Полный текст (8 687 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.
ووثقه العجلي. فمثله يحسّن حديثه إذا لم يأت في حديثه ما ينكر عليه، كيف وقد شهد له ما يأتي.
• عن أبي هريرة، أنّ رجلًا سأل النبيَّ ﷺ عن المباشرة للصائم؟ فرخّص له، وأتاه آخر فسأله فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ، والذي نهاه شاب.
حسن: رواه أبو داود (٢٣٨٧) عن نصر بن علي، حدّثنا أبو أحمد - يعني الزبيري-، أخبرنا إسرائيل، عن أبي العنب، عن الأغر، عن أبي هريرة، فذكره.
وعنه رواه البيهقي (٤/ ٢٣١ - ٢٣٢) وإسناده حسن من أجل أبي العنب العدويّ الكوفيّ، روي عنه جماعة منهم: شعبة، ومسعر، وإسرائيل، وغيرهم. قال عبد الحميد بن صالح البرجمي: سألت يونس بن بكير عن اسم أبي العنبس؟ فقال: هو جدّي لأمّي واسمه الحارث بن عبيد بن كعب من بني عدي. وذكره ابن حبان في "الثقات".
فمثله يحسن حديثه إن كان له أصل.
وفي الباب ما رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، قال: كنا عند النبيّ ﷺ فجاء شاب، فقال: يا رسول الله، أقبِّلُ وأنا صائم؟ قال: "لا". فجاءه شيخ، فقال: أقبِّلُ وأنا صائم؟ قال: "نعم". قال: فنظر بعضنا إلى بعض! . فقال رسول الله ﷺ : "قد علمتُ لِمَ نظر بعضكم إلى بعض، إنّ الشيخ بملك نفسه".
رواه الإمام أحمد (٦٧٣٩) عن موسى بن داود، حدّثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن حبيب، عن قيصر التُّجيبي، عن عبد الله بن عمرو، فذكره.
وفي الإسناد ابن لهيعة وفيه كلام معروف أنه سيء الحفظ، وبه أعلّه الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٦٦)، ولكنه قال فيه: "عبد الله بن عمر".
وعزاه أيضًا إلى الطبراني. وهو كذلك فإنّ الحديث في قطعة (١٣ - ١٤) (١٣٧) من هذا الوجه، ومن وجه آخر عن ابن لهيعة، وذلك من مسند عبد الله بن عمرو.
فالظاهر أنه وقع خطأ في "مجمع الزوائد"، وقد رواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١١٨١) عن الإمام أحمد وقال فيه: عبد الله بن عمرو.
وقد أفتي بالتفريق بين الشيخ والشاب في الصيام عدد من السلف منهم: أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمر. أخرج حديثهم البيهقي في "سننه".
اختلف أهل العلم في جواز القبلة للصائم، فرخّص فيها عمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وسعد ابن أبي وقاص، وعائشة، وإليه ذهب عطاء، والشعبي، والحسن.
وقال الشافعي: لا بأس إذا لم تحرك القبلة شهوته. وكذلك قال أحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا بأس بالقبلة للصائم إذا كان يأمن على نفسه.
стр. 2837
وقال الثوري: لا يفطّره والتنزّه أحبّ إليَّ.
وقال ابن عباس: يكره ذلك للشاب، ويرخّص للشيخ.
وكره قوم القبلة للصائم على الإطلاق، ونهي عنها ابن عمر، كما رواه مالك في "الموطأ" أنه كان ينهى عن القبلة والمباشرة للصائم، وإليه ذهب مالك.
ويُروي عن ابن مسعود أنه قال: "من فعل ذلك قضى يومًا مكانه. رواه عبد الرزاق (٨٤٢٦)، والطّحاويّ (٣٢٨٤)، عن الثوريّ، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن الهزهاز، عن ابن مسعود، فذكره.
قال سفيان: ولا يؤخذ بهذا.
قلت: وفي الإسناد الهزهاز لا يعرف من هو؟ .
وقد رُوي عن ابن مسعود أيضًا ما يخالف ذلك.
وهو ما رواه عبد الرزاق (٨٤٤٢) عن ابن عيينة، عن زكريا، عن الشعبي، عن عمرو بن شرحبيل، أن ابن مسعود كان يباشر امرأته بنصف النهار وهو صائم.
ورواه أيضًا الطحاوي في "شرحه" (٣٢٩١) من وجه آخر عنه، مثله.
وقد اتفق الجمهور على أنّ من قبّل وأمني فعليه القضاء، ولا كفارة عليه، خلافًا لمالك فإنه أوجب القضاء والكفارة.
كما اتفقوا على أن من أمذى فليس عليه شيء خلافًا لمالك فإنه أوجب عليه القضاء ولا كفارة عليه وأدلتهم مبسوطة في كتب الفقه.
٧ - باب ما جاء في المباشرة للصائم
• عن الأسود، قال: انطلقتُ أنا ومسروق إلى عائشة ﵂، فقلنا لها: أكان رسولُ الله ﷺ يباشر وهو صائم؟ قالت: نعم، ولكنَّه كان أملككم لإربه -أو من أملككم لإربه-.
متفق عليه: رواه البخاري في الصوم (١٩٢٧)، ومسلم في الصيام (١١٠٦: ٦٨) كلاهما من طريق إبراهيم (هو النخعي)، عن الأسود، به. واللفظ لمسلم. والشك من أبي عاصم كما نبَّه عليه مسلم في آخر الحديث.
ولفظ البخاري: "كان النبي ﷺ يقبِّل ويباشرُ وهو صائم، وكان أملكَكُم لاربه".
• عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يباشر وهو صائم، ثم يجعل بينه وبينها ثوبا، يعني: الفرج.
حسن: رواه أحمد (٢٤٣١٤) عن ابن نمير، عن طلحة بن يحيى، قال: حدثتني عائشة بنت
стр. 2838
طلحة، عن عائشة، فذكرته.
وإسناده حسن من أجل الكلام في طلحة بن يحيى غير أنه حسن الحديث.
قال مسروق: سألت عائشة: ما يحل للرجل من امرأته صائمًا؟ قالت: "كلّ شيء إلّا الجماع".
رواه عبد الرزاق (٨٤٣٩) عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن مسروق، قال (فذكره).
٨ - باب من أصبح جنبًا فلا صوم له
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا نُودي بالصّلاة -صلاة الصبح- وأحدكم جنب فلا يصوم يومئذ".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٨١٤٥) عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، فذكره.
ومن هذا الطريق رواه أيضًا ابن حبان (٣٤٨٥) وإسناده صحيح.
ولم أقف على هذا الطريق في "مصنف عبد الرزاق" ولكنه رواه (٧٣٩٩) عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أن يحيى بن جعدة أخبره، عن عبد الله بن عمرو بن عبد القاري، أنه سمع أبا هريرة يقول: "وربّ هذا البيت، من أدركه الصبح جنبًا فليفطر، ولكن محمدا ﷺ قال".
ورواه النسائي في "الكبري" (٢٩٣٦)، وابن ماجه (١٧٠٢) كلاهما من وجه آخر عن سفيان ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، بإسناده، ولفظُه: لا ورب الكعبة، ما أنا قلت: "من أصبح جنبًا فليفطر" محمد ﷺ قاله.
قلت: هذا منسوخ كما قال الخطابي، ولذا رجع أبو هريرة عن حديثه هذا لما أُخبر عن حديث عائشة وأم سلمة، كما سيأتي.
٩ - باب صحّة صوم من أدركه الصّبحُ وهو جنب
• عن عائشة، أنّ رجلًا قال لرسول الله ﷺ ، وهو واقف على الباب، وأنا أسمع: يا رسول الله، إنّي أُصْبحُ جُنُبًا وأنا أريد الصّيام. فقال ﷺ : "وأنا أصبحُ جُنبًا وأنا أريد الصّيامَ، فأغتسلُ وأصومُ". فقال له الرجل: يا رسولَ الله، إنّك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر. فغضب رسول الله ﷺ وقال: "إني لأرجو أن أكونَ أخشاكم لله، وأعلَمَكم بما أتَقي".
صحيح: رواه مالك في الصيام (٩) عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاريّ، عن أبي يونس مولي عائشة، عن عائشة، فذكرته.
ورواه مسلم في الصيام (١١١٠) من طريق إسماعيل بن جعفر، أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن،
стр. 2839
به، نحوه.
• عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يقول: كنت أنا وأبي عند مروان بن الحكم. وهو أمير المدينة. فذكر له أن أبا هريرة يقول: من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم. فقال مروان أقسمت عليك يا عبد الرحمن! لتذهبنَّ إلى أمَّيْ المؤمنين عائشةَ وأمِّ سلمة فلتسألنَّهما عن ذلك، فذهب عبد الرحمن وذهبت معه حتى دخلنا على عائشة فسلَّم عليها ثم قال: يا أمَّ المؤمنين! إنا كنا عند مروان بن الحكم فذُكر له أنَّ أبا هريرة يقول: من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم. قالت عائشة: ليس كما قال أبو هريرة يا عبد الرحمن! أترغبُ عمَّا كان رسول الله ﷺ يصنع؟ فقال عبد الرحمن: لا والله. قالت عائشة: فأشهد على رسول الله ﷺ أنه كان يصبح جنبًا من جماع غير احتلام، ثم يصوم ذلك اليوم.
قال: ثم خرجنا حتى دخلنا على أمِّ سلمة فسألها عن ذلك فقالت مثل ما قالت عائشة.
قال: فخرجنا حتّى جئنا مروان بن الحكم فذكر له عبد الرحمن ما قالتا. فقال مروان: أقسمت عليك يا أبا محمد! لتركبنَّ دابّتي فإنّها بالباب فلتذهبنَّ إلى أبي هريرة فإنه بأرضه بالعقيق فلتخبرنَّه ذلك. فركب عبد الرحمن وركبت معه حتى أتينا أبا هريرة فتحدَّث معه عبد الرحمن ساعة، ثم ذكر له ذلك. فقال له أبو هريرة: لا علم لي بذاك إنما أخبرنيه مخبرٌ.
متفق عليه: رواه مالك في الصيام (١١) عن سُمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنه سمع أبا بكر، به، فذكره.
ورواه البخاري في الصوم (١٩٢٥، ١٩٢٦) عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، به.
ومن طريق الزهري قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن أباه عبد الرحمن أخبر مروان، أن عائشة وأمَّ سلمة أخبرناه أنّ رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم. وقال مروان لعبد الرحمن بن الحارث: أقسمُ بالله للتُقْرِعنَّ بها أبا هريرة ... " الحديث بنحوه.
ورواه البخاري أيضًا في موضع آخر منه (١٩٣١) عن إسماعيل (هو ابن أبي أويس)، عن مالك به، مختصرًا.
ورواه مالك (١٠) ومن طريقه مسلم في الصيام (١١٠٩: ٧٨) عن عبد ربه بن سعيد، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن عائشة وأم سلمة، فذكرتا لفظ الحديث المرفوع بدون القصة.
стр. 2840
والقصة المذكورة رواها مسلم (١١٠٩: ٧٥) من طريق ابن جريج، أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي بكر، قال: سمعت أبا هريرة يقصّ ويقول في قصته: "من أدركه الفجرُ جُنبًا فلا يصُم ... " الحديث. وفيه القصة. وجاء في آخره: فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم. قال: هما أعلم. ثم ردَّ أبو هريرة ما يكون يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس، فقال أبو هريرة: سمعتُ ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبيّ ﷺ . قال: فرجع أبو هريرة عمّا كان يقول في ذلك.
قلت لعبد الملك: أقالتا: "في رمضان"؟ قال: كذلك، كان يصبح جنبًا من غير حلم ثم يصوم.
• عن عائشة، قالت: كان النبيُّ ﷺ يبيتُ جنبًا، فيأتيه بلال، فيؤذنه بالصّلاة فيقوم فيغتسل فأنظر إلى تحدُّر الماء من رأسه، ثم يخرج، فأسمع صوته في صلاة الفجر.
قال مطرف: فقلت لعامر: أفي رمضان؟ قال: رمضان وغيره سواء.
صحيح: رواه ابن ماجه (١٧٠٣)، وأحمد (٢٤٧٠١)، وابن حبان (٣٤٩١)، والنسائي في الكبري (٢٩٩٢) كلّهم من حديث مطرف، عن عامر الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، فذكرته.
وإسناده صحيح، ولا يضر من أرسله عن الشعبي، عن عائشة.
وقد جاء من وجه آخر عن إسماعيل بن أبي خالد، أخبرنا عن عامر، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنه أتي عائشة، فقال: إنّ أبا هريرة يُفتينا أنه من أصبح جُنبًا فلا صيام له، فما تقولين له في ذلك؟ فقالت: لقد كان بلال يأتي رسول الله ﷺ فيؤذنه للصلاة، وإنه الجنب، فيقوم ويغتسل، وإني لأرى جري الماء بين كتفيه، ثم يظل صائمًا.
رواه أحمد (٢٥٦٧٥)، وابن حبان (٣٤٨٨) كلاهما من هذا الطريق.
• عن عائشة، أنّ رسول الله ﷺ كان يُصبح جنبًا عن طروقة، ثم يصوم.
صحيح: رواه النسائي في "الكبرى" (٣٠٠٢)، وابن حبان (٣٤٣٤) كلاهما من حديث قتيبة ابن سعد، قال: حدّثنا بكر بن مضر، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن عائشة، فذكرته. وإسناده صحيح.
وقولها: "عن طروقة" أي عن جماع.
• عن سليمان بن يسار، أنه سأل أمَّ سلمة عن الرجل يصبحُ جنبًا أيصوم؟ قالت: كان رسول الله ﷺ يصبحُ جُنُبًا من غير احتلام، ثم يصوم.
صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١٠٩) عن أحمد بن عثمان النوفلي، حدّثنا أبو عاصم، حدّثنا ابن جريج، أخبرني محمد بن يوسف، عن سليمان بن يسار، فذكره.
وفي ابن ماجه (١٧٠٤) وغيره من وجه آخر عن نافع، أنه سأل أم سلمة، فقالت (مثله).
стр. 2841
وقد استشكل الناس قول أبي هريرة بأن من أصبح جنبا فلا صوم له، وكان يرويه عن رسول الله ﷺ فلما بلغه حديث عائشة وأمّ سلمة، فقال: هما أعلم بذلك، إنما أخبرنيه الفضل بن العباس - يعني وقع فيه النسخ، فإن حديث الفضل بن العباس كان متقدمًا على حديث عائشة وأم سلمة.
وهو أحسن تأويل كما قال الخطابي، وهذا لفظه: "تكلّم الناسُ في معنى ذلك فأحسن ما سمعتُ في تأويل ما رواه أبو هريرة في هذا أن يكون ذلك محمولًا على النسخ، وذلك أن الجماع كان في أول الإسلام محرمًا على القائم في الليل بعد النوم، كالطعام والشراب، فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر، جاز لتجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم ذلك اليوم، لارتفاع الحظر المتقدم، فيكون تأويل قوله: "من أصبح جنبًا فلا يصوم" أي من جامع في الصوم بعد النوم فلا يجزئه صوم غده، لأنه لا يصبح جنبًا إلا وله أن يطأ قبل الفجر بطرفة عين، فكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل بن العباس على الأمر الأول، ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع خبر عائشة وأم سلمة صار إليه.
وقد رُوي عن ابن المسيب أنه قال: "رجع أبو هريرة عن فتياه فيمن أصبح جنبًا أنه لا صوم له".
قال الخطابي: "وقد يتأول ذلك أيضًا على وجه آخر من حيث لا يقع فيه النسخ، وهو أن يكون معناه: من أصبح مجامعًا فلا صوم له. والشيء قد يسمي باسم غيره، إذا كان ماله في العاقبة إليه" انتهى كلام الخطابي.
١٠ - باب ما جاء أنّ الحجامة تُفطر الحاجم والمحجوم
• عن رافع بن خديج، عن النبيّ ﷺ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
حسن: رواه الترمذي (٧٧٤) عن محمد بن يحيى، ومحمد بن رافع النيسابوري، ومحمود بن غيلان، ويحيى بن موسي، قالوا: حدّثنا عبد الرزاق -وهو في مصنفه (٧٥٢٣) - عن معمر، عن يحيى ابن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، عن السائب بن يزيد، عن رافع بن خديج، فذكره.
قال الترمذي: "حسن صحيح. وذُكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث رافع بن خديج".
ورواه أيضًا الإمام أحمد (١٥٨٢٨)، وصححه ابن خزيمة (١٩٦٤)، وابن حبان (٣٥٣٥)، والحاكم (١/ ٤٢٨)، والبيهقي (٤/ ٢٦٥) كلّهم من حديث عبد الرزاق، به، مثله.
قال ابن خزيمة: سمعت العباس بن عبد العظيم العنبري يقول: سمعت علي بن عبد الله المديني يقول: لا أعلم في "أفطر الحاجم والمحجوم" حديثًا أصح من ذا.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
قلت: إبراهيم بن عبد الله بن قارظ من رجال مسلم وحده.
стр. 2842
وقال الحاكم: "فليعلم طالب هذا العلم أن الإسنادين ليحيى بن أبي كثير قد حكم لأحدهما أحمد بن حنبل بالصحة، وحكم علي بن المديني للآخر بالصحة، فلا يعلل أحدهما بالآخر، وقد حكم إسحاق بن إبراهيم الحنظلي تحديث شدّاد بن أوس بالصّحة".
• عن شدّاد بن أوس، أنّه مرّ مع رسول الله ﷺ في زمن الفتح على رجل يحتجم بالبقيع لثمان عشر خلث من رمضان، فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
صحيح: رواه أبو داود (٢٣٦٩)، وابن ماجه (١٦٨١)، وصحّحه ابن حبان (٣٥٣٣) كلّهم من طريق أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس، فذكره. وإسناده صحيح.
وقد نقل الترمذيّ في "العلل الكبير" (١/ ٣٦٢ - ٣٦٤) عن البخاري قال: ليس في الباب أصح من حديث ثوبان وشداد بن أوس.
فذكرت له الاضطراب. فقال: كلاهما عندي صحيح؛ فإنّ أبا قلابة روى الحديثين جميعًا.
رواه عن أبي أسماء، عن ثوبان، ورواه عن أبي الأشعث عن شداد".
قال الترمذي: وكذلك ذكروا عن ابن المديني أنه قال: حديث ثوبان، وحديث شدّاد صحيحان.
• عن ثوبان، عن النبيّ ﷺ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
صحيح: رواه أبو داود (٢٣٦٧)، وابن ماجه (١٦٠٨)، وصحّحه ابن خزيمة (١٩٦٢، ١٩٦٣)، وابن حبان (٣٥٣٢)، والحاكم (١/ ٤٢٧) كلّهم من حديث يحيي بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، فذكره.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين. وقال أحمد: وهو أصح ما رُوي في هذا الباب".
قلت: أبو أسماء اسمه عمرو بن مرثد الدمشقي من رجال مسلم وحده.
وفي الباب ما رُوي عن معقل بن سنان الأشجعي أنه قال: مرَّ علىَّ رسول الله ﷺ وأنا أحتجم
في ثمان عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، فقال: "أفطرَ الحاجمُ والمحجوم".
رواه الإمام أحمد (١٥٩٠١) عن أبي الجواب، حدّثنا عمار بن رزيق، عن عطاء بن السائب، قال: حدّثني نفرٌ من أهل البصرة منهم الحسن، عن معقل بن سنان الأشجعيّ، فذكره.
اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا.
أوله: الاختلاف على عطاء بن السائب، فرواه عمار بن رزيق كما مضى، وكذلك رواه محمد ابن فضيل، عنه.
ومن طريقه رواه الطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٢٣٣).
وبقية الاختلافات ذكرها الدارقطني في "علله" (١٤/ ٥٢).
والاختلاف الثاني على الحسن وهو الإمام البصريّ المشهور، فمرة رواه عن معقل بن سنان، عن
стр. 2843
معقل بن يسار، وثالثة عن أبي هريرة، ورابعة عن أسامة بن زيد، وخامسة عن علي بن أبي طالب، وسادسة عن شداد بن أوس، وسابعة عن ثوبان، وثامنة عن غير واحد من أصحاب النبيّ ﷺ .
وفي جميع هذه الأسانيد انقطاع؛ فإنّ الحسن البصريّ لم يسمع من أحد من هؤلاء. انظر تفصيل ذلك في "علل الدارقطني" المشار إليه سابقًا.
وفي الباب عن الصّحابة الآخرين جعلهم ابن منده ثمانية وعشرين من الصحابة كما ذكره ابن الملقن في "البدر المنير" (٥/ ٦٧١).
وقال ابن الجوزيّ في "التحقيق" (٣/ ٢٥٠): رواه بضعة عشر صحابيًا، وأخذ به علي، وابن عمر، وأبو موسى، وأبو هريرة، وعائشة إلّا أن أكثر الأحاديث ضعاف، فنحن ننتخب منها".
وانتخب من هذه الأحاديث: حديث رافع بن خديج، وحديث شداد بن أوس، وحديث ثوبان، وحديث معقل بن سنان الأشجعي، وحديث أسامة بن زيد، وحديث بلال، وحديث أبي هريرة، وحديث عائشة.
وفنَّد الحافظ ابن عبد الهادي هذه الأحاديث وبيَّن ضعفها وما وقع فيها من اضطراب.
والخلاصة فيه أنّ حديث ثوبان، وشدّاد صحيحان كما سبق من قول البخاريّ، وقال الإمام أحمد: إنّ حديث رافع أصح شيء في هذا الباب.
قال الترمذي بعد أن نقل قول الإمام أحمد: "وقد كره قوم من أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم الحجامة للصائم، حتى بعض أصحاب النبيّ ﷺ احتجم بالليل منهم: أبو موسي الأشعريّ، وابن عمرو، وبه يقول ابن المبارك وأحمد وإسحاق.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: "من احتجم وهو صائم فعليه القضاء".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقد بيَّنا أنَّ الفطرَ بالحجامةِ على وَفقِ الأصول والقياس وأنه من جنس الفطر بدم الحيض والاستقاءة وبالاستمناء. وإذا كان كذلك فبأيّ وجْهٍ أراد إخراجَ الدَّم أفطر كما أنه بأيّ وجْهٍ أخرج القيء أفطر سواءٌ جذب القيء بادخال يده أو بشمِّ ما يقينه أو وضع يده تحت بطنه واستخرج القيء، فتلك طرق لاخراج القيء وهذه طرق لاخراج الدّم ولهذا كان خروج الدم بهذا، وهذا سواء في باب الطهارة. فتبين بذلك كمالُ الشرع واعتدالُه وتناسبه وأنّ ما ورد من النصوص ومعانيها فإن بعضه يصدّق بعضا، ويوافقه ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
وأما الحاجم فإنه يجتذب الهواء الذي في القارورة بامتصاصه، والهواء يجتذب ما فيها من الدم فربما صعد مع الهواء شيءٌ من الدّم ودخل في حلقه وهو لا يشعر، والحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علّق الحكمُ بالمظنة كما أن النائم الذي تخرج منه الرّيح ولا يدري يُؤمر بالوضوء فكذلك الحاجم يدخل شيءٌ من الدم مع ريقه الى بطنه وهو لا يدري.
стр. 2844
والدَّمُ من أعظم المفطِّرات فإنه حرام في نفسه لما فيه من طغيان الشهوة والخروج عن العدل، والصائم أمر بحسم مادّته فالدَّمُ يزيد الدَّمَ فهو من جنس المحظور فيفطر الحاجم لهذا، كما ينتقض وضوء النائم وإن لم يستيقن خروج الرّيح منه لأنه يخرج ولا يدري وكذلك الحاجم قد يدخل الدم في حلقه وهو لا يدري.
وأمّا الشارط فليس بحاجم، وهذا المعنى منتفي فلا يفطر الشارط وكذلك لو قدر حاجمٌ لا يمص القارورة بل يمتص غيرها، أو يأخذ الدَّم بطريق أخرى لم يفطر. والنَبيُّ ﷺ كلامه خرج على الحاجم المعروف المعتاد" انتهى كلامه.
١١ - باب ما جاء من الرّخصة في ذلك
• عن ابن عباس، قال: احتجم النبيُّ ﷺ وهو صائم.
صحيح: رواه البخاري في الصوم (١٩٣٩) عن أبي معمر، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
وكذلك رواه أيضًا أبو داود (٢٣٧٢)، والترمذي (٧٧٥) كلاهما من حديث عبد الوارث، عن أيوب، به، مثله.
قال أبو داود: "ورواه وهيب بن خالد، عن أيوب، بإسناده، مثله. وجعفر بن ربيعة وهشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثله".
وحديث وهيب بن خالد هو ما رواه البخاري (١٩٣٨) عن معلى بن أسد، عنه إلا أنه قال فيه: "احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم".
وقد قيل: "واحتجم وهو صائم". فيه نكارة، والصحيح: "واحتجم وهو محرم".
والذي يظهر لي أنه فعل ذلك في أوقات مختلفة، فإنه ﷺ أحتجم وهو محرم مسافر؛ لأنّ المحرم لا يكون في بلده، وأخرى احتجم وهو صائم مقيم في بلده، والدليل على ذلك أن عبد الوارث لم يذكر في حديثه: "احتجم وهو محرم".
وأكد أبو داود أنّ رواية وهيب بن خالد، مثله. ومعنى هذا أنّ وهيبًا يروي الحديث في وقتين مختلفين مرة احتجامه ﷺ وهو محرم مسافر، وأخرى احتجامه ﷺ وهو صائم مقيم، فجمع الراوي عنه بين الحديثين في حديث واحد. وكلاهما صحيح، فإني لم أقف على من طعن في رواية عبد الوارث، ووهيب بن خالد كلاهما عن أيوب، وإنما ذكروا طرقًا أخرى وطعنوا فيها، ومن هذه الطرق:
ما رواه محمد بن عبد الله الأنصاريّ، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، قال: "احتجم النبي ﷺ وهو صائم".
стр. 2845
رواه الترمذي (٧٧٦) عن أبي موسى، عن محمد بن عبد الله الأنصاريّ، وقال: "حسن غريب من هذا الوجه".
ورواه النسائي في "الكبري" (٣٢٣١) من هذ الوجه، وزاد فيه: "وهو محرم".
وقال: هذا منكر، ولا أعلم أحدًا رواه عن حبيب غير الأنصاريّ، ولعله أراد أنّ النبيَّ ﷺ تزوّج ميمونة.
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله ردّ هذا الحديث وضعفه وقال: كانت كتب الأنصاري ذهبت في أيام المنتصر، فكان بعد يحدِّث من كتب غلامه وكان هذا من تلك.
ومن هذه الطرق ما رواه شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: "أنّ النبيَّ ﷺ احتجم بالقاحة وهو صائم".
رواه الإمام أحمد (٢١٨٦)، والطبراني في الكير (١٢٠٥٣)، والنسائي في الكبرى (٣٢٢٤) كلّهم من هذا الوجه.
قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع الحكم حديث مقسم في الحجامة للصائم.
ومن هذه الطرق ما رواه يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس: "أنّ النبيَّ ﷺ احتجم بين مكّة والمدينة وهو صائم".
رواه أبو داود (٢٣٧٣)، والترمذي (٧٧٧)، وابن ماجه (١٦٨٢)، وأحمد (١٨٤٨)، والبيهقي (٤/ ٢٦٣) كلّهم من هذا الوجه، ومنهم من لم يذكر: "وهو محرم صائم".
وفيه متابعة للحكم إلا أنّ يزيد بن أبي زياد وهو الهاشمي ضعيف باتفاق أهل العلم، وبه أعله أيضًا النسائي.
ومن هذه الطرق ما رواه قبيصة، قال: حدّثنا الثوري، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أنَّ النبيّ ﷺ احتجم وهو صائم".
قال النسائي: هذا خطأ لا نعلم أحدًا رواه عن سفيان غير قبيصة، وقبيصة كثير الخطأ. وقد رواه أبو هاشم عن حماد مرسلًا.
ولحديث ابن عباس أسانيد أخرى فما جاء من وجه صحيح لا يُعلّ بما رُوي من وجه ضعيف.
والبخاري والترمذي وغيرهما ذهبا إلى تصحيح حديث ابن عباس: "احتجم وهو محرم، احتجم وهو صائم" على أنهما حديثان. وذهب الإمام أحمد ويحيى بن سعيد القطان إلى تضعيفه.
ولكن كما قلت: إني لم أقف على تضعيفهم لرواية أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس. وإنّما ضعّفوا هذه الروايات التي ذكرت بعضا منها.
• عن ثابت البُنانيّ، قال: سُئل أنس بن مالك ﷺ : أكنتم تكرهون الحجامة للصّائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضّعف.
стр. 2846
وزاد شبابة: حدّثنا شعبة: على عهد النبيّ ﷺ .
صحيح: رواه البخاري في الصوم (١٩٤٠) عن آدم بن أبي إياس، حدّثنا شعبة، قال: سمعتُ ثابتًا البناني، قال (فذكره).
ورواه البيهقي (٤/ ٢٦٣) من طريق آدم شيخ البخاري، ثنا شعبة، عن حميد، قال: سمعت ثابتًا البناني وهو يسأل أنس بن مالك، فذكر الحديث.
قال البيهقي: والصحيح ما روينا عن آدم، فقد رواه أبو النّضر عن شعبة، عن حميد كما روينا. فأدخل بين شعبة وثابت "حميدًا".
وقال ابن التركماني في الرد على البيهقي: "صرَّح البخاريّ في روايته بسماع شعبة من ثابت.
وفي الصحيحين من روايته عن ثابت عدّة أحاديث فيحمل على أنه سمع هذا الحديث من ثابت بلا واسطة، ومرة أخرى بواسطة. وهذا أولي من تخطئة البخاري".
ولكن نصَّ غير واحد من أهل العلم على أنه وقع سقط في إسناد البخاري، كما ذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٤/ ١٧٨) فراجعه.
قال الحافظ: قوله: "وزاد شبابة حدّثنا شعبة: على عهد النبيّ ﷺ . هذا يشعر بأن رواية شابة موافقة لرواية آدم في الإسناد والمتن، إلا أن شبابة زاد فيه ما يؤكّد رفعه. وقد أخرج ابن منده في "غرائب شعبة" طريق شبابه، فقال: حدّثنا محمد بن أحمد بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن روح، حدّثنا شبابة، حدّثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد.
وبه عن شبابة، عن شعبة، عن حميد، عن أنس، نحوه.
وهذا يؤكّد صحة ما اعترض به الإسماعيلي ومن تبعه، ويشعر بأن الخلل فيه من غير البخاريّ؛ إذ لو كان إسناد شبابة عنده مخالفًا لإسناد آدم لبيّنه وهو واضح لا خفاء به، "والله أعلم بالصواب" انتهى.
• عن أبي سعيد، قال: أرخص النبيّ ﷺ في القبلة للصائم والحجامة للصائم.
صحيح: رواه النسائي في "الكبرى" (٣٢٤١)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٩٦٧)، والدارقطني (٢٢٦٨) وعنه البيهقي (٤/ ٢٦٤) كلهم من طريق المعتمر بن سليمان، عن حميد، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكره.
قال الدارقطني: "كلهم ثقات، وغير معتمر يرويه موقوفًا".
وكذلك قال ابن خزيمة: بأن لفظ الحجامة للصائم إنما هو من قول أبي سعيد الخدري، لا عن النبيّ ﷺ أدرج في الخبر وأطال القول في ذلك.
ولكن لم ينفرد المعتمر بن سليمان في رفعه، فقد رواه النسائي (٣٢٤١)، والدارقطني (٢٢٦٢)، والبزار. - كما في كشف الأستار (١٠١٢) - من أوجه أخرى عن إسحاق الأزرق، حدثنا سفيان، عن خالد الحذّاء، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، قال: رخّص رسول الله ﷺ -
стр. 2847
في الحجامة للصائم.
وقال الدارقطني: "كلهم ثقات. ورواه الأشجعي أيضًا وهو من الثقات". ثم رواه من طريق الأشجعي عن سفيان، به. مع ذكر القُبلة.
وأشار البيهقي إلى هذه المتابعات، فقال: "وقد رُوي من وجه آخر عن أبي المتوكل مرفوعًا".
ثم رواه من طريق الدارقطني كما ذكرت.
ثم وقفت على كلام الدارقطني في العلل (٢٣٣٠)، فقال: "والذين رفعوه ثقات، وقد زادوا، وزيادة الثقة مقبولة".
إلّا أن أبا حاتم رجّح أن يكون موقوفًا، وخطَّأ كلَّ من رفعه حتى قال: "وهم فيه أيضًا معتمر وهو قد تُوبع". انظر: العلل (١/ ٢٣٢).
قلت: على فرض صحة أنه موقوف على أبي سعيد، وأنه من قوله فحكمه الرفع؛ لأن الرخصة لا تكون من عنده، ولا من عند أصحاب النبيّ ﷺ ، وإنما تكون من الشارع.
ولحديث أبي سعيد الخدري أسانيد أخرى إلا أنها كلَّها ضعيفة.
منها ما رُوي "لا يُفطر من قاء ولا من احتجم، ولا من احتلم".
رواه الترمذي (٧١٩)، والبيهقي من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء، عن أبي سعيد، فذكره.
قال الترمذي: "حديث أبي سعيد حديث غير محفوظ".
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ليس بالقوي كما قال البيهقي: "والصحيح رواية سفيان الثوريّ وغيره عن زيد بن أسلم، عن رجل من أصحابه، عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ، عن النبي ﷺ ".
قلت: وهو كما قال. فقد رواه أبو داود (٢٣٧٦)، وابن خزيمة (١٩٧٥) من حديث سفيان الثوريّ، عن زيد بن أسلم، بإسناده، مثله.
ورواه عبد الرزاق (٧٥٣٨) من وجهين عن الثوريّ، بإسناده ولم يرفعه، وعن معمر، عن زيد بن أسلم، ورفعه إلى النبيّ ﷺ وفي الجميع رجل مجهول، لم يسم مع اضطراب في إسناده فمرة رفعه، وأخرى وقفه.
وضعّفه أيضًا المنذريّ، وهذه الأسانيد الضعيفة لا عل الأسانيد الصحيحة.
وأمّا ما رواه ابن خزيمة بإسناد صحيح (١٩٧١) من قول أبي سعيد: "إنما كرهتُ الحجامة للصائم مخافة الضّعف".
فهذا التعليل من أبي سعيد. وكذلك قول أبي سعيد: إنما كانوا يكرهون. قال: أو قال: يخافون الضعف، ليس فيه شيء عن النبيّ ﷺ حتى يعارض قوله المطلق: "رُخص للصّائم" أو "أرخص النبيّ ﷺ للصائم" مع بقاء الكراهة؛ لأنَّ النهي إذا رفع يكون مباحًا مطلقًا للجميع بدون
стр. 2848
قيد الكراهة.
• عن أنس بن مالك، قال: أولُ ما كُرهت الحجامة للصّائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمرَّ به النبيُّ ﷺ فقال: "أفطر هذان". ثم رخص النبيّ ﷺ بعد في الحجامة للصّائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم.
حسن: رواه الدارقطني (٢٢٦٠) وعنه البيهقي (٤/ ٢٦٨) عن أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا خالد بن مخلد، حدّثنا عبد الله بن المثنى، عن ثابت البناني، عن أنس، فذكره.
قال الدارقطني: "كلّهم ثقات، ولا أعلم له علّة".
وقال البيهقي بعد أن نقل كلام الدارقطني: "وحديث أبي سعيد الخدري بلفظ الترخيص بدل على هذا، فإن الترخيص يكون بعد النّهي".
قلت: خالد بن مخلد وهو القطواني وشيخه عبد الله المثني هو ابن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاريّ البصريّ متكلَّم فيهما غير أنهما حسنا الحديث إذا لم يكن في حديثهما ما ينكر عليهما، وهما من رجال الصحيح، وقد شهد لهما ما سبق من حديث أبي سعيد الخدري كما قال البيهقي.
وليس في حديث أنس ما يدل على أن جعفر بن أبي طالب كان قد احتجم زمن الفتح. وجعفر قتل في غزوة مؤتة، وكانت مؤتة قبل الفتح، وبناء عليه قال بعض أهل العلم: إنه حديث خطأ. بل فيه ما يدل على أن احتجامه كان قبل غزوة مؤتة، والله تعالى أعلم.
قال البيهقي: "وروينا في الرخصة في ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو، والحسين بن علي، وزيد بن أرقم، وعائشة بنت الصديق، وأم سلمة ﵃ أجمعين".
وإلى القول بالنسخ ذهب الشافعي كما في "الأم" (٢/ ١٠٨ - ١٠٩)، وعنه البيهقي (٤/ ٢٦٨)
بعد أن أخرج حديث شداد بن أوس زمن الفتح: "أفطر الحاجم والمحجوم".
وحديث سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس: "أنّ النبيّ ﷺ احتجم محرمًا". قال: ولم يصحب ابن عباس النبيّ ﷺ محرمًا قبل حجّة الإسلام، فيكون ذكر ابن عباس حجامة النبي ﷺ عام حجة الإسلام سنة عشر، وحديث أفطر الحاجم والمحجوم سنة ثمان قبل حجة الإسلام بسنتين، فإن كانا ثابتين حديث ابن عباس ناسخ، وحديث "أفطر الحاجم والمحجوم" منسوخ".
وقال: "وإسناد الحديثين معًا مشتبه، وحديث ابن عباس أمثلهما إسنادًا، فإن توقي رجل الحجامة كان أحب إلي احتياطًا لئلا يعرض صومه أن يضعف فيفطر، فإن احتجم فلا تفطره الحجامة، ومع حديث ابن عباس القياس الذي أحفظ عن بعض أصحاب النبيّ ﷺ والتابعين وعامة
стр. 2849
المدنيين أنه لا يفطر أحد بالحجامة" انتهى كلامه.
قلت: وهو قول سفيان الثوري، ومالك، وبعض أهل المدينة.
١٢ - باب فيمن استقاء عمدًا
• عن أبي هريرة، أنّ النبيّ ﷺ قال: "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقضِ".
حسن: وله طريقان عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة.
أحدهما: عن عيسي بن يونس، عنه.
ومن طريقه رواه أبو داود (٢٣٨٠)، والترمذي (٧٢٠)، وابن ماجه (١٦٧٦)، والدارقطني (٢٢٧٣)، والبيهقي (٤/ ٢١٩) وصحّحه ابن خزيمة (١٩٦٠)، والحاكم (١/ ٤٢٧).
قال الدارقطني: "رواته كلهم ثقات".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
ولكن نقل الترمذي عن البخاري أنه قال: "لا أُراه محفوظًا".
وقال هو: حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ إلّا من حديث عيسي بن يونس. وقال: "وقد رُوي هذا الحديث من غير وجه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، ولا يصح إسناده" انتهى
وقال البيهقي: تفرّد به هشام بن حسان القردوسي. وقال: وبعض الحفاظ لا يراه محفوظًا (ولعله يقصد به البخاري).
وقال: قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: "ليس من ذا شيء".
قلت: أما تفرد هشام بن حسان القردوسي الأزدي فلا يضرّ فإنه ثقة.
قال الحافظ في "التقريب": "ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين" وهذا منه.
وأما عيسي بن يونس فهو ابن أبي إسحاق السبيعي وهو "ثقة مأمون"، ثم هو لم ينفرد به كما قال الترمذي، بل توبع، وهو الآتي.
وثانيهما: ما رواه حفص بن غياث، عن هشام بن حسان، ومن طريقه رواه ابن ماجه، وابن خزيمة (١٩٦١)، والحاكم، والبيهقي، وأشار إليه أبو داود.
قال الحاكم: وتابعه عيسي بن يونس (أي تابع حفص بن غياث).
والبخاري ﵀ لم يخرج هذا الحديث في "صحيحه"، ولكن أعله بقوله -كما ذكره في صحيحه: باب الحجامة والقيء للصائم-: وقال لي يحيى بن صالح: حدّثنا معاوية بن سلام، حدّثنا يحيى عن عمر بن الحكم بن ثوبان سمع أبا هريرة ﵁: "إذا قاء فلا يفطر، إنما
стр. 2850
يخرج ولا يولج". ويُذكر عن أبي هريرة أنه "يفطر" والأول أصحّ".
ونقل عنه الترمذي في "العلل الكبير" (١/ ٣٤٣): "سألت محمدًا عن هذا الحديث، فلم يعرفه إلّا من حديث عيسي بن يونس، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة. وقال: ما أراه محفوظًا. وقد روي يحيى بن أبي كثير عن عمر بن الحكم، أنّ أبا هريرة كان لا يرى القيء يُفطر الصّائم" انتهى.
قلت: والذي قاله البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٩١ - ٩٢): هو قال لي مسدّد، حدّثنا عيسي بن يونس، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "من استقاء فعليه القضاء".
قال: ولم يصح، وإنما يروى هذا عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، رفعه.
وخالفه يحيى بن صالح، قال: ثنا معاوية، قال: ثنا يحيى، عن عمر بن الحكم بن ثوبان، سمع أبا هريرة، قال: "إذا قاء أحدكم فلا يفطر، فإنّما يخرج ولا يولج".
يفهم من قول البخاري أنه يقارن بين رواية عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة المرفوع.
وبين ما رواه يحيي بن صالح، عن معاوية ... من كلام أبي هريرة.
ولا شك أن رواية عبد الله بن سعيد المرفوع ضعيف لضعف عبد الله بن سعيد، فإنّ أهل العلم مطبقون على تضعيفه؛ ولذا تجنب أصحاب الصحاح مثل ابن خزيمة والحاكم، وأصحاب السنن من إخراج هذا الحديث من طريق عبد الله بن سعيد، وإنما أخرجوه من طريق عيسي بن يونس، وحفص بن غياث بإسنادهما. ونصَّ الدارقطني -وهو إمام في النقد- بأنّ رجاله كلّهم ثقات.
ثم ما رواه عيسي بن يونس، وحفص بن غياث، فإن الجزء الأول منه وهو قوله: "من ذرعه القيء فليس عليه القضاء"، موافق لفتوى أبي هريرة، فلا مخالفة بين ما رواه وبين ما أفتى به.
وأما قوله: "من استقاء فعليه القضاء" فهو مسكوت عنه في فتواه.
وحيث رواه ثقتان حافظان، ولا معارض لهما فهو صحيح حسب القواعد الحديثية؛ لأنه لا علّة فيه ولا شذوذ.
ولذا صححه كثير من الحفّاظ، قال النووي في "المجموع" (٦/ ٣١٦): "فالحاصل أن حديث أبي هريرة بمجموع طرقه وشواهده المذكورة حديث حسن. وكذا نص على حسنه غير واحد من الحفاظ، وكونه تفرد به هشام بن حسان لا يضر؛ لأنّه ثقة وزيادة الثقة مقبولة عند الجمهور من أهل الحديث والفقه والأصول".
وقال الترمذي عقب حديث أبي هريرة: "والعمل عند أهل العلم على حديث أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ أن الصائم، إذا ذرعه القيء فلا قضاء عليه، وإذا استقاء عمدًا، فليقضِ، وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق".
стр. 2851
• عن معدان بن أبي طلحة، أنّ أبا الدرداء حدثه أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر.
قال: فلقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ في مسجد دمشق، فقلت له: إنّ أبا الدرداء أخبرني أنّ رسول الله ﷺ قاء فأفطر. قال: صدق أنا صببت عليه وضوءه.
صحيح: رواه أبو داود (٢٣٨١)، والترمذي (٨٧)، والنسائي في الكبرى (٣١٠٧)، وأحمد (٢٧٥٠٢) وصحّحه ابن خزيمة (١٩٥٧) وعنه ابن حبان (١٠٩٧)، والحاكم (١/ ٤٢٦)، والبيهقي (٤/ ٢٢٠) كلهم من طريق الحسين المعلم، عن يحي بن أبي كثير، حدثني عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد بن هشام، حدثه أباه، قال: حدثني معدان بن أبي طلحة، فذكره.
ومنهم من لم يذكر بين يعيش بن الوليد وبين معدان بن أبي طلحة أبا يعيش. والصواب إثباته في رواية الحسين المعلم ولذا رجح غير واحد من أهل العلم روايته على رواية غيره.
قال الترمذيّ: "وقد جوّد الحسين المعلم هذا الحديث". وقال: "حديث حسين أصح شيء في هذا الباب".
ونقل في "العلل الكبير" (١/ ١٦٨) عن البخاري أنه قال: "جوّد الحسين المعلم هذا الحديث".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه لخلاف بين أصحاب عبد الصمد فيه. قال بعضهم: عن يعيش بن الوليد، عن أبيه، عن معدان. وهذا وهم عن قائله، فقد رواه حرب بن شداد، وهشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير على الاستقامة".
ثم رواه حديث حرب بن شداد، وهشام الدستوائي بدون ذكر والد يعيش في الإسناد.
وقد سبقه إلى ذلك ابن خزيمة، فقال: إن الصواب ما رواه أبو موسى، وأن يعيش بن الوليد سمع من معدان، وليس بينهما أبوه" انتهي.
وقوله: "قاء فأفطر". الأصل أن الفاء للبية، ولكن عرف من دلالة الأحاديث الأخرى أن القيء ليس ناقضًا للوضوء كما أنه ليس مفطِّرًا، فلعله أفطر من الضعف الذي طرأ عليه، لأنه مع القيء قد لا يستطيع الاستمرار في الصوم خشية الضرر والمرض.
وأما البيهقي فأولًا حكم على الحديث بأنه مختلف في إسناده، ثم قال: فإن صحّ فهو محمول على ما لو تقيّأ عامدًا، وكأنّه ﷺ كان مقطوعًا بصومه، ثم قال: ورُوي من وجه آخر عن ثوبان" وهو الآتي بعد حديث فضالة بن عبيد.
• عن فضالة بن عبيد بن نافذ الأنصاريّ، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في يوم كان يصومه، قال: فدعا بماء فشرب، فقلنا له: والله يا رسول الله، إن كان هذا اليوم كنت تصومه، قال: "أجل، ولكني قِئْتُ".
حسن: رواه الإمام أحمد (٣٢٩٦٣) عن يعقوب، قال: حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال:
стр. 2852
حدثني يزيد بن أبي حيب، عن أبي مرزوق مولي تُجيب، عن حنش، عن فضالة بن عبيد، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه مدلس، ولكنه صرَّح، كما أنه توبع.
رواه أحمد أيضًا (٢٣٩٤٨) من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، به، نحوه.
ورواه الدارقطني (٢٢٥٩) من طريق المفضل بن فضالة وآخر، والبيهقي (٤/ ٢٢٠) منه ومن عبد الله بن لهيعة، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، بإسناده، نحوه مختصرًا.
قال البيهقي: وكذلك رواه يحيي بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب. وهو أيضًا محمول على العمد.
إذا صحَّ هذا فلا يضرّ ما رواه ابن ماجه (١٦٧٥) من حديث محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق، قال: سمعت فضالة بن عبيد الأنصاريّ، فذكر الحديث.
وهذا الذي أعلَّه البوصيريّ، فقال: "هذا إسناد ضعيف، أبو مرزوق التجيبي لا يعرف اسمه، لم يسمع من فضالة بن عبيد، بينهما حنش ومحمد بن إسحاق مدلي وقد عنعنه".
قلت: تدليس ابن إسحاق غير مؤثر كما رأيت لوجود التصريح منه، ومتابعة له. وأما أبو مرزوق فاسمه حبيب بن الشهيد التجيبي المصري، وقد ورد في بعض نسخ ابن ماجه "أبو روق" وهو تصحف.
وأما سماع أبي مرزوق من فضالة -كما في ابن ماجه- فلا يصح لوجود حنش بن عبد الله في الروايات الأخرى، ولذا الذي صحَّ لا يُعلّه الذي لم يصح.
وقد أكد ذلك أبو حاتم في "العلل" (١/ ٢٣٨) قال عبد الرحمن: سمعت أبي، وذكر حديثًا رواه حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق، عن فضالة ابن عبيد، فذكر الحديث.
قال: قال أبي: بين أبي مرزوق وفضالة حنش الصنعاني من غير رواية ابن إسحاق. انتهى.
قلت: قد يكون كما قال أبو حاتم: وقد يكون أن محمد بن إسحاق روي من وجهين: في أحدهما لم يذكر حنش الصنعاني كما في رواية حماد بن سلمة عنه، وفي رواية محمد بن عبيد رواه عنه الإمام أحمد (٢٣٩٣٥) عن محمد بن إسحاق.
وفي ثانيهما ذكر الواسطة كما سبق، وبالله التوفيق.
وفي الباب ما رُوي عن ثوبان، قال: كان رسول الله ﷺ صائما في غير رمضان، فأصابه غمٌّ آذاه، فتقيّأ فقاء، فدعا بوضوء فتوضأ، ثم أفطر. فقلت: يا رسول الله، أفريضة الوضوء من القيء؟ قال: "لو كان فريضة لوجدته في القرآن". قال: ثم صام رسول الله ﷺ الغد، فسمعته يقول: "هذا مكان إفطاري أمس".
رواه الدارقطني (٢٢٧٢) من حديث عتبة بن السكن الحمصي، حدّثنا الأوزاعي، حدّثنا عبادة ابن نُسي، وهبيرة بن عبد الرحمن، قالا: حدّثنا أبو أسماء الرّحبي، قال: حدّثنا ثوبان، فذكره.
قال الدارقطني: عتبة بن السكن متروك الحديث.
стр. 2853
ورواه الإمام أحمد (٢٢٣٧٢)، وأبو بكر بن أبي شيبة (٢/ ٤٥٥)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ١٤٨)، والبيهقي (٤/ ٢٢٠) كلّهم من حديث شعبة، عن أبي الجودي، عن بلْج، عن أبي شيبة المهريّ، قال: وكان الناس بقسطنطينية، قال: قيل لثوبان: حدّثنا عن رسول الله ﷺ ، قال: "رأيت رسول الله ﷺ قاء فأفطر"، وفيه بلج وشيخه أبو شيبة المهريّ مجهولان.
قال البخاري: "إسناده ليس بذاك". ذكره الذهبي في "الميزان" (١/ ٣٥٢) في ترجمة "بَلْج".
١٣ - باب ما جاء في الاكتحال هل هو مفطر أو لا ؟
وفي الباب أحاديث لا تصح منها:
ما رواه أبو داود (٢٣٧٧): حدّثنا النفيليّ، ثنا علي بن ثابت، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة، عن أبيه، عن جده، عن النبيّ ﷺ أنه أمر بالإثمد المروَّح عند النوم وقال: "ليتقه الصّائم".
قال أبو داود: قال لي يحيى بن معين: "هذا حديث منكر".
وكذلك قال الإمام أحمد: "هذا حديث منكر" مسائل أحمد لأبي داود (ص ٢٩٨).
ورواه الإمام أحمد (١٦٠٧٢) عن علي بن ثابت، بإسناده إلا أنه لم يذكر فيه: "ليتقه الصّائم".
وكذلك رواه الدارمي (١٧٧٤)، والبيهقي (٤/ ٢٦٢) عن أبي نعيم، حدّثنا عبد الرحمن بن النعمان، قال: حدّثنا أبي، عن جدّي، وكان جدّي قد أُتي به النبيّ ﷺ فمسح رأسه، قال: "لا تكتحل بالنّهار، وأنت صائم، اكتحل ليلًا بالإثمد، فإنه يجلو البصر وينبت الشعر".
قال الدّارمي: "لا أرى بالكحل بأسًا".
وسكت البيهقيّ، وفيه عبد الرحمن بن النعمان مختلف فيه فضعفه ابن معين، وقال ابن المديني: "مجهول". وقال أبو حاتم: "صدوق". وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٨١).
وأما أبوه وهو النعمان بن معبد فلم يرو عنه غير ابنه عبد الرحمن، وهو على شرط ابن حبان في "ثقاته"، ولذا ذكره فيه (٧/ ٥٣٠) فهو "مجهول".
وقال الذهبي في "الميزان": "غير معروف، تفرد عنه ابنه عبد الرحمن".
وأما قول الحافظ ابن عبد الهادي في "التنقيح" (٣/ ٢٤٦): "ومعبد وابنه النعمان كالمجهولين، فإنه لا يعرف لهما إلا هذا الحديث ففيه سبق قلم، فإن معبدًا وهو ابن هوذة الأنصاريّ هو الذي له هذه الصحبة كما قال البيهقي.
وإنما المجهول هو عبد الرحمن وأبوه النعمان.
وقوله: "بالإثمد المروح" الإثمد: حجر الكحل الأسود، والمروَّح -اسم مفعول-: المطيب بالمسك.
стр. 2854
وفي الباب ما رواه الترمذي (٧٢٦) مخالفا له، عن عبد الأعلى بن واصل، ثنا الحسن بن عطية، ثنا أبو عاتكة، عن أنس بن مالك، قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: اشتكت عيني أفأكتحل وأنا صائم؟ قال: "نعم".
قال الترمذي: "إسناده ليس بالقوي، ولا يصح عن النبيّ ﷺ في هذا الباب شيء، وأبو عاتكة ضعيف".
قلت: وهو كما قال، وأبو عاتكة اسمه طريف بن سلمان، قال البخاري: "منكر الحديث". وقال النسائي: "ليس بثقة".
والحسن بن عطية هو ابن نجيح القرشي الكوفي البزار. قال أبو حاتم: "صدوق". وضعّفه الأزدي كما في "الميزان".
وفي الباب ما روي أيضًا عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده: "أنّ النبيّ ﷺ كان يكتحل بالإثمد وهو صائم". رواه الطبراني في "الكبير" (١/ ٢٩٦).
ورواه البيهقي (٤/ ٢٦٢) وقال: محمد بن عبيد الله ليس بالقوي.
قلت: وهو كما قال فإنّ محمد بن عبيد الله بن أبي رافع الهاشمي مولاهم الكوفيّ ضعيف باتفاق أهل العلم، قال الدارقطني: "متروك، وله معضلات".
وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ١٦٧). وشذّ ابن حبان فذكره في "الثقات" (٧/ ٤٠٠).
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن عائشة، قالت: "اكتحل النبيّ ﷺ وهو صائم".
رواه ابن ماجه (١٦٧٨) عن أبي التقي هشام بن عبد الملك الحمصيّ، قال: حدّثنا بقية، قال: حدّثنا الزبيدي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
ورواه البيهقي (٤/ ٢٦٢) من وجه آخر عن أحمد بن أبي الطيب، حدثنا بقية بن الوليد، عن سعيد الزبيدي، بإسناده.
قال البيهقي: سعيد الزبيدي من مجاهيل شيوخ بقية، ينفرد بما لا يتابع عليه".
قلت: سعيد الزبيدي هو سعيد بن عبد الجبار الحمصي، وهو سعيد بن أبي سعيد ضعيف باتفاق أهل العلم.
ورواه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ١١٤١) في ترجمة سعيد بن أبي سعيد، وقال: "هو شيخ مجهول، وأظنه حمصي، حدث عنه بقية، وحديثه ليس بمحفوظ".
قلت: وفيه بقية وهو ابن الوليد مدلس وقد عنعن.
وخلاصة القول أنه لا يثبت شيء في هذا الباب؛ ولذا يكون الاكتحال على البراءة الأصلية، أنه غير مفطر كما قال ابن عبد الهادي في "التنقيح" (٣/ ٢٥٠): "والأظهر في الجملة أن الكحل لا يفطر الصائم لعدم الدليل على ذلك من نصِّ أو قياس صحيحين".
стр. 2855
وفي سنن أبي داود (٢٣٧٨) بإسناد حسن: "كان أنس بن مالك يكتحل وهو صائم".
وعن الأعمش قال: ما رأيت أحدًا من أصحابنا يكره الكحل للصائم. وكان إبراهيم يرخّص أن يكتحل الصائم بالصّبر". رواه أيضًا أبو داود (٢٣٧٩) بإسناد حسن.
قلت: وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور أهل العلم.
وهو اختار شيخ الاسلام ابن تيمية وبه أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية.
قال البغوي في شرح السنة (٦/ ٢٩٧): "وكرهه بعضهم، وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق لما روي عن معبد بن هوذة أنّ النبي ﷺ أمر بالإثمد عند النوم وقال: "ليتقه الصّائم، ولا يصح فيه عن رسول الله ﷺ شيء".
١٤ - باب تخيير المسافر بين الصيام والإفطار
قال الله تعالي: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [سورة البقرة: ١٨٤].
قال الله تعالي: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سورة البقرة: ١٨٥].
• عن عائشة: أنّ حمزة بن عمرو الأسلميّ، قال لرسول الله ﷺ : أصومُ في السَّفر - وكان كثير الصيام-؟ فقال له رسول الله ﷺ : "إن شئتَ فصُمْ، وإن شئت فأفطر".
متفق عليه: رواه مالك في الصيام (في رواية أبي مصعب الزهري - ٧٩٤) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، به، فذكرته.
ورواه البخاري في الصوم (١٩٤٣) عن عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، بإسناده، مثله.
ورواه مسلم في الصوم (١١٢١) من طرق عن الليث وحماد بن زيد وأبي معاوية كلهم عن هشام ابن عروة، بإسناده، مثله.
ورواه مالك في رواية يحيى الليثي عنه (٢٤) عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنّ حمزة بن عمرو
الأسلميّ، قال لرسول الله ﷺ ... " الحديث. ولم يذكر فيه "عن عائشة".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٢/ ١٤١): "هكذا قال يحيى: مالك، عن هشام، عن أبيه، أنّ حمزة بن عمرو. وقال سائر أصحاب مالك: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة - أنّ حمزة بن عمرو ... والحديث محفوظ عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، كذلك رواه جماعة، عن هشام" اهـ.
قلت: وهو كما قال، وقد سبق ذكر بعضهم في روايات مسلم، ولكن رواه غير هشام بدون ذكر عائشة.
• عن حمزة بن عمرو الأسلميّ، قال: يا رسول الله! أجد بي قوة على الصيام
стр. 2856
في السفر، فهل عليَّ جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : "هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جناح عليه".
صحيح: رواه مسلم في الصوم (١١٢١: ١٠٧) من طرق عن ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، عن أبي مراوح، عن حمزة بن عمرو، فذكره.
قوله: "فمن أخذ بها فحسن" فيه إشارة إلى تفضيل الفطر في السفر على الصيام.
ولحمزة بن عمرو طرق أخرى غير أن ما ذكرته هو أصحها.
منها ما رواه ابن خزيمة (٢١٥٣) عن محمد بن العلاء بن كريب الهمداني، حدّثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن عمران بن أبي أنس، عن سليمان بن يسار، عن حمزة بن عمرو الأسلميّ قال: كنت أسردُ الصوم على عهد رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إني أصوم ولا أفطر، أفأصوم في السفر؟ قال: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر".
قال النسائي في "الكبري" (٢٦٠٤): "هذا مرسل". أي فيه انقطاع بين سليمان بن يسار وبين حمزة بن عمرو؛ لأنه رواه في "المجتبي" (٢٣٠٢) فخالف فيه في الموضعين:
أحدهما: أن ابن إسحاق قال: حدثني عمران بن أبي أنس، فصرَّح بالتحديث.
والثاني: أنه أدخل بين سليمان بن يسار وبين حمزة بن عمرة "أبا مراوح".
وصحَّح المزّي هذا الطريق، فقال في ترجمة (أبي مراوح): الصحيح عن عمران بن أبي أنس، عن سليمان بن يسار، عن أبي مرواح، عن حمزة، به.
والخلاصة أن هذا الحديث رواه عروة بن الزبير، وأبو مراوح.
فأما عروة بن الزبير فله شيخان:
أحدهما: عائشة ﵂، فيكون الحديث من مسندها.
والثاني: حمزة بن عمرو، فيكون الحديث من مسنده.
وأما أبو مراوح فليس له طريق غير حمزة بن عمرو، والكل صحيح.
قال ابن عبد البر: "وفي هذا الحديث التخيير للصائم في رمضان إن شاء أن يصوم في سفره، وإن شاء أن يفطر. وهو أمر مجمع عليه من جماعة فقهاء الأمصار، وهو الصحيح في هذا الباب". "التمهيد" (٢٢/ ١٤٧).
• عن أنس بن مالك، أنه قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان، فلم يَعِب الصَّائمُ على المفطر، ولا المفطر على الصَّائم.
متفق عليه: رواه مالك في الصيام (٢٢) عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، فذكره.
ورواه البخاريّ في الصوم (١٩٤٧) من طريق مالك، به، مثله.
стр. 2857
ورواه مسلم في الصيام (١١١٨) من وجه آخر عن حميد الطويل، قال: خرجتُ فصمتُ، فقالوا لي: أعِدْ. قال: فقلت: إن أنسًا أخبرني أنّ أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يسافرون (فذكره).
قال: فلقيت ابنَ أبي مليكة فأخبرني عن عائشة، ﵂، بمثله.
• عن ابن عباس قال: لا تعبْ على من صام، ولا على من أفطر، فقد صام رسول الله ﷺ في السفر وأفطر.
صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١١٢/ ٨٩) عن أبي كريب، حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الكريم، عن طاوس، عن ابن عباس، فذكره.
• عن أبي الدرداء، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حرٍّ شديد، حتّى إن كان أحدُنا ليضعُ يدَه على رأسه من شدّة الحرِّ وما فينا صائمٌ إلّا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة.
متفق عليه: رواه البخاري في الصوم (١٩٤٥)، ومسلم في الصيام (١١٢٢) من طريق إسماعيل ابن عبيد الله، عن أمّ الدرداء، عن أبي الدرداء، فذكره. واللفظ لمسلم.
ولفظ البخاري: خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم، إلا ما كان من النبي ﷺ وابن رواحة.
• عن أبي سعيد الخدريّ، قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ لست عشرة مضتْ من رمضان، فمنّا من صام، ومنّا من أفطر، فلم يَعِب الصَّائم على الْمُفطر، ولا المفطر على الصَّائم".
صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١١٦) من طرق، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
وأبو نضرة اسمه المنذر بن مالك بن قُطعة العبديّ.
ووقع في رواية له: "لثمانَ عشرة خلتْ".
وفي رواية: "في ثِنْتَي عشْرة".
وفي رواية: "لسبعَ عشرة أو تسع عشرة".
• عن أبي سعيد الخدريّ، وجابر بن عبد الله، قالا: "سافرنا مع رسول الله ﷺ ، فيصوم الصَّائمُ ويفطرُ المفطر، فلا يعيبُ بعضُهم على بعض".
صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١١٧) من وجوه عن مروان بن معاوية (هو الفزاريّ)، عن عاصم (هو ابن سليمان الأحول)، قال: سمعت أبا نضرة، يحدِّث عن أبي سعيد الخدري، وجابر ابن عبد الله، قالا (فذكراه).
стр. 2858
• عن عمران بن حصين، قال: كان النبيّ ﷺ يمشي حافيًا وناعلًا، ويشرب قائمًا وقاعدًا، وينفتل عن يمينه وعن يساره، ويصوم في السفر ويفطر.
حسن: رواه البزار -كشف الأستار (٩٩٣) -، عن الحسين بن يحيى الأرزيّ، ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا هارون بن موسى، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين، فذكره.
قال البزار: "وهذا رواه حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. ورواه هارون، عن حسين، عن ابن بريدة، عن عمران.
وهارون ليس به بأس، وزاد: "ويصوم في السفر ويُفطر"، ولا نحفظ هذا عن عمرو بن شعيب.
ولو حفظناه كان هذا الإسناد أحسن من ذلك، وإن كان ذلك هو المعروف" انتهى.
قلت: بل فيه كما الآتي:
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي حافيا وناعلا، ويصوم في السفر ويُفطر، ويشرب قائما وقاعدا، وينصرف عن يمينه وعن شماله.
حسن: رواه أحمد (٦٦٧٩، ٦٩٢٨، ٧٠١٢) من طرق، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فذكره. وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب.
• عن أنس، قال: إنّ رسول الله ﷺ كان في سفر ومعه أصحابه، فشقَّ عليهم الصوم، فدعا رسول الله ﷺ بإناء فيه ماء فشرب -وهو على راحلته-، والناس ينظرون إليه.
حسن: رواه ابن خزيمة (٢٠٣٩)، والطحاوي (٣١٥٦) كلاهما من حديث ابن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني حميد، أن بكر بن عبد الله المزني، حدثه قال: سمعت أنس بن مالك يقول (فذكر الحديث).
وإسناده حسن من أجل الكلام في يحيى بن أيوب الغافقي إلا أنه حسن الحديث. كما انه توبع في الأسانيد الآتية.
رواه الإمام أحمد (١٢٢٦٩) عن روح بن عبادة، حدّثنا هشام بن حسان، عن حميد الطويل، عن انس بن مالك، فذكره مختصرًا.
ورواه الإمام أحمد أيضًا (١٣٤٢٩، ١٣٦١٩)، وأبو يعلى (٣٨٠٦) من أوجه أخرى عن حميد، عن أنس بن مالك.
وحميد هو ابن أبي حميد الطويل رمي بالتدليس، ويقال: إنه لم يسمع من أنس إلا أربعة وعشرين حديثًا، والباقي سمعها من ثابت البناني عنه، وثابت البناني ثقة، ولذا تحمّل الأثقة عنعته، وهنا يحيى بن أيوب الغافقي أقام الإسناد بذكر الواسطة بينهما إن كان حفظه لأنه كان يخطئ.
стр. 2859
وفي الباب ما رُوي عن ابن مسعود: "أنّ رسول الله ﷺ كان يصوم في السفر ويفطر، ويصلي ركعتين لا يدعهما يقول: لا يزيد عليهما يعني الفريضة".
رواه الإمام أحمد (٣٨١٣)، وأبو يعلى (٥٣٠٩)، والبزار - كشف الأستار (٩٩٢) والطحاوي في شرحه (١/ ٣٣٣) كلهم من حديث روح بن عبادة، حدّثنا سعيد بن أبي عروبة، عن عبد السلام، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، فذكره.
قال البزار: لا نعلمه عن عبد الله (ابن مسعود) إلا بهذا الإسناد، ولا رواه عن عبد السلام إلا ابن أبي عروبة.
وفيه عبد السلام هو ابن أبي الجنوب ضعيف جدًّا من رجال ابن ماجه. ووهم الحافظ الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٥٨) فقال: "رجال أحمد رجال الصحيح"، ظنا منه أنه عبد السلام بن حرب الملائي من رجال الشيخين كما وهم غيره.
وكان الحافظ ممن ظنَّ أولًا أنه ابن حرب، ثم ظهر له أنه ابن أبي الجنوب كما ذكره في "التعجيل" (٦٥٧) مستدلًا برواية ابن عدي في "الكامل" في ترجمة عبد السلام بن أبي الجنوب من طريق روح بن عبادة بهذا الإسناد.
وقال بعد تخريجه (أي ابن عدي): "عبد السلام المذكور في هذا الإسناد يقال: هو ابن أبي الجنوب، حدَّث عنه سعيد بن أبي عروبة بهذا الإسناد" انتهى كلام ابن عدي.
ثم قال الحافظ -متعقبًا على الحسيني في قوله: "عبد السلام، عن حماد بن أبي سليمان مجهول"-: "وظهر أنه معروف، ورواية ابن أبي عروبة عنه رواية الأقران، وابن أبي الجنوب ضعيف عندهم. ولم أر له رواية عن حماد بن أبي سليمان" انتهي.
وفي الباب أيضًا ما روي عن سنان بن المحبق الهذلي، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له حمولة تأوي إلى شبع فليصم رمضان حيث أدركهـ".
رواه أبو داود (٢٤١٠) عن حامد بن يحيى، ثنا هشام بن القاسم، ح.
وثنا عقبة بن مُكْرم، ثنا أبو قتيبة -المعنى-، قالا: ثنا عبد الصمد بن حبيب بن عبد الله الأزدي، حدثني حبيب بن عبد الله، قال: سمعت سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي يحدث، فذكره.
وقال أبو داود (٢٤١١): وحدّثنا نصر بن المهاجر، حدّثنا عبد الصمد. يعني ابن عبد الوارث - حدّثنا عبد الصمد بن حبيب، قال: حدثني أبي، عن سنان بن سلمة، عن سلمة بن المحبق، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أدركه رمضان في السفر" فذكر معناه.
أعلّه المنذري بعبد الصمد بن حيب الأزدي العَدْوي البصريّ، ونقل عن البخاري أنه قال: "لين الحديث". وقال أيضًا: منكر الحديث، ذاهب الحديث، ولم يعدَّه هذا الحديث شيئًا". وضعّفه أيضًا أحمد". وذكر له أبو جعفر العقيلي هذا الحديث: وقال: لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا
стр. 2860
به" انتهى.
وقوله: "الحمولة" بفتح الحاء -كلّ ما يركب عليه من إبل أو حمار وغيرهما. وفي القرآن: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [سورة الأنعام: ١٤٢].
ومعنى قوله: "تأوي إلى شبع" أي يأوي صاحبها إلى مكان يشبع فيه بأن يكون معه زاد فعليه أن يصوم سواء كان السفر طويلًا أو قصيرًا؛ لأنه لا مشقة ولا عناء فيه.
وفيه إيجاب الصوم على المسافر الذي لا يجد مشقة.
وفيه نكارة وشذوذ لما صحَّ في "الصَّحيح" أنَّ المسافر مخيّر بين الإفطار والصوم، ولعلّ البخاريّ حكم على عبد الصمد بن حبيب بأنه منكر الحديث من اجل روايته هذا الحديث الذي لا يتابع عليه.
١٥ - باب من قال بنسخ الصوم في السفر
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. أي فرض المسافر عدّة أيام من أيام أخر.
• وعن عبد الله بن عباس، أنّ رسول الله ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتّى بلغ الكديد، ثمّ أفطر فأفطر الناسُ، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ .
متفق عليه: رواه مالك في الصيام (٢١) عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، فذكره.
ورواه البخاريّ في الصوم (١٩٤٤) من طريق مالك، به، مثله.
ولم يذكر قوله: "وكانوا يأخذون بالأحدث ... إلخ".
ورواه مسلم (١١١٣) من أوجه أخرى عن ابن شهاب، به، نحوه. وفيه: "وكان صحابةُ رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره".
وفي رواية قال سفيان (هو ابن عيينة): لا أدري مِنْ قَوْلِ من هو؟ يعني: وكان يؤخذ بالآخر من قول رسول الله ﷺ .
وفي رواية قال الزهريّ: وكان الفطر آخر الأمرين، وإنما يؤخذ من أمر رسول الله ﷺ بالآخر فالآخر.
فعُلم بهذه الروايات أنَّ الذين كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث هم الصّحابة. وأنَّ الذي قاله هو الزّهريّ، وعُلم أن قوله: "وكانوا يأخذون ... " مدرج في رواية الموطأ؛ ولذلك لم يخرجه البخاريّ في "صحيحه".
стр. 2861
ذهب بعض أهل الظاهر إلى أنَّ الصّوم في السّفر منسوخ؛ لأنَّ النَّبِيّ ﷺ أفطر، وكان ذلك آخر الأمرين، وكان الصّحابة يأخذون بالآخر فالآخر من فعله ﷺ .
واحتجوا أيضًا بقوله تعالي: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أي إن صامه لم يجزئه، بل عليه قضاؤه إذا رجع إلى أهله.
ونقل الحافظ في "الفتح" (٤/ ٦٩٦): وحكي ذلك أيضًا عن عمر، وابن عمر، وأبي هريرة، والزهريّ، وإبراهيم النخعي وغيرهم.
ورد الجمهور على قولهم هذا بأنَّ المريض لو صام أجزأ صومه بالاتفاق، ومعنى الآية: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أي إن أفطر.
وقالوا: قول الراوي: "وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث" لا يدل على النسخ إذ ليس فيه إنَّ الفطر في السفر ناسخ لإباحة الصوم في السفر بحجّة أن ابن عباس نفسه كان يقول: "فمن شاء صام، ومن شاء أفطر" وهو حديث صحيح كما سيأتي. فلم يجعل ابن عباس إفطار النَّبِيّ ﷺ في السفر بعد صيامه فيه ناسخًا للصوم في السفر، بل جعله على جهة اليسر لمن يشق عليه الصوم في السفر.
وفي حديث أبي سعيد الخدريّ دلالة واضحة في عدم النسخ في قوله: "لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول الله ﷺ في السفر". وذلك بعد أن أفطروا في فتح مكة، وهو الآتي في الباب الذي يليه.
وأمّا ما رُوي عن عبد الرحمن بن عوف مرفوعًا: "صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر" فهو ضعيف.
رواه ابن ماجه (١٦٦٦) من حديث أسامة بن زيد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه عبد الرحمن بن عوف، فذكره.
قال البوصيري: "هذا إسناد ضعيف منقطع، أسامة بن زيد هو ابن أسلم ضعيف، وأبو سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئًا. قاله ابن معين والبخاري".
١٦ - باب ما جاء أن المسافر يفطر في بيته قبل أن يخرج
• عن محمد بن كعب أنه قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرًا، وقد رُحلتْ له راحلته، ولبس ثياب السّفر، فدعا بطعام فأكل. فقلت له: سنّة؟ قال: سنّة، ثمّ ركب.
حسن: رواه الترمذيّ (٧٩٩) عن قُتَيبة، حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم، عن محمد ابن المنكدر، عن محمد بن كعب، قال (فذكره).
ورواه الترمذيّ أيضًا عن محمد بن إسماعيل، حَدَّثَنَا سعيد بن أبي مريم، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، قال: حَدَّثَنِي زيد بن أسلم، قال: حَدَّثَنِي محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب، فذكر نحوه.
стр. 2862
ورواه البيهقيّ (٤/ ٢٤٧) من طريق عثمان بن سعيد الدارميّ، ثنا ابن أبي مريم، بإسناده، وفيه: "تقارب غروب الشّمس، فدعا بطعام، فأكل منه".
قال الترمذيّ: هذا حديث حسن. ومحمد بن جعفر هو ابن أبي كثير، مديني ثقة. وهو أخو إسماعيل بن جعفر، وعبد الله بن جعفر هو ابن نجيح والد عليّ بن عبد الله المدينيّ، وكان يحيى بن معين يضعفه".
وفي الباب عن عبيد بن جبر، قال: كنت مع أبي بصرة الغفاري - صاحب النَّبِيّ ﷺ في سفينة من الفسطاط في رمضان، فرفع، ثمّ قرّب غداءه.
قال جعفر في حديثه: فلم يجاوز البيوت، حتّى دعا بالسفرة. قال: اقترب. قلت: ألستَ تري البيوت؟ ! قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ؟ . قال جعفر في حديثه: فأكل.
رواه أبو داود (٢٤١٢) عن عبد الله بن عمر، حَدَّثَنِي عبد الله بن زيد.
ح وثنا جعفر بن مسافر، ثنا عبد الله بن يحيى المعنى. قالا: حَدَّثَنِي سعيد بن أبي أيوب. زاد جعفر: والليث. قال: حَدَّثَنِي يزيد بن أبي حبيبه: أن كليب بن ذُهل الحضرميّ أخبره، عن عبيد -قال: جعفر: ابن جبر- قال: كنت مع أبي بصرة الغفاري (فذكر الحديث).
ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقيّ (٤/ ٢٤٦).
ورواه الدَّارميّ (١٧٥٤)، والإمام أحمد (٢٧٢٣١)، وابن خزيمة (٢٠٤٠) كلّهم من طريق سعيد بن أبي أيوب، حَدَّثَنِي يزيد بن أبي حبيب، بإسناده، نحوه.
قال ابن خزيمة: "لست أعرف كليب بن ذُهل، ولا عبيد بن جبر، ولا أقبل دين من لا أعرفه بعدالة".
وما قاله ابن خزيمة كلام متجه على أسس علمية سليمة ولكن لم يطبّق ما قاله هو ولا تلميذه ابن حبَّان في كثير من الرواة الذين لم يعرف عنهم شيءٌ. وأخرجا حديثهم في "صحيحيهما". وقد تم التنبيه عليه في مواضع كثيرة.
وأمّا كليب بن ذُهل فهو مصريّ ذكره ابن حبَّان في "الثّقات" (٧/ ٣٥٦) وترجم له البخاريّ في "التاريخ الكبير" (٧/ ٢٣٠)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٧/ ١٦٧) ولم يقولا فيه شيئًا. وقال فيه الحافظ: "مقبول" أي إذا توبع، فإذا لم يتابع فهو لين الحديث.
وأمّا عبيد بن جبر فهو الغفاري أبو جعفر المصري مولى أبي بصرة، روى عن مولاه في الفطر في السفر، وهو يرى البيوت. ذكره الفسويّ في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٤٩٢) في ثقات التابعين، ووثَّقه العجلي وابن حبَّان.
وفي الباب أيضًا عن دحية بن خليفة، أنه خرج من قرية من دمشق مرة إلى قدر قرية عقبة من الفسطاط، وذلك ثلاثة أميال في رمضان، ثمّ إنه أفطر، وأفطر معه ناسٌ، وكره آخرون أن يُفطروا،
стр. 2863
فلمّا رجع إلى قريته قال: والله! لقد رأيتُ اليوم أمرًا ما كنتُ أظنّ أني أراه. إنَّ قومًا رغبوا عن هدي رسول الله ﷺ وأصحابه". يقول ذلك للذين صاموا، ثمّ قال عند ذلك: "اللَّهُمَّ! اقبضني إليك".
رواه أبو داود (٢١٤٣)، والإمام أحمد (٢٧٢٣١)، وابن خزيمة (٢٠٤١)، والبيهقي (٤/ ٢٤١) كلّهم من طريق اللّيث، قال: حَدَّثَنِي يزيد بن أبي حيب، عن أبي الخير، عن منصور الكلبيّ، عن دحية بن خليفة، فذكره.
قال ابن خزيمة: إني لا أعرف منصور بن زيد الكلبي هذا بعدالة ولا جرح".
قلت: وهو كما قال، وقد سبقه ابن المديني فقال: "مجهول".
وقال الذّهبيّ: "ما روى عنه سوى مرثد اليزني (يعني أبا الخير) حديثه أفطر المسافر على ثلاثة أميال".
وقال الحافظ في "التقريب": "مستور". ولكن يشهد بعضه لبعض ويقويه عمل السلف.
قال أنس بن مالك: قال لي أبو موسى: ألم أنبأ أو ألم أخبر أنك تخرج صائمًا، وتدخل صائمًا؟ قال: قلت: بلى. قال: فإذا خرجت فاخرج مفطرًا، وإذا دخلت فادخل مفطرًا.
وعن عمرو بن شرحبيل أنه كان يسافر وهو صائم فيفطر من يومه. رواهما البيهقيّ (٤/ ٢٤٧).
استمسك بهذه الآثار الإمام أحمد وإسحاق وداود والمزني من الشافعية، فقالوا: إنه إذا نوى الصوم، ثمّ سافر أبيح له أن يفطر. لكن يقال: إنَّ المزنيّ، قد رجع عن قوله.
وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: من لا يفارق العمران إِلَّا بعد الفجر فليس له الفطر في ذلك اليوم؛ لأنه ممن شهد الشهر وهو مقيم فيجب عليه أن يصوم؛ لأنّ النَّبِيّ ﷺ لم يخرج من المدينة في شهر رمضان مفطرًا، وإنما أفطر في الطريق.
وأمّا إن سافر المقيم بالليل، وفارق عمران البلد قبل الفجر فله أن يفطر بلا خلاف.
والتمسّك بالآثار أولى من القياس.
١٧ - باب يجوز للمسافر الإفطار بعد أن شرع في الصوم بلا عذر
• عن أبي سعيد، قال: أتى رسول الله ﷺ على نهر من السماء، والناس صيام في يوم صائف مشاة، ونبي الله على بغلة له، فقال: "اشربوا أيّها الناس". قال: فأبوا. قال: "إنَّي لست مثلكم إني أيسركم، إني راكب" فأبوا. فثني رسول الله ﷺ فخذه فنزل فشرب، وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب.
صحيح: رواه الإمام أحمد (١١٤٢٣)، وأبو يعلى (١٢١٤) كلاهما من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث، حَدَّثَنِي أبيّ، حَدَّثَنَا الجريريّ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكره.
والجريري هو سعيد بن أبي إياس اختلط بآخره. وعبد الوارث والد عبد الصمد ممن روى عنه قبل الاختلاط.
стр. 2864
وصحّحه ابن خزيمة (١٩٦٦)، وابن حبَّان (٣٥٥٠، ٣٥٥٦) من أوجه أخرى عن الجريري.
منهم ابن المبارك وهو ممن سمع أيضًا من الجريري قبل الاختلاط.
١٨ - باب استحباب الإفطار في السفر لأجل التَّقَوِّي على القتال وخدمة الرفقاء ونحو ذلك
• عن أنس بن مالك، قال: كنّا مع النَّبِيّ ﷺ في السَّفر، فمنَّا الصَّائم ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلًا في يوم حارٍ، أكثرنا ظلًا صاحب الكساء، ومِنّا من يتّقي الشّمس بيده.
قال: فسقط الصّوام، وقام المفطرون، فضربوا الأبنية وسقوا الرُّكاب، فقال رسول الله ﷺ : "ذهب المفطرون اليوم بالأجر".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٢٨٩٠)، ومسلم في الصيام (١١١٩) من طريق عاصم الأحول، عن مورِّق العجليّ، عن أنس، فذكره. واللّفظ لمسلم.
• عن ابن عباس، قال: خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصام حتّى بلغ عُسْفان، ثمّ دعا بماء، فرفعه إلى يديه يُريه الناس، فأفطر حتّى قدم مكة. وذلك في رمضان.
فكان ابن عباس يقول: قد صام رسول الله ﷺ وأفطر، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٤٨)، ومسلم في الصوم (١١١٣) كلاهما من حديث جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، فذكره.
• عن جابر بن عبد الله، أنَّ رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتّى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثمّ دعا بقدح من ماء، فرفعه، حتّى نظر الناسُ إليه، ثمّ شرب، فقيل له بعد ذلك: إنّ بعض الناس قد صام؟ فقال: "أولئك العُصاة، أولئك العصاة".
وزاد في رواية: "إنَّ الناس قد شقَّ عليهم الصيام، وإنَّما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر".
صحيح: رواه مسلم (١١١٤) من طريق جعفر، عن أبيه، عن جابر، فذكره.
وجعفر هو ابن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب.
وقوله: "أولئك العصاة، أولئك العصاة" قال ابن حبَّان في "صحيحه" (٨/ ٣١٨): "إنَّما
стр. 2865
أطلق عليهم هذه اللفظة بتركهم الأمر الذي أمرهم به، وهو الإفطار، لا أنّهم صاروا عصاة بصومهم في السَّفر".
وقال الشافعي: معنى قوله: "أولئك العصاة" هذا إذا لم يحتمل قلبُه قبول رخصة الله، فأما من رأي الفطر مباحًا وصام وقوي على ذلك، فهو أعجب إليَّ". ذكره الترمذيّ (٧١٠).
• عن قزعة، قال: أتيت أبا سعيد الخدريّ ﵁ وهو مكثُور عليه، فلمّا تفرَّق النَّاسُ عنه، قلتُ: إنِّي لا أسألك عمّا يسألك هؤلاء عنه. سألته عن الصّوم في السفر؟ فقال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكّة ونحن صيام. قال: فنزلنا منزلًا، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّكم قد دنوتم من عدوِّكم والفطرُ أقوى لكم". فكانت رخصة فمنّا من صام، ومنّا من أفطر. ثمّ نزلنا منزلا آخر، فقال: "إنَّكم مُصْبِّحُوا عدُوّكم، والفطرُ أقوى لكم، فأفطروا". وكانت عَزْمةً، فأفطرنا. ثمّ قال: رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السَّفر.
صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١٢٠) عن محمد بن حاتم، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهديّ، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة (هو أبن يزيد الدّمشقيّ)، قال: حَدَّثَنِي قزعة، به، فذكره.
ورواه الإمام أحمد (١١٣٠٧) عن عبد الرحمن بن مهديّ، بإسناده مطوَّلًا.
قوله: "مكثور عليه" أي عنده كثيرون من الناس.
• عن عمر بن الخطّاب، قال: غزونا مع رسول الله ﷺ في رمضان غزوتين: يوم بدر والفتح، فأفطرنا فيهما.
حسن: رواه الترمذيّ (٧١٤) عن قُتَيبة، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حُييّة، عن ابن المسيب، أنه سأله عن الصوم في السفر؟ فحدّث أن عمر بن الخطّاب، قال: فذكره. وفيه ابن لهيعة إِلَّا أن رواية قُتَيبة عنه كانت قبل اختلاطه.
ورواه الإمام أحمد (١٤٢) عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة، بإسناده، مثله.
ورواه أيضًا (١٤٠) عن أبي سعيد -وهو عمرو بن محمد العنقري-، عن ابن لهيعة، حَدَّثَنَا بكير، عن سعيد بن المسيب، عن عمر، فذكره نحوه. وفيه متابعة ليزيد بن أبي حبيب.
وأمّا سماع سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطّاب فمختلف فيه، والراجح ما قاله الإمام أحمد: "أنه رآه وسمع منه. إذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟ ! ". انظر: الجرح والتعديل (٤/ ٦ ١).
١٩ - باب استحباب الفطر في السفر إذا عجز عن خدمة نفسه
• عن أبي هريرة، قال: أُتي النَّبِيّ ﷺ بطعام بمر الظهران، فقال لأبي بكر وعمر:
стр. 2866
"أدنيا فكلا". فقالا: إنا صائمان. فقال: "ارحلوا لصاحبيكم، واعملوا لصاحبيكم".
صحيح: رواه النسائيّ (٢٢٦٤)، والإمام أحمد (٨٤٣٦)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٠٣١)، وابن حبَّان (٣٥٥٧)، والحاكم (١/ ٤٣٣) كلّهم من طرق عن أبي داود وهو الجفريّ، قال: حَدَّثَنَا سفيان الثوريّ، عن الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشّيخين".
قلت: بل هو على شرط مسلم وحده؛ فإنَّ أبا داود الجفري اسمه عمر بن سعد بن عبيد، لم يخرج له البخاريّ. وإسناده صحيح، ولا يُعله من أرسله عن أبي سلمة.
وقوله: "ارحلوا" أي سدُّوا الرحل لهما على البعير.
٢٠ - باب المفطر أعظم أجرا من الصائم إذا تولى عملًا
• عن أنس بن مالك، قال: كنّا مع النَّبِيّ ﷺ في السَّفر، فمنَّا الصَّائم ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلًا في يوم حارٍ، أكثرنا ظلًا صاحب الكساء، ومِنّا من يتّقي الشّمس بيده.
قال: فسقط الصّوام، وقام المفطرون، فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله ﷺ : "ذهب المفطرون اليوم بالأجر".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٢٨٩٠)، ومسلم في الصيام (١١١٩) كلاهما من طريق عاصم الأحول، عن مورِّق العجليّ، عن أنس، فذكره. واللّفظ لمسلم. ولفظ البخاريّ مختصر.
وفي رواية عند مسلم: "فتحزّم المفطرون وعملوا". أي شدّوا أوساطهم وعملوا للصائمين.
٢١ - باب الصوم في السفر لمن قوي عليه، والفطر لمن ضعف عنه
• عن أبي سعيد الخدريّ، قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ في رمضان، فمنا الصّائم، ومنا المفطر. فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. يرون أنَّ من وجد قُوة فصام، فإنَّ ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفًا فأفطر فإنَّ ذلك حسن.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١١١٦: ٩٦) عن عمرو الناقد، حَدَّثَنَا إسماعيل بن إبراهيم، عن الجريريّ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكره.
وقد زعم ابن خزيمة في "صحيحه" (٣/ ٢٦٠): وفي حديث ابن عليّة: كنا نغدو (كذا! وأظنّ الصواب: نغزو) مع رسول الله ﷺ . ولم يقل: في رمضان".
وهو ليس كما زعم، بل في رواية مسلم صريح أنه في رمضان، وإسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية. وكذلك قال يزيد بن زريع، عن الجريريّ. ومن طريقه رواه ابن حبَّان (٣٥٥٨).
стр. 2867
٢٢ - باب الإفطار أفضل لمن شقَّ عليه الصَّوم
• عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسولُ الله ﷺ في سفر، فرأى زحامًا ورجلًا قد ظُلِّل عليه، فقال: "ما هذا؟ ". فقالوا: صائم. فقال: "ليس من البرِّ الصومُ في السّفر".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٤٦)، ومسلم في الصيام (١١١٥) كلاهما من طريق شعبة، حَدَّثَنَا محمد بن عبد الرحمن الأنصاريّ، قال: سمعت محمد بن عمرو بن الحسن بن عليّ، عن جابر بن عبد الله، فذكره.
وزاد مسلم في رواية: قال شعبة: وكان يبلغني عن يحيى بن أبي كثير أنه كان يزيد في هذا الحديث، وفي هذا الإسناد أنه قال: "عليكم برخصة الله الذي رخَّص لكم". قال: فلمّا سألته، لم يحفظه.
وقوله: فلمّا سألته -أي سألت محمد بن عبد الرحمن الأنصاري. وهو شيخ شعبة- فلم يحفظه، ولكن حفظه غيره.
وتفصيل ذلك كما قال ابن القطَّان: إنَّ هذا الحديث يرويه عن جابر رجلان كل منهما اسمه محمد بن عبد الرحمن (وهو ابن زرارة الأنصاريّ، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان) ورواه عن كلّ منهما يحيى بن أبي كثير. أحدهما: ابن ثوبان، والآخر ابن سعد بن زرارة.
فابن ثوبان سمعه من جابر، وابن سعد بن زرارة رواه بواسطة محمد بن عمرو بن حسن، وهي رواية الصحيحين. كذا في التلخيص (٢/ ٢٠٥).
والأمر ليس كما قال، فإن ابن زرارة الأنصاري يرويه بالواسطة كما هو واضح من كلامه، وهي التي يرويها الشيخان.
والأنصاري لم يحفظ هذه الزيادة، ولكن حفظها ابن ثوبان، فقد روى النسائيّ (٢٢٥٨) عن شعيب بن شعيب، والطحاوي (٣١٣٥) من طريق الوليد بن مسلم - كلاهما عن الأوزاعيّ، قال: حَدَّثَنِي يحيى بن أبي كثير، قال: أخبرني محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، قال: أخبرني جابر بن عبد الله، فذكر الحديث. وزاد فيه: "فعليكم برخصة الله التي رخّص لكم فاقبلوها".
والوليد بن مسلم مدلِّس ولكنه توبع، ويحيى بن أبي كثير ثقة رمي بالتدليس إِلَّا أنه صرَّح بالتحديث، فانتفت عنه تهمة التدليس.
وخالفه الفريابيّ، فرواه عن الأوزاعي قال: حَدَّثَنَا يحيى، قال: أخبرني محمد بن عبد الرحمن، قال: حَدَّثَنِي من سمع جابرًا، نحوه.
فأدخل بين محمد بن عبد الرحمن (وهو الأنصاري) وبين جابرٍ رجلًا وهو محمد بن عمرو بن الحسن.
وقوله: "نحوه" يشير إلى نحو حديث يحيى بن أبي كثير، ولكن كل من رواه عنه، عن الأنصاريّ بالواسطة لم يذكر هذه الزيادة.
стр. 2868
فقد رواه النسائيّ من طريق عليّ بن المبارك، واختلف عليه:
فروي عثمان بن عمر، عن عليّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن رجل، عن جابر، فلم يذكر هذه الزيادة.
ورواه وكيع، عن عليّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر، فذكر الزيادة. وهذه الروايات كلها في النسائيّ.
فالذي يظهر أن يحيى كان بروي مرة بالزيادة، وأخرى بدونها، وزيادته مقولة لثقة رواته عنه، وقد صحح هذه الزيادة ابن القطّان وغيره.
إِلَّا أن هذه الزيادة لا يقال: أخرجها مسلم، لأنه أوردها معلّقة بدون إسناد متصل، فهي ليست على شرطه.
• عن جابر بن عبد الله، أن النَّبِيّ ﷺ سافر في رمضان، فاشتدّ الصوم على رجل من أصحابه، فجعلت ناقتُه تهيم به تحت ظلال الشجر. فأُخبر النَّبِيّ ﷺ فأمره فأفطر، ثمّ دعا رسول الله ﷺ بإناء فيه ماء فوضعه على يده، فلمّا رآه الناس شرب شربوا.
حسن: رواه أبو يعلى (١٧٨٠) وعنه ابن حبَّان (٣٥٦٥) عن عبد الأعلى بن حمّاد، حَدَّثَنَا حمّاد ابن سلمة، عن أبي الزُّبير، عن جابر، فذكره.
ورواه الحاكم (١/ ٤٣٣) من وجه آخر عن حمّاد بن سلمة، وقال: "صحيح على شرط مسلم".
وإسناده حسن من أجل أبي الزُّبير.
• عن كعب بن عاصم الأشعري المخزوميّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس من البرّ الصِّيام في السّفر".
صحيح: رواه النسائيّ (٢٢٥٥)، وابن ماجه (١٦٦٤)، والإمام أحمد (٢٣٦٧٩، ٢٣٦٨٠، ٢٣٦٨١)، وابن خزيمة (٢٠١٦)، والحاكم (١/ ٤٣٣)، وعبد الرزّاق (٤٤٦٧)، والطحاوي (٣١٣٧) كلّهم من حديث الزّهريّ، عن صفوان بن عبد الله، عن أمّ الدّرداء، عن كعب بن عاصم، فذكره.
وفي بعض المصادر: "ليس من ام بر ام صيام في سفر".
قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (٢/ ٢٠٥): "هذه لغة لبعض أهل اليمن يجعلون لام التعريف ميمًا، ويحتمل أن يكون النَّبِيّ ﷺ خاطب بها هذا الأشعريّ كذلك؛ لأنها لغته، ويحتمل أن يكون الأشعري هذا نطق بها على ما ألف من لغته، فحملها عنه الراوي وأدّاها باللفظ الذي سمعها منه، وهذا الثاني أوجه عندي".
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
• عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس من البرّ الصيام في السفر".
стр. 2869
صحيح: رواه ابن ماجه (١٦٦٥)، وصحّحه ابن حبَّان (٣٥٤٨)، والطحاوي (٣١٣٦) كلّهم من حديث محمد بن المصفّى الحمصيّ، قال: حَدَّثَنَا محمد بن حرب، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
وإسناده صحيح. وقد صحَّحه أيضًا البوصيريّ في "الزوائد".
• عن عبد الله بن عمرو، قال: سار رسول الله ﷺ فنزل بأصحابه، وإذا ناس قد جعلوا عريشًا على صاحبهم، وهو صائم، فمرَّ به رسول الله ﷺ فقال: ما شأن صاحبكم؟ أوجع؟ ". قالوا: لا يا رسول الله، ولكنه صائم. وذلك في يوم حرور. فقال رسول الله ﷺ : "لا برَّ أن يُصام في سفر".
حسن: رواه الطبرانيّ في "الكبير" (جزء ١٣/ ١٤) (١٠٩) من طريق حييّ، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، فذكره.
وإسناده حسن من أجل حبي وهو ابن عبد الله بن شريح المعافريّ المصريّ، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف؛ لأنَّ الإمام أحمد قال: "في أحاديثه مناكير".
ولذا لم أدخل في هذا "الجامع" من أحاديثه ما انفرد به أو خالف فيه الثّقات.
وقال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ١٦١): "رجاله رجال الصَّحيح".
قلت: حيي بن عبد الله ليس من رجال الصَّحيح، وإنما أخرج له أصحاب السنن.
• عن عبد الله بن عباس، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ليس من البر الصيام في السفر".
صحيح: رواه البزّار -كشف الأستار (٩٨٥) -، والطَّبرانيّ في الكبير (١١/ ١٨٧) كلاهما من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره.
وقال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ١٦١): "رجال البزّار رجال الصَّحيح".
• عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله يحبُّ أن تُؤتي رُخصه كما يحبُّ أن تُؤتي عزائمُه".
حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (١١/ ٣٢٣)، والبزّار - كشف الأستار (٩٩٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٢٧٦)، وصحّحه ابن حبَّان (٣٥٤) كلّهم من حديث الحسين بن محمد بن الزارع، قال: حَدَّثَنَا أبو محصن حصين بن نمُير، قال: حَدَّثَنَا هشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الحسين بن محمد الزارع فإنه صدوق كما قال أبو حاتم.
وذكره الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ١٦٢) وقال: "رجال البزّار ثقات".
وكان ابن عباس يقول: "الإفطار في السَّفر عزيمة". رواه البزّار -كشف الأستار (٩٨٦) -.
стр. 2870
• عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله يحبُّ أن تؤتي رخصه كما يكره أن تُؤتى معصيتُه".
حسن: رواه الإمام أحمد (٥٨٧٣)، والبزّار - كشف الأستار (٩٨٨). وصحّحه ابن خزيمة (٩٥٠)، وابن حبَّان (٢٧٤٢) كلّهم من حديث عمارة بن غزيّة، عن حرب بن قيس، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل حرب بن قيس فإنه حسن الحديث.
وقد سقط في بعض المصادر الحديثية، والصّواب ذكره.
وفي الباب عن عمَّار بن ياسر، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من غزوة، فسرنا في يوم شديد الحرّ، فنزلنا في بعض الطريق، فانطلق رجلٌ منا، فدخل تحت شجرة، فإذا أصحابه يلوذون به، وهو مضطجع كهيئة الوجع، فلمّا رآهم رسول الله ﷺ قال: "ما بال صاحبكم؟ ".
قالوا: صائم. فقال رسول الله ﷺ : "ليس من البر أن تصوموا في السفر عليكم بالرخصة التي رخَّص الله فاقبلوها".
رواه الطبرانيّ من حديث ابن لهيعة، حَدَّثَنِي قرة وعقيل، عن ابن شهاب، عن سعيد، عن عمار، فذكره.
هكذا ذكره ابن كثير في جامع المسانيد (٦٨٦٩)، ولم يطبع مسند عمار، ولذا لم أقف على اسم الراوي عن ابن لهيعة، وذكره المنذريّ في "الترغيب والترهيب" (١٦٢٤) وقال: "إسناده حسن". وتبعه الهيثميّ في المجمع (٣/ ١٦١) فقال: رواه الطبرانيّ في الكبير: وإسناده حسن".
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن أبي برزة مرفوعًا: "ليس من البر الصيام في السفر". رواه البزّار - كشف الأستار (٩٨٧) - عن محمد بن معمر، ثنا محمد بن خالد بن عثمة، ثنا إبراهيم بن سعد، ثنا عبد الله بن عامر، عن محمد، عن رجل من آل أبي برزة، عن أبي برزة، فذكره.
وفيه رجل لم يسم، وإليه أشار أيضًا الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ١٦١)، وعزاه أيضًا لأحمد والطَّبرانيّ في "الكبير". فأما مسند الإمام أحمد فلم أجده فيه.
وأمّا الطبرانيّ فرواه في الأوسط (٥٥٩٣) عن محمد بن عبد الله الحضرميّ، قال: حَدَّثَنَا معمر ابن بكار السُّعْديّ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعد، عن عبد الله بن عامر الأسلميّ، عن خاله عبد الرحمن بن حرملة، عن محمد بن المنكدر، عن أبي برزة، فذكره.
قال الطبرانيّ: لم يرو هذا الحديث عن عبد الرحمن بن حرملة إِلَّا عبد الله بن عامر، ولا عن عبد الله ابن عامر إِلَّا إبراهيم بن سعد، تفرّد به معمر بن بكار، ولا يرُوي عن أبي برزة إِلَّا بهذا الإسناد.
قلت: معمر بن بكار السُّعدي مختلف فيه، فذكره ابن حبَّان في "الثّقات"، وقال الذّهبيّ في "الميزان" (٤/ ١٥٣): "صويلح"، ولكن قال العقيلي في "الضعفاء" (١٧٩٢): "في حديثه وهم،
стр. 2871
ولا يتابع على أكثره". ولعلَّ هذا منه، فإنه وقع في الإسناد اضطراب كما ترى.
٢٣ - باب ما جاء في إفطار الحامل والمرضع
• عن أنس بن مالك القشيري الكعبيّ، أنه أتى النَّبِيّ ﷺ بالمدينة وهو يتغدّي، فقال له النَّبِيّ ﷺ : "هلمَّ إلى الغداء". فقال: إنِّي صائم. فقال له النَّبِيّ: "إنَّ الله وضع للمسافر الصوم وشطر الصّلاة، وعن الحبلى والمرضع".
حسن: رواه النسائيّ (٢٣١٥)، والبيهقي (٤/ ٢٣١) كلاهما من حديث وهيب، عن عبد الله بن سوادة القشيري، عن أبيه، عن أنس بن مالك رجل منهم (وهو غير خادم النَّبِيّ ﷺ ، فذكر الحديث.
وإسناده حسن، وهيب هو ابن خالد بن عجلان من رجال الشّيخين.
وسوادة والد عبد الله هو ابن الحنظلة القشيري من رجال مسلم. قال عنه أبو حاتم: شيخ.
وخالفه أبو هلال الراسبي، فرواه عن عبد الله بن سوادة، عن أنس بن مالك الكعبي القشيريّ، ولم يذكر فيه "عن أبيه".
ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود (٢٤٠٨)، والتِّرمذيّ (٧١٥)، وابن ماجة (١٦٦٧)، وأحمد (١٩٠٤٧)، وابن خزيمة (٢٠٤٤)، والبيهقي.
ولفظه: أغارت علينا خيل رسول الله ﷺ فانتهيت. أو فانطلقت إلى رسول الله ﷺ وهو يأكل، فقال: "ادن فكل". قلت: إني صائم. قال: "اجلس أحدثك عن الصوم أو الصائم" فذكر الحديث.
قال: والله! لقد قالهما رسول الله ﷺ كلاهما أو أحدهما، فيا لهف نفسيّ، هلّا كنتُ طعمتُ من طعام رسول الله ﷺ .
وإسناده حسن فإنَّ أبا هلال هو: محمد بن سليم مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، وعبد الله ابن سوادة روى عن أنس، كما رُوي عن أبيه، عن أنس، وكلاهما محفوظ.
وللحديث طرق أخرى غير أن ما ذكرته هو أصحها.
وقد رُوي عن أبي أمية، كما قال الترمذيّ إِلَّا أنه لا يصح عنه، وحكم عليه الفسوي في "التاريخ" (٢/ ٤٦٨) بالاضطراب.
ورجَّح أبو حاتم بأنه عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك الكعبي. انظر "العلل" (١/ ١٥٨).
ويقول في موضع آخر: والصحيح ما يقوله أيوب السختيانيّ، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك القشيري "العلل" (١/ ٢٦٦).
قال الترمذيّ: "حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن، ولا نعرف لأنس بن مالك هذا عن النَّبِيّ ﷺ غير هذا الحديث الواحد، والعمل على هذا عند أهل العلم.
وقال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع تُفطران وتقضيان. وبه يقول سفيان، ومالك،
стр. 2872
والشافعي، وأحمد.
وقال بعضهم: تُفطران وتطعمان ولا قضاء عليهما، وإن شاء تا قضتا ولا إطعام عليهما. وبه يقول إسحاق" انتهى.
وفي المسألة قول آخر وهو: أن عليهما القضاء دون الإطعام، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١٢/ ٢٠٥). وقد سبق الكلام على هذه المسألة في أول كتاب الصيام.
٢٤ - باب إذا أفطر الصائم ظانًا غروب الشّمس ثمّ طلعت الشّمس، هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم أو لا ؟
• عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: أفطرنا على عهد النَّبِيّ ﷺ يوم غيم، ثمّ طلعت الشّمس.
قيل لهشام: فأُمروا بالقضاء؟ قال: بدٌّ من قضاء.
وقال معمر: سمعت هشامًا يقول: لا أدري أقضوا أم لا.
صحيح: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٥٩) عن عبد الله بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة (هي ابنة المنذر)، عن أسماء بنت أبي بكر، فذكرته.
قول هشام: "بدٌّ من قضاء" هذا اجتهاد منه، بدليل قوله: "لا أدري أقضوا أم لا؟ ".
ولذا اختلف أهل العلم في وجوب القضاء وعدمه.
وفي أصح الروايتين عن عمر بن الخطّاب أنه قال في مثل ذلك: "من كان أفطر فليصم يومًا مكانه".
لقد أورد الحافظ البيهقيّ في "سننه" (٤/ ٢١٧) عدة روايات عن عمر تدلّ على وجوب القضاء.
وأمّا ما رُوي عن زيد بن وهب، قال: بينما نحن جلوس في مسجد المدينة في رمضان، والسماء متغيّمة فرأينا أنَّ الشّمس قد غابت، وإنا قد أمسينا، فأخرجت لنا عِساس من لبن من بيت حفصة. فشرب عمر وشربنا. فلم تلبث أن ذهب السحاب، وبدت الشّمس فجعل بعضنا يقول البعض: تقضي يومنا هذا. فسمع ذلك عمر، فقال: والله لا نقضيه وما تجانفنا لإثم.
فهي مخالفة لروايات الثّقات. والعِساس مفرده عسّ، وهو القدح الكبير.
قال البيهقيّ: وكان يعقوب بن سفيان الفارسي يحمل على زيد بن وهب هذه الرواية المخالفة للروايات المتقدمة، وبعدها مما خولف فيه، وزيد ثقة إِلَّا أنَّ الخطأ غير مأمون.
قال الخطّابي في "معالمه": قال أكثر أهل العلم: القضاء واجب عليه. وقال إسحاق بن راهويه وأهل الظاهر: لا قضاء عليه، ويمسك بقية النهار عن الأكل والشرب حتّى تغرب الشّمس.
وقال الحافظ في "الفتح": وجاء ترك القضاء عن مجاهد والحسن، وبه قان إسحاق وأحمد في رواية، واختاره ابن خزيمة".
стр. 2873
قلت: وهو الذي رجَّحه أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الحافظ ابن القيم في "تهذيب السنن" (٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨).
٢٥ - باب الحائض تترك الصيام وعليها القضاء
• عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : "أليس إذا حاضتْ لم تَصلِّ ولم تصمْ؟ فذلك نقصان دينها".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٥١)، ومسلم في الإيمان (٨٠) من وجوه عن سعيد ابن أبي مريم، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنِي زيد (هو ابن أسلم)، عن عياض (هو ابن عبد الله)، عن أبي سعيد الخدريّ، به. واللّفظ للبخاريّ. ومضى مطوَّلًا في كتاب الإيمان.
• عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "تمكث الليالي ما تُصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٧٩) عن محمد بن رمح، أخبرنا اللّيث، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، فذكره مطوَّلًا.
• عن معاذة، قالت: سألت عائشة، فقلت: ما بالُ الحائض تقضي الصومَ ولا تقضي الصّلاة؟ فقالت: أحرورية أنتِ؟ قلت: لستُ بحرورية، ولكني أسأل، قالت: يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصّلاة.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحيض (٣٢١)، ومسلم في الحيض (٣٣٥) من وجوه عن معاذة، قالت (فذكرته) واللّفظ لمسلم.
٢٦ - باب تأخير قضاء رمضان
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ [سورة البقرة: ١٨٥].
• عن عائشة، قالت: إن كان ليكون عليَّ الصِّيامُ من رمضان، فما أستطيع أصومُه حتّى يأتي شعبان.
متفق عليه: رواه مالك في الصيام (٥٤) عن يحيى بن سعيد (الأنصاري)، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنَّه سمع عائشة زوج النَّبِيّ ﷺ تقول (فذكرته).
ورواه البخاريّ في الصوم (١٩٥٠)، ومسلم في الصيام (١١٤٦) كلاهما من طريق أحمد بن عبد الله بن يونس، حَدَّثَنَا زهير (هو ابن معاوية)، حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد (الأنصاري)، عن أبي سلمة، قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: "كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إِلَّا في شعبان". قال يحيى: الشغل من النَّبِيّ ﷺ ، وبالنبيّ ﷺ .
стр. 2874
ولفظهما سواء إِلَّا أن مسلما لم يميّز قول يحيى وإنما أدرجه في آخر الحديث.
ووقع في رواية عنده مميَّزًا بلفظ: "فظننتُ أنَّ ذلك لمكانها من النَّبِيّ ﷺ . يحيى يقول ذلك".
• عن عائشة، قالت: ما كنتُ أقضي ما يكون عليَّ من رمضان إِلَّا في شعبان. حتّى توفي رسول الله ﷺ .
حسن: رواه الترمذيّ (٧٨٣)، والإمام أحمد (٢٤٩٢٨)، وابن خزيمة (٢٠٥٠) كلّهم من حديث إسماعيل السدي، عن عبد الله بن البهي، عن عائشة، فذكرته.
قال الترمذي: حسن صحيح.
قلت: فيه إسماعيل السدي وهو ابن عبد الرحمن بن أبي كريمة السُّدي -بضم المهملة وتشديد الدال- مختلف فيه، فوثقه الإمام أحمد والعجلي وابن حبَّان. وقال النسائيّ: صالح.
والخلاصة: أنه حسن الحديث إذا لم تكن مخالفته خلاف المعروف. فزيادته في الحديث: "حتّى توفي رسول الله ﷺ " ليس فيها ما يخالف المعروف.
وظاهر الحديث يدل على جواز تراخي قضاء رمضان على أن تنتهي من القضاء قبل مجيء رمضان آخر. كما أن قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يدل على أنه لا بأس أن يفرق، وبه قال جمهور أهل العلم.
وأمّا إن دخل عليها رمضان آخر ولم تقضِ، فالواجب عليها أن تصوم رمضان، ثمّ تقضي ما فاتها من رمضان الحاضر، ثمّ تقضي رمضان الماضي.
واختلف أهل العلم هل عليها فدية أم لا؟ فقال ابن عباس، وأبو هريرة، ومالك، والشافعيّ، وأحمد: عليها فدية. مدان عن كل يوم. وعند الشافعي مد. وقال أبو حنيفة، وداود والأخرون: لا فدية عليها، والذي يرجحه الإمام البخاريّ في صحيحه، فقال: "ولم يذكر الله تعالى الإطعام إنّما قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
قال الحافظ ابن حجر: "لكن إنّما يقوي ما احتجّ به إذا لم يصح في السنة دليل الطعام، إذ لا يلزم من عدم ذكره في الكتاب أن لا يثبت في السنة. ولم يثبت فيه شيء مرفوع، وإنما جاء فيه عن جماعة من الصّحابة، منهم من ذكر، ومنهم عمر عند عبد الرزّاق. ونقل الطحاويّ عن يحيى بن أكثم قال: "وجدته عن ستة من الصحابة لا أعلم لهم فيه مخالفًا" انتهى كلام الطَّحاويّ.
قال الحافظ: وهو قول الجمهور. وخالف في ذلك إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأصحابه. ومال الطحاويّ إلى قول الجمهور.
وممن قال بالإطعام ابن عمر، لكنه بالغ في ذلك، فقال: "يُطعم ولا يصوم".
قلت: مثله قال سعيد بن جبير، وقتادة: يُطعم ولا يقضي.
стр. 2875
٢٧ - باب قضاء الصيام عن الميت
• عن عائشة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيام، صام عنه وليُّه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٥٢)، ومسلم في الصيام (١١٤٧) من طريق عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن أبي جعفر، أنَّ محمد بن جعفر بن الزُّبير حدَّثه، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. ومن هذا الطريق رواه أيضًا أبو داود (٢٤٠٠) وقال: هذا في النذر، وهو قول أحمد بن حنبل" اهـ.
• وعن ابن عباس، قال: جاء رجلٌ إلى النَّبِيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنَّ أُمِّي ماتتْ وعليها صومُ شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: "لو كان على أمِّك دَيْن أكنتَ قاضيه عنها؟ " قال: نعم. قال: "فدَيْن الله أحقُّ أن يُقضي". قال سليمان: فقال الحكم، وسلمة بن كهيل جميعًا -ونحن جلوسٌ حين حدَّث مسلمٌ بهذا الحديث- فقالا: سمعنا مجاهدًا يذكرُ هذا عن ابن عباس.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨: ١٥٥) كلاهما من طريق زائدة، عن سليمان الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. ولفظهما سواء.
وفي رواية لمسلم: "أنَّ أمرأة أتتْ رسول الله ﷺ فقالت: إنَّ أُمِّي ماتتْ وعليها صوم شهر" الحديث.
وهي معلقة عند البخاريّ بلفظ: "قالت امرأة للنبيّ ﷺ : إنَّ أمّي ماتت".
وفي رواية معلقة للبخاريّ أيضًا بلفظ: "قالت امرأة للنبيّ ﷺ إنَّ أُختي ماتتْ".
وفي رواية له معلقة أيضًا: "قالت امرأة للنبيّ ﷺ : ماتتْ أمّي وعليها صوم خمسة عشر يومًا".
وفي رواية لمسلم: "جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت وعليها صوم نذر" الحديث.
وهي معلقة عند البخاريّ باختصار.
قوله: قال سليمان (هو الأعمش): فقال الحكم (هو ابن عتية).
وقول سليمان الأعمش هذا موصول بالإسناد السابق إليه.
• عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: بينا أنا جالسٌ عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأةٌ. فقالت: إني تصدّقت على أمّي بجاريةٍ، وإنَّها ماتتْ. قال: فقال: "وجب أجْرُك. وردَّها عليكِ الميراث". قالت: يا رسول الله، إنه كان عليها صوم شهر. أفأصومُ عنها؟ قال: "صومي عنها". قالت: إنَّها لم تحجَّ قطّ، أفأحجُّ عنها؟ قال:
следующие страницы →