Полный текст (8 687 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
رواه الإمام أحمد (١١٣٩٦) عن إسحاق بن عيسي، حدّثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، بإسناده.
وعبد الرحمن بن زيد ضعيف إلا أنه توبع أيضًا في الإسناد الأوّل.
وله إسناد ثالث، رواه أيضًا الإمام أحمد (١١٢٨١) عن مطلب، حدّثنا ابن أبي ليلى، عن عطية، عن أبي سعيد الخدريّ، أنّ رسول الله ﷺ قال: "تسحّروا، فإنّ في السّحور بركة".
وفيه ابن أبي ليلى، وشيخه عطية ضعيفان. وبمجموع هذه الأسانيد يحسن هذا الحديث.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن أنس بن مالك، أنّ النبيّ ﷺ قال: "تسحّروا ولو بجرعة من ماء".
رواه أبو يعلي (٣٣٤٠)، والعقيلي (٣/ ٥٠) كلاهما من حديث محمد بن أبي بكر المقدمي، حدّثنا عبد الواحد بن ثابت الباهليّ، قال: حدّثنا ثابت، عن أنس، فذكره.
وعبد الواحد بن ثابت الباهلي هذا قال فيه البخاري: "منكر الحديث" انظر: "الميزان" (٢/ ٦٧١).
وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. وذكر له حديثًا آخر وهو قوله: "كان النبيّ ﷺ يُفطر على تمرات أو شيء لم يمسه النار".
وقال: "وروى جماعة من أصحاب النبيّ ﷺ عنه بأسانيد جياد أنه قال: "تسحّروا فإنّ في السّحور بركة" وفي السحور أسانيد ثابتة.
وأمّا اللّفظتان اللتان جاء بهما هذا الشيخ: "ولو بجرعة من ماء" "أو شيء لم يمسه النار" فليس يتابع عليهما ثقة" انتهى كلام العقيلي.
كذا قال! مع أنّ اللفظ الأول جاء بأسانيد حسان كما سبق.
وفي الباب عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أراد أن يصوم فليتسحّر بشيء".
رواه أحمد (١٤٩٥٠)، وأبو يعلى (١٩٣٠) كلاهما من حديث أبي أحمد الزبيري، حدّثنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، فذكره.
وشريك هو ابن عبد الله النخعي مختلف فيه، فإذا توبع يحسّن، وإلا فلا؛ لأنه تغيّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة.
٢٠ - باب فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب
• عن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، أكلةُ السَّحر".
صحيح: رواه مسلم في الصيام (١٠٩٦) من طريق موسى بن عُلَي، عن أبيه، عن أبي قيس مولي عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص، فذكره.
стр. 2697
٢١ - باب الأمر بالاستعانة على الصوم بالسحور
رُوي عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ قال: "استعينوا بطعام السّحر على صيام النهار، وبقيلولة النهار على قيام الليل".
رواه ابن خزيمة في "صحيحه" (١٩٣٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٢٥) كلاهما من طريق زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
قال ابن خزيمة: باب الأمر بالاستعانة على الصوم بالسحور إن جاز الاحتجاج بخبر زمعة بن صالح، فإن في القلب منه لسوء حفظه".
وقال الحاكم: "زمعة بن صالح وسلمة بن وهرام ليسا بالمتروكين الذين لا يحتجّ بهما، لكن الشيخين لم يخرجاه عنهما. وهذا من غرر الحديث في هذا الباب".
قلت: زمعة بن صالح ضعيف باتفاق أهل العلم، ورواه مسلم عنه مقرونًا بغيره، وضعيف الحديث لا يلزم أن يكون رواته متروكين.
وأما سلمة بن وهرام فمختلف فيه، فوثقه أبو زرعة. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.
وذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٣٩٩) وضعّفه أبو داود.
٢٢ - باب ما جاء في تسمية السّحور بالغداء المبارك
• عن ابن عباس، قال: أرسل إلىَّ عمر بن الخطاب يدعوني إلى السّحور. وقال: إنّ رسول الله ﷺ سماه الغداء المبارك.
حسن: رواه الطبراني في "الأوسط" (٥٠٥) عن أحمد بن القاسم بن مساور الجوهريّ، قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم أخو أبي معمر، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس، فذكره.
ومن هذا الطريق رواه الخطيب في "تاريخه" (١/ ٣٨٧) في ترجمة محمد بن إبراهيم بن معمر الهذلي أبو بكر، ونقل عن موسى بن هارون: أنه صدوق لا بأس به.
وذكره الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٥١) ونقل عن موسى بن هارون الحمال، كما ذكره الخطيب. وقال: سئل ابن معين عن أبي معمر فقال: مثل أبي معمر لا يسأل عنه، وهو وأخوه من أهل الحديث. وبقية رجاله ثقات.
• عن المقدام بن معديكرب، عن النبيّ ﷺ قال: "عليكم بغداء السحور، فإنه هو الغداء المبارك".
حسن: رواه النسائيّ (٢١٦٤) عن سويد بن نصر، قال: أنبأنا عبد الله (هو ابن المبارك)، عن بقية
стр. 2698
ابن الوليد، قال: أخبرني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معديكرب، فذكره.
وإسناده حسن من أجل بقية بن الوليد لأنه يدلس تدليس التسوية، إلّا أنه صرّح بالتحديث ويكفي عند الجمهور تصريحه في الطبقة الأولى.
ورواية بقية عن بحير بن سعد صحيحة كما قال ابن عبد الهادي.
ومن طريقه رواه الإمام أحمد (١٧١٩٢).
ثم رواه النسائيّ (٢٠٦٥) من وجه آخر عن سفيان، وعبد الرزاق (٧٦٠٠) كلاهما عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان قال: قال رسول الله ﷺ لرجل: "هلمّ إلى الغداء المبارك" يعني السّحور.
وهذا مرسل صحيح، وهو يقوي ما سبقه لاختلاف مخرجهما.
وفي الباب ما روي عن العرباض بن سارية، قال: دعاني رسول الله ﷺ إلى السحور في رمضان فقال: "هلمّ إلى الغداء المبارك".
رواه أبو داود (٢٣٤٤)، والنسائي (٢١٦٣)، والإمام أحمد (١٧١٤٣) كلهم من حديث يونس ابن سيف، عن الحارث بن زياد، عن أبي رُهم، عن العرباض بن سارية، فذكره.
والحارث بن زياد لم يرو عنه غير يونس بن سيف، ولم يوثقه غير ابن حبان، وأخرج حديثه في صحيحه (٣٤٦٥). وكذلك شيخه ابن خزيمة (١٩٣٨).
والحارث بن زياد هذا غلط فيه أبو نعيم فذكره في الصحابة (٢١١٩)، وذلك تبعًا للحسن بن عرفة في جزئه (٣٦). قال فيه: صاحب رسول الله ﷺ . وروى عنه البغوي في "معجم الصحابة" (٢/ ٧٨) وقال: "لا أعلم لحارث بن زياد غير هذا الحديث" وهو يقصد به حديث معاوية بن سفيان: "اللهم علِّم معاوية الكتاب والحساب، وقه العذاب".
وقال الحافظ ابن عبد البر في "الاستيعاب": الحارث بن زياد هذا مجهول لا يعرف بغير هذا الحديث".
وقال المنذري في "مختصر أبي داود": قال أبو عمر النمري: "ضعيف مجهول، يروي عن أبي رهم السمعي، حديثه منكر". فزاد فيه كلمة: "ضعيف"، و"حديثه منكر".
وجاء الذهبي فقال في "الميزان": "مجهول".
وتعقبه الحافظ في التهذيب فقال: "وشرطه أن لا يطلق هذه اللفظة إلا إذا كان أبو حاتم الرّازيّ قالها، والذي قال فيه أبو حاتم: مجهول. آخر غيره فيما يظهر لي، نعم قال أبو عمر بن عبد البر في صاحب هذه الترجمة: "مجهول وحديثه منكر".
قلت: لعله تبع في ذلك الحافظ المنذريّ فيما سبق نقله عنه كلمة "حديثه منكر"، أو كان ذلك في بعض النسخ، والله أعلم.
وأبو رهم اختلف في اسمه، فقيل هو: أحزاب بن أسيد بفتح الهمزة، ويقال: بالضم. قاله البخاري. ويقال: ابن أسد السماعي، ويقال: السمعي مختلف في صحبته، والصحيح أنه ليس له
стр. 2699
صحبة، كما قال أبو حاتم والبخاريّ. وذكره ابن حبان في "ثقات التابعين". وجهله ابن القطان الفاسي في الوهم والإبهام (٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥) ووثقه الحافظ في التقريب، لعلّه على قاعدته أنّ من اختلف في صحبته فهو ثقة.
والخلاصة فيه أن إسناده ضعيف لجهالة الحارث بن زياد، وأما أن يكون حديثه منكرًا فليس بصحيح لوجود شواهد كما سبق، كما أنّ قول البغويّ: لا أعلم لحارث بن زياد غير هذا الحديث، فهو بحسب علمه كما قال. وإلا فله حديث آخر وهو قول النبي ﷺ للعرباض بن سارية: "هلّم إلى الغداء المبارك" وبالله التوفيق.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن أبي الدّرداء، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "هو الغداء المبارك" يعني السحور.
رواه ابن حبان في صحيحه (٣٤٦٤) عن يحيى بن محمد بن عمرو بالفُسطاط، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيديّ، أخبرنا عمرو بن الحارث، حدّثني عبد الله بن سالم، عن الزبيديّ، حدّثنا راشد بن سعد، عن أبي الدّرداء، فذكره.
وإسحاق بن إبراهيم بن العلاء كان أبو حاتم حسن الرأي فيه، فقال: شيخ لا بأس به، ولكنّهم يحسدونه. وذكره ابن حبان في "الثقات" وأخرج عنه في صحيحه.
ولكن قال النسائيّ: ليس بثقة إذا روى عن عمرو بن الحارث. وروايته هنا عنه. وأطلق محمد ابن عوف أنه يكذب كما ذكره الحافظ في التقريب، وقال: "صدوق يهم كثيرًا".
وفيه أيضًا عمرو بن الحارث وهو ابن الضحاك الزبيديّ. قال الذهبي: "لا تعرف عدالته".
وذكره ابن حبان في "الثقات" ولذا قال الحافظ: "مقبول" أي عند المتابعة.
وفي الباب أيضًا عن عتبة بن عبد وأبي الدرداء قالا: قال رسول الله ﷺ : "تسحّروا من آخر اللّيل". وكان يقول: "هو الغداء المبارك".
رواه الطبراني في "الكبير" (١٧/ ١٣١) عن جعفر بن أحمد الشّامي الكوفي، ثنا جبارة بن مغلس، ثنا بشر بن عمارة، عن الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد، عن عتبة بن عبد وأبي الدرداء" فذكرا الحديث.
قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٥١): "فيه جبارة بن مغلس وهو ضعيف".
قلت: وفيه أيضًا الأحوص بن حكيم الدمشقي ضعّفه ابن معين والنسائي. وقال أبو حاتم: ليس بقوي منكر الحديث. وهو من رجال "التهذيب": روى عنه ابن ماجه.
وفي الباب أيضًا عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "قربي إلينا الغداء المبارك" يعني السحور. وربما لم يكن إلا تمرتين. قال الزهري: السحور سنة.
رواه أبو يعلى (٤٦٧٩) عن أبي هشام محمد بن يزيد بن رفاعة، حدّثنا إسحاق بن سليمان الرازيّ، حدّثنا معاوية، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، فذكرته.
стр. 2700
وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٥١): "رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات".
قلت: ليس كما قال، بل فيه معاوية وهو ابن يحيى الصدفي يروي عنه إسحاق بن سليمان الرازي، وأهل العلم مطبقون على تضعيفه منهم ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود والنسائي وابن حبان وابن عدي وغيرهم.
وأظن أن الحافظ الهيثمي وهم في تعيينه لأنه ذكر غير منسوب فظن أنه معاوية بن سلام الدمشقي، وهو من طبقة معاوية بن يحيى الصدفي ومن رواة الزهري إلا أنه لم يرو عنه إسحاق بن سليمان ومعاوية بن يحيى الصدفي.
ذكره ابن حبان في "المجروحين"، ولم يذكره في "الثقات".
٢٣ - باب استحباب السحور بالتّمر
• عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "نعم سحور المؤمن التمر".
حسن: رواه أبو داود (٢٣٤٥)، والبيهقي (٤/ ٢٣٦ - ٢٣٧) كلاهما من طريق محمد بن أبي الوزير أبي المطرف، حدّثنا محمد بن موسى، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن موسى هو الفطري المدني "صدوق" من رجال الصحيح.
ومحمد بن أبي الوزير هو محمد بن عمر بن مطرف أبو المطرف، ابن أبي الوزير قال أبو حاتم: ثقة.
وصحّحه ابن حبان (٣٤٧٥) ولكنه رواه من حديث إبراهيم بن أبي الوزير بإسناده، مثله.
وإبراهيم هو أخو محمد بن عمر بن مطرف، ابن أبي الوزير يكنى أبا إسحاق وهو من رجال الصحيح وهو متابع لأخيه.
وفي الباب عن جابر مرفوعًا: "نعم السحور بالتّمر".
رواه البزار -كشف الأستار (٩٧٨) - عن رجاء بن محمد السقطيّ، ومحمد بن معمر البحرانيّ، قالا: ثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، ثنا زمعة، عن عمرو بن دينار، عن جابر، فذكره.
قال البزار: لا نعلمه عن جابر إلا بهذا الإسناد.
وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٥١): "ورجاله رجال الصحيح".
قلت: وهو كما قال إلا أن زمعة (وهو ابن صالح الجندي اليماني) وإن كان من رجال مسلم فهو ضعيف باتفاق أهل العلم، وحديثه في صحيح مسلم مقرون.
٢٤ - باب السّحور بالسّويق والتمر
• عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ -وذلك عند السحور-: "يا أنس، إني أريد الصيام أطعمني شيئًا" فأتيته بتمر وإناء فيه ماء، وذلك بعد ما أذن بلال. فقال:
стр. 2701
"يا أنس، انظر رجلًا يأكل معي" فدعوت زيد بن ثابت، فجاء فقال: إني قد شربت شربة سويق، وأنا أريد الصيام. فقال رسول الله ﷺ : "وأنا أريد الصيام" فتسحرت معه، ثم قام فصلى ركعتين، ثم خرج إلى الصّلاة.
صحيح: رواه النسائي (٢١٦٧) من طريق عبد الرزاق -وهو في مصنفه (٧٦٠٥) - وعنه الإمام أحمد (١٣٠٣٣) عن معمر، عن قتادة، عن أنس، فذكره. وإسناده صحيح.
وقوله: "وذلك بعدما أذّن بلال" أي الأذان الأول الذي يكون بالليل لصلاة التهجّد.
٢٥ - باب استحباب تأخير السَّحور إلى أن يتبيّن الفجر الصّادق
• عن عبد الله بن عمر، أنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّ بلالًا يؤذّن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابنُ أمّ مكتوم". ثم قال: وكان رجلًا أعمى، لا يُنادي حتى يقال له: أصبحتَ أصبحتَ.
متفق عليه: رواه مالك في الصلاة (١٤) عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فذكر الحديث.
ورواه البخاري في الأذان (٦١٧، ٦٢٠) من طريق مالك، به، مثله.
ورواه في الصوم (١٩١٨) عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. ثم عطف عليه حديث عائشة الآتي.
ورواه مسلم في الصيام (١٠٩٢) من أوجه أخرى -غير طريق ابن دينار- عن ابن عمر، به، نحوه.
وفي رواية له من طريق نافع، عن ابن عمر، قال: "كان لرسول الله ﷺ مؤذِّنان: بلال وابنُ أمِّ
مكتوم الأعمى، فقال رسول الله ﷺ : "إنّ بلالًا يؤذّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذّن ابنُ أمِّ مكتوم". قال: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا.
قوله: "ولم يكن بينهما ... إلخ" معناه أن بلالًا كان يؤذّن قبل الفجر ويتربّص بعد أذانه للدّعاء ونحوه، ثم يرقب الفجر، فإذا قارب طلوعُه نزل فأخبر ابنَ أمّ مكتوم، فيتأهب ابن أمّ مكتوم للطهارة وغيرها، ثم يرقي ويشرع في الأذان مع أول طلوع الفجر.
• عن عائشة: أنّ بلالًا كان يؤذّن بليل، فقال رسول الله ﷺ : "كلُوا واشربوا حتى يؤذّن ابنُ أمِّ مكتوم، فإنه لا يؤذِّن حتى يطلع الفجر". قال القاسم: ولم يكن بين أذانهما إلّا أن يرقي ذا وينزل ذا.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩١٨، ١٩١٩) عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر، والقاسم بن محمد، عن عائشة، فذكرته. ورواه مسلم في الصيام (١٠٩٢/ ٣٨) عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر وحده. ثم رواه عن عبيد الله، حدثنا
стр. 2702
القاسم، عن عائشة عن النبي ﷺ بمثله، ولم يسق لفظه.
• عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أنّ النبيّ ﷺ قال: "كلُوا واشربوا حتى يؤذّن بلال".
صحيح: رواه أبو يعلى (٤٣٨٥) عن مصعب بن عبد الله، حدثني ابن الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، فذكرته.
والدراوردي هو عبد العزيز بن محمد، وقوله: "ابن الدراوردي" الابن زيادة لعله خطأ من النساخ، ومن هذا الطريق رواه أيضًا ابن خزيمة (٤٠٦) وعنه ابن حبان (٣٤٧٢) وإسناده صحيح، وأصله في الصحيحين. انظر كتاب الأذان.
• عن ابن مسعود، عن النبيّ ﷺ قال: "لا يمنعنَّ أحدَكم -أو أحدًا منكم- أذان بلال من سَحوره، فإنه يؤذّن -أو ينادي- بليل ليرجع قائمكم، ولينتبه نائمُكم، وليس أن يقول: الفجرُ أو الصبحُ، وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق، وطأطأ إلى أسفل- حتى يقول هكذا".
وقال زهير (وهو ابن معاوية الجعفي) بسبَّابتيه إحداهما فوق الأخرى، ثم مدَّها عن يمينه وشماله. متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٢١)، ومسلم في الصيام (١٠٩٣) كلاهما من طريق سليمان التيميّ، عن أبي عثمان النّهدي، عن عبد الله بن مسعود، فذكره.
• عن سمرة بن جندب، قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "لا يغرنّ أحدَكم نداءُ بلال من السحور، ولا هذا البياض حتى يستطير".
وفي رواية: "لا يغرنّ من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا" حكاه حماد بيديه. قال: يعني معترضًا.
وفي رواية: "لا يغرنّكم نداءُ بلال، ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر" أو قال: "حتى ينفجر الفجر". صحيح: رواه مسلم في الصيام (١٠٩٤) من طرق، عن سوادة بن حنظلة القشيريّ، قال: سمعت سمرة بن جندب يقول (فذكر الحديث بكلّ هذه الألفاظ).
• عن أنس بن مالك قال: إن نبي الله ﷺ وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله ﷺ إلى الصلاة فصلي. قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: كقدر ما يقرأ الرجل خمسين آية.
متفق عليه: رواه البخاري في التهجد (١١٣٤) عن يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا روح، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، فذكره. ورواه مسلم في الصوم (١٠٩٧) من وجه آخر عن وكيع، عن هشام، عن قتادة به، واللفظ للبخاري.
стр. 2703
قوله: "إلى الصلاة فصلي": صلاة الفجر.
وقوله: "دخولهما في الصلاة": أي صلاة الصبح.
• عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمنعنكم أذان بلال من السحور، فإن في بصره شيئًا".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٢٤٢٨)، وأبو يعلى (٢٩٦٧)، والبزار -كشف الاستار (٩٨٢) - كلّهم من طريق محمد بن بِشْر، حدّثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، فذكره. وإسناده صحيح.
وسعيد هو ابن أبي عروبة ثقة حافظ، وكان من أثبت الناس في قتادة إلا أنه مختلط، وقد سمع منه محمد بن بشر قبل الاختلاط.
ولا يعارض هذا قوله ﷺ : "إذا أذّن ابن أمّ مكتوم فكلوا واشربوا، وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا" وذلك على العموم، وأحيانًا كان بلال يخطئ فيؤذن قبل الفجر لسوء في عينه كما جاء في حديث شيبان أنه غدا إلى المسجد فجلس إلى بعض حجر النبيّ ﷺ ، فسمع صوته، فقال: "أبا يحيى" قال: نعم. قال: "ادخل" فدخل فإذا النبيّ ﷺ يتغدي. فقال: "هلّم إلى الغداء" فقال: يا رسول الله، إني أريد الصيام. قال: "وأنا أريد الصيام، إن مؤذننا في بصره سوء أذّن قبل الفجر". رواه الطبرانيّ في "المعجم الكبير" (٧/ ٣٧٣).
قال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ١٥٣): "فيه قيس بن الربيع، وثقه شعبة والثوري وفيه كلام".
قلت: وفيه شيخه أشعث بن سوار الكندي أضعف منه.
وذكر ابنُ خزيمة (١/ ٢١١) تأويلًا آخر فقال: "يجوز أن يكون بين ابن أمّ مكتوم وبن بلال نوب، فكان بلال إذا كانت نوبته أذن بليل، وكان ابن أم مكتوم إذا كانت نوبته أذن بليل".
ولعلّ حديث أنيسة بنت حبيب يدل عليه.
• عن أُنيسة بنت حبيب قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أذّن ابن أمّ مكتوم فكلوا واشربوا. وإذا أذّن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا" فإن كانت الواحدة منا ليبقى عليها الشيء من سحورها فتقول لبلال: أمهل حتى أفرغ من سحوري.
صحيح: رواه النسائي (٦٤٠)، وابن خزيمة (٤٠٤)، وابن حبان (٣٤٧٤)، وأحمد (٢٧٤٤٠) كلّهم من طريق هشيم، قال: حدّثنا منصور بن زاذان، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عمّته أنيسة بنت حبيب، فذكرته. وإسناده صحيح. انظر كتاب الأذان.
وأما ما رُوي عن زيد بن ثابت أنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّ ابن أم مكتوم يؤذّن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذّن بلال" فهو ضعيف. فيه محمد بن عمر الواقديّ ضعيف جدًّا. ومن طريقه رواه البيهقي (١/ ٣٨٢).
стр. 2704
• عن سهل بن سعد، قال: كنتُ أتسحّرُ في أهلي، ثم تكون سُرعتي أن أُدركَ السّجود مع رسول الله ﷺ .
صحيح: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٢٠) عن محمد بن عبيدالله، حدّثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن حازم، عن سهل بن سعد، فذكره.
• عن زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصّلاة قلت: كم كان قدرُ ما بينهما؟ قال: خمسين آية.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٢١)، ومسلم في الصيام (١٠٩٧) كلاهما من طريق هشام (هو الدستوائي)، حدّثنا قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت، فذكره. واللفظ لمسلم.
ولفظ البخاري: "قال: كم كان بين الأذان والسَّحور؟ قال: قدرُ خمسين آية".
• عن عدي بن حاتم، قال: لما نزلت: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [سورة البقرة: ١٨٧] عمدتُ إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتها تحت وسادتي، فجعلتُ أنظرُ في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك فقال: "إنّما ذلك سواد الليل وبياض النهار".
وفي رواية: "إني أجعل تحت وسادتي عقالين، عقالًا أبيض وعقالًا أسود أعرف الليل من النهار. فقال رسول الله ﷺ : "إنّ وسادتك لعريض! إنّما هو سواد الليل وبياض النهار".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩١٦)، ومسلم في الصيام (١٠٩٠) كلاهما من حديث
حصين بن عبد الرحمن، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، فذكره. والرواية الثانية عند مسلم
وفي رواية لأبي داود (٢٣٤٩): "فضحك رسول الله ﷺ وقال: "إنّ وسادتك .... ".
• عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "الفجر فجران، فأمّا الفجر الذي يكون كذنب السرحان فلا تحل الصلاة فيه، ولا يحرّم الطّعام. وأمّا الذي يذهب مستطيلًا في الأفق فإنه يحل ويحرّم الطّعام".
صحيح: رواه الحاكم (١/ ١٩١) عن أبي بكر محمد بن أحمد بن حاتم الداربردي بمرو، ثنا عبد الله بن روح المدائني، ثنا يزيد بن هارون، أنبأنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر، فذكره.
قال الحاكم: "إسناده صحيح" وهو شاهد لحديث ابن عباس.
وروي عن ابن عباس قال: إن رسول الله ﷺ قال: "الفجر فجران، فجر يحرم فيه الطّعام، ويحل فيه الصلاة. وفجر يحرم فيه الصلاة ويحل فيه الطعام".
стр. 2705
رواه الدارقطني (٢١٨٥)، وابن خزيمة (٣٥٦، ١٩٢٧) وعنه الحاكم (١/ ١٩١) عن محمد بن علي بن محرز -أصله بغدادي انتقل إلى فسطاط- نا أبو أحمد الزبيري، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره.
قال ابن خزيمة: هذا لم يروه أحد عن أبي أحمد إلا ابن محرز هذا.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين في عدالة الرواة ولم يخرجاه. وأظن أني قد رأيته من حديث عبد الله بن الوليد، عن الثوري موقوفًا".
ورواه أيضًا في كتاب الصوم (١/ ٤٢٥) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال: شاهده حديث سمرة مرفوعًا" فذكره.
وقال الدارقطني: "لم يرفعه غير أبي أحمد الزبيريّ عن الثوري، ووقفه الفريابي وغيره عن الثوري، ووقفه أصحاب ابن جريج عنه أيضًا" انتهى.
• عن قيس بن طلق، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "كلوا واشربوا، ولا يُهِيدَنَّكم الساطع المصْعِد، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر".
حسن: رواه أبو داود (٢٣٤٨)، والترمذي (٧٠٥) وصحّحه ابن خزيمة (١٩٣٠) كلهم من طريق ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن النعمان، حدّثني قيس بن طلق، عن أبيه، فذكره.
قال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وقال ابن خزيمة: "الدليل على أنّ الفجر الثاني الذي ذكرناه هو البياض المعترض الذي لونه الحمرة إن صحّ الخبر، فإني لا أعرف عبد الله بن النعمان هذا بعدالة ولا جرح، ولا أعرف له عنه راويًا غير ملازم بن عمرو".
قلت: أما العلة الأولى وهي قوله: لا أعرف عبد الله بن النعمان بعدالة ولا جرح، فقد سبق توثيق ابن معين له، كما وثقه أيضًا العجلي وابن حبان. وفيه ردٌ أيضًا على الحافظ في قوله في "التقريب": "مقبول" فإنه في أقل أحواله "صدوق".
والعلة الثانية: وهو قوله: "لا أعرف له راويًا غير ملازم بن عمرو".
فقد روى عنه أيضًا عمر بن يونس كما ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، والحافظ في "تهذيب التهذيب".
وكذلك روى عنه أيضًا محمد بن جابر. رواه الإمام أحمد (١٦٢٩١) عن موسى، عنه، عن عبد الله بن النعمان، عن قيس بن طلق، عن أبيه، أنّ النبيّ ﷺ قال: "ليس الفجر المستطيل في الأفق، ولكنه المعترض الأحمر".
إلّا أن محمد بن جابر وهو ابن سيار بن طارق الحنفي اليمامي ضعيف، ولكن قال الحافظ: "صدوق". وقال: "ورجّحه أبو حاتم على ابن لهيعة". وقد توبع كما في الأسانيد السابقة.
стр. 2706
وللحديث طريق آخر عن ملازم بن عمرو، قال: ثنا عبد الله بن بدر السحيميّ، قال: حدثني جدّي قيس بن طلق، قال: حدثني أبي أنّ نبي الله ﷺ قال: (فذكر الحديث نحو حديث أبي داود).
رواه الطحاوي في "شرحه" (٢/ ١٠٧) عن أبي أمية، قال: حدثنا أبو نعيم، والخضر بن محمد ابن شجاع كلاهما عن ملازم بن عمرو، بإسناده.
وعبد الله بن بدر السحيمي الحنفي "ثقة" من رجال السنن.
وبمجموع هذه الأسانيد يصح هذا الحديث أو يحسن.
قال الترمذي: "والعمل على هذا عند أهل العلم أنه لا يحرم على الصائم الأكل والشرب حتى يكون الفجر الأحمر المعترض. وبه يقول عامة أهل العلم".
• عن زرّ بن حُبيش، قال: تسحَّرتُ ثم انطلقتُ إلى المسجد، فمررتُ بمنزل حُذيفة بن اليمان فدخلتُ عليه، فأمر بِلقْحَةٍ فحُلبتْ، وبقِدْر فسُخِّنَتْ، ثم قال: ادنُ فكُلْ. فقلتُ: إنّي أريدُ الصَّومَ. فقال: وأنا أريدُ الصّومَ، فأكلنا وشربنا، ثم أتينا المسجد، فأقيمت الصّلاة، ثم قال حذيفة: هكذا فعل بي رسول الله ﷺ . قلت: أبعدَ الصُّبح؟ قال: نعم، هو الصُّبح غير أن تطلع الشَّمس. قال: وبين بيت حذيفة وبين المسجد كما بين مسجد ثابت وبستان حَوْط. وقد قال حمّاد أيضًا: وقال حذيفة: هكذا صنعت مع النبيّ ﷺ ، وصنع بي النبيُّ ﷺ .
حسن: ولكنه مختلف في رفعه ووقفه.
رواه الإمام أحمد (٢٣٣٦١) من طريق حماد بن سلمة -واللفظ له-، والنسائي (٢١٥٢) من طريق سفيان، وابن ماجه (١٦٩٥) من طريق أبي بكر بن عياش، كلّهم عن عاصم بن بهدلة، عن زرّ ابن حبيش، فذكره مختصرًا.
ورواه شعبة، عن عدي بن ثابت، قال: سمعت زر بن حبيش عنه موقوفًا.
قال النسائي -كما في تحفة الأشراف (٣/ ٣٢) -: "لا نعلم أحدًا رفعه غير عاصم، فإن كان رفعه صحيحًا فمعناه: أنه قرب النهار، كقوله تعالى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [سورة البقرة: ٢٣١] معناه: إذا قاربن البلوغ، وكقول القائل: بلغنا المنزل، إذا قاربه" انتهى.
قلت: وهو كما قال، ولكن حكمه الرفع، فإنه ليس للصحابي أن يعين وقت دخول السحور وخروجه، لا سيما وقد جاء مرفوعًا من طريق عاصم بن بهدلة وهو وإن كان دون عدي بن ثابت ولكن لا يمنع من قبول زيادته لما عرف من المحدثين من رفع الحديث في وقت، ووقفه في وقت آخر.
ومن هذه الموقوفات ما رواه أيضا النسائي (٢١٥٤) عن عمرو بن علي، قال: حدّثنا محمد بن فضيل، قال: حدثنا أبو يعفور، قال: حدّثنا إبراهيم، عن صلة بن زفر، قال: تسحّرتُ مع حذيفة،
стр. 2707
ثم خرجنا إلى المسجد، فصلينا ركعتي الفجر، ثم أقيمت الصلاة فصلينا".
ومنها ما رواه أيضًا عبد الرزاق (٧٦٠٦) عن إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن شقيق بن سلمة، قال: انطلقت أنا وزر بن حبيش إلى حذيفة وهو في دار الحارث بن أبي ربيعة، فاستأذنّا عليه، فخرج إلينا، فأتي بلبن فقال: اشربا. فقلنا: إنا نريد الصيام، قال: وأنا أريد الصيام.
فشرب، ثم ناول زرًا فشرب، ثم ناولني فشربتُ، والمؤذّن يؤذّن في المسجد. قال: فلما دخلنا المسجد أقيمت الصلاة وهم يغلّسون".
وقد فهم من هذه الأحاديث بعض أهل العلم أنه تسحّر بعد طلوع الفجر، وهو غير واضح من كلام حذيفة، ولكن بناء على فهمه هذا قالوا: هذا منسوخ لحديث بلال أنه ينادي بليل، وابن أم مكتوم بنادي إذا طلع الفجر.
فإن الطحاوي روى حديث حذيفة في "شرحه" (٢/ ١٠٦) من طريق حماد بن سلمة، عن عاصم، مختصرًا.
وقال: يحتمل أن يكون حديث جذيفة قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [سورة البقرة: ١٨٧] ".
قلت: ليس من الظاهر أن حذيفة تسحّر بعد طلوع الفجر، حتى نحتاج إلى النسخ؛ لأنه كل ما في الأمر أنه تسحّر ثم غدا إلى المسجد، وصلى ركعتين، ثم أقيمت الصّلاة فصلّى الصبح.
فقد يكون حذيفة بالغ في تأخير السحور حتى أخذ المؤذن يؤذن لصلاة الفجر.
وفي الباب أحاديث أخرى سبق تخريجها في كتاب الأذان.
٢٦ - باب الرجل يسمع النداء والإناء في يده
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سمع أحدكم النداء، والإناء في يده فلا بضعه حتى يقضي حاجته منه".
حسن: رواه أبو داود (٢٣٥٠) وعنه الدارقطني (٢١٨٢)، والحاكم (١/ ٤٢٦) كلهم عن عبد الأعلى بن حماد، ثنا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره.
وصحّحه الحاكم على شرط مسلم.
وقال الدارقطني: قال أبو داود: أسنده روح بن عبادة كما قال عبد الأعلى.
قلت: لا يوجد قول أبي داود في نسختنا المطبوعة على رواية اللؤلؤي، وكذلك لم يذكر ابن حجر قول الدارقطني هذا في "إتحاف المهرة" (١٦/ ١٢٠) وإنما نقل عنه قوله: "كلهم ثقات". وهو أيضًا غير موجود في نسختنا المطبوعة للدارقطني.
ونقل ابن القطّان في الوهم والإيهام (٢/ ٢٨٢) عن أبي داود قال: حدّثنا عبد الأعلى بن حماد،
стр. 2708
أظنه عن حماد، بإسناده.
قال ابن القطان: هكذا في رواية ابن الأعرابي عن أبي داود: "أظنه" انتهى.
ولا يوجد هذا القول في نسختنا المطبوعة على رواية اللؤلؤي.
كما أن الدارقطني الذي روى عن محمد بن يحيى بن مرداس، عن أبي داود، عن عبد الأعلى بن حماد، بإسناده لم يذكر فيه قوله: "أظنه".
وكذلك لم يذكره روح بن عبادة، عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ مثله، وزاد فيه: "وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر". رواه عنه الإمام أحمد (١٠٣٠). وهذا إسناد جيد.
وكذلك رواه الثقات الآخرون عن حماد بن سلمة، منهم: غسان بن الربيع أبو محمد الأزدي، روى عنه الإمام أحمد (٩٤٧٤)، والحاكم (١/ ٢٠٣) وغسان بن الربيع من ثقات شيوخ أحمد.
ومنهم عبد الواحد بن غياث ومن طريقه رواه أيضًا الحاكم.
كلّ هؤلاء أعني عبد الأعلى بن حماد، وروح بن عبادة، وغسان بن الربيع، وعبد الواحد بن غياث لم يقل أحدٌ منهم: "أظنه" هكذا بالشك إلا عبد الأعلى في رواية ابن الأعرابي.
واليقين يقضي على الشك كما يقال، فهذه الأسانيد كلّها متصلة صحيحة.
ولكن سأل ابن أبي حاتم أباه كما في "العلل" (١/ ١٢٣ - ١٢٤) عن حديث روح بن عبادة، عن حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، فذكر الحديث.
وقال: وروي روح أيضًا عن حماد، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وزاد فيه: "كان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر".
فقال أبو حاتم: "هذان الحديثان ليسا بصحيحين. أما حديث عمار فعن أبي هريرة موقوف، وعمار ثقة. والحديث الآخر ليس بصحيح" انتهي.
كذا قال أبو حاتم وهو إمام في الجرح والتعديل، ولكنه لم يبين سبب عدم صحة حديث أبي هريرة، ولا سبب وقفه.
وحماد بن سلمة بن دينار البصري أحد الأئمة الثقات إلا أنه لما كبر ساء حفظه، ولذا تركهـ البخاري، وأما مسلم فاجتهد وأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره.
فلعلّ أبا حاتم لم يعتمد على رواية حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو فضعّفه.
وحماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة فوقفه.
ولم أجد من سبقه فضعف حماد بن سلمة في محمد بن عمرو، وإنما تكلّم الناس في حماد بن سلمة عن قيس بن سعد لأنه ضاع كتاب حماد بن سلمة عنه فكان يحدث من حفظه ويخطئ.
وأورد ابن عدي في الكامل (٢/ ٦٧٠ - ٦٧١) عدة أحاديث مما ينفرد به حماد متنًا أو إسنادًا،
стр. 2709
وليس منها الحديث المذكور.
وقال: "وله أحاديث كثيرة، وأصناف كثيرة، ومشايخ كثيرة، وهو من أئمة المسلمين كما قال علي بن المديني".
وعمار بن أبي عمار متابع قوي لمحمد بن عمرو.
ولحماد شيخ آخر وهو يونس، عن الحسن، عن النبي ﷺ ، فذكر مثله.
رواه الإمام أحمد (٩٤٧٤) مع رواية شيخه غسان كما سبق.
وهذا مرسل قوي يقوي الموصول.
والخلاصة أن الحديث صحيح أو حسن في أقل تقدير لكثرة طرقه واختلاف مخارجه، فلا وجه لتضعيفه، وبالله التوفيق.
وفي الحديث دليل على أن من سمع الأذان والإناء في يده فلا يضعه حتى يقضي منه حاجته، وفيه رد على من زعم أن هذا الأذان المقصود منه أذان بلال الأول الذي كان يؤذن قبل طلوع الفجر.
قال الحافظ ابن القيم في "تهذيب السنن" (٣/ ٢٣٣): "وقد اختلف في هذه المسألة، فروي إسحاق بن راهويه، عن وكيع أنه سمع الأعمش يقول: لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت. ثم ذكر إسحاق عن أبي بكر وعلي وحذيفة نحو هذا. ثم قال: وهؤلاء لم يروا فرقًا بين الأكل وبين الصلاة المكتوبة. هذا آخر كلام إسحاق" انتهى.
قلت: والجمهور على أن طلوع الفجر يحرم الطعام والشراب؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [سورة البقرة: ١٨٧]، ولكن يستثني منه هذا الجزء من الأكل والشرب الذي جاء في حديث الباب حتى لا يتضارب الكتاب والسنة.
٢٧ - باب استحباب تعجيل الإفطار
• عن سهل بن سعد الساعديّ، أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الناسُ بخير ما عجَّلوا الفطر".
متفق عليه: رواه مالك في الصيام (٦) عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد، فذكره.
ورواه البخاري في الصوم (١٩٥٧) عن عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، به، مثله. ورواه مسلم (١٠٩٨) من حديث يعقوب وسفيان كلاهما عن أبي حازم به، مثله.
• عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم".
قال: وكان النبيّ ﷺ إذا كان صائمًا أمر رجلًا، فأوفي على شيء، فإذا قال: غابت الشمس أفطر.
стр. 2710
صحيح: رواه ابن خزيمة (٢٠٦١) وعنه ابن حبان (٣٥١٠)، والحاكم (١/ ٤٣٤) كلّهم من حديث محمد بن أبي صفوان الثقفي، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا سفيان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، فذكره.
قال ابن خزيمة: هكذا حدثنا به ابن أبي صفوان، وأهاب أن يكون الكلام الأخير عن غير سهل ابن سعد، لعله من كلام الثوري أو من قول أبي حازم، فأدرج في الحديث.
وأخطا الهيثميّ في "الموارد" (٨٩١) فحذف هذا الكلام، وهو ثابت في صحيح ابن حبان إلا أن ابن حبان لم يقل من ابن خزيمة هذا التعليق، كما أنّ الحاكم لم يبد مثل هذا الشك.
والأصل أنه جزء من الحديث قاله سهل بن سعد.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه السياقة، إنما أخرجا بهذا الإسناد للثوري: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" فقط.
قلت: محمد بن أبي صفوان وهو محمد بن عثمان بن أبي صفوان ليس من رجال أحدهما، وإنما أخرج له أصحاب السنن وهو ثقة.
وحديث الثوري في صحيح مسلم كما سبق بدون هذه الزيادة.
• عن أبي عطية، قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة ﵂. فقال لها مسروق: رجلان من أصحاب محمد ﷺ كلاهما لا يألو عن الخير. أحدهما يعجِّل المغرب والإفطار، والآخر يؤخِّر المغرب والإفطار. فقالت: مَنْ يعجِّل المغرب والإفطار؟ قال: عبد الله، فقالت: هكذا كان رسولُ الله ﷺ يصنع.
صحيح: رواه مسلم في الصيام (١٠٩٩) من طريق عُمارة بن عُمير، عن أبي عطية (هو الوادعي مختلف في اسمه)، به، فذكره.
وعبد الله هو ابن مسعود كما جاء التصريح به في رواية الترمذي (٧٠٢).
• عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "لا يزال الدين ظاهرًا ما عجّل الناسُ الفطر؛ لأنّ اليهود والنصارى يؤخّرون".
حسن: رواه أبو داود (٢٣٥٣)، وابن ماجه (١٦٩٨) كلاهما من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو وهو حسن الحديث.
ومن طريقه رواه الإمام أحمد (٩٨١٠) وصحّحه ابن خزيمة (٢٠٦٠)، وابن حبان (٣٥٠٣)، والحاكم (١/ ٤٣١). وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
وأما ما رُوي عن أبي ذر، أنّ النبيّ ﷺ قال لبلال: "أنت يا بلال تؤذن إذا كان الصبح ساطعًا في السماء، فليس ذلك بالصبح، إنما الصبح هكذا معترضًا". ثم دعا بسحوره فتسحّر وكان يقول: "ولا تزال أمّتي بخير ما أخّروا السّحور وعجّلوا الفطر" فهو ضعيف.
стр. 2711
رواه الإمام أحمد (٢١٥٠٧) مطولًا ومختصرًا (٢١٣١٢) وفي الموضعين عن موسى بن داود، حدّثنا ابن لهيعة، عن سالم بن غيلان، عن سليمان بن أبي عثمان، عن عدي بن حاتم الحمصي، عن أبي ذر، فذكره. وابن لهيعة فيه كلام معروف أنه سيء الحفظ.
ورواه أيضا أحمد (٢١٥٠٣) من وجه آخر عن رشدين بن سعد، عن سالم بن غيلان به نحوه. ورشيد بن سعد ضعيف باتفاق أهل العلم.
وسليمان بن أبي عثمان وهو التجيبي، وشيخه عدي بن حاتم الحمصي مجهولان.
قال الحسيني كما في "التعجيل" (٧٣٤): "عدي بن حاتم أو حاتم بن عدي هكذا وقع بالشك حمصي مجهول، حدّث عن أبي ذر وعنه سليمان بن أبي عثمان".
وفي الباب ما رُوي أيضًا عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: أحبُّ عبادي إليَّ أعجلُهم فطرًا".
رواه الترمذي (٧٠٠)، والإمام أحمد (٨٣٦٠) وصحّحه ابن خزيمة (٢٠٦٢)، وابن حبان (٣٥٠٧) كلّهم من حديث الأوزاعي، حدّثنا قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. قال الترمذي: "حسن غريب".
قلت: هو غريب فقط دون الحسن؛ فإنّ قرّة بن عبد الرحمن وإن كان من رجال مسلم فإنه ضعيف باتفاق أهل العلم ولم أجد له من تابعه، وأما مسلمٌ فرواه مقرونًا بغيره.
وفي بعض طرق الحديث الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي وهو مدلس وقد عنعن إلا أنه توبع؛ ولذا قال الترمذي عقب تخريج الحديث من طريقه: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا أبو عاصم وأبو المغيرة، عن الأوزاعي بهذا الإسناد بنحوه.
٢٨ - باب متى يحل فطر الصائم ؟
• عن عبد الله بن أبي أوفي، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر وهو صائم، فلما غابت الشّمس قال لبعض القوم: يا فلان، قمْ فاجدح لنا، فقال: يا رسول الله! لو أمسيتَ. قال: انزل فاجدَح لنا. قال: يا رسول الله! فلو أمسيتَ. قال: انزل فاجدَح لنا. قال: إنّ عليك نهارًا، قال: انزل فاجدح لنا. فنزل فجدحَ لهم فشرب النبيُّ ﷺ ثم قال: إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا فقد أفطر الصّائم.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٥٥)، ومسلم في الصيام (١١٠١) كلاهما من طريق أبي إسحاق سليمان الشيبانيّ، عن عبد الله بن أبي أوفي، به. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
قوله: "فاجدح لنا" الجَدْح: أن يُحَرّك السَّويقُ بالماء ويُخَوّض حتى يسْتَوي. وكذلك اللَّبَن ونَحْوه والمِجْدَح: عُود مُجَنَّح الرأس تُساط به الأشْرِبة وربَّما يكون له ثلاث شُعَب. النهاية (١/ ٧٠٠).
стр. 2712
واسم الصحابي المبهم هو بلال كما جاء في بعض الروايات.
• عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله: "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم".
متفق عليه: رواه البخاري في الصوم (١٩٥٤)، ومسلم في الصيام (١١٠٠) كلاهما من طريق هشام بن عروة، قال: سمعت أبي يقول: سمعت عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه ﵁، فذكره. واللفظ للبخاري.
وقوله: "فقد أفطر الصائم" معناه: أنه قد صار في حكم المفطر وإن لم يأكل. وقيل: معناه أنه قد دخل في وقت الفطر، وحان له أن يُفطر.
٢٩ - باب ما يستحب أن يُفطر عليه
• عن سلمان بن عامر الضّبيّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان أحدكم صائمًا فليفطر على التّمر، فإن لم يجد التّمر فعلى الماء، فإنّ الماء طهور".
حسن: رواه أبو داود (٢٣٥٥)، والترمذي (٦٩٥)، وابن ماجه (١٦٩٩)، وأحمد (١٦٢٢٨)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٠٦٧)، والحاكم (١/ ٤٣١ - ٤٣٢) كلّهم من طرق، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن عمّها سلمان بن عامر، فذكره.
قال الترمذي: "حسن" وفي نسخة "حسن صحيح". وقال: زاد ابن عيينة (يعني عن عاصم): "فإنه بركة" بعد قوله: "فليفطر على التمر".
قال النسائي في "الكبرى" (٣٣٠٦): "هذا الحرف "بركة" لا نعلم أن أحدًا ذكره غير ابن عيينة، ولا أحسبه محفوظًا".
كذا قال! وقد زاده أيضًا محمد بن فضيل، عن عاصم عند ابن خزيمة.
ولم يذكرها ابن ماجه فإنه رواه أيضًا من طريق محمد بن فضيل.
وإسناده حسن من أجل الرَّباب -بفتح أولها- بنت صُليع الضّبيّة البصريّة. وقد صحّح حديثها أبو حاتم فيما نقل عنه ابنه عبد الرحمن في "العلل" (١/ ٢٣٧) قال: سألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة، عن عاصم، عن حفصة بنت سيرين: أنّ الرباب. فذكرت حديث سلمان أنّ النبي ﷺ قال: "إذا صام أحدكم فليفطر على التمر، فإن لم يجد فليفطر على الماء فإنه طهور". قال أبي: وروى هذا الحديث هشام بن حسان وغير واحد عن حفصة، عن الرباب، عن سلمان، عن النبي ﷺ . قلت لأبي: أيّهما أصح؟ قال: جميعًا صحيحين، فقصر به حماد، وقد روي عن عاصم أيضًا نحوه" انتهى.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط البخاريّ".
стр. 2713
والحديث أُعلّ بالوقف ولكن الصواب أنه موصول كما أُعلّ بالاضطراب الوقوع خطأ في الإسناد، ولكن الصواب أنه لا اضطراب فيه، فإنّ من رواه من وجه صحيح لا يضرّ من رواه بوجه ضعيف مضطرب كما قال البيهقي (٤/ ٢٣٩) بعد أن رواه من طريق يونس بن حبيب، عن أبي داود الطيالسيّ وهو في "مسنده" (١٢٧٨) عن شعبة، عن عاصم، قال: سمعت حفصة بنت سيرين، تحدّث عن الرباب، عن سلمان بن عامر، أنّ النبيّ ﷺ قال فذكره.
قال البيهقي: "هكذا وجدته في "المسند" قد أقام إسناده أبو داود. وقد رواه محمود بن غيلان، عن أبي داود دون ذكر الرباب. ورُوي عن روح بن عبادة عن شعبة موصولًا. ورواه سعد ابن عامر عن شعبة فغلط في إسناده". ثم ساقه من طريقه عن شعبة، عن عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "من وجد تمرًا فليفطر عليه، ومن لا فليفطر على الماء فإنه طهور".
قال البخاري فيما روى عنه أبو عيسى: حديث سعيد بن عامر وهم، يهم سعيد، والصحيح حديث عاصم عن حفصة بنت سيرين. انتهى.
قلت: حديث سعيد بن عامر، عن شعبة. رواه الترمذي (٦٩٠٤)، وابن خزيمة (٢٠٦٦)، والنسائي في الكبرى (٣٣١٧).
قال الترمذي: حديث أنس لا نعلم أحدًا رواه عن شعبة، مثل هذا غير سعيد بن عامر، وهو حديث غير محفوظ، ولا نعلم له أصلًا من حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس. ثم ذكر ما هو الصحيح من حديث شعبة.
وقال ابن خزيمة: هذا لم يروه عن سعيد بن عامر عن شعبة إلا هذا.
قلت: إذا لا يصلح أن يكون حديث أنس هذا شاهدًا لحديث سلمان الضبيّ؛ لأنّ الشاهد هو المشهود نفسه وإنما وقع فيه خطأ من سعيد بن عامر كما قال البخاريّ وغيره.
وقال الحاكم: وله شاهد صحيح على شرط مسلم فذكر حديث أنس بن مالك الآتي.
ولا يُعلُّ بأنّ هذا أمر، والذي يأتي بعده فعل؛ لاختلاف المخرجين، بل إنّ الأمر يؤكّد الفعل.
والرّباب بنت صليع الضبية هذه اكتسبت الثقة بكلام الأئمة في هذا الحديث ولعلّ ذلك لوجود شواهد وإلّا فهي مستورة كما قال ابن الملقن في "البدر المنير" (٥/ ٦٩٧) مع تصحيح حديثها؛ لأنّه لم يرو عنها إلا حفصة بنت سيرين، ولم يوثقها إلا ابن حبان؛ ولذا قال فيها الحافظ: "مقبولة" أي إذا توبعت، ولم أجد لها متابعًا.
• عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يُصلي، فإن لم تكن رطبات فعلي تمرات، فإن لم تكن حسا حسوات من ماء.
صحيح: رواه أبو داود (٢٣٥٦) وعنه الدارقطني (٢٢٧٨) عن الإمام أحمد وهو في مسنده (١٢٦٧٦)،
стр. 2714
والترمذي (٦٩٦) والدارقطني (٢٢٧٧)، والبيهقي (٤/ ٢٣٩) من أوجه آخر أيضًا - كلّهم من حديث عبد الرزاق، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا ثابت البناني، أنه سمع أنس بن مالك، فذكره.
قال الترمذي: "حسن غريب".
وقال الدارقطني: هذا إسناد صحيح.
وقال الحاكم (١/ ٤٣٢): "صحيح على شرط مسلم، وقد سبقت الإشارة إليه بأنه شاهد صحيح لحديث سلمان بن عامر".
وقد روي أيضا عن أنس أن النبي ﷺ كان يبدأ إذا أفطر بالتمر، إلا أنه مرسل. رواه النسائي في الكبرى (٣٣٠٤) عن موسى بن حزام الترمذي، قال: أخبرنا يحبي -وهو ابن آدم-، قال: حدثنا يزيد بن عبد العزيز، عن رقبة، عن بريد بن أبي مريم، عن أنس، فذكره.
قال النسائي: "هذا الحديث رواه شعبة، عن بريد، عن النبي ﷺ مرسلا، وشعبة أحفظ ممن روى هذا الحديث".
قلت: هذا المرسل يقوي ما سبق، وقد خالف الدارقطني فقال: "يشبه أن يكون رقبة حفظه". العلل (١٢/ ١٩).
٣٠ - باب استحباب الإفطار قبل أداء صلاة المغرب
• عن أنس، قال: ما رأيت رسول الله ﷺ قط صلى صلاة المغرب حتى يُفطر، ولو على شَرْبة من ماء.
صحيح: رواه أبو يعلى (٣٧٩٢) وعنه ابن حبان (٣٥٠٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن حُميد، عن أنس، فذكره.
وإسناده صحيح. وحسين بن علي هو ابن الوليد الجعفي الكوفي ثقة من رجال الصحيح.
ورواه ابن خزيمة (٢٠٦٥) من وجهين عن محمد بن محرز، عن حسين بن علي بإسناده، وعن زكريا بن يحيى بن أبان، حدّثنا مسكين بن عبد الرحمن التميمي، حدثني يحيى بن أيوب، عن حميد الطويل، عن أنس، ولكن بلفظ: "كان رسول الله ﷺ إذا كان صائمًا لم يصل حتى نأتيه برطب وماء، فيأكل ويشرب إذا كان الرطب، وأمّا في الشتاء لم يصل حتى تأتيه بتمر وماء".
ومن الطريق الثاني رواه أيضًا الطبراني في "الأوسط".
وقال: لم يروه عن حميد إلّا يحيي، ولا عنه إلا مسكين، تفرّد به زكريا".
وقال الهيثميّ في "مجمع الزوائد" (٣/ ١٥٦): "رواه الطبراني في الأوسط. وفيه من لم أعرفه".
стр. 2715
ثم رواه ابن خزيمة (٢٠٦٣) من طريقين آخرين: شعيب بن إسحاق والقاسم بن غصن - كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، فذكره مثل اللفظ الأول.
والقاسم بن غصن ضعيف باتفاق أهل العلم.
قال ابن حبان في "المجروحين" (٨٧٥): "كان ممن يروي المناكير عن المشاهير، ويقلب الأسانيد حتى يرفع المراسيل، ويسند الموقوف، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، فأما فيما وافق الثقات فإن اعتبر معتبر لم أر بذلك بأسًا".
قلت: وقد وافقه شعيب بن إسحاق وهو ابن عبد الرحمن الأموي الدمشقي وهو ثقة من رجال الصحيح.
ورواه الحاكم (١/ ٤٣١) عن ابن خزيمة من طريق شعيب بن إسحاق بإسناده مثله.
ورواه البزار - كشف الأستار (٩٨٤) من وجه آخر عن القاسم بن غصن بإسناده مثله، وقال: "لا نعلمه بهذا اللفظ إلّا بهذا الإسناد، القاسم لين الحديث، وإنما نكتب من حديثه ما لا نحفظه من غيره" انتهى.
فالظاهر من كلامه أنه لم يقف على رواية شعيب بن إسحاق، وإلا لما كتب من حديث القاسم ابن غصن.
٣١ - باب في فضل من أفطر صائمًا
• عن زيد بن خالد الجهنيّ قال: قال رسول الله ﷺ : "من فطَّر صائمًا كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا".
صحيح: رواه الترمذي (٨٠٧)، وابن ماجه (١٧٤٦) وصححه ابن خزيمة (٢٠٦٤)، وابن حبان (٣٤٢٩) كلّهم من حديث عبد الملك بن أبي سليمان، قال: حدثني عطاء بن أبي رباح، عن زيد بن خالد الجهني، فذكره.
ورواه الإمام أحمد (١٧٠٣٣) من هذا الوجه وزاد هو وابن خزيمة: "ومن جهّز غازيًا في سبيل الله، أو خلفه في أهله كتب له مثل أجره إلا أنه لا ينقص من أجر الغازي شيء".
قال الترمذي: حسن صحيح.
وأخرجه أيضًا البغوي في "شرح السنة" (١٨١٨) من جهة الترمذي، ونقل حكمه بأنه حسن صحيح.
وذكره المنذري في "الترغيب والترهيب" (١٦٥٨) مقرًا بتصحيح الترمذي وإخراج ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما".
لكن نقل العلائيّ في "جامع التحصيل" (٥٢٠) قول علي بن المديني بأن عطاء بن أبي رباح لم
стр. 2716
يسمع من زيد بن خالد الجهنيّ.
وانفرد علي بن المديني بهذا الحكم، فلعلّ هؤلاء الذين سبق ذكرهم وتخريجهم لهذا الحديث لم يأخذوا بكلام علي بن المديني لشهرة هذا الحديث.
وقد رُوي موقوفًا أيضًا. رواه النسائي في الكبرى (٣٣٣٢) من طريق حسين (هو المعلم) عن عطاء، عن عائشة، قالت: "من فطّر صائمًا كان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجر الصّائم شيئًا".
ورواه عبد الرزاق (٧٩٠٦) عن ابن جريج، عن صالح مولي التوأمة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: "من فطّر صائمًا أطعمه وسقاه، كان له مثل أجره". فالظاهر من هذه الآثار أن الحديث له أصل وإلا فإنه لا يقال بالأجر وعدمه من الرأي.
وفي الباب أيضًا ما روي عن سلمان الفارسي في حديث طويل، وجاء فيه: "من فطّر صائمًا كان مغفرة لذنوبه" رواه ابن خزيمة (١٨٨٧) وفيه علي بن زيد بن جدعان ضعيف.
وبمجموع هذه الأحاديث والآثار لعل هؤلاء الذين سبق ذكرهم صحّحوا حديث زيد بن خالد الجهني. والله تعالى أعلم.
٣٢ - باب ما يقوله عند الإفطار
• عن مروان -يعني ابن سالم المقَفَّع- قال: رأيت ابن عمر يقبض على لحيته فيقطع ما زاد على الكف، وقال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر قال: "ذهب الظّمأُ وابتلّت العروقُ، وثبت الأجر إن شاء الله".
حسن: رواه أبو داود (٢٣٥٧)، والنسائي في "الكبري" (٣٣١٥) كلاهما من حديث علي بن حسن، أخبرنا الحسين بن واقد، أخبرنا مروان المقَفَّع فذكره.
ورواه الدارقطني (٢٢٧٩)، والحاكم (١/ ٤٢٢)، والبيهقي (٤/ ٢٣٩) كلّهم من هذا الوجه.
وعلي بن حسن هو ابن شفيق أبو عبد الرحمن المروزيّ من رجال الجماعة.
قال الدارقطني: تفرد به الحسين بن واقد، وإسناده حسن.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين فقد احتجا بالحسين بن واقد، ومروان بن المقَفَّع".
ولكن قال الذهبي: على شرط البخاريّ واحتج البخاري بمروان وابن المقَفَّع وهو ابن سالم".
وهذا يشعر بأن بعض النساخ أخطأوا في نقل قول الحاكم فإن الصّحيح هو ملخص ما نقله الذهبي ثم إنّ في قول الحاكم والذهبي وهمًا أيضًا؛ فإن مروان بن المقفع لم يخرج له البخاري، وإنما أخرج له أبو داود والنسائي. ووثقه ابن حبان وروى عنه عدد. وسبق قول الدارقطني أنه حسن إسناده فهو لا ينزل عن درجة "صدوق".
والحسين بن واقد هو أبو عبد الله القاضي المروزيّ، وثّقه ابن معين وغيره وهو حسن الحديث
стр. 2717
من رجال الصحيح.
وأما ما رُوي عن معاذ بن زهرة أنه بلغه أن النبي ﷺ كان إذا أفطر، قال: "اللَّهم! لك صمتُ وعلى رزقك أفطرت" فهو مرسل.
رواه أبو داود (٢٣٥٨) وعنه البيهقي (٤/ ٢٣٩) عن مسدد، حدّثنا هشيم، عن حصين، عن معاذ ابن زهرة، فذكره. وأعله المنذريّ بالإرسال؛ لأنّ معاذ بن زهرة تابعي، ثم لم يرو عنه غير حصين، ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول" أي عند المتابعة وإلا فلين الحديث.
ورواه ابن السني (٤٧٩) من طريق سفيان، عن حصين بن عبد الرحمن، عن رجل، عن معاذ بن زهرة، بلفظ: "الحمد لله الذي أعاننيِ فصمت، ورزقني فأفطرت". فأدخل رجلًا بين حصين ومعاذ وهو لم يسم.
وكذلك لا يصح ما روي عن أنس، أنّ النبي ﷺ كان إذا أفطر قال: "بسم الله، اللهم! لك صمتُ، وعلى رزقك أفطرت، تقبّل مني إنك أنت السميع العليم".
رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وكتاب الدعاء (٩١٨)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢١٧) من طريق إسماعيل بن عمرو البجليّ، ثنا داود بن الزبرقان، عن شعبة، عن ثابت، عن أنس، فذكره.
وإسناده ضعيف جدًّا؛ فإن داود بن الزبرقان متروك كما قال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٢٠٢).
وأورده الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٥٦) وأعلّه بداود بن الزبرقان، فقال: "ضعيف".
قلت: وفيه إسماعيل بن عمرو الراوي عنه. قال الطبراني: تفرّد به إسماعيل بن عمرو البجلي.
وقال العقيلي في "الضعفاء" (٩٩): "في حديثه مناكير، ويُحيل على من لا يحتمل". وضعّفه أبو حاتم والدارقطني وغيرهما وهو من رجال "التهذيب" (١/ ٣٢٠) وسقطت ترجمته في بعض نسخ "التقريب" فتنبه.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر يقول: "اللهم! لك صمتُ، وعلى رزقك أفطرت، فتقبّل منا إنّك أنت السميع العليم". رواه الدارقطني (٢٢٨٠).
ورواه الطبراني في "الكبير" (١٢/ ١٤٦)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٤٨٠) كلهم من حديث عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده ضعيف جدًّا؛ فإنّ عبد الملك بن هارون قال فيه الذهبي: "تركوه" ونقل عن السعدي أنه دجال.
وهارون بن عنترة ذكره ابن حبان في المجروحين (١١٦١) وقال: وهو الذي يقال له: هارون ابن أبي وكيع. وقال: "منكر الحديث جدًّا، يروي المناكير الكثيرة حتى يسبق إلى قلب المستمع لها أنه المتعمد لذلك من كثرة ما يروي ما لا أصل له، لا يجوز الاحتجاج به بحال" انتهى.
ثم غفل عنه فأورده في "الثقات" (٧/ ٥٧٨) في ترجمة هارون بن أبي وكيع، وقال: "روى عنه
стр. 2718
عيسي بن يونس".
وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٥٦): وفيه عبد الملك بن هارون وهو ضعيف.
وهذا تقصير منه؛ فإن فيه هارون بن عنترة ضعيف جدًّا.
وقد قال فيه الدارقطني كما في "الضعفاء والمتروكين" (٣٦٢): "متروك".
٣٣ - باب ما يقول من أفطر عند قوم
• عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر عند قوم دعا لهم، فقال: "أفطر عندكم الصّائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة".
حسن: رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٤٨٢)، والطبراني في الدّعاء (٩٢٥) كلاهما من حديث عمران القطان، عن قتادة، عن أنس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في عمران القطان وهو ابن داور -بالواو- فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وصححه العراقي في "تخريج الأحياء" (٢/ ١٣). ولحديث أنس طرق أخرى تقويه.
منها: ما رواه الإمام أحمد (١٢١٧٧, ١٣٠٨٦)، وأبو يعلى (٧/ ٢٩١ - ٢٩٢)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٠٠)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (ص ٢٦٨)، والطبراني في الدعاء (٩٢٢)، والبيهقي (٤/ ٢٣٩) كلّهم من طرق عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أنس بن مالك، نحوه.
قال البيهقي: "هذا مرسل، لم يسمعه يحيي عن أنس، إنما سمعه عن رجل من أهل البصرة يقال له عمرو بن زينب، ويقال: ابن زُبَيْب، عن أنس".
وقال ابن حبان: "كان يحيي يدلس، فكل ما روي عن أنس فقد دلّس عنه، ولم يسمع من أنس ولا من صحابي".
ومنها: ما رواه معمر، عن ثابت، عن أنس، أنّ النبيّ ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة، فجاء بخبز وزيت، فأكل ثم قال النبي ﷺ : "أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة".
رواه أبو داود (٣٨٥٤)، وأحمد (١٢٤٠٦)، والبيهقي (٤/ ٢٤٠)، والطبراني في الدعاء (٩٢٤) كلّهم من طريق عبد الرزاق - وهو في مصنفه (٤/ ٣١١). عن معمر، به.
صحّح النووي إسناده في "الأذكار"، وتعقبه ابن حجر بأن معمرًا في روايته عن ثابت مقدوح فيها. وقال: "ولو وصف الشيخ المتن بالصّحة لكان أولى؛ لأن له طرقًا يقوي بعضها بعضًا" الفتوحات الربانية (٤/ ٤٣٤).
وأما ما روي عن عبد الله بن الزبير، قال: أفطر رسول الله ﷺ عند سعد بن معاذ، فقال: "أفطر
стр. 2719
عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة" فإسناده ضعيف.
رواه ابن ماجه (١٧٤٧)، وابن حبان (٥٢٩٦) كلاهما من حديث هشام بن عمار، قال: حدثنا سعيد بن يحيى اللخمي، قال: حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن مصعب بن ثابت، عن عبد الله ابن الزبير، فذكره.
ومصعب بن ثابت هو ابن عبد الله بن الزبير ضعيف باتفاق أهل العلم. وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٤٧٨) وقال: قد أدخلته في "الضعفاء" وهو ممن أستخير الله تعالى فيه.
وقال في "المجروحين": "منكر الحديث ممن ينفرد بالمناكير عن المشاهير، فلما كثر ذلك منه استحق مجانبة حديثه".
قلت: وهذا مما وهم فيه مصعب بن ثابت فإنّ المشهور أنه من حديث أنس كما سبق، فجعله من حديث عبد الله بن الزبير.
٣٤ - باب الترهيب من الإفطار قبل غروب الشمس
• عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم أتاني رجلان، فأخذا بضَبْعي، فأتيا بي جبلًا وَعْرًا، فقالا: اصعد. فقلت: إني لا أطيقه. فقالا: إنا سنسهله لك، فصعدتُ حتى إذا كنتُ في سواء الجبل إذا بأصوات شديدة. قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عُواء أهل النار، ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم مشقّقة أشداقهم تسيل أشداقهم دمًا. قال: قلت: من هؤلاء؟ قالا: الذين يفطرون قبل تحلّة صومهم" الحديث.
صحيح: رواه ابن خزيمة (١٩٨٦) وعنه ابن حبان (٧٤٩١)، والحاكم (١/ ٤٣٠)، وعنه البيهقي (٤/ ٢١٦) كلّهم من حديث بشر بن بكر، حدثني ابن جابر، حدثني سليم بن عامر، حدثني أبو أمامة الباهلي، فذكر الحديث في سياق أطول وهو مذكور في موضعه. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
قلت: وهو كما قال، وابن جابر هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. وله طرق أخرى عن عبد الرحمن بن جابر.
٣٥ - باب ما جاء أن للصّائم دعوة لا تُرد
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يُفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتُفتح لها أبواب السماء. ويقول: بعزّتي لأنصرنَّك ولو بعد حين".
стр. 2720
حسن: رواه ابن ماجه (١٧٥٢)، والترمذي (٣٥٩٨)، وأحمد (١٠١٨٣). وصحّحه ابن خزيمة (١٩٠١)، وابن حبان (٣٤٢٨).
كلّهم من حديث سعدان الجهني، عن سعد أبي مجاهد الطائيّ -وكان ثقة-، عن أبي مدلة - وكان ثقة-، عن أبي هريرة، فذكره. وقوله: "ثقة" من كلام ابن ماجه.
وأبو مدلة ليس له حديث غير هذا. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن. وسعدان الجهني: هو سعدان بن بشر، قد روى عنه عيسي بن يونس، وأبو عاصم وغير واحد من كبار أهل الحديث.
وأبو مجاهد هو سعد الطائيّ.
وأبو مدلّة هو مولى أمّ المؤمنين عائشة. وإنما نعرفه بهذا الحديث. ويروى عنه هذا الحديث أطول من هذا" انتهى.
وقد حسّنه أيضًا ابن حجر في "أمالي الأذكار" نقل عنه ابن علّان في "شرح الأذكار" (٤/ ٣٣٨).
وأمّا قول ابن المديني: "أبو مدلّة مولي عائشة لا يعرف اسمه، مجهول". فالرجل اشتهر بكنيته، وعدم العلم باسمه لا يجعله مجهولًا، وقد عرفه ابن ماجه فوثّقه وسماه غيره عبيدالله بن عبد الله.
فمثله إذا روى حديثًا وليس فيه ما ينكر عليه، وله شواهد، فبحسن حديثه. وقد صحّحه ابن خزيمة وابن حبان، وحسّنه الترمذي وابن حجر كما مضى.
وقد جاء الحديث عن أبي هريرة من وجه آخر بإسناد حسن بلفظ: "ثلاث دعوات مستجابة لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة الوالد، ودعوة المسافر".
رواه أبو داود (١٥٣٦)، والترمذي (١٩٠٥، ٣٤٤٨)، والطبراني في الدعاء (١٣١٤)، وأحمد (٧٥١٠)، وابن حبان (٢٦٩٩) كلهم من طرق، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي جعفر المؤذن، أنه سمع أبا هريرة يقول (فذكر الحديث).
وأبو جعفر المؤذن لم يرو عنه غير يحيى بن أبي كثير، وقد قال الحافظ في " التقريب": "مقبول" أي عند المتابعة، وقد توبع في بعض فقرات الحديث.
وأما ما رواه البزار -كشف الأستار (٣١٣٩) - من طريق إبراهيم بن خُثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة، عن النبيّ: "ثلاث حقٌّ على الله أن لا يردّ لهم دعوة: الصّائم حتى يُفطر، والمظلوم حتى ينتصر، والمسافر حتى يرجع".
فلا تقبل متابعته فإن إبراهيم بن خُثيم بن عراك متروك الحديث.
وسيأتي مزيد من التحقيق في كتاب الدعوات.
• عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث دعوات لا تردّ، دعوة الوالد، ودعوة الصّائم، ودعوة المسافر".
حسن: رواه البيهقي (٣/ ٣٤٥)، والضياء في المختارة (٢٠٥٧) كلاهما من طريق أبي العباس
стр. 2721
محمد بن يعقوب، حدّثنا إبراهيم بن بكر المروزي، حدثنا السهمي عبد الله بن بكر، حدثنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك، فذكره.
وإسناده حسن من أجل إبراهيم بن بكر المروزي فإنه حسن الحديث.
يقول ابن الجوزيّ: "إبراهيم بن بكر ستة، لا نعلم فيهم ضعيفًا سوى هذا" يعني الشيباني. ذكره الحافظ في "اللسان" في ترجمة إبراهيم بن بكر الشيباني، وذكر منهم إبراهيم بن بكر السهمي يعني أنه ليس من الضعفاء.
وفي الباب ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله: "إنّ للصّائم عند فطره لدعوةٌ ما تُردّ".
رواه ابن ماجه (١٧٥٣) عن هشام بن عمار، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا إسحاق ابن عبد الله المدني، قال: سمعت عبد الله بن أبي مليكة، يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكره.
ورواه ابن السني (٤٧٥)، والحاكم (١/ ٤٢٢) وعنه البيهقي في فضائل الأوقات (١٤٢) كلّهم من طريق الحكم بن موسي، حدّثنا الوليد بن مسلم، بإسناده. وزادوا: وسمعت عبد الله يقول عند فطره: "اللهم! إني أسألك رحمتك التي وسعت كلَّ شيء أن تغفر لي ذنوبي".
وفيه إسحاق بن عبيدالله وهو ابن أبي مليكة القرشيّ التيميّ المدني، ويقال: المكيّ، روى عن أخيه عبد الله بن أبي مليكة. وقد نقل محقق كتاب "تهذيب الكمال" أنه وجد في حواشي النسخ من قول المؤلف: "أظنه أخاه".
قلت: هذا هو الظاهر، ومن قال: إنه إسحاق بن عبيدالله بن أبي المهاجر المخزومي مولاهم أخو إسماعيل بن عبيدالله فقد وهم.
وقد روى عنه جمع ولكن لم يوثقه إلا ابن حبان، فهو في درجة مقبول، ويحتاج إلى المتابعة، وأما البوصيري فصححه.
٣٦ - باب ما روي في استغفار الملائكة للصائم إذا أُكل عنده حتى يفرغوا
رُوي عن أمّ عمارة بنت كعب الأنصارية، أن النبي ﷺ دخل عليها، فقدمت إليه طعامًا، فقال: "كلي". فقالت: إني صائمة. فقال رسول الله ﷺ : "إنّ الصّائم تصلي عليه الملائكة إذا أُكل عنده حتى يفرغوا". وربما قال: "حتى يشبعوا".
رواه الترمذي (٧٨٥)، وابن ماجه (١٧٤٨)، وأحمد (٢٧٠٦٠)، وابن حبان (٣٤٣٠) كلهم من طريق شعبة، عن حبيب بن زيد، قال: سمعت مولاة لنا يقال لها ليلى نحدث عن جدته (يعني أمّ عمارة بنت كعب) فذكرته.
ورواه الترمذي (٧٨٤) من وجه آخر عن شريك، عن حبيب بن زيد.
стр. 2722
وليلي مولاة أم عمارة ذكرها ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٣٤٦) وأخرج حديثها في "الصحيح". ولم يرو عنها غير حبيب بن زيد، ولم يونقها أحد غير ابن حبان فهي "مجهولة".
وفي التقريب: "مقبولة" أي عند المتابعة.
وأما الترمذي فقال: حسن صحيح. وهو تساهل منه.
وقال: وأم عمارة هي جدة حبيب بن زيد الأنصاريّ.
٣٧ - باب ما رُوي أن زكاة الجسد الصوم
وأما ما رُوي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصوم". وزاد محرز في حديثه: وقال رسول الله ﷺ : " الصيام نصف الصبر" فهو ضعيف.
رواه ابن ماجه (١٧٤٥) عن أبي بكر، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك.
ح وحدثنا محرز بن سلمة العدني، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد جميعًا، عن موسي بن عبيدة، عن جُمهان، عن أبي هريرة، فذكره.
وفيه موسى بن عبيدة وهو الربذي أبو عبد العزيز المدني ضعيف باتفاق أهل العلم، ومن طريقه رواه أيضًا عبد بن حميد (١٤٤٩).
• * *
стр. 2723
جموع ما جاء في صيام التطوع والترغيب فيه
١ - باب الترغيب في الصوم مطلقًا وما جاء في فضله
• عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "قال الله: كلُّ عمل ابن آدم له إلّا الصِّيام فإنّه لي وأنا أجزي به، والصِّيام جُنّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصْخب، فإنْ سابَّهُ أحدٌ أو قاتله فليقل: إنّي امْرؤٌ صائم. والذي نفسُ محمّد بيده! لَخُلُوفُ فمِ الصَّائم أطيبُ عند الله من ريح المسك. للصَّائم فرحتان يفرحهُما: إذا أفطرَ فرح، وإذا لقي ربَّهُ فرح بصومه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٠٤)، ومسلم في الصيام (١١٥١: ١٦٣) كلاهما من طريق ابن جريج، أخبرني عطاء (هو ابن أبي رباح)، عن أبي صالح الزّيّات، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول (فذكره). واللفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم قريب منه.
قوله: "والصّيام جُنّة" بضم الجيم أي سترة ووقاية من الآثام في الدنيا، ومن النار في الآخرة.
وقوله: "فلا يرفث" بضم الفاء وكسرها، والمراد بالرَّفث الكلام الفاحش، ويطلق على الجماع وعلى مقدماته.
وقوله: "ولا يصخب" وفي لفظ مسلم: "ولا يسخب" بالسين بدل الصاد المهملة وهو بمعناه، والصَّخب: الخصام والصّياح.
وقوله: "لخلوف فم الصائم" الخلوف بضم الخاء المعجمة واللام: المراد به تغيّر رائحة فم الصّائم بسبب الصّيام.
• عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده! لخلوف فم الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك، إنّما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، فالصّيام لي وأنا أجزي به. كلّ حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلّا الصّيام فهو لي وأنا أجزي به".
متفق عليه: رواه مالك في الصيام (٥٨) عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه البخاريّ في الصيام (١٨٩٤) من طريق مالك، ومسلم في الصّيام (١١٥١: ١٦٢) من طريق المغيرة الحزاميّ - كلاهما عن أبي الزّناد بإسناده. واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم مختصر جدًّا.
стр. 2724
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ يرويه عن ربكم قال: "لكل عمل كفارة، والصوم لي، وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".
صحيح: رواه البخاري في التوحيد (٧٥٣٨) عن آدم، عن شعبة، حدثنا محمد بن زياد، سمعت أبا هريرة يقول: فذكره. ولم يذكر مسلم بهذا السياق.
ورواه أحمد (٩٨٨٨) عن محمد بن جعفر وهو غندر، قال: حدثنا شعبة، وفيه: "كل العمل كفارة، والصوم لي ..... ".
وقوله: "لكل عمل" -أي من المعاصي- "كفارة" من الطاعات.
وأما معنى حديث غندر: كل عمل من الطاعات كفارة للمعاصي.
• عن أبي هريرة، وأبي سعيد، قالا: قال رسول الله ﷺ : "إنّ الله يقول: إنّ الصوم لي وأنا أجزي به، إنّ للصائم فرحتين. إذا أفطر فرح، وإذا لقي الله فرح، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك".
صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١٥١: ١٦٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي ستان، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وأبي سعيد فذكراه.
ورواه النسائي (٢٢١٣) عن علي بن حرب، عن محمد بن فضيل بإسناده عن أبي سعيد وحده.
وأما ما روي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيتْ أمّتي خمسَ خصال في رمضان، لم تُعْطَها أمّة قبلهم: خلوف فم الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزيّن الله كلَّ يوم جنته، ثم يقول: يوشكُ عبادي الصالحون أن يُلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليكِ، ويُصفَّد فيه مردةُ الشياطين، فلا يخلُصُوا فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويُغفر لهم في آخر ليلة". قيل: يا رسول الله، أهي ليلة القدر؟ قال: "لا، ولكنّ العامل إنما يُوفّي أجره إذا قضى عمله". فهو ضعيف.
رواه الإمام أحمد (٧٩١٧)، والبزار -كشف الأستار (٩٦٣) - كلاهما من حديث يزيد بن هارون، نا هشام بن أبي هشام، عن محمد بن محمد بن الأسود، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
وهشام بن أبي هشام هو هشام بن زياد بن أبي يزيد أبو المقدام، ويقال له أيضًا: هشام بن أبي الولد المدني، ضعيف باتفاق أهل العلم.
قال النسائي: متروك، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به.
ومحمد بن محمد بن الأسود لم يرو عنه سوى هشام بن ابي هشام. قال الحافظ في "التقريب": "مستور".
стр. 2725
• عن الحارث الأشعري حدّثه، أنّ النبي ﷺ قال: "إنّ الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلماتٍ أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنه كادَ أن يُبْطيء بها، قال عيسى: إنّ الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإمّا أن تأمرَهُم وإمّا أنْ آمرَهُم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يُخسفَ بي أو أُعذّب، فجمع الناس في بيت المقدس فامتلأ المسجدُ وتَعدَّوا على الشُّرَف، فقال: إنّ الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن.
أوَّلُهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وإنَّ مَثَلَ مَنْ أشرك بالله كمثل رجل اشتري عبدًا من خالص ماله بذهب أو ورق فقال: هذه داري وهذا عملي، فاعمل وأدِّ إليَّ، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيِّدِه، فأيُّكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟ .
وإنّ الله أمركم بالصّلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإنّ الله يَنْصِبُ وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفتْ.
وآمرُكم بالصِّيام، فإنَّ مَثَلَ ذلك كمثل رجل في عصابة معه صُرَّةٌ فيها مِسْك، فكلُّهم يَعْجبُ -أو يُعجِبُه ريحُها- وإنَّ ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
صحيح: رواه الترمذيّ (٢٨٦٣)، والإمام أحمد (١٧١٧٠)، وصحّحه ابن خزيمة (١٨٩٥)، وابن حبان (٦٢٣٣)، والحاكم (١/ ٤٢١) كلّهم من طريق يحيي بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن الحارث الأسدي، فذكره. وإسناده صحيح.
قال الترمذيّ: "حديث حسن صحيح غريب. قال محمد بن إسماعيل (هو البخاريّ): "الحارث الأشعري له صحبة وله غير هذا الحديث".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
• عن أبي أمامة، قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلتُ: مرني بأمر، آخذه عنك. قال: "عليك بالصوم، فإنه لا مثل له".
صحح: رواه النسائي (٢٢٢٠) عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، قال: حدثنا مهدي بن ميمون، قال: أخبرني محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، قال: أخبرني رجاء بن حيوة، عن أبي أمامة، قال (فذكره).
ورواه الإمام أحمد (٢٢١٤١، ٢٢١٤٢، ٢٢١٩٥، ٢٢٢٢٠) وصحّحه ابن حبان (٣٤٢٥) كلاهما من طريق مهدي بن ميمون بأطول منه.
وكذلك رواه الإمام أحمد (٢٢١٤٠) من طريق واصل مولى أبي عيينة، عن محمد بن عبد الله بن
стр. 2726
أبي يعقوب.
وخالفهما شعبة فرواه عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب قال: سمعت أبا نصر الهلالي، عن رجاء بن حيوة، عن أبي أمامة، وقال فيه: "عليك بالصوم فإنه لا عدل له".
فزاد أبا نصر الهلالي بين محمد بن أبي يعقوب وبين رجاء بن حيوة.
ورواه ابن خزيمة (١٨٩٣)، وابن حبان (٣٤٢٦)، والحاكم (١/ ٤٢١) كلّهم من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة، به.
قال ابن حبان: أبو نصر هذا هو حميد بن هلال، ولست أنكر أن يكون محمد بن أبي يعقوب سمع هذا الخبر بطوله عن رجاء بن حيوة، وسمع بعضه عن حميد بن هلال. فالطّريقان محفوظان" انتهى.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ومحمد بن أبي يعقوب هذا الذي كان شعبة إذا حدّث عنه يقول: حدثني سيد بني تميم. وأبو نصر الهلالي هو حميد بن هلال العدويّ. ولا أعلم له راويًا عن شعبة غير عبد الصمد. وهو ثقة مأمون".
وقال الذهبي: "صحيح، وأبو نصر حميد بن هلال العدويّ تفرّد به عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة".
قلت: وليس الأمر كما قالا، فقد رواه النسائيّ (٢٢٢٢، ٢٢٢٣) من وجهين آخرين: يعقوب الحضرميّ، ويحيى بن أبي كثير كلاهما عن شعبة بهذا الإسناد.
والخلاصة فيه أن الإسناد صحيح، وقد صرَّح محمد بن أبي يعقوب بسماعه من رجاء بن حيوة، كما صرَّح بسماعه من أبي نصر الهلالي، فالطريقان محفوظان كما قال ابن حبان.
وأما ما جاء في مصنف عبد الرزاق (٧٨٩٩) عن هشام بن حسان، عن محمد بن أبي يعقوب، عن أبي أمامة. فالظاهر أنه سقط منه "رجاء بن حيوة" من النّساخ، أو أسقطه أحد الرواة كما قال المحقق.
٢ - باب ما جاء في فضل الصوم في سبيل الله
• عن أبي سعيد الخدريّ، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "من صام يومًا في سبيل الله باعدَ اللهُ وجهه عن النّار سبعين خريفًا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٢٨٤٠)، ومسلم في الصيام (١١٥٣: ١٦٨) كلاهما من طريق عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني يحيى بن سعيد، وسهيل بن أبي صالح، أنهما سمع النّعمان بن أبي عيّاش الزُّرقي يحدّث عن أبي سعيد الخدريّ، فذكره.
ولفظهما سواء، إلا أن البخاري قال: "بعَّد".
• عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "من صام يومًا في سبيل الله، زحزح
стр. 2727
الله وجهه عن النار بذلك سبعين خريفًا".
صحيح: رواه النسائي (٢٢٤٤)، وأحمد (٧٩٩٠) كلاهما من حديث أنس بن عياض، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. وهذا إسناد صحيح.
وللحديث أسانيد أخرى منها ما رواه ابن ماجه (١٧١٨) عن هشام بن عمار، قال: حدثنا أنس بن عياض، قال: حدثنا عبد الله بن عبد العزيز الليثي، عن المقبري، عن أبي هريرة، فذكر الحديث مثله.
وهشام بن عمار السلمي الدمشقي لعله أخطأ فيه على أنس بن عياض لأنه كبر صار يتلقن.
وعبد الله بن عبد العزيز الليثي، قال فيه ابن حبان: "اختلط بآخره فكان يقلّب الأسانيد".
ومنها ما رواه الترمذيّ (١٦٢٢) عن قتيبة، حدّثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة وسليمان بن يسار، أنهما حدّثاه عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، فذكر مثله. وقال: أحدهما يقول: "سبعين" والآخر يقول: "أربعين".
قال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه. وأبو الأسود اسمه محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي المدني" انتهي.
وفي الإسناد ابن لهيعة وفيه كلام معروف، ورأى بعض أهل العلم أن قتيبة بن سعيد ممن سمع منه أيضا قبل الاختلاط.
• عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ قال: "من صام يومًا في سبيل الله باعد الله منه جهنم مسيرة مائة عام".
حسن: رواه النسائي (٢٢٥٤)، وابن أبي عاصم في كتاب الجهاد (١٦٩)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٣٥) كلهم من حديث محمد بن شعيب، قال: أخبرني يحيى بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن عقبة بن عامر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل القاسم وهو ابن عبد الرحمن الدمشقي أبو عبد الرحمن تكلّم فيه ابن حبان، ومشّاه الآخرون وهو حسن الحديث.
وفي الباب عن أبي أمامة، عن النبيّ ﷺ قال: "من صام يومًا في سبيل الله، جعل الله بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض".
رواه الترمذي (١٦٢٤) عن زياد بن أيوب، حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الوليد بن جميل، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، فذكره.
قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أبي أمامة".
قلت: فيه الوليد بن جميل وهو الفلسطيني لين الحديث.
وقال أبو حاتم: شيخ يروي عن القاسم أحاديث منكرة.
стр. 2728
وفي الباب ما روي أيضًا عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام يومًا في سبيل الله باعد الله عنه النار مسيرة ألف سنة للراكب المستعجل".
رواه الإمام أحمد (٢٧٥٠٣) عن أبي سعيد، قال: حدثنا أبو يعقوب -يعني إسحاق بن عثمان الكلابي- قال: سمعت خالد بن دُريك يحدث عن أبي الدرداء، فذكره في حديث طويل.
وخالد بن دريك هو الشامي لم يذكر في ترجمته أنه أدرك أبا الدرداء، وقد روي عن ابن عمر وعائشة ولم يدركهما، وأعلّه الهيثمي في "المجمع" (٥/ ٢٨٥) بالانقطاع أيضًا.
وله أسانيد أخرى منها ما رواه الطبراني في "الأوسط" (٣٥٩٨) من طريق عبد الله بن الوليد العدني، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام يومًا في سبيل الله، جعل الله بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض".
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا عبد الله بن الوليد العدني".
قلت: العدني من أصحاب سفيان الثوريّ. قال أحمد: سمع من سفيان، وجعل يُصحِّح سماعه، ولكن لم يكن صاحب حديث، وحديثه حديث صحيح. وكان ربما أخطأ في الإسناد. وقد كتبت عنه أنا كثيرًا". وأما ابن معين فقال: لا أعرفه، لم أكتب عنه شيئًا.
وفي الإسناد شهر بن حوشب وفيه كلام معروف.
ومع هذا كله قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (١٤٨٤) بعد أن عزاه إلى الطبراني في "الأوسط"، و "الصغير": "إسناده حسن".
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن عمرو بن عبسة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صام يومًا في سبيل الله با عده الله من النار سبعين خريفًا".
رواه ابن أبي عاصم في "الجهاد" (١٧٠) عن محمد بن علي، حدثنا عبد الله بن سُليم، عن عبيدالله بن عمرو، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن جنادة بن أبي خالد، عن أبي شيبة، عن عمرو بن عبيد، فذكره.
وفيه جنادة بن أبي خالد وهو أبو الخطاب الدمشقي ترجمه البخاري في "التاريخ الكبير"، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" وسكتا عنه فهو في عداد المجهولين إلا أن ابن حبان ذكره في "الثقات" (٦/ ١٥٠) على قاعدته في توثيق من لم يُعرف فيه جرح.
وقال الذهبي في "الميزان": "لا يعرف".
وشيخه أبو شيبة هو المهري، قال الذهبيّ في ترجمة "بلج المهري" (١/ ٣٥٢): عن أبي شيبة المهري، عن ثوبان قاء فأفطر، لا يُدري من ذا ولا من شيخه. وقال البخاري: إسناده ليس بالمعروف. انتهى.
стр. 2729
ورواه الطبراني في "الأوسط" (٣٢٧٣) عن بكر بن سهل، عن يحيى بن حمزة، عن النعمان بن المنذر، عن مكحول، قال: قال عمرو بن عبسة. قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام يومًا في سبيل الله بعُدتْ منه النار مسيرة مائة عام".
ومكحول لم يسمع من عمرو بن عبسة.
قال أبو حاتم: سألت أبا مسهر هل سمع مكحول من أحد من أصحاب النبيّ ﷺ ؟ قال: ما صح عندي إلا أنس بن مالك".
واختلف في سماعه من واثلة بن الأسقع فأنكر سماعه منه أبو زرعة.
وأما عمرو بن عبة فلم أجد من نصَّ على أنه سمع منه.
ولم ينتبه المنذريّ إلى هذا فقال في "الترغيب والترهيب" (١٤٥٨) بعد أن عزاه إلى الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط": "إسناده لا بأس به". وكيف لا يكون به بأس وفيه انقطاع.
وفي الباب أيضًا عن عتبة بن عبدٍ السلمي، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام في سبيل الله يومًا فرضًا باعده الله من جهنم كما بين السموات السبع، وبين الأرضين السبع. ومن صام يومًا تطوعًا باعد الله ما بينه وبين جهنم مسيرة ما بين السماء إلى الأرض".
رواه الطبراني في "الكبير" (١٧/ ١١٩ - ١٢٠) من طريق محمد بن عمر الواقدي، ثنا ثور بن
يزيد، عن شريح بن عبيد، عن عتبة بن عبد السّلمي، قال (فذكره). وفيه محمد بن عمر الواقدي
وهو متروك.
ورواه ابن أبي عاصم في "الجهاد" (١٧٢) عن محمد بن يحيى بن عبد الكريم، قال: حدثنا رجل -وقد سماه لي-، قال: حدثنا ثور بن يزيد بإسناده، مثله.
وفيه رجل لم يسم، ولا يبعد أن يكون هو الواقدي نفسه؛ فإن محمد بن يحيى قد سماه، ولكن حذفوه لشدّة ضعفه لإيهامه بأنه غيره.
وفي الباب أيضًا ما روي عن معاذ بن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام يومًا في سبيل الله متطوعًا في غير رمضان بعُد من النار مائة عام سير المضمَّر المجيد".
رواه أبو يعلى (١٤٨٦) عن أحمد بن عيسى، حدثنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، فذكره.
وزبان بن فائد البصريّ أبو جوين ضعيف، ضعّفه أحمد وابن معين وابن حبان وغيرهم.
وبه أعلّه الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٩٤) مع القول بأنه قد وثق.
وقوله: "وقد وثّق" الظاهر منه إشارة إلى ذكر ابن حبان له في "الثقات"، ولكنه لم يذكره في "الثقات" وإنما ذكره في "المجروحين" (٣٧٣) وقال: "منكر الحديث جدًّا، يتفرد عن سهل بن معاذ بنسخة كأنها موضوعة، لا يحتج به". ونقل تضعيفه عن ابن معين أيضًا.
стр. 2730
٣ - باب الصّيام وِجاءٌ لمن لم يستطع الزّواج وخاف على نفسه
• عن عبد الله بن مسعود، قال: كنا مع النبيّ ﷺ فقال: "من استطاع الباءة فليتزوّج، فإنّه أغضُّ للبصر، وأَحْصن للفرْج، ومن لم يستطع فعليه بالصّوم فإنّه له وِجاء".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٠٥)، ومسلم في النكاح (١٤٠٠) كلاهما من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: "بينما أنا أمشي مع عبد الله ﵁ فقال "فذكره". واللفظ للبخاري.
وفي سياق مسلم قصّة ابن مسعود مع عثمان ﵄.
قوله: "له وِجاء" بكسر الواو، وهو رضّ الخصيتين، وقيل: رضّ عروقهما، ومن يفعل به ذلك تنقطع شهوته، ومقتضاه أنّ الصّوم قامع لشهوة النكاح. (انظر: الفتح ٤/ ١١٩).
٤ - باب الصِّيام يكفِّر فتنة الرجل في أهله وماله وجاره
• عن حذيفة، قال: قال عمر ﵁: من يحفظ حديثًا عن النبيّ ﷺ في الفتنة؟ قال حذيفة: أنا سمعته يقول: فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفِّرها الصّلاة والصِّيام والصّدقة. قال: ليس أسأل عن ذه، إنما أسألُ عن التي تموجُ كما يموجُ البحر. قال: وإنَّ دون ذلك بابًا مغلقًا. قال: فيفتحُ أو يكسر؟ قال: يكسر. قال: ذاك أجدرُ أن لا يُغلقَ إلى يوم القيامة. فقلنا لمسروق: سَلْه، أكان عمر يعلم مَنِ الباب؟ فسأله، فقال: نعم، كما يعلم أن دون غد الليلة.
متفق عليه: رواه البخاري في الصوم (١٨٩٥) من طريق أبي وائل، ومسلم في الإيمان (٢٣٦) من طريق رِبْعيّ بن حراش - كلاهما عن حذيفة، قال (فذكره). واللفظ للبخاريّ، وسياق مسلم أطول.
٥ - باب إن الله جعل للصائمين في الجنّة بابًا يقال له: الرَّيّان
• عن سهل بن سعد، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنّ في الجنة بابًا يقال له: الرَّيّان يدخلُ منه الصَّائمون يوم القيامة لا يدخلُ منه أحدٌ غيرُهم، يقال: أين الصَّائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه أحدٌ غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق، فلم يدخل منه أحدٌ".
وفي رواية: "من دخل فيه شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا".
متفق عليه: رواه البخاري في الصوم (١٨٩٦)، ومسلم في الصيام (١١٥٢) من طريق خالد بن مخلد القَطَوانيّ، حدّثنا سليمان بن بلال، حدّثني أبو حازم (هو سلمة بن دينار)، عن سهل، به، فذكره.
واللفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم قريب منه.
والرواية الثانية: رواها النسائي (٢٢٣٦)، وابن خزيمة (١٩٠٢) كلاهما من حديث سعيد بن
стр. 2731
عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن سهل.
ورواه الترمذي (٧٦٥) من حديث هشام بن سعد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد. وقال:
"حسن صحيح غريب".
• عن أبي هريرة، قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: "من أنفق زوجين في سبيل الله، نُودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الرّيّان، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة".
قال أبو بكر: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يُدعى أجد من تلك الأبواب كلّها؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم".
متفق عليه: رواه مالك في الجهاد (٤٩) عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه البخاريّ في الصوم (١٨٩٧) من طريق مالك، ومسلم في الزكاة (١٠٢٧) من وجه آخر عن ابن شهاب.
٦ - باب ما جاء أنّ الصيام جُنّة
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الصيام جُنّة".
متفق عليه: رواه مسلم في الصيام (١١٥١: ١٦٢) من طرق عن المغيرة (وهو الحزاميّ)، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه الشيخان -البخاريّ (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١: ١٦٣) كلاهما من طريق ابن جريج، أخبرني عطاء، عن أبي صالح الزيات أنه سمع أبا هريرة، فذكره في حديث طويل.
والجنة -بضم الجيم- السيرة والوقاية من الآثام في الدنيا، ومن النار في الآخرة.
• عن عثمان بن أبي العاص الثقفيّ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الصِّيام جنّة من النّار، كجنة أحدكم من القتال".
صحيح: رواه النسائي (٢٢٣٠)، وابن ماجه (١٦٣٩)، وأحمد (١٦٢٧٨، ١٧٩٠٢)، وصحّحه ابن خزيمة (٢١٢٥)، وابن حبان (٣٦٤٩) كلهم من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعيد بن أبي هند، أن مطرقًا من بني عامر بن صعصعة حدَّثه أنّ عثمان بن أبي العاص الثقفيّ دعا له بلبن ليسقيه فقال مطرف: إني صائم. فقال عثمان (فذكر الحديث).
واختصره النسائي. وزاد بعضهم: "وصيام حسن ثلاثة أيام من الشهر".
стр. 2732
وإسناده صحيح، ومطرف هو ابن عبد الله بن الشّخير.
وللحديث إسناد آخر وهو ما رواه النسائيّ (٢٢٣١)، وأحمد (١٦٢٧٣)، وابن خزيمة (١٨٩١) كلّهم من حديث محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي هند، عن مطرف، قال: دخلتُ على عثمان ابن أبي العاص فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول (فذكر الحديث).
وزاد فيه أحمد: وكان آخر ما عهد إليّ رسول الله ﷺ حين بعثني إلى الطّائف قال: "يا عثمان تجوّز في الصّلاة، فإنّ في القوم الكبير وذا الحاجة". ولم يذكره النسائي. وأما ابن خزيمة فذكر فيه الزيادة السابقة.
وابن إسحاق مدلس وقد صرَّح بالتحديث عند ابن خزيمة، كما أنه توبع في الإسناد السابق.
• عن جابر، أنّ رسول الله ﷺ قال: قال ربُّنا : "الصّيام جنّة يستجنّ بها العبد من النّار، وهو لي وأنا أجزي به".
حسن: رواه الإمام أحمد عن حسن (١٤٦٦٩)، وعن عتاب بن زياد، عن عبد الله (وهو ابن المبارك (١٥٢٦٤) كلاهما عن ابن لهيعة، قال: حدثني أبو الزبير، عن جابر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في ابن لهيعة، ولكن في إحدى طريقيه روى عنه عبد الله بن المبارك وهو ممن سمع منه قبل اختلاطه فروايته أعدل من غيره. وقد حسَّنه المنذريّ في "الترغيب والترهيب" (١٤٧٢).
• عن جابر، أنّ النبيَّ ﷺ قال لكعب بن عُجرة: "يا كعب بن عجرة! الصوم جنّة، والصدقة تطفئُ الخطيئة، والصّلاة قربان - أو قال: برهان".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٤٤٤١)، وأبو يعلى (١٩٩٩)، والبزار -كشف الأستار (١٦٠٩) -، وصحّحه ابن حبان (٤٥١٤)، والحاكم (٣/ ٤٧٩ - ٤٨٠) كلّهم من حديث ابن خُثيم، عن عبد الرحمن ابن سابط، عن جابر، فذكره في حديث طويل.
وإسناده حسن من أجل ابن خُثيم وهو عبد الله بن عثمان فإنه حسن الحديث.
• عن عائشة، عن النبيّ ﷺ قال: "الصيام جُنّة من النّار، فمن أصبح صائمًا فلا يجهل يومئذ، وإن امرؤ جهل عليه فلا يشتمه ولا يسبُّه، وليقل: إنّي صائم. والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".
حسن: رواه النسائيّ (٢٢٣٤) عن محمد بن يزيد الآدمي، قال: حدّثنا معن، عن خارجة بن سليمان، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة، فذكرته.
وإسناده حسن من أجل خارجة وهو ابن عبد الله بن سليمان فإنه حسن الحديث. ومن هو ابن عيسي بن يحيى الأشجعيّ مولاهم من رجال الجماعة.
стр. 2733
• عن معاذ بن جبل عن النبيّ ﷺ قال: "الصوم جنة".
حسن: رواه الترمذيّ (٢٦١٦)، وابن ماجه (٣٩٧٣)، وأحمد (٢٢٠١٦) كلّهم من حديث
معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل، فذكره في حديث طويل.
قال الترمذي: حسن صحيح.
قلت: فيه أبو وائل وهو شقيق بن سلمة لم يسمع من معاذ.
ورواه أحمد (٢٢١٣٣) من طريق حماد بن سلمة، عن عاصم، عن شهر بن حوشب، عن معاذ، فذكره.
وشهر بن حوشب فيه كلام معروف، وإنه لم يسمع من معاذ أيضًا.
وقد رواه النسائي (٢٢٢٥، ٢٢٢٦) وأحمد (٢٢٠٣٢، ٢٢٠٥١، ٢٢٠٤٧) كلاهما من طرق أخرى عن معاذ بن جبل، فذكره في حديث طويل ومختصر.
وبمجموع هذه الطرق وما قبله من أصول ثابتة يحسّن هذا الحديث.
وفي الباب عن أبي عبيدة مرفوعًا: "الصّوم جُنّة ما لم يخرقها".
رواه النّسائيّ (٢٢٣٣)، والدّارميّ (١٧٧٣)، والبخاريّ في التاريخ الكبير (٧/ ٢١)، وأحمد (١٦٩٠)، وأبو يعلى (٨٧٨)، وابن خزيمة (١٨٩٢) كلّهم من حديث واصل مولى أبي عيينة، عن بشار بن أبي سيف الجرميّ، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشيّ، عن عياض بن غطيف، عن أبي عبيدة بن الجراح، فذكره في حديث طويل، واختصره البعض.
وبشار بن أبي سيف لم يوثقه غير ابن حبان ولذا قال ابن حجر: "مقبول" أي عند المتابعة.
قلت: وقد تابعه مسعر عن الوليد، إلّا أن الوليد قال: حدّثنا أصحابنا عن أبي عبيدة قال: "الصّيام جنّة ما لم يخرقها".
رواه النسائي (٢٢٣٥) وفيه أنّ الوليد لم يسم أصحابه، وأنّ أبا عبيدة لم يرفعه إلى النبيّ ﷺ .
وقوله: "ما لم يخرقها" قال الدّارمي: يعني بالغيبة.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن أنس، أنّ رسول الله ﷺ قال: "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والصّدقة تطفئُ الخطيئة كما يطفئ الماء النّار، والصّلاة نور المؤمن، والصيام جنّة من النار".
رواه ابن ماجه (٤٢١٠) عن هارون بن عبد الله الحمال، وأحمد بن الأزهر قالا: حدّثنا ابن أبي فديك، عن عيسى بن أبي عيسى الحناط، عن أبي الزناد، عن أنس، فذكره. ورواه أبو يعلى (٣٦٥٦) عن هارون بن عبد الله وحده.
وإسناده ضعيف جدًّا؛ فإن عيسى الحناط وهو ابن أبي عيسي ميسرة الغفاري المدني ضعيف باتفاق أهل العلم حتى قال أبو داود والدارقطني وغيرهما: "متروك الحديث".
стр. 2734
٧ - باب ما جاء أنّ الصّيام من الصبر
• عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصّابر". حسن: روي هذا الحديث عن أبي هريرة من وجوه:
منها ما رواه عبد الرزاق (١٩٥٧٣) عن معمر، عن رجل من غفار، أنه سمع سعيدًا المقبري، يحدث عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
ومن هذا الطريق رواه أحمد (٧٨٠٦)، والبيهقي (٤/ ٣٠٦).
وكذلك رواه مسدد في "مسنده" عن معتمر بن سليمان، عن معمر، بإسناده كما قال الحافظ في "الفتح" (٩/ ٥٨٢).
وأما ما رواه ابن حبان (٣١٥) من وجه آخر عن نصر بن علي، حدّثنا معتمر بن سليمان، عن معمر، عن سعيد المقبري. فالظاهر أنه وهم، خفي ذلك على ابن حبان فظن أنه متصل ولذا أخرجه في "صحيحه".
والرّجل المبهم فيه هو معن بن محمد بن معن بن نضلة الغفاري كما في الروايات الآتية.
ومنها ما رواه الترمذي (٢٤٨٦) عن إسحاق بن موسى الأنصاريّ، حدثنا محمد بن معن المدني الغفاريّ، حدثني أبي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
ومحمد بن معن بن محمد بن معن الغفاري أبو يونس، ثقة من رجال البخاري.
وأبوه معن بن محمد بن معن بن نضلة الغفاري، روى له البخاريّ.
ومنها ما رواه ابن خزيمة (١٨٩٨) عن بشر بن هلال، ثنا عمر بن علي المقدمي، قال: سمعت معن بن محمد، يحدث عن سعيد المقبري، قال: كنت أنا وحنظلة بن علي بالبقيع مع أبي هريرة، فحدّثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث.
ومنها ما رواه أيضا ابن خزيمة (١٨٩٩) عن إسماعيل بن بشر بن منصور السالمي، ثنا عمر بن علي، عن معن بن محمد، قال: سمعت حنظلة بن علي قال: سمعت أبا هريرة بهذا البقيع يقول (فذكر الحديث).
ورواه ابن ماجه (١٧٦٤) من وجهين عن معن بن محمد، عن حنظلة بن علي، فذكره.
ورواه الحاكم (١/ ٤٢٢)، والبيهقي (٤/ ٣٠٦) كلاهما من طريق عمر بن علي المقدمي، بإسناده.
قال البيهقي: وقد قيل: عن عمر بن علي، عن معن، عن المقبري وحنظلة، عن أبي هريرة.
قال أبو بكر بن خزيمة: الإسنادان صحيحان عن سعيد المقبري، وعن حنظلة بن علي جميعًا عن أبي هريرة. ألا تسمع المقبري يقول: "كنت أنا وحنظلة بن علي بالبقيع مع أبي هريرة".
стр. 2735
والخلاصة فيه أنّ جميع هذه الأسانيد تدور على معن بن محمد بن معن بن نضلة الغفاري أبو محمد حجازي، روى عن حنظلة بن علي الأسلمي وسعيد المقبري، وعنه ابنه محمد وابن جريج وعبد الله بن عبد الله الأشعري، وعمر بن علي المقدمي. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى له البخاريّ.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
والصّواب على شرط البخاري وحده.
واستدركه الذهبي فقال: "هو في الصحيحين، فلا وجه لاستدراكه".
قلت: كلام الذهبي يشعر بأنّ الحديث في الصحيحين مسندًا، والصحيح أنّ البخاريّ ذكره في الباب في كتاب الأطعمة: باب الطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر. عن أبي هريرة معلقًا. وأما مسلم فلم يخرجه أصلًا.
• عن سنان بن سنّة الأسلميّ صاحب النبيّ ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "الطاعم الشاكر له مثل أجر الصّائم الصّابر".
حسن: رواه ابن ماجه (١٧٦٥)، وأحمد وابنه (١٩٠١٤)، والدّارميّ (٢٠٦٧) كلّهم من حديث عبد العزيز بن محمد، قال: أخبرني محمد بن عبد الله بن أبي حرة، عن عمّه حكيم بن أبي حرة، عن سنان بن سنّة، فذكره.
إلّا أنّ الدارمي زاد بعد سنان بن سنة "عن أبيه" وقد نبّه عليه أهل العلم، إلّا أن محقق الدارمي ومحقق إتحاف المهرة (٦/ ٦٤) حذفا قوله: "عن أبيه" وهي ثابتة في أكثر النسخ. يقال: إنّ شيخ الدارمي وهو نعيم بن حماد قد أخطأ في هذا فتنبّه.
وإسناده حسن من أجل الكلام في عبد العزيز بن محمد وهو الدراوردي فإنه مختلف فيه إلا أنه حسن الحديث.
وقد اختلف على محمد بن عبد الله بن أبي حرة، فرواه الدراوردي هكذا.
ورواه سليمان بن بلال، حدثني محمد بن عبد الله بن أبي حرة، عن عمّه حكيم بن حرة، عن سلمان الأغر، عن أبي هريرة قال: لا أعلمه إلا عن النبيّ ﷺ ، فذكر الحديث.
ومن هذا الطريق رواه الإمام أحمد (٧٨٨٩)، والحاكم (٤/ ١٣٦)، والبيهقي (٤/ ٣٠٦).
ونقل ابن أبي حاتم في "العلل" (٢/ ١٣ - ١٤) عن أبي زرعة قوله حين سُئل: أيّهما أصح؟ قال: "حديث الدّراورديّ أشبه".
٨ - باب صيام التّطوع بغير تبييت النية
• عن عائشة أمّ المؤمنين، قالت: قال لي رسولُ الله ﷺ ذات يوم: "يا عائشة، هل عندكم شيءٌ؟ ". قالت: فقلت: يا رسول الله، ما عندنا شيء. قال: "فإني صائم".
следующие страницы →