Полный текст (8 687 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
الصغير (١/ ٤٨ - ٤٩) كلّهم من طريق الهيثم بن حُميد، عن زيد بن واقد، عن سليمان بن موسي، عن كثير بن مرة، عن يزيد بن الأخنس، فذكره.
وزاد أحمد: فقال رجل: يا رسول الله! أرأيتك النجدة تكون في الرجل؟ ... (سقط باقي الحديث).
وأشار الهيثمي أيضًا إلى هذا السّقط، وقد وجدنا تكملة الحديث عند الفريابيّ في "فضائل القرآن" (١٠٧) وهو جواب النبيّ ﷺ قال: ليست هما بعدل، إنّ الكلب ليهرُّ من وراء أهله".
وأعتقد أنّ السّقط في المسند سببه أن عبد الله بن أحمد وجده في كتاب أبيه بخطّه. قال عبد الله: "وجدتُ في كتاب أبي بخطّ يده قال: كتب إليَّ أبو توبة الربيع بن نافع -وكان في كتابه-: حدّثنا الهيثم بن حُميد، فذكره.
قال الطبراني في "الصغير": "لا يُروى عن يزيد بن الأخنس، وهو أبو معن ابن يزيد، وهو وابنه قد صحبة رسول الله ﷺ إلّا بهذا الإسناد، تفرّد به الهيثم".
وقال في الأوسط: "لم يسند يزيد بن الأخنس عن رسول الله ﷺ حديثًا غير هذا، تفرّد به ابن زيد بن واقد".
وأورده الهيثمي في موضعين من "المجمع" في كتاب الصلاة (٢/ ٢٥٦) وعزاه إلى "الكبير" وحده وقال: "رجاله ثقات".
وذكره في كتاب الزكاة (٣/ ١٠٨) وقال بعد أن أشار إلى التقط الذي وقع في مسند أحمد: "رواه أحمد كتابة، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط" وفيه سليمان بن موسي، وفيه كلام، وقد وثّقه جماعة".
ولم يُشر إلى الصغير، كما أنه لم يُشر إلى العلّة التي في الإسناد وهما الانقطاع فإن موسي بن سليمان لم يدرك كثير بن مرة كما قال أبو مسهر، نقله المزي في تهذيب الكمال.
وسليمان بن موسى وهو القرشي الأموي الأشدق هو فقيه أهل الشام، تكلّم فيه البخاريّ والنسائيّ، ووثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: "محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب". غير أنه حسن الحديث.
وقوله: وإنّ الكلب ليهِرُّ من وراء أهله"
يقال: هرَّ الكلبُ يَهرُّ، من باب ضرب، هريرًا: إذا صوت، وهو دون النّباح. والمعنى "أنّ الشّجاعة غريزة في الإنسان، فهو يلقي الحروب، ويقاتل طبعًا وحمية لا حسبة، فضرب بالكلب مثلًا إذا كان من طبعه أن يهرَّ دون أهله ويذب عنهم، بريد أن الجهاد والشجاعة ليسا بمثل القراءة والصدقة". كذا في النهاية لابن الأثير.
وفي الباب أيضًا عن سمرة بن جندب، أنّ النبيّ ﷺ قال: ليس في الدنيا حسد إلّا في اثنتين: الرجل يحسد الرجل أن يعطيه الله المال الكثير، فينفق منه، فيكثر النفقة ويقول الآخر: لو كان لي
стр. 2522
مثل هذا لأنفقت مثل ما ينفق وأحسن فهو يحسده، ورجل يقرأ القرآن فيقوم به بالليل وعنده رجل إلى جنبه لا يعلم القرآن فهو يحسده على قيامه، وعلى ما علمه الله القرآن، فيقول: لو علمني الله مثل هذا القمتُ مثل ما يقوم".
رواه الطبرانيّ في الكبير (٧٠٦٤) عن موسى بن هارون، ثنا مروان بن جعفر، ثنا محمد بن إبراهيم بن خبيب بن سليمان بن سمرة، ثنا جعفر بن سعد بن سمرة، عن خبيب بن سليمان بن سمرة، عن أبيه، عن سمرة بن جندب، أنّ النبيّ ﷺ قال (فذكره). وفيه سلسلة من الضّعفاء وهم:
محمد بن إبراهيم بن خبيب، وشيخه جعفر بن سعد بن سمرة، وشيخه خبيب بن سليمان بن سمرة.
ولذا قال الهيثميّ في "المجمع" (١/ ٢٥٦): "رواه الطبرانيّ في الكبير، وفي إسناده بعض ضعف، ورواه البزّار بإسناد ضعيف".
٢ - باب تمني الخير
• عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "لو كان عندي أحدٌ ذهبًا أحببت أن لا يأتي ثلاث، وعندي منه دينار -ليس شيء أرصده في دين عليَّ- أجد من يقبله".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التمني (٧٢٢٨) عن إسحاق بن نصر، حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همّام: سمع أبا هريرة، عن النّبيّ ﷺ ، فذكره.
وأخرجه مسلم في الزكاة (٩٩١) من طرق عن أبي هريرة، نحوه.
وقوله: أرصده أي أعدُّه.
• عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما يسُرُّني أنَّ عندي مثل أُحُدٍ هذا ذهبا تمضي عليَّ ثالثةٌ وعندي منه دينار إلا شيئا أرصده لدينٍ إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٤٤)، ومسلم في الزكاة (٩٩٢) كلاهما من حديث الأعمش، عن زيد بن وهب، عن أبي ذرّ في حديث طويل.
• عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه: "يا عائشة! ما فعلت الذَّهبُ". فجاءت ما بين الخمسة إلى السبعة أو الثمانية أو التسعة فجعل يقلبها بيده ويقول: "ما ظنُّ محمد الله لو لقيه وهذي عنده؟ ! أنفقيها".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٤٢٢٢)، (٢٥٤٩٢)، والبغويّ في شرح السنة (١٦٥٨) وصحّحه ابن حبان (٣٢١٢) كلّهم من طرق عن محمد بن عمرو، قال: حدّثني أبو سلمة، قال: قالت عائشة (فذكرته)،
وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو، وهو ابن علقمة اللّيثيّ، وهو صدوق، حسن الحديث.
стр. 2523
• عن ابن عباس أن النبي ﷺ التفت إلى أحد فقال: "والذي نفس محمد بيده، ما يسرني أن أحدا يُحول لآل محمد ذهبا أنفقه في سبيل الله، أموت يوم أموت أدع منه دينارين، إلا دينارين أعدهما لدين إن كان". فَمات وما ترك دينارا، ولا درهما، ولا عبدا، ولا وليدة، وترك درعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين صاعا من شعير.
حسن: رواه أحمد (٢٧٢٤) وأبو يعلى (٢٦٨٤) والبزار - كشف الأستار (٣٦٨٢) وعبد بن حُميد (٥٩٨) كلهم من حديث هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل هلال بن خباب العبدي مولاهم أبو العلاء البصري، فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
٣ - باب فضل صدقة المرء بأحبّ ماله لله
• عن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالًا من نخل وكان أحب أموال إليه بيرحاء كانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماءٍ فيها طيب. قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله! حيث شئت. قال: فقال رسول الله ﷺ : "بخ ذلك مالٌ رابح! ذلك مال رابحٌ! وقد سمعت ما قلت فيه وإنِّي أرى أن تجعلها في الأقربين". فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله! فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمِّهِ.
متفق عليه: رواه مالك في الصدقة (٢) عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنّه سمع أنس بن مالك يقول (فذكره).
ورواه البخاريّ في الوكالة (٢٣١٨)، ومسلم في الزكاة (٩٩٨) كلاهما عن يحيى بن يحيي، قال: قرأت على مالك، به.
٤ - باب إنّ الله لا يقبل الصّدقة إلّا من الكسب الطّيّب
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من تصدَّق بعدل تمرةٍ من كسبٍ طيِّب -لا يقبل الله إلا الطيب- إن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبه كما يربِّي أحدكم فلوَّه حتى تكون مثل الجبل".
стр. 2524
عبد الرحمن - هو ابن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
قال البخاريّ: "تابعه سليمان، عن ابن دينار. وقال ورقاء: عن ابن دينار، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ .
ورواه مسلم بن أبي مريم، وزيد بن أسلم، وسهيل بن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ " انتهى قول البخاريّ.
قلت: رواه مسلم في الزكاة (١٠١٤) من وجه آخر عن سعيد بن يسار، أنه سمع أبا هريرة يقول (فذكره). ورواه أيضًا من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة.
ورواه أيضًا من حديث زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
وألفاظ مسلم نحو ألفاظ البخاريّ إلا أن البخاريّ لم يسق اختلاف الألفاظ في المتابعات بخلاف مسلم فإنه ساقها.
ومن الذين تابعوه أيضًا القاسم بن محمد قال: سمعت أبا هريرة، قال رسول الله ﷺ "إنّ الله يقبل الصّدقة ويأخذها بيمينه، فيربّيها لأحدكم كما يربّي أحدكم مُهْره، حتى إنّ اللّقمة لتصير مثل أحد. وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [سورة التوبة: ١٠٤]، ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [سورة البقرة: ٢٧٦] ".
رواه الترمذيّ (٦٦٢) عن أبي كريب محمد بن العلاء، حدّثنا وكيع، حدّثنا عبّاد بن منصور، حدّثنا القاسم بن محمد، فذكره. قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح.
قلت: وهو كما قال غير أن ذكر الآية تفرّد به عباد بن منصور، عن القاسم، فقد رواه الإمام أحمد (٩٢٤٥) من طريق عبد الواحد بن صبرة، وقرنه بعباد بن منصور كلاهما سمعا القاسم بن محمد بإسناده، فذكره ولم يذكر فيه قوله: "تصديق ذلك في كتاب الله ... ".
وكذلك رواه أيوب، عن القاسم بن محمد. ومن طريقه رواه الإمام أحمد (٧٦٣٤)، وابن خزيمة (٢٤٢٦) كلاهما عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، بإسناده.
وعبّاد بن منصور، ضعف، تغيّر بأخره؛ ولذا قالوا: إنّ هذه الزّيادة منكرة، فلعلْ تلاوة هذه الآية من كلام أبي هريرة.
بل قد وقع التصريح في رواية ابن جرير بأنّ تلاوة الآية من كلام أبي هريرة. ذكره الحافظ في الفتح (٣/ ٢٨٠) ولم يعلّه بشيء.
وأما الترمذيّ فقال عقبه: "هذا حديث حسن صحيح، وقد رُوي عن عائشة، عن النبي ﷺ ". قلت: حديث عائشة سيأتي.
ثم قال الترمذي: "وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرّبّ ﵎ كل ليلة إلى السّماء الدّنيا، قالوا: قد تثبت
стр. 2525
الروايات في هذا، ويؤمن بها، ولا يتوهّم، ويقال: "كيف". هكذا رُوي عن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، أنّهم قالوا في هذه الأحاديث: "أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة.
وأما الجهمية: فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه!
وقد ذكر الله ﵎ في غير موضع من كتابه (اليد) و (السمع والبصر) فتأوّلت الجهمية هذه الآيات، ونشروها على غير ما فسّر أهل العلم وقالوا: إنّ الله لم يخلق آدم يده، وقالوا: إنّما معني اليد: القوّة.
وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، فهذا تشبيه.
وأما إذا قال كما قال الله: يد، وسمع، وبصر. ولا يقول: كيف، ولا يقول: مثل سمع ولا كسمع، فهذا لا يكون تشيهًا، وهو كما قال الله ﵎ في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشوري: ١١] ". انتهى كلام الترمذيّ ﵀.
قوله: "فَلُوَّه" بفتح الفاء وضمّ اللّام وتشديد الواو - أي المهر، سُمّي بذلك لأنّه فَلِي عن أمّه أي عزل وفصل. وفي رواية عند مسلم: "فلُوّه أو فصيله".
وفي رواية أخرى: "فَلُوَّه أو قَلُوصَه". والفصيل: ولد النّاقة إذا فصل من إرضاع أمِّه. والقلوص: هي الناقة الفتية، ولا تطلق على الذّكر.
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : أيها الناس! إنّ الله طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طيبًا وإنَّ الله أمير المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]. ثم ذكر الرَّجل يُطِيلُ السَّفر أشعثَ أغبر يمدُّ يديه إلى السَّماء: يا ربِّ! يا ربِّ! ومطعمه حرامٌ ومشربه حرام وملبسُه حرامٌ وغذيَ بالحرام فأني يستجاب لذلك".
صحيح: رواه مسلم في الزّكاة (١٠١٥) عن أبي بكر محمد بن العلاء، ثنا أبو أسامة، ثنا فضيل ابن مرزوق، حدثني عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره.
٥ - باب مضاعفة ثواب الصّدقة
• عن عائشة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّ الله ليربِّي لأحدكُم التَّمرة واللُّقمة كما يربِّي أحدكم فلُوَّهُ أو فصيله حتَّى يكون مثل أُحُدٍ".
صحيح: رواه أحمد (٢٦١٣٥) وصحَّحه ابنُ حبان (٣٣١٧) كلاهما من طريق عبد الصمد،
стр. 2526
قال: حدّثنا حماد (هو ابن سلمة) عن ثابت، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، فذكرته.
وعزاه الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١١١) إلى الطبرانيّ في الأوسط.
وفاته عزوه إلى الإمام أحمد، وقال: "ولعائشة حديث يأتي بعد هذا".
قلت: وهو الآتي.
• عن عائشة، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّ الرّجل ليتصدّق بالصّدقة من الكسب الطّيب، ولا يقبل الله إلّا الطّيب، فيتلقاه الرّحمن ﵎ بيده فيربيها كما يُربّي أحدكم فلوّه، ووصيفه، أو قال: فصيله".
حسن: رواه البزّار -كشف الأستار (٩٣١) -، والطبراني في الأوسط (مجمع البحرين ١٤١٢) كلاهما من حديث إسماعيل، حدّثني أبي، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، فذكرته.
قال البزّار: "لا نعلم رواه هكذا إلّا أبو أويس".
أورده الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١١٢) وقال: "رواه البزّار، ورجاله ثقات".
وقال أيضًا (٣/ ١١١): "رواه الطبرانيّ في الأوسط، ورجاله رجال الصّحيح". ظنا منه أنهما حديثان، والصّواب أنه حديث واحد، وإن اختلف بعض لفظه.
وإسناده حسن من أجل الكلام في إسماعيل وهو ابن أبي أويس -واسمه عبد الله- فمختلف فيه غير أنه حصن الحديث، وهو من رجال الشيخين.
وأبوه أبو أويس الأصبحيّ هو عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصحي أيضًا مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، وقد روى له مسلم.
٦ - باب من تصدَّق بحرام كان إصره عليه
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من جمع مالًا حرامًا ثم تصدّق به لم يكن له فيه أجر، وكان إصرُه عليه".
حسن: رواه ابن حبان (٣٣٦٧) عن ابن سلم، حدّثنا حرملة بن يحيى، حدّثنا ابن وهب، قال: سمعت عمرو بن الحارث يقول: حدّثني درّاج أبو السّمح، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في درّاج أبي السّمح غير أنه حسن الحديث في غير أبي الهيثم.
وابن حجيرة هو عبد الرحمن بن حجيرة -مصغرًا- البصريّ القاضي، ثقة من رجال مسلم.
قوله: "إصره عليه" الإصْر: الإثم والعُقوبة.
٧ - باب ما جاء في إهداء غير مرغوب فيه
• عن عائشة، قالت: أهدي إلى النبيّ ﷺ ضبّ، فلم يأكله. قالت عائشة: يا
стр. 2527
رسول الله، ألا نطعمه المساكين؟ قال: "لا تطعموهم ما لا تأكلون".
حسن: رواه أحمد (٢٤٩١٧) والطبرانيّ في الأوسط (مجمع البحرين - ١٤٠٩) كلاهما من حديث عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة، ثنا حمّاد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، فذكرته.
قال الطبرانيّ: "لم يروه عن حماد بن أبي سليمان إلّا ابن سلمة، والثوريّ".
قلت: وإسناده حسن من أجل حماد بن أبي سليمان فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ١١٣) وقال: "ورجاله موثقون".
٨ - باب الترغيب في الصّدقة
• عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: قال الله : "أَنْفِقْ أُنْفِقْ عليك". وقال: يد الله ملأي لا تغيضُها نفقةٌ سحَّاءُ الليل والنَّهار. وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السَّماء والأرض فإنه لم يغض ما في يده. وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٨٤)، ومسلم في الزكاة (٩٩٣) كلاهما من طريق أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم مختصر، وقد سبق تفصيله في كتاب الإيمان.
• عن أبي ذرّ، قال: "كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة عشاء ونحن ننظر إلى أُحُدٍ فقال لي رسول الله ﷺ : يا أبا ذر! قال قلت: لبيك يا رسول الله! قال: ما أُحبُّ أنَّ أُحُدًا ذاك عندي ذهب أمسى ثالثة عندي منه دينارٌ إلّا دينارًا أرصدُهُ الدين إلّا أن أقول به في عباد الله هكذا -حثا بين يديه- وهذا عن يمينيه وهكذا عن شماله". قال: ثم مشينا، فقال: "يا أبا ذر" قال قلت: لبيك يا رسول الله! قال: "إنّ الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلّا من قال هكذا وهكذا وهكذا" -مثل ما صنع في المرة الأولى- قال: ثم مشينا. قال: "يا أبا ذرٍّ! كما أنت حتَّى آتيك". قال: فانطلق حتى توارى عنِّي. قال: سمعت لغطًا، وسمعت صوتًا. قال: فقلت: لعل رسُول الله ﷺ عُرض له! قال: فهممت أن أتَّبعه قال: ثم ذكرت قوله: "لا تبرح حتي آتيك" قال: فانتظرته فلما جاء ذكرت له الذي سمعت. قال: فقال: "ذاك جبريل أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنَّة. قال: قلت: وإن زني وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق".
стр. 2528
متفق عليه: رواه البخاريّ في الاستقراض (٢٣٨٨)، ومسلم في الزكاة (٩٩٤: ٣٢) كلاهما من طريق الأعمش، عن زيد بن وهب، عن أبي ذرّ، فذكره.
وفي رواية عند مسلم من وجه آخر:
عن أبي ذر، قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده ليس معه إنسان. قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد. قال: فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت فرآني، فقال: "من هذا؟ " فقلت: أبو ذر جعلني الله فداءك، قال: يا أبا ذر! تعاله"، قال: فمشيت معه ساعة، فقال: "إنّ المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلّا من أعطاه الله خيرًا فنفح فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرا". قال: فمشيت معه ساعة. فقال: "اجلسن ها هنا". قال: فأجلسني في قاع حوله حجارة، فقال لي: "اجلسْ ها هنا حتى أرجع إليك". قال: فانطلق في الحرَّة حتَّى لا أراه فلبث عني أطال اللبث ثم إني سمعته وهو مقبل وهو يقول: "وإن سرق وإن زنى". قال: فلما جاء لم أصبر فقلت: يا نبي الله! جعلني الله فداءك من تكلم في جانب الحرَّة ما سمعت أحدًا يرجع إليك شيئا؟ قال: "ذاك جبريل عرض لي في جانب الحرَّة، فقال: بشِّر أُمَّتك أنَّه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قلت: يا جبريل؟ وإن سرق وإن زني؟ ! قال: نعم قال: قلت: وإن سرق وإن زني! قال: نعم قال: قلت: وإن سرق وإن زني؟ ! قال: نعم وإن شرب الخمر! ".
٩ - باب أن الصدقة تطفئ الخطيئة
• عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة: "يا كعب بن عجرة! الصوم جُنّةٌ، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قربان أو قال: برهان"
حسن: رواه أحمد (١٤٤٤١)، وصححه ابن حبان (٤٥١٤)، والحاكم (٤/ ٤٢٢) كلهم من طريق ابن خُثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل ابن خثيم وهو عبد الله بن عثمان فإنه حسن الحديث.
١٠ - باب ما نقص مالٌ من صدقة
• عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: ما نقصتْ صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلّا عزًّا، وما تواضع أحدٌ إلّا رفعه الله".
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٨٨) من طرق، عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن أبي كبشة الأنماريّ، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ثلاثة أُقسِمُ عليهنَّ
стр. 2529
وأحدثكم حديثا فاحفظوه قال: ما نقص مال عبد من صدقة ... " الحديث.
حسن: رواه الترمذيّ (٢٣٢٦) عن محمد بن إسماعيل، ثنا أبو نعيم، حدّثنا عبادة بن مسلم، حدّثنا يونس بن خبّاب، عن سعيد الطّائيّ أبي البختريّ، أنه قال: حدّثني أبو كبشة الأنماري فذكره. قال الترمذيّ: حسن صحيح.
وإسناده حسن من أجل يونس بن خبّاب تكلم فيه لسوء معتقده؛ لأنه كان غاليا في تشيّعه غير أنه حسن الحديث إذا لم يكن ما يرويه مؤيدًا لبدعته.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن عبد الرحمن بن عوف يقول: إنّ رسول الله ﷺ قال: "ثلاث والذي نفس محمد بيده، إن كنت لحالفًا عليهنّ: لا ينقص مالٌ من صدقة، فتصدَّقوا. ولا يعفو عبدٌ عن مظلمة يبتغي بها وجه الله إلّا رفعه الله بها عزًّا".
وقال أبو سعيد مولى بني هاشم: "إلّا زاده الله بها عزًّا يوم القيامة".
ولا يفتح عبد باب مسألة إلّا فتح الله عليه باب فقر".
رواه الإمام أحمد (١٥٧٤)، وأبو يعلى (٨٤٩)، والبزار -كشف الأستار (٩٢٩) - من حديث أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، قال: حدّثني قاصّ أهل فلسطين، قال: سمعت عبد الرحمن بن عوف يقول (فذكره).
غير أنّ البزّار رواه من طريق يونس بن خبّاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه. وخالفه عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، قال: حدّثني قاص أهل فلسطين، فذكره.
قال البزّار: وحديث أبي سلمة عن قاص أهل فلسطين، عن عبد الرحمن أصح.
وفيه رجل لم يسم وهو قاص أهل فلسطين، وبه أعلّه الهيثميّ في "مجمع الزوائد" (٣/ ١٠٥).
وأما يونس بن خبّاب وهو الأسيدي مولاهم الكوفي فمختلف فيه، أكثر أهل العلم على تضعيفه؛ لأنه كان يشتم الصحابة عمومًا، وعثمان ﵁ خصوصًا قال أبو داود: كان شتّام الصحابة، وقال الجوزجاني: كذاب مفترٍ.
فالضّابط فيه وفي مثله أنه إذا حدّث بحديث لا يؤيّد مذهبه، ولم يظهر كذبه وخطؤه، فيكون حديثه حسنًا. وقد صحّح الترمذي له حديثا.
١١ - باب حثّ الإمام على الإنفاق في سبيل الله إذا رأى المصلحة في ذلك
• عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النِّمار -أو العباء- متقلِّدي السيوف عامتهم من مضر -بل كلهم من مضر- فتمعَّر وجه رسول الله ﷺ لما رأي بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فامر بلالًا فأذن وأقام فصلَّى ثم خطب فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ
стр. 2530
الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [سورة النساء: ١]، والآية التي في الحشر ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة الحشر: ١٨] تصدق رجل من دينار من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره". حتى قال: "ولو بشق تمرة" .. قال: جاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجر عنها -بل قد عجزت-قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهب. فقال رسول الله ﷺ : "من سنَّ في الإسلام سنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئةً كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غيره من غير أن ينقص من أوزارهم شيءٌ".
صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠١٧) عن محمد بن المثنى العنزيّ، أخبرنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، عن المنذر بن جرير، عن أبيه، فذكره.
ورواه من وجه آخر عن عبد الرحمن بن هلال العبسي، عن جرير بن عبد الله قال: "جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله ﷺ عليهم الصوف فرأي سوء حالهم قد أصابتهم حاجة". فذكر بمغني حديثهم.
• عن أبي مسعود الأنصاريّ، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمرنا بالصدقة انطلق أحدنا إلى السوق فتحامل فيضيب المد وإن لبعضهم اليوم لمائة ألف.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤١٦) عن سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، عن شقيق، عن أبي مسعود الأنصاريّ، فذكر الحديث.
واتّفق الشّيخان فروى البخاريّ في التفسير (٤٦٦٨) ومسلم في الزكاة (١٠١٨) كلاهما من حديث محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود ﵁، قال: "لما أمرنا بالصدقة كنا نتحامل فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إنّ الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الأخر إلّا رئاء فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٧٩] ".
١٢ - كراهة الإحصاء في الصّدقة
• عن أسماء بنت أبي بكر، أنها جاءت النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله! ليس لي شيء إلّا ما أدخل عليَّ الزبير، فهل عليَّ جناح أن أرضخ ممّا يدخل عليَّ؟ فقال: "ارضخي ما استطعت ولا توعي فيوعي الله عليك".
стр. 2531
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٣٤)، ومسلم في الزكاة (١٠٢٩) كلاهما من حديث حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج، أخبرنا ابن أبي مليكة، أن عباد بن عبد الله بن الزبير أخبره، عن أسماء بنت أبي بكر، أنها جاءت، فذكرته. واللّفظ لمسلم، واختصره البخاريّ، ولم يذكر القصة.
وفي رواية عندهما "انفحي أو انضحي أو انفقي". هذه كلها في مسلم، وفي البخاريّ: انفقي (وحده)، ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا تُرعي فرعي الله عليك".
روياه عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، البخاريّ (٢٥٩١)، ومسلم (١٠٢٩).
وفي سنن أبي داود (١٦٩٩)، والترمذي (١٩٦١)، والنسائي (٢٥٥١): "أعطي وتُوكي فيوكي عليك".
وقوله: "ولا توكي" أي لا تدخري، والإيكاء: شدّ رأس الوعاء، وهو الرّباط الذي يربط به.
وفي الحديث من الفقه أنّ ربة البيت لها أن تنفق ما زاد من الرّزق، ولا تدخّره. هذا إذا كانت تُعطي النفقة يوميًا بقدر حاجتها، وأما إذا أعطيت زيادة على ذلك لمدة غير معلومة فلها أن تدخّره الغابر الزمان لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [سورة الإسراء: ٢٩]، وكلّ هذا من باب البرّ والإحسان.
• عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قال: كنا يوما في المسجد جلوسا ونفر من المهاجرين والأنصار، فأرسلنا رجلا إلى عائشة ليستأذن فدخلنا عليها، قالت: دخل علي سائل مرة وعندي رسول الله ﷺ فأمر له بشيء ثم دعوت به، فنظرت إليه فقال رسول الله ﷺ : "أما تريدين أن لا يدخل بيتك شيء ولا يخرج إلّا بعلمك؟ ". قلت: نعم. قال: مهلا يا عائشة! لا تحصي فيحصي الله عليك".
حسن: رواه النسائي (٢٥٤٩) عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب، حدّثني اللّيث، قال: حدّثنا خالد، عن ابن أبي هلال، عن أمية بن هند، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، فذكره.
وفيه أمية بن هند، وهو المزني الحجازيّ، ويقال: إنه ابن هند بن سعد بن سهل بن حنيف، لم يوثقه غير ابن حبان (٤/ ٤١) ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول".
قلت: وهو كذلك لأنه توبع. رواه الإمام أحمد (١٤٤١٨)، وأبو يعلى (٤٤٦٣)، وصحّحه ابن حبان (٣٣٦٥) كلّهم من طريق ابن إدريس، عن الأعمش، عن الحكم، عن عروة، عن عائشة، أنّ سائلًا سأل، قالت: فأمرتُ الخادم فأخرج له شيئًا. قالت: فقال النبي ﷺ : يا عائشة! لا تُحصي فيُحصي الله عليك". واللّفظ لأحمد.
وابن إدريس هو عبد الله الأودي أبو محمد الكوفي من رجال الجماعة.
стр. 2532
• عن ابن أبي مليكة، أنّ عائشة تصدَّقتْ بشيء، فأمرتْ بريرة أن تأتيها، فتنظر إليه. فقال النبيّ ﷺ : "لا تُحصي فيُحصى عليك".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٤٧٧٣) عن سريج، قال: حدثنا نافع، عن ابن أبي مليكة، أنّ عائشة، فذكرته. وسريج هو ابن النعمان من رجال البخاريّ.
ونافع هو ابن عمر بن عبد الله بن جميل الجمحيّ من رجال الجماعة.
ورواه أبو داود (١٧٠٠) من وجه آخر عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة، أنها ذكرت عدّة مساكين -أو عدّة من صدقة-، فقال لها النبيّ ﷺ : "أعطي ولا تحصي فيُحصى عليك".
١٣ - باب إظلال الصدقة صاحبها يوم القيامة
• عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس - أو قال: يحكم بين الناس".
قال يزيد: وكان أبو الخير لا يخطئه يوم إلّا تصدق فيه بشيء ولو كعكة أو بصلة أو كذا.
صحيح: رواه أحمد (١٧٣٣٣)، وأبو يعلى (١٧٦٦) كلاهما من طريق ابن المبارك -وهو في زهده (٦٤٥) - قال: أخبرنا حرملة بن عمران، أنه سمع يزيد بن أبي حبيب يحدّث أنّ أبا الخير حدّثه، أنّه سمع عقبة بن عامر، يقول: فذكره.
وإسناده صحيح، وأبو الخير هو: مرثد بن عبد الله اليزني -بفتح الزاي- من رجال الجماعة.
وقد صحّحه ابن خزيمة (٢٤٣١)، وابن حبان (٣٣١٠)، والحاكم (١/ ٤١٦) كلّهم من هذا الوجه.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
وأمّا رواه الطبرانيّ في "الكبير" (١٧/ ٢٨٦) عن يحيى بن عثمان بن صالح، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا رشدين بن سعد، حدّثني عمرو بن الحارث وابن لهيعة والحسن بن ثوبان، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، مرفوعًا: إنّ الصدقة لتطفئ عن أهلها حر القبور، وإنما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته".
فإسناده ضعيف من أجل رشدين بن سعد، ضعّفه جمهور أهل العلم، ولم يتنبه إليه الحافظ الهيثميّ في " المجمع " (٣/ ١١٠) فعلّل الحديث بابن لهيعة مع أنه توبع، وكذلك قول الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب (١٣٠٨) رواه الطبراني، والبيهقيّ وفيه ابن لهيعة" فإنه علّله أيضًا بابن لهيعة مع أنه توبع، ولم يعلل برشدين بن سعد الذي اتفق أهل العلم على تضعيفه.
وأما عزوه للبيهقيّ فهو في شعب الإيمان (٣٣٤٧) ولكن وقع فيه تحريف شديد فإنه رواه من طريق يحيي بن عثمان بن صالح، نا أبو صالح كانب الليث، حدّثني ابن لهيعة، ورشدين بن سعد،
стр. 2533
عن الحسن، عن ثوبان، عن عمرو بن الحارث، ويزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، فذكره. فجعل رشدين بن سعد متابعًا لابن لهيعة.
والظاهر وقع خطأ من الطابع أو من الناسخ، والصواب ما في رواية الطبرانيّ فإنّ الذي تابع ابن لهيعة هما عمرو بن الحارث والحسن بن ثوبان، والراوي عنهم جميعًا رشدين بن سعد، كما سقط حرف "عن" بين عمرو بن الحارث، وبين يزيد بن أبي حبيب، وزيد حرف "عن" بين الحسن وثوبان، والصّواب: عن الحسن بن ثوبان".
والخلاصة: أنّ هذا الإسناد يدور على رشدين بن سعد، فتنبه لذلك.
١٤ - باب قول المَلَكَيْن: اللهُمَّ! أعط منفقًا خلفًا
• عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: ما من يوم يصبح العباد فيه إلّا ملكان ينزلان. فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر! اللهم! أعط ممسكا تلفا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٤)، ومسلم في الزكاة (١٠١٠) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، حدّثني معاوية بن مزرِّد، عن سعيد بن يسار أبي الحباب، عن أبي هريرة، فذكره. قوله: "خلفًا" بفتحات: أي عوضًا.
• عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما طلعت شمس قط إلّا بعث بجنبتيها مكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلّا الثقلين: يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم فإن ما قلَّ وكفى خيرٌ مما كثر وألهى، ولا آبت شمس قط إلّا بعث بجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلّا الثقلين: اللهم! أعط منفقًا خلفًا وأعط ممسكا مالًا تلفًا".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢١٧٢١)، والطبراني في الأوسط (٢٩١٢)، وصحّحه ابن حبان (٦٨٦)، والحاكم (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٠) كلّهم من طريق قتادة، عن خليد العصريّ، عن أبي الدّرداء، فذكره.
واللّفظ لأحمد، وبعضهم رواه مختصرًا.
قال الحاكم: "حديث صحيح الإسناد".
قلت: وهو كما قال، فإنّ خليد وهو ابن عبد الله أبو سليمان العصريّ، روي له مسلم، إلّا أنه حسن الحديث.
لأني لم أقف على توثيق أحد، وذكره ابن حبان في " الثقات" (٤/ ٢١٠) وقال: "يقال: إنّ هذا مولى لأبي الدّرداء".
стр. 2534
١٥ - باب مثل المتصدِّق والبخيل
• عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جُبَّتَانِ من حديدٍ من ثديِّهما إلى تراقيهما، فأمَّا المُنْفِقُ قلا ينفق إلّا سَبَغَتْ أو وفرتْ على جلده حتى تُخفي بنانه وتعفو أثره. وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلّا لَزِقَتْ كل حلقةٍ مكانها فهو يوسِّعُها ولا تتّسع".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٤٣)، ومسلم في الزكاة (١٠٢١) كلاهما من طريق أبي الزّناد، عن الأعرج، أنه سمع أبا هريرة، فذكره.
فائدة: قال الحافظ ابن حجر: "المراد من هذا الحديث أنّ الجواد إذا همَّ بالصدقة انفسح لها صدره، وطابت نفسه، فتوسَعتْ في الإنفاق. والبخيل إذا حدَّث نفسه بالصّدقة شحَّت نفسه، فضاق صدره وانقبضتْ يداه". انظر: الفتح (٣/ ٣٠٦).
١٦ - باب ما جاء في ذمّ البخل
• عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إنّ لفلان نخلة في حائطي فمره فليبعنيها أو ليهبها لي قال: فأبي الرجل، فقال رسول الله ﷺ : "افعل ولك بها نخلةٌ في الجنَّةِ". فأبي فقال النبي ﷺ : "هذا أبخل الناس".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٣٠٨٥) عن وكيع، حدّثنا الأعمش، عن أبي صالح ذكوان، عن بعض أصحاب النبيّ ﷺ ، فذكره. وإسناده صحيح.
ذكره الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ١٢٧) وقال: رجاله رجال الصّحيح.
• عن أنس: أن رجلا قال يا رسول الله، إنّ لفلان نخلة وأنا أقيم حائطى بها فأمره أن يعطيني حتى أقيم حائطي بها فقال له النبي ﷺ : "أعطها إياه بنخلة في الجنة". فأبي فأتاه أبو الدحاح فقال: بعني نخلتك بحائطي ففعل، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني قد ابتعْت النخلة بحائطي. قال: فاجعلها له، فقد أعطيتكها. فقال رسول الله ﷺ : "كم من عذقٍ رداحٍ لأبي الدَّحداح في الجنة! ". -قالها مرارًا- قال: فأتى امرأته فقال: يا أم الدحداح! اخرجي من الحائط فإني قد بعته بنخلة في الجنة. فقالت: ربح البيع! أو كلمة تشبهها.
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٢٤٨٢)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٧٦٢) وصحّحه ابن حبان (٧١٥٩)، والحاكم (٢/ ٢٠) كلّهم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، فذكره. واللّفظ لأحمد.
стр. 2535
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
وقوله: "عذق" بالكسر: الغصن، وبالفتح: النخلة.
وقوله: "رَداح": الثقيل لكثرة ما فيه من الثمار.
• عن جابر بن عبد الله: أنَّ رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إنّ لفلان في حائطي عذقا، وإنه قد آذاني وشق علي مكان عذقه. فأرسل إليه النبي ﷺ فقال: "بعني عذقك الذي في حائط فلاي". قال: لا قال: "فهبه لي". قال: لا. قال: "فبعنيه بعذق في الجنة". قال: لا. فقال النبي ﷺ : "ما رأيت الذي هو أبخل منك إلّا الذي يبخل بالسلام! ".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٤٥١٧) عن أبي عامر العقديّ، حدّثنا زهير، عن عبد الله بن محمد ابن عقيل، عن جابر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد الله بن محمد بن عقيل فإنه حسن الحديث.
ومن طريقه أخرجه الحاكم (٢/ ٢٠) وجعله شاهدًا لحديث أنس.
١٧ - باب من أدّى الزكاة ينال أجر المهاجر في سبيل الله
• عن أبي سعيد الخدري: أن أعرابيًا سأل رسول الله ﷺ عن الهجرة فقال: "ويحك إنّ شأنها شديد! فهل لك من إبل تؤدي صدقتها؟ ". قال: نعم. قال: "فاعمل من وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئًا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٥٢)، ومسلم في الإمارة (١٨٦٥) كلاهما من طريق الوليد بن مسلم، حدّثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، حدّثني ابن شهاب الزهريّ، حدّثني عطاء ابن يزيد اللّيثي، أنه حدّثهم، قال: حدّثني أبو سعيد الخدري، فذكره.
قوله: "إنّ الله لن يترك من عملك شيئًا" أي أن الله لن ينتقص من عملك، مثل قوله: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [سورة محمد: ٣٥].
فائدة: قال الحافظ ابن حجر: "في هذا الحديث فضل أداء زكاة الإبل، ومعادلة إخراج حق الله منها لفضل الهجرة؛ فإن في الحديث إشارة إلى أن استقراره بوطنه إذا أدّى زكاة إبله يقوم له مقام ثواب هجرته وإقامته بالمدينة".
١٨ - باب الترغيب في المبادرة بالصدقة قبل أن لا يجد من يقبلها منه
• عن حارثة بن وهب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تصدقوا، فيوشك الرجل يمشي بصدقته فيقول الذي أُعطيها: لو جئتنا بها بالأمس قبلتها، فأما الآن
стр. 2536
فلا حاجة لي بها، فلا يجد من يقبلها".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤١١)، ومسلم في الزكاة (١٠١١) كلاهما من طريق شعبة، عن معبد بن خالد، قال: سمعت حارثة بن وهب، يقول (فذكر الحديث)، واللّفظ لمسلم.
• عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض حتي يُهمَّ ربَّ المال من يقبلهُ منه صدقةً ويُدعى إليه الأجل فيقول: لا أب لي فيه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤١٢)، ومسلم في الزكاة (١٥٧/ ٦١) كلاهما من وجهين مختلفين عن أبي هريرة. واللّفظ لمسلم.
• عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها منه وحتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا".
صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٥٧/ ١٦٠) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا يعقوب (وهو ابن عبد الرحمن القارئ)، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وقوله: "مروجًا" أي رياضًا ومزارع. وقيل: المرج هو الموضع الذي يرعى فيه الدّواب.
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "تقيءُ الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذَّهب والفضَّة فيجئ القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع فقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئًا".
صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠١٣) من طرق عن محمد بن فضيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ ، قال: "ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب ثم لا يجد أحدًا يأخدها منه، ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤١٤)، ومسلم في الزكاة (١٠١٢) كلاهما من حديث محمد بن العلاء أبي كريب (وزاد مسلم عبد الله بن برّاد الأشعريّ) قالا: حدّثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، فذكر الحديث.
قوله: "يلذن به" أي ينتمين إليه ليقوم بحوائجهنّ، ويذبّ عنهنّ، فلا يطمع فيهنّ أحدٌ بسببه.
• عن عديّ بن حاتم، قال: كنت عند رسول الله ﷺ فجاءه رجلان أحدهما
стр. 2537
يشكو العيلة، والآخر يشكو قطع السبيل قال رسول الله ﷺ : "أما قطع السبيل فإنه لا يأتي عليك إلّا قليل حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير، وأما العيلة فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له ثم ليقولنَّ له: ألم أوتك مالًا؟ فليقولنَّ: بلى. ثم ليقولن: ألم أرسل إليك رسولا؟ فليقولن: بلي. فينظر عن يمينه فلا يرى إلّا النار، ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلّا النار، فليتَّقينَّ أحدكم النار ولو بشق تمرة فإن لم يجد فبكلمة طيبة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤١٣) عن عبد الله بن محمد، حدّثنا أبو عاصم النّبيل، أخبرنا سعدان بن بشر، حدّثنا أبو مجاهد، حدّثنا محل بن خليفة الطاّئيّ، قال: سمعت عديّ بن حاتم، فذكر الحديث. ورواه مسلم في الزكاة (١٠١٦) من أوجه أخرى عن عدي بن حاتم مختصرا.
قوله: "بغير خفير" الخفير: المجير، من خفر الرجل أي أجاره.
و"العيلة": الفاقة والفقر.
١٩ - باب الحثّ على الصّدقة وإن قلّت، وقوله ﷺ : "اتقوا النّار ولو بشقّ تمرة" ونحو ذلك
• عن عائشة، قالت: دخلت امرأة معها ابنتان لها تسأل فلم تجد عندي شيئا غير تمرة فأعطيتها إياها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها ثم قامت فخرجت، فدخل النبي ﷺ علينا فأخبرته فقال: "من ابتلي من هذه البنات بشيءٍ كنَّ له سترًا من النار".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤١٨)، ومسلم في البرّ والصلة (٢٦٢٩) كلاهما من طريق عبد الله، أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: حدّثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عروة، عن عائشة، فذكرته.
• عن أبي مسعود الأنصاريّ، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمرنا بالصدقة انطلق أحدنا إلى الشوق فتحامل فيصيب المد وإن بعضهم اليوم مائة ألفٍ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤١٦) عن سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، عن شقيق، عن أبي مسعود الأنصاريّ، فذكر الحديث. وروياه البخاريّ (١٤١٥) ومسلم (١٠١٨) من وجه آخر عن شعبة، عن سليمان (الأعمش)، عن أبي وائل (شقيق)، عن أبي مسعود في سياق أطول، وسيأتي في كتاب التفسير.
• عن عدي بن حاتم، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اتّقوا النار ولو بشقّ تمرة".
стр. 2538
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤١٧)، ومسلم في الزكاة (١٠١٦) كلاهما من طريق أبي إسحاق، قال: سمعت عبد الله بن معقل، قال: سمعت عدي بن حاتم، فذكر الحديث.
وزادا من طريق الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن خيثمة، عن عدي بن حاتم: "فمن لم يجد فبكلمة طيبة". رواه البخاريّ في الرقاق (١٥٤٠)، ومسلم.
• عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا النار ولو بشقّ تمرة".
حسن: رواه أحمد (٢٥٠٥٧) عن وكيع، والبزار -كشف الأستار (٩٣٦) - عن محمد بن بشار، ومحمد بن خداش، قالا: ثنا أبو عاصم -كلاهما عن محمد بن سليم-، وهو رجل من أهل مكة (قاله البزار) - عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، فذكرته.
قال البزّار: لا نعلمه عن عائشة إلّا بهذا الإسناد، وقد حدّث به عن محمد بن سليم وكيع وأبو عاصم.
قلت: إسناده صحيح، ومحمد بن سليم هو أبو عثمان المكي، رُوي عن ابن أبي مليكة، روي عنه وكيع وأبو عاصم النبيل وغيرهما، وهو ثقة وثقه ابن معين وابن حبان، وقال أبو حاتم: صالح، وهو لا ينزل عن درجة "صدوق"، وقد قال فيه الحافظ: "ثقة".
وقد وهم الحافظ الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ١٠٥) فظن أنه محمد بن سليم أبو هلال الراسبي، فأعلّه به مع أنه بصريّ، والذي عندنا هو مكي كما قال البزار، ثم إن الهيثمي لم يعزه إلا إلى أحمد مع أنه أورده في كشف الأستار، ونقل فيه كلام البزّار بأنه مكي، فتنبّه.
وأمّا ما رُوي عنها: "يا عائشة! اشتري من النار ولو بشقّ تمرة، فإنها تسدّ من الجائع مسدّها من الشبعان" فإنه منقطع.
رواه الإمام أحمد (٢٤٥٠١) عن محمد بن عبد الله، حدّثنا كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله، عن عائشة، فذكرته.
والمطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب المخزومي عامة أحاديثه مراسيل، اختلف في إدراكهـ عائشة، فالأكثر على أنه لم يسمع منها إلّا ما قاله أبو زرعة: أرجو أن يكون سمع من عائشة". وقال أبو حاتم: "لم يدرك عائشة، ويشبه أن يكون أدرك جابرًا". انظر للمزيد "تحفة التحصيل" للعراقي.
وكثير بن زيد هو الأسلميّ أبو محمد المدني، مختلف فيه إلّا أنه حسن الحديث.
ولم يشر الهيثميّ إلى إسناد هذا الحديث، وإنما ضم الحديثين في حديث، وتكلم على الرواية الأولى فقط.
• عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا النّار ولو بشقّ تمرة".
حسن: رواه البزّار -كشف الأستار (٩٣٤) -، عن محمد بن بشار، ثنا محمد بن الفضل، ثنا حماد بن سلمة، عن حُميد، عن أنس، فذكره.
وعزاه الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ١٠٦) إلى البزار، والطبراني في "الأوسط" وقال: "رجال
стр. 2539
البزار رجال الصحيح".
قلت: وهو كما قال إلّا أن في الإسناد محمد بن الفضل السدوسي أبو النعمان المعروف بعارم وثقه جماهير أهل العلم إلّا أنه تغير في آخر عمره كما قال البخاريّ.
وقال أبو حاتم: "اختلط عارم في آخر عمره وزال عقله، فمن سمع منه قبل الاختلاط فسماعه صحيح".
قلت: ولم يذكر أحدٌ أن محمد بن بشار ممن سمع منه بعد الاختلاط.
ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٢٤٣٠) من وجه آخر عن أنس بن مالك، أن النبيّ ﷺ قال: "افتدوا من النار ولو بشقّ تمرة". وفيه سنان بن سعد الكنديّ، ويقال: سعد بن سنان الكنديّ ضعيف.
وفي الباب ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "اتقوا النّار ولو بشقّ تمرة". رواه البزّار -كشف الأستار (٩٣٧) - عن أحمد بن عبدة، أبنا عثمان بن عبد الرحمن، قال: محمد بن زياد، عن أبي هريرة، فذكره.
قال البزّار: "قد رُوي عن أبي هريرة من غير هذا الوجه، وهذا الإسناد عن أبي هريرة أحسن إسناد يروى في ذلك وأصحه.
قلت: إنّ كان هذا أصحّه فغيره أضعف منه، مع أن فيه عثمان بن عبد الرحمن وهو الجمحيّ، قال البخاريّ: "مجهول". وقال أبو حاتم: "ليس بالقوي يكتب حديثه ولا يحتج بها. وقال: ابن عدي: "منكر الحديث". وساق في ترجمته عدّة أحاديث منكرة وقال: وهذه الأحاديث لعثمان التي ذكرتها عامتها لا يوافقه عليها الثقات، وله غير ما ذكرت، وعامة ما يرويه مناكير إمّا سندًا وإما متنًا".
قلت: حديثه هذا ليس فيه نكارة، ولم يذكره ابن عدي في جملة الأحاديث التي أُنكرت عليه، وقال الذهبي في "الميزان": "رُوي عنه علي بن المديني ونصر بن علي وجماعة، وعاش بعد الثمانين ومائة صويلح".
وفهم الهيثميّ من كلام البزّار أنه حسّن حديثه. "المجمع" (٣/ ١٠٦) فالله أعلم بالصّواب.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "ليتّق أحدُكم وجهه النار، ولو بشقِّ تمرة".
رواه الإمام أحمد (٣٦٧٩) عن عمار بن محمد، عن إبراهيم، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، فذكره.
وإبراهيم هو مسلم العبدي أبو إسحاق الهجري ضعّفه جمهور أهل العلم منهم: ابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وأبو أحمد الحاكم، وغيرهم. وهو من رجال ابن ماجه.
ووهم الحافظ الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٠٥) فقال بعد أن عزاه لأحمد: "رجاله رجال الصحيح". وهو ليس كذلك.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن النعمان بن بشير، رواه البزّار -كشف الأستار (٩٣٥) -، وفيه أيوب
стр. 2540
ابن جابر بن سيار السّحيميّ، ضعفه جمهور أهل العلم، وبه أعله الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٠٦).
وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي بكر قال: سمعت رسول الله ﷺ على أعواد المنبر يقول: "اتّقوا النار ولو بشقّ تمرة، فإنّها تقيم العَوَج، وتدفع ميتة السُّوء، وتقع من الجائع موقعها من الشّبعان". رواه أبو يعلي (٨٥)، والبزّار -كشف الأستار (٩٣٣) - كلاهما عن محمد بن إسماعيل ابن على الوساوسي، حدّثنا زيد بن الحباب العُكْليّ، عن عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل، عن شرحبيل بن سعد، عن جابر بن عبد الله، عن أبي بكر الصديق، قال (فذكره).
قال البزار: "لا نعلم حدث به عن زيد إلّا محمد بن إسماعيل، ولم يتابع عليه، ولا يروي عن أبي بكر إلّا بهذا الإسناد وحده".
قلت: وإسناده ضعيف جدًّا، فإنّ محمد بن إسماعيل الوساوسي البصريّ، ذكره الحافظ الذهبي في "الميزان" وقال: قال أحمد بن عمرو البزار الحافظ: كان يضع الحديث، وقال الدارقطني وغيره: ضعيف.
قال الدارقطني في "العلل" (١/ ٢٢١ - ٢٢٢): "يرويه محمد بن إسماعيل الوساوسي بإسناده ولم يتابع عليه، والوساسي هذا ضعيف، وغيره يرويه عن شرحبيل بن سعد مرسلًا، ولا يذكر فيه جابرًا ولا أبا بكر". وبه أعله الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٠٥).
وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : "اتّقوا النار ولو بشقِّ تمرة".
رواه أبو يعلى (٢٧٠٧)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٦٣) كلاهما من حديث محمد بن بشار بندار، حدّثنا عبد الرحمن بن عثمان البكراويّ، عن إسماعيل بن مسلم المكي، عن أبي رجاء، عن ابن عباس، فذكره.
وفيه عبد الرحمن بن عثمان أبو بحر البكراوي، قال أحمد: طرح الناُس حديثه، وروى عباس الدوري عن ابن معين: ضعيف، وكذا ضعّفه النسائيّ.
وبه أعلّه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣/ ١٠٥ - ١٠٦) إلا أنه قال: "وفيه كلام، وقد وُثِّق".
وفي الباب أحاديث أخرى ضعيفة. انظر: "المجمع" (٣/ ١٠٥ - ١٠٦).
٢٠ - الشّفاعة في الصّدقة
• عن أبي موسى الأشعريّ، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ قَال: "اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَلَيْقْضِ اللهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأدب (٦٠٢٨)، ومسلم في البر والصلة (٢٦٢٧) كلاهما من حديث بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، فذكره.
• عن معاوية بن أبي سفيان، قال: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا فَإِنِّي لأرِيدُ الَأمْرَ فَأُؤَخِّرُهُ
стр. 2541
كَيْمَا تَشْفَعُوا فَتُؤْجَرُوا فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "اشَفُعوا تُؤْجَرُوا".
صحيح: رواه أبو داود (٥١٣٢)، والنسائي (٢٥٥٧) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أخيه، عن معاوية، فذكره، واللفظ لأبي داود.
وأمّا سياق النّسائي فإنه جعل قول معاوية مرفوعا، ولفظه: "إنَّ الرَّجُلَ لَيَسْألُنِي الشَّيْءَ فَأَمْنَعُهُ حَتَّى تَشْفَعُوا فِيهِ فَتُؤْجَرُوا". ثم قال: وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا".
فالظّاهر أنه وقع خطأ في نسخة النسائيّ؛ لأنّ سياق الكلام يدل على أنّ المرفوع هو قوله: "اشفعوا تؤجروا" فقط.
٢١ - باب ما جاء في أفضل الصّدقات
• وعن أبي هريرة، قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: يَا رسُولَ اللهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَال: "أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذَا، وَلفُلانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤١٩)، ومسلم في الزكاة (١٠٣٢: ٩٣) كلاهما من طريق عبد الواحد، حدّثنا عمارة بن القعقاع، حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا أبو هريرة، فذكر الحديث.
قوله: "وأنت صحيح شحيح" الشُّح: بخل مع حرص.
• عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "خير الصّدقة ما كان عن ظهر غنًى، وابدأ بمن تعول".
صحيح: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٢٦) عن عبدان، أخبرنا عبد الله بن يونس، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، أنه سمع أبا هريرة، فذكر الحديث.
قوله: "عن ظهر غنًى" أي عمّا يغنيه ومن يعول.
• عن حكيم بن حزام، عن النبيّ ﷺ قال: "الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِن الْيَدِ السُّفْلَي، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ الله وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٢٧) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا وهيب، حدّثنا هشام، عن أبيه، عن حكيم بن حزام، فذكره.
ورواه مسلم في الزكاة (١٠٣٤) من وجه آخر ولم يذكر فيه: "ومن يستعفف يعفّه الله، ومن يستغن يغنه الله".
• عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِن الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأُ بِمَنْ تَعُولُ وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ".
стр. 2542
صحيح: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٢٨) فقال: وعن وهيب، أخبرنا هشام، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، بهذا.
ولم يذكر لفظ الحديث، وإنما أحال على لفظ حديث حكيم.
وقوله: "وعن وهيب" ليس معلقًا، وإنما هو موصول بالاسناد السابق يعني: عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، به.
هذا الذي صنعه المزي في "التحفة" (١٠/ ٢٥٦)، وابن حجر في الفتح (٣/ ٢٩٦) غير أنه قال: "وقد وصل حديث أبي هريرة من طريق وهيب الإسماعيلي قال: أخبرني ابن ياسين، حدّثنا محمد بن سفيان، حدّثنا حبان -هو ابن هلال-، حدّثنا وهيب، حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال مثل حديث حكيم" فقوله: "وقد وصل ... إلخ" فيه إيهام بأنّ البخاري رواه معلقًا، وليس كذلك؛ ولذلك لم يذكره في "تغليق التعليق".
• عن عبد الرحمن بن عبد الله بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِك، عَنْ عبد الله بْنِ كَعْبٍ -وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَيِنهِ حِينَ عَمِيَ- قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فِي حَديثِهِ ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] فَقَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِه: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنِّي أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ".
متفق عليه: رواه البخاري في الأيمان (٦٦٩٠)، ومسلم في التوبة (٢٧٦٩) مطولًا، كلاهما من حديث ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، به، فذكره.
• عن بسر بن جحاش القرشي قال: بزق النبي ﷺ في كفه، ثم وضع أصبعه السبابة وقال: "يقول الله : أني تعجزني، ابن آدم! وقد خلقتك من مثل هذه، فإذا بلغت نفسك هذه -وأشار إلى حلقه- قلت: أتصدق، وأني أوان الصدقة؟ ".
صحيح: رواه ابن ماجه (٢٧٠٧) وأحمد (١٧٨٤٢) والحاكم (٢/ ٥٠٢) كلهم من طرق عن حريز ابن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن جبير بن نفير، عن بسر بن حجاش القرشي قال: فذكره.
وإسناده صحيح، وعبد الرحمن بن مبرة الحضرمي الحمصي وثَّقه ابن حبان والعجلي، وقال أبو داود: شيوخ حريز كلهم ثقات، وصححه ابن حجر في الإصابة (٦٤٤).
وزاد الحاكم: وتلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٦ - ٣٩]. وقال: "صحيح الإسناد".
• عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصدقة عن ظهر
стр. 2543
غنًى، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السُّفلي".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٤٥٣١) عن روح، حدّثنا ابنُ جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، فذكره. وإسناده صحيح.
ومن هذا الوجه أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٣٣٤٥) إلا أنه لم يذكر فيه الفقرة الثالثة من الحديث.
وروي أيضًا عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ بِمِثْلِ بَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَصَبْتُ هَذِهِ مِنْ مَعْدِنٍ فَخُذْهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ الله ﷺ ، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قَبَلِ رُكْنِهِ الَأيْمَنِ، فَقَال: مِثْلَ ذَلِكَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قَبَلِ رُكْنِهِ الَأيْسَرِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ فَأَخَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَحَذَفَهُ بِهَا فَلَوْ أَصَابَتْهُ لَأوْجَعَتْهُ أَوْ لَعَقَرَتْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَأُتِي أَحَدَكُمْ بِمَا يَمْلِكُ فَيَقُولُ هَذِهِ صَدَقَةً ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى".
وفي رواية: "خُذْ عَنَّا مَالَكَ لا حَاجَةَ لَنَا بِهِ".
رواه أبو داود (١٦٧٣) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن جابر بن عبد الله، فذكره.
والرواية الثانية (١٦٧٤) من طريق ابن إدريس، عن ابن إسحاق، بإسناده.
وصحّحه ابن خزيمة (٢٤٤١)، وابن حبان (٣٣٧٢)، والحاكم (١/ ٤١٣)، وقال: صحيح على شرط مسلم".
قلت: وذلك بناء على مذهب الحاكم، وإلا محمد بن إسحاق ليس على شرط مسلم، كما أنه لم يصرح.
• عن أبي هريرة، قال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: "جُهْدُ الْمُقِلِّ وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ".
صحيح: رواه أبو داود (١٦٧٧) من طرق عن الليث، عن أبي الزّبير، عن يحيى بن جعدة، عن أبي هريرة، فذكره.
والحديث في مسند الإمام أحمد (٨٧٠٢) من هذا الوجه.
وصحّحه ابن خزيمة (٢٤٤٤، ٢٤٥١)، وابن حبان (٣٣٤٦)، والحاكم (١/ ٤١٤) من طرق عن الليث بن سعد، بإسناده.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". وهذا وهمٌ منه، فإنّ مسلمًا لم يخرج ليحيى بن جعدة.
وقوله: "جهد المقل" الجُهد -بالضّم-: الوسع والطّاقة، أي ما يحتمله حال القليل المال. وقيل: أي مجهوده لقلّة ماله، وإنما يجوز له الإنفاق إذا قدر على الصّبر، ولم يكن له عيال،
стр. 2544
وإلّا فالأفضل ما كان عن ظهر غني. قاله السِّنديّ.
• عن عبد الله بن حبْشيّ الخثعميّ قال: إنّ النّبيَّ ﷺ سئل: أيّ الصدقة أفضل؟ فقال: "جهد المقل".
حسن: رواه أبو داود (١٤٤٩) مطولًا، ومختصرًا (١٣٢٥) عن الإمام أحمد وهو في مسنده (١٥٤٠١) عن حجاج قال: قال ابن جريج، حدثني عثمان بن أبي سليمان، عن علي الأزديّ، عن عبيد بن عمير، عن عبد الله بن حبشي، فذكره مطولا.
ورواه النسائي (٢٥٢٦) من وجه آخر عن حجاج بإسناده، مثله.
وإسناده حسن من أجل علي الأزدي وهو ابن عبد الله البارقي مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
• عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "سبق دِرْهَمٌ ماِئَةَ أَلْفِ دِرْهَم! قَالُوا: وَكَيْفَ؟ قَالَ: "كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ تَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا وَانْطَلَقَ رَجُلٌ إِلَى عُرْضِ مَالِهِ فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا".
حسن: رواه النسائيّ (٢٥٢٧) عن قتيبة، حدّثنا الليث، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، والقعقاع، عن أبي هريرة، فذكره. ومن هذا الطريق رواه أيضًا الإمام أحمد (٨٩٢٩).
وإسناده حسن من أجل محمد بن عجلان المدني وهو حسن الحديث.
وقد صححه ابن خزيمة (٢٤٤٣)، وابن حبان (٣٣٤٧)، والحاكم (١/ ٤١٦) كلهم رووه من طريق ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
وهذا إسناد حسن أيضًا، وابن عجلان له شيخان، وكلا الطريقين حسن.
وأما ما رُوي عن أنس، قال: سئل النبيُّ ﷺ أيّ الصّوم أفضل بعد رمضان؟ فقال: "شعبان لتعظيم رمضان. وقيل: أي الصدقة أفضل؟ قال: "صدقة في رمضان". فهو ضعيف.
رواه الترمذيّ (٦٦٢) عن محمد بن إسماعيل، حدّثنا موسي بن إسماعيل، حدّثنا صدقة بن موسى، عن ثابت، عن أنس، فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب، وصدقة بن موسى ليس عندهم بذاك القوي".
قلت: وهو كما قال؛ فإن صدقة بن موسى وهو الدّقيقيّ ضعفه أبو داود، وقال أبو حاتم: لين الحديث، وذكره ابن حبان في الضعفاء (٤٩٠) وقال: "كان شيخًا صالحًا إلا أن الحديث لم يكن صناعته، فكان إذا روي قلَّب الأخبار حتى خرج عن حدّ الاحتجاج به. وقال: سئل يحيى بن معين عنه، فقال: ليس بشيء.
٢٢ - باب كراهية التصدق بجميع المال
• عن سعد بن أبي وقّاص: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ: لِي
стр. 2545
مَالٌ أُوصِي بِمَالِى كُلِّهِ؟ قَالَ: "لا" قُلْتُ: فَالشَّطْرِ؟ قَالَ: "لا": قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟ قَالَ: "الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَنْ تدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ، وَلَعَلَّ اللهَ يَرْفَعُكَ يَنْتَفِعُ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرُّ بِكَ آخَرُونَ".
متفق عليه: رواه البخاري في النّفقات (٥٣٥٤)، ومسلم في الوصية (١٦٢٨) كلاهما من طريق سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن سعد، فذكره. واللفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه. والحديث في موطأ مالك في الوصية (٤) عن الزّهريّ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، مطولًا، وفيه قال: "أفأتصدق بثلثي مالي ... إلخ".
فالاختلاف في السؤال فكأنّه سأل أولًا عن الكلّ، ثم عن الثّلثين، ثم عن التصف، ثم عن الثلث.
وقع ذلك كلّه في صحيح مسلم من طريق حميد بن عبد الرحمن الحميريّ، عن ثلاثة من ولد سعد كلّهم يحدثه عن أبيه.
• عن عبد الرحمن بْن عبد الله بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِك، عَنْ عبد الله بْنِ كَعْبٍ -وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ- قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] فَقَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِه: إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنِّي أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي صَدَقَّةً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بِعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرُ لَكَ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأيمان (٦٦٩٠)، ومسلم في التوبة (٢٧٦٩) مطولًا، كلاهما من حديث ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، به، فذكره.
٢٣ - باب الرخصة في التّصدق بجميع ماله لمن يصبر على ذلك
• عن عمر بن الخطاب قال: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ فَوافَقَ ذَلِكَ مَالا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْر إِنْ سَبَقْتُهُ يَومًا فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا أَبَقَيْتَ لأهْلِكَ؟ ". قُلْتُ: مِثْلَهُ. قَالَ: وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا أَبْقَيْتَ لَأهْلِكَ؟ ". قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمْ اللهَ وَرَسُولَهُ. قُلْتُ: لا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا! ".
حسن: رواه أبو داود (١٦٧٨)، والترمذي (٣٦٧٥) كلاهما من حديث الفضل بن دكين، حدّثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، فذكره. قال الترمذي: "حسن صحيح".
ومن هذا الوجه رواه الحاكم (١/ ٤١٤) وقال: "صحيح على شرط مسلم".
стр. 2546
قلت: وهو كما قال، وإسناده حسن من أجل الكلام في هشام بن سعد المدني وهو إن كان من رجال مسلم فقد تكلّم فيه ابن معين والنسائي وغيرهما، ومشّاه الآخرون وهو حسن الحديث.
قال البيهقي ﵀: "إنّ قوله ﷺ : "خير الصدقة ما كان عن ظهر غني". وقوله حين سئل عن أفضل الصدقة: "جهد من مقل" إنما يختلف باختلاف أحوال الناس في الصبر على الشّدة والفاقة، والاكتفاء بأقل الكفاية". ثم روى حديث الباب من طريق أبي داود.
٢٤ - باب إذا تصدّق وهو محتاج إليه بردّ عليه
• عن أبي سعيد، أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ, فَقَالَ: "صَلِّ رَكْعَتَيْنِ" ثُمَّ جَاءَ الْجُمُعَةَ الثَّانِيَةَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ: "صَلِّ رَكْعَتَيْنِ". ثُمَّ جَاءَ الْجُمُعَةَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: "صَلِّ رَكْعَتَيْنِ" ثُمَّ قَالَ: "تَصَدَّقُوا". فَتَصَدَّقُوا، فَأَعْطَاهُ ثَوْبَيْنِ ثُمَّ قَالَ: "تَصَدَّقُوا" فَطَرَحَ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَمْ تَرَوْا إِلَى هَذَا، أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ بِهَيْئَةٍ بَذَّةٍ فَرَجَوْتُ أَنْ تَفْطِنُوا لَهُ، فَتَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَلَمْ تَفْعَلُوا، فَقُلْتُ: تَصَدَّقُوا، فَتَصَدَّقْتُمْ فَأَعْطَيْتُهُ ثَوْبَيْنِ، ثُمَّ قُلْتُ: تَصَدَّقُوا، فَطَرَحَ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ، خُذْ ثَوْبَكَ" وَانْتَهَرَهُ! .
حسن: رواه النسائي (٢٥٣٦) عن عمرو بن علي، قال: حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا ابن عجلان، عن عياض (وهو ابن عبد الله بن سعد بن أبي سرح)، عن أبي سعيد، فذكره.
وإسناده حسن من أجل ابن عجلان -وهو محمد بن عجلان- فإنه حسن الحديث. ومن طريقه رواه أصحاب السنن مختصرًا ومطولًا، كما سبق في كتاب الجمعة.
وصححه ابن خزيمة (١٧٩٩)، وابن حبان (٢٥٠٣) وهو في مسند الإمام أحمد (١١١٩٧) كلّهم من هذا الوجه.
٢٥ - باب ما جاء في فضل إخفاء الصّدقة
قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ".
стр. 2547
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٢٣)، عن مسدّد، عن يحيى القطّان، عن عبيد الله، قال: حدّثني خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
ورواه مسلم في الزكاة (١٠٣١) عن زهير بن حرب، ومحمد بن المثنى جميعًا عن يحيى القطّان، به، مثله إلّا أنه قال: "وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ".
واختلف أهل العلم على تعيين الواهم في هذا الحديث، فقيل: هو من دون مسلم، وقيل: من مسلم نفسه، وقيل: من شيخه زهير، وقيل: من شيخ شيخه يحيى القطان.
وذهب الحافظ إلى نفي الخطأ عن يحيى القطان بناء على أنه رواه عنه على الصّواب جماعة، كما في روايات البخاري وأحمد وغيرهما.
فالظاهر أنّ الخطأ يعود إلى زهير؛ لأن مسلما يشعر بأنه ساقه بلفظه، والله أعلم. وانظر للمزيد: فتح الباري (٢/ ١٤٦).
ورواه مالك في الشّعر (١٤) عن خبيب بن عبد الرحمن الأنصاري، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد الخدريّ أو عن أبي هريرة، فذكره بمثل حديث البخاري.
ومن طريق مالك رواه مسلم، وقال: بمثل حديث عبد الله، ولم يذكر لفظه.
قلت: هكذا رواه مالك عن أبي سعد أو أبي هريرة على الشك.
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢/ ٢٨٠): "وروى هذا الحديث عن مالك كل من نقل الموطأ عنه فيما علمت على الشك في أبي هريرة وأبي سعيد إلّا مصعبًا الزّبيري وأين قرّة موسي بن طارق فإنهما قالا فيه: عن مالك، عن خبيب، عن حفص، عن أبي هريرة وأبي سعيد جميعًا، عن النبيّ ﷺ ... ورواه الوقار عن ثلاثة من أصحاب مالك، عن مالك، عن خبيب، عن حفص، عن أبي سعيد الخدريّ وحده لم يذكر أبا هريرة على الجمع ولا على الشّك ... والحديث محفوظ لأبي هريرة بلا شك من رواية خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، ومن غير هذا الإسناد أيضًا. والذي رواه عن خيب، عن حفص، عن أبي هريرة من غير شك عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب وهو أحد أئمة الحديث الأثبات في الحفظ والنّقل".
• وعن أبي ذرّ، عن النبيّ ﷺ قال: "ثَلاثةٌ يُحِبُّهُمُ الله، وَثَلاثَةٌ يبغضهم الله؛ فَأَمَّا الَّذين يُحِبُّهُمُ الله: فَرَجُلٌ أَتَى قَوْمًا فَسَأَلَهُمْ بِاللهِ، وَلَمْ يَسْأَلْهُم بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُم، فَمَنَعُوهُ فتخلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ، فَأَعْطَاهُ سِرًّا لا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلا اللهُ، وَالَّذِى أَعْطَاهُ، وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إذَا كَانَ النَّومُ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مما يَعْدِل بِهِ، وَنَزَلُوا فَوَضَعُوا رُؤُوسَهُمْ فَقَامَ أَحَدُهُمْ يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي، وَرَجُلٌ كَانَ في سَريَّةٍ فَلَقُيَ الْعَدُوَّ فَهُزِمُوا، وَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يقْتَلَ أوْ يُفتَحَ لَهُ. والثَّلاثَةُ يُبْغِضُهُمْ الله: الشَّيْخُ الزَّانِي، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ، والغنيُّ الظَّلُومُ".
стр. 2548
حسن: رواه الترمذي (٢٥٧٠)، والنسائي (٢٥٧٠) كلاهما من حديث محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن منصور بن المعتمر، قال: سمعت ربعي بن حراش، يحدث عن زيد بن ظبيان -برفعه إلى أبي ذر، فذكره. واللفظ للترمذي، وقال: هذا حديث صحيح.
وصححه أيضًا ابن خزيمة (٢٤٥١)، وابن حبان (٣٣٤٩) كلاهما من هذا الوجه، ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (٢١٣٥٥)، ورواه الحاكم (٢/ ١١٣) من وجه آخر عن شعبة وصحّحه.
قلت: وفي الإسناد زيد بن ظبيان لم يرو عنه إلا ربعي بن حراش، ولم يوثقه أحد غير ابن حبان ذكره في الثقات، وأخرج عنه في "صحيحه" هو وشيخه ابن خزيمة؛ ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول"، أي حيث يتابع وقد توبع، فقد رواه الإمام أحمد (٢١٥٣٠) من وجه آخر عن مطرف بن عبد الله بن الشّخير قال: بلغني عن أبي ذر حديثٌ، فكنت أحب أن ألقاه، فلقيته فقلت له: يا أبا ذر، بلغني عنك حديث فكنتُ أحبُّ أن ألقاك فأسألك عنه، فقال: لقد لقيت فاسأل، فسأله، فذكر أبو ذرّ بعض هذا الحديث وزاد فيه البعض الآخر. وإسناده صحيح. وانظر مزيدًا من التخريج في قيام الليل.
٢٦ - باب التّغليظ في الرياء والسّمعة في الصّدقة
• عن سليمان بن يسار، قال: تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ لَهُ نَاتِلُ أَهْلِ الشَّامِ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ".
صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٩٠٥) عن يحيى بن حبيب الحارثي، حدّثنا خالد بن الحارث، حدّثنا ابن جريج، حدّثني يونس بن يوسف، عن سليمان بن يسار، فذكره.
قوله: "ناتل أهل الشّام"، وفي رواية "ناتل الشّامي" وهو ناتل بن قيس الجذامي الشّامي من أهل
стр. 2549
فلسطين، وهو تابعي، وكان أبوه صحابيًّا، وكان ناتل كبير قومه.
٢٧ - باب النّهي عن رمي المتصدِّق بالكثير من الصّدقة بالرياء والسمعة بدون حجّة
• عن أبي مسعود، قال: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ فَقَالُوا: مُرَائِي! ، وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ فَقَالُوا: إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا! ، فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآية".
صحيح: رواه البخاري في الزكاة (١٤١٥) عن عبيد الله بن سعيد، حدّثنا أبو النعمان الحكم (وهو ابن عبد الله البصريّ)، حدّثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود، قال (فذكره).
٢٨ - باب الأذكار والخصال التي تقوم مقام الصدقة وكل معروف صدقة
• عن أبي موسى، عن النبيّ ﷺ قال: "عَلَى كُلِّ مُسْلِم صَدَقَةٌ". فقالوا: يَا نَبِيَّ اللهِ! ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: "يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيْنَفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ". قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: "يعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ". قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: "فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعُروفِ وَليُمْسِكْ عَن الشَّرِّ فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٤٥)، ومسلم في الزكاة (١٠٠٨) كلاهما من طريق شعبة، ثنا سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جدّه، فذكره.
وقوله: "يعين ذا الحاجة الملهوف" الملهوف: المستغيث.
• عن عائشة، قالت: إنّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلاثِ مِائَةِ مَفْصِلٍ، فَمَنْ كَبَّرَ اللهَ، وَحَمِدَ اللهَ، وَهَلَّلَ اللهَ، وَسَبَّحَ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ اللهَ، وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ شَوْكَةً وعظمًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَلَاثِ مِائَةِ السُّلَامَى فَإِنَّهُ يُمْشِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ".
صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠٠٧) عن حسن بن علي الحلواني، ثنا أبو توبة الربيع بن نافع، ثنا معاوية (يعني ابن سلام)، عن زيد، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عبد الله بن فروخ، أنه سمع عائشة، فذكرت الحديث.
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ: كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا، أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى
стр. 2550
الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد (٢٩٨٩)، ومسلم في الزكاة (١٠٠٩) كلاهما من طريق عبد الرزاق، ثنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
• وعن أبي هريرة، قال: جَاءَ الْفُقَرَاءُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنَ الْأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ؛ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فُضُلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا وَيَعْتَمِرُونَ وَيُجَاهِدُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، فَقَالَ: "أَلَا أُحَدِّثُكُمْ إِنْ أَخَذْتُمْ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ إِلَّا من عَمِلَ مِثْلِه؟ تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ" قَالَ: فَاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا فَقَالَ بَعْضُنَا: نُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: "تَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاللهُ أَكْبَرُ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهُنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلاة (٨٤٣)، ومسلم في الصلاة (٥٩٥) كلاهما من حديث معتمر، عن عبيد الله، عن سُمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره، واللفظ للبخاريّ.
وفي مسلم: "إنّ فقراء المهاجرين أتوا النبيّ ﷺ ، فقالوا" الحديث.
قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء".
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الإنسان ثلاثمائة وستون عظمًا، أو ستة وثلاثون سُلامي، عَلَيْهِ فِي كلِّ يوم صدقة". قالوا: يَا رسول الله! فمن لَمْ يجد؟ قال: "يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر". قالوا: فمن لَمْ يستطع؟ قال: "يرفع عظمًا من الطّريق". قالوا: فمن لَمْ يستطع؟ قال: "فليهدِ سبيلًا". قالوا: فمن لَمْ يستطع؟ قال "فليعن ضعيفًا". قالوا: فمن لَمْ يستطع ذَلِكَ؟ قال: "فليدع الناس من شرِّه".
صحيح: رواه البزار - كشف الأستار (٩٢٨) عن محمد بن المثنى، ثنا يحيى بن حمّاد، ثنا أبو عوانة، عن سليمان، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
قال البزّار: "لا نعلم رواه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة إلا أبو عوانة".
قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٠٤): "هو في الصحيح باختصار". وقال: "رواه كله البزار ورجاله رجال الصحيح".
قلت: وهو كما قال، وأبو عوانة هو وضّاح -بتشديد الضّاد- اليشكري، ثقة ثبت من رجال
стр. 2551
الجماعة، فلا يضرّه تفرّده.
• عن أبي هريرة، قال: قال أبو ذرّ: يَا رَسُولَ اللهِ! ذَهَبَ أَصْحَابُ الدُّثُورِ بِالأجُرِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَلَهُمْ فُضُولُ أَمْوَالٍ يَتَصَدَّقُونَ بِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ إِذَا قُلْتَهُنَّ أَدْرَكْتَ مَنْ سَبَقَكَ وَلَا يَلْحَقُكَ مَنْ خَلْفَكَ مَنْ أَخَذَ بِمِثْلِ عَمَلِكَ؟ » قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "تُكَبِّرُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ, وَتَحْمَدُه، ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ, وَتُسَبِّحُه ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً، وَتَخْتِمُهَا بِلا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, لَهُ الْمَلِكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".
صحيح: رواه أبو داود (١٥٠٤) عن عبد الرحمن بن إبراهيم، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا الأوزاعي، حدثني حسان بن عطية، قال: حدثني محمد بن أبي عائشة، حدثني أبو هريرة، فذكره.
وإسناده صحيح، والوليد وإن كان مدلسًا فقد صرح بالتحديث.
وصححه ابن حبان (٢٠١٥)، وهو في مسند الإمام أحمد (٧٢٤٣) كلاهما من هذا الوجه إلا أن أبا داود زاد في آخر الحديث: "غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَيَدِ الْبَحْرِ".
• عن أبي ذرَ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا للنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ! ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ؟ قَالَ: "أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ".
صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠٠٦) ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، ثنا مهدي بن ميمون، ثنا واصل مولى أبي عيسنة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الدّيلي، عن أبي ذرّ.
ورواه في كتاب الصلاة (٨٢٠) من هذا الوجه وزاد فيه: ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضّحى". وقوله: "أهل الدّثور" الدّثور جمع دثر: هو المال الكثير.
• عن أبي ذر، أنّ رسول الله ﷺ قال: "ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشّمس". قيل: يا رسول الله! ومن أين لنا صدقة نتصدق
стр. 2552
بها؟ ، فقال: "إنّ أبواب الخير لكثيرة: التسبيح، والتحميد، والتكبير، والتهليل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق، وتسمع الأصم، وتهدي الأعمى، وتدل المستدل على حاجته، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة منك على نفسك".
محيح: رواه ابن حبان (٣٣٧٧) عن أبن سلم، حدّثنا حرملة، حدّثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن سعيد بن أبي هلال حدثه عن أبي سعيد المهري، عن أبي ذر، فذكره. وإسناده صحيح. وفي معناه ما روي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "على كل منسم من الإنسان صلاة". فقال رجل من القوم: هذا شديد ومن يطبق هذا؟ قال: "أمر بالمعروف ونهي عن المنكر صلاة، وإن حملا عن الضعيف صلاة، وإن كل خطوة يخطوها أحدكم إلى صلاة صلاة".
رواه أبو يعلى (٢٣٣٤، ٢٤٣٥)، والبزار -كشف الأستار (٩٢٦) - من طريقين الوليد بن أبي ثور وأبي الأحوص، كلاهما عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
وانوليد بن أبي ثور هو الوليد بن عبد الله بن أبي ثور ينسب إلى جده ضعيف.
ومن طريقه وحده رواه البزار. إلا أن الوليد قد توبع، وعلته سماك بن حرب، وهو وإن كان في نفسه صدوقًا إلا أنه لما تغيّر صار يقبل التلقين، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة كما قال الإمام أحمد وغيره من أهل العلم.
قال البزار: "لا نعلمه عن ابن عباس إلا عن سماك عن عكرمة عنه".
قوله: "على كل مَنْسم من الإنسان صلاة" أي على كلّ مَفْصِل من مفاصل الإنسان.
ورواه الطبراني في الصغير (١/ ١٢٩) من وجه آخر من طريق علي بن محمد الزياد آباذي الشّيرازيّ، حدّثنا سالم بن نوح، عن هشام بن حسان، عن قيس بن سعد، عن طاوس، عن ابن عباس رفع الحديث إلى النبيّ ﷺ قال: "على كل سلامي من ابن آدم في كل يوم صدقة، ويجزئ من ذلك كله ركعة الضّحي".
قال الطبراني: "لم يروه عن هشام بن حسان إلا سالم، تفرد به علي بن محمد".
قلت: وهو كما قال، والصواب في هذا ما رواه سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن طاوس من قوله. أخرجه الحسين بن حرب في "البر والصلة" (٢٨٦) قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، به.
• عن حذيفة، عن النبي ﷺ قال: "كلّ معروفٍ صدقةٌ".
صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠٠٥) من طريقين عن أبي مالك الأشجعيّ، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان، فذكره.
• عن جابر، عن النبيّ ﷺ قال: "كلّ معروف صدقة".
стр. 2553
صحيح: رواه البخاريّ في الأدب (٦٠٢١) عن علي بن عياش، حدّثنا أبو غسان، قال: حدّثني محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، فذكره.
• عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ مَعْروفٍ صَدَقَةٌ وَإِنَّ مِن الْمَعْرُوفِ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بَوَجْهٍ طَلْقٍ وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلوِكَ فِي إِنَاءِ أَخِيكَ".
حسن: رواه الترمذي (١٩٧١) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا المنكدر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، فذكره. وقال: حديث حسن صحيح.
وإسناده حسن فإنّ المنكدر بن محمد بن المنكدر مختلف فيه، فقال: أبو طالب عن أحمد: ثقة. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سئل علي بن المديني عنه، فقال: هو عندنا صالح، وليس بالقوي، وكذا قال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين. ولكن ضعّفه أبو زرعة وأبو داود والنسائي والجوزجاني وغيرهم.
والخلاصة فيه أنه يحسن حديثه إذا تبين أنه لم يخطئ فيه.
ومن هذا الطريق رواه الإمام أحمد (١٤٧٠٩)، والبغوي في شرح السنة (٦/ ١٤٢ - ١٤٣) وقال: حديث حسن.
• عن عبد الله بن يزيد الخطمي قال: قال رسول الله ﷺ : "كلّ معروف صدقة".
حسن: رواه أحمد (١٨٧٤١) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢١١٨) والبخاري في الأدب المفرد (٢٣١) كلهم من حديث عبد الجبار بن عباس، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في عبد الجبار بن عباس غير أنه حسن الحديث.
وذكره الهيثمي في المجمع (٣/ ١٣٦) وقال: "رواه أحمد والطبراني في الكير ورجال أحمد ثقات".
• عن أبي جُريّ جابر بن سُليم، قال: رَأَيْتُ رَجُلًا يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيِهِ لَا يَقُولُ شَيْئًا إِلَّا صَدَرُوا عَنْهُ , قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: رَسُولُ اللهِ ﷺ , قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللهِ -مَرَّتَيْنِ- قَالَ: "لَا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلَامُ؛ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ , قُل: السَّلَامُ عَلَيْكَ". قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: "أَنَا رَسُولُ اللهِ الَّذِي إِذَا أَصَابَكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَهُ عَنْكَ, وَإِنْ أَصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لَكَ, وَإِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ قَفْراء أَوْ فَلَاةٍ فَضَّلَتْ رَاحِلَتُكَ فَدَعَوْتَهُ رَدَّهَا عَلَيْكَ". قَالَ: قُلْتُ: اعْهَدْ إِلِيَّ , قَالَ: "لَا تَسُبَّنَّ أَحَدًا". قَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرًّا وَلَا عَبْدًا وَلَا بَعِيرًا وَلَا شَاةً. قَالَ: "وَلَا تَحْقِرَنَّ شيئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَعْرُوفِ, وَارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاق فَإِنْ أَبْيَتَ
стр. 2554
فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ, وَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ, وَإِنِ امْرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ فَلَا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ , فَإِنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ".
صحيح: رواه أبو داود (٤٠٨٤) -واللفظ له-، والترمذيّ (٢٧٢٢) كلاهما من حديث أبي غفار المثني بن سعيد الطائي، عن أبي تميمة الهجيمي، عن جابر بن سليم، فذكره.
واختصره الترمذي وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وصحّحه الحاكم (٤/ ١٨٦)، وأخرج نحوه الإمام أحمد (٢٠٦٣٥) كلاهما من طريق أبي تميمة الهجيمي، عن جابر، نحوه. وله طرق أخرى غير أبي تميمة:
منها ما رواه ابن حبان في "صحيحه" (٥٢٢)، والإمام أحمد (٢٠٦٣٣)، والبغوي في "شرح السنة" (٣٥٠٤) كلهم من طريق سلام بن مسكين، عن عقيل بن طلحة، قال: حدثني أبو جري فذكر نحوه.
وهذا إسناد أيضًا صحيح.
وقد جاء هذا الحديث كاملًا ومختصرًا، ورواه الإمام أحمد من أربعة أوجه كاملًا ومختصرًا، وهو حديث واحد، وجّهه فيه النبي ﷺ إلى مكارم الأخلاق، وهو يتلخص بالفقرات التالية:
١ - "اتق الله".
٢ - "لا تقل: عليك السلام، فإنّ عليك السلام تحية الميت، قل: السلام عليك".
٣ - قال: يا رسول الله، إلى ما تدعو؟ قال: "أدعو إلى الله وحده".
٤ - "أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته (أي الله) كشفه عنك".
٥ - "وإن أصابك عام سنة، فدعوته أنبتها لك".
٦ - "وإذا كنت بارض قفراء أو فلاة فضلّت راحلتك فدعوتَه ردَّها عليك".
٧ - قال: قلت: اعهد إلي. قال: "لا تسُبَّنَّ أحدًا".
قال: فما سببتُ بعده حُرًّا، ولا عبدًا، ولا بعيرًا، ولا شاة.
٨ - "وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك، فلا تعيّره بما تعلم فيه، فإنّما وبال ذلك عليه".
٩ - "ارفع إزارك إلى نصف السّاق، فإنْ أبيت فإلى الكعبين".
١٠ - "إياك وإسبال الإزار، فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة".
١١ - "ولا تحقرنّ شيئًا من المعروف".
١٢ - "ولا تزهدن في المعروف".
١٣ - "ومن المعروف أن تكلم أخاك، وأنت منبسط إليه وجهك".
١٤ - "ومن المعروف ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي".
стр. 2555
• عن أبي بريدة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "فِي الْإِنْسَانِ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَسِتُّونَ، مَفْصِلًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهُ بِصَدَقَةٍ. قَالُوا: وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ ! قَالَ: "النُّخَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ تَدْفِنُهَا، وَالشَّيْءُ تُنَحِّيهِ عَنِ الطَّرِيقِ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَرَكْعَتَا الضُّحَى تُجْزِئُكَ".
حسن: رواه أبو داود (٥٢٤٢) عن أحمد بن محمد المروزيّ، حدثني علي بن حسين، حدثني أبي، حدثني عبد الله بن بريدة، قال: سمعت أبا بريدة، فذكره.
وإسناده حسن للكلام في حسين وهو: ابن واقد المروزي غير أنه حسن الحديث.
وقد صححه ابن خزيمة (١٢٢٦)، وابن حبان (١٦٤٢، ٢٥٤٠) كلاهما من طريق حسين بن واقد، به، مثله. وسبق تخريجه في صلاة الضحى.
٢٩ - باب النهي عن الاختيال في الصّدقة
• عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا في غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلا مَخِيلَةٍ".
حسن: رواه النسائيّ (٢٥٥٩)، وابن ماجه (٣٦٠٥) كلاهما من حديث يزيد بن هارون، قال: أنبأنا همام، عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فذكره".
واللفظ للنسائي، ولفظ ابن ماجه: "كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا مَا لَمْ يُخَالِطْهُ إِسْرَافٌ أَوْ مَخِيلَةٌ".
ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (٦٦٩٥) مثل لفظ النّسائيّ وقال: قال يزيد مرة: "في غير إسراف ولا مخيلة". وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب، فإنه حسن الحديث.
وهمّام هو ابن يحيى العوذي، ومن طريقه رواه الترمذي في جامعه (٢٨١٩) في سياق آخر مختصرًا. و"المخيلة" على وزن عظيمة، وهي بمعنى الخيلاء.
وفي الباب عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : "غَيْرتَانِ إِحْدَاهُمَا يُحِبَّهَا اللهُ ، والُأخْرَى يُبْعِضُهَا اللهُ وَمَخِيلَتَانِ إِحْدَاهُمَا يُحِبُّهَا اللهُ وَالأخْرَى يُبْغضُهَا اللهُ الْغيرَةُ فِي الرَّمْيَةِ يُحِبُّهَا اللهُ وَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِهِ يُبْغِضُهَا اللهُ وَالْمَخِيلَةُ إِذَا تَصَدَّقَ الرَّجُلُ يُحِبُّهَا اللهُ وَالْمَخِيلُةُ فِي الْكِبْرِ يُبْغِضُهَا اللهُ".
رواه الإمام أحمد (١٧٣٩٨) عن عبد الرزاق -وهو في المصنف (١٩٥٢٢) -، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن عبد الله بن زيد الأزرق، عن عقبة بن عامر الجهني، فذكره.
وصحّحه ابن خزيمة (٢٤٧٨)، والحاكم (١/ ٤١٧ - ٤١٨).
وفيه عبد الله بن زيد بن الأزرق لم يوثقه أحد، وإنما ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ١٥) على
стр. 2556
قاعدته؛ ولذا قال فيه ابن حجر في "التقريب": "مقبول" أي حيث يتابع وإلا فلين الحديث.
وإنه كذلك لأنه لم يتابع على هذا وأما الهيثمي فتبع ابن حبان فقال: رجاله رجال الصحيح بعد أن عزاه أحمد والطبراني. "المجمع" (٤/ ٣٢٩).
وأما ما رُوي عن ابن جابر بن عتيك، عن أبيه مرفوعًا: "إِنَّ مِنْ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللهُ , وَمِنْهَا مَا يَبْغُضُ اللهُ , وَمِنْ الْخُيَلَاءِ مَا يُحِبُّ اللهُ , وَمِنْهَا مَا يَبْغُضُ اللهُ ؛ فَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّ اللهُ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ, وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُبْغِضُ اللهُ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ, والاخْتِيَالُ الَّذِي يُحِبُّ اللهُ اخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ وَعِنْدَ الصَّدَقَةِ, وَالِاخْتِيَالُ الَّذِي يَبْغُضُ اللهُ الْخُيَلَاءُ فِي الْبَاطِلِ". فهو ضعيف.
رواه أبو داود (٢٦٥٩)، والنسائي (٢٥٥٨) كلاهما من حديث يحيى بن أبي كثير، عن محمد ابن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن ابن جابر، عن أبيه، فذكره، واللفظ للنسائي.
وفي لفظ أبي داود: "وأما التي يبغض الله فاختياله في البغي".
قال موسي (هو ابن إسماعيل التبوذكي شيخ أبي داود): "والفخر".
ومن هذا الوجه أخرجه الإمام أحمد (٢٣٧٤٧، ٢٣٧٥٢) وصحّحه ابن حبان فرواه في صحيحه (٢٩٥). وفيه ابن جابر وهو عبد الرحمن بن جابر بن عتيك وهو "المجهول" كما في التقريب إلا أن ابن حبان أخرج له في "صحيحه"، ومع ذلك لم يذكره في "ثقاته" وهو على شرطه.
٣٠ - باب فضل جمع الصدقة وأعمال البر
• عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ" فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا عَلَى مَنْ يُدْعَى مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَة، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ".
متفق عليه: رواه مالك في الجهاد (٤٩) عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه البخاري في الصوم (١٧٩٨): ثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثني معن، قال: حدثني مالك.
ورواه مسلم في الزكاة (١٠٢٧) من وجه آخر عن ابن شهاب، به.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا. قَالَ: "فَمَنْ تَبعَ مِنْكُم الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا. قَالَ:
стр. 2557
"فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُم الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا. قَالَ: "فَمَنْ عَادَ مْنْكُم الْيَوْمَ مَريضًا؟ ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إلا دَخَلَ الْجَنَّةَ".
صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠٢٨) عن ابن أبي عمر، ثنا مروان الفزاري، عن يزيد (وهو ابن كيسان)، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة، فذكره.
٣١ - باب صدقة الحي عن الميّت
• عن عائشة، أنّ رجلًا قَال لرسول الله ﷺ : إنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأُرَاهَا لَوْ تَكَّلَمَتُ تَصَدَّقَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَعَمْ".
متفق عليه: رواه مالك في الأقضية (٥٥) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
ورواه البخاري في الوصايا (٢٧٦٠) عن إسماعيل، عن مالك به.
ورواه مسلم في الزكاة (١٠٠٤) من طرق أخرى، عن هشام، به، مثله.
وقوله: "افْتُلِتَتْ" من الفلت معناه: الخروج بسرعة، ومنه كان ذلك فلتة أي فجأة.
• عن ابن عباس: أَنَّ سَعْد بْن عُبَادَةَ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أُمِّي تُوفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا. أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". قال: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا.
صحيح: رواه البخاريّ في الوصايا (٢٧٥٦) عن محمد، أخبرنا مخلد بن يزيد، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني يعلى، أنه سمع عكرمة يقول: أنبأنا ابن عباس يقول (فذكره).
ومحمد هو ابن سلام كما في رواية أبي ذر وغيره، ويعلي هو ابن مسلم سماه عبد الرزاق في روايته عن ابن جريج عنه.
وأم سعد بن عبادة هي عمرة بنت مسعود، ذكر ابن سعد أنها أسلمت وبايعت، وماتت سنة خمس، والنبي ﷺ في غزوة دومة الجندل، وابنها سعد بن عبادة معه.
ورواه البخاري أيضًا (٢٧٧٠) من وجه آخر عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رجلا قال لرسول الله ﷺ : "إنّ أمه توفيت ... ".
والرجل المبهم هنا هو سعد بن عبادة كما سبق، وكما يأتي في الحديث الذي بعده. والمخرف: بستان من نخل، وهو يقع على النخل وعلى الرطب.
• عن أبي هريرة، أَنَّ رَجُلا قَالَ للنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالا وَلَمْ يُوصِ فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ قَالَ "نَعَمْ".
стр. 2558
صحيح: رواه مسلم في الوصية (١٦٣٠) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن سَعْد بْن عُبَادَةَ أنه خرج مع رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَحَضَرَتْ أُمَّهُ الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ، فَقِيلَ لَهَا: أَوْصِي، فَقَالَتْ: فِيمَ أُوصِي إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ؟ فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ سَعْدٌ، فَلَمَّا قَدِمَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، ذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ". فَقَالَ سَعْدٌ: حَائِطُ كَذَا وَكَذَا صَدَقَةٌ عَنْهَا لِحَائِطٍ سَمَّاهُ.
صحيح: رواه مالك في الأقضية (٥٤) عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، عن جدّه، أنه قال: خرج سعد بن عبادة، فذكره. ومن هذا الطريق رواه أيضًا النسائيّ (٣٦٥٠) وصححه ابن خزيمة (٢٥٠٠). ورجاله ثقات وإسناده متصل، وجدّ سعيد بن عمرو هو سعيد بن سعد بن عبادة من صغار الصحابة كما في "التقريب".
قال ابن عبد البر في التمهيد ٢١/ ٩٣: "وهذا الحديث مسند؛ لأنّ سعيد بن سعد بن عبادة له صحبة، قد روى عنه أبو أمامة بن سهل بن حنيف وغيره، وشرحبيل ابنه غير نكير أن يلقى جده سعد ابن عبادة؛ على أن حديث سعد بن عبادة هذا في قصة أنه قد روي مسندًا من وجوه، ومقطوعًا أيضًا بألفاظ مختلفة".
قلت: يشير إلى حديث عائشة وابن عباس السابقين، وإلى حديث أنس وسعد بن عبادة الآتيين.
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أَنَّ العَاصَ بْنَ وَائِل أَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ مِائَةُ رَقَبَةٍ، فَأَعْتَقَ ابْنُهُ هِشَامٌ خَمْسِينَ رَقَبَةً، وَأَرَادَ ابْنُهُ عَمْرٌو أَنْ يُعْتِقَ عَنْهُ الْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةَ، قَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبِي أَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ مِائَةُ رَقَبَةٍ، وَإِنَّ هِشَامًا أَعْتَقَ عَنْهُ خَمْسِينَ , وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ خَمْسُونَ رَقَبَةً، أَفَأُعْتِقُ عَنْهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَأَعْتَقْتُمْ أَوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ أَوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ بَلَغَهُ ذَلِكَ".
حسن: رواه أبو داود (٢٨٨٣) عن العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرني أبي، حدّثنا الأوزاعيّ، حدّثني حسان بن عطية، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب فإنه حسن الحديث.
ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (٦٧٠٤) عن هشيم، أخبرنا حجاج، حدّثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه إلّا أن فيه: "أنّ العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين بدنة، وأن عمرًا سأل النبيّ ﷺ عن ذلك. فقال: "أمّا أبوك فلو
стр. 2559
كان أقرّ بالتوحيد فصمت وتصدّقت عنه نفعه ذلك".
فلعل "رقبة"، التبس على بعض الرواة، فقال: "بدنة". والحجاج هو ابن أرطاة وصف بكثير الخطأ والتدليس، ولعل هذا من أخطائه، وأما تدليسه فهو منتف لأنه صرح بالتحديث. انظر بقية الأحاديث في كتاب العلم.
• عن أنس بن مالك، أنّ سعدًا أتى النبيّ فقال ﷺ : يا رسول الله، إنّ أمّي توفيت ولم تُوصِ، أفينفعها أن أتصدّق عنها؟ قال: "نعم، وعليك بالماء".
حسن: رواه الطبراني في "الأوسط" (٨٠٥٧) عن موسى بن هارون، حدّثنا محمد بن أبي عمر العدني، قال: حدّثنا مروان بن معاوية، عن حميد الطويل، عن أنس، فذكره.
قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٣٨): "ورجاله رجال الصحيح".
قلت: وهو كما قال؛ ومحمد بن أبي عمر -اسم أبي عمر يحيى- إذا هو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني صاحب المسند، روي له مسلم، وهو "صدوق". قال أبو حاتم: "كانت فيه غفلة".
وأما ما رواه أبو داود (١٦٧٩، ١٦٨٠)، والنسائي (٣٣٤٨) (٦/ ٢٥٥)، والإمام أحمد (٢٢٤٥٩)، وصححه ابن خزيمة (٢٤٩٦، ٢٤٩٧)، وابن حبان (٣٣٤٨)، والحاكم (١/ ٤١٤) كلهم من طرق عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، وقرن بعضهم بالحسن، كلاهما عن سعد بن عبادة أنه سأل النبيّ ﷺ : أي الصّدقة أفضل؟ فقال: "سقي الماء".
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
وتعقّبه الذهبي فقال: "لا فإنه غير متصل".
قلت: وهو كما قال، فإن سعيدًا ولد في خلافة عمر بعد متين، وتوفي سعد بن عبادة سنة خمس وعشرين في الشّام، فلا يمكن أن يسمع منه وكذلك الحسن.
وأما ما رُوي عن عقبة بن عامر، قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: إنّ أمي ماتت، وإنّي أريد أن أتصدّق عنها. قال: "أَمَرتْكَ؟ " قال: لا. قال: "فلا تفعل".
رواه الإمام أحمد (١٧٣٥٦، ١٧٤٣٧)، والطبراني في الكبير (١٧ - رقم (٧٧٢) كلاهما من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، فذكره. وابن لهيعة فيه كلام معروف.
ورواه أيضًا الإمام أحمد (١٧٤٣٨) من وجه آخر عن رشدين، حدثني عمرو بن الحارث والحسن بن ثوبان، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، فذكر مثله.
ورشدين هو ابن سعد بن مفلح المهري ضعيف عند جمهور أهل العلم.
قال ابن يونس: كان صالحًا في دينه، فأدركته غفلة الصالحين، فخلط في الحديث.
وللحديث طرق أخرى، وكلها لا تخلو من ضعيف.
стр. 2560
٣٢ - باب دعاء الإمام لمن أتي بصدقته
قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ١٠٣].
• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ، قَالَ: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلانٍ". فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٩٧)، ومسلم في الزّكاة (١٠٧٨) كلاهما من طريق شعبة، عن عمرو (وهو ابن مرة)، عن عبد الله بن أبي أوفيّ، فذكر الحديث.
• عن وائل بن حجر، أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ بَعَثَ سَاعِيًا، فَأَتَى رَجُلًا فَآتَاهُ فَصِيلًا مَخْلُولًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بَعَثْنَا مُصَدِّقَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنَّ فُلَانًا أَعْطَاهُ فَصِيلًا مَخْلُولًا! اللهُمَّ لَا تَبَارِكْ فِيهِ, وَلَا فِي إِبِلِهِ". فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَجَاءَ بِنَاقَةٍ حَسْنَاءَ فَقَالَ: أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَإِلَى نَبِيِّهِ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَفِي إِبِلِهِ".
حسن: رواه النسائيّ (٢٤٥٨) عن هارون بن زيد بن يزيد -يعني ابن أبي الزّرقاء-، قال: حَدَّثَنَا أبيّ، حَدَّثَنَا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، (هو كليب بن شهاب) عن وائل بن حجر، أنَّ النَّبِيّ ﷺ ، قال: فذكره.
وصحّحه ابن خزيمة (٢٢٧٤)، ورواه من طريق سفيان بإسناده، مثله.
قلت: إسناده حسن من أجل عاصم بن كليب، وأبيه فهما صدوقان.
وقوله: "مخلولا" أي مهزولًا، وهو الذي جعل في أنفه خلال لئلا يرضع أمه فتهزل.
وفي معناه ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا أعطيتم الزّكاة فلا تنسوا ثوابها، أن تقولوا: اللَّهُمَّ اجعله مغنمًا ولا تجعلها مغرمًا". فهو ضعيف جدًّا.
رواه ابن ماجه (١٧٩٧) عن سويد بن سعيد، قال: حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم، عن البختريّ بن عيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
والبختريّ هذا هو ابن عبيد الكلبي الشّاميّ، قال أبو حاتم: "ضعيف الحديث". وقال أبو نعيم الأصبهاني: "روي عن أبيه، عن أبي هريرة موضوعات". وقال أبو الفتح الأزدي: "كذاب ساقط". وقال الدَّارقطنيّ: "ضعيف، وأبوه مجهول". قال المزي: روى له ابن ماجة حديثين: أحدهما هذا.
٣٣ - باب من أدَّى الزّكاة إلى نائب الإمام
• عن أنس بن مالك أنه قال: أَتَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا
следующие страницы →