← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

• عن أبي موسى ومعاذ بن جبل حين بعثهما رسول الله ﷺ إلى اليمن يعلِّمان النّاس أمر دينهم: "لا تأخذوا الصّدقة إلّا من هذه الأربعة: الشّعير، والحنطة، والزّبيب، والتمر". حسن: رواه الدّارقطنيّ (١٩٢١)، والحاكم (١/ ٤٠١)، والبيهقيّ (٤/ ١٢٥) كلّهم من حديث أبي حذيفة، حدّثنا سفيان، عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى ومعاذ بن جبل، فذكراه. قال البيهقيّ: "رواته ثقات وهو متصل". وصحّحه الحاكم. قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في أبي حذيفة وهو موسي بن مسعود النّهدي، وطلحة بن يحي التيمي غير أنهما حسنا الحديث. ثم هذا الحديث موافق لحديث موسى بن طلحة في أخذ الصّدقة عن هذه الأربعة. وأمّا ما رُوي عن معاذ أنّه كتب إلى النبيّ ﷺ يسأله عن الخضروات وهي البقول، فقال: "ليس فيها شيء". فهو ضعيف. رواه الترمذيّ (٦٣٨) عن علي بن خشرم، أخبرنا عيسي بن يونس، عن الحسن بن عُمارة، عن محمد بن عبد الرحمن بن عبيد، عن عيسى بن طلحة، عن معاذ، فذكره. قال الترمذي: "إسناد هذا الحديث ليس بصحيح. وليس يصح في هذا الباب عن النبيّ ﷺ شيء، وإنّما يُروى هذا عن موسى بن طلحة، عن النبيّ ﷺ مرسلًا، والعمل على هذا عند أهل العلم، أن ليس في الخضروات صدقة". وقال: "والحسن هو ابن عمارة وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعّفه شعبة وغيره، وتركه ابن المبارك". انتهى قول الترمذيّ. وذكر البيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ١٢٩) مراسيل الحسن، والشّعبيّ، ومجاهد وغيرهم وقال: "هذه الأحاديث كلّها مراسيل إلّا أنها من طرق مختلفة، فبعضها يؤكّد بعضًا، ومعها رواية أبي بردة عن أبي موسى، وقول بعض الصّحابة" انتهى. وفي الباب ما رُوي عن موسى بن طلحة، عن أبيه طلحة بن عبيدالله التيمي قال: قال رسول الله ﷺ "ليس في الخضروات صدقة". رواه الطبرانيّ في "الأوسط" (مجمع البحرين ١٣٥٠)، والبزار (كشف الأستار ٨٨٥) كلاهما عن أبي كامل الجحدريّ، ثنا الحارث بن نبهان، ثنا عطاء بن السّائب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، فذكره. قال البزّار: "لا نعلم أحدًا أسنده فوصله إلّا الحارث، ولا رُوي عطاء عن موسى إلّا هذا، ورواه جماعة عن موسي مرسلًا". وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٦٩) بعد أن عزاه إليهما: "وفيه الحارث بن نبهان وهو متروك، وقد وثقه ابن عدي".

стр. 2487

قلت: لم يوثقه ابن عدي صراحة، وإنما قال بعد أن ساق له عدّة أحاديث منها حديث الباب: "وللحارث هذا غير ما ذكرت أحاديث حسان، وهو ممن يكتب حديثه". وفيه إشارة إلى تضعيفه أكثر من توثيقه. وفي الباب أيضًا ما رُوي عن محمد بن عبد الله بن جحش، عن رسول الله ﷺ "أنه أمر معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ من كلّ أربعين دينارًا دينارًا، وليس في الخضروات صدقة". وفيه عبد الله بن شبيب، قال ابن حبان في كتاب "الضعفاء": "يسرق الأخبار، لا يجوز الاحتجاج به بحال". وكذلك لا يصح عن أنس بن مالك وعائشة وعلي. انظر تخاريج هذه الأحاديث في "نصب الراية" (٢/ ٣٨٦). ٣ - باب زكاة العسل • عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: جَاءَ هِلَالٌ أَحَدُ بَنِي مُتْعَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعُشُورِ نَحْلٍ لَهُ، وَكَانَ سَأَلَهُ أَنْ يَحْمِيَ لَهُ وَادِيًا، يُقَالُ لَهُ: سَلَبَةُ، فَحَمَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الْوَادِي، فَلَمَّا وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ كَتَبَ سُفْيَانُ بْنُ وَهْبٍ، إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَتَبَ عُمَرُ ﵁: "إِنْ أَدَّى إِلَيْكَ مَا كَانَ يُؤَدِّي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ عُشُورِ نَحْلِهِ، فَاحْمِ لَهُ سَلَبَةَ، وَإِلَّا فَإِنَّمَا هُوَ ذُبَابُ غَيْثٍ يَأْكُلُهُ مَنْ يَشَاءُ". حسن: رواه أبو داود (١٦٠٠) واللفظ له، والنسائيّ (٢٥٠١) كلاهما من حديث أحمد بن أبي شعيب الحرانيّ، حدثنا موسي بن أعين، عن عمرو بن الحارث المصريّ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فذكره. وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب، وبقية رجاله ثقات وقد توبعوا، فإنّ أبا داود رواه أيضًا من وجهين آخرين: أحدهما: عن أحمد بن عبدة الضّبيّ، حدّثنا المغيرة -ونسبه إلى عبد الرحمن بن الحارث المخزوميّ-، قال: حدثني أبي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أنّ شبابة -بطن من فهْم- فذكر نحوه. قال: "من كلْ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ". وقال سفيان بن عبد الله الثقفيّ، قال: "وكان يحمي لهم واديين". زاد: "فأدّوا إليه ما كانوا يؤدّون إلى رسول الله ﷺ ، وحمي لهم وادييهم". ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا ابن خزيمة. والثاني: عن الربيع بن سليمان المؤذن، حدّثنا ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أنّ بطنًا من فَهْم -بمعنى المغيرة- قال: "من عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبةٌ. وقال:

стр. 2488

واديين لهم". انتهى. ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا ابن خزيمة (٢٣٢٥). وأسامة بن زيد تُكلُّم فيه غير أنه توبع. ومداره على عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، وهو حسن الحديث. ورواه ابن ماجه (١٨٢٤) من وجه آخر عن نعيم بن حماد، قال: حدّثنا ابن المبارك، قال: حدثنا أسامة بن زيد، بإسناده، مختصرًا. ونعيم بن حماد ضعيف إلّا أنه توبع في الإسناد السّابق. ولكن رواه ابن أبي شيبة (٣/ ١٤١) عن عباد بن عوام، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب: "أنّ أمير الطّائف كتب إلى عمر بن الخطّاب: إنّ أهل العسل منعونا ما كانوا يعطون مَنْ كان قبلنا". فذكر الحديث بمعناه. وقد سُئل الدارقطني عن هذا الحديث فقال: "هو حديثٌ رواه عبد الرحمن بن الحارث وعبد الله ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، مسندًا عن عمر، ورواه يحيي بن سعيد الأنصاري عن عمرو بن شعيب مرسلًا عن عمر"، انتهى. "العلل" (٢/ ١١٠). والدارقطني إمام في الجرح والتعديل ومعرفة الرجال، ولكن وقع منه تقصير، فإنه لم يذكر من رفعه عن عمرو بن شعيب إلا عبد الرحمن بن الحارث وهو ابن أبي ربيعة المخزومي وهو "صدوق له أوهام"، كما في التقريب، وابن لهيعة، وفيه كلام معروف، وقد تابعهما عمرو بن الحارث المصري -كما مضى- وهو ثقة حافظ فقيه كما في التقريب، ورابعهم أسامة بن زيد كما مضى، فكل هؤلاء رفعوا هذا الحديث ولذا استدرك الحافظ ابن حجر على الدارقطني في "التلخيص" (٢/ ١٦٨)، وانفرد بإرساله يحيى بن سعيد الأنصاري. والقواعد الحديثية تقتضي أن نرجح الرفع لما فيه زيادة علم، ولذلك لم يرجح الدارقطني الإرسال كعادته. ونقل ابن التركماني في "الجوهر النقي" (٤/ ١٢٧) عن ابن عبد البر أنه حسّن حديث عمرو بن شعيب في "الاستذكار"، ونقل عن مالك، عن الزهريّ: "أنّ صدقة العسل العشر"، وممن أوجب الزكاة في العسل: الأوزاعي، وأبو حنيفة، وأصحابه، وربيعة، وابن شهاب، ويحيى بن سعيد. وروى ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب قال: بلغني "أنّ في العسل العشر". قال ابن وهب: وأخبرني عمرو بن الحارث، عن يحيى بن سعيد وربيعة بذلك. وسمع يحيى من أدرك يقول: "مضت السنة بأنّ في العسل العشر". وهو قول ابن وهب. انتهى كلام ابن التركماني. وانظر أيضًا: "الاستذكار" (٩/ ٢٨٣). وذكر الحافظ ابن القيم في "الزاد" (٢/ ١٥) الأحاديث والآثار الواردة في زكاة العسل وعلّلها ثم قال: "وذهب أحمد وأبو حنيفة وجماعة إلى أن في العسل زكاة، ورأوا أنّ هذه الآثار يقوي بعضُها بعضًا، وقد تعدّدت مخارجها، واختلفت طرقها، ومرسلها يعضد بمسندها".

стр. 2489

وقال: "وقال هؤلاء: ولأنه يتولّد من نور الشّجر والزّهر، ويكال ويدّخر، فوجب فيه الزكاة كالحبوب والثمار". انتهى باختصار. وأما مالك والشافعيّ فذهبا إلى أنه لا زكاة في شيء من العسل. انظر: "الاستذكار" (٩/ ٢٨٦). قلت: وفي الباب أحاديث لا تصح منها: ما رُوي عن ابن عمر مرفوعًا في العسل: "في كلّ عشرة أَزُقِّ زِقٌّ". رواه الترمذيّ (٦٢٩) عن محمد بن يحيى النّيسابوريّ، حدّثنا عمرو بن أبي سلمة التنّبسيّ، عن صدقة بن عبد الله، عن موسي بن يسار، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. قال الترمذي: "حديث ابن عمر في إسناده مقال". قلت: وهو يقصد صدقة بن عبد الله السّمين أبا معاوية، وهو ضعيف، ضعّفه النّسائيّ وغيره. وقال الإمام أحمد: "ليس بشيء". وقال الترمذيّ: "ولا يصح عن النبيّ ﷺ في هذا الباب كبير شيء". وقال: "صدقة بن عبد الله ليس بحافظ، وقد خولف صدقة بن عبد الله في رواية هذا الحديث عن نافع". ثم أسنده عن عبيدالله بن عمر، عن نافع قال: "سألني عمر بن عبد العزيز عن صدقة العسل. قال: قلت: ما عندنا عسل نتصدق منه". ولكن أخبرنا المغيرة بن حكيم أنه قال: "ليس في العسل صدقة". فقال عمر بن عبد العزيز: "عدلٌ مرْضيٌّ". فكتب إلى النّاس أن توضع - يعني عنهم. انتهى. قلت: المغيرة بن حكيم تابعيّ ثقة، فروايته عن نافع تكون أصح من رواية صدقة بن عبد الله، عن موسي بن يسار، عن نافع. ولكن قوله مقطوع غير مسند إلى النبيّ ﷺ ولا إلى أحد من الصّحابة وهو كالفتوى منه. وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه مرفوع حسن، وهو مثبت، ولا يترك العمل به لقول أحد من التّابعين. وبه قال الإمام أحمد، وإسحاق كما ذكره الترمذيّ. وفي الباب أحاديث أخرى منها ما رُوي عن أبي سَيَّارة المتعيّ، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ لِي نَحْلا. قَالَ: "أَدِّ الْعُشْرَ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! احْمِهَا لِي، فَحَمَاهَا لِي: رواه ابن ماجه (١٨٢٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة -وهو في "المصنف" (٣/ ١٤١) -، عن وكيع، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، عن أبي سيارة المتعيّ، فذكر مثله. ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (١٨٠٦٩). وفيه انقطاع بين سليمان بن موسى، وبين أبي سيارة كما قال أبو حاتم. وقال البخاريّ في "العلل الكبير" (٦/ ٣١٣): "هو مرسل، سليمان لم يدرك أحدًا من الصّحابة". أي منقطع. وقال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٩/ ٢٨٧): "هذا حديث منقطع، لم يسمع سليمان بن موسى من أبي سيارة، ولا يعرف أبو سيارة هذا ولا تقوم بمثله حجّة". ومنها ما رُوي عن سعد بن أبي ذباب.

стр. 2490

رواه ابن أبي شيبة (٣/ ١٤١ - ١٤٢)، والبيهقي (٤/ ١٢٧) وفيه من لا يُعرف، وقد سئل البخاريّ عن حديث سعد بن أبي ذباب فقال: "لم يصح حديثه". ومنها ما روي عن أبي هريرة، قال: "كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن أن يؤخذ من أهل العسل العشور". رواه عبد الرزاق (٦٩٧٢) وعنه البيهقي (٤/ ١٢٦) عن عبد الله بن محرر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. ونقل البيهقي عن البخاريّ: "عبد الله بن محرر متروك الحديث". قلت: ذكره ابن حبان في "الضّعفاء" وقال: "كان من خيار عباد الله إلا أنه كان يكذب ولا يعلم، ويقلب الأخبار ولا يفهم". انظر: "نصب الراية" (٢/ ٣٩٠ - ٣٩٣) للوقوف على مزيد من الأخبار والآثار في زكاة العسل. ٤ - باب خرص الثّمار • عن أبي حميد السّاعديّ قال: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ الْقُرَى إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "اخْرُصُوا"، وَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ لَهَا: "أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا" فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ قَالَ: "أَمَا إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلا يَقُومَنَّ أَحَدٌ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ" فَعَقَلْنَاهَا، وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّءٍ، وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ، فَلَمَّا أَتَى وَادِيَ القُرَى قَالَ لِلْمَرْأَةِ: "كَمْ جَاءَ حَدِيقَتُكِ؟ ". قَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، خَرْصَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى المَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي، فَلْيَتَعَجَّلْ" فَلَمَّا -قَالَ ابْنُ بَكَّارٍ كَلِمَةً مَعْنَاهَا- أَشْرَفَ عَلَى المَدِينَةِ قَالَ: "هَذِهِ طَابَةُ" فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا قَالَ: "هَذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟ ". قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "دُورُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ أَوْ دُورُ بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ, وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ يَعْنِي خَيْرًا". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٨١) عن سهل بن بكّار، حدّثنا وُهيب، عن عمرو بن يحيى، عن عبّاس السّاعديّ، عن أبي حميد السّاعديّ، قال (فذكره) واللّفظ له. ورواه مسلم في الموضعين في الحجّ (١٣٩٢) عن عبد الله بن مسلمة القعنبيّ، حدّثنا سليمان بن بلال، عن عمرو بن يحيى، بإسناده مختصرًا، ولم يذكر فيه قصة الخرص. ثم رواه في كتاب الفضائل (١٣٩٢: ١١) بالإسناد نفسه نحو رواية البخاريّ. وقوله: "أحصي" أي احفظي عدد كيلها. وفي رواية مسلم: "أحصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله".

стр. 2491

• عن عبد الله بن عباس، قال: افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ وَاشْتَرَطَ أَنَّ لَهُ الأَرْضَ وَكُلَّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ. قَالَ: أَهْلُ خَيْبَرَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِالْأَرْضِ مِنْكُمْ، فَأَعْطِنَاهَا عَلَى أَنَّ لَكُمْ نِصْفَ الثَّمَرَةِ، وَلَنَا نِصْفٌ, فَزَعَمَ أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ حِينَ يُصْرَمُ النَّخْلُ بَعَثَ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَحَزَرَ عَلَيْهِمُ النَّخْلَ -وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْخَرْصَ- فَقَالَ: فِي ذِهْ كَذَا وَكَذَا. قَالُوا: أَكْثَرْتَ عَلَيْنَا يَا ابْنَ رَوَاحَةَ! فَقَالَ: فَأَنَا أَلِي حَزْرَ النَّخْلِ، وَأُعْطِيكُمْ نِصْفَ الَّذِي قُلْتُ. قَالُوا: هَذَا الْحَقُّ وَبِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ قَدْ رَضِينَا أَنْ نَأْخُذَهُ بِالَّذِي قُلْتَ. حسن: رواه أبو داود (٣٤١٠)، وابن ماجه (١٨٢٠) كلاهما من حديث عمر بن أيوب، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن مِقْسم، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل عمر بن أيوب العبديّ الموصليّ "صدوق له أوهام"، وشيخه جعفر بن برقان أبو عبد الله الرّقيّ "صدوق يهم في حديث الزّهريّ" وقد وثقه ابن معين وابن سعد، وتكلّم فيه النّسائيّ. والخرص: من خَرَص يخرص كنصر ينصر، وخرصَ النّخلة إذا خمّن ما عليها من الرّطب تمرًا، ليعرف مقدار ما يؤخذ منه وقت الجداد في العشر أو غيره. • عن جابر بن عبد الله قال: خَرَصَهَا ابْنُ رَوَاحَةَ، أَرْبَعِينَ أَلْفَ وَسْقٍ وَزَعَمَ أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا خَيَّرَهُمْ ابْنُ رَوَاحَةَ أَخَذُوا الثَّمَرَ وَعَلَيْهِمْ عِشْرُونَ أَلْفَ وَسْقٍ. صحيح: رواه أبو داود (٣٤١٥) عن أحمد -وهو في مسنده (١٤١٦١) -، عن عبد الرزّاق -وهو في مصنفه (٢٧٠٥) - ومحمد بن بكر قالا: أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، فذكره. وإسناده صحيح. • عن أبي حثمة، أنّ النبيّ ﷺ بعثه خارصًا، فجاء رجل فقال: يا رسول الله! إنّ أبا حثمة قد زاد عليَّ. فدعا أبا حثمة، فقال: "إنّ ابن عمِّك يزعم أنك قد زدتَ عليه؟ ". فقال: يا رسول الله! قد تركت عرية أهله، وما يطعم المساكين، وما يصيب الرّيح. فقال: "قد زادك ابنُ عمِّك وأنصفك". حسن: رواه البخاريّ في "التاريخ الكبير" (٤/ ٩٧) عن إبراهيم بن المنذر، نا محمد بن صدقة، قال: حدثني محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، عن أبيه، عن جدّه، أنّ النّبيّ ﷺ بعث أبا حثمة خارصًا، فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن صدقة، فإنه حسن الحديث. والحديث أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط" (مجمع البحرين ١٣٥٧) عن مسعدة بن سعد، ثنا إبراهيم بن المنذر، بإسناده مثله.

стр. 2492

ولكن قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٧٦) بعد أن عزاه إلى الأوسط: "فيه محمد بن صدقة، وهو ضعيف". قلت: إن كان محمد بن صدقة هو الجبلانيّ أبو عبد الله الحمصيّ من رجال "تهذيب الكمال" فلم أجد من ضعّفه، بل قال فيه النسائيّ: "لا بأس به". وقال أبو حاتم: "صدوق". وإن كان غيره فلم أهتد إليه، ولم يترجمه ابن حبان لا في "الضعفاء" ولا في "الثقات"، وكذلك لم يذكره العقيليّ في "الضعفاء" فالغالب أنه التبس على الحافظ الهيثميّ، والله تعالى أعلم. وأمّا ما رواه أبو داود (١٦٠٥)، والترمذيّ (٦٤٣)، والنّسائيّ (٢٤٩١)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٣١٩, ٢٣٢٠)، وابن حبان (٣٢٨٠)، والحاكم (١/ ٤٠٢) كلّهم من طريق شعبة، قال: سمعت خبيب بن عبد الرحمن يحدّث عن عبد الرحمن بن مسعود بن نيار، قال: جاء سهل بن أبي حثمة إلى مجلسنا قال: أمرنا رسول الله ﷺ فقال: "إذا خرصتم فجذّوا ودعوا الثّلث، فإن لم تدعوا أو تجذّوا الثلث فدعوا الرّبع". فالظاهر أنّ فيه خطأ؛ لأنّ حديث الخرص لأبيه أبي حثمة الذي بعثه النبيّ ﷺ خارصًا، وأمّا سهل فولد سنة ثلاث من الهجرة وكان عمره عند وفاة النبيّ ﷺ بين سبع سنوات إلى ثمان، وإن كان روى عنه أحاديث. ومن أهل العلم من جعل هذا الحديث من مسند سهل بن أبي حثمة، ولكن فيه عبد الرحمن بن مسعود بن نيار لم يوثقه أحد، وإنّما ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الذهبيّ: تفرّد عنه خبيب ابن عبد الرحمن، وقال ابن القطّان: "لا يعرف" يعني أنّه مجهول. انظر أيضًا: "بيان الوهم والإيهام" (٤/ ٢١٥). وأمّا التّرمذي فسكت عليه ولم يتعرّض له بقول: لا بتصحيح ولا تحسين ولا تضعيف. قال الترمذيّ عقب حديث سهل بن أبي حثمة: "والعمل على حديث سهل بن أبي حثمة عند أكثر أهل العلم في الخرص. وبحديث سهل بن أبي حثمة يقول أحمد وإسحاق. والخرص إذا أدركتِ الثّمار من الرّطب والعنب مما فيه الزّكاة، بعث السّلطان خارصًا يخرص عليهم. والخرص أن ينظر من يُبْصر ذلك فيقول: يخرج من هذا الزبيب كذا وكذا، ومن التمر كذا وكذا، فيحصي عليهم، وينظر مبلغ العُشر من ذلك، فيُثْبتُ عليهم، ثم يُخلِّي بينهم وبين الثمار، فيصنعون ما أحبّوا، فإذا أدركت الثمار أُخذ منهم العُشر. هكذا فسّره بعضُ أهل العلم، وبهذا يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق". انتهى. قلت: الخرص والحزر بمعنى واحد وهو التقدير. انظر للمزيد: "المنّة الكبرى" (٣/ ١٧٧ - ١٧٨). وفي الباب ما رُوي عن عائشة أنها قالت -وهي تذكر شأن خيبر-: كان النبيّ ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود فيخرص النّخل حتّى يطيب قبل أن يؤكل منه".

стр. 2493

رواه أبو داود (١٦٠٦) عن يحيى بن معين، حدّثنا حجّاج، عن ابن جريج قال: أُخبرتُ عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. وفيه رجل مجهول، فإنّ ابن جريج لم يسمع من الزّهريّ لأنه يقول: أُخبرتُ عن ابن شهاب، ثم هو مدلِّس ولو عنعن لم يقبل حتى يصرِّح فكيف وقد قال: أُخبرتُ. وحجّاج هو ابن محمد المصيصيّ وهو من أثبت أصحاب ابن جريج فمن رواه عنه بالعنعنة دون قوله: "أخبرتُ" فكأنه مشى على الجادّة، أو لم يضبط صيغة الأداء، أو المدوّن مصنف عبد الرزّاق نفسه (٧٢١٩) وعنه ابن خزيمة (٢٣١٥)، وقد ضبطه الإمام أحمد (٢٥٣٠٥)، فرواه عن عبد الرزّاق، أخبرنا ابن جريج قال: أُخبرت عن ابن شهاب، بإسناده مثله. وفي الباب أيضًا ما رُوي عن عتّاب بن أسيد: أنّ النبيّ ﷺ كان يبعث على النّاس مَنْ يَخْرص عليهم كرومهم وثمارهم". رواه أبو داود (١٦٠٣)، (١٦٠٤)، والترمذيّ (٦٤٤)، وابن ماجه (١٨١٩) كلّهم من طريق محمد بن صالح التمار، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن عتّاب بن أسيد، فذكره. قال الترمذيّ: "حسن غريب". وصحّحه ابن حبان (٣٢٧٨)، وابن خزيمة (٢٣١٦)، والحاكم (٣/ ٥٩٥). قلت: إنّ فيه انقطاعًا؛ فإنّ سعيد بن المسيب لم يسمع من عتّاب شيئًا كما قال أبو داود. ونقل الحافظ ابن حجر في "الإصابة" في ترجمة عتاب بن أسيد عن أبي حاتم الرازي مثله. إلا أننا لم نجد كلامه هذا في كتب ابنه "كالمراسيل"، "والجرح والتعديل"، و"العلل"، فانظر أين قاله؟ لأنّ عتاب بن أسيد توفي في اليوم الذي توفي فيه أبو بكر الصّديق ﵁. كما قاله الواقديّ. وقيل: تأخّرت وفاته حتى عينه عمر بن الخطاب على مكة، كما في "تهذيب التهذيب" (٧/ ٩٠). ومولد سعيد بن المسيب في خلافة عمر سنة خمس عشرة على المشهور، وقيل كان مولده بعده. ذكره المنذريّ في تعليقه على سنن أبي داود، ومع ذلك حسّنه الترمذيّ، ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما. وثمّة علة أخرى، وهي الاختلاف في إسناده، كما في "سنن الدارقطني" (٣/ ٤٨ - ٥٣)، وقد أعلّه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان بالإرسال. انظر: "العلل" (١/ ٢١٣). وفي الباب أيضًا ما رُوي عن ابن عمر: "أنّ النبيّ ﷺ بعث ابن رواحة إلى خيبر يخرص عليهم، ثم خيّرهم أن يأخذوا أو يردّوا، فقالوا: هذا الحقّ، بهذا قامت السماوات والأرض". رواه الإمام أحمد (٤٧٦٨) عن وكيع، حدّثنا العمريّ، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. والعمريّ هو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب فإنّه ضعيف، وأخوه

стр. 2494

عبيدالله ثقة. فالصّحيح في هذه القصة من طريق عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر: "أنّ النّبيّ ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج ... "، وهو في الصحيحين البخاري (٢٣٢٨, ٢٣٢٩)، ومسلم (١٥٥١). وسيأتي في موضعه إن شاء الله. ومن الخرَّاصين الذين ذكروا في كتب التراجم: فروة بن عمرو الأنصاريّ. حدّث عبد الرزاق في مصنفه (٧٢٠٠) عن معمر، عن حرام بن عثمان، عن ابني جابر، عن النبيّ ﷺ أنه كان يبعث رجلًا من الأنصار من بني بياضة يقال له: فروة بن عمرو، فيخرص تمر أهل المدينة. قال معمر: وما سمعت بالخرص إلا في النّخل والعنب. وإسناده ضعيف جدًّا، فيه حرام بن عثمان متروك، وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٧٦) وعزاه إلى الطبرانيّ في "الكبير" (١٨/ ٣٢٧). قلت: وفيه علّة أخرى وهي إبراهيم بن أبي يحيى هو الأسلميّ وهو متروك. ورُوي أيضًا عن رافع بن خديج: أنّ النبيّ ﷺ كان يبعث فروة بن عمرو يخرص النّخل، فإذا دخل الحائط حسب ما فيه من الأقناء، ثم ضرب بعضها على بعض على ما يرى فيها، وكان لا يخطئ. رواه عبد الرزاق في مصنفه (٧٢٠٩) عن إبراهيم بن أبي يحيى، قال: حدّثني إسحاق، عن سليمان بن سهل، عن رافع بن خديح، فذكره. وإسحاق هو ابن عبد الله بن أبي فروة ضعيف جدًا، وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٧٦) وعزاه إلى الطبراني في "الكبير" (١٨/ ٣٢٨). ومن الخرّاصين الذين يبعثهم النبيّ ﷺ جبّار بن صخر بن خنساء الأنصاريّ السّلميّ. عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: "إنّما خرم عبد الله بن رواحة على أهل خيبر عامًا واحدًا، فأُصيب يوم مؤتة، ثم إنّ جبّار بن صخر بن خنساء كان يبعثه رسول الله ﷺ بعد ابن رواحة فيخرص عليهم". رواه الطبرانيّ في "الكبير" (٢/ ٣٠٣) من طريق محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فذكره. وهذا مرسل كما قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٧٦): "رواه الطبرانيّ في "الكبير" وهو مرسل، وإسناده صحيح". وفي المغازي لابن إسحاق قال: حدّثني عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن مكنف، حدثني حارثة، قال: لما أخرج عمر يهود خيبر ركب في المهاجرين والأنصار، وخرج معه جبار بن صخر، وكان خارصَ أهل المدينة، وحاسبهم. ذكره الحافظ في "الإصابة" (١/ ٢٢٠).

стр. 2495

٥ - باب نصاب الزّروع والثّمار • عن أبي سعيد الخدريّ، أنّ النبيّ ﷺ قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٠٥)، ومسلم في الزكاة (٩٧٩) كلاهما من حديث عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكره. وفي لفظ عند مسلم: "ليس في حبِّ ولا تَمْرٍ صدقةٌ حتى يبلغ خمسةَ أوسق". • عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله ﷺ قال: "لا يحلُّ في البُرّ والتّمر زكاة حتى يبلغ خمسة أوسق، ولا يحلُّ في الورق زكاة حتى تبلغ خمسة أواق، ولا يحلُّ في إبل زكاة حتى تبلغ خمس ذود". صحيح: رواه النسائي (٢٤٨٤) عن إسماعيل بن مسعود، حدّثنا يزيد بن زريع، قال: حدّثنا روح بن القاسم، قال: حدّثني عمرو بن يحيى بن عُمارة، عن أبيه، عن أبي سعيد، فذكره. وصحّحه ابنُ خزيمة (٢٣٠١)، ورواه من وجه آخر عن يزيد بن زريع بإسناده، مثله. • عن جابر بن عبد الله، عن النبيّ ﷺ قال: "وليس فيما دون خمسة أوسق من التّمر صدقة". صحيح: رواه مسلم في الزكاة (٩٨٠) من طرق عن ابن وهب، أخبرني عياض بن عبد الله، عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد الله، فذكره. • عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة". صحيح: رواه الإمام أحمد (٩٢٢١, ٩٢٣٢) من وجهين عن عبد الله بن المبارك، أخبرنا معمر، قال: حدثني سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده صحيح. وأمّا ما رُوي عن أبي سعيد الخدريّ مرفوعًا: "الوَسق ستون صاعًا" فهو ضعيف من أجل الانقطاع. رواه أبو داود (١٥٥٩)، والنسائيّ (٥/ ٤٠)، وابن ماجه (١٨٣٢)، وابن خزيمة في صحيحه (٢٣١٠) كلّهم من طريق أبي البختريّ، عن أبي سعيد، فذكره. وأبو البختريّ لم يسمع من أبي سعيد، كما قال أبو داود. ولفظ ابن خزيمة: "الوسق ستون مختومًا". وقال: "يريد المختوم الصاع، وقال: لا خلاف بين العلماء أن الوسق ستون صاعًا". قلت: فنصاب الزّروع والثمار خمسة أوسق وهو ما يساوي اليوم ٦٥٣ كيلو غرام تقريبًا، إن كان الصاع يساوي ٢ كيلو و ١٧٦ غرام. هكذا قدّره الدكتور القرضاوي في كتابه فقه "الزكاة" (١/ ٣٧١ - ٣٧٣).

стр. 2496

٦ - باب ما لا يجوز من الثمرة في الصّدقة قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. • عن أبي أمامة بن سهل، عن أبيه، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الجعرور, ولون الحُبيق أن يؤخذ في الصّدقة. قال الزهريّ: لونين من تمر المدينة. قال أبو داود: وأسنده أيضًا أبو الوليد، عن سليمان بن كثير، عن الزّهريّ. حسن: رواه أبو داود (١٦٠٧) عن محمد بن يحيى بن فارس، حدّثنا سعيد بن سليمان، حدّثنا عبّاد، عن سفيان بن حسين، عن الزّهريّ، عن أبي أمامة بن سهل، عن أبيه، فذكره. وصحّحه ابن خزيمة (٢٣١٣) ورواه من طريق سعيد بن سليمان. قلت: إسناده حسن من أجل متابعة سليمان بن كثير سفيانَ بن حسين وهو أبو محمد أو أبو الحسن الواسطيّ، وهو ثقة في غير الزهريّ. ولعلّ أبا داود تنبّه لذلك فذكر هذه المتابعة قائلًا: "وأسنده أيضًا أبو الوليد، عن سليمان بن كثير، عن الزهريّ". ووصله ابن أبي حاتم في تفسيره (٢٨٠٢) عن أبيه، عن أبي الوليد، به. وسليمان بن كثير هو العبديّ البصريّ لا بأس به، ولكن في غير الزهريّ كما قال الحافظ في التقريب. فاجتماعهما في رواية هذا الحديث عن الزهريّ مشعر بأنّهما لم يخطئا فيه. ولكن يعكّر هذا ما رواه النسائيّ (٢٤٩٤) وصحّحه ابن خزيمة (٢٣١٢) كلاهما من حديث عبد الجليل بن حميد اليحصبيّ، أنّ ابن شهاب حدّثه قال: حدّثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف في الآية التي قال الله : ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] قال: "هو الجعرور ولون الحبيق، فنهى رسول الله ﷺ أن تؤخذ في الصدقة الرّذالة". فلم يقل عبد الجليل بن حميد "عن أبيه"، وتابعه على ذلك محمد بن أبي حفصة. ومن طريقه رواه ابن خزيمة أيضًا (٢٣١١). وأبو أمامة واسمه أسعد بن سهل، ولد في حياة النبيّ ﷺ وليست له صحبة، وما روي عنه فهو مرسل، وقد رُوي عن جماعة من الصحابة منهم أبوه سهل بن حنيف. فلا يستبعد أن يكون هذا الحديث سمعه من أبيه. فيكون الطريقان محفوظين، فكان أبو أمامة أحيانًا يسنده عن أبيه، وأحيانًا يرسله. فكان الزهريّ يرويه على الوجهين. فإذا كان كذلك فلا يُعلُّ المسند بالمرسل، والله أعلم. • عن عوف بن مالك قال: دخل علينا رسول الله ﷺ وبيده عصا، وقد علَّق

стр. 2497

رجلٌ قنًّا حشفًا، فطعن بالعصا في ذلك القِنو وقال: "لو شاء ربُّ هذه الصّدقة تصدَّق بأطيب منها". وقال: "إنّ ربَّ هذه الصّدقة يأكل الحشف يوم القيامة". حسن: رواه أبو داود (١٦٠٨)، والنّسائيّ (٢٤٩٥)، وابن ماجه (١٨٢١) كلّهم من حديث يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، حدّثني صالح بن أبي عريب، عن كثير بن مرة الحضرميّ، عن عوف بن مالك، فذكره. وصحّحه ابن خزيمة (٢٤٦٧)، وابن حبان (٦٧٧٤)، والحاكم (٢/ ٢٨٥)، (٤/ ٤٢٥ - ٤٢٦). وذكره الحافظ في "الفتح" وقال: "إسناده صحيح". قلت: هو حسن بما قبله لأنّ فيه صالح بن أبي عريب رُوي عنه جماعة، ولكن لم يوثقه غير ابن حبان، ولذا قال الحافظ في التقريب "مقبول" أي إذا توبع، ولم يتابع فهو ليّن الحديث. لكن لا بأس به في الشّواهد، وقد صحّحه عددٌ من أهل العلم كما مضى. وأخرجه أيضًا الإمام أحمد (٢٣٩٧٦) من هذا الطريق وزاد في آخره: "ثم أقبل علينا فقال: أما والله! يا أهل المدينة لتدعُنَّها أربعين عامًا للعوافي". قال: "فقلت: والله أعلم قال يعني الطّير والسّباع". قال: وكنا نقول: إنّ هذا الذي تسميه العجم الكراكي". انتهي. والكراكي: جمع كَرْكي - وهو طائر معروف كبير أغبر اللون، طويل العنق والرجلين، أبتر الذنب، قليل اللّحم. وقوله: "قنًّا حشفّا" القنّ -بالكسر والفتح- مقصور، هو العذق بما فيه من الرّطب. والقِنْو - بكسر القاف أو ضمها، وسكون النون- جمعه: قنوان، وأقناء. والحشف: بفتحتين - هو اليابس الفاسد من التمر. • عن البراء بن عازب في قوله سبحانه: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ كَانَتِ الْأَنْصَارُ تُخْرِجُ إِذَا كَانَ جِدَادُ النَّخْلِ مِنْ حِيطَانِهَا أَقْنَاءَ الْبُسْرِ، فَيُعَلِّقُونَهُ عَلَى حَبْلٍ بَيْنَ أُسْطُوَانَتَيْنِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَأْكُلُ مِنْهُ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ فَيَعْمِدُ أَحَدُهُمْ فَيُدْخِلُ قِنْوًا فِيهِ الْحَشَفُ يَظُنُّ أَنَّهُ جَائِزٌ فِي كَثْرَةِ مَا يُوضَعُ مِنَ الْأَقْنَاءِ، فَنَزَلَ فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ يَقُولُ: لَا تَعْمِدُوا لِلْحَشَفِ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يَقُولُ: لَوْ أُهْدِيَ لَكُمْ مَا قَبِلْتُمُوهُ إِلَّا عَلَى اسْتِحْيَاءٍ مِنْ صَاحِبِهِ، غَيْظًا أَنَّهُ بَعَثَ إِلَيْكُمْ مَا لَمْ يَكُنْ لَكُمْ فِيهِ حَاجَةٌ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ صَدَقَاتِكُمْ". حسن: رواه ابن ماجه (١٨٢٢) عن أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، قال: حدّثنا

стр. 2498

عمرو بن محمد العنقريّ، قال: حدّثنا أسباط بن نصر، عن السُّديّ، عن عدي بن ثابت، عن البراء ابن عازب، فذكره. ورواه الترمذي (٢٩٨٧) من وجه آخر عن السّديّ، عن أبي مالك، عن البراء بن عازب، قال: وهذا لفظه: " ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قال: نزلت فينا معشر الأنصار، كنّا أصحاب نخل، فكان الرّجلُ يأتي من نخله على قدر كثرته وقلّته، وكان الرّجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلِّقه في المسجد، وكان أهل الصُّفّة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتي القنو فضربه بعصاه فيسقط البُسْر والتَّمرُ فيأكل، وكان ناسٌ ممّن لا يرغبُ في الخير يأتي الرجلُ بالقِنُو فيه الشِّيصُ والحَشَف، وبالقنو قد انكسر فيعلِّقه، فأنزل الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قالوا: لو أنَّ أحدهم أُهدي إليه مثلُ ما أعطاهُ لم يأخذْه إلا على إغماض أو حياء. قال: فكُنّا بعد ذلك يأتي أحدُنا بصالح ما عنده". • قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب، وأبو مالك هو الغفاريّ، ويقال: اسمه غزوان". قلت: إسناده حسن من أجل السّديّ وهو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة من رجال مسلم مختلف فيه، فكذّبه الجوزجانيّ وأفرط فيه لعلّه لتشيّعه، ووثقه الإمام أحمد وقال النسائي: "صالح"، وقال ابن عدي: "له أحاديث يرويها عن عدّة شيوخ وهو عندي مستقيم الحديث، صدوق لا بأس به". قلت: ولعلّ هذا الحديث مما يرويه عن شيخين وكلاهما صدوقان، وصحّحه الحاكم (٢/ ٢٨٥) على شرط مسلم. • * *

стр. 2499

جموع أبواب ما جاء في المصدّق ١ - باب فضل العامل على الصدقة بالحق • عن رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العامل على الصّدقة بالحقّ كالغازي في سبيل الله حتّى يرجع إلى بيته". حسن: رواه أبو داود (٢٩٣٦)، والترمذيّ (٦٤٥)، وابن ماجه (١٨٠٩) كلّهم من طريق محمد ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، فذكره. وصحّحه ابن خزيمة (٢٣٣٤)، والحاكم (١/ ٤٠٦) وقال: "صحيح على شرط مسلم". قلت: إسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنّه مدلِّس وقد عنعن، ولكن صرَّح بالتّحديث في رواية عند الإمام أحمد (١٧٢٨٥) فانتفتْ عنه تهمة التّدليس، وهو حسن الحديث إذا صرَّح. وقد تابعه يزيد بن عياض، عن عاصم بن عمر بن قتادة - ومن طريقه أيضًا رواه الترمذيّ وقال: "حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح، ويزيد بن عياض ضعيف عند أهل الحديث، وحديث محمد بن إسحاق أصح". انتهى كلام الترمذيّ. قلت: يزيد بن عياض هو ابن جُعْديّة -بضم الجيم وسكون العين- اللّيثيّ ضعيف جدًّا، كذّبه مالك وغيره، قال البخاريّ: "منكر الحديث". وقال النّسائيّ: "متروك". فمثله لا ينفع في المتابعات. ٢ - باب الترهيب من قبول العمّال الهدايا • عن أبي حميد السّاعديّ قال: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنَ الْأَسْدِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ -قَالَ عَمْرٌو وَابْنُ أَبِي عُمَرَ: عَلَى الصَّدَقَةِ- فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا لِي أُهْدِيَ لِي. قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: "مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي! أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا؟ ! وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَا يَنَالُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ, بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ". ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ! هَلْ بَلَّغْتُ". مَرَّتَيْنِ.

стр. 2500

متفق عليه: رواه البخاريّ في الأيمان والنّذور (٣٦٦)، ومسلم في الإمارة (١٨٣٢) كلاهما من حديث الزّهريّ، عن عروة، عن أبي حميد السّاعديّ، فذكره. واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه. قال أبو حميد: وقد سمع ذلك معي زيد بن ثابت من النبيّ ﷺ فسلوه. وابن اللّتبية هو عبد الله بن اللّتبية بن ثعلبة الأزدي. ورُويت هذه القصّة عن عائشة ﵂ أيضًا قالت: "إنّ رسول الله ﷺ بعث رجلًا مصدّقًا يقال لَهُ: ابن اللتبية، فصدق ثُمَّ رجع إلى النبيّ ﷺ فقال: يَا رسول الله! مَا تركتُ لكم حقًا ولقد أهدي إلي فقبلت الهديّة، فجلس رسول الله ﷺ على المنبر فقال: "إنّي أبعث رجالًا عَلَى الصّدقة فيأتي أحدهم فيقول: والله! مَا تعديتُ ولا تركت لكم حقًا، ولقد أُهدي إليّ فقبلت الهدية! ألا جلس فِي حقش أمِّه فينظر من هَذَا يهدي لَهُ؟ ! إيّاكم وأن يأتي أحدكم على عاتقه ببعير لَهُ رغاء، أو بقرة لَهَا خوار، أو شاة تيعر". ثُمَّ رفع يديه حَتَّى نُظر إلى بياض إبطيه. رواه البزار -"كشف الأستار" (٨٩٩) - عن معمر بن سهل، ثنا إبراهيم بن إسماعيل بن نصر، ثنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبية، عن داود بن الحصين، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. قال البزّار: "روي هذا هشام والزّهريّ عن عروة، عن أبي حميد، وروي يزيد بن رومان، عن عروة، عن أبي حميد، ولكن هكذا قال ابن أبي حبيبة، ولا نعلمه عن عائشة إلا من هذا الوجه". وقال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٨٥): "وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة وهو ضعيف". قلت: وهو كما قال، فإنّ إبراهيم بن إسماعيل هذا قال فيه ابن حبان: "كان يقلِّب الأسانيد ويرفع المراسيل"، ولعلّ هذا منه، وضعفه جمهور أهل العلم إلّا أنّ أحمد كان حسن الرّأي فيه. ٣ - باب الغلول في الصّدقة • عن عدي بن عَميرة الكنديّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطًا فما فوقه كان غُلُولا يأتي به يوم القيامة". قال: فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه فقال: يا رسول الله! اقبل عني عملك. قال: "وما لك؟ ". قال: سمعتك تقول كذا وكذا، قال: "وأنا أقوله الآن من استعملناه ومنكم على عملٍ فليجئ بقليله وكثيره، فما أُوتي منه أخذ وما نُهِيَ عنه انتهى". صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٨٣٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا وكيع بن الجرّاح، حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عدي بن عميرة الكنديّ، قال (فذكره). • عن أبي مسعود الأنصاريّ، قال: بعثني رسول الله ﷺ ساعيًا ثم قال: "انْطَلِقْ أَبَا مَسْعُودٍ وَلا أُلْفِيَنَّكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَجِيءُ وَعَلَى ظَهْرِكَ بَعِيرٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ لَهُ رُغَاءٌ قدْ

стр. 2501

غَلَلْتَهُ". قال: إِذًا لا أَنْطَلِقُ. قَالَ: "إِذًا لا أُكْرِهُكَ". حسن: رواه أبو داود (٢٩٤٧) عن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير، عن مطرَّف، عن أبي الجهم، عن أبي مسعود، فذكره. وأبو الجهم هو سليمان بن جهم بن أبي الجهم الأنصاريّ الحارثي أبو الجهم الجوزجاني مولي البراء بن عازب، قال ابن عدي: "لا أعلم أحدًا روى عنه غير مطرّف". ووثقه ابن حبان، والعجليّ، وأثنى عليه مطرّف بن طريف الرّاوي عنه، فهو حسن الحديث. ووهمَ الحافظ الهيثميّ ﵀ فذكره في "المجمع " (٣/ ٨٦) وهو ليس من الزّوائد، وأصاب الحافظ المنذريّ فعزاه في "الترغيب" إلى أبي داود فقط. • عن عبادة بن الصامت أنّ رسول الله ﷺ بعثه عَلَى الصّدقة فقال: "يَا أبا الوليد! اتقِّ الله لا تأتِ يوم القيامة ببعير تحمله لَهُ رغاء، أو بقرة لَهَا خوار، أو شأة لَهَا ثغاء". فقال: يا رسول الله! إنَّ ذَلِكَ لكذلك؟ قال: "أي والذي نفسي بيده! ". قال: فو الَّذِي بعثك بالحق! لا أعمل لَكَ عَلَى شيء أبدًا. صحيح: رواه الطبراني في "الكبير" ورجاله رجال الصحيح. قاله الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٨٦) إلّا أني لم أقف على إسناده؛ لأن هذا الجزء من حديث عبادة بن الصامت لم يطبع. وقال المنذريّ في "الترغيب والترهيب" (١١٨٠) بعد أن عزاه إلى الطبراني في الكبير: "إسناده صحيح". قوله: "لَهُ رغاء" وهو صوت البعير. و"الخوار" صوت البقر. و"الثغاء" صوت الغنم. • عن ابن عمر، أنّ النبيّ ﷺ بعث سعد بن عبادة مصدّقًا وقال: "إيّاك يا سعد! أن تجيء يوم القيامة ببعير له رغاء". فقال: لا أجده، ولا أجيء به، فأعفاه. صحيح: رواه البزّار -كشف الأستار (٨٩٨) - عن سعيد بن يحيى بن سعيد الأمويّ، ثنا أبي، ثنا يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. قال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٨٦): "رواه البزّار ورجاله رجال الصحيح". وصحّحه ابن حبان (٣٢٧٠)، والحاكم (١/ ٣٩٩) كلاهما من هذا الوجه. قال البزّار: لا نعلم رواه هكذا إلّا يحيى الأمويّ. قلت: لا يضرّ تفرّده فإنّ يحيى الأمويّ هو ابن سعيد بن أبان الأمويّ وثقه ابن معين وأبو داود وغيرهما وله ما يشهده لأصل القصّة. وجعله الحاكم شاهدًا لحديث أبي رغال، وقال: "صحيح على شرط الشيخين".

стр. 2502

قلت: وحديث أبي رغال فيه انقطاع كما قال الذهبي وهو الآتي بعد قليل. هذا هو الصحيح من حديث ابن عمر في بعث سعد بن عبادة مصدّقًا. وأما ما رواه سعيد بن المسيب، عن سعد بن عبادة، أنّ رسول الله ﷺ قال له: "قم على صدقة بني فلان، وانظر لا تأتي يوم القيامة ببكر تحمله على عاتقك، أو على كاهلك له رغاء يوم القيامة". قال: يا رسول الله! اصرفها عني فصرفها عنه. ففيه انقطاع. رواه الإمام أحمد (٢٢٤٦١)، والبزّار -كشف الأستار (٨٩٧) -، والطبراني في الكبير (٥٣٦٣) كلّهم من حديث سليمان بن المغيرة، حدّثنا حميد بن هلال، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن عبادة، فذكره. قال البزّار: "لا نعلمه عن سعد إلّا من هذا الوجه، وإسناده حسن". قلت: لا بل فيه انقطاع؛ فإنّ سعيد بن المسيب لم يدرك سعد بن عبادة. انظر "المجمع" (٣/ ٨٥). • عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّي ممسك بحجزكم عن النار هَلُمّ عن النار وأنتم تهافتون فيها -أو تقاحمون فيها- تقاحُمَ الفراش في النّار، والجنادب يعني في النار، وأنا ممسك بحجزكم، وأنا فرط لكم عَلَى الحوض، فتردون عليَّ معًا وأشتاتًا فأعرفكم بسيماكم وأسمائكم كما يعرف الرجل الفرس -وقال غيره: كَمَا يعرف الرجلُ الغريبة من الإبل في إبله- فيؤخذ بكم ذاتَ الشِّمال، فأقول: إليَّ يا ربّ! بأمّتي أمّتي. فيقول -أو يقال-: يَا محمد! إنك لا تدري مَا أحدثوا بعدك، كانوا يمشون بعدك القهقرى. فلا أعرفنَّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لَهَا ثغاء ينادي: يَا محمد! فأقول: لا أملك لَكَ شيئًا قَدْ بلّغت، ولا أعرفنَّ أحدكم يأتي يوم القيامة ببعير لَهُ رُغاء فينادي يَا محمد! فأقول: لا أملك لَكَ من الله شيئًا قَدْ بلّغت، ولا أعرفنّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قشعًا، فيقول: يَا محمد! يَا محمد! فأقول: لا أملك لَكَ شيئًا قَدْ بلّغت". حسن: رواه البزّار -كشف الأستار (٩٠٠) - عن الفضل بن سهل، ثنا مالك بن إسماعيل، ثنا يعقوب بن عبد الله القمّيّ، عن حفص بن حمد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، فذكره. قال البزّار: "لا نعلمه عن عمر إلّا بهذا الإسناد، وحفص لا نعلم روى عنه إلا القمّيّ". قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في يعقوب بن عبد الله القميّ غير أنه حسن الحديث. وأمّا حفص بن حميد فهو القميّ أبو عبيد، قال ابن معين: صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات" إلّا أن ابن المديني قال فيه: "مجهول"، وهو يطلق هذه الكلمة على غير المشهورين في

стр. 2503

رواية الحديث، وقد يصحح حديثه. وحفص بن حميد هذا لم ينفرد عنه يعقوب بن عبد الله القميّ كما قال البزّار، بل روى عنه أيضًا أشعث بن إسحاق القميّ، والخلاصة فيه أنه حسن الحديث. وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٨٥)، والمنذري في الترغيب والترهيب (١١٨٥) وقالا: رواه أبو يعلى والبزار. قال الهيثمي: رواه أبو يعلى في الكبير، ورجال الجميع ثقات. وقال المنذري: إسنادهما جيد. وقوله: "قِشَعًا" بكسر القاف، وفتح الشين -القِرْبة اليابسة، وقيل: بيت من أُدم. وفي رواية أبي يعلى: "سقاء" كما يفهم من قول الحافظين الهيثميّ والمنذريّ. • عن بريدة، عن النبيّ ﷺ قال: "من استعملناه على عمل، فرزقناه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول". صحيح: رواه أبو داود (٢٩٤٣)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٣٦٩)، والحاكم (١/ ٤٠٦) كلهم من حديث أبي عاصم، عن عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، فذكره. وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين". وأما قول أبي داود: لم يرو حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ شيئًا يعني يروي عن عبد الله بن بريدة، عن غير أبيه. فهو ليس على إطلاقه، فقد روى هو في سننه عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، وقد أشار علي بن المديني إلى أنه لم يرو عن أيه مرفوعا شيئًا إلا حرفا واحدا، وكلها عن رجال آخرين، هكذا ذكره الباجي، ولعله قصد به الحديث المذكور. وفي الباب ما رُوي عن أبي رافع، قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَبْدِ الأَشْهِلِ فَيَتَحَدَّثُ عِنْدَهُمْ حَتَّى يَنْحِدِر لِلْمَغْرِبِ. قَالَ أَبُو رَافِع: فَبَيْنَمَا النَّبْيُّ ﷺ يُسْرعُ إِلَى الْمَغْرِبِ مَرَرْنَا بَالْبَقِيعِ فَقَالَ: "أُفٍّ لَكَ أُفٍّ لَكَ". قَالَ: فَكَبُرَ ذَلِكَ فِي ذَرعِي فَاسْتَأْخرتُ وَظَنَنْتُ أنَّهُ يُرْيدُنِي. فَقَالَ: "مَا لَكَ امْشِ". فَقُلْتُ: أَحْذَثْتَ حَدَثًا. قَالَ: "مَا ذَاكَ؟ ". قُلْتُ: أَفَّفْتَ بِي! قَالَ: "لا وَلَكِنْ هَذَا فُلانٌ بَعَثْتُهُ سَاعِيًا عَلَى بنَي فُلانٍ فَغَلَّ نَمِرةً فَدُرِّعَ الآنَ مِثْلُهَا مِنْ نَارٍ". رواه النسائي (٨٢٦) عن عمرو بن سوّاد بن الأسود بن عمرو، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: أنبأنا ابن جريج، عن منبوذ، عن الفضل بن عبيدالله، عن أبي رافع، فذكره. وصححه ابن خزيمة (٢٣٣٧)، وأخرجه الإمام أحمد (٢٧١٩٢) كلاهما من حديث ابن جريج، به، مثله. ومنبوذ هذا رجل من آل أبي رافع لم يوثقه أحدٌ، ولم يذكره ابن حبان في "الثقات" مع أنه روى عنه اثنان ابن جريج، وابن أبي ذئب. وفي التقريب: "مقبول" أي إذا تُوبع، ولم يتابع. والفضل بن عبيدالله هو ابن أبي رافع، روي عن أبيه، وعن جدّه ولم بوثقه أحدٌ غير ابن حبان؛

стр. 2504

ولذا قال فيه الحافظ "مقبول" أيضًا. وفي الباب أيضًا عن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريّ، أنّ رسول الله ﷺ بعثه ساعيًا فقال أبوه: لا تخرج حتى تحدث برسول الله ﷺ عهدًا، فلما أراد الخروج أتى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "يا قيس! لا تأتي يوم القيامة على رقبتك بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة لها بعار، ولا تكن كأبي رغال". فقال: سعد وما أبو رغال؟ قال: "مصدّق بعثه صالح فوجد رجلًا بالطّائف في غنيمة قرية من المائة شصاص إلّا شاة واحدة، وابن صغير لا م له، فلبن تلك الشاة عيشه، فقال صاحب الغنم: من أنت؟ فقال: أنا رسول رسول الله ﷺ فرحب وقال: هذه غنمي فخذ بما أحببت فنظر إلى الشّاة اللبّون، فقال: هذه. فقال الرّجل: هذا الغلام كما ترى ليس له طعام، ولا شراب غيرها، فقال: إن كنت تحب اللّبن فأنا أحبه، فقال: خذ شاتين مكانها فأبي، فلم يزل يزيده، ويبذل حتى بذل له خمس شياه شصاص مكانها فأبى عليه، فلما رأى ذلك عمد إلى قوسه، فرماه فقتله. فقال: ما ينبغي لأحد أنّ يأتي رسول الله ﷺ بهذا الخبر أحدٌ قبلي فأتي صاحبُ الغنم صالحًا النّبيَّ ﷺ فأخبره، فقال صالِحٌ: اللهم العن أبا رغال، اللهم العن أبا رغال". فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله! اعفُ قيسًا من السِّقاية. رواه ابن خزيمة (٢٢٧٢)، والحاكم (١/ ٣٩٨ - ٣٩٩)، وعنه البيهقيّ (٤/ ١٥٧) كلّهم من طريق يحيى بن بكير، ثنا اللّيث، حدّثني هشام بن سعد، عن عباس بن عبد الله بن معبد بن عباس، عن عاصم بن عمرو بن قتادة الأنصاريّ، فذكره. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". وتعقّبه الذهبيّ فقال: بل منقطع، عاصم لم يدرك قيسًا. وأمّا أبو رغال، فقيل: رجل من الجاهلية من قوم ثمود، جاء إلى الطّائف خوفًا من العذاب. وقيل: هو الذي بعثه أهل الطائف مع أبرهة يدلّه على الطّريق إلى مكة، فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله المُغَمِّس (وهو موضع بين الطائف ومكة) فلما أنزله مات أبو رغال هناك، فرجمت العربُ قبره. قال جرير: إذا مات الفرزدق فارجموه ... كرجم الناس قبر أبي رغال وأمّا ما رُوي عن عبد الله بن أُنيس أنه تذاكر وعمر بن الخطاب يومًا الصدقة، فقال عمر: ألم تسمع رسول الله ﷺ حين يذكر غلول الصّدقة: "أنّه من غلَّ منها بعيرًا أو شاة أُتي به يوم القيامة يحمله؟ ". قال: فقال عبد الله بن أُنيس: بلي. ففيه رجل مجهول. رواه ابن ماجه (١٨١٠) عن عمرو بن سوّاد المصريّ، قال: حدّثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أنّ موسي بن جبير حدّثه أنّ عبد الله بن أُنيس حدّثه، فذكره.

стр. 2505

ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (١٦٠٦٣). وعبد الله بن أُنيس لم يرو عنه سوي موسي بن جبير، فهو في عداد المجهولين، وإن كان ابن حبان ذكره في الثقات (٥/ ٢٦)، ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول". وقوله: "غلول الصّدقة "الخيانة فيها. وأمّا الترهيب من الغلول في الغنائم فسيأتي في كتاب الجهاد والسير. ٤ - باب التغليظ في الاعتداء في الصّدقة • عن سالم بن أبي أمية أبي النضر، قال: جلس إليَّ شيخٌ من بني تميمٍ في مسجد البصرة ومعه صحيفةٌ لَهُ في يده -قال: وفي زمان الحجَّاج- فقال لي: يا عبد الله! أترى هذا الكتاب مغنيًا عنِّي شيئًا عند هذا السلطان؟ قال: فقلت: وما هذا الكتاب؟ قال: هذا كتابٌ من رسول الله ﷺ كتبهُ لنا أنْ لا يُتَعَدَّى علينا في صدقاتنا. قال: فقلت لا والله! ما أظن أنْ يغني عنك شيئًا وكيف كان شأن هذا الكتاب؟ قال: قدمت المدينة مع أبي وأنا غلامٌ شابٌّ بإبل لنا نبيعُهَا وكان أبي صديقًا لطلحة بن عبيدالله التَّيميِّ فنزلنا عليه فقال لَهُ أبي: اخرج معي فبع لي إبلي هذه قال فقال: إن رسول الله ﷺ قد نهى أنْ يبيع حاضرٌ لبادٍ ولكن سأخرج معك فأجلس وتعرض إبلك، فإذا رضيتُ من رجلٍ وفاءً وصدقًا ممَّنْ ساوَمَكَ أمرتُك ببيعه. قال: فخرجنا إلى السوق فوقفنا ظهرنا وجلس طلحةُ قريبًا فساوَمَنَا الرِّجالُ حتى إذا أعطانا رجلٌ ما نرْضى قال لَهُ أبي: أُبَايعُهُ؟ قال: نعم رضيتُ لكم وفاءَهُ فبايعوه فبايعناه، فلما قبضنا ما لنا وفرغنا من حاجتنا قال أبي لِطلحة: خذ لنا من رسول الله ﷺ كتابا أنْ لا يتعدَّى علينا في صدقاتنا. قال: فقال: هذا لكم ولكل مسلمٍ. قال: على ذلك إنِّي أحبُّ أنْ يكون عندي من رسول الله ﷺ كتابٌ فخرجَ حتَّى جاء بنا إلى رسُول الله ﷺ ، فقال: يا رسُول الله! إنَّ هذا الرَّجُلَ من أهل البادية صديقٌ لنا وقد أحبَّ أنْ تكتُبَ لَهُ كتابًا لا يتعدَّى عليه في صَدَقَتِهِ. فقال رسول الله ﷺ : "هذا لَهُ ولكلِّ مُسْلِم". قال: يا رسول الله! إني قد أحِبُّ أنْ يكون عندي منك كتابٌ على ذلك قال: فكتب لنا رسول الله ﷺ هذا الكتاب. حسن: رواه الإمام أحمد (١٤٠٤)، وأبو يعلى (٦٤٤)، كلاهما من طريق محمد بن إسحاق، حدّثنا سالم أبو النّضر، قال: جلس إليَّ شيخ من بني تميم (فذكره). واللّفظ لأحمد، وزاد أبو يعلى في آخر الحديث: قلت: "لا أظنّ والله".

стр. 2506

وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه إذا صرَّح يحسّن حديثه، وسالم أبو النضر هذا المدني ثقة من رجال الجماعة. ورواه أبو يعلى (٦٤٣) من وجه آخر عن حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن سالم المكي، أنّ أعرابيًّا قال: فذكر بعض الأحاديث. وهو خطأ من حماد بن سلمة، فإن سالمًا هذا ليس بمكي كما زعم وإنما هو مدنيّ كما سبق، وفيه صحابي لم يسم، وجهالة الصحابي لا تضر كما هو معروف. ولبعض فقرات الحديث شواهد في السنن ستأتي في مواضعها. وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٨٣) وعزاه إلى أحمد وأبي يعلى وقال: "ورجاله رجال الصّحيح". • عن جرير بن عبد الله، عن النبيّ ﷺ قال: "المعتدي في الصّدقة كمانعها". صحيح: رواه الطبراني في الكبير (٢٢٧٥) عن الحسن بن علي المعمريّ، ثنا محمد بن همّام بن أبي خيرة السدوسيّ، ثنا عمر بن علي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن جرير، فذكره. قال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٨٣): "رجاله ثقات". قلت: وهو كما قال، إسماعيل بن أبي خالد هو الأحمسيّ، وقيس هو ابن أبي حازم. وأما ما روي عن أنس بن مالك، أنّ رسول الله ﷺ قال: "المعتدي في الصّدقة كمانعه" فإسناده ضعيف. رواه أبو داود (١٥٨٥)، والترمذيّ (١٤١)، وابن ماجه (١٨٠٨) كلّهم من طريق الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعد بن سنان، عن أنس بن مالك، فذكره. وصحّحه ابن خزيمة (٢٣٣٥)، ورواه من هذا الوجه وزاد في أول الحديث: "لا إيمان لمن لا أمانة له ... ". قلت: في الإسناد سعد بن سنان ويقال: سنان بن سعد، ويقال: سعيد بن سنان، فيري البخاريّ وابن يونس أن الصّحيح: سنان بن سعد الكنديّ، المصريّ، وهو الذي صوبه أيضًا ابن حبان في "الثقات" (٤/ ٣٣٦) فقال: يروي عن أنس بن مالك، حدّث عنه المصريّون، وهم مختلفون فيه يقولون: سعد بن سنان وسعيد بن سنان وسنان بن سعيد، وأرجو أن يكون الصحيح سنان بن سعد، وقد اعتبرتُ حديثه فرأيت ما روي عن سنان بن سعد يُشبه أحاديث الثقات، وما رُوي عن سعد بن سنان وسعيد بن سنان فيه المناكير كأنّهما اثنان". هذا النّقل عن ابن حبان يدلّ على أنّهما اثنان والصّحيح الذي عليه جمهور أهل العلم أنه شخص واحد، لم يرو عنه غير يزيد بن أبي حبيب، فإذا روى الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب قال: عن سعد بن سنان، وإذا روى عمرو بن الحارث وعبد الله بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب

стр. 2507

قالا: سنان بن سعد، وهو شخص واحد. قال الترمذيّ: "حديث أنس حديث غريب من هذا الوجه، وقد تكلّم أحمد بن حنبل في سعد ابن سنان -هكذا يقول الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعد بن سنان، عن أنس بن مالك. ويقول عمرو بن الحارث وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس قال: وسمعت محمدًا يقول: الصحيح سنان بن سعد". وقال: قوله: "المعندي في الصّدقة كمانعها" يقول: على المعتدي من الإثم كما على المانع إذا منع. انتهي. قال الإمام أحمد: لم أكتب أحاديث سنان بن سعد لأنهم اضطربوا فيها، فقال بعضهم: سعد ابن سنان، وبعضهم: سنان بن سعد. قال أحمد: روي خمسة عشر حديثًا منكرة كلّها ما أعرف منها واحدًا. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: اتركت حديثه لأن حديثه مضطرب غير محفوظة. وقال: سمعته مرة أخرى يقول: "يشبه حديث الحسن، لا يشبه حديث أنس". وقال الجوزجانيّ: "أحاديث واهية لا تشبه أحاديث الناس عن أنس". وقال النسائي، وابن سعد: منكر الحديث. وبمقابل هذا الجرح المفسّر لا يلتفت إلى توثيق ابن معين له، وكذا قول الحافظ: "صدوق له أفراد". ونقل الفاسيّ في كتاب "بيان الوهم والإيهام" (٣/ ٦٠٧) عن البخاريّ: "وهّنه أحمد". وقال ابن معين: سمع عبد الله بن يزيد من سنان بن سعد بعد ما اختلط، نفى هذا أنه اختلطه. انتهى. تنبيه: وقع في "الميزان" للذهبي: "نقل ابن القطان أن أحمد وثّقه". والصّحيح كما ذكرنا: "وهّنه". وفي الباب عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أتاكم المصدّق فاعطه صدقتَك، فإن اعتدى عليك فولِّه ظهرك، ولا تلعنه. وقلْ: اللهم! إنْي أحتسب عندك ما أخذ مني". رواه البيهقيّ (١/ ١١٥، ١٣٧) عن أبي نصر بن قتادة، حدّثنا أبو الحسن محمد بن الحسن السراج، ثنا مطين، ثنا محمد بن طريف، ثنا حفص بن غياث، عن عاصم (الأحول)، عن أبي عثمان (النهديّ)، عن أبي هريرة، فذكره. وأخرجه الترمذيّ في "العلل الكبير" (١/ ٣٢٢) عن محمد بن طريف بإسناده وقال: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: إّنما يروى هذا عن أبي عثمان، عن النبيّ ﷺ مرسلًا. وكذا قاله أيضًا الدّارقطنيّ في "العلل" (١١/ ٢١٧). وأما ما رواه إسحاق بن راهويه (١/ ٣٨٣) من وجه آخر عن كلثوم، نا عطاء، عن أبي هريرة. ففيه كلثوم وهو ابن محمد ضعيف.

стр. 2508

وعطاء هو ابن أبي مسلم لم يسمع من أبي هريرة. وفي الباب أيضًا ما رُوي عن أمِّ سلمة زوجة النبيّ ﷺ : "أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ بينا هو يومًا قائلٌ في بيتها وعنده رجلٌ من أصحابه يتحدثون إذ جاء رجلٌ، فقال: يا رسول الله! كم صدقه كذا وكذا من التمر؟ قال رسول الله ﷺ : "كذا وكذا". قال الرجل: فإني فُلانًا تعدي عليَّ فأخذ مني كذا وكذا من التَّمْر، فازداد صاعًا، فقال لَهُ رسول الله ﷺ : "فكيف إذا سعى عليكم من يتعدى عليكم أشدَّ منْ هذا التَّعدي؟ ". فخاض القوم وبهرهم الحديث حتَّى قال رجل منهم: كيف يا رسول الله! إذا كان رجل غائبٌ عنك في إبله وماشيته وزرعه فأدَّي زكاة ماله فتعدَّي عليه الحق فكيف يصنع وهو غائبٌ عنك؟ ، قال رسول الله ﷺ : "من أدَّى زكاة ماله طيِّب النفس بها يريد بها وجه الله والدار الآخرة، فلم يغيب شيئًا من ماله، وأقام الصلاة، ثم أدَّى الزَّكاة فتعدَّى عليه في الحقِّ، فأخذ سلاحًا فقاتل فقتل فهو شهيد". رواه الطبرانيّ في الكبير (٢٣/ ٢٧٨)، وفي الأوسط (مجمع البحرين ١٣٧٠) وهذا لفظه. ورواه الإمام أحمد (٢٦٥٧٤) مختصرًا، كلّهم من حديث عبيدالله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن القاسم بن عوف الشّياني، عن علي بن الحسين، قال: حدّثتنا أمُّ سلمة قالت (فذكرته). وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٨٢) وقال: "رواه أحمد مختصرًا، ورواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجال الجميع رجال الصّحيح". وصحّحه ابن خزيمة (٢٣٣٦)، وابن حبان (٣١٩٣)، والحاكم (١/ ٤٠٤) كلّهم من هذا الطّريق. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشّيخين". قلت: القاسم بن عوف الشّيباني روى له مسلم وحده حديثًا واحدًا فقط، وهو حديث الأوّابين وقال النسائي عقب تخريج حديثه في اليوم والليلة "القاسم ضعيف الحديث"، كما قال الحافظ في "التهذيب، وتركهـ شعبه ولم يرو عنه، قال ابن المديني: ذكرناه ليحيي فقال: قال شعبة: دخلت عليه فحرك رأسه. قلت ليحيى: ما شأنه؟ قال: فجعل يحيد. فقلت: ضعّفه في الحديث؟ فقال: لو لم يضعّفه لروي عنه. وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث، ومحله عندي الصّدق. وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في الثقات، ولم أجد له متابعًا. وفي حديثه نكارة في قوله: "فأخذ سلاحًا فقاتل فقُتل فهو شهيد" لأنّه من المعلوم أن الأحاديث الواردة في تعدي المصدقين على أموال الزكاة تحث على الصبر لا على القتال. وفي الباب أيضًا ما رُوي عن أمِّ سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما نقص مالٌ من صدقة، ولا عفا رجل عن مظلمة إلّا زاده الله بها عزًّا، فاعفوا يعزكّم الله، ولا فتح رجل على نفسه باب مسألة إلّا فتح الله عليه باب فقر".

стр. 2509

رواه الطبرانيّ في الصغير (١/ ٥٤)، وفي الأوسط (١٤٠٥ - مجمع البحرين) عن أحمد بن إسحاق الدّميريّ، حدّثنا زكريا بن دويد بن محمد بن الأشعث بن قيس الكنديّ، حدّثنا سفيان الثوريّ، عن منصور، عن يونس بن خباب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أمّ سلمة، قالت (فذكرته). ومن طريق الطبرانيّ رواه القضاعي في "مسند الشهاب" (٨١٧). قال الطبراني: "لم يروه عن الثوريّ إلا قاسم بن يزيد الجرمي، وزكريا بن دُويد الأشعثي". قلت: بل رواه أيضًا محمد بن عمارة القرشي، عن سفيان الثوريّ، ومن طريقه رواه القضاعي في "مسند الشهاب" (٧٨٣) إلا أنه لا يعرف من هو، وزكريا بن دريد كذاب كان يضع الحديث، وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ١٠٥). وأمّا القاسم بن يزيد الجرمي فهو صدوق، وقد وثّقه أبو حاتم. وفي الباب أيضًا عن ابن عمر: رواه البزّار -كشف الأستار (٩٠٢) -، وفيه إبراهيم بن يزيد ضعيف. وعن هُلب: رواه أحمد (٢١٩٧٠)، وفيه قبيصة بن هُلْب مجهول كما قال ابن عدي والنسائي، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. وقال الحافظ: "مقبول". يعني إذا توبع، وإذا لم يتابع فلين الحديث. ٥ - باب في أخذ الزكاة من الأوسط، والزّجر عن أخذ المصدِّق خيار المال إلّا إذا طابتْ نفسُ معطيها • عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن، فأوصاه، وكان من وصيته: "إيّاك وكرائمَ أموالهم، واتّقِ دعوة المظلوم، فإنّه ليس بينه وبين الله حجاب". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٩٦) ومسلم في الإيمان (١٩) كلاهما من حديث زكريا ابن إسحاق، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد مولي ابن عباس، عن ابن عباس، فذكره في حديث طويل. • عن أبي بن كعب، قال: بعثني النبي ﷺ مصدّقًا فمررت برجل فلما جمع لي ماله لم أجد عليه فيه إلّا ابنة مخاضٍ. فقلت لَهُ: أدِّ ابنةَ مخاضٍ فإنَّها صدقتك، فقال: ذاك ما لا لبَن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقةٌ فتيَّةٌ عظيمةٌ سمينةٌ فخذْها. فقلت لَهُ: ما أنا بآخذٍ ما لم أُومرْ به وهذا رسول الله ﷺ منك قريبٌ فإن أحببت أنْ تأتيه فتعرض عليه ما عرضت عليَّ فافعل، فإن قبله من قبلته وإن ردَّهُ عليك ردتُهُ. قال: فإني فاعل فخرج معي وخرج بالناقة التي عرض عليَّ حتى قدمنا على رسول الله ﷺ فقال لَهُ: يا نبي الله! أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي وأيم الله ما قام في مالي

стр. 2510

رسول الله ﷺ ولا رسوله قط قبله فجمع لَهُ مالي فزعم أن ما على فيه ابنة مخاض وذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر وقد عرضت عليه ناقة فتية عظيمة ليأخذها فأبي علي وها هي ذه قد جئتك بها يا رسول الله! خذها، فقال لَهُ رسول الله ﷺ : "ذاك الذي عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك". قال: فها هي ذه يا رسول الله! قد جئتك بها فخذها. قال: فأمر رسول الله ﷺ بقبضها ودعا لَهُ في ماله بالبركة. حسن: رواه أبو داود (١٥٨٣) عن محمد بن منصور، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن عمارة بن عمرو بن حزم، عن أبي بن كعب، قال (فذكره). وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنّه مدلّس، ولكنّه صرّح بالتحديث. وصحّحه ابن خزيمة (٢٢٧٧)، وابن حبان (٣٢٦٩)، والحاكم (١/ ٢٩٩ - ٤٠٠) وعنه البيهقيّ (٤/ ٩٦) كلّهم من هذا الوجه. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". قال عمارة بن عمرو: "فضرب الدّهرُ ضربةً، فولاني مروان صدقة بَلي، وعُذرة في زمن معاوية، فمررتُ بهذا الرجل، فصدّقت ماله ثلاثين حقّة فيها فحلّها على ألف وخمسمائة بعير". قال ابن إسحاق: قلت لعبد الله بن أبي بكر: ما فحلُها؟ قال: في السنة إذا بلغ صدقة الرجل ثلاثون حقّة أخذ منها فحلها. وفي الباب ما رُوي عن المغيرة بن شعبة، قال: قال عثمان بن أبي العاص - وكان شابا -: "وفدنا على النبي ﷺ فوجدني أفضلهم أخذا للقرآن، وقد فضلتهم بسورة البقرة، فقال النبي ﷺ : "قد أمرتك على أصحابك، وأنت أصغرهم، فإذا أممت قومًا فأمَّهُم بأضعفهم، فإن وراءك الكبير والصغير والضَّعيف وذا الحاجة، وإذا كنت مصدّقًا لا تأخذ الشافع وهي الماخض ولا الرُّبَّي ولا فحل الغنم، وحزرة الرَّجُل هو أحق بها منك، ولا تمسَّ القرآن إلّا وأنت طاهرٌ، واعلم أنّ العمرة هي الحج الأصغر، وأن عمرة خير من الدنيا وما فيها، وحجَّةٌ خير من عمرةٍ". رواه الطبرانيّ في الكبير (٩/ ٣٣) عن أحمد بن عمرو الخلال المكيّ، ثنا يعقوب بن حميد، ثنا هشام بن سليمان، عن إسماعيل بن رافع، عن محمد بن سعيد بن عبد الملك، عن المغيرة بن شعبة، فذكره. قال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٧٤): "فيه هشام بن سليمان، وقد ضعّفه جماعة من الأئمّة ووثقه البخاريّ". قلت: في ترجمته في "التهذيب" قال البخاريّ في البيوع: "قال لي إبراهيم بن المنذر: أنا هشام،

стр. 2511

أنا ابن جريج، سمعت ابن أبي مليكة يخبر عن نافع مولى ابن عمر في بيع الثمرة إذا أُبِّرت". قال الحافظ: فالبخاريّ روي له هذا الحديث في هذا الموضع في المتابعات، وأورده بألفاظ الشّواهد؛ ولذا لم يذكر المتقدّمون أنه من رجاله، ثم هو رواه من حديث ابن جريج، وأما روايته عن غير ابن جريج ففيه وهم كما قال العقيليّ. قلت: وهذا الحديث ليس من حديث ابن جريج. وقال الحافظ في التقريب: "مقبول". وأما قول الهيثميّ: "وثّقه البخاريّ فلم أجده لا في "التاريخ الكبير، ولا في" تهذيب الكمال" وفروعه، فليتأكّد. • عن عبد الله بن معاوية الغاضري -من غاضرة قيس- قال: قال النبي ﷺ : "ثلاثٌ من فعلهنَّ فقد طَعِمَ طَعْمَ الإيمان: من عبد الله وحدهُ وأنه لا إله إلّا الله. وأعطى زكاة ماله طيبةً بها نفسُه رافدةً عليه كُلَّ عام، ولا يُعطي الهرمَةَ، ولا الدَّرنَةَ، ولا المريضة ولا الشرط اللَّئيمَةَ، ولكن من وسط أموالكم فإنَّ الله لم يسألكم خيرهُ ولم يأمركم بشره". حسن: رواه أبو داود (١٥٨٢) قال: قرأتُ في كتاب عبد الله بن سالم بحمص عند آل عمرو بن الحارث الحمصيّ، عن الزُّبَيْديّ، قال: وأخبرني يحيى بن جابر، عن جبير بن نفير، عن عبد الله بن معاوية الغاضريّ، فذكره. الزَّبَيْديّ هو محمد بن الوليد بن عامر الحمصيّ، ثقة من رجال الصحيح. وعبد الله بن معاوية الغاضريّ له صحبة كما قال أبو حاتم الرازي وابن حبان وغيرهما. وقول أبي داود: "قرأت في كتابه يدل على أنه لم يسمع هذا الحديث، وإنما رواه من طريق الوجادة، وهي إحدى أنواع التّحمّل، كما أنّ فيه انقطاعًا بين يحيى بن جابر، وجبير بن نفير. وقد جاء متصلًا، رواه الطبرانيّ في "الصغير" (٥٥٥) عن علي بن الحسن بن معروف الحمصي، حدّثنا أبو تقي عبد الحميد بن إبراهيم، حدّثنا عبد الله بن سالم، عن محمد بن الوليد الزُّبَيديّ، حدّثنا يحيى بن جابر الطائي، أنّ عبد الرحمن بن جبير حدّثه أنّ أباه حدّثه أن عبد الله بن معاوية الغاضريّ حدثهم، أنّ رسول الله ﷺ قال (فذكر الحديث). وهذا إسناد حسن من أجل أبي تقي عبد الحميد بن إبراهيم فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، وقد قال الحافظ في "التلخيص" بعد أن عزاه لأبي داود: ورواه الطبرانيّ وجوَّد إسناده". ورواه أيضًا البيهقيّ (٥/ ٩٥ - ٩٦) من طريق يعقوب بن سفيان (وهو في كتابه " المعرفة" ١/ ٢٦٩)، ثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثني عمرو بن الحارث، حدثني عبد الله بن سالم، بإسناده، مثله.

стр. 2512

وإسحاق بن إبراهيم هو ابن العلاء الحمصي ضعيف، ولكنه توبع في الإسناد الأول. وزاد الطبرانيّ والبيهقي في آخر الحديث: "وزكّي عبد نفسه". فقال رجل: ما تزكية المرأ نفسه يا رسول الله؟ قال: "يعلم أنّ الله معه حيث ما كان". وقوله: "يعلم أن الله معه". كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [سورة الحديد: ٤]. والمراد بالمعية في هذه الآية وغيرها علمه سبحانه بعباده، وإحاطته بهم، واطلاعه عليهم وأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، لا أنه سبحانه مختلط بهم، ولا أنه معهم في الأرض. سئل محمد بن يحيى، عن حديث عبد الله بن معاوية عن قوله: "ليعلم العبد أنّ الله معه حيث كان" قال: ويريد أنّ الله علمه محيط بكل مكان، والله على العرش". ذكره الذهبيّ في "العلو" (٤٦٢). وفي الباب ما جاء عن عائشة أنها قالت: "مُرَّ على عُمَرَ بن الخطَّاب بغنمٍ من الصَّدقة فرأى فيها شاة حافلا ذات ضرعٍ عظيم. فقال: ما هذه الشَّاة؟ فقالوا: شاة من الصدقة. فقال عمر: ما أعطى هذه أهلها وهم طائعون! لا تفتنوا الناس، لا تأخذوا حزرات المسلمين نكبوا عن الطَّعَامِ". رواه مالك في الزكاة (٢٨). ٦ - باب ما جاء في رضا المصدِّق • عن جرير بن عبد الله، قال: جاء ناسٌ من الأعراب إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إنّ ناسًا من المصدّقين يأتوننا فيظلموننا. قال: فقال رسول الله ﷺ : "أرضوا مصدِّقيكم". وفي رواية: "إذا أتاكم المصدِّق فليصدر عنكم وهو عنكم راضٍ". صحيح: رواه مسلم في الزكاة (٩٨٩) من طرق، عن محمد بن أبي إسماعيل، ثنا عبد الرحمن ابن هلال العبْسيّ، عن جرير بن عبد الله، فذكره. والرواية الثانية: رواها في آخر كتاب الزكاة من طرق، عن إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا داود، عن الشعبي، عن جرير بن عبد الله، فذكره. قال جرير: "ما صدر عنّي مصدِّق منذ سمعتُ هذا من رسول الله ﷺ إلّا وهو عنّي راضٍ". وأمّا ما روي عنه مرفوعًا: "إذا أتاكم المصدِّق فلا تكتموه شيئًا، فإن عدل عليكم فهو خير له، وإن جار عليكم فهو خير لكم وشرّ عليها. فالصّحيح وقفه. برويه الشيباني، واختلفوا عليه: فرواه أبو معاوية الضّرير، عن الشيبانيّ، عن الشّعبيّ، عن جرير، عن النبيّ ﷺ ، قاله مهدي بن حفص عنه. وعن غيره لا يرفعه، والموقوف أصح، قاله الدّارقطنيّ في "العلل" (١٣/ ٤٤٤). • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جاءكم المصدِّق فلا يصدر إلّا وهو راضٍ". ـ

стр. 2513

حسن: رواه الطبرانيّ في الأوسط (٥٨٠٣) عن محمد بن عبد الله الحضرميّ، قال: حدّثنا محمد بن طريف البجليّ، قال: حدّثنا محمد بن فضيل، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النّهديّ، عن أبي هريرة، فذكره. قال الطبرانيّ: لم يرو هذا الحديث عن عاصم إلّا محمد بن فضيل، تفرّد به محمد بن طريف، ولا يُروي عن أبي هريرة إلّا بهذا الإسناد. قلت: إسناده حسن من أجل محمد بن طريف فإنه "صدوق" كما في التقريب، وقد وثقه ابن سعد، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو زرعة: "محلّه الصّدق". فلا يضرُّ تفرده. ومن طريقه رواه البيهقيّ (٤/ ١٣٧) وسكت عليه، وحسنه أيضًا الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٧٩) إلّا أنّ الدّارقطنيّ في "العلل" (١١/ ٢١٧) رجّح الإرسال عن أبي عثمان النّهديّ. وفي الباب عن جابر بن عتيك، أنّ رسول الله ﷺ قال: "سيأتيكم ركيبٌ مبغضون فإن جاءوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون فإن عدلوا فلأنفسهم وإن ظلموا فعليها وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم وليدعوا لكم". رواه أبو داود (١٥٨٨) عن عباس بن عبد العظيم ومحمد بن المثنى، قالا: حدّثنا بشر بن عمر، عن أبي الغصن، عن صخر بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن جابر بن عتيك، عن أبيه، فذكره. وصخر بن إسحاق وشيخه عبد الرحمن بن جابر "مجهولان". وأمّا ما رُوي عن بشير بن الخصاصية، قال: قلنا: إنّ أهل الصّدقة يعتدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ فقال: "لا". ففيه أيضًا رجل مجهول. رواه أبو داود (١٥٨٦) عن مهدي بن حفص ومحمد بن عبيد -والمعني- قالا: حدّثنا حمّاد، عن أيوب، عن رجل يقال له: ديْسم -وقال ابن عبيد: من بني سدوس-، عن بشير بن الخصاصية، فذكره. قال أبو داود: حدّثنا الحسن بن علي ويحيي بن موسي قالا: حدّثنا عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، بإسناده ومعناه إلّا أنه قال: "قلنا يا رسول الله! إنّ أصحاب الصدقة يعتدون علينا". قال أبو داود: رفعه عبد الرزاق عن معمر. انتهى. أي أن ديسم لم يرفعه، بل أوقفه على بشير بن الخصاصية إلّا في إسنادهما رجل يقال له: ديسم لا يعرف من هو، ومع ذلك ذكره ابن حبان في الثقات، وفيه دليل على توثيق المجاهيل.

стр. 2514

٧ - باب إذن الإمام للعامل على الصّدقة أن يتزوّج ويتخذ خادمًا، ويبني مسكنًا من الصّدقة • عن المستورد بن شدّاد، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة، فإن لم يكن لَهُ خادم فليكتسب خادمًا، فإن لم يكن لَهُ مسكن فليكتسب مسكنا". صحيح: رواه أبو داود (٢٩٤٥) عن موسى بن مروان الرّقي، حدّثنا المعاني، حدّثنا الأوزاعيّ، عن الحارث بن يزيد، عن جبير بن نفير، عن المستورد بن شدّاد، فذكره. قال أبو داود: قَالَ أَبُو بَكْرٍ (يعني المعافي - كما في صحيح ابن خزيمة) أُخْبِرْتُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "مَن اتَّخَذَ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ أَوْ سَارِقٌ". وصحّحه ابن خزيمة (٢٣٧٠)، والحاكم (١/ ٤٠٦) كلاهما من طريق المعاني، به، إلّا أنهما قالا: عبد الرحمن بن جبير، وزاد الحاكم نسبته إلى جدّه نفير. وقال: "على شرط البخاريّ ومسلم". هكذا جاء في أكثر المصادر، وجبير بن نفير روي عن المستورد كذلك كما في تهذيب المزي، وأشار إلى الخلاف فيه، وكلاهما ثقة فلا يضرُّ هذا الاختلاف. والمعافي هو ابن عمران الموصليّ كما نسبه ابن خزيمة. والمعافي هو صاحب كتاب "الزهد" إلّا أني لم أقف عليه. وللحديث إسناد آخر، رواه الإمام أحمد (١٨٠١٥، ١٨٠١٧، ١٨٠١٩) من طرق عن ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة والحارث بن يزيد، عن عبد الرحمن بن جبير، قال: سمعت المستورد ابن شدّاد يقول: سمعت النبيّ ﷺ يقول (فذكر الحديث بنحوه). وزاد فيه: "أو دَابَّةً فَلْيَتَّخِذْ دَابَّةً فَمَنْ أَصَابَ شَيئًا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ أَوْ سَارِقٌ". وابن لهيعة فيه كلام معروف غير أنه توبع كما سبق إلّا على هذه الزّيادة فإني لم أجد من تابعه، إلّا من وجه مقطع كما سبق. وحديث ابن لهيعة بتمامه أعلّه أبو حاتم الرازيّ -كما في العلل لابنه (٦٣٦) - بما ليس بقادح. ٨ - باب للعامل على الصّدقة رزق لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] • عن ابن السّاعديّ المالكيّ أنه قال: استعملني عمر بن الخطاب ﵁ على الصّدقة فلا فرغت منها وأديتها إليه أمر لي بعمالةٍ. فقلت: إنما عملت لله وأجري على الله، فقال: خذ ما أُعْطيت فإني عملت على عهد رسول الله ﷺ -

стр. 2515

فعمَّلني, فقلت مثل قولك فقال لي رسول الله ﷺ : "إذا أُعطيتَ شيئًا من غير أنْ تسأل فكل وتصدق". متفق عليه: رواه مسلم في الزكاة (١٠٤٥: ١١٢) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا اللّيث، عن بكير، عن بسر بن سعيد، عن ابن الساعديّ المالكي، فذكره. ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٢٣٦٤) وقال: ابن السّاعدي المالكي أحسبه عبد الله بن سعد ابن أبي سرح. وهو كما قال، وكذلك نسبه أيضًا البخاريّ في الرواية الآتية. حيث رواه في الأحكام (٧١٦٣) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، أخبرني السائب اين يزيد ابن أخت نمر، أنّ حويطب بن العزي أخبره، أنّ عبد الله بن السعدي، أخبره أنه قدم على عمر في خلافته فقال له عمر: "ألم أُحدَّث أنَّك تلي من أعمال النَّاس أعمَالا، فإذا أُعْطيت العُمَالة كرهتها فقلت: بلى. فقال عمر: فما تريد إلى ذلك. قلت: إن لي أفراسًا وأعبدًا وأنا بخير وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين. قال عمر: لا تفعل فإني كنت أردت الذي أردت فكان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء فأقول: أعطيه أفقر إليه منِّي حتى أعطاني مرَّةً مالا. فقلت: أعطه أفقر إليه منِّي. فقال النبي ﷺ : "خذه فتموَّلهُ وتصدَّق به فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرفٍ ولا سائلٍ فخذه وإلا فلا تتبعه نفسك". ٩ - باب التغليظ على الساعي الماكس • عن أبي الخير قال: عرض مسلمه بن مخلد -وكان أميرا على مصر- على رُويفع بن ثابت أنْ يوليه العشور فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ صاحب المكس في النار". حسن: رواه الإمام أحمد (١٧٠٠١) عن قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيبة، عن أبي الخير، قال (فذكره). وابن لهيعة فيه كلام معروف من أجل اختلاطه، ولكن رواه عنه قتيبة بن سعيد قبل اختلاطه، ورواه الطبرانيّ في الكبير (٤٤٩٣) من وجه آخر عن ابن لهيعة. وزاد فيه: يعني العاشر، وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٨٨) فإنه لا يفرّق بين ما روى عنه قبل الاختلاط وبين من روى عنه بعد الاختلاط، فتنبّه لذلك فإن معرفة ذلك مهمّ جدًّا؛ لأن الحكم على الحديث يختلف بحسب ذلك. والماكس: هو العشّار الذي يجمع الصدقات وينتقص من حقوق المساكين، ولا يعطيهم إياها بالتمام، فهو حينئذ صاحب مكس يخاف عليه الإثم والعقوبة، قاله البيهقي في السنن (٧/ ١٦).

стр. 2516

فرويفع بن ثابت لم يقبل العمل على الصدقات تورعا وإلا فقد جاء في فضل العامل على الصّدقة بالحق كالغازي في سبيل الله. • عن عثمان بن أبي العاص الثقفيّ، عن النبي ﷺ قال: "تفتح أبواب السماء نصف الليل، فينادي مناد: هل من داع فيستجاب لَهُ، هل من سائل فيعطى، هل من مكروب فيفرج عنه، فلا يبقى مسلم يدعو بدعوة إلا استجاب الله له، إلا زانية تسعى بفرجها، أو عشّارًا". حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (٩/ ٥١)، وفي الأوسط (مجمع البحرين ١٣٨١) عن إبراهيم ابن هاشم البغوي، ثنا عبد الرحمن بن سلّام الجمحيّ، ثنا داود بن عبد الرحمن العطّار، عن هشام ابن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عثمان بن أبي العاص، فذكره. قال الطبرانيّ: لم يروه عن هشام إلّا داود، تفرّد به عبد الرحمن. قلت: عبد الرحمن بن سلام هو الجمحيّ مولاهم، أبو حرب البصريّ، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٣٧٩) فلا يضرّ تفرّده فإنه في أقلّ تقدير حسن الحديث. ورواه أيضًا الطبرانيّ في الكبير (٩/ ٤٤) من وجه آخر عن كلاب بن أمية أنه لقي عثمان بن أبي العاص فقال: ما جاء بك؟ فقال: استعملت على عشر الأبلة فقال عثمان: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنّ الله يدنو من خلقه فيغفر لمن استغفر إلّا لبغي بفرجها أو لعشّار". أورده الهيثميّ في "مجمع الزوائد" (٣/ ٨٨)، وعزاه إلى الطبرانيّ في الكبير ولم يقل فيه شيئًا. وأما ما روي عن الحسن، قال: مرّ عثمان بن أبي العاص على كلاب بن أمية وهو جالس على مجلس العاشر بالبصرة، فقال: ما يجسلك هاهنا؟ قال: استعملي هذا على هذا المكان -يعني زيادًا-، فقال له عثمان: ألا أحدِّثك حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: بلي. فقال عثمان: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كان لداود نبي الله ﵇ من الليل ساعه يوقظ فيها أهله فيقول: يا آل داود! قوموا فصلُّوا، فإن هذه ساعة يستجيب الله فيها الدعاء إلا لساحر أو عشار". فركب كلاب بن أمية سفينة فأتي زيادا فاستعفاه فأعفاه". فهو ضعيف. رواه الإمام أحمد (١٦٢٨١)، والطبراني في الكير (٩/ ٤٦)، وفي الدعاء (١٣٩) من طريق علي بن زيد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، نحوه. وعلي بن زيد هو ابن جدعان ضعيف، والحسن لم يسمع من عثمان بن أبي العاص على الصحيح. وكذلك لا يصح ما روي عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة صاحب مكْس" فهو ضعيف. رواه أبو داود (٢٩٣٧) عن عبد الله بن محمد النفيلي، حدّثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة، عن عقبة بن عامر، فذكره. ـ

стр. 2517

ورواه أحمد (١٧٢٩٤، ١٧٣٥٤) وصحّحه ابن خزيمة (٢٣٣٣)، والحاكم (١/ ٤٠٤) والبيهقي (٧/ ١٦) كلّهم من طريق محمد بن إسحاق، به. قلت: إسناده ضعيف من أجل محمد بن إسحاق فإنه مدلّس وقد عنعن، ولم أقف على تصريح منه، فإنه يحسّن حديثه إذا صرَّح وإلّا فيضعّف. والمقصود من الحديث هو العشّار كما جاء تفسيره في بعض الروايات. والمكس هو النقصان. قال الخطابي: "صاحب المكس: هو الذي يعشّر أموال الناس، ويأخذ من التجّار إذا مرّوا عليه، وعبروا به مكسّا باسم العشر". وفي الباب عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "ويل للأمراء! ويل للعرفاء! ويل للأمناء! ليتمنين أقوام يوم القيامة أنّ ذوائبهم كانت معلقة بالثريا يتذبذبون بين السَّماء والأرض ولم يكونوا عملوا على شيء". رواه أحمد (٨٦٢٧)، وأبو يعلى (٦٢١٧) كلاهما من حديث هشام الدستوائي، عن عباد بن أبي علي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره. وصححه الحاكم (٤/ ٩١) وقال: "صحيح الإسناد". وقال الذهبيّ في الميزان في ترجمة عباد بن أبي علي بعد أنّ روى الحديث المذكور: "هذا حديث منكر". وقد رواه أيضًا ابن حبان (٤٤٨٣) من وجه آخر عن هشام بن حسان، عن أبي حازم مولى أبي رهم الغفاري عنه. وأبو حازم مولى أبي رهم الغفاري التمار قال فيه الحافظ: "مقبول" أي عند المتابعة. وأما ما نقل من توثيق أبي داود كما في تهذيب الكمال، فهو لأبي حازم الأنصاريّ البياضي، كما جنح إليه ابن حجر في التهذيب. وكذلك لا يصح ما روي عن يزيد بن شريك العامري قال: سمعت مروان يقول لأبي هريرة: يا أبا هريرة! حدثني حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ . قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليوشكن رجل يتمنى أنه خَرَّ من عند الثريا، وأنه لم يل من أمر الناس شيئًا". رواه أحمد (١٠٩٢٧) واللفظ له، والبزار -كشف الأستار (١٦٤٣) كلاهما من حديث شيبان، عن عاصم، عن يزيد بن شريك العامري، فذكره. وصححه الحاكم (٤/ ٩١) ورواه من طريق حماد بن سلمة، أنبأ عاصم بن بهدلة، عن يزيد بن شريك، أن الضحاك بن قيس بعث معه بكسوة إلى مروان بن الحكم. فقال مروان للبواب: انظر من بالباب؟ قال: أبو هريرة. فأذن لَهُ، فقال: يا أبا هريرة! حدّثنا شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ ، فذكره. قلت: وفيه يزيد بن شريك العامري، لم أقف على ترجمته، والمتن فيه نكارة واضحة، كما قال الذهبيّ في الحديث السابق.

стр. 2518

جموع أبواب الترغيب في أداء الزّكاة والصّدقات ووجوه إنفاقها قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠]. يجوز صرفُ أموال الزكاة لصنفٍ واحدٍ من الأصناف الثمانية في قول جمهور أهل العلم، وإنْ صرفها لجميع الأصناف فهو أولي. ١ - باب الغبطة في إكثار المال للإنفاق • عن ابن مسعود، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا حسد إلّا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٠٩)، ومسلم في صلاة المسافرين (٨١٦) كلاهما من طريق إسماعيل بن أبي خالد، قال: حدثني قيس (هو ابن أبي حازم)، عن ابن مسعود، فذكر الحديث. • عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حسد إلّا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، ورجلٌ آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٥٢٩)، ومسلم في صلاة المسافرين (٨١٥) كلاهما من حديث سفيان، حدّثنا الزهري، عن سالم، عن أبيه، فذكره. • عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا حسد إلّا في اثنتين رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار فسمعه جارٌ لَهُ فقال: ليتني أُوتيتُ مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعملُ، ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه في الحقِّ، فقال: رجلٌ ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل". صحيح: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٢٦) عن علي بن إبراهيم، حدّثنا روح، حدّثنا شعبة، عن سليمان، سمعت ذكوان، عن أبي هريرة، فذكره. • عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حسد إلّا في اثنتين: رجل أتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النّهار، فهو يقول: لو أُوتيت مثل ما أوتي هذا، لفعلت كما يفعل، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه في حقِّه، فهو يقول: لو أوتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل".

стр. 2519

صحيح: رواه أبو يعلي (١٠٨٥) عن عثمان، حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا يزيد بن عبد العزيز، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فذكره. وإسناده صحيح، يزيد بن عبد العزيز هو ابن سياه الأسديّ الحماني ثقة من رجال الشيخين. ورواه الإمام أحمد (١٠٢١٥) عن يحيى بن آدم بإسناده إلّا أنه لم يذكر لفظ الحديث، وإنما أحال على حديث أبي هريرة، فقال: مثله سواء. فكأنّ الأعمش يروي من وجهين عن أبي صالح وهو ذكوان، عن أبي سعيد. وعن أبي هريرة، ولفظهما سواء. إلا أن أبا حاتم يرى أنّ الحديث لأبي هريرة. العلل (١٦٧٢). وأورده الهيثميّ في المجمع (٢/ ٢٥٧) وعزاه إلى أبي يعلى وقال: رجاله رجال الصّحيح، ورواه البزّار، نحوه. • عن أبي كبشة الأنماري، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ثلاثة أقسم عليهن وأحدكم حديثا فالحفظوه قال: ما نقص مال عبد من صدقة ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلّا زاده الله عزًّا، ولا فتح عبدٌ باب مسألةٍ إلّا فتح الله عليه باب فقرٍ أو كلمة نحوها، وأحدثكم حديثًا فاحفظوه قال: إنما الدنيا لأربعة نقر: عبدٍ رزقه الله مالا وعلمًا فهو يتَّقي فيه ربه ويصلُ فيه رحمه ويعلم لله فيه حقًّا فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول لو أنّ لي مالا لعملت بعمل فلانٍ فهو بنيَّته فأجرهما سواءٌ، وقد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا تصل فيه رحمه ولا يعلم الله فيه حقًا فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول لو أنَّ لي مالا لعملت فيه بعمل فلانٍ فهو بنيَّته فوزرهما سواءٌ". حسن: رواه الترمذيّ (٢٣٢٦) عن محمد بن إسماعيل، ثنا أبو نعيم، حدّثنا عبادة بن مسلم، حدّثنا يونس بن خبّاب، عن سعيد الطّائيّ أبي البختريّ، أنه قال: حدّثني أبو كبشة الأنماري (فذكره). قال الترمذيّ: حسن صحيح. وإسناده حسن من أجل الكلام في يونس بن خبّاب تُكلم فيه لسوء معتقده؛ لأنه كان غاليًا في تشيّعه غير أنه حسن الحديث إذا لم يكن ما يرويه مؤيّدًا لبدعته. وله طرق أخرى منها ما رواه وكيع، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي كبشة الأنماريّ، نحوه. ومن هذا الطريق رواه الإمام أحمد (١٨٠٢٤)، وابن ماجه (٤٢٢٨)، والفريابي في فضائل القرآن (١٠٥). وسالم بن أبي الجعد ثقة إلّا أنه يرسل كثيرًا إلا أنه لم ينكر إدراكه لأبي كبشة، وإن

стр. 2520

كان رواه عبد الرزاق عن معمر، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن أبي كبشة، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ . ومن هذا الوجه رواه أيضًا ابن ماجه (٤٢٢٨) والطريقان محفوظان، وابن أبي كبشة لا يعرف، ولكنه توبع. وفي الباب ما رُوي عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "إنّما الحسد في اثنتين: رجل أتاه الله القرآن فقام به، فأحلّ حلاله وحرّم حرامه، ورجل آتاه الله مالًا فوصل منه أقاربه ورحمه وعمل بطاعة الله فيه". رواه الطبراني في الكبير (قطعة جزء ١٣ - ١٤ (٢٨)، وفي الأوسط (٢٣٣) عن أحمد بن رشدين، قال: حدّثنا روح بن صلاح، قال: حدّثنا موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عبد الله ابن عمرو، فذكره. وفيه روح بن صلاح، ويقال له: ابن سبابة قال ابن عدي: "وأظنه مصريّ ضعيف، يكنى أبا الحارث، وذكر له حديثين وقال: هذان الحديثان بإسناديهما ليسا بمحفوظين، ولعلّ البلاء فيه من عيسي (بن صالح المؤذّن بمصر، ثنا روح بن صلاح) هذا فإنه ليس بمعروف، ولروح بن سبابة أحاديث ليست بالكثيرة عن ابن لهيعة، والليث وسعيد بن أبي أيوب، ويحيى بن أيوب، وحيوة وغيرهم، وفي بعض حديثه نكرة". انتهى. وقال ابن حجر في اللسان (٢/ ٤٦٦): "ذكره ابن يونس في تاريخ الغرباء فقال: من أهل الموصل قدم مصر، وحدّث بها، رويت عنه مناكير. وقال الدارقطنيّ: ضعيف في الحديث، وقال ابن ماكولا: ضعّفوه". قلت: ومع ذلك ذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٢٤٤). وأما الهيثمي فتضارب قوله فيه، فقال في كتاب الصلاة في "مجمع الزوائد" (٢/ ٢٥٦): "رواه الطبراني في الكبير، وفيه روح بن صلاح ضعّفه ابن عدي، ووثقه ابن حبان، وقال الحاكم: ثقة مأمون". ثم أعاد ذكره في كتاب الزكاة "المجمع" (٣/ ١٠٨) فقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله موثقون. انتهى. قلت: وخالفه عبد الله بن المبارك فرواه في الزهد (١٢٠٤) عن موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص موقوفًا عليه، وهذا أشبه. وفي الباب أيضًا ما رُوي عن يزيد بن الأخنس، وكانت له صحبة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا تنافس بينكم إلا في الاثنتين: رجل أعطاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء اللّيل والنهار، فيتبع ما فيه، فيقول الرجل: لو أعطاني الله مثل ما أعطى فلانًا فأقوم به مثل ما يقوم به فلان. ورجل أعطاه الله مالًا فهو ينفق ويتصدق فيقول الرجل مثل ذلك. رواه الإمام أحمد (١٦٩٦٦)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٣٩)، وفي الأوسط (٢٢٩٢)، وفي

стр. 2521

الصغير (١/ ٤٨ - ٤٩) كلّهم من طريق الهيثم بن حُميد، عن زيد بن واقد، عن سليمان بن موسي، عن كثير بن مرة، عن يزيد بن الأخنس، فذكره. وزاد أحمد: فقال رجل: يا رسول الله! أرأيتك النجدة تكون في الرجل؟ ... (سقط باقي الحديث). وأشار الهيثمي أيضًا إلى هذا السّقط، وقد وجدنا تكملة الحديث عند الفريابيّ في "فضائل القرآن" (١٠٧) وهو جواب النبيّ ﷺ قال: ليست هما بعدل، إنّ الكلب ليهرُّ من وراء أهله". وأعتقد أنّ السّقط في المسند سببه أن عبد الله بن أحمد وجده في كتاب أبيه بخطّه. قال عبد الله: "وجدتُ في كتاب أبي بخطّ يده قال: كتب إليَّ أبو توبة الربيع بن نافع -وكان في كتابه-: حدّثنا الهيثم بن حُميد، فذكره. قال الطبراني في "الصغير": "لا يُروى عن يزيد بن الأخنس، وهو أبو معن ابن يزيد، وهو وابنه قد صحبة رسول الله ﷺ إلّا بهذا الإسناد، تفرّد به الهيثم". وقال في الأوسط: "لم يسند يزيد بن الأخنس عن رسول الله ﷺ حديثًا غير هذا، تفرّد به ابن زيد بن واقد". وأورده الهيثمي في موضعين من "المجمع" في كتاب الصلاة (٢/ ٢٥٦) وعزاه إلى "الكبير" وحده وقال: "رجاله ثقات". وذكره في كتاب الزكاة (٣/ ١٠٨) وقال بعد أن أشار إلى التقط الذي وقع في مسند أحمد: "رواه أحمد كتابة، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط" وفيه سليمان بن موسي، وفيه كلام، وقد وثّقه جماعة". ولم يُشر إلى الصغير، كما أنه لم يُشر إلى العلّة التي في الإسناد وهما الانقطاع فإن موسي بن سليمان لم يدرك كثير بن مرة كما قال أبو مسهر، نقله المزي في تهذيب الكمال. وسليمان بن موسى وهو القرشي الأموي الأشدق هو فقيه أهل الشام، تكلّم فيه البخاريّ والنسائيّ، ووثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: "محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب". غير أنه حسن الحديث. وقوله: وإنّ الكلب ليهِرُّ من وراء أهله" يقال: هرَّ الكلبُ يَهرُّ، من باب ضرب، هريرًا: إذا صوت، وهو دون النّباح. والمعنى "أنّ الشّجاعة غريزة في الإنسان، فهو يلقي الحروب، ويقاتل طبعًا وحمية لا حسبة، فضرب بالكلب مثلًا إذا كان من طبعه أن يهرَّ دون أهله ويذب عنهم، بريد أن الجهاد والشجاعة ليسا بمثل القراءة والصدقة". كذا في النهاية لابن الأثير. وفي الباب أيضًا عن سمرة بن جندب، أنّ النبيّ ﷺ قال: ليس في الدنيا حسد إلّا في اثنتين: الرجل يحسد الرجل أن يعطيه الله المال الكثير، فينفق منه، فيكثر النفقة ويقول الآخر: لو كان لي

стр. 2522

مثل هذا لأنفقت مثل ما ينفق وأحسن فهو يحسده، ورجل يقرأ القرآن فيقوم به بالليل وعنده رجل إلى جنبه لا يعلم القرآن فهو يحسده على قيامه، وعلى ما علمه الله القرآن، فيقول: لو علمني الله مثل هذا القمتُ مثل ما يقوم". رواه الطبرانيّ في الكبير (٧٠٦٤) عن موسى بن هارون، ثنا مروان بن جعفر، ثنا محمد بن إبراهيم بن خبيب بن سليمان بن سمرة، ثنا جعفر بن سعد بن سمرة، عن خبيب بن سليمان بن سمرة، عن أبيه، عن سمرة بن جندب، أنّ النبيّ ﷺ قال (فذكره). وفيه سلسلة من الضّعفاء وهم: محمد بن إبراهيم بن خبيب، وشيخه جعفر بن سعد بن سمرة، وشيخه خبيب بن سليمان بن سمرة. ولذا قال الهيثميّ في "المجمع" (١/ ٢٥٦): "رواه الطبرانيّ في الكبير، وفي إسناده بعض ضعف، ورواه البزّار بإسناد ضعيف". ٢ - باب تمني الخير • عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "لو كان عندي أحدٌ ذهبًا أحببت أن لا يأتي ثلاث، وعندي منه دينار -ليس شيء أرصده في دين عليَّ- أجد من يقبله". متفق عليه: رواه البخاريّ في التمني (٧٢٢٨) عن إسحاق بن نصر، حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همّام: سمع أبا هريرة، عن النّبيّ ﷺ ، فذكره. وأخرجه مسلم في الزكاة (٩٩١) من طرق عن أبي هريرة، نحوه. وقوله: أرصده أي أعدُّه. • عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما يسُرُّني أنَّ عندي مثل أُحُدٍ هذا ذهبا تمضي عليَّ ثالثةٌ وعندي منه دينار إلا شيئا أرصده لدينٍ إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه". متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٤٤)، ومسلم في الزكاة (٩٩٢) كلاهما من حديث الأعمش، عن زيد بن وهب، عن أبي ذرّ في حديث طويل. • عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه: "يا عائشة! ما فعلت الذَّهبُ". فجاءت ما بين الخمسة إلى السبعة أو الثمانية أو التسعة فجعل يقلبها بيده ويقول: "ما ظنُّ محمد الله لو لقيه وهذي عنده؟ ! أنفقيها". حسن: رواه الإمام أحمد (٢٤٢٢٢)، (٢٥٤٩٢)، والبغويّ في شرح السنة (١٦٥٨) وصحّحه ابن حبان (٣٢١٢) كلّهم من طرق عن محمد بن عمرو، قال: حدّثني أبو سلمة، قال: قالت عائشة (فذكرته)، وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو، وهو ابن علقمة اللّيثيّ، وهو صدوق، حسن الحديث.

стр. 2523

• عن ابن عباس أن النبي ﷺ التفت إلى أحد فقال: "والذي نفس محمد بيده، ما يسرني أن أحدا يُحول لآل محمد ذهبا أنفقه في سبيل الله، أموت يوم أموت أدع منه دينارين، إلا دينارين أعدهما لدين إن كان". فَمات وما ترك دينارا، ولا درهما، ولا عبدا، ولا وليدة، وترك درعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين صاعا من شعير. حسن: رواه أحمد (٢٧٢٤) وأبو يعلى (٢٦٨٤) والبزار - كشف الأستار (٣٦٨٢) وعبد بن حُميد (٥٩٨) كلهم من حديث هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل هلال بن خباب العبدي مولاهم أبو العلاء البصري، فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. ٣ - باب فضل صدقة المرء بأحبّ ماله لله • عن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالًا من نخل وكان أحب أموال إليه بيرحاء كانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماءٍ فيها طيب. قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله! حيث شئت. قال: فقال رسول الله ﷺ : "بخ ذلك مالٌ رابح! ذلك مال رابحٌ! وقد سمعت ما قلت فيه وإنِّي أرى أن تجعلها في الأقربين". فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله! فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمِّهِ. متفق عليه: رواه مالك في الصدقة (٢) عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنّه سمع أنس بن مالك يقول (فذكره). ورواه البخاريّ في الوكالة (٢٣١٨)، ومسلم في الزكاة (٩٩٨) كلاهما عن يحيى بن يحيي، قال: قرأت على مالك، به. ٤ - باب إنّ الله لا يقبل الصّدقة إلّا من الكسب الطّيّب • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من تصدَّق بعدل تمرةٍ من كسبٍ طيِّب -لا يقبل الله إلا الطيب- إن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبه كما يربِّي أحدكم فلوَّه حتى تكون مثل الجبل".

стр. 2524

عبد الرحمن - هو ابن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره. قال البخاريّ: "تابعه سليمان، عن ابن دينار. وقال ورقاء: عن ابن دينار، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ . ورواه مسلم بن أبي مريم، وزيد بن أسلم، وسهيل بن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ " انتهى قول البخاريّ. قلت: رواه مسلم في الزكاة (١٠١٤) من وجه آخر عن سعيد بن يسار، أنه سمع أبا هريرة يقول (فذكره). ورواه أيضًا من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. ورواه أيضًا من حديث زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره. وألفاظ مسلم نحو ألفاظ البخاريّ إلا أن البخاريّ لم يسق اختلاف الألفاظ في المتابعات بخلاف مسلم فإنه ساقها. ومن الذين تابعوه أيضًا القاسم بن محمد قال: سمعت أبا هريرة، قال رسول الله ﷺ "إنّ الله يقبل الصّدقة ويأخذها بيمينه، فيربّيها لأحدكم كما يربّي أحدكم مُهْره، حتى إنّ اللّقمة لتصير مثل أحد. وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [سورة التوبة: ١٠٤]، ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [سورة البقرة: ٢٧٦] ". رواه الترمذيّ (٦٦٢) عن أبي كريب محمد بن العلاء، حدّثنا وكيع، حدّثنا عبّاد بن منصور، حدّثنا القاسم بن محمد، فذكره. قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح. قلت: وهو كما قال غير أن ذكر الآية تفرّد به عباد بن منصور، عن القاسم، فقد رواه الإمام أحمد (٩٢٤٥) من طريق عبد الواحد بن صبرة، وقرنه بعباد بن منصور كلاهما سمعا القاسم بن محمد بإسناده، فذكره ولم يذكر فيه قوله: "تصديق ذلك في كتاب الله ... ". وكذلك رواه أيوب، عن القاسم بن محمد. ومن طريقه رواه الإمام أحمد (٧٦٣٤)، وابن خزيمة (٢٤٢٦) كلاهما عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، بإسناده. وعبّاد بن منصور، ضعف، تغيّر بأخره؛ ولذا قالوا: إنّ هذه الزّيادة منكرة، فلعلْ تلاوة هذه الآية من كلام أبي هريرة. بل قد وقع التصريح في رواية ابن جرير بأنّ تلاوة الآية من كلام أبي هريرة. ذكره الحافظ في الفتح (٣/ ٢٨٠) ولم يعلّه بشيء. وأما الترمذيّ فقال عقبه: "هذا حديث حسن صحيح، وقد رُوي عن عائشة، عن النبي ﷺ ". قلت: حديث عائشة سيأتي. ثم قال الترمذي: "وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرّبّ ﵎ كل ليلة إلى السّماء الدّنيا، قالوا: قد تثبت

стр. 2525

الروايات في هذا، ويؤمن بها، ولا يتوهّم، ويقال: "كيف". هكذا رُوي عن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، أنّهم قالوا في هذه الأحاديث: "أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة. وأما الجهمية: فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه! وقد ذكر الله ﵎ في غير موضع من كتابه (اليد) و (السمع والبصر) فتأوّلت الجهمية هذه الآيات، ونشروها على غير ما فسّر أهل العلم وقالوا: إنّ الله لم يخلق آدم يده، وقالوا: إنّما معني اليد: القوّة. وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، فهذا تشبيه. وأما إذا قال كما قال الله: يد، وسمع، وبصر. ولا يقول: كيف، ولا يقول: مثل سمع ولا كسمع، فهذا لا يكون تشيهًا، وهو كما قال الله ﵎ في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشوري: ١١] ". انتهى كلام الترمذيّ ﵀. قوله: "فَلُوَّه" بفتح الفاء وضمّ اللّام وتشديد الواو - أي المهر، سُمّي بذلك لأنّه فَلِي عن أمّه أي عزل وفصل. وفي رواية عند مسلم: "فلُوّه أو فصيله". وفي رواية أخرى: "فَلُوَّه أو قَلُوصَه". والفصيل: ولد النّاقة إذا فصل من إرضاع أمِّه. والقلوص: هي الناقة الفتية، ولا تطلق على الذّكر. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : أيها الناس! إنّ الله طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طيبًا وإنَّ الله أمير المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]. ثم ذكر الرَّجل يُطِيلُ السَّفر أشعثَ أغبر يمدُّ يديه إلى السَّماء: يا ربِّ! يا ربِّ! ومطعمه حرامٌ ومشربه حرام وملبسُه حرامٌ وغذيَ بالحرام فأني يستجاب لذلك". صحيح: رواه مسلم في الزّكاة (١٠١٥) عن أبي بكر محمد بن العلاء، ثنا أبو أسامة، ثنا فضيل ابن مرزوق، حدثني عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره. ٥ - باب مضاعفة ثواب الصّدقة • عن عائشة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّ الله ليربِّي لأحدكُم التَّمرة واللُّقمة كما يربِّي أحدكم فلُوَّهُ أو فصيله حتَّى يكون مثل أُحُدٍ". صحيح: رواه أحمد (٢٦١٣٥) وصحَّحه ابنُ حبان (٣٣١٧) كلاهما من طريق عبد الصمد،
следующие страницы →