّصابين.

стр. 2458

٣ - باب زكاة الغنم • عن أنس، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرِّحِيمِ هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ فَمَنْ سُئِلَهَا مِن الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلا يُعْطِ ... ". وجاء فيه: "وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلاثِ مِائَةٍ فَفِيهَا ثَلاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلاثِ مِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلا تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا". صحيح: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٥٤) عن محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاريّ، قال: حدثني أبي، قال: حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس، أنّ أنسًا حدّثه، أنّ أبا بكر كتب له الكتاب، فذكره. ٤ - باب الزّجر عن الجمع بين المتفق والتفريق بين المجتمع في السوائم خيفة الصدقة • عن أنس بن مالك قال: إنّ أبا بكر لما استخلفه كتب له: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذه فريضة الصّدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين التي أمر الله بها رسوله" فذكر الحديث. وقال فيه: "لا يجمع بين متفرق، ولا يفرّق بين مجتمع خشية الصّدقة، وما من خليطين فهما يتراجعان بينهما بالسّوية". صحيح: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٥١) عن محمد بن عبد الله، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني ثمامة، أنّ أنسًا حدّثه، فذكر الحديث. • عن سويد بن غفلة، قال: سرتُ أو قال: أخبرني من سار مع مصدّق النبيّ ﷺ فإذا في عهد رسول الله ﷺ : "أَنْ لا تَأْخُذَ مِنْ رَاضِعِ لَبَنٍ وَلا تَجْمَعَ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا تُفَرِّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ". وكَانَ إِنَّمَا يَأْتِي الْمِيَاهَ حِينَ تَرِدُ الْغَنَمُ فَيَقُولُ أَدُّوا صَدَقَاتِ أَمْوَالِكُمْ قَالَ: فَعَمَدَ رَجُلٌ مِنْهُمْ إِلَى نَاقَةٍ كَوْمَاءَ. قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا صَالِحٍ! مَا الْكَوْمَاءُ؟ قَالَ: عَظِيمَةُ السَّنَامِ. قَال: فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْخذَ خَيْرَ إِبِلِي. قَالَ: فَأَبَى أَنْ

стр. 2459

يَقْبَلَهَا، قَالَ: فَخَطَمَ لَهُ أُخْرَى دُونَهَا، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، ثُمَّ خَطَمَ لَهُ أُخْرَى دُونَهَا. فَقَبِلَهَا وَقَالَ: إِنِّي آخِذُهَا وَأَخَافُ أَنْ يَجِدَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِي عَمَدْتَ إِلَى رَجُلٍ فَتَخَيَّرْتَ عَلَيْهِ إِبِلَهُ". حسن: رواه أبو داود (١٥٧٩)، والنسائيّ (٢٤٥٩) كلاهما من حديث هلال بن خبّاب، عن ميسرة أبي صالح، عن سويد بن غفلة، فذكره. ومن هذا الوجه أخرجه أحمد (١٨٨٣٧) مختصرًا، وهلال بن حبان وثقه أحمد ويحيى بن معين وأبو حاتم وغيرهم، وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات" فقال: "يخطئ ويخالف". وذكره أيضًا في "الضعفاء" فقال: اختلط في آخر عمره، وكان يحدث بالشيء على التوهم، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. هكذا ذكره في الكتابين: "الثقات" و"الضعفاء" ثم إنه قد توبع في الإسناد الثاني. وهو ما رواه أبو داود (١٥٨٥)، وابن ماجه (١٨٠١) كلاهما من حديث شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن أبي ليلى الكنديّ، عن سويد بن غفلة، قال: جاءنا مصدّق النبيّ ﷺ فأخذت بيده، وقرأت في عهده، فذكر الحديث. وزاد ابن ماجه من قول المصدّق: "أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إذا أتيت رسول الله ﷺ وقد أخذت خيار إبل رجل مسلم". وشريك سيء الحفظ، إلّا أنه توبع. وتبين من هذه الرواية بأنه ليس أحد بين سويد بن غفلة ومصدق رسول الله ﷺ . وقوله: "راضع لبن" أي صغير يرضع اللّبن، أو ذات لبن. والنهي عن جمع متفرق -حتى لا تجب فيه الزكاة، والنهي عن متفرق مجمع- حتى تسقط فيه الزّكاة. ٥ - باب ليس على المسلم في فرسه ولا في عبده صدقة إلا إن أراد أصحابُها • عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة". متفق عليه: رواه مالك في الزكاة (٣٧) عن عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عراك ابن مالك، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. ورواه مسلم في الزكاة (٩٨٢) ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك. ورواه البخاري في الزكاة (١٤٦٣) من وجه آخر عن سليمان بن يسار، بإسناده. وعند مسلم من حديث ابن وهب، قال: أخبرني مخرمة، عن أبيه، عن عراك بن مالك، قال: سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ قال: "ليس في العبد صدقة إلّا صدقة الفطر". • عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "قد عفوتُ عن الخيل والرّقيق، فهاتوا صدقة الرّقة من كل أربعين درهمًا درهمًا، وليس في تسعين ومائة شيء فإذا بلغت

стр. 2460

مائتين ففيها خمسة دراهم". حسن: رواه أبو داود (١٥٧٤)، والترمذيّ (٦٢٠) من حديث أبي عوانة، والنسائيّ (٢٤٧٨) من حديث الأعمش - كلاهما عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، فذكره. قال الترمذيّ: وروي سفيان الثوريّ، وابن عيينة، وغير واحد عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، وقال: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: كلاهما عندي صحيح عن أبي إسحاق، يحتمل أن يكون روي عنهما جميعًا. قلت: حديث سفيان وهو الثوريّ، رواه ابن ماجه (١٧٩٠) عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : "إني عفوتُ عنكم عن صدقة الخيل والرّقيق، ولكن هاتوا ربع العشر من كلِّ أربعين درهمًا درهمًا". وكذلك رواه الإمام أحمد (٩٨٤) من طريق حجاج وهو ابن أرطاة، عن أبي إسحاق، بإسناده، مثله. وأبو إسحاق تغيّر بآخره، ولكن رواه عنه سفيان قبل اختلاطه. وأما ما رواه ابن خزيمة في صحيحه (٢٢٨٤) من طريق سفيان الثوريّ، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، كما مضى. فلعلّ الراوي عن سفيان وهو أبو أسامة حماد بن أسامة الكوفيّ أخطأ فيه، فإنه وإن كان من رجال الجماعة إلا أنه كان يستعير كتب النّاس ويحدّث بها ويخطئ فيه. والخلاصة حديث علي حسن من طريق عاصم بن ضمرة، وأما الحارث فهو ضعيف جدًّا، ولكنه متابع. وأمّا ما رُوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا صدقة في فرس رجل ولا عبده" فهو ضعيف. رواه أبو عبيد في "كتاب الأموال" (١٣٥٧) عن عمرو بن طارق، عن يحيى بن أيوب، عن المثنى بن الصبّاح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه. والمثنّى بن الصبَّاح ضعيف، ضعّفه جمهور أهل العلم. وكذلك لا يصح ما روي عن عمر وحذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ لم يأخذ من الخيل والرقيق صدقة. رواه أحمد (١١٣) عن أبي اليمان، حدثنا أبو بكر بن عبد الله، عن راشد بن سعد، عن عمر بن الخطاب وحذيفة بن اليمان، فذكراه. وأبو بكر بن عبد الله وهو ابن أبي مريم الغساني الشامي ضعيف باتفاق أهل العلم، قال ابن حبان: كان من خيار أهل الشام، لكن كان رديء الحفظ يحدث بالشيء فيهم فكثر ذلك حتى استحق الترك. وراشد بن سعد المقرئي الحمصي مات بعد المائة وثلاث عشر، وكان كثير الإرسال، لم يدرك عمر ولا حذيفة.

стр. 2461

وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله- ﷺ : "عفوتُ لكم عن صدقة الجبهة، والكسعة، والنّخة". قال بقية: الجبهة: الخيل، والكسعة: البغال والحمير، والنّخة: المربيات في البيوت. رواه البيهقيّ (٤/ ١١٨) من طريق بقية، قال: حدّثني أبو معاذ الأنصاريّ، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره. قال البيهقيّ: "كذا رواه بقية بن الوليد عن أبي معاذ، وهو سليمان بن أرقم متروك الحديث لا يحتج به، وقد اختلف عليه في إسناده، فقيل: هكذا، وقيل عنه عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة". وقال: "ورواه كثير بن زياد أبو سهل عن الحسن، عن النبيّ ﷺ . أخرجه أبو داود في المراسيل". ثم قال البيهقيّ: أسانيد هذا الحديث ضعيفة، وفي الأحاديث الصحيحة قبله كفاية، وبالله التوفيق". انتهى. فقه الحديث: قال أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن الفقهاء مالك والشافعي وأحمد: لا زكاة في الخيل ولا في العبد إلا أن تكون للتجارة، فتجب في قيمتها زكاة التجارة، إلا أن يتطوّع صاحبها فيجوز للإمام قبول زكاته كما قبل عمر بن الخطاب من أهل الشّام. عن حارثة بن مُضرِّب قال: جاء ناسٌ من أهل الشّام إلى عمر، فقالوا: إنّا قد أصبنا أموالًا: خيلًا ورقيقًا، نحبُّ أن يكون لنا فيها زكاة طهورًا، فقال: ما فعله صاحباي قبلي فأفعله؟ ! . فاستشار أصحاب محمد ﷺ وفيهم عليّ. فقال عليٌّ: هو حسن إن لم تكن جزية راتبة يؤخذون بها من بعدك. إسناده صحيح رواه أحمد (٨٢) وابن خزيمة (٢٢٩٠) والحاكم (١/ ٤٠٠) كلهم من حديث عبد الرحمن (هو ابن مهدي)، حدّثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرّب، فذكره. واللفظ لأحمد. ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٦٨٨٧) عن معمر، عن أبي إسحاق، قال: أتى أهل الشام عمر فقالوا: فذكره مفصّلًا أطول من هذا إلَّا أنه لم يذكر بين أبي إسحاق وبين عمر "حارثة بن مضرب". وفي الموطأ في كتاب الزكاة (٣٨) عن مالك، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار: أنّ أهل الشّام قالوا لأبي عبيدة بن الجراح: خذْ خيلنا ورقيقنا صدقة، فأبي. ثم كتب إلى عمر بن الخطاب، فأبي عمر، ثم كلّموه أيضًا، فكتب إلى عمر، فكتب إليه عمر: إن أحبُّوا فخذها منهم، واردُدها عليهم، وارزق رقيقهم. قال مالك: ومعنى قوله ﵀: "وارددها عليهم" يقول: على فقرائهم. قال ابن خزيمة: "إن كان صاحب المال أعطى صدقة من ماله، وإن كانت الصدقة غير واجبة في ماله، فجائز للإمام أخذها إذا طابت نفس المعطي. وكذلك الفاروق لما أُعلم القوم أنّ النبيّ ﷺ والصديق قبله لم يأخذا صدقة الخيل والرّقيق فطابت أنفسهم بإعطاء الصدقة من الخيل والرقيق متطوعين جاز للفاروق أخذ الصدقة منهم كما أباح المصطفى ﷺ أخذ الصدقة مما دون خمس من

стр. 2462

الإبل، ودون أربعين من الغنم، ودون مائتي درهم من الورق" انتهى. ٦ - باب من قال: إنّ في الخيل صدقة • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّار". قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالإِبِلُ؟ قَالَ: "وَلا صَاحِبُ إِبِلٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا -وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا- إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلا وَاحِدًا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: "وَلا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلا غَنَمٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلا جَلْحَاءُ وَلا عَضْبَاءُ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلافِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالْخَيْلُ؟ قَالَ: "الْخَيْلُ ثَلاثَةٌ هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الإِسْلامِ فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ, وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلا رِقَابِهَا فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ". متفق عليه: رواه مسلم في الزكاة (٩٨٧) عن سويد بن سعيد، حدّثنا حفص بن ميسرة الصّنعانيّ، عن زيد بن أسلم، أنّ أبا صالح ذكوان أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول: (فذكره). رواه مالك في الجهاد (٣) وعنه البخاريّ في المساقاة (٢٣٧١) عن زيد بن أسلم، بإسناده باختلاف بعض الألفاظ. قال البيهقيّ: "في الحديث: "ولا ينسى حق الله في ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها". وذلك لا يدل على الزكاة". وتعقّبه ابن التركمانيّ في "الجوهر النقيّ" بقوله: "بل يدل عليها ظاهر قوله: "ولم ينس حقّ الله في رقابها" مع قرينة قوله في الصحيح في أول الحديث: "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته ... ".

стр. 2463

وقال ابن الجوزيّ في "التحقيق" (٣/ ٤٣) بعد أن ذكر هذا الحديث واستدل به: "وجوابه من وجهين: أحدهما: أن يريد بالحقّ إعارتها، وحمل المنقطعين عليها، وذلك يكون على وجه النّدب. والثاني: أن يكون ذلك قد كان واجبًا ثم نُسخ، بدليل قوله: "عفوت لكم عن صدقة الخيل" والعفو إنما يكون عن لازم". وأمّا ما روي عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "في الخيل السائمة في كلّ فرس دينار" فهو ضعيف. رواه الدّارقطنيّ (٢٠١٩) قال: أخبرني أحمد بن عبدان الشّيرازيّ فيما كتب إليَّ أن محمد بن موسى الحارثيّ حدّثهم، حدّثنا إسماعيل بن يحيى بن بحر الكرماني، حدثنا الليث بن حماد الإصطخريّ، حدثنا أبو يوسف، عن غُورَك بن الحصْرِم أبي عبد الله، عن جعفر بن محمد, عن أبيه، عن جابر، فذكره. ومن هذا الطريق رواه البيهقيّ (٤/ ١١٩). قال الدارقطني: "تفرّد به غورك عن جعفر، وهو ضعيف جدًّا، ومن دونه ضعفاء". ٧ - باب النّهي عن الجلب عند أخذ الصّدقة من المواشي • عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ ﷺ قال: "لا جلب ولا جنب، ولا تؤخذ صدقاتهم إلّا في دورهم". حسن: رواه أبو داود (١٥٩١) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا ابن أبي عدي، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فذكره. وصحّحه ابن خزيمة (٢٢٨٠)، فرواه مطوّلًا من طريق عبد الأعلى، حدّثنا محمد بن إسحاق بإسناده. وإسناده حسن من أجل عمرو فإنه حسن الحديث. وابن إسحاق مدلِّس وقد عنعن، ولكن جاء التصريح منه في مسند أحمد (٧٠٢٤) فإنه رواه من وجه آخر عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبيه، عن جدّه، فذكره. وتابعه أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، أنّ رسول الله ﷺ قال: "تؤخذ صدقات المسلمين عند مياههم، أو عند أفنيتهم". رواه البيهقيّ (٤/ ١١٠) من طريق أبي داود (الطيالسي)، حدّثنا ابن المبارك، عن أسامة بن زيد. قال البيهقيّ: "الشّك من أبي داود. ولكن خالفه محمد بن الفضل، فرواه عن ابن المبارك، عن أسامة بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر، ولفظه: "تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم". رواه ابن ماجه (١٨٠٦) عن أبي بدر عبّاد بن الوليد، قال: حدّثنا محمد بن الفضل، فذكره. وأسامة بن زيد هنا ليس باللّيثي، وإنما هو ابن أسلم العدوي مولاهم المدني ضعيف، وبه أعلّه

стр. 2464

البوصيريّ في زوائد ابن ماجه. وهذا الوهم من محمد بن فضل وهو السدوسيّ، لقبه "عارم" وُصف بأنه "ثقة ثبت تغيرّ في آخر عمره" كذا في التقريب، وهو من رجال الجماعة، فلعلّه وهم في هذا الإسناد في موضعين: أحدهما: أسامة بن زيد، عن أبيه. والثاني: جعله من مسند ابن عمر، والصحيح أنه من مسند ابن عمرو. والمتابعة الثانية لابن إسحاق هو ما رواه عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فذكر الحديث بطوله. رواه الإمام أحمد (٧٠١٢) عن إبراهيم بن أبي العباس، وحسين بن محمد، قالا: حدّثنا عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، بإسناده في خطبة النبيّ ﷺ عام الفتح. فذكر الحديث بطوله مع الشّاهد. ثم ذكر أبو داود (١٥٩٢) تفسير "لا جلب ولا جنب" عن الحسن بن علي، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: سمعت أبي يقول: عن محمد بن إسحاق في قوله: "لا جلب ولا جنب". قال: أن تصدق الماشية في مواضعها، ولا تُجلب إلى المصدّق. والجنب عن غير هذه الفريضة أيضًا: لا يجنب أصحابها، يقول: لا يكون الرجل بأقصى مواضع الصّدقة فتُجنب إليه، ولكن تؤخذ في موضعه" انتهى. • عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "تؤخذ صدقات أهل البادية على مياههم، وبأفنيتهم". حسن: رواه الطبرانيّ في "الأوسط" (مجمع البحرين ١٣٦٠) عن محمد بن العباس المؤدّب، ثنا عبد الله بن صالح العجليّ، ثنا عبد الملك بن محمد بن أبي بكر، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرو، عن عائشة، فذكرته. ورواه البيهقيّ في "الكبرى" (٤/ ١١٠) من وجه آخر عن عبد الله بن صالح إلا أنه نسبه إلى مصر، وهو الجهني، كاتب اللّيث، صدوق كثير الغلط، ثبت في الكتابة، وكانت فيه غفلة. وفي سند الطبراني: عبد الله بن صالح العجليّ، وهذا ثقة، وكلاهما متقاربان في الطبقات، والله أعلم ما هو الصّحيح. وقال البيهقيّ بعد أن ذكر لفظ الحديث بكماله: "لفظ حديث عبد الله بن صالح، وفي رواية عبد العزيز: "تؤخذ صدقات المسلمين من أموالهم على مياههم، وأفنيتهم". قال الطبراني: "لم يروه عن عبد الله بن أبي بكر إلا عبد الملك بن محمد بن أبي بكر، تفرّد به عبد الله بن صالح". انتهى.

стр. 2465

٨ - باب وسم الأنعام من الصّدقة والجزية • عن أنس بن مالك، قال: غدوتُ إلى رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة يحنِّكه، فوافيته في يده الميسم يسم إبل الصّدقة. متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٥٠٢)، ومسلم في اللباس (٢١١٩: ١١٢) كلاهما من طريق الوليد بن مسلم، حدّثنا أبو عمرو الأوزاعيّ، حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، فذكره. والوسم من وسَمَ يَسِم وسمة إذا أثّر فيه بكي، والميسم: الحديدة التي يكوي بها. • عن أنس قال: دخلتُ على النّبيّ ﷺ بأخ لي يحنّكُه، وهو في مِرْبدٍ له، فرأيتُه يسم شاةً. حسبته قال: في آذانها. متفق عليه: رواه البخاريّ في الذّبائح (٥٥٤٢)، ومسلم في اللباس (٢١١٩/ ١١١) كلاهما من حديث شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس، قال (فذكره). واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم نحوه. ولكن في رواية مسلم أخرى عن شعبة، قال: "وأكثر علمي أنه قال: "في آذانها". ورواه الإمام أحمد (١٢٧٢٥) من وجه آخر عن شعبة، وفيه قال هشام: أحسبه قال: "في آذانها". قال: ثم قال بعد: "في آذانها" ولم يشك. وهشام بن زيد هو ابن أنس، روي عن جدّه أنس بن مالك، كما في رواية أحمد. وكذلك يجوز وسم نعم الجزية كما رواه مالك في الزكاة (٤٤) عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أنه قال لعمر: إنّ في الظّهر ناقة عمياء. فقال عمر: أمن نعم الجزية هي أم من نعم الصّدقة؟ قال: فقلت: من نعم الجزية، إنّ عليها وسم الجزية. ٩ - باب ما جاء فيما يعتدّ به من السَّخْل في الصّدقة • عن سُفْيَانَ بْنِ عبد الله: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا فَكَانَ يَعُدُّ عَلَى النَّاسِ بِالسَّخْلِ. فَقَالُوا: أَتَعُدُّ عَلَيْنَا بِالسَّخْلِ، وَلا تَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا؟ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: نَعَمْ تَعُدُّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ يَحْمِلُهَا الرَّاعِي وَلا تَأْخُذُهَا، وَلا تَأْخُذُ الأَكُولَةَ وَلا الرُّبَّى وَلا الْمَاخِضَ وَلا فَحْلَ الْغَنَمِ وَتَأْخُذُ الْجَذَعَةَ وَالثَّنِيَّةَ وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذَاءِ الْغَنَمِ وَخِيَارِهِ. رواه مالك في الزكاة (٢٦) عن ثور بن زيد الدّيليّ، عن ابن لعبد الله بن سفيان الثقفيّ، عن جدّه سفياغن بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب بعثه مصدّقًا، فذكره. قال مالك: "والسّخلة: الصغيرة حين تُنتج. والرُّبّي: التي قد وضعتْ فهي تربّي ولدها.

стр. 2466

والماخضُ: هي الحاملُ. والأكولةُ: هي شاةُ اللّحم التي تُسمَّن لتؤكل". وقال مالك في الرجل تكون له الغنم: لا تجب فيها الصّدقة فتوالد قبل أن يأتيها المصدِّقُ بيوم واحد فتبلغُ ما تجب فيه الصدقة بولادتها. قال مالك: إذا بلغت الغنم بأولادها ما تجب فيه الصّدقة فعليه فيها الصدقة وذلك أنّ ولادةَ الغنم منها، وذلك مخالفٌ لما أفيد منها باشتراء أو هبة أو ميراث، ومثل ذلك العَرْض لا يبلغُ ثمنه ما تجب فيه الصدقة ثم يبيعه صاحبُه فيبلغ بربحه ما تجب فيه الصدقة فيصدِّقُ ربْحَه مع رأس المال ولو كان ربحُه فائدةً أو ميراثًا لم تجبْ فيه الصّدقة حتى يحولَ عليه الحولُ من يوم أفاده أو ورثه. قال مالك: فغذا الغنم منها كما ربحُ المال منه غير أنّ ذلك يختلف في وجْهٍ آخرَ أنه إذا كان للرجل من الذّهب أو الورِق ما تجب فيه الزكاة ثم أفاد إليه مالا ترك ماله الذي أفاد فلم يزكِّه مع ماله الأوّل حين يزكّيه حتى يحول على الفائدة الحول من يوم أفادها، ولو كانت لرجل غنم أو بقر أو إبل تجبُ في كل صنف منها الصّدقة ثم أفاد إليها بعيرًا أو بقرة أو شاة صدَّقها مع صنف ما أفاد من ذلك حين يصدّقه إذا كان عنده من ذلك الصّنف الذي أفاد نصاب ماشيةٍ. قال مالك: وهذا أحسن ما سمعتُ في ذلك. وبقول عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أخذ مالك، وأبو حنيفة وأصحابه. وقال الشافعي: لا يضمَّن شيئًا من الفوائد إلى غيره ويزكي كلٌّ لحوله إلا ما كان من نتاج الماشية مع النصاب. انظر "الاستذكار" (٩/ ١٨١). وأما الإمام أحمد فعنده قولان. انظر "التحقيق" (٣/ ٢٠ - ٢١). انظر للمزيد: "الأم" (٢/ ١٦)، و"المجموع" (٥/ ٣٧٠)، "المنة الكبري" (٣/ ١٥٧ - ١٥٨).

стр. 2467

جموع الأبواب في ما جاء في زكاة المعادن من الذّهب والفضة وعروض التجارة ١ - باب ما جاء في نصاب الزّكاة في الفضة • عن أنس، أنّ أبا بكر ﵁: كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: "هذه فريضة الصّدقة، فرض رسول الله ﷺ على المسلمين". فذكر الكتاب بطوله وجاء فيه: "وفي الرِّقة ربع العشر، فإن لم تكن إلّا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلّا أن يشاء ربُّها". صحيح: رواه البخاري في الزكاة (١٤٥٤) عن محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاريّ، قال: حدثني أبي، قال: حدّثني ثمامة بن عبد الله بن أنس، أن أنسًا حدّثه، فذكر الكتاب بطوله. والرِّقة -بكسر الراء، وتخفيف القاف-: الفضة الخالصة، سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة. وقوله: "فإن لم تكن إلا تسعين ومائة" يوهم أنها إذا زادت على التسعين ومائة قبل بلوغ المائتين أن فيها صدقة. وليس كذلك. وإنما ذكر التسعين لأنه آخر عقد قبل المائة والحساب إذا جاوز الآحاد كان تركيبه بالعقود كالعشرات والمائتين والألوف. فذكر التسعين ليدل على أن لا صدقة فيما نقص المائتين، ويدل عليه: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة". انتهى انظر: "الفتح" (٣/ ٣٢١). • عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمسة أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة". متفق عليه: رواه مالك في الزكاة (١) عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أنه سمع أبا سعيد الخدريّ يقول (فذكر الحديث). ورواه البخاريّ في الزكاة (١٤٤٧) عن عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك. ورواه مسلم في الزكاة (٩٧٩) من وجه آخر عن عمرو بن يحيي، به. وقوله: "خمسِ ذَوْدٍ" بإضافة ذود إلى خمس، وقد روي أيضًا بتوين خمس، ويكون ذود بدلا منه. والذَّوْد في اللغة: من الثلاثة إلى العشرة، لا واحد له من لفظه، إنما يقال في الواحد: بعير. وقوله: "خمس ذودٍ" كقوله: خمسة أبعرة، وخمسة جمالٍ، وخمس نوق، ونحوه. وقوله: "خمس أواقٍ" بالتنوين، وفي رواية: "أواقي" بإثبات الياء، وكلاهما صحيح.

стр. 2468

والأُوقية: بضم الهمزة، وتشديد الياء، وجمعها: أوقي -بتشديد الياء وتخفيفها-، وأواقٍ، بحذف الياء. وأجمع أهل الحديث والفقه وأئمّة اللغة على أنّ الأوقيّة الشّرعيّة أربعون درهمًا، وهي أوقية الحجاز. قال القاضي عياض: ولا يصح أن تكون الأوقيّة والدّراهم مجهولة في زمن النبيّ ﷺ وهو يوجب الزّكاة في أعداد منها، ويقع بها البياعات والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقوله: "خمسة أوسق" الأوسق جمع وسق، وفيه لغتان: فتح الواو، وهو المشهور وكسرها. وأصلها في اللغة الحمل. والمراد بالوسْق: ستون صاعًا. • عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ليس فيما دون خمسة أواق من الوَرِق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التّمر صدقة". صحيح: رواه مسلم في الزكاة (٩٨٠) من طرق، عن ابن وهب، أخبرني عياض بن عبد الله، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، فذكره. • عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمس أواق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة". صحيح: رواه الإمام أحمد (٩٢٢١، ٩٢٣٢) من وجهين عن عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا معمر، قال: حدّثني سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وإسناده صحيح. • عن أبي رافع، أنّ رسول الله ﷺ بعث رجلًا من بني مخزوم على الصّدقة، فقال رسول الله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة". صحيح: رواه الطبراني في "الكبير" (١/ ٢٩٥) عن الحسين بن إسحاق التّستريّ، ويحيى بن زكريا السّاجيّ، قالا: ثنا موسي بن عبد الرحمن المسروقي، ثنا أبو أسامة، ثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي رافع، عن أبيه، فذكره. ورجاله ثقات، أبو أسامة هو حماد بن أسامة بن زيد من رجال الجماعة. وابن أبي رافع هو عبيد الله بن أبي رافع المدني مولى النبيّ ﷺ ، كان كاتب عليٍّ، ثقة من رجال الجماعة. أورده الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٧٠) وسكت عليه. • عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "قد عفوتُ عن الخيل والرّقيق، فهاتوا صدقة الرّقة من كل أربعين درهمًا درهمًا، وليس في تسعين ومائة شيء فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم".

стр. 2469

حسن: رواه أبو داود (١٥٧٤)، والترمذيّ (٦٢٠) من حديث أبي عوانة، والنسائيّ (٢٤٧٨)، وابن ماجه (١٧٩٠)، والإمام أحمد (٧١١، ٩٨٤) كلّهم من طرق، عن أبي إسحاق، عن عاصم ابن ضمرة -والحارث في بعض طرقه-، كلاهما عن علي فذكره. وصحّحه ابن خزيمة (٢٢٨٤). وانظر تخريجه كاملًا في باب زكاة الخيل والرّقيق. • عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، أنّ النبيّ ﷺ قال: "في كلّ خمس ذود سائمة صدقة". حسن: رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (مجمع البحرين ١٣٥٣) عن محمد بن جعفر بن سام، ثنا الزبير بن بكار، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن معمر، عن الزهري، قال: حدثني رجل من بني قشير - قال له بهز بن حكيم- عن أبيه، عن جدّه، فذكره. قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٧٠) بعد أن عزاه إلى "الأوسط": "رجاله موثقون غير شيخ الطبراني محمد بن جعفر بن سام فإني لم أعرفه". وقال: "معاوية بن حيدة القشيري له حديث رواه أبو داود غير هذا". قلت: وهو كما قال، فإن حديثه عند أبي داود يختلف عن هذا سيأتي في باب عقوبة مانع الزكاة في الدنيا. أما شيخ الطبراني محمد بن جعفر بن سام فقد توبع، رواه الخطيب في تاريخه (٨/ ٤٦٧) عن أبي الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن حماد الواعظ، حدّثنا أبو بكر يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول التنوخي -إملاء-، حدّثنا الزبير بن بكّار، بإسناده، فذكره مثله. وإسناده حسن من أجل بهز بن حكيم وأبيه فهما صدوقان، إلا أن الدّارقطني علّله فقال: "يرويه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن معمر، واختلف عنه، حدّث به الزبير بن بكّار، عن عبد المجيد، عن معمر، عن الزّهريّ، عن بهز بن حكيم، ووهم في ذكر الزّهريّ، والصواب عن عبد المجيد، عن معمر، عن بهز بن حكيم، قال: وكذلك رواه محمد بن ميمون الخياط، عن عبد المجيد" انتهى. انظر: "العلل" (٧/ ٩٠). قال الخطيب بعد أن نقل كلام الدارقطني: "وكذلك رواه عبد الله بن المبارك عن معمر، عن بهز" ثم أسنده. قلت: لا يمنع أن يكون معمر روي عن بهز بن حكيم أحاديث في الزكاة من وجهين: أحدهما: عن الزهري، عنه، كهذا الذي أمامنا. والثاني: عن بهز بن حكيم بدون واسطة الزهري؛ لحديث أبي داود وغيره في عقوبة مانع الزكاة. لأنّ الخطيب أثبت أن الزهري روي عن بهز بن حكيم وبين وفاتيهما نحوًا من خمس وثلاثين سنة، فإن الزهري توفي عام (١٢٥ هـ)، وبهز بن حكيم توفي عام (١٦٠)، فمن الخطأ أن تجعل

стр. 2470

أحاديث بهز بن حكيم في الزكاة حديثًا واحدًا. انظر للمزيد: باب عقوبة مانع الزكاة في الدّنيا. ٢ - باب ما جاء في نصاب الذّهب • عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاريّ قال: إنّ في كتاب رسول الله وفي كتاب عمر في الصدقة: "أنّ الذهب لا يؤخذ منه شيء حتى يبلغ عشرين دينارًا، فإذا بلغ عشرين دينارًا ففيه نصف دينار. والوَرِق لا يؤخذ منه شيء حتى يبلغ مائتي درهم، فإذا بلغ مائتي درهم ففيها خمسة دراهم". صحيح: رواه أبو عبيد في كتاب "الأموال" (ص ٥٥٩) عن يزيد بن هارون، عن حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هرم، عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاريّ. وإسناده صحيح. وعمرو بن هرم هو الأزديّ البصريّ من رجال مسلم، وصورته مرسل؛ فإن محمد بن عبد الرحمن الأنصاريّ تابعي، ولكن حكمه حكم الرّفع؛ لأنه وجد كتاب رسول الله ﷺ في الصّدقات عند آل عمرو بن حزم، وكتاب عمر بن الخطاب عند آل عمر كما قال فيما أخرجه أيضًا أبو عبيد في "الأموال" (ص ٤٩٧) بالإسناد نفسه عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاريّ أنه قال: "لما استخلف عمر بن عبد العزيز أرسل إلى المدينة يلتمس كتاب رسول الله ﷺ في الصدقات، وكتاب عمر بن الخطاب قال: فنسخنا له قال: فحدثني عمرو بن هرم: أنه طلب إلى محمد بن عبد الرحمن أن ينسخه ما في ذينك الكتابين، فنسخ له ما في هذا الكتاب من صدقة الإبل والبقر والغنم والذهب والورق، والتمر -أو الثَّمر-، والحب والزبيب". فذكر الحديث بطوله. وليس فيه ذكر نصاب الذهب والورق. قال أبو عبيد: "ثم ذكر سائر أنواع الصدقة في هذا الحديث، وستأتي في مواضعها إن شاء الله". انتهى. • عن علي بن أبي طالب، عن النبيّ ﷺ قال: "فَإِذَا كَانَتْ لَكَ مَائَتَا دِرْهَمٍ وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ يَعْنِي فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا فَإِذَا كَانَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ". حسن: رواه أبو داود (١٥٧٣) عن سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابن وهب، أخبرني جرير ابن حازم -وسمّى آخر-، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، والحارث الأعور، عن علي ابن أبي طالب، فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم بن ضمرة وهو صدوق. وقد تابعه الحارث الأعور وفيه كلام معروف. انظر تخريجه بالتفصيل في باب "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" وأزيد هنا:

стр. 2471

هذا الحديث أخرجه ابن حزم في "المحلي" (٦/ ٨٤) وعلّله بالحارث وبغيره، ثم استدرك قائلًا: "ثم استدركنا فرأينا أن حديث جرير بن حازم مسند صحيح، لا يجوز خلافه، وأن الاعتلال فيه بأن عاصم بن ضمرة أو أبا إسحاق، أو جريرًا خلّط في إسناد الحارث بإرسال عاصم -هو الظّن الباطل الذي لا يجوز، وما علينا من مشاركة الحارث لعاصم، ولا لإرسال من أرسله، ولا لشكّ زهير فيه شيء، وجرير ثقة، فالأخذ بما أسنده لازم، وبالله التوفيق". "المحلي" (٦/ ٩١). وفي الباب أحاديث: منها: ما رواه ابن ماجه (١٧٩١) عن بكر بن خلف ومحمد بن يحيى، قالا: حدثنا عبيد الله بن موسي، قال: أنبأنا إبراهيم بن إسماعيل، عن عبد الله بن واقد، عن ابن عمر، وعائشة: "أنّ النبيّ ﷺ كان يأخذ من كلّ عشرين دينارًا فصاعدًا نصف دينار، ومن أربعين دينارًا دينارًا". وفيه إبراهيم بن إسماعيل وهو ابن مجمع الأنصاريّ أبو إسحاق المدني، أهل العلم مطبقون على تضعيفه. ومن طريقه رواه أيضًا الدارقطني (١٨٩٦). ومنها: ما رواه الدارقطني (١٩٠٢) بإسناده عن ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ ﷺ قال (فذكر الحديث). وجاء فيه: "ولا في أقلّ من عشرين مثقالًا من الذّهب شيء، ولا في أقلّ من مائتي درهم شيء". وعبد الكريم هو ابن أبي المخارق أبو أمية المعلم البصريّ، أهل العلم مطبقون على تضعيفه. والرّاوي عنه ابن أبي ليلى وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى "صدوق، سيء الحفظ جدًّا" كما في "التقريب". وفي الباب أحاديث أخرى وفي كلّها مقال، إلّا أن بعضه يشدّ بعضًا ويقويه، وبه أخذ الجمهور. قال مالك في "الموطأ": "السنة التي لا خلاف فيها عندنا أن الزكاة تجب في عشرين دينارًا عينًا، كما تجب في مائتي درهم". وقال الشافعيّ في "الرسالة" (ص ١٩٢): "وفرض رسول الله ﷺ في الورق صدقة، وأخذ المسلمون في الذهب بعد صدقة، إما بخبر عن النبيّ ﷺ لم يبلغنا، وإما قياسًا على أن الذهب والورق نقدُ الناس الذي اكتنزوه وأجازوه أثمانًا على ما تبايعوا به في البلدان قبل الإسلام وبعده". وقال الحنفية كما في "أصول السرخسيّ" (ص ١١٠): "لا خلاف بين أصحابنا المتقدمين والمتأخرين أن قول الواحد من الصحابة حجة فيما لا مدخل للقياس في معرفة الحكم فيه، وذلك نحو المقادير التي لا تعرف بالرأي". وذكر منها زكاة الذّهب. وخالفهم في ذلك طاوس، والزهريّ، وعطاء، وسليمان بن حرب فقالوا: نصاب الذّهب تقويمه بالفضّة. وقال الحسن البصريّ: نصابه أربعون دينارًا. والصّواب ما ذهب إليه الجمهور، واتفقوا بعد هذا الخلاف على أنّ نصاب الذهب عشرون

стр. 2472

دينارًا، وهو ما يساوي اليوم (٨٥ جرامًا). وأمّا الفضة فيساوي (٥٩٥ جرامًا). ومن كان لديه أوراق نقدية فيقدّره بالفضة لأن فيه مصلحة للفقراء. ٣ - باب زكاة الرّكاز • عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "في الرِّكاز الخمس". متفق عليه: رواه الإمام مالك في الزكاة (٩) عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب - وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه البخاريّ في الزكاة (١٤٩٩) عن عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك. ورواه مسلم في الحدود (١٧١٠) من أوجه أخرى عن أبي هريرة. وانظر الحديث بسياق أتمّ في الدِّيات. • عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: سئل رسول الله ﷺ عن اللُّقطة فقال: "ما كان في طريق مأتي، أو في قرية عامرة فعرِّفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلّا فلك، وما لم يكن في طريق مأتي ولا في قرية عامرة ففيه، وفي الرّكاز الخمس". حسن: رواه النسائيّ (٢٤٩٤) عن قتيبة، وأبو داود (١٧١٢) عن مسدّد، كلاهما عن أبي عوانة، عن عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، بإسناده، فذكره واللّفظ للنسائيّ. وأمّا أبو داود فذكره مختصرًا ولم يذكر منه موضع الشّاهد. ولكن رواه عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا اللّيث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عبد الله بن عمرو بن العاص في سياق أطول، وفيه: "وما كان منها في طريق الميتاء أو القرية الجامعة فعرِّفها سنة، فإن جاء طالبها فادفعها إليه، وإن لم يأت فهي لك، وما كان في الخراب - يعني ففيها وفي الرّكاز الخمس". ورواه الترمذيّ (١٢٨٨) عن هذا الوجه مختصرًا، وليس فيه ذكر الشاهد وقال: "حديث حسن". وصحّحه الحاكم (٢/ ٦٥)، ورواه من وجه آخر عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عبد الله بن عمرو، أنّ رسول الله ﷺ قال في كنز وجده رجل: "إن كنت وجدته في قرية مسكونة، أو في سبيل ميتاء فعرِّفه، وإن كنت وجدته في خربة جاهليّة، أو في قرية غير مسكونة، أو غير سبيل ميتاء ففيه وفي الرّكاز الخمس". وقال الحاكم: "قد أكثرت في هذا الكتاب الحجج في تصحيح روايات عمرو بن شعيب إذا كان الراوي عنه ثقة، ولا يذكر عنه أحسن من هذه الروايات، وكنتُ أطلب الحجّة الظاهرة في سماع شعيب بن محمد عن عبد الله بن عمرو، فلم أصل إليها إلى هذا الوقت". انتهى. وهو حسن من أجل عمرو بن شعيب، وفي الإسناد فائدة مهمة وهي سماع شعيب بن محمد عن جدّه

стр. 2473

عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو المراد إذا لم يسمه، وليس المراد به محمدًا جدّ عمرو بن شعيب. كما أنّ حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه هذا رُوي بألفاظ مختلفة مطولة ومختصرة، ورواه عنه كثيرون فلا يبعد أن دخل حديث في حديث، وكلّه حسن. وقوله: "مأتي" كمرمي، وهو طريق مسلوك. وقوله: "في الركاز الخمس" الرِّكاز: هو الكنز الجاهليّ المدفون في الأرض، وإنما وجب فيه الخمس لكثرة نفعه، وسهولة أخذه. قاله السّندي في حاشية النسائيّ. • عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "السائبة -وقال خلف بن الوليد: السائمة - جبار، والجبُّ جبار، والمعدن جبار، وفي الرّكاز الخمس". قال: قال الشعبي: الركاز: الكنز العادي. حسن: رواه الإمام أحمد (١٤٨١٠، ١٤٥٩٢) من طريقين عن عباد بن عباد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر فذكره. ومجالد هو ابن سعيد بن عمير الهمداني مختلف فيه، وكان البخاري حسن الرأي فيه فقال: "صدوق". وروى عنه حماد بن زيد كما عند البزار "كشف الأستار" (٨٩٤)، وروايته عنه مستقيمة. وذكره الهيثميّ في "المجمع" وقال: (٣/ ٧٨): "رواه أحمد والبزار والطبراني في "الأوسط"، ورجاله موثقون". وفي الباب ما روي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: أُتي رسول الله ﷺ بقطعة من ذهب، كانت أوّل صدقة جاءته من معدن، فقال: "ما هذه؟ ". فقالوا: صدقة من معدن لنا. فقال: "إنّها ستكون معادن، وسيكون فيها شرّ الخلق". رواه الطّبرانيّ في "الأوسط" (٣٥٥٦)، و"الصغير" (١/ ١٥٣) عن حاتم بن حُميد أبي عدي البغداديّ، حدّثنا يوسف بن موسي القطّان، قال: حدّثنا عاصم بن يوسف اليربوعيّ، قال: حدّثنا سُعير الخمس، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، فذكره. قال الطبرانيّ: "لم يرو هذا الحديث عن سُعير إلّا عاصم بن يوسف". وأخرجه الخطيب في "تاريخه" (٨/ ٢٤٨ - ٢٤٩) في ترجمة حاتم بن حميد، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. فهو في عداد المجهولين، وأما الهيثمي فقال في "المجمع" (٣/ ٧٨): "رجاله رجال الصحيح" وليس كما قال. وأمّا ما رُوي عن أنس بن مالك أنه قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر، فدخل صاحب لنا إلى خِرْبةٍ يقضي حاجتَه، فتناول لبنة ليستطيب بها، فانهارتْ عليه تبرًا، فأخذها فأتي بها النبيَّ ﷺ فأخبره بذلك فقال: "زنْها" فوزنها فإذا مئتا درهم، فقال النبيُّ ﷺ : "هذا ركاز وفيه الخمس".

стр. 2474

فهو ضعيف. رواه الإمام أحمد (١٢٢٩٨)، والبزّار - "كشف الأستار" (٨٩٣)، والبيهقي (٤/ ١٥٥) كلّهم من طريق أبي عامر، حدّثنا زهير، حدّثني عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، أنّ أنسًا أخبره، فذكره. قال البزار: "لا نعلمه عن أنس إلا من هذا الوجه، ولا روي زيد عن أنس إلا هذا". قلت: وإسناده ضعيف من أجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقد ضعّفه جمهور أهل العلم. قال ابن حبان: "كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم". وبه علّله أيضًا البيهقيّ. وكذلك لا بصح ما رُوي عن عبادة بن الصامت قال: إنّ من قضاء رسول الله ﷺ : "أنّ المعدن جبار، والبئر جبار، والعجماء جرحها جبار". والعجماء: البهيمة من الأنعام وغيرها. والجبار: هو الهدر الذي لا يُغرم. "وقضى في الرّكاز الخمس". رواه عبد الله في مسند أبيه (٢٢٧٧٨) عن أبي كامل الجحدريّ، حدّثنا الفضيل بن سليمان، حدّثنا موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصّامت، عن عبادة في أقضية النبيّ ﷺ ومنها هذا. ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا ابن ماجه (٢٢١٣)، والحاكم (٤/ ٣٤٠) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". وهذا وهمٌ منه، فإن إسحاق بن يحيى لم يخرّج له الشيخان وإنما أخرج له ابن ماجه ثم هو "مجهول الحال"، ولم يسمع من عبادة بن الصامت؛ ولذا قال الدّارقطنيّ وغيره: "هذا حديث مرسل، إسحاق بن يحيى لم يسمع من عبادة بن الصّامت". وفي الباب عَنْ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا قَالَتْ: ذَهَبَ الْمِقْدَادُ لِحَاجَتِهِ بِـ (بَقِيعِ الْخَبْخَبَةِ)، فَإِذَا جُرَذٌ يُخْرِجُ مِنْ جُحْرٍ دِينَارًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُخْرِجُ دِينَارًا دِينَارًا، حَتَّى أَخْرَجَ سَبْعَةَ عَشَرَ دِينَارًا، ثُمَّ أَخْرَجَ خِرْقَةً حَمْرَاءَ -يَعْنِي فِيهَا دِينَارٌ- فَكَانَتْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِينَارًا، فَذَهَبَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، وَقَالَ لَهُ: خُذْ صَدَقَتَهَا. فَقَالَ لَهُ ﷺ : "هَلْ هَوَيْتَ إِلَى الْجُحْرِ". قَالَ: لَا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا". رواه أبو داود (٣٠٨٧) وابن ماجه (٢٥٠٨) من طريقين عن موسى بن يعقوب الزمعي، حدثتني عمتي قريبة بنت عبد الله، أن أمها كريمة بنت المقداد بن عمرو أخبرتها عن ضباعة بنت الزبير فذكرته. وفي إسناده قريبة بنت عبد الله، تفرد عنها ابن أخيها موسي بن يعقوب، وذكرها الذهبي في

стр. 2475

المجهولات من النساء، وقال ابن حجر في "التقريب": "مقبولة" أي عند المتابعة ولم أجد لها متابعا. وأما موسي بن يعقوب الزمعي فهو حسن الحديث إذا لم يخالف ولم يأت بما ينكر عليه. وقوله: "هل أهويت إلى الجحر" أي هل أخذت من الجحر فيكون فيه الخمس؛ لأنه في معنى الركاز. وفي الباب أحاديث أخرى لا تصح أيضًا. انظر "مجمع الزوائد". ٤ - باب ليس في الحلي زكاة • عن زينب امرأة عبد الله قالت: قال رسول الله ﷺ : "تصدّقن يا معشر النّساء، ولو من حُليّكنّ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٦٦)، ومسلم في الزّكاة (١٠٠٠) كلاهما من حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبد الله، فذكرته في حديث طويل، وهو مذكور في موضعه. قال ابن العربي في شرحه على الترمذيّ (٣/ ١٣٠ - ١٣١): "ظاهره أنه لا زكاة في الحلي، لقوله للنساء: "تصدّقن ولو من حليّكنّ" ولو كانت الصّدقة فيه واجبة لما ضرب المثل به في صدقة التّطوّع". قال الترمذيّ بعد إخراج الحديث: "اختلف أهل العلم في ذلك، فرأى بعضُ أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ والتابعين في الحلي زكاة ما كان منه ذهب وفضة، وبه يقول سفيان الثوريّ، وعبد الله بن المبارك. وقال بعض أصحاب النبيّ ﷺ منهم: ابن عمر، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك: ليس في الحلي زكاة. هكذا رُوي عن بعض فقهاء التابعين، وبه يقول مالك بن أنس، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق". انتهى. قلت: أثر ابن عمر، رواه مالك في الموطأ في كتاب الزكاة (١١) عن نافع، عنه، أنه كان يحلي بناته وجواريه الذّهب، ثم لا يخرج من حُليهنّ الزّكاة. وأثر عائشة أخرجه أيضًا مالك (١٠) عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهنّ الحليّ، فلا تخرج من حليهن الزّكاة. قال مالك بعد إخراج الأثرين: "فأمّا التبر والحلي المكسور الذي يريد أهله إصلاحَه ولبسه، فإنما هو بمنزلة المتاع الذي يكون عند أهله، فليس على أهله فيه زكاة. وقال: ليس في اللّؤلؤ، ولا في المسك، ولا في العنبر زكاة". انتهى. وأثر جابر بن عبد الله أخرجه الشّافعيّ وعنه البيهقيّ (٤/ ١٣٨) عن عمرو بن دينار، قال: سمعت رجلًا يسأل جابر بن عبد الله عن الحلي أفيه الزّكاة؟ فقال جابر: "لا، فقال: وإن كان يبلغ ألف دينار؟ فقال: كثير". وقال علي بن سُليم: سألت أنس بن مالك عن الحلي فقال: ليس فيه زكاة.

стр. 2476

وعن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تحلي بناتها الذهب، ولا تزكّيه نحوا من خمسين ألفا. أخرجها البيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ١٣٨). قال القاضي أبو الوليد الباجي في شرح الموطأ: "وهذا مذهب ظاهر بين الصّحابة، وأعلم الناس به عائشة ﵂، فإنّها زوج النبيّ ﷺ ، ومنْ لا يخفى عليها أمره في ذلك. وكذلك عبد الله بن عمر، فإنّ أخته حفصة كانت زوج النبيّ ﷺ ، وأمر حليها لا يخفى عن النبيّ ﷺ ، ولا يخفى عليها حكمه فيه". "المنتقي" (٢/ ١٠٧). وفي معناه ما رُوي عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: "ليس في الحلي زكاة" وإسناده ضعيف. قال البيهقيّ في "المعرفة" (٦/ ١٤٤): "وما رُوي عن عافية بن أيوب، عن اللّيث، عن أبي الزّبير، عن جابر مرفوعًا: "ليس في الحلي زكاة" فباطل لا أصل له، إنّما يُروى عن جابر من قوله. وعافية بن أيوب مجهول، فمن احتجّ به مرفوعًا كان مغرّرًا بدينه داخلًا فيما نُعيب به المخالفين من الاحتجاج برواية الكذّابين". قلت: وليس الأمر كما قال البيهقيّ؛ فإنّ عافية بن أيوب ليس بمجهول، وقد سُئل أبو زرعة عن عافية ابن أيوب فقال: "أبو عبيدة عافية بن أيوب هو مصريّ ليس به بأس". "الجرح والتعديل" (٧/ ٤٤). ولكن الحديث ضعيف ليس من أجله، بل من أجل الرّاوي عنه وهو إبراهيم بن أيوب الجوزجانيّ، قال الحافظ في "اللسان": "ذكره أبو العرب في "الضعفاء" ونقل عن أبي الطّاهر أحمد بن محمد بن عثمان المقدسيّ: أنه قال: إبراهيم بن أيوب حورانيّ ضعيف، وكان أبو الطاهر من أهل النّقد والمعرفة بالحديث بمصر". وللحديث علّة أخرى وهي الوقف وقد أشار إليه ابن عبد الهادي في "التنقيح" (٣/ ٦٧) وصوّبه. وبناءً على هذه الأحاديث والآثار ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا زكاة في الحلي، وشبّهوها بمتاع البيت؛ لأن الزكاة تجب في الأموال النامية مثل الزراعة والتجارة والمواشي، وأما الحلي فهي مثل الملابس والأحذية والأواني وبقية متاع البيت. وللشافعي قولان: قال بغداد: -في رواية الحسن بن محمد الزعفراني عنه- "لا زكاة في الحلي إذا استمتع به أهله في عمل مباح". والقول الثاني: قال: "هذا ما أستخير الله تعالى فيه"، وترك الجواب فيه. ولم يختلف قول مالك وأصحابه في أنه لا زكاة في الحلي للنساء يلبسنه. وبه قال من التابعين ومن بعدهم سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعامر الشعبي، ويحيى بن سعيد، وربيعة، وأكثر أهل المدينة. قال أبو عبيد: "الحلي الذي يكون ربقة ومتاعا فهو كالأثاث، وليس كالرقة التي ورد في السنة يؤخذ ربع العشر فيها". انظر للمزيد: "الاستذكار" (٩/ ٦٩ - ٧٠).

стр. 2477

٥ - باب من قال: في الحلي زكاة ٌ • عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ غَلِيظَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لَهَا: "أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟ ". قَالَتْ: لا. قَالَ: "أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟ ! ". قَالَ: فَخَلَعَتْهُمَا فَأَلْقَتْهُمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَتْ: هُمَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. حسن: رواه أبو داود (١٥٦٣)، والنسائي (٢٤٨١) كلاهما من طريق خالد بن الحارث، عن حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في عمرو بن شعيب، وهو حسن الحديث. وحسّنه أيضًا النّووي في "المجموع" (٦/ ٣٣). ورواه أحمد (٦٦٦٧) من طريق حجاج، عن عمرو بن شعيب بإسناده نحوه، والحجاج هو: ابن أرطاة مدلس. ورواه أيضا الترمذيّ (٦٣٧) عن قتيبة، حدّثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فذكر مثله، فإسناده ضعيف. قال الترمذيّ: "هذا حديث قد رواه المثني بن الصبّاح، عن عمرو بن شعيب نحو هذا. والمثني ابن الصبّاح وابن لهيعة يضعّفان في الحديث. ولا يصح في هذا الباب عن النبيّ ﷺ شيء". كذا قال، والمثنى بن الصباح وابن لهيعة توبعا في الإسناد السابق. ولكن رواه النسائي (٢٤٨٢) عن محمد بن عبد الأعلى، عن المعتمر بن سليمان قال: سمعتُ حسينًا، قال: حدثني عمرو بن شعيب قال: جاءت امرأة ومعها بنت لها إلى رسول الله ﷺ وفي يد ابنتها مسكتان فذكر الحديث نحوه. وقال: مرسل. إلا أنه رجّح الموصول فقال: "خالد أثبت من المعتمر". ولكن نقل الزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ٣٧٠)، والمزي في "تحفة الأشراف" أن النسائي قال: "وحديث معتمر أولى بالصواب" يعني المرسل. والظاهر أن هذا هو الصحيح على منهج النسائي. قلت: إنْ صحَّ قولُ النسائي هذا، فلعل عمرو بن شعيب كان يروي عن وجهين: موصولًا ومرسلًا. والله تعالى أعلم. • عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد أنه قال: دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَأَي فِي يَدَيَّ فَتَخَاتٍ مِنْ وَرِقٍ فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ ". فَقُلْتُ: صَنَعْتُهُنَّ أَتَزَيَّنُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "أَتُؤَدِّينَ زَكَاتَهُنَّ؟ ". قُلْتُ: لا أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: "هُوَ حَسْبُكِ مِن النَّارِ". حسن: رواه أبو داود (١٥٦٥) عن محمد بن إدريس الرّازيّ، حدثنا عمرو بن الرّبيع بن طارق،

стр. 2478

حدّثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر، أن محمّد بن عمرو بن عطاء أخبره، عن عبد الله ابن شدّاد بن الهاد، فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في يحيى بن أيوب الغافقي فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وأخرجه الحاكم (١/ ٣٨٩ - ٣٩٠) من هذا الوجه وقال: "صحيح على شرط الشّيخين". والصواب أنه على شرط مسلم، فإن يحيى بن أيوب أخرج له مسلم فقط. ورواه الدّارقطنيّ (١٩٥١) من وجه آخر عن عمرو بن الربيع بن طارق بإسناده وقال: محمد بن عطاء مجهول. هكذا قال: محمد بن عطاء منسوبًا إلى جده، ولم يدر أنه محمد بن عمرو بن عطاء أحد الثقات. قال البيهقي في المعرفة: "وهو محمد بن عمرو بن عطاء، لكنه لما نسب إلى جدّه ظنّ الدّارقطنيّ أنه مجهول، وليس كذلك". • عن أمّ سلمة: كُنْتُ أَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَكَنْزٌ هُوَ؟ فَقَالَ: "مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّي زَكَاتُهُ فَزُكِّيَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ". حسن: رواه أبو داود (١٥٦٤) عن محمد بن عيسي، حدّثنا عتّاب -يعني ابن بشير-، عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عن أمّ سلمة، فذكرته. وإسناده حسن من أجل الكلام في عتّاب بن بشير غير أنه حسن الحديث وهو من رجال البخاريّ. ورواه الحاكم (١/ ٣٩٠) من طريق محمد بن المهاجر، عن ثابت، وقال: صحيح على شرط البخاريّ. وفي الباب عن أسماء بنت يزيد قالت: دخلتُ أنا وخالتي على النبيّ ﷺ ، وعليها أسورة من ذهب، فقال لنا: "أتعطيان زكاته؟ ". قالت: فقلنا: لا. قال: "أما تخافان أن يسوِّركُما اللهُ أسورةً من نار؟ أدِّيا زكاته". رواه الإمام أحمد (٢٧٦١٤)، والطبرانيّ في "الكبير" (٢٤/ (٤٣١) كلاهما من طريق علي بن عاصم، عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، فذكرته. وإسناده ضعيف؛ لأنّ فيه علي بن عاصم الواسطيّ وشيخه عبد الله بن خثيم، وشيخه شهرب بن حوشب كلّهم ضعفاء. هذا الحديث عزاه الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٦٧) لأحمد وقال: "إسناده حسن". وفاته العزو للطبرانيّ، وقوله: "إسناده حسن" فليس بحسن. وفي الباب أيضًا ما رُوي عن فاطمة بنت قيس أنّ النبيّ ﷺ قال: "في الحلي زكاة". رواه الدّارقطنيّ (١٩٥٤) عن أبي حمزة ميمون، عن الشعبيّ، عن فاطمة بنت قيس وقال: أبو حمزة هذا ميمون، ضعيف الحديث. وروى ابن أبي شيبة (٣/ ٢٧) عن وكيع، عن مساور الورّاق، عن شعيب بن يسار، قال: كتب عمر بن الخطّاب إلى أبي موسى الأشعريّ: "أنْ مُرْ مَنْ قبلك من نساء المسلمين أن يُزكين حُليهن".

стр. 2479

وأخرجه البيهقي (٤/ ١٣٩) من وجه آخر عن مساور الورّاق، وقال: قال البخاريّ: "مرسل". وكذا قاله أيضًا الزّيلعيّ في "نصب الراية" (٢/ ٤٧٤) وعزا قول البخاريّ في تاريخه. وأثر آخر أخرجه عبد الرزاق عن ابن مسعود قال: "في الحلي زكاة". وأثر آخر أخرجه الدارقطني (١٩٥٧) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أنه كان يكتب إلى خازنه سالم: أن يخرج زكاة حلي بناته كلّ سنة، ورواه ابن أبي شيبة عن وكيع، عن جرير بن حازم، عن عمرو بن شعيب، عن عبد الله بن عمرو أنه كان يأمر نساءه أن يُزكّين حُليّهن. وقد حكى ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله ابن عباس الزّكاة في الحليّ. قال الخطّابي في "معالم السنن شرح أبي داود": "الظاهر من الكتاب يشهد لقول من أوجبها، والأثر يؤيده، ومن أسقطها ذهب إلى النظر، ومعه طرف من الأثر، والاحتياط أداؤها". ٦ - باب العروض التي للتجارة فيها الزكاة قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. أورد الإمام البخاريّ هذه الآية تحت باب "باب صدقة الكسب والتجارة" ولم يورد تحته أيّ حديث ولا أثر. وكأنه لم يثبت عنده شيء من السنة تحت هذا الباب، ولما كانت الآية صريحة في إيجاب الزكاة على أموال التجارة فاكتفى بإيراد الآية. والظاهر كذلك فإنه لم يرد في الباب من الأحاديث الصحيحة توجب الزكاة في أموال التجارة، وإن كان انعقد الإجماع على وجوب الزكاة في ذلك من الصّحابة والتابعين ومن بعدهم لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. والأموال هنا عامة تشمل كل ما يملكه مسلم، ومنه مال التجارة، وقد استدل بعض أهل العلم من قول النبيّ ﷺ : "أما خالد فإنّكم تظلمون خالدًا، وقد احتبس أدراعه وأعتُده في سبيل الله". رواه البخاريّ (١٤٦٨)، ومسلم (٩٨٣). والأعتُد: جمع العتاد، وكذلك الأعتاد، وهو ما أعدّه خالد من السّلاح والدّواب والآلات للحرب، ولما كانت هذه الآلات عنده للتجارة طلبوا منه زكاة التجارة، فأخبر النبيّ ﷺ أنه قد جعلها حبسًا في سبيل الله، فلا زكاة عليه فيها. وفيه دليل على وجوب زكاة التجارة. انظر: "شرح السنة" (٦/ ٣٤). وأمّا ما رواه أبو داود (١٥٦٢) عن محمد بن داود بن سفيان، حدثنا يحيى بن حسان، حدّثنا سليمان بن موسى أبو داود، حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه، عن سمرة بن جندب، قال: "أمّا بعد، فإنّ رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نخرج الصّدقة من

стр. 2480

الذي نُعدُّ للبيع". فهو ضعيف، فإنّ فيه خبيب بن سليمان مجهول، والرّاوي عنه جعفر بن سعد ليس بقوي كما في التقريب. وقال الذهبي في "الميزان" (١/ ٤٠٨) بعد أن نقل كلام أهل العلم في خبيب بن سليمان، وجعفر بن سعد وقال: "وسلمان بن موسى هذا زهريّ من أهل الكوفة ليس بالمشهور، وبكل حال هذا إسناد مظلم لا ينهض بحكم" انتهي. قلت: فلا يلتفت إلى قول ابن عبد البر: "إسناده حسن". انظر للمزيد "المنّة الكبري" (٣/ ١٩٨). وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي ذرّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البزّ صدقته". رواه أحمد (٢١٥٥٧) عن محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، عن عمران بن أبي أنس، بلغه عنه، عن مالك بن أوس بن الحدثان النّصريّ، عن أبي ذرّ، فذكره. ومن هذا الوجه أخرجه كلٌّ من الدّارقطنيّ (٢/ ١٠٢)، والحاكم (١/ ٣٨٨)، والبيهقي (٤/ ١٤٧). ورواه الحاكم أيضًا من طريق سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، ثنا عمران بن أبي أنس، عن مالك بن أوس، عن أبي ذرّ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البزِّ أو البرّ صدقته، ومن رفع دنانير ودراهم، أو تبرًا وفضة لا يعدُّها لغريم، ولا ينفقها في سبيل الله فهو كنز يكوى به يوم القيامة". قال الحاكم: "كلا الإسنادين صحيحان على شرط الشيخين ولم يخرجاه". كذا قال، وقد أخرج الترمذي في "العلل الكبير" (١/ ٣٠٧) عن البخاريّ أنه قال: "ابن جريج لم يسمع من عمران بن أبي أنس. يقول: حُدّثتُ عن عمران بن أبي أنس". وقال ابن القطّان: "ابن جريج مدلّس لم يقل: حدّثنا عمران". فالحديث منقطع، وقد تابعه موسي بن عبيدة الرَّبذيّ، ومن طريقه رواه البزّار (٣٨٩٥)، والدارقطني (٢/ ١٠٠ - ١٠١)، والبيهقيّ (٤/ ١٤٧)، وموسي بن عبيدة ضعيف. وسقط هذا في إسناد الحاكم السابق فجعل المتابع لابن جريج سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، والصحيح أن بينه وبين عمران بن أبي أنس موسي بن عبدة كما ثبت ذلك في روايات أخرى. وأما قول الحاكم: صحيح على شرط الشيخين فهذا وهم منه، فإن عمران بن أبي أنس ممن انفرد به مسلم دون البخاري غير أنه ثقة. وقوله: "البزُّ" بالباء الموحدة والزّاي - وهي الثياب التي هي أمتعة البزاز. ومن قال بالراء المهملة أي "البر" فقد وهم. وفي الباب آثار عن الصّحابة والتابعين منهم عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز كما ذكره مالك في الموطأ كلّهم أمروا بأخذ الزكاة من أموال التجارة ولم نجد

стр. 2481

لهم مخالفًا فصار إجماعًا. قال البيهقي في "الكبري" (٤/ ١٤٧) بعد أن نقل آثار هؤلاء: "وهذا قول عامة أهل العلم، فالذي رُوي عن ابن عباس أنه قال: لا زكاة في العرض، فقد قال الشافعي في كتاب القديم: إسناد الحديث عن ابن عباس ضعيف، فكان اتباع حديث ابن عمر لصحته والاحتياط في الزّكاة أحبُّ إليَّ والله أعلم". وقال أيضًا: "وقد حكى ابن المنذر عن عائشة وابن عباس مثل ما رُوينا عن ابن عمر، ولم يحك خلافهم عن أحد، فيحتمل أن يكون معنى قوله: "إن صح لا زكاة في العرض" أي إذا لم يُرد به التّجارة". انظر للمزيد "المنّة الكبري" (٣/ ٢٠٠). • * *

стр. 2482

جموع أبواب ما جاء في زكاة الزّروع ١ - باب زكاة الحرث والزّرع • عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "فِيمَا سَقَت السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ". صحيح: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٨٣) عن سعيد بن أبي مريم، حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن الزهريّ، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه ﵁، فذكر الحديث. وفي بعض طرقه من حديث ابن وهب نفسه: "فِيمَا سَقَت السَّمَاءُ وَالأَنْهَارُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ بَعْلا الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بالسَّوَانِي أَو النَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ". رواه أبو داود (١٥٩٦) وغيره. قوله: "أو كان عثريا" العثري من الزرع، هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي، واشتقاقه من العاثور، وهي الساقية التي يجري فيها الماء؛ لأنّ الماشي يعثر فيها. ومنه الذي يشرب من الأنهار بغير مؤنة، أو يشرب بعروقه كأن يغرس في أرض يكون الماء قريبًا من وجهها فيصل إليه عروق الشجر فيستغني عن السفي. انظر: "الفتح" (٣/ ٣٤٩). وقوله: "بعلًا" تنقل أبو داود عن وكيع: "البَعْل الكبوس الذي ينبت من ماء السماء". ونُقل عن أبي إياس الأسديّ قال: "الذي يسقي بماء السماء". ونقل عن النّضر بن شميل: "البعل ماء المطر". انتهى. والخلاصة هو ما شرب بعروقه، ولم يُتعَنَّ في سقيه. والنّضح: هو السّقي بالرّشاء. ويفهم مما تقدم بيانه أنّ النبيّ ﷺ جعل الصدقة ما خفّت مؤنته وكثرتْ منفعته على التضعيف توسعة على الفقراء، وجعل ما كثرتْ مؤنته على التنصيف رفقًا بأرباب الأموال. والسّواني: جمع السّانية، وهي البعير الذي يسنّي عليه أي يستقي. • عن جابر بن عبد الله أنه سمع النبيّ ﷺ يقول: "فيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سُقي بالسّانية نصف العشر". صحيح: رواه مسلم في الزكاة (٩٨١) من طرق عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أنّ أبا الزّبير حدّثه أنّه سمع جابر بن عبد الله، فذكره. قوله: "فيما سقت الأنهار والغيم العشور". العشور: بضم العين، جمع عُشر، والغيم هو المطر. • عن معاذ بن جبل، قال: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِمَّا

стр. 2483

سَقَت السَّمَاءُ وَمَا سُقِيَ بَعْلا الْعُشْرَ وَمَا سُقِيَ بِالدَّوَالِي نِصْفَ الْعُشْرِ. حسن: رواه ابن ماجه (١٨١٨)، والنسائي (٢٤٩٢) كلاهما من حديث أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النّجود، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، فذكره. وكذا رواه أيضًا الدارميّ (١٧٠٩) إلّا أن النسائي لم يذكر "مسروقًا" بين أبي وائل وبين معاذ. وكذا رواه أيضًا الإمام أحمد (٢٢٠٣٧). وإسناده حسن من أجل عاصم بن أبي النّجود غير أنه حسن الحديث. وفي الباب ما رُوي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "فيما سقت السماء والعيون العُشر، وفيما سُقي بالنّضح نصف العشر". رواه الترمذيّ (٦٣٩)، وابن ماجه (١٨١٦) كلاهما من حديث عاصم بن عبد العزيز بن عاصم المدني، قال: حدثنا الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن أبي ذباب، عن سليمان بن يسار، وعن بسر بن سعيد، عن أبي هريرة، فذكره. قال الترمذي: "قد رُوي هذا الحديث عن بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، عن سليمان بن يسار، وبسر بن سعيد، عن النبيّ ﷺ مرسلًا، وكأنّ هذا أصح". قلت: وهو كما قال، فإن في إسناده عاصم بن عبد العزيز بن عاصم الأشجعيّ المدني. قال البخاري: "فيه نظر". وقال النسائي: "ليس بالقوي". وفي الباب أيضًا عن أنس ولا يصح. رواه يحيي بن آدم في كتاب الخراج (٣٧١)، وفيه أبان بن أبي عياش متروك. وكذلك لا يصح ما رُوي عن حرب بن عبيدالله، عن خالٍ له، عن النبي ﷺ قال: "ليس على المسلم عشور، إنّما العثور على اليهود والنّصارى". هكذا ذكره البخاريّ في "التاريخ الكبير" (٣/ ٦٠). ورواه أبو داود (٣٠٤٦) عن مسدّد، حدّثنا أبو الأحوص، حدّثنا عطاء بن السّائب، عن حرب ابن عبد الله، عن جدّه أبي أمِّه، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكره. قال الترمذي في "العلل" (١٠٣): سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: "هذا حديث فيه اضطراب، ولا يصح هذا الحديث". قلت: وهو كما قال رحمه الله تعالى، وقد أورده في "التاريخ الكبير" من طرق مختلفة، ومن هذه الطرق الطريق التي أخرجها أبو داود. وفي إسناده أيضًا حرب بن عبيدالله وهو ابن عمير الثقفي قال فيه الحافظ: "لين الحديث". ثم علّله البخاريّ في "التاريخ الكبير" بأن النبيّ ﷺ فرض العشر فيما أخرجت الأرض في خمسة أوسق. وكذلك لا يصح ما رُوي عن العلاء بن الحضرميّ قال: "بعثني رسول الله ﷺ إلى البحرين، أو إلى هجر، فكنتُ آتي الحائط يكون بين الإخوة يُسْلمُ أحدهم، فآخذُ من المسلم

стр. 2484

العشر، ومن المشرك الخراج". رواه ابن ماجه (١٨٣١) عن الحسين بن جنيد الدّامغانيّ، قال: حدّثنا عتّاب بن زياد المروزيّ، قال: حدّثنا أبو حمزة، قال: سمعت مغيرة الأزْديَ يحدّث عن محمد بن زيد، عن حيان الأعرج، عن العلاء بن الحضرميّ، فذكره. ورواه الإمام أحمد (٢٠٥٢٧) عن عتاب بن زياد بإسناده، مثله. وفيه ثلاث علل: الأولى: المغيرة الأزديّ اختلف فيه من هو؟ فقال المزي في "تهذيبه" (٦٧٤١): "أظنّه المغيرة ابن مسلم القسْمليّ، فإنّ القسامل من الأزد، رُوي له ابن ماجه، وكتبنا حديثه في ترجمة عتّاب بن زياد". انتهى. وجزم الحافظ ابن حجر بأنه "القسمليّ". فإن صحَّ بأنه ابن مسلم القسمليّ فهو "صدوق" كما في "التقريب". وقد سئل الإمام أحمد فقال: "ما أري به بأسًا". وقال ابن معين: "صالح". وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٤٦٦). والثانية: شيخه محمد بن زيد. قال الحافظ ابن حجر في "التقريب": المغيرة الأزديّ لعله العبديّ". والعبديّ هو محمد بن زيد العبدي رُوي عن شهر بن حوشب، قال ابن حجر: "لعله ابن أبي القلوس وإلا فمجهول". والثالثة: حيان الأعرج، وعنه محمد بن زيد، وفي كتاب ابن أبي حاتم: حيان الأعرج بصري، روي عن جابر بن زيد، وعنه قتادة وسعيد بن أبي عروبة وابن جريج ومنصور بن زاذان، وحُكي عن ابن معين أنه وثقه، قال المزي: فإن كان هو هذا فإنّ روايته عن العلاء بن الحضرميّ منقطعة. قال ابن حجر: ذكره ابن حبان في أتباع التابعين. فالخلاصة فيه أن حديثه عن العلاء فيه انقطاع. وقوله: "ومن المشرك الخراج" أي الجزية. فإنّ الخراج يطلق على ما يخرج من غلّة الأرض، ثم سُمّي ما يأخذه السلطان خراجًا، فيقال: أدّى فلان خراج أرضه، وأدّى أهل الذّمة خراج رؤوسهم يعني الجزية. انظر: "أنيس الفقهاء" (ص ١٨٥). وكذلك لا يصح ما رُوي عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: "لا يجتمع على المسلم خراج وعشر". رواه البيهقيّ (٤/ ١٣٢) من طريق يحيى بن عنبسة، ثنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، فذكره. قال البيهقي: "يحيى بن عنبسة مكشوف الأمر في ضعفه لرواياته عن الثقات بالموضوعات". وأورده ابن حبان في "المجروحين" (١٢١٦) في ترجمة يحيى بن عنبسة وقال: هو شيخ دجّال، يضع الحديث على ابن عيينة، وداود بن أبي هند وأبي حنيفة وغيرهم من الثقات، لا تحل الرواية

стр. 2485

عنه بحال، ولا كتابة حديثه إلا للاعتبار". وذكره ابن الجوزيّ والسيوطيّ وغيرهما في "الموضوعات". ٢ - باب ليس في الخضروات والفواكه زكاة • عن موسى بن طلحة، قال: عندنا كتاب معاذ، عن النبيّ ﷺ أنه إنّما أخذ الصدقة من الحنطة والشّعير والزبيب والتّمر. صحيح: رواه أحمد (٢١٩٨٩) عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عمرو بن عثمان - يعني ابن موهب، عن موسى بن طلحة، قال (فذكره). وقوله: "عندنا كتاب معاذ" الظاهر أنه لم يسمع منه، ولكنه رواه بالوجادة، وهي إحدى طرق تحمل الحديث؛ ولذا صحّحه الحاكم (١/ ٤٠١) ورواه من هذا الوجه وقال: "هذا حديث قد احتجّ بجميع رواته ولم يخرجاه، وموسى بن طلحة تابعي كبير لم ينكر له أنه يدرك أيام معاذ". ويؤيده ما رواه أبو عبيد في "الأموال" (١٥٠٦) قال: "فإنّ إسماعيل بن إبراهيم حدّثنا عن عطاء ابن السّائب، قال: أراد المغيرة بن عبد الله أن يأخذ من أرض موسى بن طلحة الصّدقة من الخضروات فقال له موسى: ليس ذلك لك، إنّ رسول الله ﷺ قد نهى عن الخضروات". وهذا مرسل؛ فإنّ موسى بن طلحة لم يلق النبيَّ ﷺ ، ولكنه فهم من كتاب معاذ الذي كان عنده أنه ليس في الخضروات صدقة. ورواه يحيى بن آدم في "كتاب الخراج" (٥٠٣) عن عبد السّلام بن حرب، عن عطاء بن السّائب، قال: "أراد موسي بن المغيرة أن يأخذ من خضر أرض موسى بن طلحة، فقال له موسي ابن طلحة: إنّه ليس في الخضر شيء. ورواه عن رسول الله ﷺ . قال: فكتبوا بذلك إلى الحجّاج، فكتب الحجّاج: إنّ موسى بن طلحة أعلم من موسي بن المغيرة". انتهى. وفيه توثيق لموسى بن طلحة، وهو المطلوب في الوجادة، فإنّ الواجد إذا كان ثقة في دعواه الوجادة يقبل حديثه، ثم إن موسى بن طلحة لولا كان واثقًا بكتاب معاذ لما استدلّ به وعزاه إلى النبيّ ﷺ . قال يحيى بن آدم في كتاب "الخراج" (٤٩٧): "والخضر عندنا الرطاب والرياحين، والبقول، والفاكهة مثل: الكمثرى والسفرجل والخوخ والتفاح والتين والإجاص والمشمش والرّمان والخيار والقثاء والنّبق والباقلي والجزر والموز والمقل والجوز واللّوز والبطيخ وأشباهه". وقال مالك ﵀: "السنة التي لا اختلاف فيها عندنا، والذي سمعت من أهل العلم أنه ليس في شيء من الفواكه كلها صدقة: الرمان والفرسك والتين وما أشبه ذلك، وما لم يشبهه إذا كان من الفواكه. وقال: ولا في القضب، ولا في البقول كلها صدقة، ولا في أثمانها إذا بيعت صدقة حتى يحول على أثمانها الحول من يوم بيعها، ويقبض صاحبها ثمنها". انتهى. انظر: "الموطأ" (١/ ٢٧٦ - ٢٧٧).

стр. 2486

• عن أبي موسى ومعاذ بن جبل حين بعثهما رسول الله ﷺ إلى اليمن يعلِّمان النّاس أمر دينهم: "لا تأخذوا الصّدقة إلّا من هذه الأربعة: الشّعير، والحنطة، والزّبيب، والتمر". حسن: رواه الدّارقطنيّ (١٩٢١)، والحاكم (١/ ٤٠١)، والبيهقيّ (٤/ ١٢٥) كلّهم من حديث أبي حذيفة، حدّثنا سفيان، عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى ومعاذ بن جبل، فذكراه. قال البيهقيّ: "رواته ثقات وهو متصل". وصحّحه الحاكم. قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في أبي حذيفة وهو موسي بن مسعود النّهدي، وطلحة بن يحي التيمي غير أنهما حسنا الحديث. ثم هذا الحديث موافق لحديث موسى بن طلحة في أخذ الصّدقة عن هذه الأربعة. وأمّا ما رُوي عن معاذ أنّه كتب إلى النبيّ ﷺ يسأله عن الخضروات وهي البقول، فقال: "ليس فيها شيء". فهو ضعيف. رواه الترمذيّ (٦٣٨) عن علي بن خشرم، أخبرنا عيسي بن يونس، عن الحسن بن عُمارة، عن محمد بن عبد الرحمن بن عبيد، عن عيسى بن طلحة، عن معاذ، فذكره. قال الترمذي: "إسناد هذا الحديث ليس بصحيح. وليس يصح في هذا الباب عن النبيّ ﷺ شيء، وإنّما يُروى هذا عن موسى بن طلحة، عن النبيّ ﷺ مرسلًا، والعمل على هذا عند أهل العلم، أن ليس في الخضروات صدقة". وقال: "والحسن هو ابن عمارة وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعّفه شعبة وغيره، وتركه ابن المبارك". انتهى قول الترمذيّ. وذكر البيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ١٢٩) مراسيل الحسن، والشّعبيّ، ومجاهد وغيرهم وقال: "هذه الأحاديث كلّها مراسيل إلّا أنها من طرق مختلفة، فبعضها يؤكّد بعضًا، ومعها رواية أبي بردة عن أبي موسى، وقول بعض الصّحابة" انتهى. وفي الباب ما رُوي عن موسى بن طلحة، عن أبيه طلحة بن عبيدالله التيمي قال: قال رسول الله ﷺ "ليس في الخضروات صدقة". رواه الطبرانيّ في "الأوسط" (مجمع البحرين ١٣٥٠)، والبزار (كشف الأستار ٨٨٥) كلاهما عن أبي كامل الجحدريّ، ثنا الحارث بن نبهان، ثنا عطاء بن السّائب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، فذكره. قال البزّار: "لا نعلم أحدًا أسنده فوصله إلّا الحارث، ولا رُوي عطاء عن موسى إلّا هذا، ورواه جماعة عن موسي مرسلًا". وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٦٩) بعد أن عزاه إليهما: "وفيه الحارث بن نبهان وهو متروك، وقد وثقه ابن عدي".

стр. 2487

قلت: لم يوثقه ابن عدي صراحة، وإنما قال بعد أن ساق له عدّة أحاديث منها حديث الباب: "وللحارث هذا غير ما ذكرت أحاديث حسان، وهو ممن يكتب حديثه". وفيه إشارة إلى تضعيفه أكثر من توثيقه. وفي الباب أيضًا ما رُوي عن محمد بن عبد الله بن جحش، عن رسول الله ﷺ "أنه أمر معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ من كلّ أربعين دينارًا دينارًا، وليس في الخضروات صدقة". وفيه عبد الله بن شبيب، قال ابن حبان في كتاب "الضعفاء": "يسرق الأخبار، لا يجوز الاحتجاج به بحال". وكذلك لا يصح عن أنس بن مالك وعائشة وعلي. انظر تخاريج هذه الأحاديث في "نصب الراية" (٢/ ٣٨٦). ٣ - باب زكاة العسل • عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: جَاءَ هِلَالٌ أَحَدُ بَنِي مُتْعَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعُشُورِ نَحْلٍ لَهُ، وَكَانَ سَأَلَهُ أَنْ يَحْمِيَ لَهُ وَادِيًا، يُقَالُ لَهُ: سَلَبَةُ، فَحَمَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الْوَادِي، فَلَمَّا وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ كَتَبَ سُفْيَانُ بْنُ وَهْبٍ، إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَتَبَ عُمَرُ ﵁: "إِنْ أَدَّى إِلَيْكَ مَا كَانَ يُؤَدِّي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ عُشُورِ نَحْلِهِ، فَاحْمِ لَهُ سَلَبَةَ، وَإِلَّا فَإِنَّمَا هُوَ ذُبَابُ غَيْثٍ يَأْكُلُهُ مَنْ يَشَاءُ". حسن: رواه أبو داود (١٦٠٠) واللفظ له، والنسائيّ (٢٥٠١) كلاهما من حديث أحمد بن أبي شعيب الحرانيّ، حدثنا موسي بن أعين، عن عمرو بن الحارث المصريّ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فذكره. وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب، وبقية رجاله ثقات وقد توبعوا، فإنّ أبا داود رواه أيضًا من وجهين آخرين: أحدهما: عن أحمد بن عبدة الضّبيّ، حدّثنا المغيرة -ونسبه إلى عبد الرحمن بن الحارث المخزوميّ-، قال: حدثني أبي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أنّ شبابة -بطن من فهْم- فذكر نحوه. قال: "من كلْ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ". وقال سفيان بن عبد الله الثقفيّ، قال: "وكان يحمي لهم واديين". زاد: "فأدّوا إليه ما كانوا يؤدّون إلى رسول الله ﷺ ، وحمي لهم وادييهم". ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا ابن خزيمة. والثاني: عن الربيع بن سليمان المؤذن، حدّثنا ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أنّ بطنًا من فَهْم -بمعنى المغيرة- قال: "من عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبةٌ. وقال:

стр. 2488

واديين لهم". انتهى. ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا ابن خزيمة (٢٣٢٥). وأسامة بن زيد تُكلُّم فيه غير أنه توبع. ومداره على عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، وهو حسن الحديث. ورواه ابن ماجه (١٨٢٤) من وجه آخر عن نعيم بن حماد، قال: حدّثنا ابن المبارك، قال: حدثنا أسامة بن زيد، بإسناده، مختصرًا. ونعيم بن حماد ضعيف إلّا أنه توبع في الإسناد السّابق. ولكن رواه ابن أبي شيبة (٣/ ١٤١) عن عباد بن عوام، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب: "أنّ أمير الطّائف كتب إلى عمر بن الخطّاب: إنّ أهل العسل منعونا ما كانوا يعطون مَنْ كان قبلنا". فذكر الحديث بمعناه. وقد سُئل الدارقطني عن هذا الحديث فقال: "هو حديثٌ رواه عبد الرحمن بن الحارث وعبد الله ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، مسندًا عن عمر، ورواه يحيي بن سعيد الأنصاري عن عمرو بن شعيب مرسلًا عن عمر"، انتهى. "العلل" (٢/ ١١٠). والدارقطني إمام في الجرح والتعديل ومعرفة الرجال، ولكن وقع منه تقصير، فإنه لم يذكر من رفعه عن عمرو بن شعيب إلا عبد الرحمن بن الحارث وهو ابن أبي ربيعة المخزومي وهو "صدوق له أوهام"، كما في التقريب، وابن لهيعة، وفيه كلام معروف، وقد تابعهما عمرو بن الحارث المصري -كما مضى- وهو ثقة حافظ فقيه كما في التقريب، ورابعهم أسامة بن زيد كما مضى، فكل هؤلاء رفعوا هذا الحديث ولذا استدرك الحافظ ابن حجر على الدارقطني في "التلخيص" (٢/ ١٦٨)، وانفرد بإرساله يحيى بن سعيد الأنصاري. والقواعد الحديثية تقتضي أن نرجح الرفع لما فيه زيادة علم، ولذلك لم يرجح الدارقطني الإرسال كعادته. ونقل ابن التركماني في "الجوهر النقي" (٤/ ١٢٧) عن ابن عبد البر أنه حسّن حديث عمرو بن شعيب في "الاستذكار"، ونقل عن مالك، عن الزهريّ: "أنّ صدقة العسل العشر"، وممن أوجب الزكاة في العسل: الأوزاعي، وأبو حنيفة، وأصحابه، وربيعة، وابن شهاب، ويحيى بن سعيد. وروى ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب قال: بلغني "أنّ في العسل العشر". قال ابن وهب: وأخبرني عمرو بن الحارث، عن يحيى بن سعيد وربيعة بذلك. وسمع يحيى من أدرك يقول: "مضت السنة بأنّ في العسل العشر". وهو قول ابن وهب. انتهى كلام ابن التركماني. وانظر أيضًا: "الاستذكار" (٩/ ٢٨٣). وذكر الحافظ ابن القيم في "الزاد" (٢/ ١٥) الأحاديث والآثار الواردة في زكاة العسل وعلّلها ثم قال: "وذهب أحمد وأبو حنيفة وجماعة إلى أن في العسل زكاة، ورأوا أنّ هذه الآثار يقوي بعضُها بعضًا، وقد تعدّدت مخارجها، واختلفت طرقها، ومرسلها يعضد بمسندها".

стр. 2489

وقال: "وقال هؤلاء: ولأنه يتولّد من نور الشّجر والزّهر، ويكال ويدّخر، فوجب فيه الزكاة كالحبوب والثمار". انتهى باختصار. وأما مالك والشافعيّ فذهبا إلى أنه لا زكاة في شيء من العسل. انظر: "الاستذكار" (٩/ ٢٨٦). قلت: وفي الباب أحاديث لا تصح منها: ما رُوي عن ابن عمر مرفوعًا في العسل: "في كلّ عشرة أَزُقِّ زِقٌّ". رواه الترمذيّ (٦٢٩) عن محمد بن يحيى النّيسابوريّ، حدّثنا عمرو بن أبي سلمة التنّبسيّ، عن صدقة بن عبد الله، عن موسي بن يسار، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. قال الترمذي: "حديث ابن عمر في إسناده مقال". قلت: وهو يقصد صدقة بن عبد الله السّمين أبا معاوية، وهو ضعيف، ضعّفه النّسائيّ وغيره. وقال الإمام أحمد: "ليس بشيء". وقال الترمذيّ: "ولا يصح عن النبيّ ﷺ في هذا الباب كبير شيء". وقال: "صدقة بن عبد الله ليس بحافظ، وقد خولف صدقة بن عبد الله في رواية هذا الحديث عن نافع". ثم أسنده عن عبيدالله بن عمر، عن نافع قال: "سألني عمر بن عبد العزيز عن صدقة العسل. قال: قلت: ما عندنا عسل نتصدق منه". ولكن أخبرنا المغيرة بن حكيم أنه قال: "ليس في العسل صدقة". فقال عمر بن عبد العزيز: "عدلٌ مرْضيٌّ". فكتب إلى النّاس أن توضع - يعني عنهم. انتهى. قلت: المغيرة بن حكيم تابعيّ ثقة، فروايته عن نافع تكون أصح من رواية صدقة بن عبد الله، عن موسي بن يسار، عن نافع. ولكن قوله مقطوع غير مسند إلى النبيّ ﷺ ولا إلى أحد من الصّحابة وهو كالفتوى منه. وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه مرفوع حسن، وهو مثبت، ولا يترك العمل به لقول أحد من التّابعين. وبه قال الإمام أحمد، وإسحاق كما ذكره الترمذيّ. وفي الباب أحاديث أخرى منها ما رُوي عن أبي سَيَّارة المتعيّ، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ لِي نَحْلا. قَالَ: "أَدِّ الْعُشْرَ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! احْمِهَا لِي، فَحَمَاهَا لِي: رواه ابن ماجه (١٨٢٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة -وهو في "المصنف" (٣/ ١٤١) -، عن وكيع، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، عن أبي سيارة المتعيّ، فذكر مثله. ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (١٨٠٦٩). وفيه انقطاع بين سليمان بن موسى، وبين أبي سيارة كما قال أبو حاتم. وقال البخاريّ في "العلل الكبير" (٦/ ٣١٣): "هو مرسل، سليمان لم يدرك أحدًا من الصّحابة". أي منقطع. وقال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٩/ ٢٨٧): "هذا حديث منقطع، لم يسمع سليمان بن موسى من أبي سيارة، ولا يعرف أبو سيارة هذا ولا تقوم بمثله حجّة". ومنها ما رُوي عن سعد بن أبي ذباب.

стр. 2490

رواه ابن أبي شيبة (٣/ ١٤١ - ١٤٢)، والبيهقي (٤/ ١٢٧) وفيه من لا يُعرف، وقد سئل البخاريّ عن حديث سعد بن أبي ذباب فقال: "لم يصح حديثه". ومنها ما روي عن أبي هريرة، قال: "كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن أن يؤخذ من أهل العسل العشور". رواه عبد الرزاق (٦٩٧٢) وعنه البيهقي (٤/ ١٢٦) عن عبد الله بن محرر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. ونقل البيهقي عن البخاريّ: "عبد الله بن محرر متروك الحديث". قلت: ذكره ابن حبان في "الضّعفاء" وقال: "كان من خيار عباد الله إلا أنه كان يكذب ولا يعلم، ويقلب الأخبار ولا يفهم". انظر: "نصب الراية" (٢/ ٣٩٠ - ٣٩٣) للوقوف على مزيد من الأخبار والآثار في زكاة العسل. ٤ - باب خرص الثّمار • عن أبي حميد السّاعديّ قال: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ الْقُرَى إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "اخْرُصُوا"، وَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ لَهَا: "أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا" فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ قَالَ: "أَمَا إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلا يَقُومَنَّ أَحَدٌ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ" فَعَقَلْنَاهَا، وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّءٍ، وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ، فَلَمَّا أَتَى وَادِيَ القُرَى قَالَ لِلْمَرْأَةِ: "كَمْ جَاءَ حَدِيقَتُكِ؟ ". قَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، خَرْصَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى المَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي، فَلْيَتَعَجَّلْ" فَلَمَّا -قَالَ ابْنُ بَكَّارٍ كَلِمَةً مَعْنَاهَا- أَشْرَفَ عَلَى المَدِينَةِ قَالَ: "هَذِهِ طَابَةُ" فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا قَالَ: "هَذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟ ". قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "دُورُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ أَوْ دُورُ بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ, وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ يَعْنِي خَيْرًا". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٨١) عن سهل بن بكّار، حدّثنا وُهيب، عن عمرو بن يحيى، عن عبّاس السّاعديّ، عن أبي حميد السّاعديّ، قال (فذكره) واللّفظ له. ورواه مسلم في الموضعين في الحجّ (١٣٩٢) عن عبد الله بن مسلمة القعنبيّ، حدّثنا سليمان بن بلال، عن عمرو بن يحيى، بإسناده مختصرًا، ولم يذكر فيه قصة الخرص. ثم رواه في كتاب الفضائل (١٣٩٢: ١١) بالإسناد نفسه نحو رواية البخاريّ. وقوله: "أحصي" أي احفظي عدد كيلها. وفي رواية مسلم: "أحصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله".
следующие страницы →