← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن سهل. ورواه الترمذي (٧٦٥) من حديث هشام بن سعد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد. وقال: "حسن صحيح غريب". • عن أبي هريرة، قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: "من أنفق زوجين في سبيل الله، نُودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الرّيّان، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة". قال أبو بكر: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يُدعى أجد من تلك الأبواب كلّها؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم". متفق عليه: رواه مالك في الجهاد (٤٩) عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه البخاريّ في الصوم (١٨٩٧) من طريق مالك، ومسلم في الزكاة (١٠٢٧) من وجه آخر عن ابن شهاب. ٦ - باب ما جاء أنّ الصيام جُنّة • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الصيام جُنّة". متفق عليه: رواه مسلم في الصيام (١١٥١: ١٦٢) من طرق عن المغيرة (وهو الحزاميّ)، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه الشيخان -البخاريّ (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١: ١٦٣) كلاهما من طريق ابن جريج، أخبرني عطاء، عن أبي صالح الزيات أنه سمع أبا هريرة، فذكره في حديث طويل. والجنة -بضم الجيم- السيرة والوقاية من الآثام في الدنيا، ومن النار في الآخرة. • عن عثمان بن أبي العاص الثقفيّ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الصِّيام جنّة من النّار، كجنة أحدكم من القتال". صحيح: رواه النسائي (٢٢٣٠)، وابن ماجه (١٦٣٩)، وأحمد (١٦٢٧٨، ١٧٩٠٢)، وصحّحه ابن خزيمة (٢١٢٥)، وابن حبان (٣٦٤٩) كلهم من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعيد بن أبي هند، أن مطرقًا من بني عامر بن صعصعة حدَّثه أنّ عثمان بن أبي العاص الثقفيّ دعا له بلبن ليسقيه فقال مطرف: إني صائم. فقال عثمان (فذكر الحديث). واختصره النسائي. وزاد بعضهم: "وصيام حسن ثلاثة أيام من الشهر".

стр. 2732

وإسناده صحيح، ومطرف هو ابن عبد الله بن الشّخير. وللحديث إسناد آخر وهو ما رواه النسائيّ (٢٢٣١)، وأحمد (١٦٢٧٣)، وابن خزيمة (١٨٩١) كلّهم من حديث محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي هند، عن مطرف، قال: دخلتُ على عثمان ابن أبي العاص فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول (فذكر الحديث). وزاد فيه أحمد: وكان آخر ما عهد إليّ رسول الله ﷺ حين بعثني إلى الطّائف قال: "يا عثمان تجوّز في الصّلاة، فإنّ في القوم الكبير وذا الحاجة". ولم يذكره النسائي. وأما ابن خزيمة فذكر فيه الزيادة السابقة. وابن إسحاق مدلس وقد صرَّح بالتحديث عند ابن خزيمة، كما أنه توبع في الإسناد السابق. • عن جابر، أنّ رسول الله ﷺ قال: قال ربُّنا : "الصّيام جنّة يستجنّ بها العبد من النّار، وهو لي وأنا أجزي به". حسن: رواه الإمام أحمد عن حسن (١٤٦٦٩)، وعن عتاب بن زياد، عن عبد الله (وهو ابن المبارك (١٥٢٦٤) كلاهما عن ابن لهيعة، قال: حدثني أبو الزبير، عن جابر، فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في ابن لهيعة، ولكن في إحدى طريقيه روى عنه عبد الله بن المبارك وهو ممن سمع منه قبل اختلاطه فروايته أعدل من غيره. وقد حسَّنه المنذريّ في "الترغيب والترهيب" (١٤٧٢). • عن جابر، أنّ النبيَّ ﷺ قال لكعب بن عُجرة: "يا كعب بن عجرة! الصوم جنّة، والصدقة تطفئُ الخطيئة، والصّلاة قربان - أو قال: برهان". حسن: رواه الإمام أحمد (١٤٤٤١)، وأبو يعلى (١٩٩٩)، والبزار -كشف الأستار (١٦٠٩) -، وصحّحه ابن حبان (٤٥١٤)، والحاكم (٣/ ٤٧٩ - ٤٨٠) كلّهم من حديث ابن خُثيم، عن عبد الرحمن ابن سابط، عن جابر، فذكره في حديث طويل. وإسناده حسن من أجل ابن خُثيم وهو عبد الله بن عثمان فإنه حسن الحديث. • عن عائشة، عن النبيّ ﷺ قال: "الصيام جُنّة من النّار، فمن أصبح صائمًا فلا يجهل يومئذ، وإن امرؤ جهل عليه فلا يشتمه ولا يسبُّه، وليقل: إنّي صائم. والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك". حسن: رواه النسائيّ (٢٢٣٤) عن محمد بن يزيد الآدمي، قال: حدّثنا معن، عن خارجة بن سليمان، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. وإسناده حسن من أجل خارجة وهو ابن عبد الله بن سليمان فإنه حسن الحديث. ومن هو ابن عيسي بن يحيى الأشجعيّ مولاهم من رجال الجماعة.

стр. 2733

• عن معاذ بن جبل عن النبيّ ﷺ قال: "الصوم جنة". حسن: رواه الترمذيّ (٢٦١٦)، وابن ماجه (٣٩٧٣)، وأحمد (٢٢٠١٦) كلّهم من حديث معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل، فذكره في حديث طويل. قال الترمذي: حسن صحيح. قلت: فيه أبو وائل وهو شقيق بن سلمة لم يسمع من معاذ. ورواه أحمد (٢٢١٣٣) من طريق حماد بن سلمة، عن عاصم، عن شهر بن حوشب، عن معاذ، فذكره. وشهر بن حوشب فيه كلام معروف، وإنه لم يسمع من معاذ أيضًا. وقد رواه النسائي (٢٢٢٥، ٢٢٢٦) وأحمد (٢٢٠٣٢، ٢٢٠٥١، ٢٢٠٤٧) كلاهما من طرق أخرى عن معاذ بن جبل، فذكره في حديث طويل ومختصر. وبمجموع هذه الطرق وما قبله من أصول ثابتة يحسّن هذا الحديث. وفي الباب عن أبي عبيدة مرفوعًا: "الصّوم جُنّة ما لم يخرقها". رواه النّسائيّ (٢٢٣٣)، والدّارميّ (١٧٧٣)، والبخاريّ في التاريخ الكبير (٧/ ٢١)، وأحمد (١٦٩٠)، وأبو يعلى (٨٧٨)، وابن خزيمة (١٨٩٢) كلّهم من حديث واصل مولى أبي عيينة، عن بشار بن أبي سيف الجرميّ، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشيّ، عن عياض بن غطيف، عن أبي عبيدة بن الجراح، فذكره في حديث طويل، واختصره البعض. وبشار بن أبي سيف لم يوثقه غير ابن حبان ولذا قال ابن حجر: "مقبول" أي عند المتابعة. قلت: وقد تابعه مسعر عن الوليد، إلّا أن الوليد قال: حدّثنا أصحابنا عن أبي عبيدة قال: "الصّيام جنّة ما لم يخرقها". رواه النسائي (٢٢٣٥) وفيه أنّ الوليد لم يسم أصحابه، وأنّ أبا عبيدة لم يرفعه إلى النبيّ ﷺ . وقوله: "ما لم يخرقها" قال الدّارمي: يعني بالغيبة. وفي الباب أيضًا ما رُوي عن أنس، أنّ رسول الله ﷺ قال: "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والصّدقة تطفئُ الخطيئة كما يطفئ الماء النّار، والصّلاة نور المؤمن، والصيام جنّة من النار". رواه ابن ماجه (٤٢١٠) عن هارون بن عبد الله الحمال، وأحمد بن الأزهر قالا: حدّثنا ابن أبي فديك، عن عيسى بن أبي عيسى الحناط، عن أبي الزناد، عن أنس، فذكره. ورواه أبو يعلى (٣٦٥٦) عن هارون بن عبد الله وحده. وإسناده ضعيف جدًّا؛ فإن عيسى الحناط وهو ابن أبي عيسي ميسرة الغفاري المدني ضعيف باتفاق أهل العلم حتى قال أبو داود والدارقطني وغيرهما: "متروك الحديث".

стр. 2734

٧ - باب ما جاء أنّ الصّيام من الصبر • عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصّابر". حسن: روي هذا الحديث عن أبي هريرة من وجوه: منها ما رواه عبد الرزاق (١٩٥٧٣) عن معمر، عن رجل من غفار، أنه سمع سعيدًا المقبري، يحدث عن أبي هريرة، فذكر الحديث. ومن هذا الطريق رواه أحمد (٧٨٠٦)، والبيهقي (٤/ ٣٠٦). وكذلك رواه مسدد في "مسنده" عن معتمر بن سليمان، عن معمر، بإسناده كما قال الحافظ في "الفتح" (٩/ ٥٨٢). وأما ما رواه ابن حبان (٣١٥) من وجه آخر عن نصر بن علي، حدّثنا معتمر بن سليمان، عن معمر، عن سعيد المقبري. فالظاهر أنه وهم، خفي ذلك على ابن حبان فظن أنه متصل ولذا أخرجه في "صحيحه". والرّجل المبهم فيه هو معن بن محمد بن معن بن نضلة الغفاري كما في الروايات الآتية. ومنها ما رواه الترمذي (٢٤٨٦) عن إسحاق بن موسى الأنصاريّ، حدثنا محمد بن معن المدني الغفاريّ، حدثني أبي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. ومحمد بن معن بن محمد بن معن الغفاري أبو يونس، ثقة من رجال البخاري. وأبوه معن بن محمد بن معن بن نضلة الغفاري، روى له البخاريّ. ومنها ما رواه ابن خزيمة (١٨٩٨) عن بشر بن هلال، ثنا عمر بن علي المقدمي، قال: سمعت معن بن محمد، يحدث عن سعيد المقبري، قال: كنت أنا وحنظلة بن علي بالبقيع مع أبي هريرة، فحدّثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث. ومنها ما رواه أيضا ابن خزيمة (١٨٩٩) عن إسماعيل بن بشر بن منصور السالمي، ثنا عمر بن علي، عن معن بن محمد، قال: سمعت حنظلة بن علي قال: سمعت أبا هريرة بهذا البقيع يقول (فذكر الحديث). ورواه ابن ماجه (١٧٦٤) من وجهين عن معن بن محمد، عن حنظلة بن علي، فذكره. ورواه الحاكم (١/ ٤٢٢)، والبيهقي (٤/ ٣٠٦) كلاهما من طريق عمر بن علي المقدمي، بإسناده. قال البيهقي: وقد قيل: عن عمر بن علي، عن معن، عن المقبري وحنظلة، عن أبي هريرة. قال أبو بكر بن خزيمة: الإسنادان صحيحان عن سعيد المقبري، وعن حنظلة بن علي جميعًا عن أبي هريرة. ألا تسمع المقبري يقول: "كنت أنا وحنظلة بن علي بالبقيع مع أبي هريرة".

стр. 2735

والخلاصة فيه أنّ جميع هذه الأسانيد تدور على معن بن محمد بن معن بن نضلة الغفاري أبو محمد حجازي، روى عن حنظلة بن علي الأسلمي وسعيد المقبري، وعنه ابنه محمد وابن جريج وعبد الله بن عبد الله الأشعري، وعمر بن علي المقدمي. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى له البخاريّ. وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". والصّواب على شرط البخاري وحده. واستدركه الذهبي فقال: "هو في الصحيحين، فلا وجه لاستدراكه". قلت: كلام الذهبي يشعر بأنّ الحديث في الصحيحين مسندًا، والصحيح أنّ البخاريّ ذكره في الباب في كتاب الأطعمة: باب الطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر. عن أبي هريرة معلقًا. وأما مسلم فلم يخرجه أصلًا. • عن سنان بن سنّة الأسلميّ صاحب النبيّ ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "الطاعم الشاكر له مثل أجر الصّائم الصّابر". حسن: رواه ابن ماجه (١٧٦٥)، وأحمد وابنه (١٩٠١٤)، والدّارميّ (٢٠٦٧) كلّهم من حديث عبد العزيز بن محمد، قال: أخبرني محمد بن عبد الله بن أبي حرة، عن عمّه حكيم بن أبي حرة، عن سنان بن سنّة، فذكره. إلّا أنّ الدارمي زاد بعد سنان بن سنة "عن أبيه" وقد نبّه عليه أهل العلم، إلّا أن محقق الدارمي ومحقق إتحاف المهرة (٦/ ٦٤) حذفا قوله: "عن أبيه" وهي ثابتة في أكثر النسخ. يقال: إنّ شيخ الدارمي وهو نعيم بن حماد قد أخطأ في هذا فتنبّه. وإسناده حسن من أجل الكلام في عبد العزيز بن محمد وهو الدراوردي فإنه مختلف فيه إلا أنه حسن الحديث. وقد اختلف على محمد بن عبد الله بن أبي حرة، فرواه الدراوردي هكذا. ورواه سليمان بن بلال، حدثني محمد بن عبد الله بن أبي حرة، عن عمّه حكيم بن حرة، عن سلمان الأغر، عن أبي هريرة قال: لا أعلمه إلا عن النبيّ ﷺ ، فذكر الحديث. ومن هذا الطريق رواه الإمام أحمد (٧٨٨٩)، والحاكم (٤/ ١٣٦)، والبيهقي (٤/ ٣٠٦). ونقل ابن أبي حاتم في "العلل" (٢/ ١٣ - ١٤) عن أبي زرعة قوله حين سُئل: أيّهما أصح؟ قال: "حديث الدّراورديّ أشبه". ٨ - باب صيام التّطوع بغير تبييت النية • عن عائشة أمّ المؤمنين، قالت: قال لي رسولُ الله ﷺ ذات يوم: "يا عائشة، هل عندكم شيءٌ؟ ". قالت: فقلت: يا رسول الله، ما عندنا شيء. قال: "فإني صائم".

стр. 2736

قالت: فخرج رسول الله ﷺ فأُهديت لنا هدية -أو جاءنا زَوْرٌ-. قالت: فلما رجع رسولُ الله ﷺ . قلتُ: يا رسول الله، أُهديت لنا هدية -أو جاءنا زَوْر- وقد خبّأتُ لك شيئًا. قال: "ما هو؟ ". قلت: حَيْس. قال: "هاتيه" فجئتُ به فأكل. ثم قال: "قد كنتُ أصبحتُ صائمًا". قال طلحة: فحدثت مجاهدا بهذا الحديث. فقال: ذاك بمنزلة الرجل يُخرجُ الصّدقة من ماله. فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها. صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١٥٤) من طريق طلحة بن يحيى بن عبيدالله، حدثتني عائشة بنت طلحة (عمّته)، عن عائشة أمّ المؤمنين قالت (فذكرته). ٩ - باب ما يقول الصّائم إذا دُعي إلى الطّعام • عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا دُعي أحدكم إلى طعام وهو صائم، فليقُلْ: إنّي صائم". صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١٥٠) من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. قال النووي في "شرح مسلم" (٩/ ٢٣٥): "الصائم لا خلاف أنه لا يجب عليه الأكل، لكن إن كان صومُه فرضًا لم يجُزْ له الأكل؛ لأنّ الفرْضَ لا يجوز الخروج منه، وإن كان نفلًا جاز الفطر وتركهـ، فإن كان يشق على صاحب الطعام صومُه، فالأفضل الفطر، وإلا فإتمام الصوم. والله أعلم". ١٠ - باب الصائم يُدعى إلى الوليمة • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دُعي أحدُكم فليُجب فإن كان صائمًا فليصلِّ، وإن كان مُفطرًا فليطْعَم". صحيح: رواه مسلم في النكاح (١٤٣١) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا حفص بن غياث، عن هشام (هو ابن حسان القردوسيّ)، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، فذكره. قوله: "فليُصل" أي فليدعُ لأهل الطّعام بالمغفرة والبركة ونحو ذلك، وأصل الصلاة في اللغة: الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. • عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "من دُعي إلى طعام وهو صائم فلْيُجبْ، فإن شاء أطعم، وإن شاء ترك". صحيح: رواه ابن ماجه (١٧٥١) عن أحمد بن يوسف السلمي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: أنبأنا ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره. وإسناده صحيح. ورواه مسلم في النكاح (١٤٣٠) من وجه آخر عن أبي عاصم، بإسناده، ومن وجهين آخرين عن

стр. 2737

سفيان، عن أبي الزبير ولم يذكر فيه: "الصوم". ورواه أيضًا أبو داود (٣٧٤٠)، والنسائي في الكبرى (٦٦١٠)، وابن حبان (٥٣٠٣)، والبيهقي (٧/ ٢٦٤) كلّهم من طرق، عن أبي الزبير، ولم يذكروا فيه: "الصوم". ١١ - باب من دُعي إلى طعام وهو صائم فلم يفطر عندهم • عن أنس بن مالك قال: دخل النبيُّ ﷺ على أمِّ سُليم، فأتتْه بتمر وسمن. قال: أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه، إني صائم، ثم قام إلى ناحية من البيت فصلَّي غير المكتوبة، فدعا لأمّ سُليم وأهل بيتها. فقالت أمُّ سليم: يا رسول الله، إنّ لي خُويصة، قال: ما هي؟ قالت: خادمُك أنس. فما ترك خير آخرةٍ ولا دنيا إلّا دعا به: "اللهمّ ارزقه مالًا وولدًا، وباركْ له". فإني لمن أكثر الأنصار مالًا. وحدثتني ابتي أمينةُ أنه دُفن لصلبي مقدم الحجاج البصرة بضعٌ وعشرون ومائة. متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٨٢) من طريق حميد، عن أنس بن مالك قال (فذكره). ورواه البخاري في الدعوات (٦٣٣٤) عن قيس بن الربيع، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٨٠) من طريق أبي داود (هو الطيالسي) كلاهما عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنسًا قال: قالت أمُّ سُليم للنبيّ: "أنسٌ خادمُك" الحديث مقتصرًا على شطره الأخير. ورواه البخاريّ في الدعوات (٦٣٧٨، ٦٣٧٩)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٨٠) من طريق محمد بن جعفر غُنْدَر، حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة، عن أنس، عن أمّ سليم أنها قالت: "يا رسول الله، أنس خادمك" الحديث، فجعله من مسند أمِّ سُليم. ١٢ - باب من دُعي إلى طعام فأفطر، ليس عليه قضاء • عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: آخي النبيُّ ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمانُ أبا الدّرداء، فرأى أمَّ الدرداء متبذِّلة، فقال لها: ما شأنُك؟ قالت: أخوك أبو الدّرداء ليس له حاجة في الدّنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا، فقال له: كلْ. قال: فإني صائم. قال: ما أنا بآكل حتى تأكل. قال: فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدّرداء يقوم، قال: نم، فنام. ثم ذهب يقوم: فقال: نم. فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصلَّيا. فقال له سلمان: إنَّ لربِّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كلَّ ذي حق حقّه. فأتى النبيَّ ﷺ فذكر ذلك له، فقال له النبيّ ﷺ : "صدق سلمان".

стр. 2738

صحيح: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٦٨) عن محمد بن بشار، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو العُميس، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، فذكره. أبو العُميس هو عتبة بن عبد الله المسعوديّ. وأبو جحيفة واسمه: وهب بن عبد الله السُّوائيّ. وفي الباب ما رُوي عن أمّ هانئ، قالت: لما كان يوم الفتح -فتح مكة- جاءت فاطمة، فجلست على يسار رسول الله ﷺ ، وأمّ هانئ عن يمينه، قالت: فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب. فناولتْه فشرب منه، ثم ناول أمَّ هانئ فشربتْ منه، فقالت: يا رسول الله، لقد أفطرتُ وكنت صائمة؟ فقال لها: "أكنت تقضين شيئًا؟ ". قالت: لا. قال: "فلا يضرْك إن كان تطوّعًا". رواه أبو داود (٢٤٥٦) عن عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن أمّ هانئ، فذكرته. ويزيد بن أبي زياد هو الهاشمي مولاهم ضعيف باتفاق أهل العلم. وله إسناد آخر رواه الترمذي (٧٣١) عن قتيبة، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن ابن أم هانئ، عن أمّ هانئ، فذكرت نحوه. قال الترمذي: "في إسناده مقال". قلت: لعله يشير إلى الخلاف الواقع على سماك بن حرب، فقيل هكذا، وقيل: عن سماك، عن رجل، عن أم هانئ. رواه الإمام أحمد (٢٦٨٩٧) من طريق إسرائيل بن يونس، عن سماك. وقيل: عن سماك، عن رجل من آل جعدة، عن أمّ هانئ. وقيل: عن سماك عن جعدة رجل من قريش وهو ابن أم هانيء. وقيل: عن سماك، عن يحيى بن جعدة، عن أم هانئ. وقيل: عن سماك، عن هارون بن أم هانئ -كما عند أبي داود الطيالسي (١٧٢١) - أو ابن ابن أم هانئ، عن أمّ هانئ، وقيل: غير ذلك. ولذا قال ابن التركماني كما في "الجوهر النقي" (٤/ ٢٧٨): "هذا الحديث اضطرب متنًا وسندًا. أما اضطراب متنه فظاهر. وقد ذكر فيه أنه كان يوم الفتح، وهي أسلمت عام الفتح، وكان الفتح في رمضان، فكيف يلزمها قضاؤه. وأما اضطراب سنده فاختلف على سماك" فذكره ونقل عن النسائي في الكبرى (٣٣٠٩) أنه قال: "اختلف على سماك فيه، وسماك ليس ممن يعتمد عليه إذا انفرد بالحديث؛ لأنه كان يقبل التلقين". وكذلك قال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٢١١): "ومما يدل على غلط سماك فيه أنه قال في بعض الروايات عنه: إنّ ذلك كان يوم الفتح، ويوم الفتح كان في رمضان، فكيف بتصور قضاء رمضان في رمضان". ولكن للحديث إسناد آخر وهو ما رواه الترمذي (٧٣٢) عن أبي داود الطيالسي وهو في

стр. 2739

"مسنده" (١٧٢٣) قال: حدثنا شعبة، قال: كنت أسمع سماك بن حرب يقول: حدثني أحد ابني أمّ هاني، فلقيت أفضلهم وكان اسمه جعدة، وكانت أم هانئ جدته، فحدثني عن جدته أنّ رسول الله ﷺ دخل عليها، فدُعي بشراب فشرب، ثم ناولها فشربتْ. فقالت: يا رسول الله، أما إني كنتُ صائمة! فقال رسول الله: "الصائم المتطوع أمين نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر". قال شعبة: فقلت له: أأنت سمعتَ هذا من أمّ هانيء؟ قال: لا أخبرني أبو صالح وأهلنا عن أمّ هانيء. قال الترمذي: ورواية شعبة أحسن، هكذا حدثنا محمود بن غيلان، عن أبي داود، فقال: "أمين نفسه". حدثنا غير محمود عن أبي داود، فقال: "أمير نفسه أو أمين نفسه" على الشّك. وهكذا رُوي من غير وجه عن شعبة "أمين" أو "أمير نفسه" على الشّك. انتهى. وجعدة هو ابن هبيرة، وهو من زوجها هبيرة الذي هرب من مكة يوم الفتح، قال البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٣٩): "لا يعرف إلا بحديث فيه نظر". ونقل عنه ابن عدي في الكامل (٢/ ٦٠١) وأقره. وقال الذهبي في الميزان: "لا يدري من هو؟ ". وأبو صالح اسمه باذام، ويقال: باذان ضعيف مدلّس. وقد تزيد هذه الطريق اضطرابًا في الإسناد، إذْ بين سماك بن حرب وبين أمّ هانئ رجلان: أحدهما ضعيف، والثاني مجهول. والخلاصة أن هذا الحديث لا يصح من وجه من الوجوه، بل باجتماع هذه الوجوه تزيده اضطرابًا. فلا تغترن بقول الحاكم (١/ ٤٣٩): "صحيح الإسناد"، وفيه أبو صالح مولى أم هاني ضعيف مدلس. وفي الحديث -وإن كان فيه مقال- دليل على جواز الإفطار من صوم النفل من غير عذر بدون قضاء. وعليه تدل الأحاديث الأخرى بخلاف من استمسك بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. وأما إن كان الصوم واجبًا كقضاء رمضان أو نذر فلا يجوز الإفطار بغير عذر، وإن أفطر فعليه القضاء. وفي الباب أيضًا ما رُوي عن أبي سعيد أنه قال: صنع رجلٌ طعامًا، ودعا رسولَ الله ﷺ وأصحابه، فقال رجل: إني صائم. فقال رسول الله ﷺ : "أخوك صنع طعامًا ودعاك، أفطرْ واقْضِ يومًا مكانه". رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٢٣١٧) قال: حدثنا محمد بن أبي حميد، عن إبراهيم بن عبيد بن رفاعة الزرقي، عن أبي سعيد، فذكره. ومحمد بن أبي حميد وأهل المدينة يقولون: حماد بن أبي حميد. قال البخاري: منكر الحديث. وضعّفه أحمد وابن معين وغيرهما.

стр. 2740

ورواه الدارقطني من حديث محمد بن أبي حميد، عن إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، قال: "صنع أبو سعيد طعامًا فدعا النبيّ ﷺ وأصحابه" فذكر الحديث. قال الحافظ في "التلخيص" (٣/ ١٩٨): "وهو مرسل؛ لأنّ إبراهيم تابعي. ومع إرساله فهو ضعيف لأنّ محمد بن أبي حميد متروك". وله طريق آخر وهو ما رواه ابن عدي، والبيهقي (٤/ ٢٧٩) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه، عن ابن المنكدر، عن أبي سعيد. قال الحافظ: "وفيه لين، وابن المنكدر لا يعرف له سماع من أبي سعيد". وأبو أويس ضعيف أيضًا، وولده إسماعيل أشدّ منه ضعفًا، فقد كذّبه ابن معين. وأما كونه من رجال البخاريّ فالظاهر من صنيع البخاريّ أنه انتقي من حديثه بالقرائن المختلفة، وهذا لا يمنع من تضعيف حديثه ما لم يخرجه البخاريّ. وأما قول الحافظ في "الفتح" (٤/ ٢١٠) بعد أن عزاه للبيهقي: "إسناده حسن" فليس بحسن لما عرفت. وكذلك لا يصح ما رُوي عن عائشة قالت: أُهدي لي ولحفصة طعام وكنا صائمتين، فأفطرنا، ثم دخل رسول الله ﷺ ، فقلنا له: يا رسول الله، إنا أُهديت لنا هدية، فاشتهيناها فأفطرنا، فقال رسول الله ﷺ : "لا عليكما، صوما مكانه يومًا آخر". رواه أبو داود (٢٤٥٧)، والنسائي في الكبرى (٣٢٧٧) -ط. مؤسسة الرسالة-، والبيهقي (٤/ ٢٨١) كلهم من طريق اين الهاد، عن زميل مولي عروة، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، فذكرته. ذكر البيهقي عن ابن عدي أنه ذكر عن البخاري: "لا يُعرف لزُميل سماع من عروة، ولا لابن الهاد من زُميل ولا تقوم به الحجة". وقال الخطابي في "معالمه": "إسناده ضعيف، وزميل مجهول، ولو ثبت الحديث أشبه أن يكون إنما أمرهما بذلك استحبابًا". ورواه الترمذي (٧٣٥)، والإمام أحمد (٢٦١٦٨)، والبيهقي (٤/ ٢٨٠) كلّهم من حديث كثير ابن هشام، حدثنا جعفر بن برقان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، فذكرت نحوه. قال الترمذي: وروى صالح بن أبي الأخضر، ومحمد بن أبي حفصة هذا الحديث عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، مثل هذا. ورواه مالك بن أنس، ومعمر، وعبيدالله بن عمر، وزياد بن سعد، وغير واحد من الحفاظ، عن الزهري، عن عائشة، مرسلًا. ولم يذكروا فيه: "عن عروة" وهذا أصح. وقال: "لأنه روي عن ابن جريج قال: سألت الزهري. قلت له: أحدثك عروة عن عائشة؟ قال: لم أسمع من عروة في هذا شيئًا، ولكني سمعت في خلافة سليمان بن عبد الملك من ناس، عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث.

стр. 2741

حدثنا بذلك علي بن عيسى بن يزيد البغدادي، حدثنا رَوْح بن عبادة، عن ابن جريج، فذكر الحديث". قلت: وكذلك رواه عبد الرزاق (٧٧٩١) عن ابن جريج، قال: قلت لابن شهاب، فذكره. ورواية مالك في الموطأ في الصوم (٥٠) عن ابن شهاب الزهري: "أنّ عائشة، وحفصة أصبحتا صائمتين" فذكر الحديث مثله. قال ابن عبد البر: لا يصح عن مالك إلا مرسلًا. ورواية معمر رواه عبد الرزاق (٧٧٩٠) عنه، عن الزهري، قال: "أصبحت عائشة وحفصة .... ". وللحديث إسناد آخر، رواه النسائي في الكبري (٣٢٨٧) عن علي بن عثمان، قال: حدثنا المعافي ابن سليمان، قال: حدثنا خطّاب بن القاسم، عن خُصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنّ النبيّ ﷺ دخل على حفصة وعائشة وهما صائمتان، ثم خرج فرجع وهما تأكلان. فقال: "ألم تكونا صائمتين؟ " قالتا: بلى، ولكن أُهدي لنا هذا الطعام فأعجبنا، فأكلنا منه. قال: "صوما يومًا مكانه". قال النسائي: "هذا حديث منكر، وخُصيف ضعيف في الحديث وخطّاب لا علم لي به. والصواب حديث معمر ومالك وعبيدالله". وللحديث إسناد آخر وهو ما رواه النسائي (٣٢٨٢)، وابن حبان (٣٥١٧) كلاهما من حديث ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، فذكرت الحديث. ظاهرة الصحة، ولكن قال النسائي: "هذا خطأ". يعني الصواب أنه مرسل. وقال البيهقي: "ورُوي من أوجه أخر عن عائشة لا يصح شيء من ذلك، قد بينت ضعفها في الخلافيات". قلت: ومن هذه الوجوه ما رواه البيهقيّ أيضًا في "السنن الكبرى" عن عبيدالله بن عمر، ومالك ابن أنس، ويونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: بلغني "أنّ عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين منطوعتين، فأُهدي لهما طعام، فأفطرنا عليه، فدخل عليهما النبيّ ﷺ " فذكر الحديث وقال: "هذا الحديث رواه ثقات الحفاظ من أصحاب الزهري عنه منقطعًا: مالك بن أنس، ويونس بن يزيد، ومعمر بن راشد، وابن جريج، ويحيى بن سعيد، وعبيدالله بن عمر، وسفيان بن عيينة، ومحمد بن الوليد الزبيدي، وبكر بن وائل وغيرهم". وأورد النووي في "شرح المهذب" (٦/ ٣٩٦ - ٣٩٨) نصوصًا طويلة عن البيهقي وأقرّه. وفي الباب ما رُوي أيضًا عن عائشة قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ فقلنا: إنّ عندنا حيسًا قد خبّأناه لك قال: "قرِّبوه" فأكل وقال: "إني قد كنتُ أردت الصوم، ولكن أصوم يومًا مكانه". رواه النسائي في "الكبري" (٣٢٨٦) عن محمد بن منصور، حدثنا سفيان، عن طلحة بن

стр. 2742

يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة فذكرته. قال النسائي: هذا اللفظ خطأ، قد روي هذا الحديث جماعة عن طلحة فلم يذكر أحد منهم "ولكن أصوم يومًا مكانه". وأحاديث الباب تفيد أنّ الصائم المتطوع إذا أفطر لعذر أو لغير عذر فليس عليه القضاء وبه قال جمهور أهل العلم كما قال النووي في "شرح المهذب": "ولم يثبت في القضاء شيء، وإن ثبت فهو محمول على الاستحباب كما قال الخطابي". وقال أبو حنيفة ومالك: يجب عليه القضاء. وذكر مالك في "الموطأ" أن الرجل إذا دخل في شيء من الأعمال الصالحة فعليه أن يتمها ولا يقطعها. ١٣ - باب كيف كان صوم النبي ﷺ في غير رمضان ؟ • عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ يُفطر من الشّهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر منه شيئًا، وكان لا تشاء تراه من اللّيل مصليًا إلّا رأيته، ولا نائمًا إلّا رأيته. متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٧٢) من طريق حُميد أنه سمع أنسًا، فذكره. ورواه مسلم في الصيام (١١٥٨) من طريق ثابت، عن أنس: "أنّ رسول الله ﷺ كان يصوم حتى يقال: قد صام، قد صام. ويفطر حتى يقال: قد أفطر، قد أفطر". • عن ابن عباس، قال: ما صام النبيُّ ﷺ شهرًا كاملًا قطّ غير رمضان، ويصومُ حتى يقول القائلُ: لا والله! لا يُفطر، ويُفطر حتى يقول القائل: لا والله! لا يصوم. متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٧١)، ومسلم في الصيام (١١٥٧) كلاهما من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. ومن هذا الطريق رواه أيضًا أحمد (٢٩٤٧). ورواه أبو داود (٢٤٣٠) من طريق عثمان بن حكيم قال: سألت سعيد بن جبير عن صيام رجب؟ فقال: أخبرني ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح أيضًا، غير أنّ أبا بشر وهو جعفر بن إياس من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وليس في حديثه السؤال عن صوم رجب. ١٤ - باب كان النبيّ ﷺ يصوم شعبان وكان بصل صومه بصوم رمضان • عن عائشة زوج النبيّ ﷺ أنها قالت: كان رسولُ الله ﷺ يصومُ حتى نقول: لا

стр. 2743

يُفطر، ويُفطر حتى نقول: لا يصوم. وما رأيتُ رسولَ الله ﷺ استكمل صيامَ شهر قط إلّا رمضان. وما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه في شعبان. متفق عليه: رواه مالك في الصيام (٥٦) عن أبي النّضر مولي عمر بن عبيدالله، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن، عن عائشة، فذكرته. ورواه البخاريّ في الصوم (١٩٦٩)، ومسلم في الصيام (١١٥٦: ١٧٥) كلاهما من طريق مالك، به. وفي رواية عند البخاريّ: "فإنه كان يصوم شعبان كلّه". وعند مسلم: "كان يصوم شعبان كلّه، كان يصوم شعبان إلّا قليلًا". ورُوي مثل هذا أيضًا عن أبي هريرة. رواه أبو داود (٢٤٣٥) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ بمعناه أي معني حديث عائشة وهو قولها: "كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يُفطر ... " وزاد: "كان يصومه إلّا قليلًا، بل كان يصومه كلّه". وحماد هو ابن سلمة تغيّر حفظه بآخره، فوهم فيه فجعله من مسند أبي هريرة. والصواب أنه من مسند عائشة أو أمّ سلمة، كما ذكره النسائي (٤/ ١٥٠ - ١٥١). ورواه أحمد (٢٥١٠١) عن يزيد بن هارون، قال: حدّثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، قال: سألت عائشة: كيف كان يصوم النبيّ ﷺ فذكرت مثله. ورواه أيضًا الترمذيّ (٧٣٧) من حديث عبدة عن محمد بن عمرو بإسناده مختصرًا. فاتفاق يزيد بن هارون وعبدة -وهو ابن سليمان الكلابي ثقة ثبت من رجال الجماعة- يجعل الخطأ من حماد بن سلمة. ومعنى قوله: "كان يصومه إلّا قليلا، بل كان يصومه كلّه" أي أكمله مرة، ومرة لم يكمله، فقيل: يصومه كلّه، أي يصوم في أوله ووسطه وآخره، لا يخصّ شيئًا منه ولا يعمه بصيامه. وقيل: ليس على ظاهره، وإنما المراد: أكثره لا جميعه، وعبّر بالكلّ عن الغالب والأكثر. قاله المنذري. • عن عائشة، قالت: لا أعلم رسول الله ﷺ قرأ القرآن كلّه في ليلة واحدة، ولا قام ليلة حتى الصباح، ولا صام شهرًا كاملًا قطّ غير رمضان. صحيح: رواه النسائي (٢١٨٢) عن هارون بن إسحاق، عن عبدة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفي، عن سعد بن هشام، عن عائشة، فذكرته.

стр. 2744

ورواه مسلم في الصلاة (٧٤٦)، وأحمد (٢٤٢٦٩) من أوجه أخرى عن سعيد بن أبي عروبة في قصة طويلة لسعد بن هشام. ومضى بعضها في كتاب الصلاة. • عن عائشة، قالت: كان أحبّ الشّهور إلى رسول الله ﷺ أن يصومه: شعبان، ثم يصله برمضان. صحيح: رواه أبو داود (٢٤٣١) عن الإمام أحمد وهو في مسنده (٢٥٥٤٨) عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس، سمع عائشة تقول (فذكرته). ورواه أيضًا النسائي (٢٣٥٠) وصحّحه ابن خزيمة (٢٠٧٧)، والحاكم (١/ ٤٣٤) كلّهم من طريق معاوية بن صالح به. وإسناده صحيح. وأما قول الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". ففيه وهمٌ؛ فإن معاوية بن صالح لم يخرج له البخاري كما قال الذهبي في "الميزان". • عن أمّ سلمة، عن النبيّ ﷺ أنه لم يكن يصوم من السنة شهرًا تامًا إلّا شعبان يصله برمضان. صحيح: رواه أبو داود (٢٣٣٦) عن الإمام أحمد -وهو في مسنده (٢٦٦٥٣) - عن محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن توبة العنبري، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أمّ سلمة، فذكرته. ومن هذا الطريق رواه أيضًا البيهقي (٤/ ٢١٠) وإسناده صحيح. ورواه الترمذي (٧٣٦)، والنسائي (٢١٧٥)، والإمام أحمد (٢٦٥٦٢) كلّهم من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي سلمة، عن أمّ سلمة، قالت: "ما رأيتُ رسول الله ﷺ صام شهرين متتابعين إلا أنه كان يصل شعبان برمضان". وإسناده صحيح أيضًا إلا أنّ الترمذي قصّر في الحكم عليه، فقال: حديث أمّ سلمة حديث حسن. وقد رواه أيضًا في الشمائل (٢٩٥) بهذا الإسناد. وقال: "هذا إسناد صحيح". وهذا الحكم يكون أصح من الحكم الأول إلا أن تكون النُّسخ قد اختلفت. ورواه ابن ماجه (١٦٤٨) من وجه آخر عن شعبة، عن منصور بإسناده مختصرًا. وقد أشار الترمذيّ أنّ هذا الحديث قد رُوي أيضًا عن أبي سلمة، عن عائشة أنها قالت: "ما رأيتُ النبيّ ﷺ في شهر أكثر صيامًا منه في شعبان، كان يصومه إلّا قليلًا، بل كان يصومه كلّه". ثم رواه عن هناد، حدّثنا عبدة، عن محمد بن عمرو، حدّثنا أبو سلمة، عن عائشة، عن النبيّ ﷺ بذلك. وقال: وقد روي سالم أبو النضر وغير واحد عن أبي سلمة، عن عائشة نحو رواية محمد بن

стр. 2745

عمرو. انتهى. قلت: وقد تقدم رواية أبي النّضر، عن أبي سلمة، عن عائشة. ١٥ - باب ما جاء في فضل صوم شعبان • عن أبي أسامة، قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشّهور ما تصوم من شعبان؟ قال: "ذاك شهر يغفل الناسُ عنه بين رجب ورمضان. وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى ربّ العالمين، فأحبّ أن يرفع عملي وأنا صائم". حسن: رواه الإمام أحمد (٢١٧٥٣) وعنه الضياء في "المختارة" (١٣٥٦) عن عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا ثابت بن قيس أبو غُصْن، حدثني أبو سعيد المقبري، حدثني أسامة بن زيد، فذكره. وإسناده حسن من أجل ثابت بن قيس فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. ١٦ - باب صوم سَرَر شعبان • عن عمران بن حُصين، عن النبيّ ﷺ ، أنه سأله أو سأل رجلًا وعمران يسمع، فقال: يا فلان، أما صُمْتَ سرَر هذا الشّهر؟ قال: أظنّه قال يعني رمضان، قال الرجل: لا، يا رسول الله. قال: فإذا أفطرت فصُمْ يومين". متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٨٣)، ومسلم في الصيام (١١٦١) من طريق مهدي بن ميمون، حدّثنا غيلان بن جرير، عن مطرِّف، عن عمران بن حصين، به، فذكره. واللفظ للبخاريّ. وقوله: "رمضان" خطأ، والصواب شعبان كما نبه عليه البخاري، وذكره عن ثابت معلقا، وهو عند مسلم متصل. ولفظ مسلم: "يا فلان، أصمتَ من سُرَّة هذا الشّهر؟ ". وفي رواية عند مسلم (١٩٩) من وجه آخر عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن مطرف، عن عمران بن حصين، أنّ رسول الله ﷺ قال له أو لآخر: "أصمت من سرر شعبان؟ " قال: لا. قال: "فإذا أفطرت فصمْ يومين". ولم يشك شعبة بأنه ﷺ قال لرجل آخر. رواه عن ابن أخي مطرف بن الشّخّير، قال: سمعت مطرقًا يحدث عن عمران بن حصين، أنّ رسول الله ﷺ قال لرجل: "هل صمت من سرر هذا الشهر شيئًا" يعني شعبان. قال: لا. فقال له: "إذا أفطرت رمضان فصم يومًا أو يومين" شكّ شعبة. وأظنّه قال: يومين. رواه أحمد (١٩٨٣٩) عن محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، فذكره. ورواه مسلم من وجهين (محمد بن جعفر، والنضر بن شميل) كلاهما عن شعبة. وفي هذه الرواية تحديد هذا الشّهر بأنه شعبان.

стр. 2746

وقوله: "سَرَر" بفتحتين: أي آخره. وما رواه أبو داود (٢٣٣٠) من طريق الأوزاعي أنه قال: "سره أوله" فهو غلط كما قال الخطابي، وقال: "والصحيح أن سره آخره هكذا حدّثنا أصحابنا عن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل، حدّثنا محمود بن خالد الدمشقي، عن الوليد، عن الأوزاعي، قال: "سره: آخره". وهذا هو الصواب. وفيه لغات يقال: سِر الشهر، وسرر الشهر، وسراره. وسمي آخر الشّهر سرًا لاستسرار القمر فيه" انتهي. وهذا الذي صوبه أيضًا البيهقي (٤/ ٢١١) وقال: وأراد به اليوم واليومين اللذين يستر فيهما القمر قبل يوم الشك، وأراد به صيام آخر الشهر مع يوم الشك إذا وافق ذلك عادته في صوم آخر كل شهر. وقيل: أراد بسره وسطه، وسر كلّ شيء جوفه. فعلى هذا أراد أيام البيض" انتهى. وقيل: ولعلّ سبب ذلك أنه كان يعتاد صوم آخره، أو نذره، فتركه لظاهر النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين، فبيّن أن المعتاد أو المنذور ليس بمنهي عنه. وللحديث تأويلات أخرى ذكرها الحافظ في "الفتح" (٤/ ٢٣١ - ٢٣٢) فراجعه، والذي أرتضي من هذه التأويلات هو ما ذكرته من أن المراد من سره آخره، والمنهي عنه تقدم يوم أو يومين بدون أن يكون معتادا أو منذورا، ولعل كان ذلك قبل فرضية رمضان، ثم صار بعدها تطوعا للمعتاد والمنذور. وفي معناه ما رُوي عن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "صوموا الشهر وسره". رواه أبو داود (٢٣٢٩) عن إبراهيم بن العلاء الزبيدي من كتابه، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عبد الله بن العلاء، عن أبي الأزهر -المغيرة بن فروة- قال: قام معاوية في الناس بدَيْر مِسْحل الذي على باب حمص، فقال: أيها الناس، إنا قد رأينا الهلال يوم كذا وكذا، وأنا متقدم بالصيام، فمن أحب أن يفعله فليفعل. قال: فقام إليه مالك بن هبيرة السبتي، فقال: يا معاوية، أشيء سمعته من رسول الله ﷺ أم شيء من رأيك؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (فذكر الحديث). وأبو الأزهر -المغيرة بن فروة الثقفي- الدمشقي غير مشهور في طلب العلم ولم يوثقه غير ابن حبان، ولذا قال الحافظ: "مقبول" أي إذا تُوبع، وإلا فلين الحديث. وفيه الوليد بن مسلم وهو مدلس فإنه كان يدلس تدليس التسوية، ولكنه صرَّح، ويكفي عند الجمهور تصريحه في أول الإسناد ولو صرّح في جميع الطبقات لكان أولي. ١٧ - باب من كره الصوم من النّصف الثاني من شعبان لحال رمضان • عن عبد العزيز بن محمد، قال: قدم عباد بن كثير المدينة، فمال إلى مجلس العلاء، فأخذ بيده فأقامه ثم قال: اللهم! إنّ هذا يحدّث عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا". فقال العلاء: اللهم! إنّ

стр. 2747

أبي حدّثني عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ بذلك. صحيح: رواه أبو داود (٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨)، وابن ماجه (١٦٥١) كلّهم من حديث عبد العزيز بن محمد بإسناده. واللفظ لأبي داود، ولم يذكر الترمذي وابن ماجه القصّة. وصحّحه ابن حبان (٣٥٨٩، ٣٥٩١). ورواه من وجه آخر عن العلاء مختصرًا. وأخرجه الإمام أحمد (٩٧٠٧) من وجه آخر عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب بإسناده وفيه: "إذا كان النّصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم حتى يكون رمضان". قال أبو داود: وكان عبد الرحمن لا يحدّث به، قلت لأحمد: لِمَ؟ قال: لأنه كان عنده أن النبيّ ﷺ كان يصل شعبان برمضان، وقال عن النبيّ ﷺ خلافه. قال أبو داود: "وليس هذا عندي خلافه، ولم يجي به غير العلاء عن أبيه". وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حسن صحيح، لا نعرفه إلّا من هذا الوجه على هذا اللفظ. ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن يكون الرجل مفطرًا، فإذا بقي من شعبان شيء أخذ في الصوم لحال شهر رمضان، وقد رُوي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ما يُشبه قولهم حيث قال: "لا تقدموا شهر رمضان بصيام إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم". وقد دلّ في هذا الحديث إنما الكراهية على من يتعمّد الصيام لحال رمضان" انتهي. ولأهل العلم في الجمع بين حديث عائشة وحديث أبي هريرة مذاهب ذكرتُ بعضها في "المنة الكبري" (٣/ ٤٣٠). وأما قول البيهقي (٤/ ٢٠٩): رواه أبو داود عن قتيبة، ثم قال أبو داود: وقال أحمد بن حنبل: "وهذا حديث منكر. قال: وكان عبد الرحمن لا يحدّث به". فلم أجد هذا الكلام في النسخة المطبوعة لأبي داود من رواية ابن داسة. كما لم أجده في كتاب مسائل أبي داود للإمام أحمد، فتنبّه. وقد قال الحافظ ابن القيم في "تهذيب السنن" (٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤) أنّ هذا الحديث لا يعارض الحديث الآخر كما ظن عبد الرحمن بن مهدي، وكون العلاء لم يتابع عليه فهو ليس بعلة قادحة عند المحدثين. بل هو حديث صحيح على شرط مسلم، فإن مسلمًا أخرج في صحيحه عدّة أحاديث عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة. وتفرده به تفرّد ثقة بحديث مستقل، وله عدّة نظائر في الصحيح. وأطال الكلام في تصحيحه. ١٨ - باب فضل صيام ستة أيام من شوال إتباعًا لرمضان • عن أبي أيوب الأنصاريّ، أنّ رسول الله ﷺ قال: "من صام رمضان وأتبعه

стр. 2748

ستًا من شوال، كان كصيام الدَّهر". صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١٦٤) من طرق عن سعد بن سعيد أخي يحيى بن سعيد، عن عمر بن ثابت بن الحارث الخزرجي الأنصاريّ، عن أبي أيوب الأنصاري، فذكره. وسعد بن سعيد هو ابن قيس بن عمرو الأنصاريّ أخو يحيي بن سعيد الأنصاريّ ضعّفه أحمد والنسائي وغيرهما من أجل سوء حفظه، إلا أنه لم ينفرد بهذا الحديث بل تابعه صفوان بن سُليم. رواه أبو داود (٢٤٣٣)، وصححه ابن خزيمة (٢١١٤)، وابن حبان (٣٦٣٤) فروي بعضهم مقرونًا به. وصفوان بن سليم هو المدني ثقة، ووثقه أبو حاتم وغيره، وهو يقوي حديث سعد بن سعيد، بل أولي منه. وقال الترمذي (٧٥٩) عقب تخريج الحديث: "قد تكلّم بعض أهل الحديث في سعد بن سعيد من قبل حفظه". قلت: لقد زال هذا الضعف بمتابعة صفوان بن سُليم له، بل قال الطحاوي في مشكله (٦/ ١١٩ - ١٢١): "فكان هذا الحديث مما لم يكن بالقوي في قلوبنا لما سعد بن سعيد عليه في الرواية عند أهل الحديث، ومن رغبتهم عنه حتى وجدناه قد أخذه عنه من ذكرنا أخذه إياه عنه من أهل الجلالة في الرواية والثبت فيها، فذكرنا حديثه لذلك". وساق أسانيد صفوان بن سُليم، وزيد بن أسلم، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وعبد ربه بن سعيد الأنصاريّ كلّهم عن عمر بن ثابت. إلا أن عمر بن ثابت وهو ابن الحارث المازني الخزرجي الأنصاري المدني انفرد به، ولا يضرّ تفرده، فإنه من ثقات أهل المدينة ويعضده حديث ثوبان وغيره. • عن ثوبان، أنّ رسول الله ﷺ قال: "صيام رمضان بعشر أشهر، وصيام الستة أيام بشهرين، فذلك صيام السنة يعني رمضان وستة أيام بعده". صحيح: رواه ابن ماجه (١٧١٥)، والإمام أحمد (٢٢٤١٢)، وابن خزيمة (٢١١٥)، وابن حبان (٣٦٣٥)، والطحاوي في "مشكله" (٢٣٤٨)، والبيهقي (٤/ ٢٩٣) كلّهم من حديث يحيي بن الحارث الذماريّ، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، فذكره واللفظ لابن خزيمة. ولفظ ابن ماجه: "من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها". وإسناده صحيح، وأبو أسماء اسمه عمرو بن مرثد، وهو ثقة. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدّهر".

стр. 2749

حسن: رواه البزار -كشف الأستار (١٠٦١) - عن محمد بن مسكين، ثنا عمرو، ثنا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل عمرو وهو ابن أبي سلمة التّنيسيّ الدّمشقي من رجال الجماعة إلا أنه بهم قليلًا، ولعله لم يهم في هذا الحديث. وقد رواه البزار (١٠٦٠) بإسناد آخر وأعلّه. ولذا قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٨٣): "رواه البزار، وله طرق، رجال بعضها رجال الصحيح". وفي الباب عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام رمضان، وستًا من شوال كان كصيام الدهر". رواه الإمام أحمد (١٤٣٠٢)، والبزّار -كشف الأستار (١٠٦٢)، والطحاوي في "مشكله" (٢٣٥٠)، والبيهقي (٤/ ٢٩٣)، وعبد بن حميد (١١١٦) كلّهم من طريق عمرو بن جابر الحضرمّي أبي زرعة، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول (فذكر الحديث). قال البزار: تفرد به عمرو. وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٨٣) بعد أن عزاه لأحمد والبزار والطبراني في "الأوسط": "وفيه عمرو بن جابر وهو ضعيف". وأمّا ما رواه الطبراني في "الأوسط" (٧٦٠٣) عن أبي هريرة مرفوعًا وفيه: "من صام ستة أيام بعد الفطر متتابعة، فكأنما صام السنة". فقوله: "متتابعة" فيه نكارة. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣/ ١٨٣ - ١٨٤): "رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه من لم أعرفه". وأخذ بهذه الأحاديث جمهور أهل العلم من المحدثين والفقهاء، فقالوا باستحباب صيام ست من شوال. واختار البعض من أول الشهر، فإن صامها متفرقه قبل خروج شوال جاز. وكره مالك أن يلحق برمضان، قال: "ولم يبلغني في ذلك عن أحد من السلف، وإنّ أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء، لو رأوا في ذلك رخصة عن أهل العلم، ورأوا يعملون ذلك" انتهي. قال ابن عبد البر فيما نقله عنه ابن القيم في "تهذيب السنن": "لم يبلغ مالكًا حديث أبي أيوب على أنه حديث مدني، والإحاطة بعلم الخاصة لا سبيل إليه، والذي كرهه مالك قد بيّنه وأوضحه خشية أن يضاف إلى فرض رمضان، وأن يسبق ذلك إلى العامة، وكان متحفظًا كثير الاحتياط للدّين، وأمّا صوم الستة الأيام على طلب الفضل وعلى التأويل الذي جاء به ثوبان فإنّ مالكًا لا

стр. 2750

يكره ذلك إن شاء الله؛ لأنّ الصّوم جنّة وفضله معلوم يدع طعامه وشرابه لله وهو عمل بر وخير، وقد قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] ومالك لا يجهل شيئًا من هذا، ولم يكره ذلك إلّا ما خافه على أهل الجهالة والجفاء إذا استمر ذلك، وخشي أن يُعدّ من فرائض الصيام مضافًا إلى رمضان". انظر أيضًا: الاستذكار (١٠/ ٢٥٩). ونهاية كلام ابن عبد البر: "وقد يمكن أن يكون جهل الحديث، ولو علمه لقال به. والله أعلم". قلت: صدق الشافعي رحمه الله تعالى حين قال: "ما من حديثٍ صحيحٍ إلا وقد حُفِظَ، ليس عند شخص واحد، ولكن عند أفراد الأمة". والإمام مالك إمام دار الهجرة لم يعلم بحديث أبي أيوب في فضل صيام الست من شوال مع أنه حديث مدني، فكيف بغيره؟ . ١٩ - باب ما رُوي في صوم شوال كلّه وفي الباب ما رُوي عن مسلم القرشي قال: سألت أو سئل النبيّ ﷺ عن صيام الدّهر، فقال: "إنّ لأهلك عليك حقًّا، صم رمضان، والذي يليه، وكلّ أربعاء وخميس، فإذا أنت قد صمت الدّهر". رواه أبو داود (٢٤٣٢)، والترمذي (٧٤٨) كلاهما من حديث عبد الله بن موسى، عن هارون بن سلمان، عن عبيدالله بن مسلم القرشيّ، عن أبيه، فذكر الحديث. وفيه عبيدالله بن مسلم القرشيّ، وقيل: مسلم بن عبد الله وهو الأشهر. وهو الذي رجّحه البغوي وغير واحد، ولم يرو عنه سوى هارون بن سلمان الفراء، ولم يوثقه غير ابن حبان، فهو في عداد المجهولين؛ ولذا استغربه الترمذيّ أي ضعّفه. ٢٠ - باب الترغيب في صيام يوم عرفة لغير الحاج • عن أبي قتادة الأنصاريّ، قال: وسئل (يعني النبيّ ﷺ ) عن صوم يوم عرفة؟ فقال: "يكفِّر السنة الماضية والباقية". صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١٦٢) من طريق غيلان بن جرير، سمع عبد الله بن معبد الزّمَّاني، عن أبي قتادة، فذكره. وهو جزء من حديث طويل سبق ذكره بتمامه. وفي لفظ: "صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده". • عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام يوم عرفة، غفر له سنتين متتابعتين". حسن: رواه أبو يعلى (٧٥٤٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا معاوية بن هشام، عن أبي حفص الطّائفي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، فذكره. وهو في مصنف أبي بكر بن أبي شيبة (٣/ ٩٧)

стр. 2751

ومن طريقه رواه أيضًا الطبراني في الكبير (٦/ ٢٢٠). وإسناده حسن من أجل أبي حفص وهو عبد السلام بن حفص أبو حفص، ويقال: أبو مصعب المدني، ويقال: الطائفي، ويقال: القرشي مولاهم، وثّقه ابن معين. وقال أبو حاتم: ليس بمعروف. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الذهبي في "الديوان": "صدوق يُغرب". وفيه أيضّا معاوية بن هشام وهو القصار من رجال الصحيح إلا أنه وصف بأن له أوهامًا. وأمّا قول الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ١٨٩): "ورواه أبو يعلى والطبراني في "الكبير"، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح" ففيه وهمان: الأول: عبد السلام بن حفص ليس من رجال الصحيح، وإنما أخرج له أصحاب السنن غير ابن ماجه. الثاني: يوهم كلامه بأن الطبراني رواه من طريق آخر، والصحيح أنه رواه أيضًا من طريق ابن أبي شيبة كما رواه أبو يعلى، إلا أنه زاد طريقًا وهو عثمان بن أبي شيبة، كلاهما عن معاوية بن هشام. وفي الباب ما رُوي عن قتادة بن النعمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صام يوم عرفة غفر له سة أمامه وسنة بعده". رواه ابن ماجه (١٧٣١) عن هشام بن عمار قال: حدّثنا يحيى بن حمزة، عن إسحاق بن عبد الله، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري، عن قتادة بن النعمان، فذكره. وإسناده ضعيف جدًّا فإن فيه إسحاق بن عبد الله وهو ابن أبي فروة ضعيف باتفاق أهل العلم. وقد قال أبو حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم: متروك الحديث. وفي الباب ما رُوي أيضًا عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنّ صوم عرفة يكفّر العام الذي قبله". رواه الإمام أحمد (٢٤٩٧٠) عن عفان، قال: حدّثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا عطاء الخراساني، أنّ عبد الرحمن بن أبي بكر دخل على عائشة يوم عرفة وهي صائمة، والماء يُرشّ عليها. فقال لها عبد الرحمن: أفطري. فقالت: أفطر؟ ! وقد سمعت رسول الله يقول (فذكرته). وإسناده منقطع؛ فإنّ عطاء الخراساني لم يسمع من عائشة. وبه أعلّه المنذري في "الترغيب والترهيب" (١٥٣٨)، والهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٨٩). ٢١ - باب ما جاء في فضل العمل في أيام العشر من ذي الحجة • عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه". قالوا: ولا الجهاد؟ . قال: "ولا الجهاد، إلّا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء". صحيح: رواه البخاري في العيدين (٩٦٩) عن محمد بن عرعرة، قال: حدّثنا شعبة، عن

стр. 2752

سليمان، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. • عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أيام أعظم عند الله، ولا العمل فيهن أحبّ إلى الله من هذه الأيام، فأكثروا فيها التهليل والتحميد" يعني أيام العشر. صحيح: رواه أبو عوانة في "مسنده" (٣٠٢٤) عن أبي يحيى عبد الله بن أحمد بن أبي ميسرة، حدّثنا عبد الحميد بن غزوان البصريّ، حدّثنا أبو عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح، وموسي بن أبي عائشة ثقة من رجال الجماعة. ورواه الإمام أحمد (٥٤٤٦)، وعبد بن حميد (٨٠٧) كلاهما من حديث أبي عوانة، حدّثنا يزيد ابن أبي زياد، عن مجاهد، به، مثله. ويزيد بن أبي زياد هو الهاشمي مولاهم ضعيف، ولكنه توبع في الإسناد الأول. • عن عبد الله بن عمرو، قال: كنت عند رسول الله ﷺ قال: فذكرت الأعمال، فقال: "ما من أيام العمل فيهن أفضل من هذه العشر". قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: فأكبره، فقال: "ولا الجهاد إلا أن يخرج رجل بنفسه وماله في سبيل الله، ثم تكون مهجة نفسه فيه". حسن: رواه الإمام أحمد (٦٥٥٩)، وابن أبي عاصم في "الجهاد" (١٥٧)، والطيالسيّ (٢٣٩٧) كلّهم من حديث زهير بن معاوية، حدثنا إبراهيم بن المهاجر، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو، فذكره. وإسناده حسن من أجل الاختلاف في إبراهيم بن المهاجر، فضعّفه أبو حاتم ومشّاه أحمد وأبو داود والعجلي وابن سعد وغيرهم، وهو حسن الحديث. وقوله: "مُهجة" بضم الميم وسكون الهاء الدم، أو دم القلب والرّوح. وقد رُوي عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "ما من أيام أحبّ إلى الله أن يُتعبّد له فيها من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة. وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر". رواه الترمذي (٧٥٨)، وابن ماجه (١٧٢٨)، وأبو عوانة (٣٠٢١)، والبيهقي في "فضائل الأوقات" (١٧٤) كلهم من حديث مسعود بن واصل، عن نهاس بن قَهْم، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكره. ومسعود بن واصل الأزرق ضعّفه أبو داود وغيره. وشيخه النهاس بن قَهم القيسي أسوأ حالًا منه فقد ضعّفه جمهور أهل العلم.

стр. 2753

قال ابن حبان: "كان يروي المناكير عن المشاهير، ويخالف الثقات، لا يجوز الاحتجاج به". ولعلّ هذا منه فإنه انفرد به عن قتادة، ولم يرو هذا الحديث من غير طريقه. وتساهل الترمذيّ فحسّنه مع الغرابة، فقال: "حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث مسعود بن واصل، عن النهاس". وقال: "وسألت محمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه من غير هذا الوجه مثل هذا". وقال: "قد رُوي عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن النبيّ ﷺ مرسلًا شيء من هذا. وقد تكلّم يحيى بن سعيد في نهاس بن قهم من قبل حفظه" انتهى. وفي الباب حديث جابر، رواه ابن حبان (٣٨٥٣) وغيره، وسبق ذكره في الحج - فضل يوم عرفة فراجعه. ٢٢ - باب ما جاء في فطر العشر • عن عائشة، قالت: "ما رأيتُ رسولّ الله ﷺ صائمًا في العشر قطّ". وفي لفظ: "أنّ النبيَّ ﷺ لم يَصُم العشر". صحيح: رواه مسلم في الاعتكاف (١١٧٦) من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، فذكرته. ومن هذا الطريق رواه أيضًا الترمذي (٧٥٦) وقال: هكذا روي غير واحد عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. وروى الثوري وغيره هذا الحديث عن منصور، عن إبراهيم، أنّ النبيّ ﷺ لم ير صائمًا قط. وأما ما رُويَ عن بعض أزواج النبي ﷺ : أن النبي ﷺ كان يصوم العشر فهو شاذٌّ مخالفٌ لما في الصحيح. رواه النسائي (٢٤١٨) من حديث هنيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي ﷺ . ٢٣ - باب الصيام في شهر الله المحرم والأشهر الحُرُم • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصّيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم، وأفضل الصّلاة بعد الفريضة صلاة اللّيل". صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١٦٣) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حُميد بن عبد الرحمن الحميريّ، عن أبي هريرة، فذكره. • عن جندب بن سفيان البجليّ، قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "إنّ أفضل الصّلاة بعد المفروضة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله الذي تدعونه

стр. 2754

المحرم". صحيح: رواه الطبراني في الكبير (٢/ ١٨٢ - ١٨٣)، والنسائي في الكبري (٢٩٠٤)، والبيهقي (٤/ ٢٩١) كلّهم من حديث عبيدالله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن جندب بن سفيان، فذكره. واختصره النسائي. قال المنذريّ في "الترغيب والترهيب" (١٥٤٨) بعد أن عزاه للنسائي، والطبراني: إسناده صحيح. وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٩٠ - ١٩١): "عزاه في الأطراف إلى النسائي. ولم أجده في نسختي، وكأنه في "الكبرى". ورواه الطبراني في "الكبير" ورجاله رجال الصحيح". وفي الباب ما رُوي عن مجيبة الباهليّة، عن أبيها -أو عمّها- أنه أتى النبيّ ﷺ ، ثم انطلق، فأتاه بعد سنة، وقد تغيّرت حاله وهيئته، فقال: يا رسول الله! أما تعرفني؟ قال: "من أنت؟ ". قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول. قال: "فما غيّرك، وقد كنت حسن الهيئة؟ ". قال: ما أكلتُ طعامًا منذ فارقتك إلا بليل؟ فقال رسول الله ﷺ : "لم عذبتَ نفسك؟ " ثم قال: "صُمْ شهر الصّبر، ويومًا من كلّ شهر". قال: زدني فإن بي قوة. قال: "صم يومين" قال: زدني: قال: "صم ثلاثة أيام". قال: زدني -قال: "صم من الْحُرُم واترك، وصم من الْحُرُم واترك، صم من الْحُرُم واترك" وقال بأصابعه الثلاثة- فضمّها ثم أرسلها. رواه أبو داود (٢٤٢٨) من طريق حماد، وابن ماجه (١٧٤١)، والنسائي (٢٧٤٣) من حديث سفيان، والإمام أحمد (٢٠٣٢٣) من حديث الجريري، كلّهم عن أبي السيل، عن مجيبة الباهلية، فذكرته. هكذا رواه أبو داود -واللفظ له-، ورواه ابن ماجه، فقال: عن أبي مجيبة الباهلي، عن أبيه -أو عن عمه-. وفيه بعد قوله: "ويومين": "صم شهر الصبر، وثلاثة أيام بعده، وصم أشهر الْحُرُم". وفي رواية النسائي: عن مجيبة الباهلي، عن عمّه -بدون شك، وفيه-: "صُم الْحُرُم وأفطر". وفي رواية أحمد: "مجيبة عجوز من باهلة". ومجيبة الباهلية مجهولة لم يرو عنها غير أبي السبيل. ثم كما رأيت اضطرب الناس فيها فقيل: إنّها امرأة، وقيل: إنها رجل، وقيل: أبو مجيبة. قال المنذري بعد أن نقل كلام العلماء في مجيبة الباهلية أو الباهلي: "وقد وقع هذا الاختلاف كما تراه، وأشار بعض شيوخنا إلى تضعيفه لذلك، وهو متوجه". والجريري هو سعيد بن إياس اختلط بآخره ولكن رواه البعض من سبق ذكرهم قبل الاختلاط. وقوله: "الْحُرُم" أي الأشهر الحرم، وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. وقد عبر أعرابي بقوله: ثلاثة سَرْد، وواحد فرد. وفي الباب أيضًا ما رُوي عن علي بن أبي طالب سأله رجل فقال: أي شهر تأمرني أن أصوم

стр. 2755

بعد شهر رمضان؟ قال له: ما سمعت أحدًا يسأل عن هذا إلا رجلا سمعته يسأل رسول الله ﷺ وأنا قاعد. يا رسول الله، أي شهر تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان؟ قال: "إن كنت صائمًا بعد شهر رمضان فصم المحرم، فإنه شهر الله، ففيه يوم تاب فيه على قوم، ويتوب فيه على قوم آخرين". رواه الترمذي (٧٤١) عن علي بن حجر، أخبرنا علي بن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي بن أبي طالب، فذكره. قال الترمذي: "حسن غريب". قلت: ليس بحسن فإن فيه عبد الرحمن بن إسحاق وهو أبو شيبة الواسطي ضعيف باتفاق أهل العلم. والنعمان بن سعد لم يوثفه غير ابن حبان؛ ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول" أي إذا تُوبع، ولم أجد من تابعه بل أكّد الترمذي بأنه غريب. وفي الباب أيضًا ما رُوي عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام يوم عرفة كان له كفارة سنتين، ومن صام يومًا من المحرم، فله بكل يوم ثلاثون يومًا". رواه الطبرانيّ في الصغير (٩٦٣) عن محمد بن رزين بن جامع المصري أبي عبد الله المدني، حدّثنا الهيثم بن حبيب، حدّثنا سلّام الطويل، عن حمزة الزيات، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره. قال الطبراني: لم يروه عن حمزة الزيات إلا سلّام الطويل، تفرّد به الهيثم بن حبيب. وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٩٠): فيه الهيثم بن حبيب ضعّفه الذهبي. قلت: وشيخه سلّام الطويل "متروك" كما في التقريب. وفيه أيضًا ليث بن أبي سليم اختلط أخيرًا ولم يتميز حديثه فترك. فقول المنذري في "الترغيب والترهيب" (١٩٤٩): "رواه الطبراني في الصغير وهو غريب، وإسناده لا بأس به، والهيثم بن حبيب وثقه ابن حبان". كيف يكون لا بأس به، وفيه كل هذه مما ذكرت، كما أني لم أجد توثيق ابن حبان للهيثم بن حبيب في "الثقات". وفي الباب أيضًا عن أنس بن مالك. رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه يعقوب بن موسى المدني مجهول وفيه مسلمة بن راشد. قال أبو حاتم: "مضطرب الحديث". انظر: "المجمع" (٣/ ١٩١). ٢٤ - باب فضل صيام يوم الاثنين • عن أبي قتادة الأنصاريّ، أنّ رسول الله ﷺ سئل عن صوم الاثنين؟ فقال: "فيه وُلدتُ، وفيه أُنزل عليَّ".

стр. 2756

صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١٦٢: ١٩٨) من طريق مهدي بن ميمون، عن غيلان (هو ابن جرير المعْوليّ)، عن عبد الله بن معبد الزّمّاني، عن أبي قتادة، فذكره. ورواه أيضًا (١١٦٢: ١٩٧) من طريق شعبة، عن غيلان بن جرير، به، نحوه. ثم قال مسلم: "وفي هذا الحديث من رواية شعبة. قال: وسئل عن صوم يوم الاثنين والخميس؟ فسكتنا عن ذكر الخميس لما نُراه وهمًا". ٢٥ - باب ما جاء في صوم الاثنين والخميس • عن أسامة بن زيد، قال: كان رسول الله ﷺ يصوم الأيام يسرُد حتى يقال: لا يُفطر، ويُفطر الأيام حتى لا يكاد أن يصوم إلّا يومين من الجمعة، إن كان في صيامه، وإلّا صامهما، ولم يكن يصوم من شهر من الشهور ما يصوم من شعبان، فقلت: يا رسول الله، إنّك تصوم لا تكاد أن تُفطر، وتُفطر حتى لا تكاد أن تصوم إلّا يومين إن دخلا في صيامك وإلّا صُمتَهما! قال: "أيُّ يومين؟ ". قال: قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس. قال: "ذانِكَ يومان تُعرض فيهما الأعمال على ربِّ العالمين، وأُحبُّ أن يُعرض عملي وأنا صائم". قال: قلت: ولم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصومُ من شعبان! قال: "ذاك شهرٌ يغفُلُ الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهرٌ ترفع فيه الأعمال إلى ربِّ العالمين، فأحبُّ أن يرفع عملي وأنا صائم". حسن: رواه الإمام أحمد (٢١٧٥٣) عن عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا ثابت بن قيس أبو غصن، حدثني أبو سعيد المقبري، حدثني أسامة بن زيد، فذكره. ورواه النسائي (٢٣٥٧) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، مختصرًا. وإسناده حسن من أجل ثابت بن قيس أبو غصن المدني، وثقه الإمام أحمد وغيره، وضعّفه أبو داود وغيره إلا أنه حسن الحديث. وحسّنه أيضًا المنذري من طريق النسائي في "مختصر سنن أبي داود". وله طريق آخر رواه أبو داود (٢٤٣٦)، والإمام أحمد (٢١٧٤٤) كلاهما من طريق أبان، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني عمر بن أبي الحكم بن ثوبان، عن مولي قدامة بن مظعون، عن مولي أسامة بن زيد، أنه انطلق مع أسامة إلى وادي القرى في طلب مال له، فكان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، فقال له مولاه: لِم تصوم الاثنين ويوم الخميس وأنت شيخ كبير؟ فقال: إنّ نبيَّ الله ﷺ كان يصوم يوم الاثنين والخميس، وسئل عن ذلك فقال: "إنّ أعمال العباد تعرض يوم الاثنين ويوم الخميس".

стр. 2757

قال أبو داود: كذا قال هشام الدستوائي، عن يحيى، عن عمر بن أبي الحكم. قلت: إسناده ضعيف فإن مولي قدامة بن مظعون ومولي أسامة بن زيد لا يعرفان. إلا أن الثاني اسمه حرملة، وقد مشاه البعض، فقال: "صدوق". وقال المنذري: "وفي إسناده رجلان مجهولان" ثم ذكر حديث النسائي من طريق أبي سعيد كيسان المقبري. وقال: "هو حديث حسن". فالمنذريّ حسَّن الطريق الأوّل، وأما الطريق الثاني وهو طريق أبي داود فضعّفه ولكن بمجموع الطريقين يكون الحديث حسنًا. وله طريق آخر وهو ما رواه ابن خزيمة (٢١١٩) من طريق شرحبيل بن سعد، عن أسامة، قال: كان رسول الله ﷺ يصوم الاثنين والخميس ويقول: "إنّ هذين اليومين تعرض فيهما الأعمال". وشرحبيل بن سعد هو أبو سعد المدني مولى الأنصار. ضعّفه النسائي، ووثقه ابن حبان، وهو لا بأس به في المتابعة. وفي التقريب: "صدوق اختلط بآخره" وهذا لم يختلط فيه لوجود متابعات له. • عن عائشة، قالت: كان النبيّ ﷺ يصوم شعبان ورمضان ويتحرّى صوم الاثنين والخميس. حسن: رواه الترمذي (٧٤٥)، والنسائي (٢١٨٧)، وابن ماجه (١٦٤٩، ١٧٣٩)، والإمام أحمد (٢٤٥٠٨) وصححه ابن حبان (٣٦٤٣) كلهم من حديث ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، حدّثنا ربيعة بن الغاز، أنه سأل عائشة عن صيام رسول الله ﷺ ، فقالت (فذكرت الحديث). إلّا أنّ أحمد لم يذكر بين خالد بن معدان وبين عائشة ربيعة. والصحيح إثباته. قال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه. وربيعة بن الغاز هو ربيعة بن عمرو الجرشي، وثقه الدارقطني وغيره، وهو حسن الحديث. وهذا الإسناد من أصح ما روي به هذا الحديث. وله أسانيد وفيها اختلاف كما قال النسائي وغيره إلا أنّ ما صحّ لا يضره ما لا يصح. • عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحبُّ أن يعرض عملي وأنا صائم". صحيح: رواه الترمذي (٧٤٧)، وابن ماجه (١٧٤٠)، والإمام أحمد (٨٣٦١) كلهم من حديث محمد بن رفاعة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. وزاد الآخران: "فيغفر الله لكل مسلم -أو لكل مؤمن- إلّا المتهاجرين فيقول: أخّرهما". هذا لفظ المسند، ولفظ ابن ماجه: "دعهما حتى يصطلحا".

стр. 2758

ومحمد بن رفاعة هو ابن ثعلبة القرظيّ قال فيه الحافظ: "مقبول". وهو كما قال، فإنه توبع غير أنه زاد فيه: ذكر الصوم، ولعله لذلك استغربه الترمذيّ، فقال: "حسن غريب" ولكنه لم يخطئ لوجود شواهد صحيحة كما مضت، فلعلّ غيره اختصره، أو لم يبلغ إليه ذكر الصّوم بإسناد صحيح. فقد رواه مالك في حسن الخلق (١٧) ومن طريقه مسلم في البر والصلة (٢٥٦٥) عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنّ النبيّ ﷺ ، قال: "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيُغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء. فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا" إلّا أنه لم يذكر فيه صوم النبي ﷺ . ورواه أيضًا مالك (١٨) ومن طريقه مسلم (٢٥٦٥) عن مسلم بن أبي مريم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، رفعه مرة قال: "تعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين، فيغفر الله في ذلك اليوم لكلّ امرئ لا يُشرك بالله شيئًا إلا امرءً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اتركوا هذين حتى يصطلحا، اتركوا هذين حتى يصطلحا". وكذلك رواه أيضًا سفيان، عن مسلم بن أبي مريم. ٢٦ - باب الترغيب في صوم يوم السبت والأحد • عن أمّ سلمة، تقول: كان رسول الله ﷺ يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر مما يصوم من الأيام ويقول: "إنّهما يوما عيد المشركين، فأنا أحبُّ أن أخالفهم". حسن: رواه أحمد (٢٦٧٥٠)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٨٣) وصححه ابن خزيمة (٢١٦٧)، وابن حبان (٣٦١٦، ٣٦٤٦)، والحاكم (١/ ٤٣٦) كلّهم من طرق عن عبد الله بن المبارك، قال: أخبرني عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، قال: حدثنا أبي، عن كريب مولى ابن عباس، عن أمّ سلمة، فذكرته. وإسناده حسن من أجل عبد الله بن محمد بن عمر بن علي وهو ابن أبي طالب، وأبيه محمد بن عمر فإنهما صدوقان. ٢٧ - باب صوم ثلاثة أيام من كلّ شهر • عن معاذة العدوية أنّها سألتْ عائشة زوجَ النبيِّ ﷺ : أكان رسولُ الله ﷺ يصوم من كلِّ شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، فقلت لها: من أيِّ أيام الشّهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أيِّ أيام الشهر يصوم. صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١٦٠) عن شيبان بن فروخ، حدّثنا عبد الوارث، عن يزيد الرِّشْك، قال: حدّثتني معاذة العدوية، فذكرته.

стр. 2759

هذا الإطلاق أولى من التقييد لما فيه من التنويع. وأما التقييد ففيه أربعة أنواع من الصيام وهي الأول: صوم يوم من كل عشرة أيام. والثاني: صيام البيض: وهي ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة. والثالث: صوم ثلاثة أيام من غرّة كلّ شهر. والرابع: صوم اثنين والخمسين من كلّ شهر. والأحاديث الواردة فيها كلّها صحيحة. وأما ما رُوي عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر: السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر: الثلاثاء والأربعاء والخميس" فالصواب أنه موقوف. رواه الترمذي في السنن (٧٤٦)، وفي الشمائل (٣٠٠) عن محمود بن غيلان، حدّثنا أبو أحمد ومعاوية بن هشام، قالا: حدّثنا سفيان، عن منصور، عن خيثمة، عن عائشة، قالت: فذكرته. قال الترمذي: "هذا حديث حسن، وروى عبد الرحمن بن مهدي هذا الحديث، عن سفيان ولم يرفعه". قال الحافظ في الفتح (٤/ ٢٢٧): "والموقوف أشبه". قلت: حديث عبد الرحمن أخرجه ابن جرير الطبري في "تهذيب الآثار" (٩٨٤) عن ابن بشار، حدّثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن منصور، عن خيثمة، قال: "كانت عائشة تصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر كما مضى". • عن أبي هريرة، قال: "أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كلِّ شهر، وركعتي الضُّحى، وأن أوتِر قبل أن أنام". متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٨١)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٢١: ٨٥) من طريق عبد الوارث، حدّثنا أبو التياح، حدّثني أبو عثمان النّهدي، عن أبي هريرة. هكذا أطلقه ثلاثة أيام من كلّ شهر، وجاء مقيّداً بالبيض. والبخاريّ ممن يرى تقييد ذلك لأنه بوّب بقوله: باب صيام البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة. • عن أبي هريرة، أنه كان في سفر، فلما نزلوا أرسلوا إليه وهو يصلي ليطعم، فقال للرسول: إني صائم. فلما وضع الطّعام، وكادوا يفرغون جاء، فجعل يأكل. فنظر القوم إلى رسولهم، فقال: ما تنظرون؟ قد أخبرني أنه صائم. فقال أبو هريرة: صدق، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "صوم شهر الصّبر، وثلاثة أيام من كلّ شهر صوم الدّهر". فقد صُمت ثلاثة أيام من كلّ شهر، وأنا مفطر في تخفيف الله، وصائم في تضعيف الله.

стр. 2760

صحيح: رواه النسائي (٢٤٠٨)، وأحمد (٧٥٧٧، ٨٩٨٦، ١٠٦٦٣)، وصحّحه ابن حبان (٣٦٥٩)، والبيهقي (٤/ ٢٩٣) كلّهم من أوجه عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي عثمان النّهدي، عن أبي هريرة، فذكره إلا أن البعض لم يذكروا القصة. وإسناده صحيح. ولكن قال الدارقطني في العلل (٦/ ٢٨٥): وحديث أبي ذر أشبه بالصواب". وهو ما يأتي. وأما قوله: حديث أبي ذر أشبه بالصواب أي بمقابل هذا الإسناد الذي ساقه من طريق حماد بن سلمة بإسناده، وإلا فأصل حديث أبي هريرة في الصحيحين بغير هذا الإسناد، وهو أصح من حديث أبي ذر، إلا أني لم أقف عليه في "العلل"، فهل فات الدارقطني؟ وقد أشار إليه الترمذي عقب حديث أبي ذر كما يأتي. • عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الله، ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ " فقلت: بلى يا رسول الله. قال: "فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًّا، وإنّ لعينك عليك حقًّا، وإنّ لزوجك عليك حقًّا، وإن لزورك عليك حقًّا، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإنّ ذلك صيام الدّهر كلّه" فذكر حديثًا طويلًا. متفق عليه: رواه البخاري في الصوم (١٩٧٥)، ومسلم في الصوم (١١٥٩: ١٨٢) كلاهما من حديث يحيي بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكره. والسياق للبخاريّ. • عن أبي الدرداء، قال: "أوصاني حبيبي ﷺ بثلاث لن أدعهن ما عشتُ: بصيام ثلاثة أيام من كلّ شهر، وصلاة الضُّحى، وبأن لا أنام حتى أوتر". صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٧٢٢) من طرق عن ابن أبي فديك، عن الضحّاك بن عثمان، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبي مرة مولى أمّ هانئ، عن أبي الدرداء، فذكره. • عن أبي ذرّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام من كلّ شهر ثلاثة أيام، فذلك صيام الدّهر". فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [سورة الأنعام: ١٦٠] فاليوم بعشرة أيام. صحيح: رواه الترمذي (٧٦٢)، والنسائي (٢٤٠٩)، وابن ماجه (١٧٠٨)، وأحمد (٢١٣٠١) كلّهم من أوجه عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن أبي ذر، فذكره. قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح. وقد روى شعبة هذا الحديث عن أبي شِمر وأبي التياح،

стр. 2761

عن أبي عثمان، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ". وأشار ابن خزيمة (٣/ ٣٠٢) إلى خبر أبي عثمان، عن أبي ذر. ولعله أخرجه في كتابه الكبير. وأورده المنذريّ في الترغيب والترهيب (١٥٧٩) وعزاه لمن عزوت إليه وأقر بتحسين الترمذي وتصحيح ابن خزيمة له. وأبو عثمان هو عبد الرحمن بن ملّ بن عمرو النهدي الكوفي أدرك الجاهلية، وأسلم على عهد النبيّ ﷺ ولم يلقه. قال أبو الحسن بن البرّاء: ونسخت من كتاب علي بن المديني ولم أسمعه منه: أبو عثمان النهدي واسمه عبد الرحمن بن مَل. ويقال مُلّ، وأصله كوفي وصار إلى البصرة بعد، وهو من العرب، وقد أدرك الجاهلية، وهاجر إلى المدينة بعد موت أبي بكر ووافق استخلاف عمر، وسمع من عمر، ولم يسمع من أبي ذر". فقوله: "لم يسمع من أبي ذر" فيه نظر؛ لأنّ أبا ذر عند استخلاف عمر كان بالمدينة، ولم يخرج إلى الرّبذة إلّا في عهد عثمان ومات بها، فلقاءه ممكن، ولذا اعتمد الأئمة على اتصال هذا الإسناد وصحّحوه. وأمّا ما رواه النسائي (٢٤١٠) من طريق عبد الله (وهو ابن المبارك)، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن رجل، قال: قال أبو ذر: قال رسول الله ﷺ (فذكر الحديث" بلفظ: "من صام ثلاثة أيام من الشّهر فقد تم صوم الشّهر أو فله صوم الشّهر". فهو وإن دلّ على أن بينهما رجلًا، فلعله سمع أولا من هذا الرجل، وهو بالتأكيد أن يكون صحابيًّا، ثم تيسر له اللقاء والسماع فروى عنه لأنهما كانا بالمدينة. فلعلّ ابن المديني اعتمد على هذه الرواية فنفى السماع عنه، ولم ينظر إلى الروايات الأخرى. ثم كتاب ابن المديني قد يكون مسودة لم يهذبه، ولذا لم يسمعه أبو الحسن البراء؛ لأني لم أقف على كلام أحد من أهل العلم من نفي سماع أبي عثمان النهدي عن أبي ذر. ولم يوصف أبو عثمان النهدي بالتدليس فيحمل عنعنته على الاتصال. وأما حديث أبي هريرة الذي أشار إليه الترمذي فقد مضى في أول الباب. • عن أبي قتادة الأنصاريّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "صومُ ثلاثة من كلّ شهر، ورمضان إلى رمضان صوم الدَّهر". صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١٦٢) عن محمد بن بشار (بندار)، حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد الزّماني، عن أبي قتادة. وهو جزء من حديث طويل سيأتي في باب النهي عن صوم الدَّهر. ورواه ابن خزيمة (٢١٢٦) عن بندار نفسه بإسناده إلا أنه لم يذكر فيه: "ورمضان إلى رمضان".

стр. 2762

فقال ابن خزيمة: "وفي حديث حماد بن زيد: "صوم ثلاثة أيام من كلّ شهر، ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدَّهر كلّه". كذا قال وهو في رواية شعبة أيضًا، كما سبق. • عن قرّة بن إياس قال: قال النبيّ ﷺ في صيام ثلاثة أيام من الشّهر: "صوم الدّهر، وإفطاره". وفي لفظ: "صوم ثلاثة أيام من كلّ شهر صيام الدّهر وقيامه". صحيح: رواه الإمام أحمد (١٥٥٨٤) عن عفّان، حدّثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، فذكر الحديث باللفظ الأوّل. وكذلك رواه أيضًا البزار -كشف الأستار (١٠٥٩) - من وجهين محمد بن جعفر، ويحيى بن سعيد القطان كلاهما عن شعبة بهذا اللفظ. وكذلك رواه وكيع عن شعبة. ومن طريقه رواه الإمام أحمد (١٥٥٩٤). ورواه ابن حبان (٣٦٥٢) عن أبي يعلى، حدّثنا عبيدالله بن عمر القواريريّ، حدّثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ قال (فذكره باللفظ الثاني). فالظّاهر أن الرواة اختلفوا على يحيى بن سعيد أو أنه روي على اللفظين. وروي عفان ووكيع ومحمد بن جعفر باللفظ الأول. فقول ابن حبان: "قول وكيع عن شعبة في هذا الخبر "إفطاره" وقول يحيى القطان عن شعبة "وقيامه" وهما جميعًا حافظان متقنان" فيه نظر. لأن يحيى بن سعيد القطان روي باللفظين. ومعنى قوله: "صيام ثلاثة أيام من الشهر صوم الدّهر" لأنّ الحسنة بعشر أمثالها. وقوله: "وإفطاره" أي إفطار الدّهر فإنه بصوم ثلاثة أيام واستمتاعه بقية الأيام بالإفطار فكأنه استمتع الدهر كله بالإفطار. • عن أبي العلاء بن الشّخِّير، قال: كنتُ مع مُطرِّف في سوق الإبل، فجاءه أعرابيٌّ معه قطعةُ أديمٍ، أو جِرابٌ، فقال: من يقرأ أو فيكم من يقرأ؟ قلت: نعم، فأخذتُه فإذا فيه: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد رسول الله، لبني زُهير بن أقَيْش -حيٍّ من عُكْل- أنّهم إن شهدوا أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسولُ الله، وفارقوا المشركين، وأقرُّوا بالخُمْس في غنائمهم، وسهْم النبيِّ ﷺ وصفيِّه، فإنّهم آمِنون بأمان الله ورسوله". فقال له بعضُ القوم: هل سمعتَ من رسول الله ﷺ شيئًا تحدِّثناه؟ قال: نعم. قالوا: فحدِّثنا يرحمُك الله، قال: سمعته يقول: "من سرَّه أن يذهب كثيرٌ من وَحَر

стр. 2763

صدّره فليصُمْ شهرَ الصَّبْر، وثلاثةَ أيام من كلّ شهر". فقال له القوم أو بعضهم: أأنتَ سمعتَ هذا من رسول الله ﷺ ؟ فقال: ألا أُراكم تتّهموني أن أكذب على رسول الله ﷺ ؟ ! . وقال إسماعيل مرة: تخافون - والله! لا أحدّثنكم حديثًا سائر اليوم. ثم انطلق. صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٠٧٣٧) عن إسماعيل، حدّثنا الجريري، عن أبي العلاء بن الشخير، قال (فذكر الحديث بطوله). والجريري هو سعيد بن إياس مختلط إلا أن إسماعيل وهو ابن علية كان سماعه منه قبل الاختلاط. وقد تابعه عليه غيره، كما أن الجريري لم ينفرد به. واسم الأعرابي هو النّمر بن تولب بن زهير العكلي. وقصة هذا الرجل ذكرها كل من ابن قانع في "معجم الصحابة" (٣/ ١٦٥ - ١٦٦)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٤٩٣٧)، والنسائي (٤١٤٦) من طرق، عن الجريريّ، مختصرًا. كما رواه أيضًا أبو داود (٢٩٩٩)، والإمام أحمد (٢٣٠٧٠) كلاهما من حديث قرة بن خالد، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن الأعرابي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "صوم الصبر، وثلاثة أيام من كلّ شهر يذهبن وَحَر الصَّدر". ولفظ أبي داود: قال: "كنا بالمربد، فجاء رجل أشعث الرأس بيده قطعة أديم أحمر. فقلنا: كأنّك من أهل البادية؟ فقال: أجل، قلنا: ناولنا هذه القطعة الأديم التي في يدك. فناولناها، فقرأناها فإذا فيها: "من محمد رسول الله إلى بني زهير .... ". ذكره مختصرًا وليس فيه ذكر الصوم. وهذا إسناده صحيح. وقرة بن خالد السدوسيّ ثقة ضابط، وهو متابع قوي للجريري. وقوله: "وَحَر الصدر" بفتحتين، هو الغِلُّ. • عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ قال: قيل للنبيّ ﷺ رجل يصوم الدّهر. قال: "وددتُ أنه يطعم الدهر". قالوا: فثلثيه. قال: "أكثر". قالوا: "فنصفه". قال: "أكثر". قال: "ألا أخبركم بما يُذهب وَحَر الصّدر، صوم ثلاثة أيام من كلّ شهر". صحيح: رواه النسائي (٢٣٨٥، ٢٣٨٦) من وجهين عن سفيان وأبي معاوية كلاهما عن الأعمش، عن أبي عمار، عن عمرو بن شرحيل، عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ، فذكره. وإسناده صحيح. وأبو عمار هو عريب بن حميد الهمداني الدُّهني، ثقة. • عن معاوية بن قرة المزني، قال: أتيت المدينة زمن الأقط والسمن والأعراب يأتون بالبرقان فيبيعونها فإذا أنا برجل طامح بصره ينظر إلى الناس فظننت أنه غريب، فدنوت منه فسلمتُ عليه فردّ عليَّ وقال لي: من أهل هذه أنت؟ قلت: نعم

стр. 2764

فجلست معه فقلت: ممن أنت؟ فقال: من هلال واسمي كهمس -أو قال لي: من بني سلول واسمي كهمس- ثم قال: ألا أحدثك حديثا شهدته من عمر بن الخطاب؟ فقلت: بلى قال: بينما نحن جلوس عنده إذ جاءت امرأة فجلست إليه فقالت: يا أمير المؤمنين! إنّ زوجي قد كثر شرُّه وقلَّ خيره، فقال لها عمر ﵁: ومن زوجك؟ قالت: أبو سلمة قال: إنّ ذاك الرجل رجل له صحبة، وإنه لرجل صدق، ثم قال عمر لرجل عنده جالس: أليس كذلك؟ فقال: يا أمير المؤمنين! لا نعرفه إلا بما قلت، فقال عمر لرجل: قم فادعه لي، وقامت المرأة حين أرسل إلى زوجها فقعدت خلف عمر فلم يلبث أن جاءا معًا حتى جلسا بين يدي عمر فقال عمر: ما تقول في هذه الجالسة خلفي؟ قال: ومن هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: هذه امرأتك قال: وتقول ماذا؟ قال: تزعم أنّه قد قلَّ خيرُك وكثر شرُّك! قال: بئس ما قالتْ يا أمير المؤمنين! إنها لمن صالح نسائها، أكثرهن كسوة، وأكثرهن رفاهية، ولكن فَحْلها بكيء، قال عمر: ما تقولين؟ قالت: صدق. فقام إليها عمر بالدّرة فتناولها بها ثم قال: أي عدوة نفسها! أكلت ماله، وأفنيت شبابه، ثم أنشأت تخبرين بما ليس فيه! فقالت: يا أمير المؤمنين! لا تعجل، فوالله لا أجلس هذا المجلس أبدا، ثم أمر لها بثلاثة أثواب فقال: خذي لما صنعتُ بك. وإياك أن تشتكين هذا الشيخ، كأني أنظر إليها قامت ومعها الثياب ثم أقبل على زوجها فقال: لا يحملنك ما رأيتني صنعت بها أن تسيء إليها، انصرفا، فقال الرجل: ما كنت لأفعل ثم قال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خير أمتي القرن الذي أنا منه، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم ينشأ قوم تسبق أيمانُهم شهادتَهم يشهدون من غير أن يُستشهدوا، لهم لغط في أسواقهم". قال: قال لي كهمس: أفتخاف أن يكون هؤلاء من أولئك؟ . ثم قال لي كهمس: إني أتيت النبي ﷺ فأخبرته بإسلامي، ثم غبت عنه حولا، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله! كأنّك تُنكرني؟ فقال: "أجل". فقلت: يا رسول الله! ما أفطرت منذ فارقتك، فقال له رسول الله ﷺ : "ومن أمرك أن تعذِّب نفسك، صم يوما من الشهر"، فقلت: زدني قال: "فصم يومين"، حتى قال: "فصم ثلاثة أيام من الشهر". حسن: رواه أبو داود الطيالسيّ (٣٢) ومن طريقه ابن قانع في "معجمه" (٩٣٠)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٢٤٦٠).

стр. 2765

ورواه أيضًا الطبراني في الكبير (١٩/ ١٩٤)، والبخاري في التاريخ الكير (٧/ ٢٣٨ - ٢٣٩) كلّهم من طريق حماد بن يزيد، عن معاوية بن قرة المزني، فذكره واللفظ للطيالسي، وأكثرهم اختصروه. وإسناده حسن من أجل حماد بن يزيد أو أبو يزيد وهو من أهل البصرة، كان معروفًا لديهم، وقد روى عنه أبو داود الطيالسي، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٦/ ٢١٩) وذكر أن موسي بن إسماعيل روى عنه. وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ١٥١) وزاد من روى عنه: يونس بن محمد، ومسلم بن إبراهيم، ومحمد بن عون الزيادي. وقال: "سمعت أبي يقول ذلك. وقال: وروى عنه طالوت بن عباد الجحدري" انتهى. ولفقرات حديثه شواهد صحيحة، وإنه لم يأت في حديثه ما ينكر عليه. ولم يعرف الحافظ الهيثمي أن ابن حبان ذكره في "الثقات" ظنًا منه أنه غيره فإنه قال: "رواه الطبراني في "الكبير" وفيه حماد بن يزيد المنقري ولم أجد من ذكره". كذا قال في المجمع (٣/ ١٩٧) والصحيح أنه المقرئ، وتوجد له ترجمة في المصادر التي ذكرتها. • عن ابن عباس قال: قال رسول الله: "صوم شهر الصّبر، وثلاثة أيام من كلّ شهر يُذْهِبن وَحَر الصَّدْر". حسن: رواه البزار -كشف الأستار (١٠٥٧) - عن يوسف بن موسى، ثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل سماك، وهو ابن حرب البكري الكوفي فإنه صدوق في نفسه، ولكنه كان يضطرب في روايته عن عكرمة، وهذا مما لم يضطرب فيه لكثرة شواهده. ولذا لم يعلّه البزار به، بل قال: "تفرد به زائدة عن سماك". وزائدة هو ابن قدامة الثقفي ثقة حافظ فلا يضرّ تفرده. ٢٨ - باب من قال: صيام البيض ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة • عن أبي هريرة، قال: أتي أعرابي رسول الله ﷺ بأرنب قد شواها، ومعها صنابُها وأُدْمُها، فوضعها بين يديه، فأمسك رسول الله ﷺ فلم يأكل، وأمر أصحابه أن يأكلوا، فأمسك الأعرابي، فقال له رسول الله ﷺ : "ما يمنعك أن تأكل؟ " قال: إني أصوم ثلاثة أيام من كلّ شهر. قال: "إن كنت صائمًا فصُم الأيام الغُرّ". صحيح: رواه النسائي (٢٤٢١)، والإمام أحمد (٨٤٣٤)، وابن حبان (٣٦٥٠) كلّهم من حديث أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة، فذكره. واللفظ لأحمد. وإسناده صحيح. ولا يضر الاختلاف علي موسي بن طلحة فإنه صحّ عنه هكذا وصحّ عنه كما يأتي.

стр. 2766

وأما ما رُوي عنه مرسلًا، فلا يُعِل ما روي عنه موصولًا. وقوله: "أيام الغُرّ": هي الأيام البيض، والأيام شاملة الليل، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر من كلّ شهر. ويقال البيض: لأنّ القمر يكون كاملًا في هذه الليالي فليلها كنهارها. وقوله: "صِنابها" هو الخردل المعمول بالزيت، هو صباغ يؤدم به. وقوله: "وأُدْمها": الأُدْم والإدام وهو ما يؤكل مع الخبز أي شيء كان. • عن أبي ذرّ، قال: أمرنا رسولُ الله ﷺ أن نصوم من الشّهر ثلاثة أيام البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة. حسن: رواه الترمذي (٧٦١)، والنسائي (٢٤٢٦) -واللفظ له- كلاهما من طريق شعبة، عن الأعمش، قال: سمعت يحيي بن سام، عن موسى بن طلحة، قال: سمعت أبا ذر بالرّبذة يقول (فذكره). وقال الترمذي: "حديث أبي ذرّ حديث حسن". وصحّحه ابن خزيمة (٢١٢٨) من طريق شعبة، بإسناده. ورواه ابن حبان (٣٥٦٦) من طريق يحيي القطان، عن فطر، عن يحيى بن سام، به. وإسناده حسن، موسي بن طلحة هو ابن عبد الله التيمي، ثقة جليل، يقال: إنه وُلد في عهد النبيّ ﷺ . ويحيي بن سام بن موسى الضبيّ، روى عنه جماعة. وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٦٠٦) ولذلك قال الحافظ في "التقريب": "مقبول" يعني حيث يتابع. وقد تابعه رجلان كما في الإسناد الآتي، إلا أنهما أدخلا بين موسى بن طلحة، وأبي ذر رجلًا مع زيادة قصة الأرنب. رواه النسائي (٢٤٢٨)، وأحمد (٢١٣٣٥)، والحميدي (١٣٦) كلّهم من طريق سفيان بن عيينة، قال: حدّثنا محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة وحكيم بن جبير، سمعاه من موسي بن طلحة أنه سمع رجلًا من أخواله من بني تميم يقال له: ابنُ الحوْتكيّة. قال: قال عمر بن الخطاب: مَنْ حاضرُنا يوم القاحة إذْ أُتي النبيّ ﷺ بأرنب؟ فقال أبو ذر: أنا؛ أتى أعرابيٌّ النبيَّ ﷺ بأرنب. فقال: يا رسول الله، إنّي رأيتها تَدْمي. قال: فكفَّ عنه النبيُّ ﷺ فلم يأكل وأمر أصحابه أن يأكلوا، واعتزل الأعرابيُّ فلم يطعم. فقال: إني صائم. فقال النبيّ ﷺ : "وما صوْمُك؟ " قال: ثلاثٌ من كلِّ شهر. قال: "فأين أنت عن البيض الغرِّ: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة". واللفظ للحميدي، واقتصر النسائي وأحمد -بهذا السند- على ذكر الصّوم فقط دون ذكر قصة الأرنب. وصحّحه ابن خزيمة (٢١٢٧) من طريق سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن مولي آل طلحة -وحده-، عن موسى بن طلحة، به، فذكره بتمامه بنحو حديث الحميدي، ثم قال عقبه: "قد خرجت هذا الباب بتمامه

стр. 2767

في كتاب "الكبير" وبين أن موسى بن طلحة قد سمع من أبي ذرّ قصة الصوم دون قصة الأرنب. وروي عن ابن الحوتكية القصتين جميعًا". وابن الحوتكية هو يزيد بن الحوتكية التميمي، تفرّد بالرواية عنه موسى بن طلحة. وقال ابن حجر: "مقبول". فالحديث بهذه المتابعة يتقوّى، وقد حسّنه الترمذي وصحّحه ابن خزيمة. ورواه ابن جرير الطبري في "تهذيب الآثار" (٩٤٩ - مسند عمر) من وجه آخر عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن موسى بن طلحة، عن ابن الحوتكية، قال: قدمتُ على عمر بن الخطاب وهو في نفر من أصحاب النبيّ ﷺ فسألته عن الصيام، فقال: من كان منكم معنا إذ كنا مع النبيّ ﷺ بالقاحة؟ فقالوا: نحن كنا إذ أهدى له الأعرابي أرنبًا ... " فساقه بتمامه، وصحّح إسناده. • عن جرير بن عبد الله، عن النبيّ ﷺ قال: "صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر صيام الدّهر، وأيام البيض صبيحة ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة". صحيح: رواه النسائي (٢٤٢٠) عن مخلد بن الحسن، حدثنا عبيدالله، عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق، عن جرير بن عبد الله، فذكره. قال الحافظ في الفتح (٤/ ٢٢٦): "وإسناده صحيح". وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (١٥٨٨): "إسناده جيد". وهو كما قالا إلا أن أبا إسحاق وهو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي وُصف بالتدليس إلا أن الأئمة تحمّلوا تدليسه. • عن ابن عباس قال: كان النبيّ ﷺ لا يفطر أيام البيض في حضر، ولا سفر. حسن: رواه النسائي (٢٣٤٥) عن القاسم بن زكريا، قال: حدثنا عبيدالله، قال: حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل يعقوب وهو ابن عبد الله القمي، وشيخه جعفر وهو ابن أبي المغيرة القمي، وكلاهما مختلف فيهما غير أنهما حسنا الحديث. • عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ لرجل: "وَصُمْ من كلّ شهر، ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة". حسن: رواه ابن حبان في صحيحه (١٨٨٧) والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٢٩٤) كلاهما من حديث يحيي بن عبد الرحمن الأرحبي، حدثني عبيدة بن الأسود، عن القاسم بن الوليد، عن سنان ابن الحارث بن مصرف، عن طلحة بن مصرف، عن مجاهد، عن ابن عمر، فذكر حديثا طويلا. وهذا جزء منه، والجزء الثاني في كتاب الصلاة، والجزء الثالث منه في كتاب الحج، فضل يوم عرفة.

стр. 2768

وإسناده حسن، وكذلك حسّنه أيضًا البيهقي، انظر تخريجه المفصل فيما مضى. وفي الباب عن قتادة بن ملحان القيسي أنه كان مع النبيّ ﷺ فقال: "كان النبي ﷺ يأمرهم بصيام البيض" ويقول: "هي صيام الدّهر". رواه أبو داود (٢٤٤٩)، والنسائي (٢٤٣٠)، وابن ماجه (١٧٠٧)، وأحمد (٢٠٣١٦)، وابن حبان (٣٦٥١) كلّهم من حديث أنس بن سيرين، عن ابن ملحان القيسي، عن أبيه، فذكره. وابن ملحان قيل هو قتادة بن ملحان القيسي، وقيل: ملحان بن شبل والد عبد الملك بن ملحان، وقيل: إنه منهال بن ملحان والد عبد الملك. قال ابن معين: هو خطأ. قاله المنذري. قلت: ابن ملحان هذا لم يرو عنه غير أنس بن سيرين ولم يوثقه أحد، ولذا يعد من المجاهيل. وأما ابن حبان فذكره في "الثقات" على قاعدته في توثيق المجاهيل، وأخرج حديثه في "صحيحه". وقال الحافظ: "مقبول" أي عند المتابعة، ولم أجد من تابعه. ٢٩ - باب ما جاء من صام غرّة كلّ شهر ثلاثة أيام • عن عبد الله بن مسعود، قال: كان رسول الله ﷺ يصوم يعني من غرّة كلّ شهر ثلاثة أيام. حسن: رواه أبو داود (٢٤٥٠) عن أبي كامل، حدّثنا أبو داود، حدّثنا شيبان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، فذكره. والحديث في "مسند أبي داود الطيالسي" (٣٥٨) ومن طريقه رواه ابن خزيمة (٢١٢٩)، وابن ماجه (١٧٢٥)، وابن حبان (٣٦٤١) إلّا أن ابن خزيمة جمع بين حديثين وهو: "ويكون من صومه يوم الجمعة". وأما ابن ماجه فلم يذكر إلا الحديث الثاني، وهو قول ابن مسعود: "ما رأيت رسول الله ﷺ مفطرًا يوم الجمعة" بالإسناد نفسه. وإسناده حسن من أجل الكلام في عاصم وهو ابن أبي النجود فإنه حسن الحديث. والحديث قد أخرجه من طريقه أيضًا الترمذي (٧٤٢)، والنسائي (٢٣٦٨)، وأحمد (٣٨٦٠). وقوله: "غرة كلّ شهر" أي أوله. والغر هو كلّ شيء له أوله. وقوله: "ما رأيت مفطرًا يوم الجمعة" أي مع الخميس لما جاء النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصّوم. ٣٠ - باب ما جاء في صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر وهي أوّل اثنين من الشهر والخَمِيسيْن • عن بعض أزواج النبيّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كلّ شهر: أوّل اثنين من الشهر والخميسَين.

стр. 2769

صحيح: رواه أبو داود (٢٤٣٧)، والنسائي (٢٤١٧)، وأحمد (٢٦٤٦٨) كلّهم من طريق أبي عوانة، عن الحرّ بن الصبّاح، عن هُنيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبيّ ﷺ . وهذا إسناد صحيح. وامرأة هنيدة لم أقف على اسمها غير أنَّ الحافظ ذكر في التقريب في "المبهمات" أنها صحابية. ورواه النسائي (٢٤١٥) من وجه آخر عن زهير، عن الحر بن الصبّاح قال: سمعت هُنَيدة الخزاعيّ قال: دخلتُ على أمّ المؤمنين سمعتها تقول: "كان رسول الله ﷺ يصوم من كلّ شهر ثلاثة أيام، أول اثنين من الشّهر، ثم الخميس، ثم الخميس الذي يليه". فأسقط امرأة هنيدة. وإسناده صحيح أيضًا؛ فإنّ هنيدة أولًا سمع من امرأته عن أمّ المؤمنين، ثم دخل عليها وسمع منها مباشرة. وهذا شيء معروف في علم الحديث. وهذا الحديث روي بألوان أخرى بعضها لا يصح، وأخطأ من حكم عليه بالاضطراب؛ لأنّ ما صحّ لا يضر ما لم يصح، والاضطراب لا يصار إليه إلّا إذا تعذّر التوفيق بين الروايات. وأمّا ما روي عن حفصة قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من الشّهر: الاثنين والخميس، والاثنين من الجمعة الأخرى". ففيه رجل مقبول. رواه أبو داود (٢٤٥١)، والنسائي (٢٣٦٦)، وأحمد (٢٦٤٦٠، ٢٦٤٦٣) كلّهم من حديث حماد، عن عاصم بن بهدلة، عن سواء الخزاعي، عن حفصة، فذكرته. وسواء الخزاعي روى عنه اثنان آخران وهما المسيب بن رافع، ومعبد بن خالد. وذكره ابن حبان في "الثقات" كما قال المزي إلا أنه سقطت ترجمته في المطبوع؛ لأن محقق تهذيب الكمال عزاه إلى المخطوطة. ولذا قال الحافظ في "التقريب": "مقبول" أي عند المتابعة. ولم أجد من تابعه، بل فيه مخالفة للحديث الصحيح بأنه ﷺ كان يصوم أول اثنين من الشهر والخميسين، ولعلّ ذلك من عاصم بن بهدلة فقد تكلموا في حفظه، ولأنه اضطرب فيه، فمرة رواه عن سواء، عن حفصة. وأخرى عنه، عن أمّ سلمة كما عند النسائي (٢٣٦٥). وأخرى عنه عن المسيب، عن حفصة، وفيه: "كان ﷺ يصوم الاثنين والخميسين". ولم يذكر فيه سواء. كذلك رواه الإمام أحمد (٢٦٤٦١)، والنسائي. والمسيب هو ابن رافع لم يسمع من حفصة. وللحديث أسانيد أخرى فالظاهر منه وقوع الاضطراب في الإسناد والمتن؛ لأنّها كلّها، تدور على عاصم بن بهدلة الذي قال فيه البزار: "لم يكن بالحافظ"، وقال الدارقطني: "في حفظه شيء" فمثله لا تحتمل مخالفته.

стр. 2770

٣١ - باب ما جاء في صوم يوم من كلّ عشرة أيام • عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال له النبي ﷺ : "فصم وأفطر، وصل ونم، وصُمْ من كلّ عشرة أيام يومًا، ولك أجر تسعة". متفق عليه: رواه البخاري في الصوم (١٩٧٧)، ومسلم في الصيام (١١٥٩: ١٨٦) كلاهما من حديث ابن جريج، قال: سمعت عطاء يزعم أن أبا العباس الشاعر أخبره، أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكره. واللفظ لمسلم ولم يذكر هذا اللفظ البخاري في الموضع المشار إليه. ٣٢ - باب ما جاء أن أفضل الصيام صوم داود ﵇ • عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال له رسول الله ﷺ : "صُمْ يومًا وأفطر يومًا، وذلك صيام داود. وهو أعدل الصيام لا أفضل من ذلك". متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤١٨)، ومسلم في الصيام (١١٥٩: ١٨١) كلاهما من حديث ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الله بن عمرو قال (فذكره). • عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الله، ألم أُخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ " فقلت: بلى يا رسول الله، قال: "فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًّا، وإنّ لعينك عليك حقًّا، وإنّ لزوجك عليك حقًّا، وإن لزورك عليك حقًّا، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإنّ ذلك صيام الدّهر كلّه" فشددتُ فشُدِّد عليَّ. قلت: يا رسول الله، إني أجد قوّة، قال: فصُمْ صيام نبي الله داود ﵇ ولا تزدْ عليه. قلت: وما كان صيام نبي الله داود ﵇؟ قال: نصفَ الدّهر. فكان عبد الله يقول بعدما كَبِر: يا ليتني قبلتُ رُخصةَ النبيِّ ﷺ . وفي رواية: "لا صوم فوق صوم داود ﵇: شطر الدَّهر، صم يومًا وأفطر يومًا". وفي رواية: "صُمْ أفضلَ الصِّيام عند الله، صومُ داود ﵇ كان يصوم يومًا ويفطر يومًا". متفق عليه: رواه البخاري في الصيام (١٩٧٥)، ومسلم في الصوم (١١٥٩: ١٨٢) كلاهما من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكره. واللفظ للبخاريّ.
следующие страницы →