← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

رواه ابن الجوزيّ في "العلل المتناهية" (٢/ ٧١) من طريق عيسي بن إبراهيم القرشيّ، عن سلمة بن سليمان الجزريّ، عن مروان بن سالم، عن ابن كردوس، فذكره. قال ابن الجوزيّ: "هذا حديث لا يصح عن رسول اللَّه ﷺ وفيه آفات. أما مروان بن سالم فقال أحمد: ليس بثقة، وقال النسائيّ والدّارقطني والأزديّ: متروك. وأما سلمة بن سليمان فقال الأزدي: هو ضعيف، وأما عيسى فقال يحيى: ليس بشيء". انتهى. وفيه أيضًا عن أبي أمامة الباهليّ، وعقبة بن عامر ولا يصح. وخلاصة القول: إنّه لا يوجد في نزول اللَّه ﵎ في ليلة النّصف من شعبان وفضله حديث يعتمد عليه. ولكن ورود هذه الأحاديث الكثيرة في نزول اللَّه ﵎ في ليلة النصف من شعبان يدل على أن له أصلًا. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة نزول ﵎ كل ليلة، وليلة النصف من شعبان داخل فيها. وأما إحياء ليلة النصف من شعبان، وإقامة مجالس الذكر والدعاء، وتقسيم الأطعمة على الفقراء والمساكين وغيرها من أنواع العبادات فلم يرِدُ فيها شيءٌ. قال العقيليّ في "الضعفاء" (٣/ ٢٩): "وفي النزول في ليلة النصف من شعبان أحاديث فيها لين، والرواية في النزول في كل ليلة أحاديث ثابتة صحاح، فليلة النصف من شعبان داخلة فيها إن شاء اللَّه". وقال القاسميّ في كتابه "إصلاح المساجد": "ونقل عن أهل التعديل والتجريح قولهم: إنه ليس في فضل ليلة النصف من شعبان حديث صحيح". وقد سئل سماحة الشّيخ ابن باز ﵀ عن ليلة النّصف من شعبان فأجاب بأن الأحاديث الواردة في ليلة النصف من شعبان كلّها ضعيفة، وأن إحياء هذه اللّيلة بدعة، لم يثبت عن النبيّ ﷺ ولا عن أحد من الصّحابة إحياء ليلة النصف من شعبان، إنّما روي عن بعض أهل الشّام أنّهم كانوا يجتمعون ليلة النصف من شعبان لإحيائها، وهي كلّها مردودة لقول النبيّ ﷺ : "كلّ عمل ليس عليه أمرنا فهو مردود" وأطال رحمه اللَّه تعالى في بيان بدعة إحياء هذه اللّيلة. انظر: مجموع فتاوى ابن باز (١/ ١٨٦ - ١٩٢). وهل العرش يخلو من نزوله أم لا؟ فقول جمهور أهل الحديث أنه لا يخلو. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهو المأثور عن الأئمّة المعروفين بالسنة". وقال: "ولم ينقل عن أحد منهم بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه، وما ذكره عبد الرحمن (أي ابن محمد بن إسحاق بن منده الأصبهانيّ المتوفى سنة (٤٧٠ هـ) من تضعيف الرواية عن إسحاق، فقد ذكرنا الرواية الأخرى الثابتة التي رواها ابن بطّة وغيره. وذكرنا أيضًا

стр. 282

اللّفظ الثابت عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد، رواه الخلال وغيره. وأمّا رسالة أحمد بن حنبل إلى مسدّد بن مسرهد فهي مشهورة عند أهل الحديث والسنة من أصحاب أحمد وغيرهم، تلقوها بالقبول، وقد ذكرها أبو عبد اللَّه بن بطّة في كتاب "الإبانة" واعتمد عليها غير واحد كالقاضي أبي يعلى، وكتبها بخطّه". انظر: شرح حديث النزول (ص ٢٠١). وقد احتجّ إسحاق بن راهويه على بعض الجهمية بحضرة الأمير عبد اللَّه بن طاهر أمير خراسان، فسئل عن حديث النزول أصحيح هو؟ فقال: نعم، فقال له بعض قوُّاد عبد اللَّه: يا أبا يعقوب، أتزعم أن اللَّه ينزل كلّ ليلة؟ ! قال: نعم. قال: كيف ينزل؟ قال: أثبتْه فوق حتى أصف لك النزول. فقال له الرجل: أثبتُه فوق. فقال له إسحاق: قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [سورة الفجر: ٢٢]. فقال الأمير عبد اللَّه بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذا يوم القيامة. فقال إسحاق: أعزّ اللَّه الأمير، ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟ ! ". شرح حديث النزول (ص ١٤٩). وقال الخلال في كتاب "السنة" حدثنا جعفر بن محمد الفريابيّ، ثنا أحمد بن محمد المقدميّ، ثنا سليمان بن حرب، قال: سأل بشر بن السّري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل، الحديث الذي جاء: "ينزل ربُّنا إلى سماء الدنيا" يتحوّل من مكان إلى مكان؟ فسكت حمّاد بن زيد ثم قال: "وهو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء". شرح حديث النزول (ص ١٥٠ - ١٥١). ١٩ - باب إثبات الصورة للَّه تعالى • عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "فيأتيهم اللَّه في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ باللَّه منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم اللَّه في الصورة التي يعرفون". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٣٧) ومسلم في الإيمان (١٨٢) كلاهما من حديث إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة، فذكره في حديث طويل، انظر: باب الصراط جسر جهنم في جموع أبواب اليوم الآخر. انظر بقية الأحاديث في باب رؤية النبي ﷺ ربه في المنام. ٢٠ - باب ما جاء في إثبات الوجه للَّه تعالى قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن: ٢٧]. وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [سورة القصص: ٨٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [سورة الروم: ٣٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [سورة الإنسان: ٩]ـ

стр. 283

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [سورة الرعد: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [سورة الكهف: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [سورة الليل: ٢٠]. وغيرها من الآيات البيّنات. • عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: جاءني رسول اللَّه ﷺ يعودني عام حجّة الوداع من وَجَع اشتدّ بي. فقلتُ: يا رسول اللَّه، قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنةٌ لي، أفأتصدّق بثلثي مالي؟ قال رسول اللَّه ﷺ : "لا". فقلت: فالشّطر؟ قال: "لا". ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "الثلث، والثلث كثير، إنّك إنْ تذرْ ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالةً يتكفّفون النّاس، وإنّك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه اللَّه إلّا أُجرت حتى ما تجعل في في امرأتك". متفق عليه: رواه مالك في الوصية (٤) عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، فذكر الحديث بطوله، وسيأتي في موضعه. ورواه البخاريّ في الجنائز (١٢٩٥) عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك بإسناده، ورواه مسلم في الوصية (١٦٢٨) من وجه آخر عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب بإسناده، مثله. • عن عبد اللَّه قال: لما كان يوم حُنين آثر أناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائةً من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب، فآثرهم يومئذ في القسمة. فقال رجل: واللَّه إنّ هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجهُ اللَّه! فقلت: واللَّهِ لأُخْبرنّ النبيّ ﷺ فأتيتُه فأخبرتُه، فقال: "فمن يعدلْ إذا لم يعدل اللَّه ورسوله، رحم اللَّهُ موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر". متفق عليه: رواه البخاريّ في فرض الخمس (٣١٥٠)، ومسلم في الزكاة (١٠٦٢) كلاهما من حديث جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، فذكره، ولفظهما سواء. • عن أبي بكر بن عبد اللَّه بن قيس، عن أبيه، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "جنّتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربّهم إلّا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٨٧٨)، ومسلم في الإيمان (١٨٠) كلاهما من حديث عبد العزيز بن عبد الصمد العمّيّ، حدثنا أبو عمران الجونيّ، عن أبي بكر بن عبد اللَّه بن قيس، فذكره. • عن عتبان بن مالك يقول: غدا عليَّ رسولُ اللَّه ﷺ فقال رجلٌ: أين مالك بن

стр. 284

الدخْشُن؟ فقال رجل منا: ذلك منافق لا يحبّ اللَّه ورسوله. فقال النبيُّ ﷺ : "ألا تقولوه يقول: لا إله إلا اللَّه، يبتغي بذلك وجه اللَّه". قال: بلى. قال: "فإنه لا يوافي عبد يوم القيامة به إلّا حرّم اللَّه عليه النار". صحيح: رواه البخاريّ في استتابة المرتدين (٦٩٣٨) عن عبدان، أخبرنا عبد اللَّه، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، أخبرني محمود بن الربيع، قال: سمعت عتبان بن مالك، فذكره. والحديث في الصّحيحين في سياق أطول منه، تقدم في باب من مات على التوحيد دخل الجنة، وسيأتي أيضًا في كتاب الصّلاة. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [سورة الأنعام: ٦٥] قال النبيُّ ﷺ : "أعوذ بوجهك" فقال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، فقال النبيُّ ﷺ : "أعوذ بوجهك". قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾، فقال النبيُّ ﷺ : "هذا أيسر". صحيح: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٠٦) في باب قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [سورة القصص: ٨٨] عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا حمّاد بن زيد، عن عمرو، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره. • عن سعد بن أبي وقاص قال: كنّا مع النبيّ ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبيّ ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لستُ أسميهما. فوقع في نفس رسول اللَّه ﷺ ما شاء اللَّه أن يقع، فحدّث نفسه، فأنزل اللَّه : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام: ٥٢]. صحيح: رواه مسلم في فضائل الصّحابة (٢٤١٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا محمد بن عبد اللَّه الأسديّ، عن إسرائيل، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد، فذكره. • عن عبد اللَّه، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّ المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشّيطان، وأقرب ما تكون من وجه ربّها وهي في قعر بيتها". صحيح: رواه ابن خزيمة في صحيحه (١٦٨٥)، وفي كتاب التوحيد (٢٣)، وعنه ابن حبان في صحيحه (٥٥٩٩) عن أبي موسى محمد بن المثني، نا عمرو بن عاصم، ثنا همّام، عن قتادة، عن مورق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه، فذكره. ورواه الترمذيّ (١١٧٣) من وجه آخر عن عمرو بن عاصم بإسناده، واقتصر على قوله: "المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشّيطان". وقال: "حسن صحيح غريب". وتابع سعيد بن بشير

стр. 285

همامًا عن قتادة بإسناده، ومن طريقه رواه ابن خزيمة في "صحيحه" (١٦٨٧). وخالفهما المعتمر بن سليمان، فروى عن أبيه، عن قتادة، عن أبي الأحوص، وأسقط مورّقًا. ومن طريقه رواه أيضًا ابن خزيمة في "صحيحه" (١٦٨٦)، وابن حبان (٥٥٩٨) كلاهما عن أحمد بن المقدام، ثنا المعتمر، بإسناده، مثله. فالذي يظهر أنّ الحديث رُوي من وجهين فمرّة رواه قتادة عن مورق، عن أبي الأحوص، ثم تيسر له لقاء أبي الأحوص فروى عنه مباشرة، ويدل عليه صنيع ابن حبان في "صحيحه" حيث أخرجه على الوجهين، واللَّه تعالى أعلم. • عن الحارث الأشعريّ، أنّ النبيّ ﷺ قال: "إنّ اللَّه أمر يحيى بن زكريا بخمس كلماتٍ أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنه كادَ أن يُبْطئ بها، قال عيسى: إنّ اللَّه أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإمّا أن تأمرَهُم وإمّا أنْ آمرَهُم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يُخسفَ بي أو أعذّب، فجمع الناس في بيت المقدس فامتلأ المسجدُ وتَعدَّوا على الشُّرَف، فقال: إنّ اللَّه أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن. أوَّلُهن: أن تعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئًا، وإنَّ مَثَلَ مَنْ أشرك باللَّه كمثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو ورق فقال: هذه داري وهذا عملي، فاعمل وأدِّ إليَّ، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيِّدِه، فأيُّكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟ . وإنّ اللَّه أمركم بالصّلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإنّ اللَّه يَنْصِبُ وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفتْ. . . صحيح: رواه الترمذيّ (٢٨٦٣) عن محمد بن إسماعيل (البخاريّ) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان بن يزيد، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، أنّ أبا سلّام حدّثه، فذكر الحديث بطوله، وقد تقدّم في موضعه. قال الترمذيّ: "حديث حسن صحيح غريب. قال محمد بن إسماعيل (البخاريّ): "الحارث الأشعري له صحبة وله غير هذا الحديث". ورواه أيضًا عن محمد بن بشّار، حدثنا أبو داود الطّيالسيّ، حدّثنا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام، عن أبي سلّام، عن الحارث الأشعريّ، عن النّبيّ ﷺ ، بمعناه. وقال "هذا حديث حسن غريب. وأبو سلّام: اسمه ممطور، وقد رواه علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير" انتهى. قلت: ورواه الإمام أحمد (١٧١٧٠)، وصحّحه ابن خزيمة (١٨٩٥)، وابن حبان (٦٢٣٣)،

стр. 286

والحاكم (١/ ٤٢١) كلّهم من طرق عن يحيى بن أبي كثير، بإسناده نحوه. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". وأبو سلّام هو ممطور الأسود الحبشيّ جدّ زيد بن سلّام كما صرّح بذلك الإمام أحمد في "مسنده" (١٧١٧٠)، ورواه من طريق آخر عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام، عن جدّه ممطور، عن الحارث الأشعريّ، فذكر مثله. • عن أمّ سلمة أنّ نبيَّ اللَّه ﷺ قال: "من أدّى زكاة ماله، طيب النّفس بها، يريد بها وجه اللَّه والدّار الآخرة لم يغيب شيئًا من ماله، وأقام الصّلاة، ثم أدّى الزّكاة فتعدى عليه الحقّ فأخذ سلاحه فقاتل فقُتِل فهو شهيد". حسن: رواه الإمام أحمد (٢٦٥٧٤)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٨٧) كلاهما من طريق عبيد اللَّه بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن القاسم بن عوف، عن علي بن الحسين، قال: حدّثتنا أمّ سلمة، فذكرت الحديث بطوله، وسيأتي في موضعه، واختصره الإمام أحمد فلم يذكر موضع الشّاهد وهو: "يريد بها وجه اللَّه". وصحّحه ابن خزيمة (٢٣٣٦)، وابن حبان في "صحيحه" (٣١٩٣)، والحاكم (١/ ٤٠٤ - ٤٠٥) كلّهم من طريق عبيد اللَّه بن عمرو وهو الرّقيّ بإسناده بتمام الحديث. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشّيخين". وهذا وهمٌ منه، فإنّ القاسم بن عوف وهو الشّيبانيّ الكوفيّ ليس من رجال البخاريّ، وإنّما روى له مسلم وحده، ثم هو مختلف فيه، فقال أبو حاتم: مضطرب الحديث ومحلّه عندي الصّدق. وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه - أي للاعتبار، فهو حسن الحديث مع ضعف يسير فيه، وبقية رجاله ثقات. وعلي بن الحسين هو ابن علي بن أبي طالب زين العابدين. • عن عطاء بن السّائب، عن أبيه، قال: صلّى بنا عمّار بن ياسر صلاةً فأوجز فيها، فقال بعض القوم: لقد خفَّفت أو أوجزت الصلاة. فقال: أما على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتُهنّ من رسول اللَّه ﷺ فلما قام تبعه رجلٌ من القوم -هو أبي غير أنه كنّي عن نفسه- فسأله عن الدّعاء، ثم جاء فأخبر به القوم: "اللهمّ بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أَحْيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفّني إذا علمتَ الوفاة خيرًا لي. اللهمّ، وأسألك خشيتك في الغيب والشّهادة، وأسألك كلمة الحقّ في الرّضا والغضب، وأسألك القصْد في الفقر والغنى وأسألك نعيمًا لا ينفد، وأسألك قرّة عين لا تنقطع، وأسألك الرّضا بعد القضاء، وأسألك بَرْد العيش بعد

стр. 287

الموت، وأسألك لذّة النّظر إلى وجهك والشّوق إلى لقائك في غير ضرّاءَ مُضرَّة ولا فتنةٍ مُضِلَّةٍ، اللهمّ زَيّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين". صحيح: رواه النسائيّ (١٣٠٥) عن يحيى بن حبيب بن عربي، قال: حدّثنا حمّاد، قال: حدّثنا عطاء بن السّائب، فذكره. ورواه الدارمي في الرد على الجهمية (١٨٨)، وصحّحه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (١٢)، وعنه ابن حبان في صحيحه (١٩٧١)، والحاكم (١/ ٥٢٤)، كلّهم من طريق حمّاد بن زيد، بإسناده. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". قلت: وهو كما قال فإن عطاء بن السائب ثقة وثقه الأئمة إلا أنه اختلط، ولكن روي حماد بن سلمة عنه قبل اختلاطه. ورواه النسائيّ (١٣٠٦)، وأحمد (٤/ ٢٦٤)، والطبرانيّ في الدّعاء (٦٢٥) من وجه آخر، وفيه شريك وهو ابن عبد اللَّه النخعي القاضي سيء الحفظ، ولكن لا بأس به في المتابعات. قال ابن خزيمة: "ففي مسألة النبيّ ﷺ ربَّه: لذّة النّظر إلى وجهه أبين البيان، وأوضح الوضوح، أنّ اللَّه وجهًا يَتلذَّذ بالنّظر إليه من منَّ اللَّه جلّ وعلا عليه، وتفضّل بالنّظر إلى وجهه". • عن أبي مسعود الأنصاريّ قال: كنتُ أضربُ غلامًا لي، فسمعتُ مِنْ خلفي صوتًا لا أعلمه: "أبا مسعود! اللَّه أقدر عليك منك عليه". فالتفتُ فإذا هو رسول اللَّه ﷺ . فقلت: يا رسول اللَّه، هو حرّ لوجه اللَّه. فقال رسول اللَّه ﷺ : "أما لو لم تفعل للفحتْك النّارُ، أو لمسّتك النّار". صحيح: رواه مسلم في الأيمان والنذور (١٦٥٨: ٣٥) عن أبي كريب محمد بن العلاء، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن أبيه، عن أبي مسعود الأنصاريّ، فذكره. • عن صهيب قال: قال رسول اللَّه ﷺ في قوله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [سورة يونس: ٢٦] قال: "النّظرُ إلى وجه ربِّنا ". حسن: رواه البيهقيّ في "الأسماء والصفات" (٦٦٥) بإسناده عن قبيصة بن عقبة أبي عامر، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، فذكره. وإسناده حسن من أجل كلام يسير في قبيصة بن عقبة غير أنه حسن الحديث. وعنه رواه هنّاد بن السّريّ في الزّهد (١٧١). ولفظه: أنّ رسول اللَّه ﷺ قرأ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "إذا دخل أهلُ الجنّة الجنّةَ، وأهلُ النّار النّارَ، نادى منادٍ: يا أهل الجنُة، إنّ لكم عند اللَّه موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يُثقِّل اللَّه موازيننا، ويبيّض وجوهنا، ويدخلنا الجنّة ويجرنا من النار. فيكشف ويتجلّى فينظرون إليه، قال: فواللَّه ما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم من النّظر إليه، وهي الزّيادة".

стр. 288

وأصل هذا الحديث في صحيح مسلم (١٨١) من طريق يزيد بن هارون، عن حمّاد بن سلمة بإسناده، وفيه: "النّظر إلى ربّهم ". ولم يذكر في حديثه الوجه. وأخرج هنّاد بن السّريّ، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٤٠٣)، والدّارميّ في الرّد على الجهمية (ص ١٠٠ - ١٠١) عدّة آثار من الصّحابة والتابعين بأنّ المراد من الزّيادة: هي النّظر إلى وجه اللَّه ﵎. هذا باب طويل، وقد خرجتُ بقية الأحاديث التي تثبت للَّه تعالى وجهًا في مواضعها في كتب مصنّفة. ٢١ - باب إثبات العينين للَّه • عن أنس، عن النّبيّ ﷺ قال: "ما بعث اللَّهُ من نبيٍّ إلّا أنذر قومه الأعورَ الكذّابَ، وإنّه أعور، وإنّ ربّكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٠٨)، ومسلم في الفتن (٢٩٣٣) كلاهما من حديث شعبة، قال: أخبرنا قتادة، قال: سمعت أنسًا، عن النّبيّ ﷺ ، فذكره. • عن عبد اللَّه بن عمر قال: ذكر النبيُّ ﷺ يومًا بين ظهري النّاس المسيح الدّجال، فقال: "إنّ اللَّه ليس بأعور، ألا إنّ المسيح الدّجال أعور العين اليمنى، كأنّ عينه عنبة طافية". متفق عليه: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٤٣٩)، ومسلم في كتاب الإيمان (١٦٩: ٢٧٤)، كلاهما من حديث أنس بن عياض أبي ضمرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر مثله. • عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّه لم يكن نبيٌّ إلا وصف الدجال لأمّته، ولأصِفنّه صفةً لم يصفْها أحدٌ كان قبلي، إنّه أعور وإن اللَّه ليس بأعور". حسن: رواه الإمام أحمد (١٥٢٦)، والبزار في البحر الزّخار (١١٠٨)، وأبو يعلى (٧٢٥) كلهم من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن داود بن عامر بن سعد بن مالك، عن أبيه، عن جدّه، فذكره. إلّا أنّ البزّار زاد بين محمد بن إسحاق وداود بن عامر: "يزيد بن أبي حبيب" كما زاد في المتن: "العين اليمني". وفي الإسناد محمد بن إسحاق وهو مدلّس، وقد عنعن، وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٣٣٧). قلت: الأصل فيه أنه لا يقبل حتى صرّح، ولكن لا بأس من قبول عنعنته هذه لكثرة شواهده.

стр. 289

• عن عائشة قالت: دخل عليَّ رسولُ اللَّه ﷺ وأنا أبكي. فقال لي: "ما يبكيكِ؟ ". قلت: يا رسول اللَّه، ذكرتَ الدّجال، فبكيتُ. فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن يخرج الدّجالُ وأنا حيٌّ كفيتُكموه، وإن يخرج بعدي، فإنّ ربّكم ليس بأعور" في حديث طويل. حسن: رواه الإمام أحمد (٢٤٤٦٧) عن سليمان بن داود، حدثنا حرب بن شدّاد، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني الحضرميّ بن لاحق، أن ذكوان أبا صالح، أخبره عن عائشة، فذكرتْ مثله. وإسناده حسن من أجل الحضرمي بن لاحق فإنه حسن الحديث، وقد صحّحه ابن حبان (٦٨٢٢) فرواه من طريقه، به، مثله. وانظر للمزيد: باب الإيمان بتزول عيسى ﵇. • عن أبي يونس سُليم بن جبير مولى أبي هريرة، قال: سمعتُ أبا هريرة يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [سورة النساء: ٥٨] قال: "رأيتُ رسول اللَّه ﷺ يضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه، قال أبو هريرة: رأيتُ رسول اللَّه ﷺ يقرؤها ويضع إصبعيه". قال ابن يونس: "قال المقرئ: يعني أنّ اللَّه سميع بصير. يعني أنّ اللَّه سمعًا وبصرًا". قال أبو داود: "وهذا ردٌّ على الجهميّة". صحيح: رواه أبو داود (٤٧٢٨) عن علي بن نصر، ومحمد بن يونس النسائيّ، المعنى، قالا: حدّثنا عبد اللَّه بن يزيد المقرئ، حدّثنا حرملة -يعني ابن عمران- حدّثني أبو يونس سليم بن حبيب، فذكره. وإسناده صحيح. وصحّحه ابن خزيمة وأخرجه في كتاب التوحيد (٤٩) وعنه ابن حبان في صحيحه (٢٦٥) عن محمد بن يحيى الذّهليّ، حدثنا عبد اللَّه بن يزيد المقرئ، بإسناده، مثله. • عن أمّ سلمة زوج النبيّ ﷺ قالت: "ذكرتُ المسيح الدّجال ليلةً، فلم يأتني النّوم، فلما أصبحتُ دخلتُ على رسول اللَّه ﷺ فأخبرته فقال: "لا تفعلي فإنه إن يخرج -وأنا حيّ- يكفيكموه اللَّه بي، وإن يخرج بعد أن أموت يكفيكموه اللَّه بالصّالحين". ثم قال: "ما من نبيّ إلّا وقد حذّر أمّته الدّجالَ وإنّي أحذّركموه، إنّه أعور، وإنّ اللَّه ليس بأعور، إنّه يمشي في الأرض، وإن الأرض والسماء للَّه، ألا إن المسيح الدّجال عينه اليمنى كأنها عنبة طافية". حسن: رواه ابن خزيمة في التوحيد (٥٦) عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثنا عمّي،

стр. 290

قال: حدثنا مخرمة بن بكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، قال: قالت أمُّ سلمة زوج النبيّ ﷺ ، فذكرت مثله. إسناده حسن من أجل الكلام في أحمد بن عبد الرحمن بن وهب غير أنه بعد ما رجع من التخليط الذي حصل منه في أحاديث عمّه عبد اللَّه بن وهب رجع عنه وحسن حاله. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم عنه، فقال: ثقة. ما رأيت إلّا خيرًا. قلت: سمع من عمّه؟ قال: إي واللَّه. وقال أيضًا: سمعت أبي يقول: سمعت عبد الملك بن شعيب بن الليث يقول: أبو عبيد اللَّه بن أخي ابن وهب ثقة. وقال أيضًا: سمعتُ أبا زرعة يقول: أدركناه ولم نكتب عنه. وقال أيضًا: سمعت أبا زرعة - وأتاه بعض رفقائي فحكي عن أبي عبيد اللَّه بن أخي ابن وهب أنه رجع عن تلك الأحاديث، فقال أبو زرعة: إنّ رجوعه ممّا يحسّن حاله، ولا يبلغ به المنزلة التي كان من قبل. وقال سمعت أبي: كتبنا عنه وأمره مستقيم، ثم خلّط بعد، ثم جاءني خبره أنه رجع عن التخليط. قال: وسئل عنه أبي بعد ذلك فقال: كان صدوقًا. وقال الحاكم أبو عبد اللَّه: سمعت أبا عبد اللَّه محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعت محمد بن إسحاق -يعني ابن خزيمة- وقيل له: لم رويتَ عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، وتركت سفيان بن وكيع؟ فقال: لأنّ عبد الرحمن لما أنكروا عليه تلك الأحاديث رجع عنها عن آخرها إلّا حديث مالك عن الزهري عن أنس: "إذا حضر العشاء" فإنه ذكر أنه وجده في دَرْج من كتب عمّه في قرطاس. وأمّا سفيان بن وكيع، فإنّ ورّاقه أدخل عليه أحاديث فرواها، وكلّمناه فلم يرجع عنها، فاستخرت اللَّه وتركتُ الرواية عنه. وقيل غير ذلك أيضًا، والخلاصة أنه حسن الحديث بعد رجوعه كما نصّ عليه أبو زرعة وابن خزيمة وغيرهما. • عن أسماء بنت يزيد، أنّ رسول اللَّه ﷺ جلس مجلسًا مرّة يحدّثهم عن أعور الدّجال فمما ذكر فيه: "فمن حضر مجلسي، وسمع قولي فلْيبلِّغ الشّاهدُ منكم الغائبَ، واعلموا أن اللَّه صحيح ليس بأعور، وأنّ الدّجال أعور ممسوح العين، بين عينيه مكتوب كافر يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب". حسن: رواه الإمام أحمد (٢٧٥٨٥)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٧٧)، والحارث في مسنده -زوائده (٧٨٣) - كلّهم من طرق عن عبد الحميد بن بهرام، قال: حدثنا شهر بن حوشب، قال: وحدثتني أسماء بنت يزيد، فذكرته.

стр. 291

وفيه شهر بن حوشب مختلف فيه، والأكثر على تضعيفه، لأنه رُمي بالأوهام، فإذا وُجد له شواهد صحيحة فمعناه أنه لم يهم وهذا منه. • عن جابر بن عبد اللَّه في حديث طويل في خروج الدّجال، وفيه: "فيقول للناس: أنا ربُّكم، وهو أعور، وإنّ ربّكم ليس بأعور". حسن: رواه الإمام أحمد (١٤٩٥٤) عن محمد بن سابق، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكر الحديث. وصحّحه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٥٥)، والحاكم (٤/ ٥٣٠) كلاهما من طريق إبراهيم بن طهمان، بإسناده مختصرًا. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". وقال الذهبي: "على شرط مسلم". وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٣٤٤): ورواه أحمد بإسنادين، رجال أحدهما رجال الصّحيح". وإسناده حسن من أجل أبي الزبير فإنه حسن الحديث. وأمّا قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [سورة القمر: ١٤]. وقوله تعالى لموسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [سورة طه: ٣٩]. فليس ظاهر معناه وحقيقته: أنّ السفينة تجري في عين اللَّه، أو أنّ موسى ﵇ يُربّى فوق عين اللَّه، بل ظاهره: أنّ السفينة تجري، وعين اللَّه ترعاها وتكلؤها، وكذلك تربية موسى ﵇ تكون على أن عين اللَّه تعالى يرعاه ويكلؤه. هذا الذي يدل عليه اللّسان العربيّ المبين. انظر لمزيد من التفصيل: القواعد المثلى في صفات اللَّه وأسمائه الحسنى (ص ١٢٢) للعلّامة الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه اللَّه تعالى. قلت: وهذا ليس بتأويل، بل هو مقتضى اللّسان العربيّ المبين الذي نزل به القرآن، فإن قول القائل: فلان يسير بعيني، ليس معناه يسير داخل عينه. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [سورة الطور: ٤٨] ليس معناه في داخل عيني، بل المراد منه بمرأى منا. وهذا كله بعد إثبات العينين اللَّه تعالى بأنها صفة من صفاته تليق بجلاله بدون تكييف أو تأويل. فقه الباب: قال اللَّه تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فيين النبي ﷺ أن للَّه عينين كما هو واضح في حديث أبي هريرة، وكما هو ظاهر في أحاديث الدجال. قال الإمام الدارمي في الرد على المريسي: (١/ ٣٢٧): "ففي تأويل قول رسول اللَّه ﷺ : "أن اللَّه ليس بأعور" بيان أنه ذو عينين خلاف الأعور".

стр. 292

٢٢ - باب إثبات السّمع والبصر للَّه قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [سورة آل عمران: ١٨١]. وقال اللَّه في قصة المجادلة: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [سورة المجادلة: ١]. وقال اللَّه مخاطبًا موسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [سورة طه: ٤٦]. وقال تعالى: ﴿كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [سورة الشعراء: ١٥]. وقال اللَّه تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة التوبة: ١٠٥]. وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: ١١]. • عن عائشة أنها قالت للنبيّ ﷺ : هل أتي عليك يومٌ كان أشدّ من يوم أحد؟ فقال ﷺ فذكر ما لقي من قومها وقال: "فانطلقتُ وأنا مهموم على وجْهي، فلم أستفق إلّا وأنا بقرن الثّعالب، فرفعتُ رأسي فإذا بسحابة أظّلتني، فنظرتُ فإذا جبريل ﵇، فناداني فقال: يا محمد، إنّ اللَّه قد سمع قولَ قومك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث اللَّه ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم". قال: "فناداني ملك الجبال، فسلّم عليَّ ثم قال: يا محمد، إنّ اللَّه قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربُّك إليك، لتأمرني بأمرك". فذكر الحديث بطوله، وهو مذكور في الإيمان بالملائكة. متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٣١)، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٩٥) كلاهما من حديث ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، حدثني عروة، عن عائشة، فذكر الحديث. • عن أبي موسى الأشعريّ قال: لما غزا رسول اللَّه ﷺ خيبر أو قال: لما توجّه رسول اللَّه ﷺ أشرف النّاسُ على وادٍ فرفعوا أصواتهم بالتكبير: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه. فقال رسول اللَّه ﷺ : "اربعوا على أنفسكم، إنّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم". متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٢٠٢)، ومسلم في كتاب الذكر (٢٧٠٤) كلاهما من حديث عاصم، عن أبي عثمان، عن أبي موسى، فذكر الحديث، وهذا جزء منه. ورواه البخاريّ في الدعوات (٦٣٨٤) ومسلم أيضًا كلاهما من حديث حديث حماد بن زيد،

стр. 293

عن أيوب، عن أبي عثمان، عن أبي موسى، فذكر الحديث ولكن جاء عند البخاري بلفظ: "ولكن تدعون سميعا بصيرا"، والحديث له طرق وزيادات أخرى. • عن ابن مسعود قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفر، قرشيان وثقفيّ أو ثقفيان وقرشيّ، قليل فقه قلوبهم، كثير لحم بطونهم، فقال أحدهم: أترون اللَّه يسمع ما نقول؟ وقال الآخر: يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا. وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا. فأنزل اللَّه ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [سورة فصلت: ٢٢]. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٨١٧)، ومسلم في كتاب صفات المنافقين (٢٧٧٥) كلاهما من حديث سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود، فذكره. • عن أبي يونس سُليم بن جبير مولى أبي هريرة، قال: سمعتُ أبا هريرة يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [سورة النساء: ٥٨] قال: "رأيتُ رسول اللَّه ﷺ يضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه، قال أبو هريرة: رأيتُ رسول اللَّه ﷺ يقرؤها ويضع إصبعيه". قال ابن يونس: قال المقرئ: يعني أنّ اللَّه سميع بصير. يعني أنّ اللَّه سمعًا وبصرًا. قال أبو داود: وهذا ردٌّ على الجهميّة. صحيح: رواه أبو داود (٤٧٢٨) عن علي بن نصر، ومحمد بن يونس النسائيّ، المعنى، قالا: حدثنا عبد اللَّه بن يزيد المقرئ، حدّثنا حرملة -يعني ابن عمران- حدّثني أبو يونس سليم بن حبيب، فذكره. وإسناده صحيح. وصحّحه ابن خزيمة وأخرجه في كتاب التوحيد (٤٩) وعنه ابن حبان في صحيحه (٢٦٥) عن محمد بن يحيى الذّهليّ، حدثنا عبد اللَّه بن يزيد المقرئ، بإسناده، مثله. • عن عائشة قالت: الحمد للَّه الذي وسِعَ سمعُه الأصوات، لقد جاءتْ خولةُ إلى رسول اللَّه ﷺ تشكو زوجها، فكان يخفى عليّ كلامُها، فأنزل اللَّه : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [سورة المجادلة: ١]. صحيح: رواه النسائيّ (٣٤٦٠)، وابن ماجه (١٨٨) كلاهما من حديث الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة بن الزبير، عن عائشة فقالت، مثله. ورواه الإمام أحمد (٢٤١٩٥) من هذا الوجه، وصحّحه الحاكم (٢/ ٤٨١). وذكره البخاريّ تعليقًا.

стр. 294

٢٣ - إثبات اليدين للَّه تعالى قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [سورة المائدة: ٦٤]. وقال تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [سورة ص: ٧٥]. وقال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة يس: ٨٣]. وقال تعالى: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة آل عمران: ٢٦]. • عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يجمع اللَّه الناس يوم القيامة، فيهتمّون لذلك -وفي رواية: فيُلهمون لذلك- فيقولون: لو استشفعنا على ربّنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون: أنت آدم أبو الخلق، خلقك اللَّه بيده، ونفخ فيك من روحه. . . فذكر الحديث بطوله، وهو حديث الشّفاعة. متفق عليه: رواه البخاريّ في الرّقاق (٦٥٦٥)، ومسلم في الإيمان (١٩٣) كلاهما من حديث أبي عوانة، عن قتادة، عن أنس، فذكر الحديث بطوله، وهو مذكور في حديث الشّفاعة. • عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "احتجّ آدم وموسى: فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيّبتنا وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى اصطفاك اللَّهُ بكلامه، وخطّ لك بيده". متفق عليه: رواه البخاريّ في القدر (٦٦١٤)، ومسلم في القدر (٢٦٥٢) كلاهما من حديث سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، قال: سمعتُ أبا هريرة، فذكره. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "احتجّ آدمُ وموسى ﵉ عند ربّهما، فحجّ آدمُ موسى. قال موسى: أنت آدم الذي خلقك اللَّه بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض. . . . ". صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٥٢: ١٥) عن إسحاق بن موسى، حدثنا أنس بن عياض، حدثني الحارث بن أبي ذباب، عن يزيد بن هرمز، وعبد الرحمن بن الأعرج، قالا: سمعنا أبا هريرة، فذكر الحديث بطوله. هذا اللفظ وهو: "خلقك اللَّه بيده" تفرد به مسلم.

стр. 295

• عن المغيرة بن شعبة قال: سأل موسى ربَّه أن يريه أعلا منزلةً في الجنة. فقال: أولئك الذين أردت، فرست كرامتهم بيدي، وختمتُ عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، ومصداقه في كتاب اللَّه : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [سورة السجدة: ١٧] الآية. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٨٩) من طرق عن الشعبيّ يخبر عن المغيرة بن شعبة، فذكر في حديث طويل مخرّج في كتاب أهل الجنة والنار، وقد جاء هذا الحديث موقوفًا ومرفوعًا، والمرفوع أصح كما قال الترمذيّ (٣١٩٨)، ثم هو مما لا يقال بالرّأي فهو في حكم المرفوع. • عن عمر بن الخطاب، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "التقى آدمُ وموسى. فقال موسى: أنت الذي خلقك اللَّه بيده، وأسجد لك ملائكته، ونفخ فيك من روحه، وأمر بأمر فعصيته. . . . ". حسن: رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٦٢) عن أحمد بن عبدة الضّبيّ، قال: أخبرنا حمّاد بن زيد، عن مطر الورّاق، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، قال: "لما تكلّم معبد الجهني في القدر -فذكر الحديث بطوله- وفي الخبر قال عبد اللَّه بن عمر: حدثني عمر بن الخطاب، فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل الكلام في مطر الورّاق غير أنه حسن الحديث. وحديث عمر بن الخطاب في صحيح مسلم في كتاب الإيمان (٨) من طريق كهمس، عن عبد اللَّه ابن بريدة، غير أنه لم يذكر فيه قصة حجاج آدم وموسى. ولكن رواه مسلم عن شيوخ آخرين منهم أحمد بن عبدة شيخ ابن خزيمة - قالوا: حدّثنا حماد ابن زيد، بإسناده. قال مسلم: "وساقوا الحديث بمعنى حديث همس وإسناده، وفيه بعض زيادة ونقصان أحرف". انتهى. فلعلّه يشير إلى هذه الزيادة التي عند ابن خزيمة. ورواه اللالكائيّ في "أصول الاعتقاد" (١٠٣٧) من وجه آخر عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب، فذكر مثله. مع أنّ المصنف عزاه إلى مسلم، عن حجاج بن الشاعر، عن يونس بن محمد، عن المعتمر، هكذا قال: ومسلم ساق هذا الإسناد في كتاب الإيمان (٨/ ٤) ولم يذكر لفظ الحديث الذي ذكره اللالكائي، وإنما أحال على السابق وليس فيه ذكر قصة آدم وموسى فتنبه. وقد جاء عن ابن عمر أنه قال: "خلق اللَّه أربعةَ أشياء بيده: العرش، وجنات عدن، وآدم، والقلم، واحتجب من الخلق بأربعة: بنار وظلمة، ونور وظلمة".

стр. 296

رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣١٩) ومن طريقه البيهقيّ في الأسماء والصفات (٦٩٣) من حديث سفيان بن سعيد عن عبيد الكاتب المكتب، عن مجاهد، عن ابن عمر، فذكر مثله. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". قلت: وهو موقوف على ابن عمر، وإسناده صحيح، وأورده الذهبيّ في "العلو" (١٦٩) من طريق عبد الواحد بن زياد، عن عبيد المكتب وزاد بعد قوله: "خلق اللَّه أربعة أشياء بيده. . . ": "ثم قال لسائر الخلق كن فكان". وقال: إسناده جيد. ٢٤ - باب ما جاء في إثبات اليمين للَّه تعالى، وكلتا يديه يمين لا شمال له، تعالى اللَّه عن صفات المخلوقين قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الزمر: ٦٧]. قال مجاهد: وكلتا يدي الرّحمن يمين. • عن عبيد اللَّه بن مقسم أنه نظر إلى عبد اللَّه بن عمر كيف يحكي رسول اللَّه ﷺ قال: "يأخذ اللَّه سماواته وأرضيه بيديه فيقول: أنا اللَّه -ويقبض أصابعه ويبسطها- أنا الملك" حتى نظرتُ إلى المنبر يتحرّك من أسفل شيء، حتى إنّي لأقول: أساقط هو برسول اللَّه ﷺ ". صحيح: رواه مسلم في صفة القيامة (٢٧٨٨: ٢٥) عن سعيد بن منصور، حدثنا يعقوب (يعني ابن عبد الرحمن)، حدثني أبو حازم، عن عبيد اللَّه بن مقسم، فذكره. وفي رواية عن ابن عمر: أنّ رسول اللَّه ﷺ قرأ هذه الآيات يومًا على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الزمر: ٦٧] ورسول اللَّه ﷺ يقول هكذا بأصابعه يحرّكها، يمجدُ الربُّ نفسه أنا الجبّار، أنا المتكبّر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم" فرجف برسول اللَّه ﷺ المنبر حتى قلنا: ليخرنّ به. رواه الإمام أحمد (٥٤١٤) عن عفّان، حدّثنا حماد بن سلمة، أخبرنا إسحاق بن عبد اللَّه -يعني ابن أبي طلحة- عن عبيد اللَّه بن مقسم، عن ابن عمر، فذكره. ومن هذا الوجه أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (١١٥)، وعنه ابن حبان في صحيحه (٧٣٢٧). وقوله: "ويقبض أصابعه ويبسطها" أي رسول اللَّه ﷺ . وأمّا ما رُوي عن عمر بن حمزة، عن سالم بن عبد اللَّه، أخبرني عبد اللَّه بن عمر مرفوعًا وفيه: "ثم يطوي الأرضين بشماله".

стр. 297

رواه مسلم (٢٧٨٨) عن أبي بكر بن أبي شية، حدّثنا أبو أسامة، عن عمر بن حمزة، فذكره. وعلّقه البخاريّ (٧٤١٣) عن عمر بن حمزة ولم يذكر من لفظه إلّا قوله: "يقبض اللَّه الأرض". فذكر الشّمال تفرّد به عمر بن حمزة. قال البيهقي في "الأسماء والصّفات" (٧٠٦): "ذكر الشّمال فيه تفرّد به عمر بن حمزة، عن سالم، وقد روي هذا الحديث نافعٌ، وعبيد اللَّه بن مقسم، عن ابن عمر ولم يذكرا فيه الشّمال. ورواه أبو هريرة وغيره، عن النبيّ ﷺ فلم يذكر فيه أحدٌ منهم الشّمال، ورّوي ذكر الشّمال في حديث آخر في غير هذه القصة إلّا أنه ضعيف بمرّة، تفرّد بأحدهما جعفر بن الزبير، وبالآخر يزيد الرّقاشيّ وهما متروكان. وكيف يصح ذلك وصحيح عن النبيّ ﷺ أنّه سمّي كلتى يديه يمينًا، وكأنّ من قال ذلك أرسله من لفظه على ما وقع له، أو على عادة العرب في ذكر الشّمال في مقابلة اليمين". انتهى. ثم ذكر حديث عبد اللَّه بن عمرو الآتي بعد قليل. • عن ابن عمر، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ اللَّه يقبض يوم القيامة الأرض، وتكون السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤١٢) عن مقدم بن محمد، قال: حدثني عمّي القاسم ابن يحيى، عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. ورواه مسلم في كتاب صفة القيامة (٢٧٨٨) من وجه آخر، عن عمر بن حمزة، عن سالم، عن ابن عمر، ولفظه: "يطوي اللَّهُ السّماوات يوم القيامة، ثم يأخذهنّ بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبّارون، أين المتكبّرون، ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك أين الجبّارون؟ أين المتكبّرون؟ ". وتفرد عمر بن حمزة بذكر الشمال. • عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "يقبض اللَّه الأرضَ يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ ". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٣٨٢)، ومسلم في كتاب صفة القيامة (٢٧٨٧) كلاهما من حديث عبد اللَّه بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره. • عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّ المقسطين عند اللَّه على منابر من نور عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولّوا". صحيح: رواه مسلم في كتاب الإمارة (١٨٢٧) من طرق عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن

стр. 298

دينار، عن عمرو بن أوس، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره. • عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال النبيُّ ﷺ : "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفّؤها الجبّار بيده، كما يكفأ أحدُكم خبزته في السّفر نُزُلًا لأهل الجنّة"، فأتى رجلٌ من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أُخبرُك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: "بلى". قال: تكون الأرض خبزة واحدة -كما قال النبيّ ﷺ فنظر النبيُّ ﷺ إلينا ثم ضحك حتى بدتْ نواجذُه ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: "بلى" قال: إدامُهم بالامٌ ونون، وقالوا: وما هذا؟ قال: ثور ونون، يأكل من زائدة كبدها سبعون ألفًا". متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٢٠)، ومسلم في صفة القيامة (٢٧٩٢)، كلاهما من حديث اللّيث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكره. قوله: "بالام" كلمة غير عربية لم يفهم معناها، ولذا قالوا: تبقى كما هي، ويحمل على أنها عبرية. • عن أبي هريرة يبلغ به النبَّي ﷺ قال: "قال اللَّه ﵎: يا ابن آدم، أَنْفِق أُنْفِق عليك". وقال: "يمين اللَّه ملآي (وقال ابن نمير: ملآن) سخاء لا يغيضها شيءٌ، اللّيلَ والنّهار". وفي رواية قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه قال لي: أَنفق أُنفق عليك". وقال رسول اللَّه ﷺ : "يمين اللَّه ملآى، لا يغيضها سحّاء الليل والنهار. أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماء والأرض؟ فإنه لم يغضه ما في يمينه". قال: "وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض، يرفع ويخفض". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤١٩)، ومسلم في الزكاة (٩٩٣) كلاهما من حديث عبد الرزاق، حدثنا معمر بن راشد، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث وهي الرواية الثانية عند مسلم، ولفظ البخاريّ قريب منه. والرواية الأولى عند مسلم من وجه آخر عن ابن عيينة، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، ورواية البخاريّ في النفقات (٥٣٥٢) عن إسماعيل، عن مالك، عن أبي الزّناد مختصرًا جدًا. ورواية إسماعيل هذه لا توجد في الموطآت الموجودة لدينا، ولم يذكر هذه الرواية الجوهريّ في كتابه "مسند الموطأ". • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من تصدّق بعدل تمرة من كسب

стр. 299

طيّب، ولا يصعد إلى اللَّه إلّا الطيب، فإنّ اللَّه يتقبّلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه كما يُربّي أحدكم فلُوَّه حتى تكون مثل الجبل". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٣٠)، ومسلم في الزكاة (١٠١٤) كلاهما من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره، ولفظهما سواء. • عن أبي موسى، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّ اللَّه يبسط يدَه باللّيل ليتوب مسيءُ النّهار، ويبسط يدَه بالنّهار ليتوب مسيءُ اللّيل حتى تطلع الشّمس من مغربها". صحيح: رواه مسلم في كتاب التوبة (٢٧٥٩) عن محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا عُبيدة يحدّث عن أبي موسى، فذكره. • عن أبي هريرة، أنّ النبيّ ﷺ قال: "لما خلق اللَّه آدم ونفخ فيه الروح. . . قال اللَّه ويداه مقبوضتان: اختر أيّهما شئتَ، قال: اخترت يمين ربي -وكلتا يدي ربي يمين مباركة- ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته، فقال: أي رب! ما هؤلاء؟ فقال: هؤلاء ذريتك، فإذا كلّ إنسان مكتوب عمره بين عينيه. . . . ". حسن: رواه الترمذيّ (٣٣٦٨)، وصحّحه ابن خزيمة ورواه في كتاب التوحيد (١٠٧) وعنه ابن حبان في صحيحه (٦١٦٧)، وصحّحه الحاكم (١/ ٦٤) على شرط مسلم، كلّهم من طرق عن صفوان ابن عيسى، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة في حديث طويل مخرّج في القضاء والقدر. قال الترمذيّ: "حسن غريب". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فقد احتجّ بالحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، وقد رواه عنه غير صفوان، وإنما خرجه من حديث صفوان لأنّي علوت فيه". قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في الحارث بن عبد الرحمن غير أنه حسن الحديث، وإنما تقع النكارة في رواية الدراوردي عنه كما قال أبو حاتم. وأمّا ما رُوي عن جابر بن عبد اللَّه مرفوعًا: "الحجر الأسود يمين اللَّه في الأرض، يصافح بها عباده" فهو ضعيف جدًّا. رواه ابن عدي في "الكامل" (١/ ٣٣٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٣٢٨)، وعنه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٨٤ - ٨٥) كلّهم من طريق إسحاق بن بشر الكاهليّ، عن أبي معشر المدائنيّ، عن محمد بن المنكدر، عن جابر فذكره. وإسحاق بن بشر وهو ابن مقاتل قد كذّبه أبو حاتم وأبو زرعة، وقال العقيليّ: منكر الحديث. وقال الدارقطني: متروك، ونقل ابن عدي عن عدد من أهل العلم كذبوا إسحاق بن بشر وقال في نهاية

стр. 300

الترجمة: "وإسحاق بن بشر الكاهليّ قد روى غير هذه الأحاديث وهو في عداد من يضع الحديث". ونقل المناوي في "فيض القدير" (٣/ ٤٠٩) عن ابن العربي أنه قال: "هذا حديث باطل فلا يلتفت إليه". وقال ابن الجوزيّ: "هذا حديث لا يصح، وإسحاق بن بشر قد كذّبه أبو بكر بن أبي شيبة وغيره، وقال الدارقطني: هو في عداد من يضع الحديث. قال: وأبو معشر ضعيف". وله متابع، ولكن لا يُفرح به فإنّ في طريقه إليه من هو مثله في الضّعف، إن لم يكن أكثر منه، ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه (٦/ ٣٩٧): "فقد رُوي عن النبيّ ﷺ بإسناد لا يثبت". فإذا ثبت أنه حديث لا يصح عن النبيّ فلا حاجة للخوض في معناه، ولكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى: "والمشهور إنّما هو عن ابن عباس قال: "الحجر الأسود يمين اللَّه في الأرض، فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح اللَّه وقبل يمينه". ومن تدبّر اللفظ المنقول تبين له أنه لا إشكال فيه إِلَّا على من لم يتدبره، فإنه قال: "يمين اللَّه في الأرض، فقيّده بقوله: "في الأرض"، ولم يطلق، فيقول: يمين اللَّه، وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم اللفظ المطلق. ثم قال: "فمن صافحه وقبله فكأنما صافح اللَّه وقبل يمينه". ومعلوم أن المشبه غير المشبه به، وهذا صريح في أن المصافح لم يصافح يمين اللَّه أصلًا، ولكن شبه بمن يصافح اللَّه، فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات اللَّه كما هو معلوم عند كل عاقل، ولكن يبين أن اللَّه تعالى كما جعل للناس بيتًا يطوفون به، جعل لهم ما يستلمونه؛ ليكون ذلك بمنزلة تقبيل يد العظماء، فإن ذلك تقريب للمقبِّل وتكريم له، كما جرت العادة، واللَّه ورسوله لا يتكلمون بما فيه إضلال الناس، بل لابد من أن يبين لهم ما يتقون، فقد بين لهم في الحديث ما ينفي من التمثيل". انتهى. قلت: ومع شهرة هذا الأثر عن ابن عباس ففي طريقه إليه إبراهيم بن يزيد الخوزيّ، وهو متروك كما قال الإمام أحمد والنسائي وغيرهما. ومن طريقه رواه ابن قتيبة في غريب الحديث. انظر: للمزيد: "الضعيفة" للشيخ الألباني ﵀ (١/ ٢٥٧). ٢٥ - باب ما جاء في كفّ الرحمن • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من مسلم يتصدَّق بصدقة من كسْب طيّب، ولا يصعد إلى السَّماء إِلَّا طيّب، إِلَّا كأنَّها يضعها في كفِّ الرَّحمن ، فيربّيها كما يربّي أحدُكم فَلُوَّه -أو فصيلَه- حتّى إنّ التمرة لتعود مثل الجبل العظيم". حسن: رواه الإمام أحمد (٩٥٦٥) عن يحيى، عن ابن عجلان، قال: حدثني سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، فذكره.

стр. 301

وصحّحه ابن خزيمة فرواه في كتاب التوحيد (٨٩، ٩١) من وجهين عن ابن عجلان، عن سعيد به. وإسناده حسن من أجل الكلام في ابن عجلان وهو محمد بن عجلان، إِلَّا أنه حسن الحديث وقد توبع؛ فرواه ابن حبان في صحيحه (٣٣١٨) من وجه آخر عن محمد بن عمرو، عن سعيد، عن أبي سعيد مولى المهريّ، عن أبي هريرة، فذكره. وسعيد هو ابن أبي سعيد المقبريّ. وأبو سعيد مولى المهريّ روى عنه جماعة منهم: سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، وروى له مسلم وأصحاب السنن ما عدا ابن ماجه، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٥٨٨) وقال فيه الحافظ: "مقبول" والحقّ أنه قريب إلى "صدوق". ورواه مالك في كتاب الصدقة (١) عن يحيى بن سعيد، عن أبي الحُباب سعيد بن يسار، عن رسول اللَّه ﷺ مرسلًا. هكذا رواه يحيى بن يحيى، عن مالك مرسلًا. قال ابن عبد البر في "التمهيد" (١٦/ ٤٣٥٦): "هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالك في الموطأ مرسلًا، وتابعه أكثر الرواة عن مالك على ذلك، وممن تابعه ابن القاسم، وابن وهب، ومطرف، وأبو مصعب، وجماعة. ورواه معن بن عيسى، ويحيى بن عبد اللَّه بن بكير عن مالك، عن يحيى، عن أبي الحباب، عن أبي هريرة مسندًا". قلت: رواية يحيى بن عبد اللَّه بن بكير، رواه ابن خزيمة في "التوحيد" (٩٥) عن يونس قال: أخبرنا يحيى بن عبد اللَّه بن بكير، قال: حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، بمثله. ٢٦ - باب إثبات الإصابع للَّه تعالى • عن ابن مسعود قال: جاء حبر إلى النبيّ ﷺ فقال: يا محمد -أو يا أبا القاسم- إنّ اللَّه يُمسك السّماوات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثّرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهنّ فيقول: أنا الملك، أنا الملك، فضحك رسولُ اللَّه ﷺ تعجبًا ممّا قال الحَبْر تصديقًا له، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الزمر: ٦٧]. متفق عليه: رواه مسلم في صفات المنافقين (٢٧٨٦) عن أحمد بن عبد اللَّه بن يونس، حدثنا فضيل (يعني ابن عياض)، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة السلمانيّ، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره. ورواه البخاريّ في التوحيد (٧٤١٤) عن مسدّد، سمع يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني

стр. 302

منصور، بإسناده نحوه. قال البخاريّ: قال يحيى بن سعيد: وزاد فيه فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد اللَّه: "فضحك رسول اللَّه ﷺ تعجبًا وتصديقًا له". قلت: وهو يشير إلى الإسناد الذي سقته. • عن ابن عباس قال: مرّ يهوديٌّ بالنبيّ ﷺ فقال له النبيُّ ﷺ : "يا يهوديّ! حدّثنا". فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع اللَّه السماوات على ذِه، والأرضين على ذِه، والماء على ذِه، والجبال على ذِه، وسائر الخلق على ذِه". وأشار أبو جعفر محمد بن الصّلت بخنصره أولًا، ثم تابع حتى بلغ الإبهام، فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [سورة الزمر: ٦٧] ". حسن: رواه الترمذيّ (٣٢٤٠) عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن، أخبرنا محمد بن الصّلتْ، حدثنا أبو كدينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضُّحى، عن ابن عباس، فذكره. ورواه الإمام أحمد (٢٢٦٧، ٢٩٨٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٤٥)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (١٢٩)، وابن منده في الرد على الجهمية (٦٥) كلهم من طريق أبي كُدينة - واسمه يحيى بن المهلّب. ورواه عبد اللَّه بن أحمد في السنة (٤٩٣) من طريق عمران بن عيينة، وابن منده في الرد على الجهمية (٦٦) من طريق حماد بن سلمة كلاهما من عطاء بن السائب، عن أبي الضّحى إِلَّا أنّ ابن منده أوقفه على مسروق، وهو لم يدرك النبيّ ﷺ . قال الترمذي: "حسن غريب صحيح". قلت: هو حسن فقط من أجل الاختلاف في عطاء بن السائب وقد اختلط بآخره، وكان حماد ابن سلمة قديم السماع منه إِلَّا أنه أرسله عن مسروق، فإذا ضمَّ إليه من وصله يتبين أن له أصلًا، وهو شاهد لما سبق، ولذا أخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد كما سبق. • عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، قال: إنّه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ قلوب بني آدم كلَّها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلبٍ واحد يصرفه حيث يشاء". ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "اللَّهمَّ مصرّف القلوبَ صرِّف قلوبنا على طاعتك". صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٥٤) من طرق عن عبد اللَّه بن يزيد المقرئ، حدّثنا حَيَوَة، أخبرني أبو هانيء، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُليّ، أنه سمع عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فذكره. • عن النّواس بن سَمْعان الكِلابيّ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من قلب إِلَّا بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه". وكان رسول اللَّه ﷺ يقول: "يا مثبت القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك". قال: "والميزان بيد

стр. 303

الرّحمن يرفع أقوامًا، ويخفض آخرين إلى يوم القيامة". صحيح: روه ابن ماجه (١٩٩) عن هشام بن عمّار، قال: حدثنا صدقة بن خالد، قال: حدّثنا ابن جابر، قال: سمعت بُسْر بن عبد اللَّه يقول: سمعتُ أبا إدريس الخولانيّ يقول: حدثني النواس ابن سمعان، فذكره. ومن هذا الوجه رواه أيضًا ابن أبي عاصم في السنة (٢١٩). وابن جابر هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وهشام بن عمار فيه ضعف يسير لأنه حين كبر صار يتلقّن إِلَّا أنه لم ينفرد به. فقد رواه الإمام أحمد (١٧٦٣٠) عن الوليد بن مسلم قال: سمعت -يعني- ابن جابر، يقول: حدثني بُسْر بن عبيد اللَّه الحضرميّ، بإسناده مثله. ومن هذا الوجه رواه أيضًا الدارقطنيّ في "الصفات" (٤٣). وصحّحه ابن خزيمة فأخرجه في كتاب التوحيد (١٣٢)، وابن منده في الرد على الجهمية (٦٨) كلاهما من طريق الوليد بن مسلم، وابن حبان في صحيحه (٩٤٣) من طريق عبد اللَّه بن المبارك، والحاكم (١/ ٥٢٥) من طريق بشر بن بكر، كلهم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، بإسناده مثله. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". قلت: الوليد بن مسلم مدلس إِلَّا أنه صرّح بالتحديث كما أنه ينفرد به بل تابعه عبد اللَّه بن المبارك وبشر بن بكر عن ابن جابر، به مثله. وأما ابن مصفى فرواه عن أبي المغيرة، ثنا الوليد بن سليمان بن أبي السائب، ثنا بسر بن عبيد اللَّه، عن أبي إدريس الخولاني، عن نعيم بن همّار، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول (فذكر نحوه). فجعله من مسند نعيم بن همار، فلعلّ هذا الوهم يعود إلى ابن مصفى - واسمه محمد فإنه وصف "صدوق له أوهام" كما في التقريب. ومن طريقه رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٢٢١). • عن أنس قال: كان رسول اللَّه ﷺ يُكثر أن يقول: "يا مقلّب القلوب ثبِّتْ قلبي على دينك". فقلت: يا نبي اللَّه، آمنَّا بك، وبما جئتَ به، فهل تخاف علينا؟ قال: "نعم، إنّ القلوبَ بين أصبعين من أصابع اللَّه يقلِّبها كيف يشاء". حسن: رواه الترمذيّ (٢١٤٠) عن هنَّاد، حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس، فذكر مثله. وأبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره. كذا قال الحافظ في "التقريب".

стр. 304

ومن طريقه رواه الإمام أحمد (١٢١٠٧)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٢٥)، والحاكم (١/ ٥٢٦)، وجعله شاهدًا صحيحًا لحديث النّواس بن سمعان، وأقرّ الذَّهبيُّ على تصحيحه. قال الترمذيّ: "حسن". قلت: وهو كما قال، فإن في الإسناد أبا سفيان وهو طلحة بن نافع الواسطيّ وهو وإن كان من رجال الجماعة إِلَّا أنه "صدوق" كما في التقريب. وأما ما رواه ابن ماجه (٣٨٣٤) من وجه آخر عن الأعمش، عن يزيد الرّقاشيّ، عن أنس، فذكر مثله. فإسناده ضعيف من أجل يزيد بن عبد اللَّه الرّقاشيّ. • عن أمّ سلمة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يُكثر في دعائه أن يقول: "اللَّهمّ مقلّب القلوب، ثبِّتْ قلبي على دينك". قالت: قلت: يا رسول اللَّه، أَوَ إِنَّ القلوب لتقلّبُ؟ قال: "نعم، ما من خلق اللَّه من بني آدم من بشر إِلَّا أنّ قلبه بين أصبعين من أصابع اللَّه، فإن شاء اللَّه أقامه، وإن شاء أزاغه، فنسأل اللَّه ربَّنا أن لا يُزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدُنْه رحمةً، إنّه هو الوهَّاب". قالت: قلت: يا رسول اللَّه، ألا تُعلّمني دعوةً أدعو بها لنفسي؟ قال: "بلى، قولي: اللَّهُمَّ ربّ النّبيّ محمد اغفرْ ذنبيّ، وأَذْهِبْ غيظ قلبيّ، وأجرني من مُضلّات الفتن ما أحييتنا". حسن: رواه الإمام أحمد (٢٦٥٧٦)، والطبراني في الكبير (٣٢/ ٣٣٨)، وفي الدّعاء (١٢٥٨) من طرق عن عبد الحميد قال: حدَّثني شهر بن حوشب، قال: سمعت أمَّ سلمة تحدّث أنّ رسول اللَّه ﷺ كان يُكْثر في دُعائه أن يقول (فذكره). صحّحه ابن خزيمة ورواه في كتاب التوحيد (١٣٣) من وجه آخر عن شهر بن حوشب، به، مثله. وإسناده حسن من أجل الكلام في شهر بن حوشب فإنه صدوق، إذا لم يخالف في الإسناد، ولم يأت في المتن ما ينكر عليه. وهذا الحديث له شواهد أجزائه. وعبد الحميد هو ابن بهرام الفزاريّ صاحب شهر بن حوشب، قال فيه أبو حاتم وابن عدي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ١٢٠). وفي التقريب: "صدوق". • وعن سبرة بن فاكهة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قلبُ ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يُزيغه أزاغه". حسن: رواه ابن أبي عاصم في السنة (٢٢٠) عن هشام بن عمار، ثنا أبو مطيع معاوية بن يحيى الأطرابلسيّ، حدثنا محمد بن الوليد الزّبيديّ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن سبرة

стр. 305

ابن فاكهة، فذكره. ورواه الطبرانيّ في "الكبير" (٧/ ١٣٧ - ١٣٨)، والآجريّ في الشريعة (٩٠٨) كلاهما من طريق هشام بن عمّار الدّمشقيّ بإسناده نحوه مختصرًا. وإسناده حسن من أجل الكلام اليسير في أبي مطيع وهو معاوية بن يحيى غير أنه حسن الحديث، وكذلك شيخه هشام بن عمّار. ولذا قال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢١١): "رواه الطبرانيّ ورجاله ثقات". • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّما قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرّحمن". حسن: رواه ابن أبي عاصم في السنة (٢٢٩) عن عمر بن الخطّاب، ثنا أبو صالح، ثنا اللّيث، ثنا يحيى بن سعيد، عن خالد بن أبي عمران، حدثني أبو عياش، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي عياش هو ابن النعمان المعافري، روى عنه جمعٌ، ولم يُعرف فيه جرح، ولحديثه أصول ثابتة، وفات ابن حبان ذكرُه في ثقاته لأنه على شرطه. وفي الباب عن عائشة قالت: إنّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يُكثر أن يقول: "يا مقلّب القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك وطاعتك" فقيل له: يا رسول اللَّه، إنّك تكثر أن تقول: يا مقلّب القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك وطاعتك؟ قال: "وما يُؤْمِنّي، وإنَّما قلوب العباد بين أصبعي الرحمن، إنه إذا أراد أن يُقلّب قلْبَ عبد قلَّبه". رواه الإمام أحمد (٢٦١٣٣)، وأبو يعلى (٤٦٦٩)، والطبراني في الدعاء (١٢٥٩)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٢٤، ٢٣٣) كلهم من طرق عن حماد بن سلمة، قال: حدثنا علي بن زيد، عن أمّ محمد، عن عائشة، فذكرته. وإسناده ضعيف من أجل عليّ بن زيد وهو ابن جدعان فقد اتفق أهل العلم على تضعيفه. وأمّ محمد لم يرو عنها إِلَّا علي بن زيد ولم يوثقها غير ابن حبان في "مجهولة". وقد رُوي الحديث من وجه آخر عن الحسن، عن عائشة. رواه الإمام أحمد (٢٤٦٠٤)، والحسن مدلّس ولم يثبت سماعه من عائشة. وفي الباب أيضًا عن أبي ذر في حديث طويل، رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (١٣٤)، وفيه شرحبيل بن الحكم وشيخه عمر بن نائل وهما ضعيفان، ولذا قال ابن خزيمة: "أنا أبرأ من عهدة شرحبيل بن الحكم، وعامر بن نائل، وقد أغنانا اللَّه -فله الحمد كثيرًا- عن الاحتجاج في هذا الباب بأمثالهما".

стр. 306

٢٧ - باب ما جاء أنّ يد اللَّه ملآى • عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يد اللَّه ملآى لا يَغِيظُها نفقةٌ سحَّاءُ الليل والنهارَ". وقال: "أرأيتُم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يَغِضْ ما في يده". وقال: "وكان عرشُه على الماء، وبيده الأخرى الميزان، يخفضُ ويرفع". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤١١) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. ورواه مسلم في الزّكاة (٩٩٣) من وجهين عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزّناد، عن أبي هريرة، وفيه: "قال اللَّه ﵎: يا ابن آدم أَنْفق أُنْفق عليك". وقال: "يمين اللَّه ملآى سحاء لا يغيضها شيءٌ اللَّيل والنَّهار". ومن طريق همَّام بن منبه، عن أبي هريرة، وفيه: "إنّ اللَّه قال لي: أَنفق أُنفق عليك". وقال رسول اللَّه ﷺ : "يمين اللَّه ملآى لا يغيضها سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق مُذ خلق السماء والأرض، فإنه لم يَغِضْ ما في يمينه". قال: "وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض، يرفع ويخفض". ومن هذا الطّريق رواه أيضًا البخاريّ (٧٤١٩). وقوله: "سحّاء" بالمدّ على وزن فعلاء. قال النوويّ: "جاءت هذه اللفظة على وجهين: أحدهما "سحًّا" بالتنوين على المصدر وهو الأصح الأشهر. والثاني: "سحَّاء" بالمد". قال ابن الأثير في "النهاية" أي دائمة الصّب والهطل بالعطاء، يقال: سحَّ يسُحُّ سَحًّا فهو ساحٌّ. ٢٨ - باب أن يد اللَّه فوق أيديهم جميعًا قال اللَّه تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [سورة الفتح: ١٠]. • عن حكيم بن حزام، قال: سألت رسول اللَّه ﷺ من المال، فألْتحفُتُ، فقال: "يا حكيم ما أنكرَ مسألتَك! يا حكيم إنّ هذا المال خضرة حُلوة، وإنَّما هو مع ذلك أوساخ أيدي الناس، ويدُ اللَّه فوق يد المعطيّ، ويدُ المُعطِي فوق يد المعطَى، وأسفل الأيدي يد المعطَى". صحيح: رواه الإمام أحمد (١٥٣٢١)، والطبراني في الكبير (٣/ ٢١٦ - ٢١٧) كلاهما من حديث ابن أبي ذئب، عن مسلم بن جندب، عن حكيم بن حزام، فذكره، ولفظهما سواء. وصحّحه ابن خزيمة، وأخرجه في كتاب التوحيد (١٠٣، ١٠٤)، والحاكم (٣/ ٤٨٤) كلاهما من هذا الوجه.

стр. 307

وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". وقال ابن خزيمة: "مسلم بن جندب قد سمع من ابن عمر غير شيء، وقال: أمرني ابن عمر أن أشتري له بدنة، فلست أنكر أن يكون قد سمع من حكيم بن حزام" انتهى. وصحّح الحافظ إسناده في "الفتح" (٣/ ٢٩٣) بعد أن عزاه للطبراني وحده. ثم إنّ مسلم بن جندب قد توبع، فقد رواه الطبرانيّ في الكبير (٣/ ٢١٢) من وجه آخر عن فليح ابن سليمان، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبر، عن حكيم بن حزام، فذكر مثله، وزاد في أول الحديث: "ما أنكر مسألتَك يا حكيم! إنّ هذا المال خضرة حلوة، وأنَّها أوساخ أيدي الناس فمن أخذها بسخاوة بورك له فيها، ومن أخذها بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالآكل ولا يشبع". ثم ذكر: "يد اللَّه فوق يد المعطِي. . . ". وفيه فليح بن سليمان الخزاعيّ، أكثر أهل العلم على تضعيفه ولكن لا بأس به في المتابعات. • عن مالك بن نَضْلَة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الأيدي ثلاثة: فيد اللَّه العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى، فأعطِ الفضْل ولا تعجزْ عن نفسك". صحيح: رواه أبو داود (١٦٤٩) عن أحمد بن حنبل، حدثنا عبيدة بن حُميد التيمي، حدثني أبو الزّعراء، عن أبي الأحوص، عن أبيه مالك بن نَضْلة، فذكره. ورواه الإمام أحمد (١٥٨٩٠) من هذا الوجه. وإسناده صحيح، وأبو الأحوص هو عوف بن مالك بن نضلة، وقد صحّحه ابن خزيمة (٢٤٤٠)، وابن حبان (٣٣٦٢)، والحاكم (١/ ٤٠٨) كلّهم من طريق عبيدة بن حُميد التّيميّ بإسناده، مثله. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". وأمّا ما رُوي عن عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا: "الأيدي ثلاثة: فيدُ اللَّه العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السَّائل السُّفلى" فهو ضعيف. رواه الإمام أحمد (٤٢٦١) عن القاسم بن مالك، قال: أخبرنا الهجريّ، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه، فذكره. والهجريّ هو إبراهيم بن مسلم العبديّ ضعَّفه أكثر أهل العلم. قال الحافظ في التقريب: "لين الحديث رفع موقوفات". قلت: هكذا فعل، فقد رواه مرفوعًا وموقوفًا، فرفعه القاسم بن مالك عنه كما هنا، وكذلك رفعه جرير وشعبة عنه، ومن طريقهما رواه ابن خزيمة في صحيحه (٢٤٣٥)، وفي التوحيد (١٠٥)، والحاكم (١/ ٤٠٨) من طريق شعبة وحده. ورواه جعفر بن عون، عنه موقوفًا كما قال البيهقي في "الأسماء والصفات" (٧٠٠) فالظَّاهر أن

стр. 308

هذا يرجع إلى إبراهيم الهجري مع مخالفته في الإسناد كما سبق. وأمّا قول الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٩٧): "رواه أحمد وأبو يعلى، ورجاله موثقون". فهو ليس كما قال، فإن إبراهيم بن مسلم الهجري لم يوثقه أحدٌ حتى ابن حبان لم يذكره في "الثقات"، وإنما أدخله في "المجروحين" (٧) فلعله اعتمد على تصحيح ابن خزيمة، واللَّه تعالى أعلم. ٢٩ - باب إثبات القدم للَّه قال تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [سورة ق: ٣٠]. • عن أنس بن مالك، قال: قال النبيّ ﷺ : "لا تزال جهنّم تقول: هل من مزيد حتى يضع ربُّ العزّة فيها قدمه، فتقول: قطْ قطْ وعزّتِك، ويُزْوى بعضُها إلى بعض". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأيمان والنّذور (٦٦٦١)، ومسلم في كتاب الجنة (٢٨٤٨) كلاهما من شيبان، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك، فذكر الحديث، ولفظهما سواء. قال البخاريّ: رواه شعبة عن قتادة. قلت: وهو ما رواه البخاريّ (٤٨٤٨٠) عن عبد اللَّه بن أبي الأسود، حدثنا حرمي بن عمارة، حدثنا شعبة، بإسناده وفيه: "حتى يضع قدمه". وكذلك رواه البخاريّ في التوحيد (٧٣٨٤) بالإسناد نفسه، وليس في رواية شعبة بيان من يضع قدمه. ثم قال البخاريّ: وقال لي خليفة، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس. وعن معتمر، سمعت أبي، عن قتادة، عن أنس، عن النبيّ ﷺ قال: "لا يزال يُلْقى فيها وتقول: هل من مزيد، حتى يضع ربُّ العالمين قدمه فينزوي بعضُها إلى بعض. ثم تقول: قد قد، بعزّتك وكرمك. ولا تزال الجنة تفضل حتى ينشئ اللَّه لها خلقًا فيسكنهم فضل الجنّة". وتبيّن من هذا أن واضع القدم هو اللَّه . وقوله: "قَط قَط" وفي رواية "قد قد" وقطْ بالتخفيف ساكنًا، ويجوز الكسر (قِط) بغير إشباع، و"قد" هي لغة أيضًا، وكلّها بمعنى يكفي وحسبي. قال ابن خزيمة: اختلف رواةُ هذه الأخبار في هذه اللّفظة في قوله: "قَط" أو "قِط" فروى بعضهم بنصب القاف، وبعضهم بخفضها، وهم أهل اللّغة، ومنهم يقتبس هذا الشأن، ومحال أن يكون أهل الشّعر أعلم بلفظ الحديث من علماء الآثار الذين يعنون بهذه الصّناعة يروونها، ويسمعونها من ألفاظ العلماء، ويحفظونها، وأكثر طلاب العربية إنّما يتعلّمون العربية من الكتب المشتراة أو المستعارة من غير سماع، ولسنا ننكر أن العرب تنصب بعض حروف الشيء، وبعضها يخفض ذلك الحرف لسعة لسانها. قال المطلبيّ (أي الشَّافعيّ) ﵀: "لا يُحيط أحدٌ علمًا بألسنة العرب جميعًا غيرُ نبيّ". انتهى. كتاب التوحيد (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧).

стр. 309

• عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تزال جهنّم تقول: هل من مزيد؟ . قال: "فيدلّي فيها ربُّ العالمين قدمَه". قال: "فينزوي بعضُها إلى بعض، وتقول: قط قط بعزّتك، ولا يزالُ في الجنة فضْلٌ حتى ينشئَ اللَّه لها خلقًا آخر فيُسكنه في فضول الجنة". صحيح: رواه الإمام أحمد (١٢٣٨٠) عن بهز وعفان، قالا: حدثنا أبان بن يزيد العطّار، حدثنا قتادة، حدثنا أنس بن مالك، فذكره. ورواه ابن خزيمة في التوحيد (١٥٥) من طريق بهز بن أسد وحده بإسناده، مثله. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تحاجت الجنّة والنار، فقالت النار: أُوثرتُ بالمتكبّرين والمتجبرين. وقالت الجنةُ: فما لي لا يدخلني إِلَّا ضعفاء الناس وسَقَطُهم وغِرَّتهُم؟ قال اللَّه للجنة: إنّما أنتِ رحمتي أرحمُ بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: إنّما أنتِ عذابي أُعذِّبُ بك من أشاء من عبادي. ولكلّ واحدة منكما مِلؤها. فأمَّا النّار فلا تمتلئ حتى يضع اللَّه ﵎ رِجْلَه. تقول: قَطْ قَطْ قَطْ. فهنالك تمتلئُ، ويُزْوي بعضُها إلى بعض، ولا يظلم اللَّه من خلقه أحدًا، وأمّا الجنَّةُ فإنّ اللَّه يُنشئ لها خلقًا". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٨٥٠)، ومسلم في كتاب الجنة (٢٨٤٦: ٣٦) كلاهما عن محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة، فذكره. • عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "احتجّت الجنَّةُ والنَّار، فقالت النار: أوثرتُ بالمتكبّرين والمتجبّرين" فذكر الحديث إلى قوله: "ولكليكما عليّ ملؤها". ولم يذكرْ ما بعده من الزّيادة. وفي رواية من الزيادة: "ولكلّ واحدة منكما ملؤها، فأمَّا النّار فيُلقى فيها أهلها فتقول: هل من مزيد؟ ويلقى فيها أهلُها فتقول: هل من مزيد؟ حتى يأتيها ﵎ فيضعُ قدميه عليها، فتنزوي وتقول: قِدْني قِدْني. وأما الجنة فيبقى منها ما شاء اللَّه أن يبقى فينشئُ اللَّه لها خلقًا ممن يشاء". صحيح: رواها مسلم في صفة الجنة والنار (٢٨٤٧) عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكر الحديث، ولم يسق مسلمٌ لفظه كاملًا، وإنما أحال على لفظ أبي هريرة إلى قوله: "ولكليكما عليّ ملؤها" ولم يذكر ما بعد من الزيادة. والرواية الثانية عند الإمام أحمد (١١٠٩٩)، وأبي يعلى (١٣١٣) كلاهما من طريق حماد بن

стр. 310

سلمة، عن عطاء بن السائب، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن أبي سعيد، فذكر الحديث كاملًا. وصحّحه ابن خزيمة فأخرجه في كتاب التوحيد (١٤٨، ١٦١)، وابن حبان في صحيحه (٧٤٥٤)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٢٨) كلهم من طرق عن حماد بن سلمة. وهذا إسناد صحيح، عطاء بن السائب ثقةٌ، وثَّقه الأئمة إِلَّا أنه اختلط لكن حمّاد بن سلمة سمع منه قبل الاختلاط كما صرّح بذلك ابن معين وأبو داود وغيرهما. وجعل الطّحاويّ ممن سمع منه قبل الاختلاط أربعة وهم: شعبة، وسفيان الثوريّ، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد. إِلَّا أنّ عبد الحق الإشبيليّ قال في "الأحكام": "إنّ حماد بن سلمة سمع منه بعد الاختلاط كما قاله العقيليّ في "الضعفاء" وقد تعقَّبه الحافظ أبو عبد اللَّه محمد بن أبي بكر المواق كلام عبد الحقّ وقال: لا نعلم من قاله غير العقيليّ، وقد غلط من قال: إنه قدم في آخر عمره إلى البصرة، وإنَّما قدم عليهم مرتين، فمن سمع منه القدمة الأولى صحَّ حديثه منها. انظر للمزيد: "الكواكب النيرات" (ص ٣١٩ - ٣٢٦). • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "يجمع اللَّه الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطّلع عليهم ربُّ العالمين فيقول: ألا يتبع كلُّ إنسان ما كانوا يعبدونه، فيُمثّل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النّار ناره، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون فيطَّلعُ عليهم ربُّ العالمين فيقول: ألا تتبعون النّاس؟ فيقولون: نعوذ باللَّه منك، نعوذ باللَّه منك، اللَّه ربُّنا، وهذا مكاننا حتى نرى ربَّنا وهو يأمرهم ويثبّتُهم، ثم يتوارى ثم يطَّلعُ فيقول: ألا تتّبعون النّاس؟ فيقولون: نعوذ باللَّه منك، نعوذ باللَّه منك، اللَّهُ ربُّنا، وهذا مكاننا حتى نرى ربَّنا وهو يأمرهم ويثبّتُهم". قالوا: وهل نراه يا رسول اللَّه؟ قال: "وهل تضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟ " قالوا: لا يا رسول اللَّه. قال: "فإنَّكم لا تُضَارُّون في رؤيته تلك السَّاعة. ثم يتوارى، ثم يطّلعُ فيُعرِّفُهم نَفْسه، ثم يقول: أنا ربُّكم فاتبعوني فيقوم المسلمون، ويوضع الصّراط فيمرون عليه مثل جياد الخيل والرّكاب وقولهم عليه: سلِّم سلِّم، ويبقى أهلُ النار فيطرح منهم فيها فوجٌ فيقال: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد، ثم يطرح فيها فوجٌ، فيقال: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد، حتى إذا أُوعِبُوا فيها وضع الرحمن قدمه فيها، وأُزْوِيَ بعضُها إلى بعض، ثم قال: قط، قالت: قط قط، فإذا أدخل اللَّه أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، قال: أُتِي بالموت مُلَبِّيًا فيوقف على السور الذي بين أهل الجنة وأهل النار، ثم يقال: يا أهل الجنة فيطّلِعون خائفين، ثم يقال: يا أهل النار فيطّلعون

стр. 311

مستبشرين يرجون الشّفاعة، فيقال لأهل الجنة وأهل النار: هل تعرفون هذا؟ فيقولون (هؤلاء وهؤلاء): قد عرفناه هو الموت الذي وُكِّل بنا، فيضجع فيذبح ذبحا على السُّور الذي بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود لا موت، ويا أهل النّار خلود لا موت". حسن: رواه الترمذيّ (٢٥٥٧) عن قتيبة، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه ابن خزيمة في التوحيد (١٥٠) من طريق عبد العزيز بن محمد الدّراورديّ، بإسناده، مثله. قال أبو عيسى الترمذيّ: "حديث حسن صحيح". قلت: هو حسن فقط من أجل عبد العزيز بن محمد الدراورديّ وهو مختلف فيه وإن كان من رجال الجماعة، تكلّم فيه أبو زرعة والنسائي وغيرهما، ومشّاه الآخرون وهو حسن الحديث. • عن ابن عباس قال: أُنشد رسولُ اللَّه ﷺ بيتين من قول أميّة بن أبي الصّلت الثقفيّ: رجل وثور تحت رجل يمينه ... والنّسر للأخرى وليث مرصَّد فقال رسول اللَّه ﷺ : "صدق". وأُنشد قوله: لا الشّمس تأبى فما تخرج ... إِلَّا معذبة وإلا تُجْلَدُ فقال رسول اللَّه ﷺ : "صدق". حسن: رواه ابن خزيمة في كتاب "التوحيد" (١٣٧) عن محمد بن أبان، قال: حدثنا يونس بن بكير، قال: أخبرني محمد بن إسحاق، قال: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه مدلِّس وقد صرَّح. والغريب في الأمر أن ابن خزيمة رواه (١٣٥) بهذا الإسناد نفسه ولم يصرّح فيه محمد بن إسحاق بالتحديث، وذكر فيه ثلاثة أبيات وهي: رجل وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليث مرصّد والشمس تصبح كل آخر ليلة ... حمراء يصبح لونها يتورد تأبى مما تطلع لنا في رسلها ... إِلا معذبة وإلا تجلد فقال رسول اللَّه ﷺ : "صدق".

стр. 312

فالظّاهر أَنّ الأصل في المدلّس هو التحديث، لأنّ الراويّ يهتم بصيغة الأداء إذا كان شيخه مدلِّسّا، فإذا قال مرة: "حدثنا"، وأخرى: "عن"، فمعناه أنه لم يضبط في المرة الثانية، فما ضبطه لا ينقضه ما لم يضبطه، إِلَّا أَنَّ هذا الحديث معروف من رواية عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بالعنعنة، ومن طريقه رواه الإمام أحمد (٢٣١٤)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٧٩)، والطبراني في الكبير (١١٥٩١)، وابن منده في الرد على الجهمية (١٢)، وابن خزيمة في التوحيد (١٣٦). وتابعه على التحديث به أحمد بن عبد الجبار، نا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني يعقوب بن عتبة. ومن طريقه رواه البيهقي في الأسماء والصفات (٧٧١). وأحمد بن عبد الجبار وهو العُطارديّ قال فيه الدارقطني: لا بأس به، وضعَّفه غيره إِلَّا أنه روى عن يونس بن بكير مغازي محمد بن إسحاق. قال الحافظ في "التقريب": "ضعيف وسماعه للسيرة صحيح". وأمّا قول البيهقيّ: هذا حديث يفرّد به محمد بن إسحاق بن يسار بإسناده هذا فهو ليس بصحيح، بل إنه قد توبع. فقد رواه ابن خزيمة في التوحيد (١٣٨) عن أبي هاشم زياد بن أيوب، قال: حدثنا إسماعيل -يعني ابن عليّة- قال: حدثنا عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر القصة. قال عكرمة: "فقلت لابن عباس: وتجلد الشّمس؟ فقال: عضضت بهني أبيك! وإنَّما اضطره الراوي إلى أن قال: تجلدُ". وروى عن هشام بن عروة قال: "حملة العرش: أحدهم على صورة إنسان، والثاني على صورة ثور، والثالث على صورة نَسْر، والرابع على صورة أسد". قال البيهقيّ: وإنَّما أريد به ما جاء في حديث آخر عن ابن عباس أن الكرسي يحمله أربعة من الملائكة: ملك في صورة رجل، وملك في صورة أسد، وملك في صورة ثور، وملك في صورة نسر، فكأنّه إن صحّ بين: أن الملك الذي في صورة رجل، والملك الذي في صورة ثور يحملان الكرسي من موضع الرجل اليمنى، والملك الذي في صورة النسر، والذي في صورة الأسد وهو اللّيث يحملان من الكرسي موضع الرجل الأخرى، أن لو كان الذي عليه ذا رجلين". ولا منافاة بينه وبين قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [سورة الحاقة: ١٧] فهذا خاص بيوم القيامة، وأمّا قبل يوم القيامة فأربعة إن صحّ هذا الحديث كما قال البيهقيّ؛ ولذا لم ير ابن خزيمة التعارض بين الحديث والآية، إلَّا أنه أخّر الجمع بين الحديث والآية في موضع آخر في كتابه. ٣٠ - باب ما جاء في السّاق قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [سورة القلم: ٤٢ - ٤٣].

стр. 313

• عن أبي سعيد قال: سمعتُ النبيّ ﷺ يقول: "يكشِفُ ربُّنا عن ساقه، فيسجد له كلّ مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدّنيا رياءً وسمعةً، فيذهب ليسجدَ فيعود ظهره طبقًا واحدًا". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٩١٩) عن آدم بن أبي إياس، حدثنا الليث، عن خالد ابن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، فذكره مختصرًا هكذا. ورواه في التوحيد (٧٤٣٩) عن يحيى بن بكير، حدثنا اللّيث بن سعد، بإسناده مطوَّلًا وهو مذكور في موضعه وفيه: "فيكشف عن ساقه. . . ". ورواه مسلم في الإيمان (١٨٣) من وجه آخر عن زيد بن أسلم، بإسناده وفيه: "فيكشف عن ساق". • عن أبي هريرة يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا جمع اللَّهُ العباد بصعيد واحد نادى منادٍ: يلحقُ كلُّ قومٍ بما كانوا يعبدون، فيلحق كلُّ قومٍ بما كانوا يعبدون، ويبقى الناسُ على حالهم، فيأتيهم فيقول: ما بال النّاس ذهبوا وأنتم ههنا؟ فيقولون: ننتظر إلهنا، فيقول: هل تعرفونه؟ فيقولون: إذا تعرّف إلينا عرفناه، فيكشفُ لهم عن ساقه فيقعون سجّدًا، فذلك قول اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [سورة القلم: ٤٢]، ويبقى كلُّ منافق فلا يستطيع أن يسجد، ثم يقودهم إلى الجنّة". حسن: رواه الدّارميّ في سننه (٢٨٤٥) عن محمد بن يزيد البزّار، عن يونس بن بُكير، قال: أخبرني ابن إسحاق، قال: أخبرني سعيد بن يسار، قال: سمعتُ أبا هريرة يقول (فذكر الحديث). وإسناده حسن من أجل ابن إسحاق وهو مدلس، ولكنّه صرّح بالتحديث فزالت تهمة التدليس. رواه ابن منده في "الرّد على الجهمية" (٨) عن علي بن أحمد بن الأزرق بمصر، ثنا أحمد بن محمد بن مروان. . . ثنا أحمد بن محمد بن أبي عبد اللَّه البغداديّ، ثنا يحيى بن حماد، ثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: "يكشف عن ساقه". وفي الإسناد من لم أعرفه. • عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبيّ ﷺ في حديث طويل وجاء فيه: "فيتمثّل لهم الرّبُّ فيقول لهم: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: إنّ لنا ربًّا ما رأيناه بعد. فيقول: فيم تعرفون ربَّكم إن رأيتموه؟ قالوا: بيننا وبينه علامة إن رأينا عرفناه. قال: وما هي؟ قالوا: يكشف عن ساقه، قال: فعند ذلك يكشف عن

стр. 314

ساق فيخرُّ كلّ من كان يسجد طائعًا ساجدًا ويبقي فوم ظهورهم كصياصي البقر، يريدون السُّجود فلا يستطيعون. . . ". وفي رواية: "يكشف اللَّه عن ساقه". حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (٩/ ٤١٦ - ٤٢١) عن عليّ بن عبد العزيز، ثنا أبو غسان، ثنا عبد السلام بن حرب، عن أبي خالد الدالاني، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن مسروق، عن عبد اللَّه بن مسعود فذكره في حديث طويل. وإسناده حسن من أجل الكلام في أبي خالد الدّالانيّ غير أنه حسن الحديث. انظر تخريجه مفصّلًا في باب رؤية المؤمنين ربَّهم يوم القيامة، وقد أشار البيهقيّ في "الأسماء والصفات" (٢/ ١٨٢) إلى حديث ابن مسعود هذا المرفوع. والرّواية الثانية عند عبد اللَّه بن أحمد في السنة (١٢٠٣). وقوله: "صياصي البقر" أي قرونها. قال ابن منده في "الرّد على الجهمية" (ص ٣٦) بعد أن أخرج حديث أبي سعيد الخدريّ: "هذا حديث ثابت باتفاق من البخاريّ ومسلم بن الحجّاج". وقد اختلف الصّحابة في معنى قوله : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، فروي عن ابن مسعود ما يوافق المرفوع من طريقه: عبد الرزاق، عن الثوريّ، عن مسلمة بن كهيل، عن أبي الزّعراء، عن ابن مسعود في قوله : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: "عن ساقيه". قال ابن منده: "هكذا قراءة ابن مسعود -يَكْشِفُ- بفتح الياء، وكسر الشّين. وعنه أيضًا في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: عن ساقه فيسجد كلُّ مؤمن، ويقسو كلّ كافر فيكون عظما واحدًا". وقال البيهقيّ في "الأسماء والصّفات" (٢/ ١٨٢): "اختلفت الرّوايات عن عبد اللَّه بن عباس في قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ فروى أسامة بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ بالياء وضمّها. وقال يعقوب الحضرميّ عن ابن عباس أنه قرأ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ -تكشف- بالتاء المفتوحة، ومعنى تكشف القيامة عن شدّة شديدة، والعرب تقول: كشف هذا الأمر عن ساق، إذا صار إلى شدّة ومنه قول الشّاعر: كشفت لهم عن ساقها ... وبدا من الشّر الصّراح ذكره ابن جرير الطبريّ في تفسيره، انظر لمزيد من الآثار التي ساقها البيهقيّ في "الأسماء والصفات" (٢/ ١٨٣). قلت: هذا التفسير عن ابن عباس بناءً على أنّ السّاق لم ينسب إلى اللَّه في الآية

стр. 315

الكريمة ولذا فسّره بكلام العرب، فلا يقال: إنّه أوّل صفة السّاق، وإليه يشير شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: "ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصّفات، فإنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ نكرة في الإثبات لم يضفها إلى اللَّه، ولم يقل: عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصّفات إِلَّا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل، إنّما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف". قلت: إذ لو وقف ابن عباس على حديث أبي سعيد الخدريّ الذي فيه التصريح بإضافة السّاق إلى اللَّه لقال به كما هو معروف عن السّلف الوقوف عند النّص. وأمّا ما رُوي عن أبي موسى مرفوعًا: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: "عن نور عظيم يخرّون له سجَّدًا". فهو ضعيف جدًّا. رواه أبو يعلى (٧٢٤٦) عن القاسم بن يحيى، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو سعيد روح بن جناح، عن مولى لعمر بن عبد العزيز، عن أبي بردة، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، فذكره. وأخرجه البيهقيّ في "الأسماء والصفات" (٧٥٢) من طريق الوليد بن مسلم وقال: "روح بن جناح هو شاميّ يأتي بأحاديث منكرة لا يتابع عليها، وموالي عمر بن عبد العزيز فيهم كثرة". قلت: مولى عمر بن عبد العزيز مبهم لم يسم، وقد عرفتَ أنهم كثيرون، وقد ضعَّفه أيضًا الحافظ في "الفتح" (٨/ ٦٦٤). ٣١ - باب في إتيان الرّب يوم القيامة • عن أبي هريرة قال: قال أناسٌ: يا رسول اللَّه، هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال: "هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ ". قالوا: لا يا رسول اللَّه. قال: "هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ ". قالوا: لا يا رسول اللَّه. قال: "فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يجمعُ اللَّه النَّاسَ فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشّمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطّواغيت، وتبقى هذه الأمّة فيها منافقوها، فيأتيهم اللَّه في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون: نعوذ باللَّه منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربُّنا، فإذا أتانا ربُّنا عرفناه، فيأتيهم اللَّه في الصُّورة التي يعرفون. فيقول أنا ربُّكم، فيقولون: أنت ربُّنا، فيتبعونه" في حديث طويل. متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٣٧)، ومسلم في الإيمان (١٨٢) كلاهما من حديث إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد اللَّيثيّ، عن أبي هريرة، فذكر الحديث بطوله. انظره كاملًا في جموع أبواب اليوم الآخر - باب الصّراط جسر جهنّم.

стр. 316

٣٢ - باب ما جاء من قول اللَّه تعالى في الحديث القدسي: "إن أتاني يمشي أتيتُه هرولةً ". • وعن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ يقول: "يقول اللَّه تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرتُه في ملأ خير منه، وإن تقرَّب إليَّ بشبر تقرّبتُ إليه ذراعًا، وإن تقرَّب إليَّ ذراعًا تقرّبتُ إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيتُه هرولةً". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٠٥)، ومسلم في الذكر والدّعاء (٢٦٧٥) كلاهما من حديث الأعمش، سمعت أبا صالح، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه مسلم عن محمد بن رافع، حدّثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن رسول اللَّه ﷺ ، فذكر أحاديث منها، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه قال: إذا تلقاني عبدي بشبر تلقيتُه بذراع، وإذا تلقاني بذراع تلقيته بباع، وإذا تلقاني بباع جئتُه أتيته بأسرع". قال الذّهبيّ في "العلو" (١/ ٤٧٤) بعد ذكر الحديث: "هذا حديث صحيح، وفيه تفريق بين كلام النّفس، والكلام المسموع، فهو تعالى متكلم بهذا، وبهذا، وهو الذي كلّم موسى تكليمًا، وناداه من جانب الطّور، وقرَّبه نجيًّا". • عن أنس، عن النبيّ ﷺ يرويه عن ربّه قال: "إذا تقرَّب العبد إليَّ شبرًا، تقرّبتُ إليه ذراعًا، وإذا تقرَّب إليَّ ذراعًا تقرّبتُ منه باعًا، وإذا أتاني مشيًا أتيتُه هرولةً". صحيح: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٥٣٦)، عن محمد بن عبد الرحيم، حدّثنا أبو زيد سعيد ابن الرَّبيع الهرويّ، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، فذكره. ورواه أيضًا في التوحيد (٧٥٣٧) من وجه آخر عن سليمان التيميّ، عن أنس بن مالك، عن أبي هريرة، قال: ربما ذكر النبيَّ ﷺ قال: "إذا تقرّب العبد مني شبرًا، تقرّبتُ منه ذراعًا، وإذا تقرَّب مني ذراعًا تقرّبتُ منه باعًا أو بوعًا". ٣٣ - باب ما جاء في الضّحك • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "يضحكُ اللَّه إلى رجلين يقتل أحدُهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة، يقاتلُ هذا في سبيل اللَّه فيُقتل، ثم يتوب اللَّه على القاتل، فيقاتل فيُستشهد". وفي لفظ: "ضحك ربُّنا من رجلين، قتل أحدهما صاحبه، وكلاهما في الجنة".

стр. 317

متفق عليه: رواه مالك في الجهاد (٢٨) عن أبي الزّناد، عن الأعرج عن أبي هريرة. . . فذكره. ورواه البخاريّ في الجهاد (٢٨٢٦) عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك، بإسناده. ورواه مسلم في الإمارة (١٨٩٠) من وجه آخر عن سفيان، عن أبي الزّناد، بإسناده مثله. ورواه أيضًا من وجه آخر عن همَّام بن منبّه، وهو في صحيفته (١١١). والرّواية الثانية أخرجها ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٤٥٦)، وابن حبان في صحيحه (٤٦٦٦) كلاهما من حديث مؤمّل بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكر مثله. ومؤمّل بن إسماعيل سيء الحفظ إِلَّا أنه توبع. ورُوي مثله عن أنس بن مالك، رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٤٦٠) من طريق بشر بن الحسين أبي محمد الأصبهانيّ، قال: حدثنا الزبير بن عديّ، عن أنس، فذكر الحديث مثله. وبشر هذا ضعيف جدًّا، بل قال الدّارقطني: متروك، وقال أبو حاتم: يكذب على الزّبير. ترجمه الذّهبي في الميزان (١/ ٣١٥). • عن أبي هريرة، أنّ الناس قالوا للنبيّ ﷺ : هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ . وجاء فيه: "فيقول الرّب: ألست أعطيت العهود والمواثيق أن لا تسأل غير الذي أُعطيتَ؟ فيقول: يا ربّ لا تجعلني أشقى خلقك، فلا يزال يدعو اللَّه حتى يضحك اللَّه ﵎ منه، فإذا ضحك اللَّه منه قال: أدخُل الجنّة. . . " فذكر الحديث. متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٨٠٦)، ومسلم في الإيمان (١٨٢) كلاهما من حديث أبي اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وعطاء بن يزيد الليثيّ، أنّ أبا هريرة، أخبرهما، فذكر الحديث بطوله، وهو مخرج في حديث الصّراط. • عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّ آخر من يدخل الجنة رجلٌ يمشي مرة، ويكبو مرة، تسْعفُه النار مرة" فذكر الحديث بطوله. وقال في آخر الحديث: "فيقول اللَّه تعالى: يا ابن آدم ما يَصْريني منك؟ أيُرضيك أن أُعطيك الدّنيا ومثلها معها؟ قال: يا ربّ أتستهزئُ مني وأنت ربّ العالمين" فضحك ابن مسعود، فقال: ألا تسألوني ممّ أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: مم تضحك يا رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: "من ضحك ربّ العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت ربّ العالمين؟ فيقول: إنّي لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٨٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان بن مسلم،

стр. 318

حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت، عن أنس، عن ابن مسعود، فذكره. وقوله: "ما يصربني منك" معناه يقطع مسئلتك مني، والصّري هو القطع. • عن جابر، عن النبيّ ﷺ في قصة الورود، قال: "نحن يوم القيامة على كذا وكذا -انظر، أي: ذلك فوق الناس- قال: فتُدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد، الأوّل فالأوّل، ثم يأتينا ربُّنا بعد ذلك، فيقول: من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربَّنا. فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: حتى ننظر إليك، فيتجلّى لهم يضحك". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٩١) من طرق عن روح بن عبادة القيسيّ، حدثنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يسأل عن الورود، فذكر مثله في حديث طويل مخرج بكامله في حديث الصّراط. وقوله: "كذا وكذا - انظر" هذا كله تحريف وقع في المتن. قال النوويّ ﵀ في شرح مسلم: "هكذا وقع هذا اللّفظ في جميع الأصول من صحيح مسلم. واتفق المتقدمون والمتأخرون على أنّه تصحيف وتغير واختلاط في اللفظ. قال الحافظ عبد الحق في كتابه "الجمع بين الصحيحين" هذا الذي وقع في كتاب مسلم تخليط من أحد النّاسخين أو كيف كان. وقال القاضي عياض: هذه صورة الحديث. وفي كتاب ابن أبي خيثمة من طريق كعب بن مالك: "يحشر الناس يوم القيامة على تل، وأمتي على تل". وذكر الطبريّ في التفسير من حديث ابن عمر: "فيرقى هو -يعني محمدًا- وأمته على كوم فوق الناس". وذكر من حديث كعب بن مالك: "يحشر الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل". قال القاضيّ: فهذا كلّه بين ما تغيّر من الحديث، وأنّه كان أظلم هذا الحرف على الرّاوي، أو امحي فعبّر عنه: "بكذا وكذا"، وفسّره بقوله: أي "فوق الناس" وكتب عليه: "انظر" تنبيهًا، فجمع النقلةُ الكلَّ ونسقوه على أنّه من متن الحديث كما تراه". • عن إبراهيم بن سعد، أخبرني أَبي، قال: كنتُ جالسًا إلى جَنْب حُمَيد بن عبد الرحمن في المسجد، فمرَّ شيخ جميلٌ من بني غِفارٍ وفي أُذُنيهِ صَمَم -أو قال: وَقْرٌ- أَرسَل إليه حُمَيدٌ، فلما أَقْبَلَ قال: يا ابنَ أخيّ، أَوسِعْ له فيما بيني وبينِك، فإنه قد صَحِبَ رسول اللَّه ﷺ . فجاء حتى جلس فيما بيني وبينَه، فقال له حميدٌ: حدِّثني بالحديث الذي حدَّثتني عن رسول اللَّه ﷺ . فقال الشيخ: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ اللَّه يُنْشِئُ السِّحابَ، فيَنطِقُ أَحسنَ المَنطِقِ، ويضحكُ أَحسنَ الضَّحِكِ". صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٣٦٨٦) والآجري في الشريعة (٦٤٨) والبيهقي في الأسماء

стр. 319

والصفات (٩٨٨) كلهم من طرق عن إبراهيم بن سعد بإسناده. وأبو إبراهيم هو سعد بن إبراهيم بن سعد الزهري أبو إسحاق من رجال البخارى، ومن طريقه أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧١٨) بدون القصة. وشيخ جميل من بني غفار صحابي كما نص عليه حُميد بن عبد الرحمن، ولا يضر الجهل باسمه. وأما كونه أبا هريرة في بعض الروايات فهي ضعيفة. أخرجها العقيلي في الضعفاء (١/ ٣٥) في ترجمة أمية بن سعيد الأموي، وقال: هو مجهول في حديثه وهم، ولعله أتى من عمرو بن الحصين، ثم أسنده عن إبراهيم بن محمد قال: حدثنا عمرو بن الحصين العقيليّ، قال: حدثنا أمية ابن سعيد الأموي قال: أخبرنا صفوان بن سُليم عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ينشئ اللَّه السحاب ثم ينزل فيها الماء، فلا شيء أحسن من ضحكهـ، ولا شيء أحسن من منطقه، وضحكه البرق، ومنطقه الرعد". وفيه مع جهالة أمية بن سعيد الأموي فإن شيخه عمرو بن الحصين وهو العُقيلي البصري من رواة ابن ماجه قال فيه الدارقطني: متروك، وقال ابن عدي: "حدّث عن غير الثقات بغير ما حديث منكر وهو مظلم الحديث". قلت: "ضحكه البرق، منطقه الرعد" من مناكيره. • عن نعيم بن همَّار أنّ رجلًا سأل النبيَّ ﷺ : أيُّ الشّهداء أفضل؟ قال: "الذين إن يُلْقَوا في الصّف لا يلفتون وجوهَهُم حتى يُقْتَلوا، أو يَتَلَبَّطُون، في الغرف العُلى من الجنّة، ويضحك إليهم ربُّك، وإذا ضحك ربُّك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه". حسن: رواه الإمام أحمد (٢٢٤٧٦)، وأبو يعلى (٦٨٥٥)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٢٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩٨٦)، والآجريّ في الشريعة (٦٥٠) كلّهم من طرق عن إسماعيل بن عياش، عن بحير بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن نعيم بن همّار، فذكره. وإسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن الشاميين من أهل بلده، وهذا منها فإنّ بحير -بفتح الباء وكسر المهملة- ابن سعيد هو أبو خالد حمصيّ، ولكن قال البخاريّ في التاريخ الكبير (٨/ ٩٥) بعد أن روى من هذا الطريق: "وقال محمد بن المثنى، عن عبد الوهّاب، نا برد -وهو ابن سنان- عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن كثير بن مرة، عن قيس الجذاميّ، عن نعيم بن همّار الغطَفانيّ (فذكر الحديث) ". فأدخل بين كثير بن مرة، وبين نعيم بن همّار "قيس الجذاميّ". وقد أثبت البخاريّ سماع كثير ابن مرة من نعيم بن همّار وهو ممن سمع من النبيّ ﷺ ، فيكون كثير بن مرة روى هذا الحديث من وجهين كلاهما صحيحان.

стр. 320

• عن أبي رزين قال: قال النبيّ ﷺ : "ضحِك ربُّنا من قنوط عباده، وقرب غِيَرِه". فقال أبو رزين: أو يضحك الرّب ؟ قال: "نعم". فقال: لن نعدم من ربٍّ يضحكُ خيرًا". . حسن: رواه الإمام أحمد (١٦١٨٧)، وأبو داود الطيالسيّ (١٠٩٢)، والآجريّ في الشريعة (٦٣٨، ٦٣٩)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٥٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩٨٧) كلهم من طرق عن حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمّه أبي رزين، فذكره. وحسّن إسناده شيخ الإسلام ابن تيميّة في "العقيدة الواسطية" (ص ١٠٩ - بشرح الشيخ الفوزان). قلت: إسناده حسن من أجل وكيع بن حُدس وهو "مقبول" أي حيث يتابع، وقد تُوبع على اللّفظ، وأبو رزين هو لقيط بن صبرة، وقيل: ابن عامر - العقيليّ، وسيأتي حديثه كاملًا في باب رؤية المؤمنين ربَّهم يوم القيامة. وروي مثل هذا عن عائشة. رواه ابن خزيمة في التوحيد (٤٦١) من طريق سلم بن سالم البلخي، عن خارجة بن مصعب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عائشة، فذكرت مثله. وسلم بن سالم البلخيّ وشيخه خارجة بن مصعب ضعيفان. قوله: "من قنوط عباده" قال السّنديّ: القنوط هو اليأس، ولعلّ المراد هنا الحاجة والفقر، أي يرضى عليهم، ويقبل عليهم بالإحسان إذا نظر إلى فقرهم وفاقتهم وذُلّهم، وإلّا فالقنوط من رحمة اللَّه تعالى بوجب الغضب لا الرّضا، قال تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [سورة الزمر: ٥٣]. وقوله: "وقرب غِيَره" بكسر المعجمة، وفتح الياء، بمعني تغير الحال، وهو اسم من قولك: غيَّرت الشيء فتغيّر، وضميره لجنس العبد، والمراد تغير حاله من القوة إلى الضّعف، من الحياة إلى الموت. وهذه الأحوال مما تجلب الرحمة لا محالة من الشاهد، فكيف لا يكون أسبابًا عادية لجلبها من أرحم الراحمين. وقوله: "لن نعدم" من عدمه -لعلمه- إذا فقده، يريد أنّ الرّب تعالى إذا كان من صفاته الضّحك فلا تفقد خيره، بل كلما احتجنا إلى خيره وجدناه، فإنا إذا أظهرنا الفاقة لديه يضحك فيعطي. • عن علي بن ربيعة قال: أردفني عليٌّ رضوان اللَّه عليه خلفه، ثم خرج إلى ظهر الكوفة، ثم رفع رأسه إلى السماء، فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ٨٧] فاغفر لي. قال: ثم التفت إليَّ فضحك، فقال: ألا تسألني ممّ ضحكتُ؟ قال: قلتُ: مم ضحكتَ يا أمير المؤمنين؟ قال: أردفني رسولُ اللَّه ﷺ خلفه، ثم خرج بي إلى حرّة المدينة، ثم رفع رأسه إلى السماء، فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فاغفر لي" ثم التفتَ
следующие страницы →