← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وهذا كلّه من تخاليط الحجاج بن أرطاة. قال الدَّارقطنيّ في "العلل" (١٥/ ٣٦٠ - ٣٦١): "رواه حجَّاج بن أرطاة عن الزهري. قال مرة: عن حكيم بن بشير، عن أبي أيوب الأنصاريّ. ومرة: عن أيوب بن بشير، عن حكيم بن حزام، وكلاهما غير محفوظ". وأمّا قوله في موضع آخر في "العلل" (٦/ ١١٩): "لم يرو عن الزهريّ غير حجَّاج ولا يثبت". فقد رأيت رواه أيضًا سفيانُ بنُ حسين عنه، ولم يشر الدَّارقطنيّ إلى هذه الرواية. وقوله: "الكاشح" يعني القاطع المبغض، وقيل: هو العدو الذي يضمر عداوته. • عن سلمان بن عامر، عن النَّبِيّ ﷺ : "إنّ الصّدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرّحم اثتان: صدقة، وصلة". حسن: رواه الترمذيّ (٦٥٨)، والنسائيّ (٢٥٨٢)، وابن ماجة (١٨٤٤) كلّهم من حديث حفصة بنت سيرين، عن الرّباب، عن عمّها سلمان بن عامر، فذكره. واللّفظ للنسائيّ. وأمّا الترمذيّ فزاد فيه: "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة، فإن لم يجد تمرًا، فالماء فإنه طهور". وهذه الفقرة أخرجها أيضًا أبو داود (٢٣٥٥)، وابن ماجة (١٦٩٩) كلاهما من هذا الطريق. وحسّنه الترمذيّ وصحّحه ابن خزيمة (٢٣٨٥)، وابن حبَّان (٣٣٤٤)، والحاكم (١/ ٤٠٧) كلّهم من هذا الطريق. وهو كذلك فإن الرَّباب -بفتح أولها وتخفيف الموحدة- بنت صليع أم الرّائح روتْ عنها حفصة بنت سيرين، وذكرها ابن حبَّان في "ثقاته" (٤/ ٢٤٤) وأخرج حديثها في صحيحه؛ ولم يعرف فيها جرحٌ، وهي من التابعيات، ولحديثها أصل ثابت من حديث زينب زوجة عبد الله بن مسعود -سيأتي ذكره في الباب الذي يليه- أن النَّبِيّ ﷺ قال لها: "نَعَمْ لَهَا أَجْرَانِ أَجْرُ القَرَابَةِ وَأَجْرُ الصّدَقَةِ". فيحسّنُ حديثها من أجل الأسباب المذكورة. وفي الباب أيضًا عن أبي طلحة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الصّدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرَّحم صدقة وصلة". رواه الطبرانيّ في "الكبير" (٥/ ١٠٥)، وفي الأوسط (مجمع البحرين ١٤٢٣) عن عليّ بن سعيد الرَّازيّ، ثنا هارون بن موسي بن راشد المستمليّ، ومحمد بن عمار الموصليّ، قالا: ثنا عمر بن أيوب الموصليّ، عن مصاد بن عقبة، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس، عن أبي طلحة، فذكره. فيه رجال لم يوثقه غير ابن حبَّان منهم: هارون بن موسي المستملي الكبير مكحلة، كما قال الطبرانيّ في "الكبير"، ومصاد بن عقبة فهما في مرتبة مقبولة عند الحافظ ابن حجر.

стр. 2592

وأمّا الهيثميّ فقال في "المجمع" (٣/ ١٦): "فيه من لم أعرفه". قلت: ويحيى بن أبي إسحاق اثنان كلاهما يرويان عن أنس، وكلاهما في طبقة واحدة، أحدهما الهنائي وهو "مجهول". جزم المزي في "تهذيب الكمال" أنه الهنائي. ويرى الحافظ ابن حجر أنَّ الهنائي شخص آخر واسمه يحيى بن يزيد أبو نصر، وهو من رجال مسلم. والثاني: يحيى بن أبي إسحاق الحضرميّ مولاهم البصري وهو أيضًا ممن يرُوي عن أنس بن مالك، إِلَّا أن هذا من رجال الجماعة ثقة، وتكلم فيه يحيى بن معين فقال: في حديثه بعض الضّعف، وقال الإمام أحمد: في حديثه نكارة. والنفس تطمئن إلى أنه يحيي بن إسحاق الهنائي؛ لأنَّ هذا الحديث لو كان من أحاديث الحضرميّ لرُوي عنه كبار أصحابه، والله تعالى أعلم. وأمّا ما رُوي عن سراقة بن مالك، أنَّ النَّبِيّ ﷺ قال له: "ألا أدلك على أفضل الصّدقة؟ ابنتُك، مردودة إليك، ليس لها كاسب غيرك" ففيه انقطاع. رواه ابن ماجه (٣٦٦٧)، والبخاريّ في "الأدب المفرد" (٨٠، ٨١)، والحاكم (٤/ ١٧٦) كلّهم من طرق عن موسى بن عُليّ بن رباح، قال: سمعت أبي يذكر عن سراقة بن مالك، فذكر الحديث. هكذا في رواية ابن ماجه والحاكم، وفي إحدى الروايتين للبخاريّ في الأدب المفرد: عن سراقة بن مالك. وفي الرواية الثانية: أنَّ النَّبِيّ ﷺ قال لسراقة بن مالك. وقد صرَّح العلائيّ وغيره أن رواية عُليّ بن رباح عن سراقة مرسلة، وعليه بدل ما رواه أحمد (١٧٥٨٦) قال: بلغني عن سراقة بن مالك، فذكره. وهذا فيه تصريح بأنه لم يسمعه من سراقة بن مالك بينهما رجل. ٤ - باب أجر الإنفاق على الزوج والأيتام • عن أبي سعيد الخدريّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ! تَصَدَّقُوا". فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ! تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ". فَقُلْنَ: وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ، مِنْ إِحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ". ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ زَيْنَبُ. فَقَالَ: "أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ ". فَقِيلَ: امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ: "نَعَمْ، ائْذَنُوا لَهَا". فَأُذِنَ لَهَا، قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ اليَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ

стр. 2593

عِنْدِي حُلِيٌّ لِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٦٢)، ومسلم في الإيمان (٨٠) كلاهما من حديث محمد بن جعفر، أخبرني زيد، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكره. واللّفظ للبخاريّ. وأمّا مسلم فلم يسق لفظه وإنما أحال على حديث ابن عمر، وليس فيه قصّة ابن مسعود وزوجته. • عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: كُنْتُ فِي المَسْجِدِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ -وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا- قَالَ: فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ: سَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حَجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ؟ فَقَالَ: سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى البَابِ حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي، فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلالٌ فَقُلْنَا: سَلِ النَّبِيَّ ﷺ : أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي؟ وَقُلْنَا: لا تُخْبِرْ بِنَا فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "مَنْ هُمَا؟ " قَالَ: زَيْنَبُ، قَالَ: "أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ " قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: "نَعَمْ، لَهَا أَجْرَانِ، أَجْرُ القَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٦٦)، ومسلم في الزّكاة (١٠٠٠/ ٤٦) كلاهما من طريق عمر بن حفص، حَدَّثَنَا أبيّ، حَدَّثَنَا الأعمش، قال: حَدَّثَنِي شقيق، عن عمرو بن الحارث، عن زينب فذكرته. وفي سنن ابن ماجه (١٨٣٥): "وكانت زينب صناع اليدين". أي تصنع باليدين وتكسب. والأيتام هم بنو أخيها. • عَنْ رَائِطَةَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأُمِّ وَلَدِهِ -وَكَانَتْ امْرَأَةً صَنَاعَ الْيَدِ- قَالَ: فَكَانَتْ تُنْفِقُ عَلَيْهِ وَعَلَى وَلَدِهِ مِنْ صَنْعَتِهَا قَالَتْ: فَقُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: لَقَدْ شَغَلْتَنِي أَنْتَ وَوَلَدُكَ عَنِ الصَّدَقَةِ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَصَدَّقَ مَعَكُمْ بِشَيْءٍ! فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ: وَاللَّهِ! مَا أُحِبُّ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ أَجْرٌ أَنْ تَفْعَلِي. فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي امْرَأَةٌ ذَاتُ صَنْعَةٍ أَبِيعُ مِنْهَا وَلَيْسَ لِي وَلَا لِوَلَدِي وَلَا لِزَوْجِي نَفَقَةٌ غَيْرَهَا، وَقَدْ شَغَلُونِي عَنِ الصَّدَقَةِ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ فَهَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِيمَا أَنْفَقْتُ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ فَإِنَّ لَكِ فِي ذَلِكَ أَجْرَ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ".

стр. 2594

حسن: رواه الإمام أحمد (١٦٠٨٦) عن يعقوب، حَدَّثَنَا أبيّ، عن ابن إسحاق، قال: حَدَّثَنِي هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن رائطة، فذكرته. ورواه أيضًا (١٦٠٨٥) من وجه آخر هو والطَّبرانيّ في "الكبير" (٣٤/ ٢٦٣) كلاهما من حديث سليمان بن داود الهاشميّ، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن أبيه، عن عروة بن الزُّبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، به مختصرًا. وصحّحه ابن حبَّان (٤٢٤٧) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، بإسناده، مثله. ومحمد بن إسحاق وإن كان مدلِّسًا فقد صرَّح بالتّحديث، كما أنه توبع. وقد أشار إليه الهيثميّ في "المجمع". (٣/ ١٠٨). ورائطة هي ابنة عبد الله بن معاوية الثقفية، قيل إنها زينب امرأة ابن مسعود نفسها، وأن رائطة لقبها. وقيل: بل هما اثنتان وهي زوجة أخرى لابن مسعود، وقيل: إنها امرأة أخرى وليست امرأة ابن مسعود، ولكن قصتها تشبه قصة زينب، وهذا الرأي الأخير مرجوح؛ لأنه جاء في الحديث أنها امرأة عبد الله. • عن أبي هريرة، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْصَرَفَ مِنَ الصُّبْحِ يَوْمًا فَأَتَى النِّسَاءَ فِي الْمَسْجِدِ فَوَقَفَ عَلَيْهِنَّ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَوَاقِصِ عُقُولٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ بِقُلُوبِ ذَوِي الْأَلْبَابِ مِنْكُنَّ! فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَتَقَرَّبْنَ إِلَى اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُنَّ". وَكَانَ فِي النِّسَاءِ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَأَتَتْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا سَمِعَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَخَذَتْ حُلِيًّا لَهَا، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَيْنَ تَذْهَبِينَ بِهَذَا الْحُلِيِّ؟ فَقَالَتْ: أَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ لَا يَجْعَلَنِي مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَقَالَ: وَيْلَكِ هَلُمِّي تَصَدَّقِي بِهِ عَلَيَّ وَعَلَى وَلَدِي فَإِنَّا لَهُ مَوْضِعٌ، فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ! حَتَّى أَذْهَبَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَهَبَتْ تَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : هَذِهِ زَيْنَبُ تَسْتَأْذِنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "أَيُّ الزَّيَانِبِ هِيَ؟ ". فَقَالُوا: امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. فَقَالَ: "ائْذَنُوا لَهَا". فَدَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ مِنْكَ مَقَالَةً، فَرَجَعْتُ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَحَدَّثْتُهُ وَأَخَذْتُ حُلِيًّا أَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكَ رَجَاءَ أَنْ لَا يَجْعَلَنِي اللَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَقَالَ لِي ابْنُ مَسْعُودٍ: تَصَدَّقِي بِهِ عَلَيَّ وَعَلَى وَلَدِي فَإِنَّا لَهُ مَوْضِعٌ، فَقُلْتُ: حَتَّى أَسْتَأْذِنَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَصَدَّقِي بِهِ عَلَيْهِ، وَعَلَى بَنِيهِ فَإِنَّهُمْ لَهُ مَوْضِعٌ". حسن: رواه الإمام أحمد (٨٨٦٢)، وأبو يعلى (٦٥٨٥) كلاهما من حديث إسماعيل أخبرني عمرو -يعني ابن أبي عمرو-، عن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.

стр. 2595

وإسناده حسن من أجل عمرو بن أبي عمرو فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. ومن طريقه رواه ابن خزيمة في صحيحه (٢٤٦١). وأصله في صحيح مسلم (٨٠) إِلَّا أنَّ مسلمًا لم يسق لفظ الحديث، وإنما أحال على حديث ابن عمر وليس فيه ذكر لقصة زينب. • عن أم سلمة، قالت: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ؟ قَالَ: "نَعَمْ، لَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٦٧)، ومسلم في الزّكاة (١٠٠١) كلاهما من طريق هشام، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أمّ سلمة، فذكرته. ٥ - باب ما يجوز للمرأة أن تنفق من مال زوجها وما لا يجوز لها • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تَصُمِ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنْ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ". متفق عليه: رواه البخاريّ في النكاح (٥٣٦٠)، ومسلم في الزّكاة (١٠٢٦) كلاهما من طريق عبد الرزّاق عن معمر، عن همام بن منبّه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. قوله: "من غير أمره" أي الصريح، وهو لا ينفي إذا عامًا لها في القدر المعروف؛ ولذا قال النوويّ: "واعلم أن هذا كله مفروض في قدر يسير بعلم رضا المالك به عرفًا، فإن زاد على ذلك لم يجز". قلت: هذا الانفاق يكون في الغالب في الطّعام كما قال أبو هريرة نفسه: رواه أبو داود (١٦٨٨) عن محمد بن سوّار المصريّ، حَدَّثَنَا عبدة، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة: في المرأة تصدق من بيت زوجها؟ قال: لا، إِلَّا من قوتها، والأجر بينهما، ولا يحل لها أن تصدَّق من مال زوجها إِلَّا بإذنه". قال أبو داود: هذا يُضعّف حديث همّام. انتهى. أي يُضعف حمله على التعميم، فإن الذي يصح فيه الإهداء هو الطّعام فقط لأنه يتسارع إليه الفساد، هذا في الطعام الرّطب، أما في الطّعام النَّاشف فيأتي فيه حديث أمامة. وأمّا ما رواه الحاكم (٤/ ١٣٤ - ١٣٥) من طريق سويد بن عبد العزيز، ثنا محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله تبارك وتعالي ليدخل بلقمة الخبز، وقبضة التمر، ومثله مما ينفع المسلمين ثلاثة الجنّة: الآمر به، والزوجة المصلحة، والخادم الذي ينال المسكين". وقال رسول الله ﷺ : "الحمد لله الذي لم ينس خدمنا" فهو ضعيف.

стр. 2596

قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم". وتعقبه الذّهبيّ فقال: "سويد متروك". قلت: وهم الحاكم فإنَّ سويد بن عبد العزيز وهو ابن نمير السّلميّ مولاهم الدّمشقيّ ليس من رجال مسلم، وإنّما أخرج له الترمذيّ وابن ماجه ضعَّفه جمهور أهل العلم، وذكروه في الضعفاء إِلَّا أن ابن حبَّان تضارب فيه قولُه، فقال مرة: "كان كثير الخطأ، فاحش الوهم، حتّى يجيء في أخبار من المقلوبات أشياء يتخايل إلى من سمعها أنها عُملت تعمّدًا". ثمّ قال: "والذي عندي في سويد بن عبد العزيز تنكب ما خالف الثّقات من حديثه، والاعتبار بما روي مما لم يخالف الأثبات، والاحتجاج بما وافق الثّقات، وهو ممن أستخير الله فيه؛ لأنه يقرب من الثقات". انتهى. "المجروحين" (٤٤٨). قلت: والخلاصة فيه أنه ضعيف جدًّا في أقل أحواله، وقد قال الإمام أحمد: متروك، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وضعّفه النسائيّ وغيره. ثمّ هذا الحديث لم نجد من رواه عن محمد بن عجلان غيره، عن أبي هريرة. • عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٢٥)، ومسلم في الزّكاة (١٠٢٤) كلاهما من حديث جرير، عن منصور، عن شقيق، عن مسروق، عن عائشة، فذكرته. وفي رواية: "من طعام زوجها". وأمّا ما رُوي عن سعد قال: "لَمَّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ النِّسَاءُ قَامَتِ امْرَأَةٌ جَلِيلَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نِسَاءِ مُضَرَ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّا كَلٌّ عَلَى آبَائِنَا، وَأَبْنَائِنَا -قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأُرَى فِيهِ: وَأَزْوَاجِنَا- فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ؟ فَقَالَ: "الرَّطْبُ تَأْكُلْنَهُ وَتُهْدِينَهُ". فهو منقطع. رواه أبو داود (١٦٨٦) عن محمد بن سوّار المصريّ، حَدَّثَنَا عبد السّلام بن حرب، عن يونس ابن عبيد، عن زياد بن جبير بن حية، عن سعد، قال (فذكره). وصحّحه الحاكم (٤/ ١٣٤) على شرط الشّيخين. قلت: وهو كما قال، إِلَّا أن فيه انقطاعًا بين زياد بن جبير وبين سعد بن أبي وقَّاص. قال أبو حاتم وأبو زرعة: إنَّ حديثه عن سعد بن أبي وقَّاص مرسل. انظر: مراسيل ابن أبي حاتم (ص ٦١)، وجامع التحميل (١٧٧).

стр. 2597

٦ - باب لا يجوز للمرأة أن تنفق إِلَّا بإذن زوجها • عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ فِي خُطْبَيِهِ: "لَا يَجُوزُ لامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا". حسن: رواه النسائيّ (٣٧٥٧)، وأبو داود (٣٥٤٧) كلاهما من حديث خالد بن الحارث، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، أنَّ أباه أخبره، عن عبد الله بن عمرو، فذكره في خطبة طويلة منها هذا الجزء. وكذلك رواه أحمد (٦٦٨١) من وجه آخر عن حسين المعلّم في سياق طويل. والمقصود من هذا الإنفاق النقدين من غير الطّعام. وفي لفظ: "لا يجوز لامرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها". رواه النّسائيّ (٣٧٥٦)، وأبو داود (٣٥٤٦). كلاهما من حديث حمّاد بن سلمة، عن داود بن أبي هند وحبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فذكره. ورواه ابن ماجه (٢٣٨٨) من وجه آخر عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فذكره، مثله. وصحّحه الحاكم (٢/ ٤٧). وهذا يحمل على الاستحباب، وإلَّا فالمرأة لا تحتاج إلى الإذن في مالها وهو يحمل عند أكثر العلماء على معنى حسن العشرة واستطابة نفس الزّوج. وإلَّا فقد نقل السّندي في حاشية النسائيّ عن الشافعي: "أن هذا الحديث ليس بثابت، وكيف نقول به والقرآن يدل على خلافه، ثمّ السنة، ثمّ الأثر، ثمّ المعقول، ويمكن أن يكون هذا في موضع الاختيار مثل ليس لها أن تصوم وزوجها حاضر إِلَّا بإذنه، فإن فعلتْ جاز صومها، وإن خرجت بغير إذنه فباعت جاز بيعها، وقد أعتقت ميمونة قبل أن يعلم النَّبِيّ ﷺ فلم يُعب ذلك عليها، فدل هذا مع غيره على أنّ هذا الحديث إن ثبت فهو محمول على الأدب والاختيار". قلت: أما الحديث فهو حسن، وأمّا الجمع بينه وبين غيره فهو كما قال الشّافعي الأمر يحمل على الأدب والاختيار. • عن أبي أمامة الباهليّ، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ يَقُولُ: "لَا تُنْفِقُ الْمَرْأَةُ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَلَا الطَّعَامَ؟ قَالَ: "ذَاكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا". حسن: رواه أبو داود (٣٥٦٥)، والتِّرمذيّ (٦٧٠)، وابن ماجة (٢٢٩٥) كلّهم من طريق إسماعيل ابن عَيَّاش، قال: حَدَّثَنِي شرحبيل بن مسلم الخولانيّ، قال: سمعت أبا أمامة الباهليّ، فذكره.

стр. 2598

ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (٢٢٢٩٤) في سياق أطول. قال الترمذيّ: "حديث حسن". قلت: وهو كما قال، فإن إسماعيل بن عَيَّاش صدوق في روايته عن أهل بلده، وهذا منها. وفي الباب ما رُوي عن خيرة -امْرَأَةَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ- أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِحُلِيٍّ لَهَا فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ بِهَذَا. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ فِي مَالِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا، فَهَلِ اسْتَأْذَنْتِ كَعْبًا؟ " قَالَتْ: نَعَمْ. فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ زَوْجِهَا فَقَالَ: "هَلْ أَذِنْتَ لِخَيْرَةَ أَنْ تَتَصَدَّقَ بِحُلِيِّهَا؟ ". فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَبِلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا. رواه ابن ماجه (٢٣٨٩) عن حرملة بن يحيى، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني اللّيث بن سعد، عن عبد الله بن يحيي -رجل من ولد كعب بن مالك-، عن أبيه، عن جدّه، أنَّ جدَّته خيرة، فذكرته. وفيه عبد الله بن يحيى الأنصاريّ من ولد كعب بن مالك "مجهول". وأبوه يحيى الأنصاريّ قال فيه أبو حاتم: "مجهول" "الجرح والتعديل" (٩/ ١٢٥). وفي الباب أيضًا عن عبادة بن الصَّامت في حديث طويل. وفيه: "قضي أنَّ المرأة لا تعطي شيئًا من مالها شيئًا إِلَّا بإذن زوجها". رواه عبد الله في مسند أبيه (٢٢٧٧٨) عن أبي كامل الجحدريّ، حَدَّثَنَا الفضيل بن سليمان، حَدَّثَنَا موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصَّامت، عن عبادة، فذكره بطوله، وهذا جزء منه. وأخرجه ابن ماجه (٢٢١٣) مفرقا من طريق الفضيل بن سليمان إِلَّا أنه لم يخرج هذا الجزء. وإسناده ضعيف من أجل إسحاق بن يحيى بن الوليد فإنه أرسل عن عبادة، وهو "مجهول الحال". قال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة. ٧ - باب أجر المملوك الذي ينفق من طعام سيده بالمعروف بإذنه • عن عمير مولي آبي اللحم، قال: كُنْتُ مَمْلُوكًا فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَأَتَصَدَّقُ مِنْ مَالِ مَوَالِيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ وَالْأَجْرُ بَيْنَكُمَا نِصْفَانِ". صحيح: رواه مسلم في الزّكاة (١٠٢٥) من طريق حفص بن غياث، عن محمد بن زيد، عن عمير، فذكر الحديث. ورواه من وجه آخر عن عمير، بلفظ: "أَمَرَنِي مَوْلَايَ أَنْ أُقَدِّدَ لَحْمًا فَجَاءَنِي مِسْكِينٌ فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَوْلَايَ فَضَرَبَنِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَدَعَاهُ, فَقَالَ: "لِمَ ضَرَبْتَهُ؟ " فَقَالَ: يُعْطِي طَعَامِي بِغَيْرِ أَنْ آمُرَهُ، فَقَالَ: "الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا".

стр. 2599

وقوله: "آبي اللحم" قيل له ذلك؛ لأنه في الجاهليّة حرّم على نفسه اللّحم وأبى أن يأكل ما ذُبح على الأصنام، فقيل له: آبي اللّحم. ٨ - باب ما جاء أن الزوج والزوجة والخازن يشتركون في الأجر • عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ من طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٢٥)، ومسلم في الزّكاة (١٠٢٤) كلاهما من حديث جرير، عن منصور، عن شقيق، عن مسروق، عن عائشة، فذكرته. • عن أبي موسى، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "الْخَازِنَ الْمُسْلِمَ الْأَمِينَ الَّذِي يُنْفِذُ -وَرُبَّمَا قَالَ يُعْطِي- مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبًا بِهِ نَفْسُهُ فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٣٨)، ومسلم في الزّكاة (١٠٢٣) كلاهما من طريق أبي أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، فذكره. ٩ - باب صلة قرابة المشرك قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [سورة الممتحنة: ٨]. • وعن أسماء بنت أبي بكر، قالت: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: "نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الهبة (٢٦٢٠)، ومسلم في الزّكاة (١٠٠٣) كلاهما من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء فذكرته. وفي رواية: "قدمتْ مع أبيها". • عن ابن عمر، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ تُبَاعُ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ الحُلَّةَ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ". ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا حُلَلٌ فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا". فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ.

стр. 2600

متفق عليه: رواه مالكٌ في اللباس (١٨) عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، فذكره. ورواه البخاريّ في الجمعة (٨٨٦) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في اللباس (٢٠٦٨) عن يحيى بن يحيى كلاهما عن مالك. وفي رواية للبخاريّ في الهبة (٢٦١٩) من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، نحوه، وزاد: "تبيعها أو تكسوها". • * *

стр. 2601

جموع أبواب الترغيب في التّعفف والقناعة والترهيب من المسألة وتحريمها لغير أهلها ١ - باب بأن اليد المعطية أفضل من اليد السائلة • عن عبد الله بن عمر أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ -وهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وهُوَ يذْكُرُ الصَّدَقَةَ والتَّعَفُّفَ عَن المَسْأَلَةِ-: "اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِن اليَدِ السُّفْلَى، واليَدُ العُلْيَا هِيَ المُنْفِقَةُ والسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ". متفق عليه: رواه مالك في الصّدقة (٨) عن نافع، عن عبد الله بن عمر، فذكره. ورواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٢٩)، ومسلم في الزّكاة (١٠٣٣) كلاهما من طريق مالك، به. وما رواه البيهقيّ (٤/ ١٩٧) من طريق مالك، وقال فيه: "اليد العليا المتعفّفة، والسّفلى السّائلة"، ثمّ عزاه إلى الشّيخين فهو ليس كما قال. فإنّ "اليد المنفقة" في رواية عبد الوارث، عن أيوب، عن نافع كما قال أبو داود عقب إخراج الحديث (١٦٤٨) عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، وهذا لفظه: قال أبو داود: "اختلف على أيوب عن نافع في هذا الحديث. قال عبد الوارث: "اليد العليا المتعفّفة". وقال أكثرهم عن حمّاد بن زيد، عن أيوب: "اليد العليا المنفقة"، وقال واحدٌ عن حمّاد: "المتعفّفة". انتهى. قلت: كذلك رواه إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن نافع: "المتعفّفة" هكذا رواه البيهقيّ. ولكن رواه الإمام أحمد (٥٣٤٤) من طريق عبد الله (هو ابن المبارك)، عن موسى بن عقبة وقال فيه: "المنفقة"، فالله أعلم بالصواب. معنى الحديث: قال الخطابي: "رواية المتعفّفة أشبه وأصح في المعنى، وذلك أنّ ابن عمر ذكر أن رسول الله ﷺ قال هذا الكلام وهو يذكر الصدقة، والتعفف منها، فعطف الكلام على سببه الذي خرج عليه، وعلى ما يطابقه في معناه أولى. وقال: وقد يتوهم كثير من الناس أن معنى العليا هو أن يد المعطي مستعلية فوق يد الآخذ، ويجعلونه عن علو الشيء إلى فوق، وليس ذلك عندي بالوجه، وإنما هو من علاء المجد والكرم،

стр. 2602

يريد به الرفع عن المسألة والتعفف عنها، وأنشدني أبو عمر قال: أنشدنا العباس، قال: أنشدنا ابن الأعرابي في معناه: إذا كان باب الذّل من جانب الغنى ... سموتُ إلى العلياء من جانب الفقر يريد به التعزز بترك المسألة والتنزّه عنها". انتهى وقوله: "اليد العليا هي المنفقة ... الخ" ظاهره الإدراج، فكأنه من تفسير بعض الرواة، وقيل: من تفسير ابن عمر راوي الحديث نفسه، هذا الذي رجّحه أكثر أهل العلم منهم الحافظ ابن حجر، انظر: الفتح (٣/ ٢٩٧). • كتَبَ عبد العزيز بْنُ مَرْوَانَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ أَن ارْفَعْ إِلَيَّ حَاجَتكَ قَالَ: فكتب إليه ابْنُ عمَرَ: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كان يقول: "إنَّ اليَدَ العُلْيَا خَيْرٌ مِن اليَدِ السُّفْلَي، وابْدَأُ بِمَنْ تَعُولُ". وَلَسْتُ أَسْأَلُكَ شيئًا وَلا أرُدُّ رزقًا رَزَقَنِيهِ اللهُ مِنْكَ. حسن: رواه الإمام أحمد (٤٤٧٤)، وأبو يعلى (٥٧٣٠) كلاهما من حديث إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، قال: كتب عبد العزيز بن مروان إلى ابن عمر، فذكره. وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٦٢) وعزاه للطبراني، ولم يعزه إلى الإمام أحمد، وقال: "رجاله رجال الصحيح". قلت: إسناده حسن من أجل ابن عجلان وهو المدني، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، واختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، وهذا ليس منها. • عن مالك بن نضلة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الأَيْدِي ثَلاثَةٌ: فيَدُ اللهِ العُلْيَا، ويَدُ المُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا، ويَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى، فَأَعْطِ الفَضْلَ وَلا تَعْجِزْ عَنْ نَفْسِكَ". صحيح: رواه أبو داود (١٦٤٩) عن أحمد بن حنبل -وهو في مسنده (١٥٨٩٠) - عن عبيدة ابن حُميد التيميّ، حَدَّثَنِي أبو الزعراء، عن أبي الأحوص، عن أبيه مالك بن نضْلة، فذكره. وأبو الأحوص هو عوف بن مالك بن نضلة. وإسناده صحيح، وصحّحه ابن خزيمة (٢٤٤٠)، وابن حبان (٣٦٦٢)، والحاكم (١/ ٤٠٨) كلّهم من طريق عبيدة بن حميد به. وأبو الزعراء -بفتح الزاي وسكون المهملة- هو عمرو بن عمرو أو ابن عامر أو ابن مالك بن نضة الجشمي - بضم الجيم، وفتح المعجمة، من رجال السنن وهوثقة، وثَّقه ابن معين وأحمد وغيرهما. قال ابن حبَّان: "إنَّ اليد العليا خير من اليد السُّفلى أراد به أن يد المعطي خير من يد الآخذ وإن لم يسأل".

стр. 2603

وبمعناه رُوي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى". رواه أحمد (٤٢٦١) وأبو يعلى (٥١٢٥) وابن خزيمة (٢٤٣٥) والحاكم (١/ ٤٠٨) كلّهم من طريق إبراهيم بن مسلم الهجريّ، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، فذكره، وسكت عليه الحاكم. وإبراهيم بن مسلم الهجري ضعيف، وقد اختلف في رفعه ووقفه أيضًا. • عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضَلُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأُ بِمَنْ تَعُولُ، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِن اليَدِ السُّفْلَى". صحيح: رواه الإمام أحمد (١٤٥٣١) عن روح، حَدَّثَنَا ابن جريج، أخبرني أبو الزُّبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، فذكره. وإسناده صحيح ومن هذا الوجه أخرجه ابن حبَّان في صحيحه (٣٣٤٥) إِلَّا أنه لم يذكر فيه الفقرة الثالثة من الحديث. • عن طارق المحاربيّ، قال: قَدِمْنَا المَدِينَةَ فَإِذَا رَسُول الله ﷺ قائِمٌ عَلَى المِنْبَرِ يخْطُبُ النَّاسَ وَهُوَ يَقُولُ: "يَدُ المُعْطِي العُلْيَا، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أُمَّكَ وَأَبَاكَ وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ ثُمَّ أَدْنَاكَ أذناك". حسن: رواه النسائيّ (٢٥٣٢) عن يوسف بن عيسى، قال: أنبأنا الفضل بن موسى، قال: حَدَّثَنَا يزيد وهو ابن زياد بن أبي الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق، فذكره. وإسناده حسن من أجل يزيد بن زياد، وثَّقه ابن معين والعجليّ، وقال أبو زرعة: شيخ، ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا ابن حبَّان في صحيحه (٣٣٤١). • عن أبي رمثة عن النَّبِيّ ﷺ قال: "يد المعطي العليا، أمك وأباك وأختك وأخاك، ثمّ أدناك أدناك"، وقال رجل: يا رسول الله! هؤلاء بنو يربوع قتلة فلان؟ قال: "ألا لا تجني نفس على أخرى". حسن: رواه أحمد (٧١٠٥) عن عمرو بن الهيثم وأبي النضر -، والطَّبرانيّ في الكبير (٢٢/ ٢٨٣) من طريق حجَّاج بن نصير- كلهم عن المسعودي عن إياد بن لقيط، عن أبي رمثة فذكره. وإسناده حسن، والمسعودي هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي صدوق اختلط قبل موته، وسماع البصريين منه قبل اختلاطه، وعمرو بن الهيثم بصريٌّ. • عن رجل من بني يربوع، قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يُكَلِّمُ النَّاسَ يقُولُ: "يَدُ المُعْطِي العُلْيَا أُمَّك وَأَبَاك وَأُخْتَك وَأَخَاك ثُمَّ أَدْنَاكَ فَأَدْنَاكَ". قَالَ: فقَالَ رَجَلٌ: يَا رَسُولَ الله، هَؤُلاءِ بَنُو ثَعْلَبَةَ الَّذِينَ أَصَابُوا فُلانًا؟ قال: فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَلا لا تَجْنِي نَفْسٌ عَلَى أُخْرَى".

стр. 2604

صحيح: رواه الإمام أحمد (١٦٦١٣) عن يونس، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن الأشعث بن سليم، عن أبيه، عن رجل من بني يربوع، فذكره. ورواه النسائيّ (٤٨٣٧) عن قُتَيبة، حَدَّثَنَا أبو عوانة، بإسناده مختصرًا. ورواه أبو داود الطيالسي (١٣٥٣) ومن طريقه النسائيّ (٤٨٣٥)، والبزّار - كشف الأستار (٩١٨) -، عن شعبة، عن أشعث بن أبي الشّعثاء، قال: سمعت الأسود بن هلال يحدّث عن رجل من بني ثعلبة بن يربوع، أنّ أناسًا منهم أتوا رسول الله ﷺ -وكانوا من بني ثعلبة- أصابوا رجلًا من أصحاب النَّبِيّ ﷺ ، فقال رجل: يا رسول الله! هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع قتلت: فلانًا. فقال رسول الله ﷺ : "لا تجني نفسٌ على أخري". وذكر النَّبِيّ ﷺ الصّدقة فقال: "يد المعطي العليا: أمك، وأباك، وأختك، وأخاك، ثمّ أدناك أدناك". هذا لفظ أبي داود، وأمّا غيرهما فاختصره. ورواه سفيان، عن الأشعث، عن سليم بإسناده وجعل هذا الرّجل المبهم ثعلبة بن زهدم اليربوعيّ، رواه النسائيّ (٤٨٣٣)، والبيهقي (٨/ ٣٤٥)، والبزّار -كشف الأستار (٩١٧) - فذكر الحديث، مثله. واختلف في ثعلبة بن زهدم، فجزم ابن حبَّان وابن السكن وجماعة ممن صنّفوا في الصّحابة بأنه له صحبة. وقال الترمذيّ في "تاريخه": "أدرك النَّبِيّ ﷺ وعامة روايته عن الصّحابة". وفي الباب عن ابن مسعود مرفوعًا: "اليد العليا أفضل من اليد السفلي، وابدأ بمن تعول أمّك وأباك وأختك وأخاك وأدناك فأدناك". رواه الطبراني في "الكبير" (١٠/ ٢٢٩ - ٢٣٠) عن علي بن عبد العزيز، ثنا حرمي بن حفص القسمليّ، ثنا زياد بن عبد الرحمن القرشيّ، ثنا عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن عبد الله، فذكره. قال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ١٢٠): "إسناده حسن". قلت: وذلك بناء على ذكر ابن حبَّان لبعض رجال الإسناد في" الثّقات"، وإلَّا فزياد بن عبد الرحمن القرشي ذكره البخاريّ في "التاريخ الكبير" (٣/ ٣٦١) ولم يذكر نسبه "القرشيّ" ولكن ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه شيئًا من جرح أو تعديل، فهو في عداد المجهولين، وأمّا ابن حبَّان فذكره في "الثقات" (٦/ ٣٢٥) ولم يذكروا من الرواة عنه إِلَّا عبد الواحد بن واصل، وحرمي ابن حفص ثانيه، فيكون في درجة "مقبول" عند الحافظ ابن حجر أي إذا توبع، وإلَّا فلين الحديث. وفي الباب عن عطية السّعديّ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "اليد المنطية خير من اليد السفلى". رواه الإمام أحمد (١٧٩٨٣)، والبزّار -كشف الأستار (٩١٦) -، والطَّبرانيّ في الكبير (١٧/

стр. 2605

١٦٦) كلّهم من طريق عبد الرزّاق -وهو في مصنفه (٢٠٠٥٥) - عن معمر، عن سماك بن الفضل، عن عروة بن محمد، عن أبيه، عن جده، قال (فذكر الحديث). و"المنطية" هي المعطية بلغة عطية الصحابيّ، ولذا غيّروه في المصادر الأخرى إلى "المعطية". وفيه عروة بن محمد، وأبوه مجهولًا الحال، ولم يذكرهما إِلَّا ابن حبَّان على قاعدته في توثيق المجهولين. قال الحافظ في الأوّل: "مقبول"، وقال في الثاني وهو محمد بن عطية السعدي "صدوق" مع أنه لم يذكر في "التهذيب" إِلَّا توثيق ابن حبَّان، ولكنه ذكر الخلاف في صحبته، ورجّح أن الصحبة لأبيه. ويؤيد هذا لما رواه الحاكم (٤/ ٣٢٧) من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حَدَّثَنِي عروة بن محمد بن عطية، قال: حَدَّثَنِي أبي، أن أباه أخبره قال: قدمت على رسول الله ﷺ في أناس من بني سعد بن بكر، وكنت أصغر القوم فخلّفوني في رحالهم، ثمّ أتوا رسول الله ﷺ فقضى من حوائجهم ثمّ قال: "هل بقي منكم من أحد؟ ". قالوا: نعم غلام معنا خلفناه في رحالنا، فأمرهم أن يبعثوا إليّ، فأتوني فقالوا: أجب رسول الله ﷺ فأتيته، فلمّا رآني قال: "ما أغناك الله فلا تسأل الناس شيئًا، فإن اليد العليا هي المنطية وإن اليد السّفلي هي المنطاة، وإن مال الله تعالى لمسئول ومنطي". قال: فكلمني رسول الله ﷺ بلغتنا. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". والصّحيح -كما قلت- فيه عروة بن محمد بن عطية وأبوه مجهولان. وفي الباب أيضًا ما رُوي عن ابن عباس مرفوعًا: "خير الصّدقة ما أبقت غنيّ، واليد العليا خير من اليد السّفليّ، وابدأ بمن تعول". رواه الطبرانيّ في الكبير (١٢٧٢٦) عن عبد الله بن ناجية، ثنا المنذر بن الوليد الجارودي، ثنا أبي، ثنا الحسن بن أبي جعفر، عن محمد بن جحادة، عن أبي صالح، عن ابن عباس، فذكره. قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٩٨): "فيه الحسن بن أبي جعفر الجفريّ وفيه كلام". قلت: وهو كما قال، فإن الحسن بن أبي جعفر الجفري البصريّ ضعيف، وقد ضعَّفه جمهور أهل العلم. ٢ - باب الاستعفاف عن المسألة • عن أبي سعيد الخدريّ: أنَّ نَاسًا مِن الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُول اللهِ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حتّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ ثمّ قال: "ما يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُم، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً هُوَ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِن الصَّبْرِ".

стр. 2606

متفق عليه: رواه مالك في الصّدقة (٧) عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد اللّيثيّ، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكره. ورواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٦٩)، ومسلم في الزّكاة (١٠٥٣) كلاهما من طريق مالك، به. • عن أبي سعيد: أَنَّ رجلًا مِن الأَنْصَارِ كَانَتْ بِهِ حَاجَةٌ، فَقَالَ لَهُ أَهْلُهُ: ائْتِ النَّبِيَّ ﷺ فَاسْأَلْهُ، فَأَتَاهُ وَهُوَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُول: "مَنِ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ اللهُ، وَمَن اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللهُ، وَمَنْ سَأَلَنَا فَوَجَدْنَا لَهُ أَعْطَيْنَاهُ" قَالَ: فَذَهَبَ وَلَمْ يَسْأَلْ. صحيح: رواه الإمام أحمد (١٠٩٨٩) عن هُشيم، حَدَّثَنَا أبو بشر، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكره. وإسناده صحيح. وأبو بشر هو جعفر بن إياس من رجال الشّيخين. وأبو نضرة هو المنذر بن مالك بن قُطعة -بضم القاف، وفتح المهملة - العَوَقيّ - بفتح المهملة والواو ثمّ قاف -، ثقة من رجال مسلم. وفي الحديث الآتي ورد ذكر هذا السائل بأنه أبو سعيد الخدريّ نفسه، هو الذي ذهب إلى النَّبِيّ ﷺ يسأله. • عن أبي سعيد الخدريّ: أنّ أهله شكوا إليه الحاجة، فخرج إلى رسول الله ﷺ ليسأله لهم شيئًا، فوافقه على المنبر، وهو يقول: "أيها الناس، قد آن لكم أن تستغنوا عن المسألة، فإنه من يستعفف يُعِفّه الله، ومن يستغن يُغْنِه الله، والذي نفس محمد بيده! ما رزق عبد شيئًا أوسع من الصبر، ولئن أبيتم إِلَّا أن تسألوني لأعطينكم ما وجدت". حسن: رواه ابن حبَّان (٣٣٩٩) من طريق اللّيث، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبريّ، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكره. وإسناده حسن من أجل ابن عجلان وهو محمد بن عجلان المدني "صدوق". إِلَّا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة. وله طرق أخرى منها: ما رواه حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا سعيد الخدري، قال: أتيتُ رسول الله ﷺ وأنا أريد أن أسأله، فسمعته يخطب، وهو يقول: "من يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفّه الله، ومن سألنا أعطيناه". قال: فرجع ولم أسأله، فأنا اليوم أكثر الأنصار مالا. رواه ابن حبَّان (٣٣٩٨). • عن حكيم بن حزام، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِن اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِه اللهُ".

стр. 2607

متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٢٧) عن موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا وهيب، حَدَّثَنَا هشام، عن أبيه، عن حكيم بن حزام، فذكره. وعن وُهيب، قال: أخبرنا هشام، عن أبيه، عن أبي هريرة، بهذا. ورواه مسلم في الزّكاة (١٠٣٤) من وجه آخر عن حكيم بن حزام، ولم يذكر فيه: "وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ". • عن رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ أنه قال: كان بالكوفة أميرا، قال: فخطب يومًا فقال: إن في إعطاء هذا المال فتنة، وفي إمساكه فتنة، وبذلك قام رسول الله ﷺ في خطبته حتّى فرغ، ثمّ نزل. صحيح: رواه أحمد (٢٠٥٨٦) قال: حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، قال: سمعت إسحاق بن سويد، قال: سمعت مطرِّف بن عبد الله بن الشخير، يحدث عن رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ ، فذكره. وإسناده صحيح، وإسحاق بن سويد وهو العدوي البصري ثقة وثَّقه جمع من الأئمة إِلَّا أن الحافظ ابن حجر قال فيه: "صدوق". وأمّا ما رُوي عن حكيم بن حزام، قال: جاء مَالٌ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ العَبَّاسَ فَحَفَنَ لَهُ، فَقَالَ: "أَزِيدُكَ؟ ". قَالَ: نَعَمْ، فَحَفَنَ لَهُ، ثُمَّ قال: "أَزِيدُكُ؟ " قال: نَعَمْ، فَحَفَنَ لَهُ، ثُمَّ قَال: "أَزِيدُكَ؟ " قَالَ: نَعَمْ، فَحَفَنَ لَهُ، ثُمَّ قال: "أَزِيدُكَ؟ " قال: نَعَمْ، قال: "أَبْقِ لِمَنْ بَعْدَكَ"، ثُمَّ دَعَانِي فَحَفَنَ لِيّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللهِ، خَيْرٌ لِي أَوْ شَرٌّ لِي؟ قال: "لَا بَلْ شَرٌّ لَكَ"، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ مَا أَعْطَانِي، ثُمَّ قُلْتُ: لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لا أَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ عَطِيَّةً بَعْدَكَ، قَال مُحَمَّدٌ: قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُول الله، ادْعُ اللهَ أَنْ يُبَارِكَ لِي، قال: "اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي صَفْقَةِ يَدِهِ". فهو ضعيف. رواه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٣٠) عن الحسين بن إسحاق التّستريّ، والعباس بن حمدان الحنفيّ الأصبهانيّ، قالا: ثنا علي بن المنذر، ثنا محمد بن فضيل، عن إسماعيل بن مسلم، عن ابن سيرين، عن حكيم بن حزام، فذكره. قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٩٧): "وفيه إسماعيل بن مسلم وفيه كلام كثير، وقد قيل فيه: إنه صدوق يهم". وقال أيضًا: "ولحكيم حديث غير هذا في الصَّحيح". وأورده المنذريّ في الترغيب والترهيب (١٢١٧) بصيغة التمريض وعزاه للطبراني. قلت: إسماعيل بن مسلم هو المكي ضعَّفه جمهور أهل العلم، قال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة إِلَّا أنه يكتب حديثه. وأمّا حديث حكيم في الصَّحيح الذي أشار إليه الهيثمي فهو ما ذكر في باب "من أخذه بإشراف نفس لم يبارك فيه".

стр. 2608

وفي الباب عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "استَغْنوا عن النّاس ولو بشوص سواك". رواه البزّار -كشف الأستار (٩١٣) - عن عبد الواحد بن غياث، ثنا عبد العزيز بن مسلم، ثنا الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وفيه عنعنة الأعمش، وهو لم يسمع من سعيد بن جبير إِلَّا أربعة أحاديث، كما قال عليّ بن المدينيّ، وهذا ليس منها. انظر: تحفة التحصيل (ص ١ ٣٦). ٣ - باب كراهية الإلحاف في المسألة قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. • عن معاوية بن أبي سفيان، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُلْحِفُوا فِي المَسْأَلَةِ، فَوَاللهِ لا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شيئًا فَتُخْرِجَ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شيئًا وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ". صحيح: رواه مسلم في الزّكاة (١٠٣٨) عن محمد بن عبد الله بن نمير، حَدَّثَنَا سفيان، عن عمرو، عن وهب بن منبه، عن أخيه همّام، عن معاوية، فذكره. ورواه أيضًا من وجه آخر عن سفيان، عن عمرو بن دينار، حَدَّثَنِي وهب بن منبه -ودخلتُ عليه في داره بصنعاء فأطعمني من جَوْزَة في داره- عن أخيه منبه، قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول (فذكره). والإلحاف: الإلحاح، يقال: قد ألحف السائلُ في مسألته إذا ألحَّ، وهو أن يلازم المسؤول حتّى يعطيه. • عن رجل من بني أسد أنه قال: نَزَلْتُ أَنَا وَأَهْلِي بِبَقِيع الْغَرْقَدِ فَقَالَ لِي أَهْلِي اذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاسْأَلْهُ لَنَا شَيْئًا نَأْكُلُهُ، وَجَعَلُوَا يَذْكُرُونَ مِنْ حَاجَتِهِمْ فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ رَجُلا يَسْأَلُهُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُول: "لا أَجِدُ مَا أُعْطِيكَ"، فَتَوَلَّى الرَّجُلُ عَنْهُ وَهُوَ مُغْضَبٌ وَهُوَ يَقُولُ: لَعَمْرِي إِنَّكَ لَتُعْطِي مَنْ شِئْتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّهُ لَيَغْضَبُ عَلَيَّ أَنْ لا أَجِدَ مَا أُعْطِيهِ! مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عَدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا". قَالَ الأَسَدِيُّ: فَقُلْتُ: لَلَقْحَةٌ لَنَا خَيْرٌ مِنْ أُوقِيَّةٍ. قَالَ: فَرَجَعْتُ ولَمْ أَسْأَلْهُ فَقُدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَعِيرٍ وَزَبِيبٍ فَقَسَمَ لَنَا مِنْهُ حَتَّى أَغْنَانا اللهُ . صحيح: رواه مالك في الصّدقة (١١) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني

стр. 2609

أسد، فذكره. ورواه أبو داود (١٦٢٧)، والنسائي (٢٥٧٩) كلاهما من طريق مالك، بإسناده، مثله. ورواه أحمد (١٦٤١١) من وجه آخر عن سفيان، عن زيد بن أسلم، مختصرًا. • عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "منْ سألَ وله قيمة أوقية، فقد أَلْحَفَ". حسن: رواه أبو داود (١٦٢٨)، والنسائي (٢٥٩٩) كلاهما عن قُتَيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن عمارة بن غزية، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدريّ، عن أبيه أبي سعيد، فذكر الحديث، واللّفظ لأبي داود. قال في أبي داود: فقلت: ناقتي الياقوتة هي خير من أوقية. قال هشام: خير من أربعين درهمًا، فرجعتُ فلم أسأله. زاد هشام في حديثه: وكانت الأوقية على عهد رسول الله ﷺ أربعين درهمًا. وهشام هو ابن عمار شيخ أبي داود، قد قرنه بقتيبة بن سعيد في رواية عنه. وأمّا النسائيّ فجاء فيه: سرحتني أمي إلى رسول الله ﷺ ، فأتيته فقعدتُ فاستقبلني وقال: "من استغنى أغناه الله ، ومن استعفّ أعفّه الله ، ومن استكفي كفاه الله ، ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف". فقلت: ناقتي الياقوتة خير من أوقية، فرجعتُ ولم أسأله. وإسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن أبي الرجال، وقد وثَّقه أحمد والدارقطنيّ، وذكره ابن حبَّان في "الثّقات"، وقال أبو حاتم: صالح. ومن هذا الوجه أخرجه ابن خزيمة (٢٤٤٧)، وابن حبَّان (٣٣٩٠)، والإمام أحمد (١١٠٤) كلّهم مختصرًا. • عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فَهُوَ المُلْحِفُ". حسن: رواه النسائيّ (٢٥٩٥) عن أحمد بن سليمان، قال: أخبرنا يحيى بن آدم، عن سفيان ابن عيينة، عن داود بن شابور، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فذكره. وصحّحه ابن خزيمة (٢٤٤٨)، ورواه من وجه آخر عن سفيان بإسناده وزاد في آخر الحديث: "وهو مثل سفّ المسألة" يعني الرّمل. • عن رَجُل مِنْ مُزَيْنَة أَنَّهُ قَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: أَلا تَنْطَلِقُ فَتَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ كما يَسْأَلُهُ النَّاسُ، فَانْطَلَقْتُ أَسْأَلُهُ فَوَجَدْتُهُ قَائِمًا يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: "مَن اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ اللهُ، وَمَن

стр. 2610

اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللهُ، وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ عِدْلُ خَمْسِ أَوَاقٍ فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا". فَقُلْتُ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي: لَنَاقَةٌ لَهُ هِيَ خَيْرٌ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ وَلِغُلامِهِ نَاقَةٌ أُخْرى هِيَ خَيْرٌ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَسْأَلْهُ. حسن: رواه الإمام أحمد (١٧٢٣٧) عن أبي بكر الحنفيّ، قال: حَدَّثَنَا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن رجل من مزينة، فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في عبد الحميد بن جعفر، وهو وإن كان من رجال الصَّحيح فقد تكلم فيه بعض أهل العلم غير أنه حسن الحديث. وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٩٥): "رواه أحمد، ورجاله رجال الصَّحيح". قلت: وهو كما قال؛ فإنّ رجاله رجال مسلم غير أبي بكر الحنفيّ وهو عبد الكبير بن عبد المجيد بن عبيد الله البصريّ من رجال الشّيخين. • عن ابن عمر يرفع إلى النَّبِيّ ﷺ قال: "لا تُلْحِفوا بالمسألة، فإنه من يستخرج منا بها شيئًا لا يُبارك له فيه". صحيح: رواه أبو يعلي (٥٦٢٨) عن عبيد الله بن عمر القواريريّ، حَدَّثَنَا حمّاد، عن عمرو - قال حمّاد وليث، عن عمرو، عن ابن عمر، فذكره. وإسناده صحيح. قال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٩٥): "رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصَّحيح". ٤ - باب ما جاء فيمن أُعطى من غير مسألة ولا إشراف نفس • عن عمر بن الخطّاب، قال: قَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِينِي العَطَاءَ فَأقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالا فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : "خُذُهُ وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٧٣)، ومسلم في الزّكاة (١٠٤٥) كلاهما من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطّاب، فذكره. • عن ابن عمر، قال: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُعْطِي عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ العَطَاءَ فَيَقُولُ لَهُ عُمَرُ: أَعْطِه يا رَسُولَ اللهِ! أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لا فَلا تُتْبعْهُ نَفْسَكَ".

стр. 2611

قَالَ سَالِمٌ: فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا، وَلا يَرُدُّ شَيْئًا أُعْطِيَهُ. صحيح: رواه مسلم في الزّكاة (١٠٤٥: ١١١) عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن سائم، عن ابن عمر، فذكره. • عن حكيم بن حزام، قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: "يَا حَكِيمُ! إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْس بُورِك له فيه، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ، الْيَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِن اليَدِ السُّفْلَى". قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، والَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا. فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى الْعَطَاءِ فَيَأبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ ﵁ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شيئًا. فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أُشْهِدُكُم يَا مَعْشرَ المُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِن النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى تُوُفِّيَ. متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٧٢)، ومسلم في الزّكاة (١٠٣٥) كلاهما من طريق الزّهريّ، عن عروة بن الزُّبير وسعيد بن المسيب، عن حكيم بن حزام، فذكر الحديث. اللّفظ للبخاريّ. وأمّا مسلم فرواه مختصرًا. وقوله: "فمن أخذه بسخاوة نفس" أي بانشراح من غير شره ولا إلحاح. وفي رواية مسلم: "فمن أخذه بطيب نفس". وقوله: "بإشراف نفس" هو أن تتطلّع النّفس إليه وتطمعها. وقوله: "لا أرزأ" أي لا أنقصُ مالَه بالطّلب منه. • عن خالد بن عدي الجهنيّ، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ بَلَغَهُ مَعْرُوفٌ عَنْ أَخِيهِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ فَلْيَقْبَلْهُ وَلا يَرُدَّهُ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللهُ إِلَيْهِ". صحيح: رواه أحمد (١٧٩٣٦)، وأبو يعلى (٩٢٥)، والطَّبرانيّ (٤١٢٤) كلّهم من طريق عبد الله ابن يزيد المقرئ، حَدَّثَنَا سعيد بن أبي أيوب، حَدَّثَنِي أبو الأسود، عن بكير بن عبد الله، عن بر ابن سعيد، عن خالد بن عدي، فذكره.

стр. 2612

وإسناده صحيح، وصحّحه أيضًا ابن حبَّان (٣٤٠٤)، والحاكم (٢/ ٦٢) كلاهما من هذا الوجه. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". وأبو الأسود هو: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسديّ من رجال الجماعة. • عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "مَنْ آتاهُ اللهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلَهُ فَلْيَقْبَلْهُ فَإنَّمَا هُوَ رزْقٌ سَاقَهُ اللهُ إليه". صحيح: رواه الإمام أحمد من ثلاثة طرق: منها يزيد (٧٩٢١). ومنها عفّان (٨٢٩٤). ومنها بهز (١٠٣٥٨) كلّهم عن همّام بن يحيى، عن قتادة، عن عبد الملك، عن أبي هريرة، فذكره. ورجاله ثقات غير عبد الملك هذا لم ينسبه، وكذا نصّ الحافظ في إتحاف المهرة (١٥/ ٣٢٣) بأنه لم يُنسب. ثمّ بعد البحث والتّتبع تبيّن أنه عبد الملك بن مالك المراغيّ يكنى أبا أيوب، هكذا سمّاه وكناه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٤٣) في حديث أبي هريرة: "إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه، فإنّ الله خلق آدم على صورته". رواه من طريق قتادة، عن أبي أيوب -وهو الأزدي- عبد الملك بن مالك المراغيّ، عن أبي هريرة، فذكره. إن كان عبد الملك هو أبو أيوب المراغي فهو من رجال الشّيخين، ولكن اختلف في اسمه، فقال المزي: اسمه يحيى بن مالك، ويقال: حبيب بن مالك، وذكر أنه يروي عن أبي هريرة، وعنه قتادة بن دعامة. قلت: وقد يكون من اسمه أيضًا عبد الملك بن مالك مادام اختلف في اسمه، والله تعالى أعلم. وقول الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ١٠١) يُشعر بأنه عبد الملك أبو أيوب المراغي لأنه قال: "رواه أحمد ورجاله رجال الصّحيح". وفي الباب عن عائذ بن عمرو، قال: أحسبه رفعه (القائل هو عبد الصمد بن عبد الوارث شيخ أحمد) قال: "من عرض له شيء من هذ الرزق فليوسع به في رزقه، فإن كان عنه غنيًا فليوجهه إلى من أحوج إليه منه". رواه الإمام أحمد من طرق - منها عبد الصمد بن عبد الوارث (٢٠٦٤٢) وقرنه بيونس (٢٠٦٤٧). منها عن حسن بن موسي (٢٠٦٤٨). ومنها عن وكيع (٢٠٦٤٩) كلّ هؤلاء عن أبي الأشهب، عن عامر الأحول، عن عائذ بن عمرو، ولفظهم متقارب.

стр. 2613

ولكن قال عبد الصمد في روايته عن أبي الأشهب، عن عامر الأحول -شيخ له- عن عائذ بن عمرو، فذكر الحديث. فقوله: "شيخ له"، وفي "تهذيب التهذيب": "وهو شيخ آخر تابعي، فهل معناه أنه عامر الأحول ليس هو عامر بن عبد الواحد الأحول البصريّ المشهور، فإن كان هو غيره فلعله أدرك عائذ ابن عمرو؛ لأنّ عامر بن عبد الواحد الأحول هذا قال فيه أبو القاسم البغوي في ترجمة عائذ بن عمرو: "روى عنه عامر بن عبد الواحد الأحول، ولا أحسبه أدركهـ". ولكن قال الحافظ في "التهذيب": "في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، وتاريخ ابن أبي خيثمة ما يبين لك أنه هو، فإنه قال: عامر الأحول هو ابن عبد الواحد بصري، روي عن عائذ بن عمرو، وأبي الصديق، وعمرو بن شعيب، ثمّ ساق كلام الناس فيه وقال ابن أبي خيثمة في تاريخه سمعت أبا زكريا يقول عامر الأحول بصري وهو ابن عبد الواحد فهو كل عامر يروي عنه البصريون ليس غيره" انتهى. فإذا ثبت أنه عامر بن عبد الواحد الأحول ففيه انقطاع بينه وبين عائذ بن عمرو. والحديث رواه الطبرانيّ في "الكبير" (١٨/ ١٩)، وابن قانع في مُعْجَمُ الصّحابة (٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣٥٥٤) كلّهم من هذا الوجه. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي: ما الإشراف؟ قال: "تقول في نفسك: سيبعث إليَّ فلان، سيصلني فلان". ٥ - باب ما جاء في تفسير المسكين • عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتَانِ". قَالُوا: فَمَا المِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلا يَفْطُنُ النَّاسُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، ولا يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ". متفق عليه: رواه مالك في كتاب صفة النَّبِيّ ﷺ (٧) عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال (فذكره). ورواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٧٩) عن إسماعيل بن عبد الله، حَدَّثَنِي مالك، بإسناده، ورواه مسلم في الزّكاة (١٠٣٩) من وجه آخر عن أبي الزّناد، نحوه. • عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "لَيْسَ المِسْكِيُن بِالَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَلا اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ إنّما المِسْكِينُ الْمُتَعَفِّفُ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [سورة البقرة: ٢٧٣] ".

стр. 2614

متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٥٣٩) ومسلم في الزّكاة (١٠٣٩) كلاهما من حديث محمد بن جعفر، قال حَدَّثَنِي شريك بن أبي نمر، أن عطاء بن يسار وعبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: فذكره. • عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "لَيْسَ المِسْكِينُ الذي تَرُدُّهُ الأُكْلَةُ والأُكْلَتَانِ، وَلَكِن المِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي أَوْ لا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا". صحيح: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٧١) عن حجَّاج بن منهال، حَدَّثَنَا شعبة، أخبرني محمد ابن زياد، قال: سمعت أبا هريرة، فذكره. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ والتَّمْرَتَانِ وَالأَكْلَ والْأَكْلَتَانِ وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَا يَفْطِنُونَ بِهِ فَيُعْطُونَهُ". صحيح: رواه أبو داود (١٦٣١) من طرق عن جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه أيضًا عن مسدّد وعبد الله بن عمر وأبي كامل، المعنى - قالوا: حَدَّثَنَا عبد الواحد بن زياد، حَدَّثَنَا معمر، عن الزّهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ (مثله). وفيه قوله: "ولكن المسكين المتعفّف". زاد مسدّد في حديثه: "ليسَ لهُ مَا يَسْتَغْنِي بِهِ الَّذِي لا يسأَلُ وَلا يُعْلَمُ بِحَاجَتِهِ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ فَذَاكَ المَحْرُومُ". وَلَمْ يَذْكُرْ مَسَدَّدٌ المُتَعَفَّفُ الَّذِي لا يَسْأَلُ. قال أَبُو دَاوُد: رَوَى هَذَا الحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ وَعبد الرزّاق عَنْ مَعْمَرٍ وَجَعَلا المَحْرُومَ مِنْ كَلامِ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ أَصَحُّ". قلت: الإسنادان صحيحان، وقد رواه أيضًا النسائيّ (٢٥٧٤) من طريق عبد الأعلى، قال: حَدَّثَنَا محمد بإسناده، ولم يذكر "فذاك المحروم". وتبين من كلام أبي داود، وما أخرجه النسائيّ وغيره أن قوله: "فذاك المحروم" ليس بمرفوع، وإنما هو من كلام الزّهريّ. ويؤيّده ما رواه أحمد (٧٥٣٩) عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن معمر، به، مثله. وفي آخره قال الزّهريّ: "وذلك هو المحروم". ورواه النسائيّ في الصغرى (٢٥٧٣)، وفي الكبرى (٢٣٦٥) من طريق عبد الأعلى، به. وليس فيه قوله: "وذلك هو المحروم". وحديث أبي هريرة، رواه الشيخان من أوجه سبق ذكر بعضها ولم يذكر أحد هذه الزيادة. وفي الباب ما رُوي عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: "ليس المسكين بالطواف، ولا بالذي تردّه

стр. 2615

التمرة ولا التمرتان، ولا اللّقمة ولا اللقمتان، ولكن المسكين المتعفّف الذي لا يسأل الناس شيئًا، ولا يُفطن له فيتصدّق عليه". رواه الإمام أحمد (٣٦٣٦، ٤٢٦٠)، وأبو يعلى (٥١١٨) كلاهما من حديث إبراهيم بن مسلم الهجريّ، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، فذكره. وإسناده ضعيف من أجل إبراهيم بن مسلم الهجريّ وهو أبو إسحاق، قال ابن عدي: "إنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبي الأحوص، عن عبد الله، وعامتها مستقيمة". وقال غيره: كان رفّاعا، وضعّفوه. وأمّا قول الحافظ الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٩٢): "رواه أحمد ورجاله رجال الصَّحيح" فالصحيح أن إبراهيم الهجري هذا ليس من رجال الصَّحيح. ٦ - باب الحثّ على العمل والتكسّب • عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلا أَعْطَاهُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ". متفق عليه: رواه مالك في الصّدقة (٦٠) عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٧٠) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، ورواه مسلم في الزّكاة (١٠٤٢) من وجه آخر عن أبي هريرة. • وعن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا يفتح الإنسان على نفسه باب مسألة، إِلَّا فتح الله عليه باب فقر، يأخذ الرّجل حبله، فيعمد إلى الجبل، فيحتطب على ظهره، فيأكل به خير له من أن يسأل الناس معطىً أو ممنوعًا". صحيح: رواه أحمد (٩٤٢١)، والطبري في مسند عمر بن الخطّاب من تهذيب الآثار (٢٥)، وابن حبَّان (٣٣٨٧)، والقضاعي في مسند الشهاب (٨٢١) كلّهم من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده صحيح. • عن الزُّبير بن العوّام، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه". صحيح: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٧١) عن موسيّ، حَدَّثَنَا وهيب، حَدَّثَنَا هشام، عن أبيه، عن الزُّبير بن العوّام، فذكره. وأمّا ما رُوي عن عائشة مرفوعًا: "لأن يأخذ أحدكم حبلًا فيأكل ويتصدّق خير من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه".

стр. 2616

رواه البزّار -كشف الأستار (٩١٢) - عن حميد، ثنا إسماعيل بن أبي فديك، ثنا الضَّحَّاك بن عثمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. قال البزّار: تفرّد الضَّحَّاك بقوله: عن عائشة. قلت: الضَّحَّاك هو ابن عثمان الأسدي الحزامي أبو عثمان المدنيّ، وثَّقه كثير من الأئمة ولكن قال أبو زرعة: ليس بقويّ، وقال ابن عبد البر: كثير الخطأ ليس بحجة. فتفرده بهذا الحديث عن عائشة غير مقبول، وإنما المعروف أن هذا الحديث من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزُّبير بن العوام كما سبق، ومن طريقه رواه البزّار (٩١٠) إِلَّا أن الهيثميّ وهم فأدخله في كشف الأستار وهو ليس على شرطه. ثمّ إن الهيثميّ قال في حديث عائشة: رجاله ثقات ولم يلتفت إلى إعلال البزّار له. انظر: "المجمع" (٢/ ٩٤). ٧ - باب ثواب من لا يسأل الناس شيئًا • عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ يَتَقَبَّلُ لِي بِوَاحِدَةٍ وَأَتَقَبَّلُ لَهُ بِالجَنَّةِ؟ ". قُلْتُ: أَنَا. قَالَ: "لا تَسْأَل النَّاسَ شَيْئًا". قال: فَكَانَ ثَوْبَانُ يَقَعُ سَوْطُهُ وَهُوَ رَاكِبٌ فَلا يَقُولُ لأَحَدٍ: نَاوِلْنِيهِ حَتَّى يَنْزِلَ فَيَأْخُذَهُ. صحيح: رواه أبو داود (١٦٤٣)، والنسائي (٢٥٩١)، وابن ماجة (١٨٣٧) -واللّفظ له- من حديث ابن أبي ذئب، حَدَّثَنِي محمد بن قيس، عن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية، عن ثوبان، فذكر الحديث. وفي لفظ النسائيّ: "من يضمن لي واحدة وله الجنّة". إِلَّا أن أبا داود رواه من وجه آخر عن شعبة، عن عاصم، عن أبي العالية، عن ثوبان، ولفظه: "من تكفّل لي أن لا يسأل الناس شيئًا، وأتكفّل له بالجنة". فقال ثوبان: أنا. فكان لا يسأل أحدًا شيئًا. وإسناده صحيح، صحَّحه الحاكم (١/ ٤١٢) على شرط مسلم. وأبو العالية هو رفيع -بالتصغير- ابن مهران الرياحيّ، ثقة إِلَّا أنه كان كثير الإرسال، ولكن تابعه عبد الرحمن بن يزيد كما مضى. ٨ - باب من ابتلي بالفقر فلجأ إلى الله تعالى جعل له مخرجًا عاجلًا أو آجلًا • عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللهِ أَوْشَكَ اللهُ لَهُ بِالْغِنَى إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ أَوْ غِنًى عَاجِلٍ".

стр. 2617

حسن: رواه أبو داود (١٦٤٥)، والتِّرمذيّ (٢٣٢٧) كلاهما من حديث بشير بن سلمان، عن سيار أبي حمزة، عن طارق، عن ابن مسعود، فذكره. واللّفظ لأبي داود، ولفظ الترمذيّ: "من نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةُ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ وَمَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِاللهِ فَيُوشِكُ اللهُ لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ". قال الترمذيّ: حسن صحيح غريب، وصحّحه الحاكم (١/ ٤٠٨). قلت: هو حسن فقط، وقد اختلف في سيار هذا فجاء عند أبي داود منسوبًا إلى أبي حمزة وهو الصَّحيح، وهو الذي صحَّحه الإمام أحمد (٤٢٢٠) في روايته عن عبد الرزّاق، عن سفيان، عن بشير، وقال: "هو الصواب، سيار أبو حمزة، قال: سيار أبو الحكم لم يحدث عن طارق بن شهاب بشيء". ولم ينفرد سفيان بهذا الانتساب بل تبعه ابن المبارك عن بشير عند أبي داود. وأمّا الترمذيّ والحاكم وغيرهما فلم ينسباه أصلًا. ورواه الإمام أحمد (٣٦٩٦) عن وكيع، عن بشير، فقال: سيار أبو الحكم، ورجّح البخاريّ أن يكون سيار أبو الحكم لأنه سمع من طارق بن شهاب، ولكن قال الدَّارقطنيّ: هذا وهم منه. وتبع البخاري في كونه سيارًا أبا الحكم: مسلمٌ، والنسائي، والدولابي، وغيرهم. ذكر كلَّ ذلك الحافظ في "تهذيب التهذيب" في ترجمة سيار أبي الحكم، وهو ثقة من رجال الجماعة. فلو ثبت ما قاله البخاريُّ كان الحديث صحيحًا. وأمّا سيار أبو حمزة فلم أقف على توثيق أحد له، غير أنّ ابن حبَّان ذكره في "الثّقات" (٦/ ٤٢١) فقال: من أهل الكوفة، ولم يذكر من الرواة عنه غير عبد الملك بن سعيد بن أبجر إِلَّا أنّ هذه الترجمة غير موجودة في جميع نسخ ابن حبَّان، فإن كلام المعلق بقوله: "هذه الترجمة من ظ وم" يشير إلى أنها لا توجد في النسخ الأخرى؛ ولذا اختلف الحافظ ابن حجر مع المزّيّ، فإنّه عزاه إلى ابن حبَّان. وقال الحافظ: لم أجد لأبي حمزة ذكرًا في ثقات ابن حبَّان. وقوله: "أنزلها بالنّاس" أي عرضها عليهم لإزالة فقره. وقوله: "بموت عاجل" أي بموت قريب، أو بموته هو فيستغني عن المال. أو "غني عاجل" أن يسوقه الله بالأسباب الخفية وهو لا يدري مثل العطايا والجوائز وغيرها، وإليه بشير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. وفي رواية الترمذيّ: "أو آجل" بالهمزة - أي أنّ الله يؤخر غناه لمصلحته هو، وهو لا يدري ذلك. وأمّا ما رُوي عن الفراسيّ أنه قال لِرَسُولِ الله ﷺ : أَسْأَلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لا، وَإِنْ كُنْتَ سَائِلًا لا بُدَّ فَاسْأَلِ الصَّالِحِينَ". رواه أبو داود (١٩٤٦)، والنسائيّ (٢٥٨٨) كلاهما عن قُتَيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا اللّيث بن سعد,

стр. 2618

عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سوادة، عن مسلم بن مَخْشِيٍّ، عن ابن الفراسيّ، عن أبيه، فذكره. ومن هذا الطريق رواه أيضًا الإمام أحمد (١٨٩٤٥)، وفيه مسلم بن مخشي تفرّد بالرواية عنه بكر بن سوادة، ولم يوثقه أحد، ومع هذا أدخله ابنُ حبَّان في "الثّقات" على قاعدته في توثيق المجاهيل، وابن الفراسيّ لم يرو عنه غير مسلم بن مخشي فهو مجهول أيضًا. وأمّا الفراسيّ -بكسر الفاء- فله صحبة، وهو نسبة إلى بني فراس بن مالك بن كنانة، ولا يعرف اسمه. ٩ - باب حقّ السّائل لا يسقط ولو أفحش في كلامه • عن أنس بن مالك، قال: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ ثُمَّ قَال: مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ! فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. متفق عليه: رواه البخاريّ في فرض الخمس (٣١٤٩) عن يحيى بن بكير، ومسلم في الزّكاة (١٠٥٧) من طريق إسحاق بن سليمان الرّازيّ، وابن وهب كلّهم عن مالك بن أنس، عن إسحاق ابن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، فذكر الحديث. وليس هذا الحديث في الموطأ برواية يحيى اللّيثيّ، وقد رواه سويد بن سعيد الحدثاني في "موطئه" (١٥٠٦)، وأبو مصعب الزّهريّ في "موطئه" (٢١٢٤)، وهو أيضًا في موطأ يحيى بن بكير، وابن برد، ومصعب الزُّبيريّ، وهو عند القعنبيّ خارج "الموطأ". انظر: "مسند الموطأ" لأبي القاسم الجوهريّ (٢٨٤). • عن عمر بن الخطّاب، قال: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَسْمًا فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ لَغَيْرُ هَؤُلاءِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ. قَال: "إِنَّهُمْ خَيَّرُونِي أَنْ يَسْأَلُونِي بِالْفُحْشِ أَوْ يُبَخِّلُونِي فَلَسْتُ بِبَاخِلٍ". صحيح: رواه مسلم (١٠٥٦) من طريق جرير، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن سلمان بن ربيعة، قال: قال عمر بن الخطّاب، فذكر الحديث. • عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قَالَ عُمَر: يَا رَسُولَ الله، لَقَدْ سَمِعْتُ فُلانًا وَفُلانًا يُحْسِنَانِ الثَّنَاءَ يَذْكُرَانِ أَنَّكَ أَعْطَيْتَهُمَا دِينَارَيْنِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَكِنَّ وَاللَّهِ فُلانًا مَا هُوَ كَذَلِكَ، لَقَدْ أَعْطَيْتُهُ مِنْ عَشَرَةٍ إِلَى مِائَةٍ فَمَا يَقُولُ ذَاكَ! أَمَا وَاللهِ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيُخْرِجُ مَسْأَلَتَهُ مِنْ عِنْدِي يَتَأَبَّطُهَا -يَعْنِي تَكُونُ تَحْتَ إِبْطِهِ- يَعْنِي نَارًا".

стр. 2619

قَالَ: قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ تُعْطِيهَا إِيَّاهُمْ؟ قَالَ: "فَمَا أَصْنَعُ يَأْبَوْنَ إِلَّا ذَاكَ وَيَأْبَى اللهُ لِي البُخْلَ". صحيح: رواه أحمد (١١٠٠٤)، والبزّار -كشف الأستار (٩٢٥) - كلاهما من حديث أبي بكر ابن عَيَّاش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فذكره. وصحّحه ابن حبَّان فرواه في صحيحه (٣٤١٢، ٣٤١٤)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٦) كلاهما من هذا الوجه، قال الحاكم: صحيح على شرط الشّيخين ولم يخرجاه بهذه السياق". وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٩٤) وقال: رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزّار بنحوه، ورجال أحمد رجال الصَّحيح. وقال البزّار: قد رُوي عن عمر من وجوه، فرواه أبو بكر هكذا، ورواه جرير، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، وقد رُوي عن جابر، وعن سلمان بن ربيعة، عن عمر". وهو كما قال، فقد رواه هو (٩٢٤)، وأبو يعلى (١٣٢٧) من طريق جرير، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: دخل رجلان على رسول الله ﷺ فسألاه في ثمن بعير، فأعانهما بدينارين، فخرجا من عنده فلقيهما عمر فقالا وأثنيا معروفا وشكرا ما صنع بهما رسول الله ﷺ ، فدخل عمر على النَّبِيّ ﷺ فأخبره بما قالا، فقال النَّبِيّ ﷺ : "لكن فلان أعطيته ما بين العشرة إلى المائة فلم يقل ذلك، إنّ أحدهم يسألني فينطلق بمسئلته متأبطها، وما هي إِلَّا نار". فقال عمر: تعطينا ما هو نار؟ قال: "يأبون إِلَّا أن يسألونيّ، ويأبى الله لي البخل". وعطية هو ابن سعيد العوفيّ، وصف بأنه كثير الخطأ، ولعلّ من خطئه جعل هذا الحديث من مسند أبي سعيد، والصواب أنه من مسند عمر بن الخطّاب، كما سبق إِلَّا أنه توبع في أصل الحديث. ١٠ - باب ما جاء في حقّ السّائل أن لا يُردّ إِلَّا بشيء ولو كان حقيرًا • عن ابن بُجيد الأنصاري الحارثيّ، عن جدته، أنّ رسول الله ﷺ قال: "رُدُّوا المسكين ولو بظلف محرق". حسن: رواه مالك في كتاب صفة النَّبِيّ ﷺ (٨) عن زيد بن أسلم، عن ابن بجيد الأنصاريّ، فذكره. وصحّحه ابن حبَّان (٣٣٧٤) ورواه من هذا الوجه. ورواه أبو داود (١٦٦٦)، والتِّرمذيّ (٦٦٥)، والنسائي (٢٥٧٤) كلّهم عن قُتَيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا اللّيث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن بُجيد، عن جدته أمّ بجيد -وكانت ممن بايع رسول الله ﷺ أنها قالت: يا رسول الله، إنّ المسكين ليقوم على بابي فما أجد شيئًا أعطيه إياه، فقال لها رسول الله ﷺ : "إن لم تجدي له شيئًا تعطينه إياه إِلَّا ظلفًا محرّقًا فادفعيه إليه في يده". وصحّحه ابن خزيمة (٢٤٧٣) ورواه من طريق اللّيث بإسناده، مثله.

стр. 2620

ورواه أيضًا (٢٤٧٢) من طريق منصور بن حيان، عن ابن بجيد، عن جدته، مختصرًا، ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (١٦٦٤٨). قلت: إسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن بجيد -بضم الباء وفتح الجيم- مصغرا، روى له الجماعة، وذكره ابن حبان في ثقاته (٣/ ٢٥٥) وهو حسن الحديث. وقيل: له رؤية، وذكر بعضهم في الصّحابة. وفي الباب ما رُوي عن حسين بن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : "للسائل حقٌّ وإن جاء على فرس". رواه أبو داود (١٦٦٥) عن محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، حدّثنا مصعب بن محمد بن شرحبيل، حدّثني يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت حسين، عن حسين بن علي، فذكره. ورواه الإمام أحمد (١٧٣٠) من طريقين وكيع وعبد الرحمن، قالا: حدّثنا سفيان، بإسناده. وصححه ابن خزيمة (٢٤٦٨). وسقط من المطبوع بعد قوله: قالا إلى آخر الإسناد. وإسناده ضعيف من أجل يعلى بن أبي يحيى وهو المدنيّ، قال أبو حاتم: مجهول، واعتمده الحافظ في "التقريب" وأما ابن حبان فذكره في "الثقات" (٧/ ٦٥٢) على قاعدته في توثيق من لم يُعرف فيه جرح. وفي الباب أيضًا ما رُوي عن علي بن أبي طالب، عن النبيّ ﷺ ، مثله. رواه أبو داود (١٦٦٦) عن محمد بن رافع، حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا زهير، عن شيخ، - قال: رأيت سفيان عنده- عن فاطمة بنت حسين، عن أبيها، عن علي، عن النبيّ ﷺ ، مثله. ولم يذكر لفظه، وإنّما أحال على حديث حسين بن علي. وفيه شيخ مجهول، ولعلّ هذا الشيخ المبهم هو مصعب بن محمد بن شرحبيل شيخ سفيان، ولكن شيخ مصعب بن محمد هو يعلى بن أبي يحيى، إلا أنه أسقطه فصار منقطعًا. ثم الاختلاف على فاطمة بنت حسين فمرة جعلته من مسند أبيها، وأخرى من مسند جدّها، وهذا دليل على عدم ضبط الحديث من بعض الرّواة. وفي الباب أيضًا ما رُوي عن الهرماس بن زياد، قال: قال رسول الله ﷺ : "للسّائل حقٌّ وإن جاء على فرس". رواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤) من طريق عثمان بن فايد، عن عكرمة بن عمار، عن الهرماس بن زياد، فذكره. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣/ ١٠١) ولم يعزه إلى الكبير، بل عزاه إلى الصغير، والأوسط، وقال: وفيه عثمان بن فايد ضعيف. قال محقق "مجمع البحرين": "لم أجده في الصغير والأوسط" (١٣٩٧). وكذلك لا يصح ما رواه مالك في كتاب الصدقة (٣) عن زيد بن أسلم، أنّ رسول الله ﷺ قال:

стр. 2621

"أعطوا السّائل وإن جاء على فرس" لأنه مرسل. قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٥/ ٢٩٤): "لا أعلم في إرسال هذا الحديث خلافًا بين رواة مالك، وليس في هذا اللّفظ مسند يحتج به فيما علمت". وفي الباب ما رُوي عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، ولا يصح منها شيء. ١١ - باب من يُسأل بالله ولا يعطي به • عن ابن عباس، أنّ رسول الله ﷺ قال: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلا؟ ". قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَال: "رَجُلٌ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ. وَأُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَلِيهِ؟ ". قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَال: "رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ يُقِيمُ الصَّلاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْتَزِلَ شُرُورَ النَّاسِ. وَأُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ؟ ". قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَال: "الَّذِي يُسْأَلُ بِاللهِ وَلا يُعْطِي بِهِ". حسن: رواه النسائي (٢٥٦٩) عن محمد بن رافع، حدّثنا ابن أبي فديك، قال: أخبرنا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد القارظي، عن إسماعيل بن عبد الرحمن، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، فذكره. هذا إسناد حسن من أجل الكلام في سعيد بن خالد القارظيّ، فضعّفه النسائيّ، ومشّاه غيره فهو حسن الحديث. ومن طريقه رواه ابن حبان في صحيحه (٦٠٤)، والإمام أحمد (٢١١٦). ورواه الترمذي (١٦٥٢) عن قتيبة بن سعيد، عن ابن لهيعة، عن بكير بن عبد الله بن الأشجّ، عن عطاء بن يسار، به. وصحّحه ابن حبان (٦٠٥)، ورواه من وجه آخر عن بكير. قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ويروى هذا الحديث من غير وجه عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ ". قلت: وهو كما قال، ولكن لماذا عدل الترمذي عن هذا الوجه الآخر وهو أصح من الوجه الذي أخرجه. والجواب: لعلّه أخرجه من طريق ابن لهيعة لعلو إسناده، والله أعلم. • عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن اسْتَعَاذَكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا اللهَ لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ". صحيح: رواه أبو داود (٥١٠٩)، والنسائي (٢٥٦٨) كلاهما من حديث أبي عوانة (هو وضّاح

стр. 2622

اليشكري)، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر، فذكره. ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (٥٣٦٥)، وصحّحه الحاكم (٢/ ٦٣ - ٦٤) وقال: "صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه للخلاف الذي بين أصحاب الأعمش". ورواه أبو داود (١٦٧٢) من حديث جرير، عن الأعمش، بإسناده وصحّحه ابن حبان (٣٤٠٨). وأخرجه الحاكم (١/ ٤١٢) من حديث عمار بن زريق، عن الأعمش، بإسناده وقال: "صحيح على شرط الشيخين، فقد تابع عمار بن زريق على إقامة هذا الإسناد أبو عوانة، وجرير بن عبد الحميد، وعبد العزيز بن مسلم القسملي، عن الأعمش". • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَأَلَكُمْ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ، وَلَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ". صحيح: رواه الإمام أحمد (١٠٦٥١) عن أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وصحّحه الحاكم (١/ ٤١٣)، ورواه من هذا الوجه وقال: "هذا إسناد صحيح، فقد صحّ عن الأعمش الإسنادان جميعًا على شرط الشيخين، ونحن على أصلنا في قبول الزيادات من الثقات في الأسانيد والمتون". انتهى. ومعنى قوله: "صح عن الأعمش الإسنادان": أن هذا الحديث جاء عن الأعمش من وجهين: عن ابن عمر، وعن أبي هريرة. قلت: أبو بكر بن عياش هو ابن سالم الأسديّ الكوفي، لم يخرج له مسلم، وإنما أخرج له البخاريّ. وثقه أحمد والعجلي. • عن ابن عباس، أنّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ اسْتَعَاذَ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِوَجْهِ اللهِ فَأَعْطُوهُ". وفي رواية: "مَنْ سَأَلَكُمْ بِاللهِ". حسن: رواه أبو داود (٥١٠٨) عن نصر بن علي، وعبيد الله بن عمر الجشميّ، قالا: حدّثنا خالد بن الحارث، حدّثنا سعيد -قال نصر: ابن أبي عروبة-، عن قتادة، عن أبي نهيك، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي نهيك وهو عثمان بن نهيك وثقه ابن حبان، وأبو أحمد الحاكم. وأمّا قول البخاريّ كما نقله عنه الترمذيّ في "العلل الكبير" (٢/ ٩٢٣) قال: سألت محمدًا (يعني البخاريّ) عن هذا الحديث، فقال: سعيد بن أبي عروبة يُسند هذا الحديث عن قتادة، وغيرُه يقول: خلاف هذا، ولا يسنده". ففيه إشارة إلى أنه يرجّح الموقوف أو المرسل. وسعيد بن أبي عروبة وإن كان وُصف بالاختلاط، فإنه كان قبل ذلك ثقة، وهو من أثبت الناس

стр. 2623

في قتادة، فزيادته مقبولة، ولا تضرّ مخالفة من خالفه. في حين إني إلى الآن لم أقف على رواية غير سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وقد رواه أبو يعلى في "مسنده" في موضعين (٢٥٣٦)، و (٢٧٥٥) عن عبيد الله بن عمر القواريريّ، عن خالد بن الحارث، حدّثنا سعيد (أي ابن أبي عروبة)، عن قتادة، بإسناده، مثله. ١٢ - المبايعة على عدم سؤال الناس شيئًا • عن عوف بن مالك الأشجعيّ، قال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً فَقَالَ: "أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ ". وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ ثُمَّ قَالَ: "أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ ". فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ ". قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ فَعَلامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: "عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا -وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً- وَلا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا". فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ. صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠٤٣) من طريق مروان بن محمد الدّمشقيّ، ثنا سعيد، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي مسلم الخولانيّ، عن عوف بن مالك الأشجعيّ، فذكر الحديث. ١٣ - باب ما جاء من الترهيب من المسألة • عن عبد الله بن عمر، قال: قال النبيّ ﷺ : "مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٧٤)، ومسلم في الزكاة (١٠٤٠: ١٠٤) كلاهما من طريق الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن حمزة بن عبيد الله بن عمر، أنه سمع أباه، فذكر الحديث. وقوله: "مُزعة لحم" بضم الميم معناه: القطعة الصغيرة من اللّحم. • عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الْمَسْأَلَةُ كُدُوحٌ فِي وَجْهِ صَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ بَدَنَ فَلْيَسْتَبْقِ عَلَى وَجْهِهِ وَأَهْوَنُ الْمَسْأَلَةِ مَسْأَلَةُ ذِي الرَّحِمِ تَسْأَلُهُ فِي حَاجَةٍ، وَخَيْرُ الْمَسْأَلَةِ الْمَسْأَلَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ". صحيح: رواه الإمام أحمد (٥٦٨٠) عن أبي النّضر، حدّثنا إسحاق بن سعيد، عن أبيه، عن ابن عمر، قال (فذكره). وإسناده صحيح.

стр. 2624

وقال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٩٦): "رجاله رجال الصحيح". قلت: وهو كما قال، إسحاق بن سعيد هو ابن عمرو بن العاص الأمويّ، وأبوه سعيد بن عمرو ابن سعيد بن أبي العاص الأمويّ، ثم الدّمشقيّ، كلاهما من رجال الصحيح. وقوله: "كدوح" سيأتي معناه. وقوله: "خير المسألة" هكذا في المسند، ومجمع الزوائد، وهكذا أيضًا في شعب الإيمان للبيهقي (٣٥١٠) رواه من طريق أبي النّضر، والمشهور "خير الصّدقةِ عن ظهر غنى" كما تقدّم، وعلى تقدير صحة هذا اللفظ فمعناه أن الإنسان إذا احتاج إلى المسألة فليسأل الغني اللائق الذي يتصدق عن ظهر غني. • عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٦٥)، ومسلم في الزكاة (١٠٥٢: ١٢٣) كلاهما من طريق هشام الدّستوائيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكره في حديث طويل يأتي بتمامه في موضعه. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ". صحيح: رواه مسلم في الزّكاة (١٠٤١) من طرق، عن ابن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، فذكره. وأمّا ما رُوي عن عمر بن الخطاب مرفوعًا: "من سأل الناس ليُثْري ماله، فإنّما هو رَضْفٌ من النار يتلهبه من شاء فليقلّ، ومن شاء فليكثر". فهو ضعيف. رواه ابن حبان (٣٣٩١) عن أبي عروبة، قال: حدّثنا المغيرة بن عبد الرحمن الحرانيّ، حدّثنا يحيى بن السكن، قال: حدّثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن الشّعبيّ، عن مسروق، قال: قال عمر، فذكره. وفيه يحيي بن السكن البصريّ، قال أبو حاتم: "ليس بالقوي". الجرح والتعديل (٩/ ١٥٥). وقد رُوي موقوفًا على عمر، رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٠٩) عن أبي معاوية، عن داود، عن الشعبيّ، قال: قال عمر (فذكره موقوفًا عليه) وهذا أصح. قوله: "الرَّضْف" بفتح الرّاء، وسكون الضّاد المعجمة بعدها فاء: الحجارة المحماة.

стр. 2625

• عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُمُوشٌ أَوْ خُدُوشٌ أَوْ كُدُوحٌ فِي وَجْهِهِ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْغِنَى؟ قَال: "خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِن الذَّهَبِ". قَالَ يَحْيَى بن آدم: فَقَالَ عبد الله بْنُ عُثْمَانَ لِسُفْيَانَ: حِفْظِي أَنَّ شُعْبَةَ لا يَرْوْي عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ؟ فَقَالَ سُفْيَانُ: حَدَّثَنَاهُ زُبَيْدٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عبد الرحمن بْنِ يَزِيدَ. صحيح: رواه أبو داود (١٦٢٦) -واللّفظ له-، والترمذيّ (٦٥٠)، والنسائي (٢٥٩٣)، وابن ماجه (١٨٤٠) كلّهم من طريق يحيى بن آدم، حدّثنا سفيان، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله، فذكره إلّا أنّ الترمذي فقد رواه من وجه آخر عن شريك، عن حكيم بن جبير بإسناده، وقال: "حديث حسن، وقد تكلّم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث". ثم رواه أيضًا (٦٥١) من طريق يحيي بن آدم، بإسناده، مثله. ومن هذا الوجه رواه الحاكم (١/ ٤٠٧) إلا أنه سكت عليه. ورواه أحمد (٣٦٧٥) عن وكيع، عن سفيان، عن حكيم بن جبير، بإسناده. وإسناده صحيح من طريق زبيد وهو ابن الحارث الياميّ وهو ثقة ثبت من رجال الشيخين. وأما حكيم بن جبير فهو ضعيف جدًّا، ضعّفه ابن معين وأحمد، وغيرهما، وقال الدارقطني: "متروك". فكأنّ الحديث عند سفيان كان على وجهين: أحدهما عن حكيم بن جبير، والثاني عن زيد بن الحارث، كلاهما عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه. ومحمد وأبوه عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعيّ كلاهما ثقة، وأبوه من رجال الشيخين، فلا وجه لكلام شعبة على حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث، وهو وإن كان ضعيفًا في محمد بن عبد الرحمن، فالحديث صحيح من وجه آخر. قال الترمذي: "والعمل على هذا عند بعض أصحابنا، وبه يقول الثوريّ، وعبد الله بن المبارك، وأحمد، وإسحاق، قالوا: إذا كان عند الرجل خمسون درهمًا لم تحل له الصدقة". وقال: "ولم يذهب بعض أهل العلم إلى حديث حكيم بن جبير ووسّعوا في هذا، وقالوا: إذا كان عنده خمسون درهمًا أو أكثر وهو محتاج، فله أن يأخذ من الزكاة وهو قول الشافعي وغيره من أهل الفقه والعلم". وقوله: "خموش" هو مثل "خدوش" وزنًا ومعنى. و"الكدوح": آثار الخدوش، وكلّ أثر من خدش أو عضّ أو نحوه فهو كدوح، ومنه يقال

стр. 2626

للحمار الوحشي: مكدَّح؛ لأنّ الحمر تعضضُه. • عن سمرة بن جندب، عن النبيّ ﷺ قال: "الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ، إِلا أَنْ يَسْأَلُ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ أَوْ فِي أَمْرٍ لا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا". صحيح: رواه أبو داود (١٦٣٩)، والنسائي (٢٦٠٠)، والترمذيّ (٦٨١) كلّهم من حديث شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن زيد بن عقبة الفزاريّ، عن سمرة بن جندب، فذكره. إلّا أن الترمذي فقد رواه من حديث سفيان، عن عبد الملك بن عمير، وقال: "حديث حسن صحيح". وصحّحه أيضًا ابن حبان (٣٣٩٧) من طريق شعبة، ومن طريق آخر (٣٣٨٦) كلاهما عن عبد الملك بن عمير، بإسناده مثله. وفي رواية: "يسأل الرجل سلطانا" أي الذي بيده بيت المال، فيعطه منه إن كان مستحقًا. وفي لفظ للترمذيّ: "كدٌّ يكدّ بها الرجل وجهه" والكَدّ -بفتح الكاف، وتشديد الدال- وهو الشّدة في العمل، وطلب الكَسْب، فيحصل منه التّعب والنّصب في الوجه. • عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ الرّجلَ منكم ليأتيني فيسألني فأُعطيه فينطلق، وما يحملُ في حضنه إلّا النّار". صحيح: رواه عبد بن حميد (١١١٣) عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل بن يونس، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، فذكره. وإسناده صحيح. وصحّحه ابن حبان (٣٣٩٢)، ورواه من هذا الوجه. وأما ما رُوي عن جابر، أنّ رسول الله ﷺ قال: "من سأل وهو غني عن المسألة يُحشر يوم القيامة، وهو خموش في وجهه". رواه الطبرانيّ في "الأوسط" (٥٤٦٣) عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: حدّثنا أبي، قال: وجدتُ في كتاب أبي، عن إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، فذكره. ومجالد هو ابن سعيد بن عمير من رجال مسلم إلا أنه ضعيف، وكان البخاريّ حسن الرأي فيه. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان إلّا محمد بن عثمان ابن أبي شيبة. قلت: لا يحتمل تفرّد محمد بن عثمان بن أبي شيبة؛ لأنه مختلف فيه، فكذبه عبد الله بن أحمد ابن حنبل، وقال ابن خراش: كان يضع الحديث.

стр. 2627

وقال الدارقطني: "أخذ كتاب نمير فحدّث به". ومشّاه ابن عدي فقال: "لم أرَ له حديثًا منكرًا، وهو على ما وصفه عبدان لا بأس به"، ووثقه صالح جزرة. والخلاصة أنه إذا توبع فلا بأس به، أما إذا تفرّد فلا يحتمل تفرده. وأما الهيثميّ فقال في "المجمع" (٣/ ٩٦): "رجاله موثقون". • عن ثوبان، عن النبيّ ﷺ قال: "من سأل مسألة وهو عنها غني، كانت شينًا في وجهه يوم القيامة". حسن: رواه أحمد (٢٢٤٢٠)، والبزّار -كشف الأستار (٩٣٢) -، والطبراني في الكبير (١٤٠٧) كلّهم من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، فذكره. وأورده المنذريّ في "الترغيب والترهيب" (١٢٠٩) وقال: "رواة أحمد محتج بهم في الصحيح". وقوله: "شين" أي أثر. • عن سهل بن الحنظليّة -صاحب رسول الله ﷺ قال: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وَالأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَسَأَلاهُ فَأَمَرَ لَهُمَا بِمَا سَأَلا وَأَمَرَ مُعَاوِيَةَ فَكَتَبَ لَهُمَا بِمَا سَأَلا، فَأَمَّا الأَقْرَعُ فَأَخَذَ كِتَابَهُ فَلَفَّهُ فِي عِمَامَتِهِ وَانْطَلَقَ، وَأَمَّا عُيَيْنَةُ فَأَخَذَ كِتَابَهُ وَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فِي مَكَانَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَتُرَانِي حَامِلا إِلَى قَوْمِي كِتَابًا لا أَدْرِي مَا فِيهِ كَصَحِيفَةِ الْمُتَلَمِّسِ! فَأَخْبَرَ مُعَاوِيَةُ بِقَوْلِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِن النَّارِ -وَقَال النُّفَيْلِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ- فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا يُغْنِيهِ؟ -وَقَالَ النُّفَيْلِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَمَا الْغِنَى الَّذِي لا تَنْبَغِي مَعَهُ الْمَسْأَلَةُ؟ - قَالَ: "قَدْرُ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيه". صحيح: رواه أبو داود (١٦٢٩) عن عبد الله بن محمد النّفيليّ، حدّثنا مسكين، حدّثنا محمد بن المهاجر، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي كبشة السّلوليّ، حدّثنا سهل بن الحنظلية، فذكره. ورواه الإمام أحمد (١٧٦٢٥) من وجه آخر عن ربيعة بن يزيد. وصحّحه ابن خزيمة (٢٣٩١) وذكره مختصرًا، وابن حبان (٥٤٥، ٣٣٩٤) كلاهما من هذا الوجه. وقوله: "صحيفة المتلمّس" المتلمِّس هو جرير بن عبد المسيح الضّبعي، شاعر جاهلي مشهور، هجا هو وطرفة بن العبد عمرو بن هند مالك الحيرة، فكتب لهما كتابين إلى عامله، أوهمهما أنه كتب لهما بجوائز، وهو إنما كتب إليه بقتلهما، فأمّا المتلمِّس ففضَّ الكتاب وعرف ما فيه فهرب ونجا، وأمّا طرفة فذهب ورفع الكتاب إلى العامل يطمع في الجائزة فقُتل.

стр. 2628

وسُمّي المتلمّس لبيته الذي قاله، وهو: فهذا أوان العرض طن ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس قال الخطّابي: "اختلف الناس في تأويل حديث سهل، فقال بعضهم: من وجد غداء يومه وعشاءَه لم تحل له المسألة على ظاهر الحديث. وقال بعضهم: إنما هو فيمن وجد غداءٌ وعشاء على دائم الأوقات فإذا كان عنده ما يكفيه لقوته المدة الطويلة، حرمت عليه المسألة. وقال آخرون: هذا منسوخ بالأحاديث التي تقدم ذكرها". يعني الأحاديث التي فيها تقدير الغني بملك خمسين درهما أو بملك خمس أوقية وغيرها من التقادير. والصواب: أن ذلك يرجع إلى الرجل نفسه فإنه قد يكون له مال كثير، ولكن نظرا لكثرة أولاده وكثرة نفقاته في الضروريات الأخرى مثل التعليم وغيره فإنه يحق له المسألة أو يجوز أن يُعطى بدون سؤال. وقد ثبت أن النبيّ ﷺ أعطى عيينة بن حصن والأقرع بن حابس من سهم المؤلفة قلوبهم، فإن الظاهر من حالهما أنهما ليسا فقيرين وهما سيدا قومهما، ورئيسا قبائلهما. وفي الباب عن علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل مسألة عن ظهر غني، استكثر بها من رضف جهنم". قالوا: ما ظهر غني؟ قال: "عشاءُ ليلة". رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (١٢٥٣) عن محمد بن يحيى بن أبي سمينة، حدثنا عبد الصمد، حدثني أبي، حدثنا حسين بن ذكوان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، فذكره. وإسناده ضعيف من أجل حسين بن ذكوان، وهو أبو سلمة البصريّ ضعّفه ابن معين وأبو حاتم، وقال النسائيّ: ليس بالقوي. ومع هذا ذكره ابن حبان في "الثقات" (٦/ ١٣٦)، وأخرجه الدارقطني في سننه (١٩٩٩) من وجه آخر عن عبد الوارث بن سعيد، عن حسين بن ذكوان، عن عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي حبيب. فأدخل بين حسين بن ذكوان، وبين حبيب بن أبي ثابت "عمرو بن خالد" وهو القرشيّ مولاهم "متروك، رماه وكيع بالكذب" كما في التقريب. إذا عرفتَ هذا فلا تغترنّ بقول الحافظ المنذريّ في "الترغيب والترهيب" (١٢١٤): "رواه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند، والطبرانيّ في الأوسط، وإسناده جيد". وقوله: "الرَّضْف" الحجارة المحماة على النار. وفي الباب أيضًا عن عائذ بن عمرو أنّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ فسأله، فأعطاه، فلما وضع رجله على

стр. 2629

أُسْكُفَّة الباب، قال رسول الله ﷺ : "لو تعلمون ما في المسألة ما مشى أحد إلى أحد يسأله شيئًا". رواه النسائيّ (٢٥٨٦) عن محمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفيّ، قال: حدّثنا أمية بن خالد، قال: حدّثنا شعبة، عن بسطام بن مسلم، عن عبد الله بن خليفة، عن عائذ بن عمرو، فذكره. وفي إسناده عبد الله بن خليفة، ويقال: خليفة بن عبد الله البصري، لم يرو عنه إلّا بسطام بن مسلم؛ ولذا قال الحافظ في التقريب: "مجهول". وقال: وهم من زعم أنّ شعبة روى عنه. قلت: لعله يقصد به الذهبي فإنه ذكره في "الكاشف" أن شعبة أيضًا روى عنه. والحديث في مسند الإمام أحمد (٢٠٦٤٤) عن روح، حدّثنا بسطام بن مسلم بإسناده مختصرًا، وكرّره بالاسناد نفسه، فذكره مطوّلًا عن عائذ بن عمرو المزنيّ، قال: بينما نحن مع نبينا ﷺ إذا أعرابي قد ألَحَّ عليه في المسألة يقول: يا رسول الله! أطعمني، يا رسول الله! أعطني. قال: فقام رسول الله ﷺ فدخل المنزل، وأخذ بعضادتي الحجرة وأقبل علينا بوجهه وقال: "والذي نفس محمد بيده! لو تعلمون ما أعلم في المسألة ما سأل رجل رجلًا وهو يجد ليلة تُبيِّته" فأمر له بطعام. وقوله: "الأُسْكُفَّة" بسكون السين، وضم الكاف، وتشديد الفاء: عتبة الباب. قوله: "بعضادتي الباب" العضّادتان: بكسر العين وهما خشبتان من جانبي الباب. وفي الباب أيضًا عن عبد الله بن عباس مرفوعًا: "لو يعلم صاحب المسألة ما له فيها لم يسأل". رواه الطبراني في "الكبير" (١٢/ ١٠٨) عن أحمد بن داود المكي، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، ثنا جرير بن حازم، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره. قال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٩٣): "فيه قابوس، وفيه كلام وقد وُثِّق". قلت: قابوس بن أبي ظبيان الجنّبيّ مختلف فيه، فوثقه ابن معين، وقال الإمام أحمد: ليس بذاك، وقال النسائي: ليس بالقوي ضعيف، وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له. والخلاصة فيه كما في التقريب: "فيه لين"، وفي الكاشف: قال أبو حاتم وغيره: لا يحتج به. وأبوه: أبو ظبيان هو حصين بن جندب. وفي الباب أيضًا عن عمران بن حصين مرفوعًا: "مسألة الغني شين في وجهه يوم القيامة". رواه الإمام أحمد (١٩٨٢١)، والطبراني في الكبير ١٨/ (٣٦٢)، والأوسط (٨١٧٣)، والبزار في مسنده (٣٥٧٢) كلّهم من طريق الحسن البصريّ، عن عمران بن حصين. وفيه انقطاع؛ فإنّ الحسن بن أبي الحسن البصريّ اختلف في سماعه من عمران بن حصين، فالذي عليه جمهور أهل العلم أنه لم يسمع منه. وفي الباب أيضًا عن مسعود بن عمرو مرفوعًا: "لا يزال العبد يسأل وهو يُعطى حتى يخلق

стр. 2630

وجهه، فما يكون له عند الله وجه". رواه البزار -كشف الأستار (٩١٩) عن حميد بن مسعدة، ثنا حصين بن نمير، ثنا ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن سعيد بن يزيد، عن مسعود بن عمرو، فذكره. أورده الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٩٦) وقال: "رواه البزار، والطبراني في الكبير، وفيه محمد بن أبي ليلي وفيه كلام". قلت: ابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال فيه الحافظ: "صدوق سيء الحفظ جدًّا"، ولكن شيخه عبد الكريم وهو ابن أبي المخارق -بضم الميم- ضعيف جدًّا، قال النسائي، والدارقطني: متروك، وقال ابن حبان: كان كثير الوهم فاحش الخطأ، الإعلال به أولى. وأما ما رُوي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما خالطت الصدقة -أو قال: الزكاة- مالًا إلّا أفسدته" فهو ضعيف. رواه البزّار -كشف الأستار- (٨٨١) عن محمد بن عبد الأعلى، ثنا عثمان بن عبد الرحمن الجمحيّ، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. وفيه عثمان بن عبد الرحمن الجمحيّ أبو عمرو، قال البخاريّ: "مجهول"، وقال أبو حاتم: "ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به". وقال ابن عدي: "عامّة ما يرويه مناكير". ١٤ - باب فيمن لا تحلّ له المسألة • عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، أَنَّ رَجُلَيْنِ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْأَلانِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ فَقَلَّبَ فِيهِمَا الْبَصَرَ، فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنْ شِئْتُمَا أعطيتُكُما ولا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ ولا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ". صحيح: رواه أبو داود (١٦٣٣)، والنسائيّ (٢٥٩٩) كلاهما من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي، فذكره. وإسناده صحيح. ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (١٧٩٧٢). وزاد أبو داود: "كان ذلك في حجّة الوداع، وهو يقسم الصّدقة". وذكره الحافظ الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٩٢) وهو ليس على شرطه. قال البغويّ في شرح السنة (١/ ٨١ - ٨٢): فيه دليل على أنّ القوي المكتسب الذي يُغنيه كسبُه لا يحل له الزكاة، ولم يعتبر النبيّ ﷺ ظاهر القوة دون أن يضم إليه الكسب؛ لأنّ الرجل قد يكون ظاهر القوّة غير أنه أخرق لا كسب له، فتحلّ له الزكاة، وإذا رأى الإمام السّائل جَلْدًا قويًّا شكّ في أمره وأنذره، وأخبره بالأمر كما فعل النبيُّ ﷺ ، فإن زعم أنه لا كسب له، أو له عيال لا يقوم كسُبه بكفايتهم قبل منه وأعطاه" انتهى.
следующие страницы →