← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

ولا يتابع على أكثره". ولعلَّ هذا منه، فإنه وقع في الإسناد اضطراب كما ترى. ٢٣ - باب ما جاء في إفطار الحامل والمرضع • عن أنس بن مالك القشيري الكعبيّ، أنه أتى النَّبِيّ ﷺ بالمدينة وهو يتغدّي، فقال له النَّبِيّ ﷺ : "هلمَّ إلى الغداء". فقال: إنِّي صائم. فقال له النَّبِيّ: "إنَّ الله وضع للمسافر الصوم وشطر الصّلاة، وعن الحبلى والمرضع". حسن: رواه النسائيّ (٢٣١٥)، والبيهقي (٤/ ٢٣١) كلاهما من حديث وهيب، عن عبد الله بن سوادة القشيري، عن أبيه، عن أنس بن مالك رجل منهم (وهو غير خادم النَّبِيّ ﷺ ، فذكر الحديث. وإسناده حسن، وهيب هو ابن خالد بن عجلان من رجال الشّيخين. وسوادة والد عبد الله هو ابن الحنظلة القشيري من رجال مسلم. قال عنه أبو حاتم: شيخ. وخالفه أبو هلال الراسبي، فرواه عن عبد الله بن سوادة، عن أنس بن مالك الكعبي القشيريّ، ولم يذكر فيه "عن أبيه". ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود (٢٤٠٨)، والتِّرمذيّ (٧١٥)، وابن ماجة (١٦٦٧)، وأحمد (١٩٠٤٧)، وابن خزيمة (٢٠٤٤)، والبيهقي. ولفظه: أغارت علينا خيل رسول الله ﷺ فانتهيت. أو فانطلقت إلى رسول الله ﷺ وهو يأكل، فقال: "ادن فكل". قلت: إني صائم. قال: "اجلس أحدثك عن الصوم أو الصائم" فذكر الحديث. قال: والله! لقد قالهما رسول الله ﷺ كلاهما أو أحدهما، فيا لهف نفسيّ، هلّا كنتُ طعمتُ من طعام رسول الله ﷺ . وإسناده حسن فإنَّ أبا هلال هو: محمد بن سليم مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، وعبد الله ابن سوادة روى عن أنس، كما رُوي عن أبيه، عن أنس، وكلاهما محفوظ. وللحديث طرق أخرى غير أن ما ذكرته هو أصحها. وقد رُوي عن أبي أمية، كما قال الترمذيّ إِلَّا أنه لا يصح عنه، وحكم عليه الفسوي في "التاريخ" (٢/ ٤٦٨) بالاضطراب. ورجَّح أبو حاتم بأنه عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك الكعبي. انظر "العلل" (١/ ١٥٨). ويقول في موضع آخر: والصحيح ما يقوله أيوب السختيانيّ، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك القشيري "العلل" (١/ ٢٦٦). قال الترمذيّ: "حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن، ولا نعرف لأنس بن مالك هذا عن النَّبِيّ ﷺ غير هذا الحديث الواحد، والعمل على هذا عند أهل العلم. وقال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع تُفطران وتقضيان. وبه يقول سفيان، ومالك،

стр. 2872

والشافعي، وأحمد. وقال بعضهم: تُفطران وتطعمان ولا قضاء عليهما، وإن شاء تا قضتا ولا إطعام عليهما. وبه يقول إسحاق" انتهى. وفي المسألة قول آخر وهو: أن عليهما القضاء دون الإطعام، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١٢/ ٢٠٥). وقد سبق الكلام على هذه المسألة في أول كتاب الصيام. ٢٤ - باب إذا أفطر الصائم ظانًا غروب الشّمس ثمّ طلعت الشّمس، هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم أو لا ؟ • عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: أفطرنا على عهد النَّبِيّ ﷺ يوم غيم، ثمّ طلعت الشّمس. قيل لهشام: فأُمروا بالقضاء؟ قال: بدٌّ من قضاء. وقال معمر: سمعت هشامًا يقول: لا أدري أقضوا أم لا. صحيح: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٥٩) عن عبد الله بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة (هي ابنة المنذر)، عن أسماء بنت أبي بكر، فذكرته. قول هشام: "بدٌّ من قضاء" هذا اجتهاد منه، بدليل قوله: "لا أدري أقضوا أم لا؟ ". ولذا اختلف أهل العلم في وجوب القضاء وعدمه. وفي أصح الروايتين عن عمر بن الخطّاب أنه قال في مثل ذلك: "من كان أفطر فليصم يومًا مكانه". لقد أورد الحافظ البيهقيّ في "سننه" (٤/ ٢١٧) عدة روايات عن عمر تدلّ على وجوب القضاء. وأمّا ما رُوي عن زيد بن وهب، قال: بينما نحن جلوس في مسجد المدينة في رمضان، والسماء متغيّمة فرأينا أنَّ الشّمس قد غابت، وإنا قد أمسينا، فأخرجت لنا عِساس من لبن من بيت حفصة. فشرب عمر وشربنا. فلم تلبث أن ذهب السحاب، وبدت الشّمس فجعل بعضنا يقول البعض: تقضي يومنا هذا. فسمع ذلك عمر، فقال: والله لا نقضيه وما تجانفنا لإثم. فهي مخالفة لروايات الثّقات. والعِساس مفرده عسّ، وهو القدح الكبير. قال البيهقيّ: وكان يعقوب بن سفيان الفارسي يحمل على زيد بن وهب هذه الرواية المخالفة للروايات المتقدمة، وبعدها مما خولف فيه، وزيد ثقة إِلَّا أنَّ الخطأ غير مأمون. قال الخطّابي في "معالمه": قال أكثر أهل العلم: القضاء واجب عليه. وقال إسحاق بن راهويه وأهل الظاهر: لا قضاء عليه، ويمسك بقية النهار عن الأكل والشرب حتّى تغرب الشّمس. وقال الحافظ في "الفتح": وجاء ترك القضاء عن مجاهد والحسن، وبه قان إسحاق وأحمد في رواية، واختاره ابن خزيمة".

стр. 2873

قلت: وهو الذي رجَّحه أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الحافظ ابن القيم في "تهذيب السنن" (٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨). ٢٥ - باب الحائض تترك الصيام وعليها القضاء • عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : "أليس إذا حاضتْ لم تَصلِّ ولم تصمْ؟ فذلك نقصان دينها". متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٥١)، ومسلم في الإيمان (٨٠) من وجوه عن سعيد ابن أبي مريم، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنِي زيد (هو ابن أسلم)، عن عياض (هو ابن عبد الله)، عن أبي سعيد الخدريّ، به. واللّفظ للبخاريّ. ومضى مطوَّلًا في كتاب الإيمان. • عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "تمكث الليالي ما تُصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٧٩) عن محمد بن رمح، أخبرنا اللّيث، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، فذكره مطوَّلًا. • عن معاذة، قالت: سألت عائشة، فقلت: ما بالُ الحائض تقضي الصومَ ولا تقضي الصّلاة؟ فقالت: أحرورية أنتِ؟ قلت: لستُ بحرورية، ولكني أسأل، قالت: يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصّلاة. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحيض (٣٢١)، ومسلم في الحيض (٣٣٥) من وجوه عن معاذة، قالت (فذكرته) واللّفظ لمسلم. ٢٦ - باب تأخير قضاء رمضان قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ [سورة البقرة: ١٨٥]. • عن عائشة، قالت: إن كان ليكون عليَّ الصِّيامُ من رمضان، فما أستطيع أصومُه حتّى يأتي شعبان. متفق عليه: رواه مالك في الصيام (٥٤) عن يحيى بن سعيد (الأنصاري)، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنَّه سمع عائشة زوج النَّبِيّ ﷺ تقول (فذكرته). ورواه البخاريّ في الصوم (١٩٥٠)، ومسلم في الصيام (١١٤٦) كلاهما من طريق أحمد بن عبد الله بن يونس، حَدَّثَنَا زهير (هو ابن معاوية)، حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد (الأنصاري)، عن أبي سلمة، قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: "كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إِلَّا في شعبان". قال يحيى: الشغل من النَّبِيّ ﷺ ، وبالنبيّ ﷺ .

стр. 2874

ولفظهما سواء إِلَّا أن مسلما لم يميّز قول يحيى وإنما أدرجه في آخر الحديث. ووقع في رواية عنده مميَّزًا بلفظ: "فظننتُ أنَّ ذلك لمكانها من النَّبِيّ ﷺ . يحيى يقول ذلك". • عن عائشة، قالت: ما كنتُ أقضي ما يكون عليَّ من رمضان إِلَّا في شعبان. حتّى توفي رسول الله ﷺ . حسن: رواه الترمذيّ (٧٨٣)، والإمام أحمد (٢٤٩٢٨)، وابن خزيمة (٢٠٥٠) كلّهم من حديث إسماعيل السدي، عن عبد الله بن البهي، عن عائشة، فذكرته. قال الترمذي: حسن صحيح. قلت: فيه إسماعيل السدي وهو ابن عبد الرحمن بن أبي كريمة السُّدي -بضم المهملة وتشديد الدال- مختلف فيه، فوثقه الإمام أحمد والعجلي وابن حبَّان. وقال النسائيّ: صالح. والخلاصة: أنه حسن الحديث إذا لم تكن مخالفته خلاف المعروف. فزيادته في الحديث: "حتّى توفي رسول الله ﷺ " ليس فيها ما يخالف المعروف. وظاهر الحديث يدل على جواز تراخي قضاء رمضان على أن تنتهي من القضاء قبل مجيء رمضان آخر. كما أن قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يدل على أنه لا بأس أن يفرق، وبه قال جمهور أهل العلم. وأمّا إن دخل عليها رمضان آخر ولم تقضِ، فالواجب عليها أن تصوم رمضان، ثمّ تقضي ما فاتها من رمضان الحاضر، ثمّ تقضي رمضان الماضي. واختلف أهل العلم هل عليها فدية أم لا؟ فقال ابن عباس، وأبو هريرة، ومالك، والشافعيّ، وأحمد: عليها فدية. مدان عن كل يوم. وعند الشافعي مد. وقال أبو حنيفة، وداود والأخرون: لا فدية عليها، والذي يرجحه الإمام البخاريّ في صحيحه، فقال: "ولم يذكر الله تعالى الإطعام إنّما قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. قال الحافظ ابن حجر: "لكن إنّما يقوي ما احتجّ به إذا لم يصح في السنة دليل الطعام، إذ لا يلزم من عدم ذكره في الكتاب أن لا يثبت في السنة. ولم يثبت فيه شيء مرفوع، وإنما جاء فيه عن جماعة من الصّحابة، منهم من ذكر، ومنهم عمر عند عبد الرزّاق. ونقل الطحاويّ عن يحيى بن أكثم قال: "وجدته عن ستة من الصحابة لا أعلم لهم فيه مخالفًا" انتهى كلام الطَّحاويّ. قال الحافظ: وهو قول الجمهور. وخالف في ذلك إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأصحابه. ومال الطحاويّ إلى قول الجمهور. وممن قال بالإطعام ابن عمر، لكنه بالغ في ذلك، فقال: "يُطعم ولا يصوم". قلت: مثله قال سعيد بن جبير، وقتادة: يُطعم ولا يقضي.

стр. 2875

٢٧ - باب قضاء الصيام عن الميت • عن عائشة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيام، صام عنه وليُّه". متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٥٢)، ومسلم في الصيام (١١٤٧) من طريق عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن أبي جعفر، أنَّ محمد بن جعفر بن الزُّبير حدَّثه، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. ومن هذا الطريق رواه أيضًا أبو داود (٢٤٠٠) وقال: هذا في النذر، وهو قول أحمد بن حنبل" اهـ. • وعن ابن عباس، قال: جاء رجلٌ إلى النَّبِيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنَّ أُمِّي ماتتْ وعليها صومُ شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: "لو كان على أمِّك دَيْن أكنتَ قاضيه عنها؟ " قال: نعم. قال: "فدَيْن الله أحقُّ أن يُقضي". قال سليمان: فقال الحكم، وسلمة بن كهيل جميعًا -ونحن جلوسٌ حين حدَّث مسلمٌ بهذا الحديث- فقالا: سمعنا مجاهدًا يذكرُ هذا عن ابن عباس. متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨: ١٥٥) كلاهما من طريق زائدة، عن سليمان الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. ولفظهما سواء. وفي رواية لمسلم: "أنَّ أمرأة أتتْ رسول الله ﷺ فقالت: إنَّ أُمِّي ماتتْ وعليها صوم شهر" الحديث. وهي معلقة عند البخاريّ بلفظ: "قالت امرأة للنبيّ ﷺ : إنَّ أمّي ماتت". وفي رواية معلقة للبخاريّ أيضًا بلفظ: "قالت امرأة للنبيّ ﷺ إنَّ أُختي ماتتْ". وفي رواية له معلقة أيضًا: "قالت امرأة للنبيّ ﷺ : ماتتْ أمّي وعليها صوم خمسة عشر يومًا". وفي رواية لمسلم: "جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت وعليها صوم نذر" الحديث. وهي معلقة عند البخاريّ باختصار. قوله: قال سليمان (هو الأعمش): فقال الحكم (هو ابن عتية). وقول سليمان الأعمش هذا موصول بالإسناد السابق إليه. • عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: بينا أنا جالسٌ عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأةٌ. فقالت: إني تصدّقت على أمّي بجاريةٍ، وإنَّها ماتتْ. قال: فقال: "وجب أجْرُك. وردَّها عليكِ الميراث". قالت: يا رسول الله، إنه كان عليها صوم شهر. أفأصومُ عنها؟ قال: "صومي عنها". قالت: إنَّها لم تحجَّ قطّ، أفأحجُّ عنها؟ قال:

стр. 2876

"حُجِّي عنها". وفي رواية: "صوم شهرين". صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١٤٩) من طريق عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن بريدة، به. وفي رواية من طريق عبد الله بن عطاء المكيّ، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، مثله. وقال: "صومُ شهر". قلت: وظاهر الحديث يدل على أنَّ الميت بصوم عنه وليُّه سواء كان الصّوم من رمضان أو من نذر؛ لأنَّ ذمّة الميت مشغولة به، ولأنَّ النَّبِيّ ﷺ قاسه على الدَّيْن، والدَّين يُقضى عن الميت لبراءة ذمّته. وهو قول أهل الحديث كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٤/ ١٩٣). قال الترمذيّ: "اختلف أهل العلم في هذا الباب، فقال بعضهم: يصام عن الميت. وبه قال أحمد وإسحاق قالا: إذا كان على الميت نذر صيام، يصوم عنه. وإذا كان عليه قضاء رمضان أُطعم عنه. وقال مالك، وسفيان، والشافعي: لا يصومُ أحدٌ عن أحد". انتهى. قلت: وأمّا الشافعي فعلَّق الحكم في القديم على صحة الحديث كما نقله البيهقيّ في "المعرفة" (٦/ ٣٠٩)، وقال في "الخلافيات": "هذه المسألة ثابتة، لا أعلم خلافًا بين أهل الحديث في صحتها. فوجب العمل به. ونقل عن الشافعي أنه قال: كل ما قلتُ، وصحَّ عن النَّبِيّ ﷺ خلافه، فخذوا بالحديث ولا تقلِّدوني". وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه لا يصام عن الميت قياسا على الصّلاة. والمختار فيه ما قاله أحمد: يصام نذر صيام لأنه ليس له بديل بخلاف صيام رمضان فإن له بديلًا وهو الإطعام وهو قول ابن عباس كما ذكره أبو داود (٢٤٠١)، وإنْ صام الأوّلياء عن الميت فلا حرج عليهم لعموم الحديث، ولهم أن يصوموا كيف شاؤوا مجتمعين أو متفرقين بأن يصوم ثلاثون رجلًا يومًا واحدًا، أو يصوم واحدٌ ثلاثين يومان وكذا أن يُقسِّمَ ثلاثة نفر كل واحد منهم عشرة أيام، فكلها صحيحة. وأمّا ما رُوي عن ابن عمر، عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: "من مات وعليه صوم شهر فليطعم عنه مكان كلّ يوم مسكينًا" فهو ضعيف. رواه الترمذيّ (٧١٨)، وابن ماجه (١٧٥٧)، وابن خزيمة (٢٠٥٦) كلّهم من طريق أشعث، عن محمد بن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. ومحمد في هذا الإسناد جاء من ثلاثة أوجه، جاء غير منسوب عند الترمذيّ، فقال: هو عندي ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى. وجاء عند ابن ماجة منسوبًا إلى ابن سيرين. وقد نبَّه على ذلك المزّي وغيره. وجاء منسوبًا إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى عند ابن خزيمة وهو صحيح. وإسناده ضعيف من أجل محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فإنه سيء الحفظ.

стр. 2877

وفيه أيضًا الراوي عنه وهو أشعث بن سوار، وهو ضعيف أيضًا. وقال ابن خزيمة: فإنَّ في القلب من أشعث بن سوار ﵀ لسوء حفظه". وقال الترمذيّ: "حديث ابن عمر لا نعرفه مرفوعًا إِلَّا من هذا الوجه، والصحيح عن ابن عمر موقوف قوله". ٢٨ - الترهيب من الغيبة والرّفث وقول الزّور للصَّائم • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله: كلُّ عمل ابن آدم له إِلَّا الصّيام، فإنّه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنَّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصْخب، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتله فليقلْ: إنِّي امرؤ صائم. والذي نفسُ محمد بيده! لَخُلُوف فم الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك. للصّائم فرحتان يفْرَحُهُما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربَّه فرح بصومه". متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٠٤)، ومسلم في الصيام (١١٥١: ١٦٣) كلاهما من طريق ابن جريج، أخبرني عطاء (هو ابن أبي رباح)، عن أبي صالح الزّيات، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول (فذكره)، واللّفظ للبخاريّ، ، لفظ مسلم قريب منه. • وعن أبي هريرة، أنَّ النَّبِيّ ﷺ قال: "الصيام جُنّة، فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل. فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إنِّي صائم، إنِّي صائم". متفق عليه: رواه مالك في الصيام (٥٩) عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه البخاريّ في الصوم (١٨٩١) من طريق مالك، ومسلم (١١٥١) من وجه آخر عن سفيان ابن عيينة، عن أبي الزّناد، به، مثله. وقوله: "فليقل إني صائم" أي نطقا وجهرًا ولا يخوض معه حتّى لا يحبط أجر صومه، ولا يحتاج إلى التأويل الذي ذكره الخطّابي وغيره - أن يقول ذلك في نفسه- أي ليعلم أنه صائم. • عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "لا تسابَّ وأنتَ صائمٌ، وإن سابَّك أحدٌ فقُلْ: إنِّي صائمٌ، وإنْ كنتَ قائمًا فاجلسْ". حسن: رواه ابن خزيمة (١٩٩٤) وعنه ابن حبَّان (٣٤٨٣) عن محمد بن بشار، ثنا عثمان بن عمر، أخبرنا ابن أبي ذئب، عن عجلان مولي المشْمَعِل، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل عجلان مولى المشمعل فإنه حسن الحديث. ورواه الإمام أحمد (٩٥٣٢) عن يحيى بن سعيد، عن ابن أبي ذئب، بإسناده ولم يذكر فيه: "وإن كنت قائمًا فاجلس".

стр. 2878

وهي زيادة صحيحة، فقد تابع عثمان بن عمر أبو داود الطيالسي (٣٢٥٩)، والنسائي في "الكبرى" (٣٢٥٩) من طريق ابن المبارك. ويزيد هو ابن هارون، وأبو عامر وهو عبد الملك بن عمرو العقدي شيخا أحمد (١٠٥٦٤) كلّهم عن ابن أبي ذئب، فلعل يحيى بن سعيد اختصره. وهي سنة عزيزة. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يدع قول الزّور والعملَ به، فليس الله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". وزاد في رواية: "والجهل". صحيح: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٠٣) عن آدم بن أبي إياس، حَدَّثَنَا ابن أبي ذئب، حَدَّثَنَا سعيد المقبريّ، عن أبيه، عن أبي هريرة. والرّواية الأخرى في الأدب (٦٠٥٧) عن أحمد بن يونس، حَدَّثَنَا ابن أبي ذئب، به. قوله: "قول الزُّور" أي الكذب. "والجهل" أي السَّفه. "والعمل به" أي بمقتضاه. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ربّ صائم ليس له من صيامه إِلَّا الجوع، وربّ قائم ليس له من قيامه إِلَّا السَّهر". حسن: رواه ابن ماجه (١٦٩٠) عن عمرو بن رافع، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن المبارك، عن أسامة ابن زيد، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، قال (فذكره). وإسناده حسن من أجل الكلام في أسامة بن زيد وهو الليثيّ، فإنه مختلف فيه وكان يخطئ كثيرًا غير أنه حسن الحديث. ومن طريقه رواه الإمام أحمد (٩٦٨٥)، وقد تابعه عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد المقبريّ. رواه ابن حبَّان (٣٤٨١)، والبيهقي (٤/ ٢٧٠) من طريقه. ورواه أبو يعلى (٦٥٥١)، وابن خزيمة (١٩٩٧)، والحاكم (١/ ٤٣١) فقالوا: عمرو بن أبي عمرو، عن أبي سعيد المقبريّ. وعمرو بن أبي عمرو - واسمه ميسرة مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، وثَّقه ابن معين وأحمد، وقال أبو حاتم: صدوق. فهو متابع قوي لأسامة بن زيد، وهو يرُوي عن سعيد، وأبيه أبي سعيد واسمه كيسان. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس الصيام من الأكل والشرب، إنّما الصيام من اللغو والرفث. فإن سابّك أحدٌ أو جهل عليك، فلتقلْ: إنِي صائم،

стр. 2879

إني صائم". حسن: رواه ابن خزيمة (١٩٩٦)، وابن حبَّان (٣٤٧٩)، والحاكم (١/ ٤٣٠ - ٤٣١)، والبيهقي (٤/ ٢٧٠) كلّهم من حديث الحارث بن عبد الرحمن، عن عمّه، عن أبي هريرة، فذكره. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وعمّ الحارث هو عبد الله بن المغيرة بن أبي ذباب كما قال ابن حبَّان. وذكره في "ثقاته" (٥/ ٣٠٤) إِلَّا أن مسلمًا لم يخرج له كما قال الحاكم. وقيل: عمّه اسمه الحارث أيضًا. وقيل: اسمه عياض كما سمّاه ابن منده. وذكره في الصّحابة. انظر: تهذيب التهذيب (١/ ١٤٨). وفي الباب عن عبيد مولى رسول الله ﷺ : أنَّ امرأتين صامتا وإنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إنَّ هاهنا امرأتين قد صامتا، وإنهما قد كادتا أن تموتا من العطش! فأعرض عنه أو سكت، ثمّ عاد - وأُراه قال: بالهاجرة- قال: يا نبي الله، إنَّهما والله! قد ماتا أو كادتا أن تموتا! قال: "ادْعُهما". قال: فجاءنا، قال: فجيء بقدح أو عُسٍّ. فقال لإحداهما: "قيتي". فقاءت قيحًا ودمًا وصديدًا ولحمًا، حتّى قاءت نصف القَدَح. ثمّ قال للأخرى: "قيئي" فقاءت من قيح ودم وصديد ولحم عبيط وغيره حتّى ملأت القَدَح. ثمّ قال: "إنَّ هاتين صامتا عمَّا أحلَّ الله لهما، وأفطرنا على ما حرَّم الله عليهما، جلستْ إحداهما إلى الأخرى، فجعلتها تأكلان لحومَ النَّاس". رواه الإمام أحمد (٢٣٦٥٣) عن يزيد، أخبرنا سليمان وابن عديّ، عن سليمان -المعنى-، عن رجل حدّثهم في مجلس أبي عثمان النهديّ. قال ابن عدي: عن شيخ في مجلس أبي عثمان، عن عبيد، فذكره. وإسناده ضعيف من أجل رجل لم يُسم. وأمّا ما رواه أبو يعلى (١٥٧٦) من طريق حمّاد بن سلمة، عن سليمان -هو ابن طرخان التيمي-، عن عبيد. فسقط منه الرّجل، وظاهره يوهم الاتصال. وفي الباب أيضًا ما رُوي عن ابن عمر مرفوعًا: "ربَّ صائم حظّه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظّه من قيامه السّهر". رواه الطبرانيّ في "الكبير" (١٣/ ٣٨٢) من حديث موسي بن أيوب النصيبيّ، ثنا بقية بن الوليد، عن معاوية بن يحيى، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. وفيه بقية بن الوليد مدلِّس تدليس التسوية. ٢٩ - باب ما روي في السواك للصّائم رُوي عن عامر بن ربيعة، قال: رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي يسوّك وهو صائم.

стр. 2880

رواه أبو داود (٢٣٥٦)، والترمذي (٧٢٥)، والإمام أحمد (١٥٦٧٨)، والبيهقي (٤/ ٢٧٢) كلّهم من حديث عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، فذكره. وعلقه البخاريّ بصيغة التمريض. قال الترمذي: "حسن". قلت: ليس بحسن؛ فإنّ عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي المدني ضعيف باتفاق أهل العلم. ورواه ابن خزيمة (٢٠٠٧) من حديث سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، به. مثله، ثم قال: "وأنا بريء من عهدة عاصم، سمعت محمد بن يحيى يقول: عاصم بن عبيد الله ليس عليه قياس". ثم قال ابن خزيمة: "سمعت مسلم بن الحجاج يقول: سألنا يحيى بن معين، فقلنا: عبد الله بن محمد بن عقيل أحبّ إليك أم عاصم بن عبيد الله؟ قال: لستُ أحبُّ واحدًا منهما". ثم قال ابن خزيمة: "كنتُ لا أخرج حديث عاصم بن عبيد الله في هذا الكتاب، ثم نظرتُ فإذا شعبة والثوري قد رويا عنه، ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وهما إماما أهل زمانهما قد رويا عن الثوري عنه. وقد روي عنه مالك خبرًا في غير الموطأ" انتهى. قلت: رواية هؤلاء الأئمة عن شخص لا يعني في جميع أحواله توثيقًا له، فإنهم قد رووا عنه للاعتبار أو للبيان؛ ولذا قال شعبة -وقد روي عن عاصم بن عبيد الله-: كان عاصم لو قيل له: من بني مسجد البصرة؟ لقال: عن فلان، عن فلان، عن النبيّ ﷺ أنه بناه". وفيه إشارة إلى أنه كان يتعمّد. وقال أحمد: كان ابن عيينة يقول: كان الأشياخ يتقون حديث عاصم. وقال علي بن المديني: سمعت عبد الرحمن بن مهدي ينكر حديثه أشد الإنكار، وتكلم فيه الإمام أحمد والنسائي والدارقطني والجوزجاني وابن حبان وغيرهم. وقال البيهقي عقب الحديث: "عاصم بن عبيد الله ليس بالقوي". واضطرب الحافظ في الحكم على حديث عامر بن ربيعة في التلخيص فقال مرة (١/ ٦٢): إسناده حسن. وقال في موضع آخر (ص ٦٨): "فيه عاصم بن عبد الله، وهو ضعيف". لكن عموم أدلة استحباب السواك عند كلّ صلاة شامل للمفطر والصائم؛ لقول النبيّ ﷺ : "لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسواك عند كلّ صلاة". قال ابن خزيمة (٣/ ٢٤٧): "لم يستثن مفطرًا دون صائم، ففيها دلالة على أنّ السواك للصائم عند كلّ صلاة فضيلة فهو كالمفطر". قال الترمذي عقب تخريج الحديث والحكم عليه بالحسن: "والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون بالسواك للصائم بأسًا آخر النهار، ولم ير الشافعي بالسواك بأسًا أول النهار ولا آخره. وكره أحمد وإسحاق السواك آخر النهار". ونقل ابن حجر في "التلخيص" مثل قول الشافعي: لا بأس بالسواك للصائم أول النهار

стр. 2881

وآخره. فقال: "وهذا اختيار أبي شامة، وابن عبد السلام، والنووي. وقال: إنه قول أكثر العلماء، ومنهم المزني". قلت: وهو اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية كما نقل عنه البعلي الدمشقي في "الاختيارات الفقهية" (ص ٢٠)، فقال: "وهو في جميع الأوقات مستحب، والأصح ولو للصائم بعد الزوال، وهو رواية عن أحمد، وقاله مالك وغيره". وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها ابن الملقن في "البدر المنير" ولم يصح منها شيء. ٣٠ - باب الصائم يصبُّ عليه الماء من العطش • عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، أنّ رسول الله ﷺ أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر. وقال: "تقوّوا لعدوّكم" وصام رسول الله ﷺ . قال أبو بكر: قال الذي حدّثني: لقد رأيتُ رسول الله ﷺ بالعَرْج يصُبُّ الماء على رأسه من العطش أو من الحرّ. ثم قيل لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، إنّ طائفةً من الناس قد صاموا حين صُمتَ. قال: فلما كان رسول الله ﷺ بالكَديد دعا بقَدَح فشرب، فأفطر النّاسُ. صحيح: رواه مالك في الصيام (٢٢) عن سُميٍّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ . ورواه أبو داود (٢٣٦٥)، والنسائي في الكبرى (٣٠١٧)، وأحمد (١٥٩٠٣)، والحاكم (١/ ٤٣٢) كلّهم من حديث مالك، به، مثله إلا أنّ النسائي. رواه مختصرًا. ورواه الحاكم من وجهين: عبد الصمد بن الفضل وإسحاق بن الهياج كلاهما عن محمد بن نعيم السعدي، ثنا مالك بن أنس، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: "رأيت رسول الله ﷺ بالعرج يصبّ على رأسه الماء من الحرّ وهو صائم". قال الحاكم: "هذا حديث له أصل في الموطأ، فإن كان محمد بن نُعيم حفظه هكذا، فإنه صحيح على شرط الشيخين". قال الحافظ في "اللسان" في ترجمة إسحاق بن الهياج البلخي، عن محمد بن نعيم السعديّ البصريّ ... قال الدارقطني: وهم فيه في موضعين. وهو في "الموطأ" عن مالك، عن سمي، عن أبي بكر، عن بعض الصحابة غير مسمى". وقال الحافظ ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٢/ ٤٧): "هذا حديث مسند صحيح، ولا فرق بين أن يسمي التابعُ الصاحبَ الذي حدّثه أو لا يسميه في وجوب العمل بحديثه؛ لأنّ الصحابة كلّهم

стр. 2882

عدول مرضيون، ثقات أثبات. وهذا أمر مجتمع عليه عند أهل العلم بالحديث". ٣١ - باب كراهية المبالغة في الاستنشاق للصائم • عن لقيط بن صبرة، قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء؟ قال: "أسبغ الوضوء وخلِّل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا". صحيح: رواه أبو داود (٢٣٦٦)، والترمذي (٧٨٨)، والنسائي (٨٧)، وابن ماجه (٤٠٧) كلّهم من حديث يحيى بن سُليم، قال: حدثني إسماعيل بن كثير، قال: سمعت عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه، فذكره مطوّلًا، ومختصرًا. قال الترمذي: "حسن صحيح". وصحّحه ابن خزيمة (١٥٠)، وابن حبان (١٠٥٤)، والنووي في "المجموع" وغيرهم. وسبق تخريجه في كتاب الوضوء. • * *

стр. 2883

جموع أبواب ما جاء في قيام الليل في رمضان ١ - باب الترغيب في قيام الليل في رمضان • عن أبي هريرة، قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه". متفق عليه: رواه البخاريُّ في الإيمان (٣٧)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٥٩) كلاهما من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكره. وحديث مالك عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن ليس في رواية يحيى الليثي. وقد أكّد ذلك ابن عبد البر في التمهيد (٧/ ٩٧). • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". متفق عليه: رواه البخاري في الصوم (١٩٠١)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٦٠) كلاهما من حديث هشام، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكره. بزيادة ليلة القدر. وكذلك رواه يحيى بن سعيد، ومحمد بن عمرو: "من صام رمضان ... " أخرج حديثهما ابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٠٣ - ١٠٤). ٢ - الترغيب في قيام الليل في رمضان من غير عزيمة • عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ كان يرغّبُ في قيام رمضان من غير أن يأمر بعزيمة، فيقول: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه". قال ابن شهاب: فتوفي رسول الله ﷺ ، والأمر على ذلك ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر. صحيح: رواه مالك في كتاب الصلاة في رمضان (٢) عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٥٩: ١٧٤) من حديث عبد الرزاق -وهو في مصنفه (٧٧١٩) وعنه أحمد (٧٧٨٧) وأصحاب السنن -غير ابن ماجه- قال: حدثنا معمر، عن الزهري،

стр. 2884

عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. قوله: "فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك" هو من قول الزهري كما في الموطأ. وكذلك قال البخاري في صلاة التراويح (٢٠٠٩) ولم يفصله مسلم، بل وقع عنده في نفس الخبر. والصواب أنه مفصول من الحديث. ومعناه ترك الجماعة في صلاة التراويح. قال ابن عبد البر: "وفي هذا الحديث من الفقه: فضل قيام رمضان، وظاهره يبيح فيه الجماعة والانفراد؛ لأنّ ذلك كله فعل خير". • عن عائشة، قالت: إنّ رسول الله ﷺ كان يرغّب الناس في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة أمر فيه، فيقول: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه". وفي رواية: خرج في جوف الليل يصلي في المسجد، وصلى بالناس" وساق الحديث. وجاء فيه: "وكان يرغبهم في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة ويقول: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". قال: فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك. صحيح: رواه النسائي (٢١٩٢، ٢١٩٣، ٢١٩٥)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٢٠٧)، وابن حبان (٢٥٤٣) من أوجه عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، أنّ عائشة أخبرته، فذكرت الحديث. وممن رواه عن الزهري أيضًا إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، ومالك كلاهما عن الزهري بهذا الإسناد، ذكره الدارقطني في العلل (٣٨٠٥) إلا أنه قال: "والمحفوظ عن الزهري، عن أبي سلمة وحميد عن أبي هريرة". قلت: هذا هو الظاهر لاعتماد الشيخين له، ولكن لا يمنع أن يكون للزهري أوجه منها: عن عروة بن الزبير، عن عائشة. وأما ما رُوي عن عبد الرحمن بن عوف، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ الله ﵎ فرض صيام رمضان عليكم، وسننتُ لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه" فهو ضعيف. رواه النسائي (٢٢١٠)، وابن ماجه (١٣٢٨) من طريق النضر بن شيبان، قال: قلت لأبي سلمة ابن عبد الرحمن: حدِّثني بشيء سمعته من أبيك، سمعه أبوك من رسول الله ﷺ ، ليس بين أبيك وبين رسول الله ﷺ أحدٌ في شهر رمضان. قال: نعم. حدثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ (فذكره) واللفظ للنسائي. ورواه الإمام أحمد (١٦٦٠) من طريق النضر بن شيبان، نحوه. ورواه النسائي أيضًا (٢٢٠٨) بالإسناد نفسه، عن رسول الله ﷺ أنه ذكر شهر رمضان ففضّله على الشهور، وقال: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه".

стр. 2885

قال النسائي: "هذا خطأ، والصواب: أبو سلمة عن أبي هريرة". قلت: يعني حديث الشيخين المتقدم قريبًا. وكذلك قال البخاري: "لم يصح، وحديث الزهري وغيره عن أبي سلمة عن أبي هريرة أصح". والحديث مداره على النضر بن شيبان، قال فيه ابن معين: "ليس حديثه بشيء". وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: "كان ممن يخطئ". فتعقبه ابن حجر في "التهذيب" (١٠/ ٤٣٨) بقوله: "فإذا كان أخطأ في حديثه وليس له غيره، فلا معنى لذكره في الثقات، إلا أن يقال هو في نفسه صادق وإنما غلط في اسم الصحابي فيتجه؛ لكن يردُ على هذا أن في بعض طرقه عنه: "لقيت أبا سلمة، فقلت له: حدثني بحديث سمعته من أبيك، وسمعه أبوك من النبيّ ﷺ . فقال أبو سلمة: حدثني أبي، فذكره. وقد جزم جماعة من الأئمة بأنّ أبا سلمة لم يصح سماعه من أبيه، فتضعيف النضر على هذا متعيّن. وقد قال ابن خراش: إنه لا يعرف بغير هذا الحديث. وأعلّه الدارقطني أيضًا بحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة" اهـ كلام الحافظ. قلت: وممن جزم بعدم سماعه من أبيه: علي بن المديني، وأحمد، وابن معين، والبخاري، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود. وقال أحمد: مات وهو صغير. ٣ - باب ما جاء في عدم استمرار رسول الله ﷺ في صلاة التراويح بالجماعة خشية أن تفرض على الأمّة • عن عائشة أنّ رسول الله ﷺ صلَّى في المسجد ذات ليلة، فصلَّي بصلاته ناسٌ، ثم صلَّى الليلة القابلة فكثُر النّاس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسولُ الله ﷺ ، فلما أصبح قال: "قد رأيتُ الذي صنعتُم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلَّا أني خشيتُ أن تُفرض عليكم" وذلك في رمضان. متفق عليه: رواه مالك في الصلاة في رمضان (١) عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، فذكرته. ورواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٦١: ١٧٧) من طريق مالك، به، مثله. ورواه البخاري في صلاة التراويح (٢٠١٢) من طريق عقيل، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٦١: ١٧٨) من طريق يونس بن عبيد، كلاهما عن الزهري، به، بسياق أطول. • عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كان الناس يصلون في مسجد رسول الله ﷺ في رمضان باللّيل أوزاعًا يكون مع الرّجل شيء من القرآن فيكون معه النفر الخمسة أو الستة أو أقل من ذلك أو أكثر فيصلون بصلاته. قالت: فأمرني رسول الله ﷺ -

стр. 2886

ليلة من ذلك أن أنصب له حصيرا على باب حجرتي ففعلت فخرج إليه رسول الله ﷺ بعد أن صلى العشاء الآخرة. قالت: فاجتمع إليه من في المسجد فصلي بهم رسول الله ﷺ ليلا طويلًا، ثم انصرف رسول الله ﷺ فدخل وترك الحصير على حاله، فلما أصبح الناس تحدّثوا بصلاة رسول الله ﷺ بمن كان معه في المسجد تلك الليلة. قالت: وأمسى المسجد راجّا بالناس، فصلّى بهم رسول الله ﷺ العشاء الآخرة، ثم دخل بيته وثبت الناس. قالت: فقال لي رسول الله ﷺ : "ما شأن الناس يا عائشة؟ ". قالت: فقلت له: يا رسول الله، سمع الناس بصلاتك البارحة بمن كان في المسجد فحشدوا لذلك لتصلى بهم. قالت: فقال: "أطوِ عنا حصيرك يا عائشة". قالت: ففعلت وبات رسول الله ﷺ غير غافل، وثبت الناس مكانهم حتى خرج رسول الله ﷺ إلى الصبح. فقالت: فقال: "أيها الناس! أما والله! ما بِتُ -والحمد لله- ليلتي هذه غافلًا وما خفي عليَّ مكانكم ولكني تخوفت أن يفترض عليكم فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا". قال: وكانت عائشة تقول: إنَّ أحبَّ الأعمال إلى الله أدومُها وإن قلَّ. حسن: رواه الإمام أحمد (٢٦٣٠٧)، والطبراني في الأوسط (٥٢٧٧) كلاهما من حديث محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة، فذكرته. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا محمد بن إسحاق، تفرَّد به محمد بن سلمة الحراني. قلت: ليس كما قال، فقد تابع محمد بن إسحاق محمد بن عمرو وهو الليثيّ في أصل القصة. ومن طريقه رواه أبو داود (١٣٧٤) مختصرًا. وليس فيه أنه صلى ليلة واحدة، بل أحال أبو داود إلى أصل القصة التي يرويها ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، وفيها أنه ﷺ لم يخرج من الليلة الثالثة. فالظاهر أن ابن إسحاق وَهِم في جعله صلاة النبيّ ﷺ ليلة واحدة، فإنه لم يتابع على ذلك، ولكن يعكّر عليه ما ذكره أحمد (٢٦٠٣٨) عن محمد بن عمرو. وفيه: "فلما كانت الليلة الثانية كثروا، فأطلع عليهم، فقال: "اكلفوا من الأعمال ما تطيقون. فإنّ الله لا يملّ حتى تملُّوا". فالله أعلم هل تعددت القصة أو هو آخر من وَهِم. وأما قول الطبراني: "تفرد به محمد بن سلمة الحراني" فليس كما قال، بل تابعه أبو يعقوب وهو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري.

стр. 2887

ومن طريقه رواه الإمام أحمد في الرواية المشار إليها أعلاه. • عن أبي ذرّ، قال: صُمنا مع رسول الله ﷺ رمضان، فلم يقُمْ بنا شيئًا من الشَّهر، حتى بقي سبعٌ، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسةُ قام بنا حتى ذهب شطر الليل. فقلت: يا رسول الله، لو نفّلتنا قيام هذه الليلة؟ قال: فقال: "إنّ الرجل إذا صلّى مع الإمام حتى ينصرف حُسب له قيام ليلة". قال: فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قال: قلت: وما الفلاح؟ قال: السَّحور، ثم لم يقُمْ بنا بقية الشّهر. صحيح: رواه أبو داود (١٣٧٥)، والترمذي (٨٠٦)، والنسائي (١٣٦٤)، (١٦٠٥)، وابن ماجه (١٣٢٧) كلّهم من طريق داود بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير الحضرمي، عن أبي ذر، قال (فذكره). وإسناده صحيح، ورواه الإمام أحمد (٢١٤٤٧)، وصححه ابن خزيمة (٢٢٠٦)، وابن حبان (٢٥٤٧) من طريق داود بن أبي هند، به. وقال الترمذي: "حسن صحيح". • عن نعيم بن زياد، قال: سمعتُ النّعمان بن بشير على منبر حمص يقول: قمنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين إلى ثُلث الليل الأوّل، ثم قُمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظنّنا أن لا ندرك الفلاح وكانوا يسمُّونه السُّحور. حسن: رواه النسائي (١٦٠٦)، وأحمد (١٨٤٠٢) وصحّحه ابن خزيمة (٢٢٠٤)، والحاكم (١/ ٤٤٠) كلهم من حديث معاوية بن صالح، قال: حدثني نعيم بن زياد أبو طلحة، فذكره. وزاد أحمد في آخره: فأما نحن فنقول: ليلة السابعة، ليلة سبع وعشرين، وأنتم تقولون: ليلة ثلاث وعشرين السابعة، فمن أصوب نحن أو أنتم؟ . وإسناده حسن من أجل معاوية بن صالح الحمصي فإنه حسن الحديث. وقال الحاكم: "صحيح على شرط البخاريّ". فتعقبه الذهبي بقوله: "معاوية إنما احتجّ به مسلم وليس الحديث على شرط واحد منهما، بل هو حسن".

стр. 2888

• عن أنس بن مالك، أنّ النبيَّ ﷺ كان يصلي بالليل في رمضان، فجاء قومٌ فقاموا خلفه، فصلّي فكان يخفِّف، ثم يدخل بيته فيصلي، ثم يخرُج ويخفِّف. فلما أصبح، قالوا: يا رسول الله، قمنا خلفك الليلة، فكنتّ تدخلُ بيتك ثم تخرج؟ فقال: "إنّما فعلتُ ذلك من أجلكم". صحيح: رواه الطبراني في الأوسط (٨٢٠٤) عن موسى بن هارون، قال: حدثنا إسحاق بن راهويه، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: حدّثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ثمامة، عن أنس، فذكره. وإسناده صحيح، وثمامة هو ابن عبد الله بن أنس بن مالك ثقة من رجال الصحيح، قال ابن عدي: له أحاديث عن أنس. وأرجو أنه لا بأس به، وأحاديثه قريبة من غيره. وهو صالح فيما يرويه عن أنس عندي". وعزاه الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٧٣) إلى الأوسط، وقال: "رجاله رجال الصحيح". وفي الباب عن أبي هريرة، قال: خرج رسولُ الله ﷺ فإذا أناسٌ في رمضان يصلون في ناحية المسجد، فقال: "ما هؤلاء؟ ". فقيل: هؤلاء ناس ليس معهم قرآن، وأبي بن كعب يصلي وهم يصلون بصلاته. فقال النبيُّ ﷺ : "أصابوا ونِعْم ما صنعوا". رواه أبو داود (١٣٧٧) عن أحمد بن سعيد الهمداني، حدّثنا عبد الله بن وهب، أخبرني مسلم بن خالد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة. فذكره. وفي إسناده مسلم بن خالد المعروف بالزنجيّ، قال الذهبي في "الكاشف": "وثق، وضعفه أبو داود لكثرة غلطه"، وقال الحافظ في "التقريب": "فقيه صدوق كثير الأوهام". ولذلك قال أبو داود عقب الحديث: "ليس هذا الحديث بالقوي؛ مسلم بن خالد ضعيف". وقال فيه ابن المديني: ليس بشيء. وقال البخاري: منكر الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به، يعرف وينكر، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: "يخطئ أحيانًا". وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: "ثقة". والحديث رواه أيضًا ابن خزيمة (٢٢٠٨) وعنه ابن حبان (٢٥٤١) من طريق ابن وهب، به. ورُوي مرسلًا من طريق ثعلبة بن أبي مالك القرظيّ. رواه البيهقيّ (٢/ ٤٩٥) من طريق بحر بن نصر، قال: قرئ على عبد الله بن وهب، أخبرك عبد الرحمن بن سلمان وبكر بن مضر، عن ابن الهاد، أنّ ثعلبة بن أبي مالك القرظي حدثه، قال: "خرج رسول الله ﷺ ذات ليلة في رمضان ... " الحديث. قال البيهقيّ: "هذا مرسل حسن. قال: وقد رُوي بإسناد موصول إلا أنه ضعيف". ثم روي حديث خالد الزنجي السابق من طريق أبي داود.

стр. 2889

ورواه في المعرفة (٤/ ٣٩ - ٤٠) (٥٤٠١) من طريق الربيع، قال: حدثنا ابن وهب، به، فذكره. قال البيهقي عقبه: "وهذا خاص فيمن لا يكون حافظًا للقرآن، وثعلبة بن أبي مالك قد رأي النبي ﷺ فيما زعم أهل العلم بالتواريخ". ٤ - باب صلاة التراويح جماعة في صدر خلافة عمر قبل جمعهم على إمام واحد • عن عبد الرحمن بن عبدِ القاري أنه قال: خرجتُ مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناسُ أوزاعٌ متفرِّقون، يصلّي الرجلُ لنفسه، ويصلي الرجل فيصلّي بصلاته الرَّهْط. فقال عمر: والله! إنّي لأراني لو جمعتُ هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، فجمعهم على أبيّ بن كعب. قال: ثم خرجتُ معه ليلة أخرى والنّاسُ يصلُّون بصلاة قارئهم. فقال عمر: نعمتِ البدعةُ هذه! والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون يعني آخر الليل، وكان الناسُ يقومون أوله". صحيح: رواه مالك في الصلاة في رمضان (٣) عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، فذكره. ورواه البخاري في صلاة التراويح (٢٠١٠) من طريق مالك، به، مثله. وقول عمر ﵁: "نعمت البدعة هذه" البدعة هنا بمعناها اللغويّ. وأمّا في الشّرع فهي بمقابل السنة، وإنّما مدحها عمر ﵁ لأنّها ليست ببدعة شرعًا، بل هي سنّة لإقرار النبيّ ﷺ من صلّى معه في بعض ليالي رمضان، وإن كان كره ذلك لهم خشية أن تفترض عليهم، فلما مات النبيّ ﷺ حصل الأمن من ذلك. ولذلك قال ابن بطال: قيام رمضان سنة؛ لأنّ عمر إنما أخذه من فعل النبيّ ﷺ ، وإنّما تركهـ النبيّ ﷺ خشية الافتراض. انظر: فتح الباري (٤/ ٢٥٢). وقد ذهب أكثر الصحابة إلى فعل عمر بن الخطاب من جمعه الناس على قارئ واحد. وكذلك رُوي عن علي بن أبي طالب: "أنه كان يأمر الناس بالقيام في رمضان، فيجعل للرجال إمامًا، وللنساء إمامًا. قال عرفجة: فأمرني فأممتُ النساء" إلا أنه ضعيف. رواه عبد الرزاق (٥١٢٥، ٧٧٢٢) عن محمد بن عمارة، عن عمر الثقفي، عن عرفجة، أنّ عليًا كان يأمر الناس، فذكره. وفي الموضع الثاني، قال: أبو أمية الثقفي، عن عرفجة. ورواه البيهقي في فضائل الأوقات (١٢٥) من وجه آخر عن أبي عبد الله الثقفي، حدثنا عرفجة. وعمر هو ابن عبد الله بن يعلى بن مرة الثقفي، ضعيف. وقال الدارقطني: "متروك". وهو من رجال "التهذيب" إلا أنه لم يُذكر فيه كنيته أبو أمية ولا أبو

стр. 2890

عبد الله. فتنبّه. ٥ - باب في بيان عدد الركعات في قيام الليل في رمضان • عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أنه سأل عائشة، زوج النبيّ ﷺ : كيف كانتْ صلاةُ رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيدُ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة. يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حُسنهنّ وطولهنَّ. ثم يصلي أرْبعًا فلا تسألْ عن حسنهنَّ وطولهنَّ. ثم يصلي ثلاثًا. فقالت عائشة: فقلتُ: يا رسول الله، أتنامُ قبل أن توتِر؟ فقال: "يا عائشة، إنَّ عيْنيَّ تنامان، ولا ينام قلبي". متفق عليه: رواه مالك في صلاة الليل (٩) عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، به. ورواه البخاري في صلاة التراويح (٢٠١٣)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٣٨: ١٢٥) كلاهما من طريق مالك، به. • عن أبي سلمة، قال: أتيتُ عائشة، فقلتُ: أيْ أمه أخبرني عن صلاة رسول الله ﷺ . فقالت: كانت صلاته في شهر رمضان وغيره ثلاث عشرة ركعة بالليل، منها ركعتا الفجر. متفق عليه: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٣٨: ١٢٧) عن عمرو الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي لبيد، سمع أبا سلمة، قال (فذكره). ورواه البخاريّ (١١٤٠) من وجه آخر نحوه غير أنه لم يذكر فيه شهر رمضان. وفي الباب عن جابر بن عبد الله، قال: صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ في شهر رمضان ثمان ركعات وأوتر، فلما كانت القابلةُ اجتمعنا في المسجد ورجوْنا أن يخرج إلينا، فلم نزل فيه حتى أصبحنا ثم دخلنا فقلنا: يا رسول الله، اجتمعنا في المسجد ورجوْنا أن تصلي بنا. فقال: "إنّي خشيتُ -أو كرهتُ- أن تكتب عليكم". رواه أبو يعلى (١٨٠٢)، والطبراني في الصغير (٥٢٥) كلاهما من طريق يعقوب بن عبد الله القُمِّي، أخبرنا عيسي بن جارية، عن جابر، قال (فذكره). قال الطبراني عقبه: لا يروى عن جابر بن عبد الله إلا بهذا الإسناد، تفرد به يعقوب وهو ثقة. وصحّحه ابن خزيمة (١٠٧٠)، وابن حبان (٢٤٠٩) من طريق يعقوب القميّ، به. وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٧٣): "فيه عيسي بن جارية وثقه ابن حبان، وضعفه ابن معين".

стр. 2891

قلت: وهو مختلف فيه؛ قال ابن معين: ليس حديثه بذاك، لا أعلم أحدًا روى عنه غير يعقوب القميّ. وقال في رواية أخرى عنه: عنده مناكير، حدّث عنه يعقوب القمي، وعنبسة قاضي الرّي. وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: منكر الحديث. وقال في موضع آخر: ما أعرفه، روي مناكير. وذكره النسائي في "الضعفاء" وقال: منكر. وذكره العقيلي، وابن عدي في جملة الضعفاء. وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة. وذكر حديثه هذا في جملة مناكيره. (الكامل ٥/ ١٨٨٩). ولكن قال أبو زرعة: "لا بأس به". وصحّح حديثه ابن خزيمة، وابن حبان، وقال الذهبي في "الميزان": "إسناده وسط"، وقال في "الكاشف": "صدوق". وسكت عنه الحافظ في "الفتح" (٣/ ١٢) وقد نصَّ في المقدمة أن ما سكتَ عنه فهو حسن. ولذا قلتُ في "المنة الكبرى" (٣/ ٣٨٩): "ويبدو من هذا أنّ الحديث لا يقلّ عن درجة الحسن لغيره لموافقته لما روته عائشة من فعل رسول الله ﷺ بأنه لا يزيد في رمضان ولا في غيره عن ثمان ركعات ... ". فالذي يغلب على الظن أنه صلي في هذه الليالي الثلاث بالجماعة إحدى عشرة ركعة كما كان يصلي في بيته منفردًا. وأمّا ما رُوي عن ابن عباس أنّ النبيَّ ﷺ كان يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر. فهو ضعيف جدًّا. رواه ابن أبي شيبة (٢/ ١٦٤)، والطبراني في الكبير (١١/ ٣٩٣) وعنه البيهقي (٢/ ٤٩٦)، وعبد ابن حميد (٦٥٣) من طريق أبي شيبة إبراهيم بن عثمان، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، فذكره. وعلّته أبو شيبة هذا فهو متروك، كما في "التقريب". وقد رواه الذهبي في "الميزان" وقال: "إنه من مناكير أبي شيبة". وبه أعلّه الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٧٢) وعزاه للأوسط أيضًا. وقال الحافظ الزيلعي في نصب الراية (٢/ ١٥٣): "هو معلول بأبي شيبة إبراهيم بن عثمان جدّ الإمام أبي بكر بن أبي شيبة، وهو متفق على ضعفه، وليّنه ابن عدي في "الكامل". ثم إنه مخالف للحديث الصحيح عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة" اهـ فذكر حديثها. • عن السّائب بن يزيد أنه قال: أمر عمر بن الخطاب أبيَّ بنَ كعب وتميمًا الدّاريَّ أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. قال: وقد كان القارئُ يقرأُ بالمئين، حتى كنّا نعتمدُ على العصيِّ من طول القيام، وما كنّا ننصرف إلّا في فروع الفجر. صحيح: رواه مالك في الصلاة في رمضان (٤) عن محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد، فذكره.

стр. 2892

وإسناده صحيح، السائب بن يزيد صحابي صغير، ومحمد بن يوسف الأعرج من ثقات التابعين، وهو ابن أخت السائب بن يزيد كما صرّحت الرواية بذلك في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٩٦) من طريق مالك، وقد احتج به الشّيخان. ورواه سعيد بن منصور في سننه من وجه آخر عن عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن يوسف بإسناده، مثله. انظر شرح الموطأ للزرقاني (١/ ٣٥٤). وكذلك رواه يحيى بن سعيد عند أبي بكر بن أبي شيبة (٢/ ٣٩١)، وإسماعيل بن جعفر في حديث علي بن حجر (٤٤٠)، ومحمد بن إسحاق كما عند محمد بن نصر في قيام الليل (ص ٤٢) كلّ هؤلاء عن محمد بن يوسف، به، مثله. إلّا أن ابن إسحاق فإنه قال: "ثلاث عشرة ركعة". وهذه المتابعات تدل على أنّ مالكًا لم يخطئْ في قوله: "إحدى عشرة ركعة" ولم ينفرد بها كما قال الحافظ ابن عبد البر. قال البيهقيّ في "فضائل الأوقات" (ص ٢٧٥) بعد أن أخرج الحديث من طريق مالك: هكذا في هذه الرواية، وهي موافقة لرواية عائشة عن النبيّ ﷺ في عدد ركعات قيامه في شهر رمضان وغيره. وكان عمر بن الخطاب أمر بهذا العدد زمانًا ثم أمر بما ... " أي الآثار التي سوف تأتي عنه. وأمّا ما رواه عبد الرزاق (٧٧٣٠) عن داود بن قيس وغيره، عن محمد بن يوسف، عن السائب ابن يزيد، أنّ عمر جمع الناس في رمضان على أبي بن كعب، وعلى تميم الداري على إحدى وعشرين ركعة، يقرؤون بالمئين، وينصرفون عند بزوغ الشمس". هكذا قال في هذه الرواية "إحدى وعشرين" فيبدو أنه خطأ من عبد الرزاق، وهو وإن كان ثقة حافظًا فإنه قد عمي في آخر عمره فتغيّر، كما صرَّح به الحافظ في "التقريب". فالصّحيح عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه أمر أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما بإحدى عشرة ركعة تأسيًا بفعل رسول الله ﷺ ، ولكن لما رأى طول القيام، وشعر بمشقة الناس، وفيهم الكبير والضعيف، أمر بتخفيف القراءة وإكثار الركوع والسجود؛ لأنّ صلاة التراويح من الصلوات النافلة يجوز فيها الزيادة والنقصان، وعليه تدل الآثار الآتية: منها ما رواه السائب بن يزيد نفسه، قال: "كانوا يقومون على عهد عمر في شهر رمضان بعشرين ركعة، وإن كانوا ليقرأون بالمئين من القرآن". رواه أبو القاسم البغويّ في حديث "علي بن الجعد" المعروف بالجعديات (٣٣٨٧) ومن طريقه البيهقي (٢/ ٤٩٦) عن ابن أبي ذئب، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد، فذكره. ورواه الفريابي في كتاب الصيام (١٥٨) من طريق يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، به، مثله. وزاد: "حتى كانوا يتوكأون على عصيهم من شدة القيام". ورواه البيهقي في "المعرفة" (٥٤٠٩) من طريق محمد بن جعفر، قال: حدثني يزيد بن

стр. 2893

خصيفة، عن السائب بن يزيد، قال: "كنا نقوم في زمان عمر بن الخطاب بعشرين ركعة والوتر". ويزيد بن خصيفة ينسب إلى جدّه وهو يزيد بن عبد الله بن خصيفة ثقة، وثّقه الأئمة إلا أن أحمد قال فيه: "منكر الحديث" مع توثيقه له في رواية الأثرم عنه. قال الحافظ ابن حجر في "هدي الساري" (ص ٤٥٣): "هذه اللفظة يطلقها أحمد على من يُغرب على أقرانه بالحديث، عرف ذلك بالاستقراء من حاله، وقد احتج بابن خصيفة مالك والأئمة كلّهم" انتهى. وهذا الأثر صحّحه ابن الملقن في "البدر المنير" (٤/ ٣٥٠) بعد أن عزاه للبيهقي، والنووي في "الخلاصة" كما في نصب الراية (٢/ ١٥٤). وأظنه كذلك، فإمّا أن تكون هي الرّواية الثانية عن السائب بن يزيد، بأن عمر بن الخطاب لما رأى طول القيام فيه مشقة خفّف عنهم القراءة وجعلها عشرين ركعة، أو أن يزيد بن خصيفة انفرد برواية هذا الأثر، وهو مخالف لما رواه غيره، وثبت عن عائشة أنّ النبيّ ﷺ ما كان يزيد في رمضان أو في غير رمضان على إحدى عشرة ركعة، فحكم عليه الشذوذ؛ لأنّ يزيد بن خصيفة ومحمد بن يوسف كلاهما ثقتان يرويان عن السائب بن يزيد، والأول يقول في روايته: "إحدى وعشرين" والثاني يقول: "إحدى عشرة" فيرجح القول الثاني لأنه أوثق من صاحبه؛ ولذا اقتصر الحافظ في وصف يزيد بن خصيفة بأنه "ثقة" وقال في وصف محمد بن يوسف "ثقة ثبت". ومنها ما رواه مالك في "الموطأ" في الصلاة في رمضان (٥) عن يزيد بن رومان أنه قال: "كان الناسُ يقومون في زمان عمر بن الخطاب بثلاث وعشرين ركعة" ولكن فيه انقطاع. لأن يزيد بن رومان من أقران ابن شهاب الزهريّ -كما في تهذيب الكمال- توفي سنة (١٣٠ هـ) ولم يدرك زمن عمر ﵁، بل قال المزي: عن أبي هريرة مرسل. ونصَّ الزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ١٥٤) بأنه لم يدرك عمر بن الخطاب، وقال العيني في "عمدة القاري" (١١/ ١٢٦): "سنده منقطع". وقال البيهقي في "فضائل الأوقات" (ص ٢٧٧): "مرسل". ومنها ما رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٩٣) عن وكيع، عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد: "أنّ عمر بن الخطاب أمر رجلًا يصلي بهم عشرين ركعة". وفيه انقطاع أيضًا. لأنّ يحيى بن سعيد وهو الأنصاري لم يدرك عمر بن الخطاب. قال علي بن المديني: "لا أعلمه سمع من صحابي غير أنس" كما في "التهذيب" (١١/ ٢٢٣). وكذلك منها ما رواه ابن أبي شيبة، عن حميد بن عبد الرحمن، عن حسن (كذا ولعله: الحسن البصري، عن) عبد العزيز بن رفيع، قال: "كان أُبي بن كعب يصلي بالناس في رمضان بالمدينة عشرين ركعة ويوتر بثلاث".

стр. 2894

وعبد العزيز بن رُفيع لم يدرك أبي بن كعب فإنه مات سنة ثلاثين ومائة أو بعدها، وقد أتى عليه نيّف وتسعون سنة، كما في تهذيب الكمال. وعليه فتكون ولادته بعد الثلاثين، وأما أُبي بن كعب ﵁ فإنه توفي سنة (١٩ هـ) أو (٣٢ هـ). وأيضًا فإنّ ابن رُفيع إنما يروي عن صغار الصحابة وكبار التابعين. وروى الضياء المقدسي في المختارة (١١٦١) من طريق أحمد بن منيع، أنا الحسن بن موسي، نا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، أنّ عمر أمر أبيَّا أن يُصلي بالناس في رمضان، فقال: إنّ الناس يصومون النّهار ولا يحسنون أن يقرأوا فلو قرأتَ عليهم بالليل. فقال: يا أمير المؤمنين، هذا شيء لم يكن؟ فقال: قد علمتُ، ولكنه أحسن، فصلّى بهم عشرين ركعة. وفيه أبو العالية وهو رفيع ثقة ولكنه كان يرسل كثيرا، وفيه ربيع بن أنس البكري، صدوق له أوهام وخاصة فيما رواه عنه أبو جعفر الرازي، قال ابن حبان: "الناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه لأن في أحاديثه عنه اضطرابا كثيرا". ومنها ما رواه عبد الرزاق (٧٧٣٣) عن الأسلميّ، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن السائب بن يزيد، قال: "كنا نتصرف من القيام على عهد عمر وقد دنا فروع الفجر، وكان القيام على عهد عمر ثلاثة وعشرين ركعة". وإسناده واهٍ جدًّا، من أجل الأسلميّ، وهو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، قال الحافظ: "متروك". وأمّا الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن أبي ذباب، فمختلف فيه، فقال أبو حاتم: "يروي عنه الدراوردي أحاديث منكرة، ليس بالقوي". وقال أبو زرعة: "ليس به بأس". ويظهر من هذه الآثار مع رواية يزيد بن خصيفة أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر أولًا بإحدى عشرة ركعة، ثم أمر بعد ذلك بإحدى وعشرين ركعة. قال ابن عبد البر: "يحتمل أن يكون القيام في أول ما عمل به عمر بإحدى عشر ركعة، ثم خفّف عليهم طول القيام، ونقلهم إلى إحدى وعشرين ركعة، يخفّفون فيها القراءة، ويزيدون في الركوع والسجود". الاستذكار (٥/ ١٥٤). وإلى نحو هذا الجمع جنح البيهقي فقال في "السنن" (٢/ ٤٩٦): "ويمكن الجمع بين الروايتين، فإنهم كانوا يقومون بإحدى عشرة، ثم كانوا يقومون بعشرين ويوترون بثلاث" اهـ. وقال عبد الحق الإشبيلي في كتابه "الصلاة والتهجد" (ص ٢٨٧): "ويروى أنّ الناس اشتدّ عليهم طول القيام فشكوا ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر القارئين أن يخفِّفا من طول القيام ويزيدا في عدد الركوع، فكانا يقومان بثلاث وعشرين ركعة، ثم شكوا فنقصوا من طول القيام زيدوا في

стр. 2895

الركوع حتى أتمّوا ستًا وثلاثين، والوتر بثلاث، فاستقرّ الأمر على هذا" اهـ. ولذا ذهب بعض أهل العلم إلى الزيادة على ثلاثين وعشرين، فروى ابن القاسم في "المدونة" عن الإمام مالك أنها تسع وثلاثون، وهو الأمر القديم الذي أدرك عليه أهل المدينة. وقال صالح مولى التوأمة: أدركت الناس يقومون بإحدى وأربعين ركعة، يوترون منها بخمس، ذكره صاحب المغني (٢/ ٦٠٤). وكان الأسود بن يزيد يصلي أربعين ركعة ويوتر بسبع إلى غير ذلك من الأقوال المذكورة في كتب السنة والفقه. (انظر: مختصر كتاب قيام رمضان ص ٤١ - ٤٥). وكأنّهم رأوا أنّ الأمر فيه سعة؛ لأنه داخل في مطلق النوافل، وليس من السنن الرواتب. قال الشافعي: "وليس في شيء من هذا ضيق، ولا حدّ ينتهي إليه، لأنه نافلة فإنْ أطالوا القيام وأقلُّوا السجود فحسن -وهو أحبُّ إليَّ-، وإن أكثروا الركوع والسجود فحسن". المعرفة للبيهقي (٤/ ٤٢). وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد بن حنبل: كم من ركعة يصلَّي في قيام شهر رمضان؟ فقال: قد قيل فيه ألوان نحوًا من أربعين إنّما هو تطوّع. مختصر كتاب قيام رمضان (ص ٤٥) إلا أن المختار عند الإمام أحمد عشرون ركعة، كما في المغني (٢/ ٦٠٤). قلت: وقد يختلف باختلاف المصلين. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "المجموع" (٢٢/ ٢٧٢): "إن نفس قيام رمضان لم يوقت النبيّ ﷺ فيه عددًا معينًا، بل كان هو ﷺ لا يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يطيل الركعات، فلما جمعهم عمر على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة، ثم يوتر بثلاث، وكان يخفف القراءة بقدر ما زاد من الركعات، لأنّ ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة، ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث، وآخرون قاموا بست وثلاثين، وأوتروا بثلاث. وهذا كلّه سائغ، فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه، فقد أحسن. والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام، فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها، كما كان النبيّ ﷺ يصلي لنفسه في رمضان وغيره هو الأفضل، وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين هو الأفضل" انتهى. ٦ - باب من صلّي مع الإمام حتى ينصرف حُسِبَ له قيام ليلة • عن أبي ذرّ، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّ الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حُسِبَ له قيام ليلة". صحيح: رواه أبو داود (١٣٧٥)، والترمذي (٨٠٦)، والنسائي (١٣٦٤)، وابن ماجه (١٣٢٧)

стр. 2896

كلّهم من طريق داود بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشيّ، عن جبير بن نفير الحضرميّ, عن أبي ذر، في حديث طويل. وإسناده صحيح، وقد سبق تخريجه. وفي الباب ما روي عن أنس، قال: قال النبيُّ ﷺ : "من صلَّى المغرب والعشاء في جماعة حتى ينقضي شهر رمضان، فقد أصاب ليلة القدر بحظٍّ وافر". رواه البيهقي في "فضائل الأوقات" (١١٦) من حديث يحيى بن عقبة، عن محمد بن جحادة، عن أنس، فذكره. ويحيى بن عقبة هو ابن أبي العيزار ضعيف جدًّا. قال ابن حبان في "المجروحين" (١٢٠٣): "وكان ممن يروي الموضوعات عن أقوام أثبات، ويلزق المتون الموضوعة بالأسانيد الصحيحة، لا يجوز الاحتجاج به بحال من الأحوال". وضعّفه أيضًا ابن معين وأبو حاتم والنسائي. وفي الباب أيضًا ما رُوي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من صلَّى العشاء الآخرة في جماعة في رمضان، فقد أدرك ليلة القدر". رواه ابن خزيمة (٢١٩٥)، والبيهقي في "فضائل الأوقات" (١١٧) كلاهما من حديث عقبة بن أبي الحسنة، عن أبي هريرة، فذكره. وعقبة بن أبي الحسنة مجهول، كما قال ابن المديني وأبو حاتم والذهبي وغيرهم. ولكن ذكره ابن حبان في "الثقات" تبعًا لقاعدته، وعلى قاعدة شيخه ابن خزيمة.

стр. 2897

جموع أبواب ما جاء في فضل ليلة القدر واجتهاد النبيّ ﷺ فيها ١ - باب فضل قيام ليلة القدر قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ [سورة القدر]. وروى مالك في الاعتكاف (١٥) أنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول: "إنّ رسول الله ﷺ أُري أعمارَ النّاس قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكأنّه تقاصر أعمارَ أمّته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرُهم في طُول العُمْر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر". وهذا الحديث أحد البلاغات التي لم تأت مسندة بوجه من الوجوه، كما قاله الحافظ ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٤/ ٣٧٣). وهذا المعنى جاء في الآثار عن بعض التابعين أوردها الحافظ السيوطي في "الدر المنثور" (١٥/ ٥٣٥) فما بعدها. • عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه". متفق عليه: رواه البخاري في فضل ليلة القدر (٢٠١٤)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٦٠) كلاهما من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. ٢ - باب اجتهاد النبيّ ﷺ في العشر الأواخر • عن عائشة، قالت: كان النبيّ ﷺ إذا دخل العشرُ أحيا اللّيل وأيقظ أهله وجدَّ وشدّ المئزر. متفق عليه: رواه البخاري في فضل ليلة القدر (٢٠٢٤)، ومسلم في الاعتكاف (١١٧٤) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي يعفور، عن أبي الضّحي مسلم بن صُبيح، عن مسروق، عن عائشة، قالت "فذكرته". واللفظ لمسلم. • عن عائشة، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره. صحيح: رواه مسلم في الاعتكاف (١١٧٥) من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الحسن بن

стр. 2898

عبيد الله، قال: سمعت إبراهيم يقول: سمعت الأسود بن يزيد يقول: قالت عائشة (فذكرته). • عن على، قال: كان النبيُّ ﷺ إذا كان العشر الأواخر من رمضان شمّر المئزر، واعتزل النساء. حسن: رواه البيهقي في "الكبرى" (٤/ ٣١٤)، وفي "فضائل الأوقات" (٧٥) عن علي بن محمد ابن بشران ببغداد، حدثنا إسماعيل بن محمد الصفّار، حدثنا عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا هشيم، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم بن ضمرة فإنه حسن الحديث. • عن علي بن أبي طالب، أنّ النبيّ ﷺ كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان. حسن: رواه الترمذي (٧٩٥) عن محمود بن غيلان، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن بَريم، عن علي، فذكره. قال الترمذي: "حسن صحيح". قلت: يحتمل تحسينه فإنّ هبيرة بن يُريم -على وزن عظيم- مختلف فيه، فقال الإمام أحمد: لا بأس بحديثه. وذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٥١١)، وقال ابن سعد: كان معروفًا وليس بذاك. وضعّفه النسائي وجهّله ابن معين وأبو حاتم. فمثله لا بأس بحديثه كما قال أحمد، وخاصة إذا كان له شواهد. ٣ - باب ما جاء من علامات ليلة القدر • عن زرّ بن حبيش يقول: سألت أُبَيَّ بن كعب ﵁، فقلت: إنّ أخاك ابن مسعود يقول: مَنْ يَقُم الحوْلَ يُصِبْ ليلةَ القَدْر؟ فقال: ﵀ أراد أن لا يتّكل الناس، أَمَا إنه قد علم أنها في رمضان، وأنّها في العشر الأواخر، وأنّها ليلة سبع وعشرين -ثم حلف لا يستثني- أنّها ليلة سبع وعشرين. فقلت: بأيِّ شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ : "أنّها تطلُعُ يومئذ لا شعاع لها". صحيح: رواه مسلم في الصيام (٧٦٢: ٢٢٠) من طريق سفيان بن عيينة، عن عبدة وعاصم بن أبي النجود، سمعا زرّ بن حبيش يقول (فذكره). وعبدة هو ابن أبي لبابة. وفي سنن أبي داود (١٣٧٨) وغيره: "تصبح الشمس صبيحة تلك الليلة مثل الطّست ليس لها شعاع حتى ترتفع". والطّست أي مظلمة لا ضوء لها.

стр. 2899

• عن ابن عباس، قال: أتيت وأنا نائم في رمضان، فقيل لي: إنّ الليلة ليلة القدر، فقمتُ وأنا ناعس، فتعلّقتُ ببعض أطناب فسطاط رسول الله ﷺ ، فأتيتُ رسول الله ﷺ وهو يصلي. فنظرتُ في الليلة فإذا هي ليلة ثلاث وعشرين. قال ابن عباس: إنّ الشيطان يطلع مع الشمس كلّ يوم إلا ليلة القدر، وذلك أنها تطلع يومئذ ولا شعاع لها. حسن: رواه البيهقيّ في "فضائل الأوقات" (١٠٤) من طريق مسدد، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. ورواه الإمام أحمد (٢٣٠٢) عن عفان، حدثنا أبو الأحوص بإسناده إلا أنه لم يذكر علامة ليلة القدر. ورواه أبو داود الطيالسي (٢٧٩٠) عن سلام، عن سماك إلا أنه جعله ليلة أربع وعشرين. وسماك في عكرمة متكلّم فيه. • عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "إني كنتُ أُريتُ ليلة القدر، ثم نسيتُها، وهي في العشر الأواخر من ليلتها، وهي ليلة طلقة بلجة، لا حارة ولا باردة". وزاد الزيادي: "كأنّ فيها قمرًا يفضح كواكبها. وقالا: لا يخرج شيطانُها حتى يضيء فجرها". حسن: رواه ابن خزيمة (٢١٩٠) وعنه ابن حبان (٣٦٨٨) عن محمد بن زياد بن عبيد الله الزيادي، ومحمد بن موسى الحرشي، قالا: حدّثنا الفضيل بن سليمان، حدّثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، فذكره. وإسناده حسن من أجل الفضيل بن سليمان وهو النميري فقد تكلم فيه أكثر أهل العلم إلا أنه يكتب حديثه كما قال أبو حاتم. يعني للاعتبار في الشواهد، وهذا منه، وقد انتقى البخاري ﵀ من حديثه مما توبع عليه. وفي الباب ما رُوي عن عبادة بن الصامت أنه سأل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر، فقال رسول الله ﷺ : "في رمضان، فالتمسوها في العشر الأواخر، فإنها في وتر: في إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو في آخر الليلة. فمن قامها ابتغاءها إيمانا واحتسابًا، ثم وقّفتْ له، غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر" إلا أنه ضعيف. رواه الإمام أحمد (٢٢٧١٣) عن أبي سعيد مولى بني هاشم، قال: حدّثنا سعيد بن سلمة -يعني ابن أبي الحسام-، حدّثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عمر بن عبد الرحمن، عن عبادة بن الصامت، فذكره. وعمر بن عبد الرحمن، ذكره ابن حبان في "الثقات" ولم يوثقه غيره وله ترجمة في "التاريخ

стр. 2900

الكبير"، و"الجرح والتعديل". ولكن لم يذكر فيه البخاري ولا ابن أبي حاتم شيئًا لا جرحًا ولا تعديلًا فهو في عداد المجهولين. ولم يرو عنه غير عبد الله بن محمد بن عقيل. ورواه أيضًا الإمام أحمد (٢٢٧٦٥) عن حيوة بن شريح، حدّثنا بقية، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عبادة بن الصامت، أنّ رسول الله ﷺ قال: "ليلة القدر في العشر البواقي، من قامهن ابتغاء حسبتهن فإن الله يغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وهي ليلة وتر: تسع، أو سبع, أو خامسة، أو ثالثة، أو آخر ليلة". وقال رسول الله ﷺ : "إنّ أمارة ليلة القدر أنها صافية بَلْجة، كأنّ فيها قمرًا ساطعًا ساكنة ساجية، لا برد فيها ولا حرَّ، ولا يحل لكوكب أن يُرمي به فيها حتى يصبح، وإنّ أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية، ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، لا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ". وبقية هو ابن الوليد، وقد صرَّح بالتحديث في أول الإسناد وهو يكفي على رأي الجمهور. وفيه خالد بن معدان لم يسمع من عبادة بن الصامت، قال أبو حاتم كما في المراسيل (١٨٣) وقال أبو نعيم: لم يلق عبادة بن الصّامت. كما في "تهذيب الكمال". وله إسناد آخر وهو ما رواه يعقوب بن سفيان (١/ ٣٨٦)، والبيهقي في "الشعب" (٣٤٢٠) من طريق إسحاق بن سليمان الرازي، قال: سمعت معاوية بن يحيى، عن الزهريّ، عن محمد بن عبادة، عن عبادة بن الصامت به. قال البيهقي: "في هذا الإسناد ضعف". قلت: لعله يقصد به معاوية بن يحيى وهو الصدفي أبو روح الدمشقي. فإنه ضعيف جدًّا. قال يحيى: هالك ليس بشيء. وقال الجوزجاني: ذاهب الحديث. وقال أبو زرعة: ليس بقوي، أحاديثه كلها منكرة ما حدّث بالرّيِّ، والذي حدّث بالشام أحسن حالًا. وضعّفه أيضًا عدد من أهل العلم. وفي الباب أيضًا عن ابن عباس. رواه ابن خزيمة (٢١٩٢) بلفظ: "ليلة طلقة لا حارة ولا باردة، تُصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة". رواه من طريق زمعة، عن سلمة -وهو ابن وهرام-، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. ومن طريقه رواه أيضًا البزار -كشف الأستار (١٠٣٤) - إلا أنه لم يذكر فيه: "تصبح الشمس يومها ... ". قال البزار: سلمة بن وهرام لا نعلم حدث عنه غير ابنه عبيد الله وزمعة، وهو من أهل اليمن لا بأس به، وأحاديثه عن ابن عباس غرائب. ولا نعلم هذا بهذا اللفظ إلّا من حديثه. قلت: وزمعة هو ابن صالح الجنديّ -بفتح الجيم والنون- ضعيف عند جمهور أهل العلم،

стр. 2901

وحديثه عند مسلم مقرون. وشيخه سلمة بن وهرام مختلف فيه فوثقه أبو زرعة، وضعّفه أبو داود، وهو حسن الحديث إذا لم يأت في حديثه ما ينكر عليه. ٤ - باب ما يقال إذا وافق ليلة القدر • عن عائشة، قالت: قلتُ: يا رسول الله، أرأيتَ إن علمتُ ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: "قولي: اللهمّ! إنّك عفوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عنّي". صحيح: رواه الترمذي (٣٥١٣)، وابن ماجه (٣٨٥٠) كلاهما من حديث كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن عائشة، فذكرته. ورواه الإمام أحمد (٢٥٣٨٤)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٨٧٢) (٨٧٣) (٨٧٤)، والحاكم (١/ ٥٣٠)، والبيهقي في "فضائل الأوقات" (١١٣) كلّهم من هذا الطريق. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". وقال الترمذي: "حسن صحيح" وصحّحه النووي في "الأذكار". ولكن قال النسائي: "مرسل". ونقل الدارقطني في "السنن" (٣٥٥٧) في كتاب النكاح عن عبد الله بن بريدة، عن عائشة، قالت: جاءت امرأة تريد رسول الله ﷺ فلم تلقه، فجلستْ تنتظره حتى جاء ... ". وقال: "هذه كلّها مراسيل، ابن بريدة لم يسمع من عائشة". هكذا نقله عنه أيضًا ابن حجر في "تهذيب التهذيب"، وفي "إتحاف المهرة" وجاء في المطبوعة في آخره: "شيئًا". وذكر الدارقطنيّ في "العلل" (٣٨٦٠) حديث الباب وذكر الخلاف الذي وقع في إسناده، ولم يحكم عليه بالإرسال أو الانقطاع. وإنما قال فقط: "الصحيح عن ابن بريدة، عن عائشة". ثم رواه أيضًا سليمان بن بريدة عن عائشة، فذكرت مثله. رواه النسائي في عمل اليوم والليلة (٨٧٧) من وجه آخر عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عنه، وقد رُوي أيضًا عنها موقوفًا من وجه آخر بإسناد صحيح. وبمجموع هذه الأسانيد يحسّن هذا الحديث، وقد سبق أن صحّحه الترمذي، وبناء عليه ردّ الحافظ ابن حجر دعوى عدم سماع عبد الله بن بريدة من عائشة. والله تعالى أعلم ٥ - باب ما جاء في ليلة القدر أنها في العشر الأواخر • عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "أُريتُ ليلة القدر، ثم أيقظني بعضُ أهلي، فنُسِّيتُها، فالتمسوها في العشْر الغوابر".

стр. 2902

صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١٦٦) من طريق ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكره. قوله: "الغوابر" يعني البواقي، وهي الأواخر. • عن ابن عمر، قال: وكان الناس لا يزالون يقصون على النبيّ ﷺ الرؤيا: أنّها في الليلة السابعة من العشر الأواخر، فقال النبيّ ﷺ : "أرى رؤياكم قد تواطت في العشر الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرّها من العشر الأواخر". متفق عليه: رواه البخاري في التهجد (١١٥٨)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٧٨) كلاهما من حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. واللفظ للبخاريّ، فإنه ذكر تحت هذا الإسناد ثلاثة أحاديث، وهذا منها. ولم يذكر مسلمٌ تحت هذا الإسناد إلا حديثًا واحدًا غير هذا، وستأتي في فضائل ابن عمر. • عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ قال: "من كان منكم مُلتمسها، فليلتمسها في العشر الأواخر". صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١٦٥: ٢١٠) عن محمد بن المثني، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن جبلة، قال: سمعت ابن عمر يقول (فذكر الحديث). • عن الفلتان بن عاصم، قال: قال رسول الله ﷺ : "إني رأيت ليلة القدر، ثم أنسيتها، ورأيتُ مسيح الضّلالة، ورأيت رجلين يتلاحيان، فحجزت بينهما، فأنسيتُهما. فأمّا ليلة القدر فاطلبوها في العشر الأواخر. وأما مسيح الضلالة فرجل أجلى الجبهة، ممسوح العين اليسرى، عريض النحر فيه دفأ كأنه فلان بن عبد العزّى، أو عبد العزّي بن فلان". حسن: رواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" -المطالب العالية (١١١٥) -، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن خاله الفلتان بن عاصم، فذكره. ومن طريقه أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٨/ ٣٣٥). وإسناده حسن من أجل عاصم وأبيه فهما صدوقان. والحديث أخرجه أيضًا الطبراني، وأبو القاسم البغوي، وابن السكن، وابن شاهين، وغيرهم من طرق عن عاصم بن كليب، به، نحوه. ذكره الحافظ في "الإصابة" (٣/ ٢٠٩) في ترجمة (الفلتان بن عاصم). • عن جابر بن سمرة، أنّ النبيَّ ﷺ قال: "التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر".

стр. 2903

حسن: رواه الإمام أحمد (٢٠٨٠٩) عن سليمان بن داود، عن شريك، عن سماك، عن جابر ابن سمرة، فذكره. وشريك هو ابن عبد الله القاضي سيء الحفظ إلا أنه توبع. رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٥١٣) عن عمرو بن طلحة، عن أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، بإسناده، مثله. وأسباط بن نصر لا بأس به في المتابعة، وقد قال فيه البخاري: "صدوق". ورواه عبد الله بن أحمد (٢٠٩٣٠)، والبزار -كشف الأستار (١٠٣١) - كلاهما من طريق عبد الرحمن بن شريك، قال: حدثني أبي، عن سماك، بإسناده، مثله. وزاد: "في وتر، فإني قد رأيتها فنُسيتُها، وهي ليلة مطر وريح" أو قال: "قطر وريح". وعبد الرحمن بن شريك أسوأ من أبيه، قال فيه أبو حاتم: واهي الحديث. ومع ذلك ذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٣٧٥) ولكن قال فيه: ربما أخطأ. ورواه الطبراني في "المعجم الصغير" (٢٨٥) من وجه آخر عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: وجدتُ في كتاب أبي بخطّه، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، بإسناده، بلفظ: "التمسوا ليلة القدر، ليلة سبع وعشرين". قال الطبراني: لم يروه عن شعبة إلا محمد بن أبي شيبة. قلت: ووالد أبي بكر بن أبي شيبة هو محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسيّ مولاهم الكوفي "ثقة". فلا يضرّ تفرّده لشهرة هذا الحديث من حديث شعبة كما مضى. • عن معاذ بن جبل، أنّ رسول الله ﷺ سئل عن ليلة القدر، فقال: "هي في العشر الأواخر، أو في الخامسة، أو في الثالثة". حسن: رواه أحمد (٢٢٠٤٣)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٩٢) من حديث بقية بن الوليد، حدثني بَحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن أبي بحرية، عن معاذ بن جبل، فذكره. وإسناده حسن من أجل بقية بن الوليد فإنه صدوق إذا صرَّح، وإلا فهو كثير التدليس عن الضعفاء. وقد صرَّح في رواية أحمد، وقد اشترط بعض أهل العلم التصريح في جميع طبقات السند، والجمهور على أنه يقبل إذا صرّح في طبقة شيوخه. وأبو بحرية اسمه عبد الله بن قيس الكندي الحمصي، ثقة، وهو مشهور بكنيته. وفي الباب ما رُوي عن ابن عباس، أنّ النبيّ ﷺ أقبل إليهم مسرعًا، قال: حتى أفزعنا من سرعته، فلما انتهى إلينا، قال: "جئتُ مسرعًا أخبركم بليلة القدر فأْنسيتُها بيني وبينكم، ولكن التمسوها في العشر الأواخر من رمضان". رواه الإمام أحمد (٢٣٥٢)، والطبراني في الكبير (١٢٦٢١) كلاهما من طريق قابوس بن أبي

стр. 2904

ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره. وقابوس مختلف فيه، وأكثر أهل العلم على أنه ضعيف، حتى قال ابن حبان: "ينفرد عن أبيه بما لا أصل له". قلت: ليس كما قال، فإنّ هذا الحديث له شواهد كثيرة كما مضى إلا قوله: "فأنسيتُها بيني وبينكم". وأما أبو ظبيان فهو حصين بن جندب الجنبي الكوفي من رجال الجماعة. ٦ - باب تحرّي ليلة القدر في أوتار العشر الأواخر • عن عائشة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "تحرّوا ليلة القدر في الوِتْر من العشر الأواخر من رمضان". متفق عليه: رواه البخاري في فضل ليلة القدر (٢٠١٧) من طريق أبي سُهيل، عن أبيه، عن عائشة. وأبو سهيل هو نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ. ورواه أيضًا (٢٠٢٠) هو ومسلم في الصيام (١١٦٩) كلاهما من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يجاورُ في العشر الأواخر من رمضان ويقول: "تحرَّوا ليلة القدْر في العشر الأواخر من رمضان" واللفظ للبخاري. • عن أبي سعيد الخدريّ أنه قال: كان رسولُ الله ﷺ يعتكفُ العشْر الوسط من رمضان، فاعتكف عامًا، حتى إذا كان ليلةَ إحدى وعشرين. وهي التي يخرجُ فيها من صُبحها من اعتكافه. قال: "من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر. وقد رأيت هذه الليلة، ثم أُنْسيتُها. وقد رأيتُني أسجدُ من صبحها في ماء وطين. فالتَمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كلِّ وِتْر". قال أبو سعيد: فأُمطرت السماءُ تلك الليلة، وكان المسجدُ على عريشٍ، فوكف المسجدُ. قال أبو سعيد: فأبصرت عينايَ رسولَ الله ﷺ انصرف وعلى جبهته وأنفه أثرُ الماء والطين: من صبح ليلة إحدى وعشرين. متفق عليه: رواه مالك في الاعتكاف (٩) عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم ابن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد، فذكره. ورواه البخاري في الاعتكاف (٢٠٢٧) عن مالك. وروياه -البخاري (٨١٣)، ومسلم (١١٦٧: ٢١٦) - كلاهما من حديث يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد، فذكره. • عن ابن عمر، قال: رأى رجلٌ أنّ ليلة القدر ليلة سبع وعشرين. فقال النبيُّ

стр. 2905

- ﷺ : "أرى رؤياكم في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر منها". متفق عليه: رواه مسلم في الصيام (١١٦٥: ٢٠٧) من طرق عن سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، فذكره. ورواه البخاريّ في التعبير (٦٩٩١) من طريق عُقيل، عن ابن شهاب، بلفظ: أنّ ناسًا أُروا ليلة القدر في السبع الأواخر، وأنّ أناسًا أُروا أنها في العشر الأواخر، فقال النبيّ ﷺ : "التمسوها في السّبع الأواخر" ولم يذكر فيه "الوتر". • عن أبي بكرة، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "التمسوها في تسع بقين، أو سبع بقين، أو خمس بقين، أو في ثلاث أواخر ليلة". حسن: رواه الترمذي (٧٩٤) عن حُميد بن مسعدة، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا عيينة بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبي، قال: ذُكرتْ ليلة القدر عند أبي بكرة، قال: ما أنا ملتمسها لشيء سمعتُه من رسول الله ﷺ إلّا في العشر الأواخر، فإني سمعته يقول (فذكر الحديث). وإسناده حسن. وقد رواه الإمام أحمد (٢٠٣٧٦)، وأبو داود الطيالسي (٩٢٢)، وصحّحه ابن خزيمة (٢١٧٥)، وعنه ابن حبان (٣٦٨٦)، والحاكم (١/ ٤٣٨) كلهم من وجه آخر عن عيينة بن عبد الرحمن بإسناده، نحوه. وزاد بعضهم في آخر الحديث: "فكان لا يصلي في العشرين إلا كصلاته في سائر السنة، فإذا دخل العشر اجتهد". قال الترمذي: حسن صحيح. قلت: فيه عيينة بن عبد الرحمن وهو ابن جوشن الغطفاني "صدوق" كما في "التقريب"، وثقه النسائي، وقال أحمد: ليس به بأس. وأبوه عبد الرحمن بن جوشن الغطفاني أحسن حالًا منه، وثّقه أبو زرعة وابن سعد والعجلي وابن حبان. وقال أحمد: "ليس بالمشهور". قلت: لأنه لم يذكر من الرواة عنه غير ابنه عيينة. وله أحاديث كثيرة يرويها عن أبي بكرة وغيره، فسبر أهل العلم هذه الأحاديث فلم يجدوا فيها ما ينكر عليه فوثقوه. • عن عبد الله بن مسعود، قال: سئل النبيّ ﷺ عن ليلة القدر، فقال: "كنتُ أُعلمتُها، ثم انفلتَتْ مني، فاطلبوها في سبع يبقين، أو ثلاث يبقين". حسن: رواه البزار -كشف الأستار (١٠٢٨) - عن يوسف بن موسي، ثنا عبد الله بن الجهم، ثنا عمرو بن أبي قيس، عن الزبير بن عدي، عن أبي وائل، عن عبد الله، فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد الله بن الجهم الرازي فإنه حسن الحديث. قال أبو زرعة: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات" إلا أن أبا حاتم لم يكتب عنه، وقد رآه وكان يتشيع. وبقية رجاله ثقات. • عن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر

стр. 2906

من رمضان". وزاد البزار: "وترًا". حسن: رواه أبو يعلي (١٦٥)، والبزار -كشف الأستار (١٠٢٧) - كلاهما من حديث عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم بن كليب فإنه حسن الحديث. ومن طريقه رواه أيضًا البيهقي (٤/ ٣١٣). وفي الباب عن مرثد قال: سألت أبا ذر قلتُ: كنتَ سألتَ رسول الله ﷺ عن ليلة القدر؟ قال: أنا كنتُ أسأل الناس عنها! قال: قلتُ: يا رسول الله، أخبرني عن ليلة القدر أفي رمضان هي، أو في غيره؟ قال: "بل هي في رمضان". قال: قلت: تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبضوا رفعت، أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: "بل هي إلى يوم القيامة". قال: قلت: في أيِّ رمضان هي؟ قال: "التمسوها في العشر الأوّل، والعشر الأواخر". ثم حدَّث رسول الله ﷺ وحدث ثم اهتبلت غفلته، قلتُ: في أيِّ العشرين هي؟ قال: "ابتغوها في العشر الأواخر لا تسألني عن شيء بعدها". ثم حدّث رسول الله ﷺ وحدّث، ثم اهتبلْتُ غفلته، فقلتُ: يا رسول الله، أقسمتُ عليك بحقّي عليك لما أخبرتني في أيِّ العشر هي؟ قال: فغضب عليَّ غضبًا لم يغضبْ مثله منذ صحبتُه أو صاحبته (كلمة نحوها) قال: "التمسُوها في السبع الأواخر لا تسألني عن شيء بعدها". رواه الإمام أحمد (٢١٤٩٩)، والبزار في مسنده (٤٠٦٨)، وابن خزيمة (٢١٧٠)، والحاكم (١/ ٤٣٧، ٢/ ٥٣٠ - ٥٣١)، والبيهقي (٤/ ٣٠٧) كلّهم من طريق عكرمة بن عمار، حدثني أبو زُميل سماك الحنفيّ، حدثني مالك بن مرثد بن عبد الله الزماني، حدثني أبي مرثد، قال (فذكره). قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". قلت: مالك بن مرثد وأبوه مرثد ليسا من رجال مسلم، وإنما أخرج لهما البخاري في "الأدب المفرد" إلا أن مالك بن مرثد بن عبد الله ثقة. وأما أبوه فقال الذهبي في "الميزان" (٤/ ٨٧): "فيه جهالة. ذكره العقيلي وقال: لا يتابع على حديثه. هكذا وجدتُ بخطّي، فلا أدري من أين نقلته إلا أنه ليس بمعروف، وقد أفرده شيخنا أبو الحجاج عن مرثد بن عبد الله اليزني، ما روى عنه سوى ولده مالك. فأما اليزني فيكنى أبا الخير من كبار التابعين بمصر". وأما توثيق العجلي، وابن حبان له، فذلك من تساهلهما المعروف. ولا سيما وأن في متنه بعض النكارة لمخالفته المعروف من هدي النبيّ ﷺ . وفيه علة أخرى، وهي الاضطراب في الإسناد، فقد رواه الأوزاعي، عن مالك بن مرثد، عن أبيه. هكذا رواه ابن حبان - كما في "الموارد" (٩٢٦) عن ابن سلم، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، بإسناده.

стр. 2907

وفي صحيح ابن حبان المطبوع (٣٦٨٣) بنفس هذا الإسناد عن الأوزاعي، قال: حدثني مرثد ابن أبي مرثد، عن أبيه، بدون ذكر "مالك". ورواه ابن خزيمة (٢١٦٩) عن محمد بن رافع، حدثنا أبو عاصم، عن الأوزاعي، عن مرثد أو أبي مرثد -شك أبو عاصم-، عن أبيه، قال (فذكر الحديث). وأبو عاصم هو الضحّاك بن مخلد لم يحفظ اسم الراوي تبعًا لشيخه الأوزاعي فإنه تردّد بين مرثد أو أبي مرثد، والصواب أنه ابن مرثد وهو مالك بن مرثد. فيكون الأوزاعي قد تابع سماكًا الحنفي كلاهما يرويان عن مالك بن مرثد، عن أبيه. ٧ - باب ما جاء في ليلة القدر أنها كانت ليلة إحدى وعشرين • عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه ورجع من كان يجاور معه وأنه أقام في شهر جاور فيه الليلة التي كان يرجع فيها فخطب الناس فأمرهم ما شاء الله ثم قال: "كنت أجاور هذه العشر, ثم قد بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه. وقد أُريت هذه الليلة ثم أُنسيتُها فابتغوها في العشر الأواخر، وابتغوها في كلِّ وتر، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين". فاستهلت السماء في تلك الليلة فأمطرت فوكف المسجد في مصلى النبي ﷺ ليلة إحدى وعشرين فبصرت عيني رسول الله ﷺ ونظرت إليه انصرف من الصّبح ووجهه ممتلئٌ طينًا وماء. متفق عليه: رواه البخاريّ في فضل ليلة القدر (٢٠١٨)، ومسلم في الصيام (١١٦٧: ٢١٤) كلاهما من طريق يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. واللفظ للبخاري. ٨ - باب ما جاء في ليلة القدر أنها كانت في ثلاث وعشرين • عن عبد الله بن أُنيس، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "أُريتُ ليلة القدر ثم أُنسيتُها، وأراني صُبْحَها أسجُدُ في ماء وطين". قال: فمطرنا ليلة ثلاثٍ وعشرين، فصلّي بنا رسولُ الله ﷺ ، فانصرف وإنَّ أثر الماءِ والطِّين على جبهته وأنفه. قال: وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاثٍ وعشرين. صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١٦٨) من طريق أبي ضمرة، عن أبي النّضر مولي ابن

стр. 2908

عبيد الله، عن بُسر بن سعيد، عن عبد الله بن أُنيس، فذكره. وأبو ضمرة هو أنس بن عياض الليثيّ. • عن ابن عباس، قال: أُتيتُ وأنا نائم في رمضان، فقيل لي: إنّ الليلة ليلة القدر. قال: فقمتُ وأنا ناعس، فتعلقتُ ببعض أطناب فسطاط رسول الله ﷺ ، فأتيتُ رسول الله ﷺ فإذا هو يصلي. قال: فنظرتُ في تلك الليلة، فإذا هي ليلة ثلاث وعشرين. حسن: رواه الإمام أحمد (٢٣٠٢، ٢٥٤٧)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٩٢ - ٢٩٣) كلاهما من حديث أبي الأحوص، قال: أخبرنا سماك، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس (فذكره). وإسناده حسن من أجل سماك وهو ابن حرب بن أوس الذهلي مختلف فيه غير أنه حسن الحديث في غير روايته عن عكرمة، فإنه اضطرب فيه. هذا هو المعتمد في روايته عن عكرمة إلّا إذا وُجد ما يعضّده فيحسّن حديثه. وقوله: فإذا هي ليلة ثلاث وعشرين" له شاهد صحيح لحديث عبد الله بن أنيس، فيغلب على الظّن أنه لم يضطرب في هذا. وقد جاء عن ابن عباس أنه كان يوقظ أهله ليلة ثلاث وعشرين. وابن عباس له أحاديث في ليلة القدر، ولا يعارض بعضه بعضًا؛ فلعله كان يحدّث مرة بهذا، وأخرى بهذا. وذلك كشأن الأحاديث الأخرى في ليلة القدر من الصحابة الآخرين. ٩ - باب ما جاء في ليلة القدر أنها في إحدى وعشرين وثلاث وعشرين وخمس وعشرين • عن عبد الله أنّ النبيَّ ﷺ قال: "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى". وفي رواية: "هي في العشر الأواخر، في تسع يمضين، أو في سبع يَبْقين". صحيح: رواه البخاريّ في فضل ليلة القدر (٢٠٢١) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا وُهيب، حدّثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس. والرواية الثانية (٢٠٢٢) عن عبد الله بن أبي الأسود، حدّثنا عبد الواحد (هو ابن زياد)، حدّثنا عاصم (هو ابن سليمان الأحول)، عن أبي مِجْلَز وعكرمة، قالا: قال ابن عباس، فذكره. • عن عُبادة بن الصّامت، قال: خرج النبيُّ ﷺ ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحي رجلان من المسلمين، فقال: "إني خرجتُ لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان،

стр. 2909

فرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في السبع والتسع والخمس". صحيح: رواه البخاري في الإيمان (٤٩)، وفي المواضع الأخرى (٢٠٢٣، ٦٠٤٩) من طرق عن حميد، عن أنس، عن عبادة بن الصامت، فذكره. ورواه أبو داود الطيالسي (٥٧٧) عن حماد، عن ثابت وحميد، عن أنس، عن عبادة بن الصامت، أنّ رسول الله ﷺ خرج ... فقال: "فاختلجت مني فاطلبوها في العشر الأواخر في سابعة تبقى، أو تاسعة تبقى، أو خامسة تبقى". قوله: "فتلاحى فلان وفلان" من الملاحاة، وهي المشاجرة، ورفع الأصوات والمراجعة بالقول الذي لا يصلح على حال الغضب، وذلك شؤم. • عن أنس، أنّ النبيَّ ﷺ خرج علينا في رمضان، فقال: "إنّي أُريتُ هذه الليلة في رمضان حتى تلاحي رجلان، فرُفعتْ، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة". صحيح: رواه مالك في الاعتكاف (١٣) عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، فذكره. ولم يخرج البخاري حديث مالك، وإنما أخرجه من طريق أخرى عن حميد، عن أنس، عن عبادة بن الصامت. فجعله من مسند عبادة. فقول أنس: "خرج علينا في رمضان ... " هل كان أنس بن مالك ممن خرج عليه رسول الله ﷺ وسمع منه الحديث المذكور؟ قال ابن عبد البر: "هكذا روي مالك هذا الحديث لا خلاف عنه في إسناده ومتنه، وفيه عن أنس: خرج علينا رسول الله". ثم قال: "وإنما الحديث لأنس عن عبادة بن الصامت" فذكره. فالظاهر من كلامه أنه يجعل الحديث من مسند عبادة بن الصامت. فلعلّ أنسًا كان يروي هذا الحديث على وجهين، فمرة عن عبادة بن الصامت، وأخرى بدون ذكره. وهو أمر كان جائزًا عند صغار الصحابة مثل: أنس وابن عباس وغيرهما، وبهذا الجمع لا يلزم تخطئة مالك فإنه رواه كما سمع. ولذلك كان يروي أحيانًا بدون أن يقول: "خرج علينا رسول الله ﷺ ". رواه الإمام أحمد (١٣٤٥٢)، والبزار -كشف الأستار (١٠٢٩) - كلاهما من حديث عبد الوهاب بن عطاء، ثنا سعيد أنه سئل عن ليلة القدر، فحدّثنا عن قتادة، عن أنس، عن النبيّ ﷺ : "التمسوها في العشر الأواخر في التاسعة والسابعة والخامسة". وسعيد هو ابن أبي عروبة كان أثبت الناس في قتادة إلا أنه اختلط، وبقي في اختلاطه خمس سنوات ولا يحتج إلا بما روى عنه القدماء مثل يزيد بن زريع وابن المبارك، ويعتبر برواية

стр. 2910

المتأخرين عنه دون الاحتجاج بها. وعبد الوهاب بن عطاء المعروف بالخفاف ممن سمع منه قبل الاختلاط، وهو القائل: إنّ سعيدًا خولط سنة (١٤٨)، وعاش بعدما خولط تسع سنين. وعبد الوهاب حسن الحديث. وقوله: "فرُفعت" أي رفع علم تلك الليلة بعد أن علم النبيّ ﷺ وأراد أن يخبر بها أصحابه، ولذلك قال: "فالتمسوها في كذا وكذا". ولا يصح من قال: "رفعت ليلة القدر إلى الأبد ولا تعود". • عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، والتمسوها في التاسعة، والسابعة والخامسة"، قال: قلت: يا أبا سعيد، إنّكم أعلم بالعدد منا. قال: أجل، نحن أحقّ بذلك منكم. قال: قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟ قال: إذا مضتْ واحدة وعشرون فالتي تليها التاسعة. فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، فإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة. صحيح: رواه مسلم (١١٦٧: ٢١٧) عن محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الأعلى، حدّثنا سعيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكره. ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود (١٣٨٣) واللفظ له، وأما لفظ مسلم ففي أوله ذكر الاعتكاف. انظره في موضعه. ١٠ - باب إنّها في ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين • عن عبد الله بن مسعود، قال: سئل النّبيّ ﷺ عن ليلة القدر، فقال: "كنتُ أُعلمتها، ثم انفلتت مني، فاطلبوها في سبع يبقين، أو ثلاث يبقين". حسن: رواه البزار -كشف الأستار (١٠٢٨) - عن عبد الله بن يوسف، ثنا عبد الله بن الجهم، ثنا عمرو بن أبي قيس، عن الزبير بن عدي، عن أبي وائل، عن عبد الله، فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد الله بن الجهم، وشيخه عمرو بن أبي قيس، فهما صدوقان. وذكره الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٧٦) وقال: "رجاله ثقات". ١١ - باب تحري ليلة القدر في السّبع الأواخر • عن ابن عمر، أنّ رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ أُرُوا ليلة القدر في المنام في السّبع الأواخر. فقال رسول الله ﷺ : "إنّي أرى رُؤياكم قد تواطأتْ في السّبع
следующие страницы →