Полный текст (8 687 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
٣٢ - باب ما جاء من قول اللَّه تعالى في الحديث القدسي: "إن أتاني يمشي أتيتُه هرولةً ".
• وعن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ يقول: "يقول اللَّه تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرتُه في ملأ خير منه، وإن تقرَّب إليَّ بشبر تقرّبتُ إليه ذراعًا، وإن تقرَّب إليَّ ذراعًا تقرّبتُ إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيتُه هرولةً".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٠٥)، ومسلم في الذكر والدّعاء (٢٦٧٥) كلاهما من حديث الأعمش، سمعت أبا صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه مسلم عن محمد بن رافع، حدّثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن رسول اللَّه ﷺ ، فذكر أحاديث منها، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه قال: إذا تلقاني عبدي بشبر تلقيتُه بذراع، وإذا تلقاني بذراع تلقيته بباع، وإذا تلقاني بباع جئتُه أتيته بأسرع".
قال الذّهبيّ في "العلو" (١/ ٤٧٤) بعد ذكر الحديث: "هذا حديث صحيح، وفيه تفريق بين كلام النّفس، والكلام المسموع، فهو تعالى متكلم بهذا، وبهذا، وهو الذي كلّم موسى تكليمًا، وناداه من جانب الطّور، وقرَّبه نجيًّا".
• عن أنس، عن النبيّ ﷺ يرويه عن ربّه قال: "إذا تقرَّب العبد إليَّ شبرًا، تقرّبتُ إليه ذراعًا، وإذا تقرَّب إليَّ ذراعًا تقرّبتُ منه باعًا، وإذا أتاني مشيًا أتيتُه هرولةً".
صحيح: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٥٣٦)، عن محمد بن عبد الرحيم، حدّثنا أبو زيد سعيد ابن الرَّبيع الهرويّ، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، فذكره.
ورواه أيضًا في التوحيد (٧٥٣٧) من وجه آخر عن سليمان التيميّ، عن أنس بن مالك، عن أبي هريرة، قال: ربما ذكر النبيَّ ﷺ قال: "إذا تقرّب العبد مني شبرًا، تقرّبتُ منه ذراعًا، وإذا تقرَّب مني ذراعًا تقرّبتُ منه باعًا أو بوعًا".
٣٣ - باب ما جاء في الضّحك
• عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "يضحكُ اللَّه إلى رجلين يقتل أحدُهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة، يقاتلُ هذا في سبيل اللَّه فيُقتل، ثم يتوب اللَّه على القاتل، فيقاتل فيُستشهد".
وفي لفظ: "ضحك ربُّنا من رجلين، قتل أحدهما صاحبه، وكلاهما في الجنة".
стр. 317
متفق عليه: رواه مالك في الجهاد (٢٨) عن أبي الزّناد، عن الأعرج عن أبي هريرة. . . فذكره.
ورواه البخاريّ في الجهاد (٢٨٢٦) عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك، بإسناده.
ورواه مسلم في الإمارة (١٨٩٠) من وجه آخر عن سفيان، عن أبي الزّناد، بإسناده مثله. ورواه أيضًا من وجه آخر عن همَّام بن منبّه، وهو في صحيفته (١١١).
والرّواية الثانية أخرجها ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٤٥٦)، وابن حبان في صحيحه (٤٦٦٦) كلاهما من حديث مؤمّل بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكر مثله.
ومؤمّل بن إسماعيل سيء الحفظ إِلَّا أنه توبع.
ورُوي مثله عن أنس بن مالك، رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٤٦٠) من طريق بشر بن الحسين أبي محمد الأصبهانيّ، قال: حدثنا الزبير بن عديّ، عن أنس، فذكر الحديث مثله.
وبشر هذا ضعيف جدًّا، بل قال الدّارقطني: متروك، وقال أبو حاتم: يكذب على الزّبير. ترجمه الذّهبي في الميزان (١/ ٣١٥).
• عن أبي هريرة، أنّ الناس قالوا للنبيّ ﷺ : هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ . وجاء فيه: "فيقول الرّب: ألست أعطيت العهود والمواثيق أن لا تسأل غير الذي أُعطيتَ؟ فيقول: يا ربّ لا تجعلني أشقى خلقك، فلا يزال يدعو اللَّه حتى يضحك اللَّه ﵎ منه، فإذا ضحك اللَّه منه قال: أدخُل الجنّة. . . " فذكر الحديث.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٨٠٦)، ومسلم في الإيمان (١٨٢) كلاهما من حديث أبي اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وعطاء بن يزيد الليثيّ، أنّ أبا هريرة، أخبرهما، فذكر الحديث بطوله، وهو مخرج في حديث الصّراط.
• عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّ آخر من يدخل الجنة رجلٌ يمشي مرة، ويكبو مرة، تسْعفُه النار مرة" فذكر الحديث بطوله. وقال في آخر الحديث: "فيقول اللَّه تعالى: يا ابن آدم ما يَصْريني منك؟ أيُرضيك أن أُعطيك الدّنيا ومثلها معها؟ قال: يا ربّ أتستهزئُ مني وأنت ربّ العالمين" فضحك ابن مسعود، فقال: ألا تسألوني ممّ أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: مم تضحك يا رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: "من ضحك ربّ العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت ربّ العالمين؟ فيقول: إنّي لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٨٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان بن مسلم،
стр. 318
حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت، عن أنس، عن ابن مسعود، فذكره.
وقوله: "ما يصربني منك" معناه يقطع مسئلتك مني، والصّري هو القطع.
• عن جابر، عن النبيّ ﷺ في قصة الورود، قال: "نحن يوم القيامة على كذا وكذا -انظر، أي: ذلك فوق الناس- قال: فتُدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد، الأوّل فالأوّل، ثم يأتينا ربُّنا بعد ذلك، فيقول: من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربَّنا. فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: حتى ننظر إليك، فيتجلّى لهم يضحك".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٩١) من طرق عن روح بن عبادة القيسيّ، حدثنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يسأل عن الورود، فذكر مثله في حديث طويل مخرج بكامله في حديث الصّراط.
وقوله: "كذا وكذا - انظر" هذا كله تحريف وقع في المتن.
قال النوويّ ﵀ في شرح مسلم: "هكذا وقع هذا اللّفظ في جميع الأصول من صحيح مسلم. واتفق المتقدمون والمتأخرون على أنّه تصحيف وتغير واختلاط في اللفظ. قال الحافظ عبد الحق في كتابه "الجمع بين الصحيحين" هذا الذي وقع في كتاب مسلم تخليط من أحد النّاسخين أو كيف كان. وقال القاضي عياض: هذه صورة الحديث. وفي كتاب ابن أبي خيثمة من طريق كعب بن مالك: "يحشر الناس يوم القيامة على تل، وأمتي على تل". وذكر الطبريّ في التفسير من حديث ابن عمر: "فيرقى هو -يعني محمدًا- وأمته على كوم فوق الناس". وذكر من حديث كعب بن مالك: "يحشر الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل". قال القاضيّ: فهذا كلّه بين ما تغيّر من الحديث، وأنّه كان أظلم هذا الحرف على الرّاوي، أو امحي فعبّر عنه: "بكذا وكذا"، وفسّره بقوله: أي "فوق الناس" وكتب عليه: "انظر" تنبيهًا، فجمع النقلةُ الكلَّ ونسقوه على أنّه من متن الحديث كما تراه".
• عن إبراهيم بن سعد، أخبرني أَبي، قال: كنتُ جالسًا إلى جَنْب حُمَيد بن عبد الرحمن في المسجد، فمرَّ شيخ جميلٌ من بني غِفارٍ وفي أُذُنيهِ صَمَم -أو قال: وَقْرٌ- أَرسَل إليه حُمَيدٌ، فلما أَقْبَلَ قال: يا ابنَ أخيّ، أَوسِعْ له فيما بيني وبينِك، فإنه قد صَحِبَ رسول اللَّه ﷺ . فجاء حتى جلس فيما بيني وبينَه، فقال له حميدٌ: حدِّثني بالحديث الذي حدَّثتني عن رسول اللَّه ﷺ . فقال الشيخ: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ اللَّه يُنْشِئُ السِّحابَ، فيَنطِقُ أَحسنَ المَنطِقِ، ويضحكُ أَحسنَ الضَّحِكِ".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٣٦٨٦) والآجري في الشريعة (٦٤٨) والبيهقي في الأسماء
стр. 319
والصفات (٩٨٨) كلهم من طرق عن إبراهيم بن سعد بإسناده.
وأبو إبراهيم هو سعد بن إبراهيم بن سعد الزهري أبو إسحاق من رجال البخارى، ومن طريقه أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧١٨) بدون القصة.
وشيخ جميل من بني غفار صحابي كما نص عليه حُميد بن عبد الرحمن، ولا يضر الجهل باسمه.
وأما كونه أبا هريرة في بعض الروايات فهي ضعيفة. أخرجها العقيلي في الضعفاء (١/ ٣٥) في ترجمة أمية بن سعيد الأموي، وقال: هو مجهول في حديثه وهم، ولعله أتى من عمرو بن الحصين، ثم أسنده عن إبراهيم بن محمد قال: حدثنا عمرو بن الحصين العقيليّ، قال: حدثنا أمية ابن سعيد الأموي قال: أخبرنا صفوان بن سُليم عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ينشئ اللَّه السحاب ثم ينزل فيها الماء، فلا شيء أحسن من ضحكهـ، ولا شيء أحسن من منطقه، وضحكه البرق، ومنطقه الرعد".
وفيه مع جهالة أمية بن سعيد الأموي فإن شيخه عمرو بن الحصين وهو العُقيلي البصري من رواة ابن ماجه قال فيه الدارقطني: متروك، وقال ابن عدي: "حدّث عن غير الثقات بغير ما حديث منكر وهو مظلم الحديث".
قلت: "ضحكه البرق، منطقه الرعد" من مناكيره.
• عن نعيم بن همَّار أنّ رجلًا سأل النبيَّ ﷺ : أيُّ الشّهداء أفضل؟ قال: "الذين إن يُلْقَوا في الصّف لا يلفتون وجوهَهُم حتى يُقْتَلوا، أو يَتَلَبَّطُون، في الغرف العُلى من الجنّة، ويضحك إليهم ربُّك، وإذا ضحك ربُّك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٢٤٧٦)، وأبو يعلى (٦٨٥٥)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٢٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩٨٦)، والآجريّ في الشريعة (٦٥٠) كلّهم من طرق عن إسماعيل بن عياش، عن بحير بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن نعيم بن همّار، فذكره.
وإسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن الشاميين من أهل بلده، وهذا منها فإنّ بحير -بفتح الباء وكسر المهملة- ابن سعيد هو أبو خالد حمصيّ، ولكن قال البخاريّ في التاريخ الكبير (٨/ ٩٥) بعد أن روى من هذا الطريق: "وقال محمد بن المثنى، عن عبد الوهّاب، نا برد -وهو ابن سنان- عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن كثير بن مرة، عن قيس الجذاميّ، عن نعيم بن همّار الغطَفانيّ (فذكر الحديث) ".
فأدخل بين كثير بن مرة، وبين نعيم بن همّار "قيس الجذاميّ". وقد أثبت البخاريّ سماع كثير ابن مرة من نعيم بن همّار وهو ممن سمع من النبيّ ﷺ ، فيكون كثير بن مرة روى هذا الحديث من وجهين كلاهما صحيحان.
стр. 320
• عن أبي رزين قال: قال النبيّ ﷺ : "ضحِك ربُّنا من قنوط عباده، وقرب غِيَرِه". فقال أبو رزين: أو يضحك الرّب ؟ قال: "نعم". فقال: لن نعدم من ربٍّ يضحكُ خيرًا". .
حسن: رواه الإمام أحمد (١٦١٨٧)، وأبو داود الطيالسيّ (١٠٩٢)، والآجريّ في الشريعة (٦٣٨، ٦٣٩)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٥٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩٨٧) كلهم من طرق عن حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمّه أبي رزين، فذكره.
وحسّن إسناده شيخ الإسلام ابن تيميّة في "العقيدة الواسطية" (ص ١٠٩ - بشرح الشيخ الفوزان).
قلت: إسناده حسن من أجل وكيع بن حُدس وهو "مقبول" أي حيث يتابع، وقد تُوبع على اللّفظ، وأبو رزين هو لقيط بن صبرة، وقيل: ابن عامر - العقيليّ، وسيأتي حديثه كاملًا في باب رؤية المؤمنين ربَّهم يوم القيامة.
وروي مثل هذا عن عائشة. رواه ابن خزيمة في التوحيد (٤٦١) من طريق سلم بن سالم البلخي، عن خارجة بن مصعب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عائشة، فذكرت مثله.
وسلم بن سالم البلخيّ وشيخه خارجة بن مصعب ضعيفان.
قوله: "من قنوط عباده" قال السّنديّ: القنوط هو اليأس، ولعلّ المراد هنا الحاجة والفقر، أي يرضى عليهم، ويقبل عليهم بالإحسان إذا نظر إلى فقرهم وفاقتهم وذُلّهم، وإلّا فالقنوط من رحمة اللَّه تعالى بوجب الغضب لا الرّضا، قال تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [سورة الزمر: ٥٣].
وقوله: "وقرب غِيَره" بكسر المعجمة، وفتح الياء، بمعني تغير الحال، وهو اسم من قولك: غيَّرت الشيء فتغيّر، وضميره لجنس العبد، والمراد تغير حاله من القوة إلى الضّعف، من الحياة إلى الموت. وهذه الأحوال مما تجلب الرحمة لا محالة من الشاهد، فكيف لا يكون أسبابًا عادية لجلبها من أرحم الراحمين.
وقوله: "لن نعدم" من عدمه -لعلمه- إذا فقده، يريد أنّ الرّب تعالى إذا كان من صفاته الضّحك فلا تفقد خيره، بل كلما احتجنا إلى خيره وجدناه، فإنا إذا أظهرنا الفاقة لديه يضحك فيعطي.
• عن علي بن ربيعة قال: أردفني عليٌّ رضوان اللَّه عليه خلفه، ثم خرج إلى ظهر الكوفة، ثم رفع رأسه إلى السماء، فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ٨٧] فاغفر لي. قال: ثم التفت إليَّ فضحك، فقال: ألا تسألني ممّ ضحكتُ؟ قال: قلتُ: مم ضحكتَ يا أمير المؤمنين؟ قال: أردفني رسولُ اللَّه ﷺ خلفه، ثم خرج بي إلى حرّة المدينة، ثم رفع رأسه إلى السماء، فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فاغفر لي" ثم التفتَ
стр. 321
إليَّ فضحك. فقال: "ألا تسألني ممّ ضحكتُ؟ ". قال: قلتُ: مم ضحكتّ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "ضحكتُ من ضَحِك ربّي وتعجُّبه من عبده؛ أنه يعلمُ أنّه لا يغفر الذّنوب غيره".
حسن: رواه ابن خزيمة في التوحيد (٤٦٥)، والآجري في الشريعة (٦٤)، والطبراني في الدّعاء (٧٧٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩٨٠) كلّهم من طرق عن إسماعيل بن عبد الملك، عن علي بن ربيعة، قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في إسماعيل بن عبد الملك وهو ابن أبي الصُّفير -بالمهملة والفاء- تكلّم فيه أبو حاتم، وأبو داود، والنسائي، ومشّاه البخاريّ وابن معين وابن عدي وغيرهم.
ثم هو لم ينفرد به، فقد تابعه المنهال بن عمرو، ومن طريقه أخرجه الحاكم (٢/ ٩٨) نحوه، وقال: صحيح على شرط مسلم.
قلت: المنهال بن عمرو هو الأسديّ مولاهم الكوفي، من رجال البخاريّ، كما رمز له الحافظ في التقريب ولم يرمز لمسلم.
ومن متابعاته أيضًا ما رواه أبو إسحاق السبيعي، ومن طريقه أخرجه أبو داود (٢٦٠٢)، والترمذي (٣٤٤٦)، والإمام أحمد (٧٥٣)، والآجري في الشريعة (٦٤٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩٨١)، وصحّحه ابن حبان (٢٦٩٧)، والحاكم (٢/ ٩٩) كلهم من طرق عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة، فذكر نحوه. قال الترمذيّ: "حسن صحيح".
قلت: أبو إسحاق مدلس، وقد دلّس في هذا الإسناد كما بين ذلك الدّارقطني في "علله" (٤/ ٦١) قائلًا: "أبو إسحاق لم يسمع هذا الحديث من علي بن ربيعة، بين ذلك ما رواه عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، قال: قلت لأبي إسحاق: سمعته من علي بن ربيعة؟ فقال: حدثني يونس بن خباب، عن رجل، عنه. وروى هذا الحديث شعيب بن صفوان، عن يونس بن خباب، عن شقيق ابن عقبة الأسدي، عن علي بن ربيعة. ورواه المنهال بن عمرو وإسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغير، عن علي بن ربيعة. فهو من رواية أبي إسحاق مرسلًا، وأحسنها إسنادًا حديث المنهال بن عمرو، عن علي بن ربيعة" انتهى قول الدارقطنيّ.
قال الآجريّ بعد سرده أحاديث الضحك: "هذه السن كلّها نؤمن بها، ولا نقول فيها كيف، والذين نقلوا هذه السنن هم الذين نقلوا إلى السن في الطهارة وفي الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وسائر الأحكام من الحلال والحرام، فقبلها العلماء منهم أحسن قبول. ولا يَرُدُّ هذه السنن إلا من يذهب فذهب المعتزلة، فمن عارض فيها أو ردّها أو قال: كيف؟ فاتهموه واحذروه". "الشّريعة" (٣/ ١٠٦٨).
стр. 322
٣٤ - باب ما جاء في إثبات العجب للَّه تعالى
• وعن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "عجب اللَّه من قوم يدخلون الجنّة في السّلاسل".
صحيح: رواه البخاريّ في الجهاد (٣٠١٠) عن محمد بن بشار، حدّثنا غندر، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، فذكره.
وفي رواية عن أبي هريرة قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [سورة آل عمران: ١١٠] قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام". رواه البخاري (٤٥٥٧).
• عن أبي هريرة، قال: أتى رجلٌ رسولَ اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، أصابني الجهْد، فأرسل إلى نسائه فلم يجدْ عندهنّ شيئًا، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "ألا رجلٌ يضيف هذه اللّيلة، يرحمه اللَّه". فقام رجلٌ من الأنصار فقال: أنا يا رسول اللَّه، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيفُ رسول اللَّه ﷺ لا تدَّخريه شيئًا. قالتْ: واللَّهِ ما عندي إلّا قوتُ الصِّبْية، قال: فإذا أراد الصِّبية العشاء فنوِّميهم وتعالَيْ فأطفيءِ السّراج، ونطوي بطوننا اللّيلة، ففعلتْ، ثم غدا الرّجلُ على رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "لقد عجب اللَّهُ أو ضحك من فلان وفلانة". فأنزل اللَّه : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [سورة الحشر: ٩].
متفق عليه: رواه البخاريّ في مناقب الأنصار (٣٧٩٨)، وفي التفسير (٤٨٨٩)، ومسلم في كتاب الأشربة (٢٠٥٤) كلاهما من حديث فضيل بن غزوان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة فذكره. واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم نحوه.
• عن عقبة بن عامر قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يعجبُ ربُّك من راعي غنم في رأس شظيئة بجبل يؤذّن للصلاة ويصلي. فيقول اللَّه : انظروا إلى عبدي هذا يؤذّن ويقيم للصّلاة يخاف مني، قد غفرتُ لعبدي وأدخلته الجنة".
صحيح: رواه أبو داود (١٢٠٣)، والنسائي (٦٦٥) كلاهما من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أنّ أبا عُشَّانة المعافريّ حدّثه عن عقبة بن عامر، فذكره.
وصحّحه ابن حبان (١٦٦٠)، وأخرجه من هذا الوجه.
وأخرجه الإمام أحمد (١٧٤٤٣) من وجهين - ومن وجه هذا، ومن طريق ابن لهيعة، حدّثنا أبو عشانة (١٧٣١٢، ١٧٤٤٢). وابن لهيعة فيه كلام، ولكنه توبع في الإسناد الأوّل.
• عن عقبة بن عامر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه ليعجبُ من الشّاب ليست
стр. 323
له صبْوَة".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٧٣٧١)، والطبراني في الكبير (١٧/ رقم ٨٥٣) كلاهما من طريق قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي عشانة، عن عقبة بن عامر، فذكره.
ورواه ابن أبي عاصم في السنة (٥٧١)، وأبو يعلى (١٧٤٩)، والبيهقيّ في الأسماء والصفات (٩٩٣) كلهم من طرق أخرى عن ابن لهيعة بإسناده مثله.
وأبو عشّانة اسمه حيُّ بن يؤمن وهو ثقة.
وقتيبة بن سعيد يقال: إنّه كتب أحاديث ابن لهيعة من كتاب عبد اللَّه بن وهب، وهو ممن سمع منه قبل اختلاطه واحتراق كتبه، ولذا حسَّن بعض أهل العلم هذا الطريق منهم الهيثمي في "المجمع" (١/ ٢٧٠)، والطرق الأخرى تقوي ما رواه قتيبة بن سعيد، وقد رُوي موقوفًا وفيه رجل ضعيف.
وقوله: "ليست له صبوة" أي الميل إلى الهوى.
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "عجب ربُّنا من رجل غزا في سبيل اللَّه فانهزم، فعلم ما عليه فرجع حتى أهريق دمُه، فيقول اللَّه لملائكته: انظروا إلى عبدي، رجع رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه". وفي رواية: "عجب ربنا من رجلين، رجل ثار على وطائه ولحافه من بين حبِّه وأهله إلى صلاته. فيقول اللَّه جلَّ وعلا لملائكته: انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطائه من بين حِبّه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي، ورجل غزا في سبيل اللَّه". فذكر الحديث.
صحيح: رواه أبو داود (٢٥٣٦) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا عطاء بن السائب، عن مرة الهمدانيّ، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكر مثله.
ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم (٢/ ١١٢)، وقال: "صحيح الإسناد"
والرواية الثانية رواها الإمام أحمد (٣٩٤٩)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٦٩)، وصحّحه ابن حبان (٢٥٥٧، ٢٥٥٨).
كلّهم من طرق عن حماد بن سلمة بإسناده، مثله.
وإسناده صحيح عطاء بن السائب ثقة وثقه الأئمة إلا أنه اختلط في آخر عمره ولكن حماد بن سلمة سمع منه قبل اختلاطه.
وأمّا ما ذكره الدّارقطني في "العلل" (٥/ ٢٦٦ - ٢٦٧): رفعه حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، ووقفه خالد بن عبد اللَّه عن عطاء" فلا يضر هذا الوقفُ لأن حماد بن سلمة ممن سمع من عطاء بن السّائب قبل الاختلاط، فتكون روايته أرجح من رواية خالد بن عبد اللَّه. وقد تابع على
стр. 324
رفعه أبو إسحاق عن مرة، عن عبد اللَّه. رواه قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق كما قال الدارقطنيّ إلا أنه قال: تفرّد يحيى الحمّاني عن قيس".
قلت: يحيى الحمّانيّ هو ابن عبد الحميد بن عبد الرحمن الحمّاني -بكسر المهملة، وتشديد الميم- قال فيه أبو داود: كان حافظًا، وضعفه النسائي، واتّهموه بسرقة الحديث وهو من رجال مسلم، فلعلّ هذا ممّا حفظه عن شيخه قيس بن الربيع وهذا يقوّي من رفع الحديث وإن كان الدارقطني يصحّح وقفه.
وفي الباب أحاديث لا تصح.
منها: ما رُوي عن عبد اللَّه بن عمر، أنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ اللَّه ليعجب من الصلاة في الجميع".
رواه الإمام أحمد (٥١١٢) عن يونس بن محمد، ثنا مرثد - يعني ابن عامر الهُنائيّ، حدّثني أبو عمرو النّدبي، حدّثني عبد اللَّه بن عمر، فذكره.
وفيه مرثد بن عامر الهنائيّ من رجال "التعجيل" روى عنه عددٌ، منهم: يونس بن محمد، ومسدّد، وقتية، وآخرون، وذكره ابنُ حبان في "الثقات" (٧/ ٥٠٠)، ولكن قال الإمام أحمد: "لا أعرفه" أي حاله.
وشيخه أبو عمرو النَّدبيّ -بفتح النون والدّال بعدها موحّدة- واسمه: بشر بن حرب الأزديّ، قال فيه الحافظ: "صدوق فيه لين".
والحق أنه ضعيف، فقد ضعّفه جمهور أهل العلم منهم: الإمام أحمد، وابن سعد، وابن عدي، وأبو داود، والعجلي، وابن حبان، والحاكم وغيرهم.
تنبيه: هذا الحديث روي عن عبد اللَّه بن عمر، ولكن بعض المخرجين جعلوه من حديث عمر بن الخطاب وهو خطأ فتنبّه لذلك.
٣٥ - باب إثبات الفرح للَّه
• عن الحارث بن سويد قال: حدّثنا عبد اللَّه -يعني ابن مسعود- حديثين أحدهما عن النبيّ ﷺ ، والآخر عن نفسه، قال (يعني ابن مسعود): إنّ المؤمن يري ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإنّ الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه فقال به هكذا، - قال أبو شهاب بيده فوق أنفه. ثم قال (يعني ابن مسعود عن النبيّ): "للَّهُ أفرحُ بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل منزلًا وبه مَهْلكةٌ، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبتْ راحلتُه، حتى اشتدّ عليه الحرُّ والعطش أو ما شاء اللَّه، قال: أرجعُ إلى مكاني، فرجع فنام
стр. 325
نومة، ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الدّعوات (٦٣٠٨)، ومسلم في التوبة (٢٧٤٤) كلاهما من حديث الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن الحارث بن سويد، فذكره، واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم بنحوه.
• عن أنس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "للَّهُ أفرحُ بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره، وقد أضلّه في أرض فلاة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الدّعوات (٦٣٠٩)، ومسلم في التوية (٢٧٤٧) كلاهما من حديث هُدبة ابن خالد -ويقال: هدّاب- عن همّام بن يحيى، حدّثنا قتادة، عن أنس، فذكر مثله، واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم: "للَّهُ أشدّ فرحًا بتوبة عبده من أحدكم إذا استيقظ على بعيره قد أضلّه بأرض فلاة".
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "للَّهُ أشدُّ فرحًا بتوبة عبده حين يتوبُ إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتتْ منه، وعليها طعامُه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلّها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدّة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربّك! أخطأ من شدّة الفرح".
صحيح: رواه مسلم في التوية (٢٧٤٧) من طرق عن عمر بن يونس، حدّثنا عكرمة بن عمّار، حدّثنا إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، حدّثنا أنس بن مالك -وهو عمّه- قال: قال رسول اللَّه ﷺ ، فذكره.
• وعن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "للَّهُ أشدُّ فرحًا بتوبة أحدكم من أحد بضالّته إذا وجدها".
صحيح: رواه مسلم في التوبة (٢٦٧٥) عن عبد اللَّه بن مسلمة القعنبيّ، حدثنا المغيرة (يعني ابن عبد الرحمن الحزاميّ)، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه من وجه آخر عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ : "قال اللَّه : أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، واللَّهِ للَّهُ أفرحُ بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالّته بالفلاة، ومن تقرّب إليَّ شبرًا، تقرب إليه ذراعًا، ومن تقرب إليَّ ذراعًا، تقرّبتُ إليه باعًا، وإذا أقبل إليّ يمشي أقبلتُ إليه أهرولُ".
وهذا الثاني أخرجه أيضًا البخاريّ في التوحيد (٧٤٠٥) من طريق أبي صالح إلّا أنّه لم يذكر فيه: "للَّهُ أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالّته بالفلاة".
• عن النعمان بن بشير قال: "للَّهُ أشدُّ فرحًا بتوبة عبده من رجل حمل زاده ومزاده على بعير، ثم سار حتى كان بفلاة من الأرض فأدركتْه القائلة، فنزل تحت
стр. 326
شجرة، فغلبتْه عينه وانسلّ بعيره، فاستيقظ فسعي شرقًا فلم يرَ شيئًا، ثم سعى شرقًا ثانيا لم يرَ شيئًا، ثم سعى شرقًا ثالثًا فلم يرَ شيئًا، فأقبل حتى أتى مكانه الذي قال فيه، فبينما هو قاعد إذ جاءه بعيره يمشي حتى وضع خطامه في يده. فاللَّهُ أشدُّ فرحًا بتوبة العبد من هذا حين وجد بعيره على حاله".
صحيح: رواه مسلم في التوبة (٢٧٤٥) عن عبيد اللَّه بن معاذ العنبريّ، حدثنا أبي، حدثنا أبو يونس، عن سماك، قال: خطب النعمان فقال (فذكره).
قال سماك: "فزعم الشعبيُّ أنّ النّعمان رفع هذا الحديث إلى النبيّ ﷺ ، وأما أنا فلم أسمعه".
• عن البراء بن عازب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كيف تقولون بفرح رجل انفلتتْ منه راحلتُه تجر زمامها بأرض قَفْر ليس بها طعام ولا شراب، وعليها له طعام وشراب، فطلبها حتّى شقّ عليه، مرت بجذْل شجرة فتعلّق زمامُها فوجدها متعلقةً به؟ ". قلنا: شديدًا يا رسول اللَّه. فقال: "أما واللَّه للَّهُ أشدُّ فرحًا بتوبة عبده من الرجل براحلته".
صحيح: رواه مسلم في التوبة (٢٧٤٦) من طرق عن عبيد اللَّه بن زياد بن لقيط، عن إياد، عن البراء بن عازب، فذكره.
٣٦ - باب ما جاء في الاستحياء
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [سورة البقرة: ٢٦].
• عن أبي واقد اللّيثيّ، أنّ رسول اللَّه ﷺ بينما هو جالسٌ في المسجد والنّاس معه، إذْ أقبل نفرٌ ثلاثة، فأقبل اثنان إلى رسول اللَّه ﷺ وذهب واحد، فلما وقفا على مجلس رسول اللَّه ﷺ سلّما، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأمّا الآخر فجلس خلفهم، وأمّا الثالث فأدبر ذاهبَا، فلما فرغ رسول اللَّه ﷺ قال: "ألا أخبركم عن النّفر الثّلاثة؟ أمّا أحدهم فأَوى إلى اللَّه فآواه اللَّه، وأمّا الآخر فاستحيا فاستحيا اللَّه منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض اللَّه عنه".
متفق عليه: رواه مالك في الموطأ في السلام (٤) عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أبي مُرّة -مولي عقيل بن أبي طالب- عن أبي واقد اللّيثيّ، فذكره.
ورواه البخاريّ في العلم (٦٦) عن إسماعيل، ومسلم في السلام (٢١٧٦) عن قتيبة بن سعيد كلاهما عن مالك.
• عن سلمان الفارسيّ، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّ ربّكم حييٌّ كريم، يستحيي من
стр. 327
عبده إذا رفع يديه إليه أن يردّهما صِفْرًا".
حسن: رواه أبو داود (١٤٨٨)، والترمذيّ (٣٥٥٦)، وابن ماجه (٣٨٦٥)، وصحّحه ابن حبان (٨٧٦)، والحاكم (١/ ٤٩٧) كلّهم من طرق عن جعفر بن ميمون، عن أبي عثمان النّهدي، عن سلمان الفارسيّ، فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه".
وقال الحافظ في "الفتح" (١١/ ١٤٣): "سنده جيّد".
قلت: هو حسن إلّا أنه ليس على شرط أحدهما؛ فإنّ جعفر بن ميمون وهو التّميميّ من رجال السنن فقط، ثم هو مختلف فيه وخلاصته كما قال ابن عدي: "لم أرَ أحاديثه منكرة، وأرجو أنه لا بأس به ويكتب حديثه". وهو كما قال ثم أنه لم ينفرد به فقد رواه الطبراني في "الكبير" (٦١٣٠)، وفي "الدعاء" (٢٠٢)، والبيهقي في الدّعوات الكبير (١٨١)، وصحّحه ابن حبان (٨٨٠)، والحاكم (١/ ٥٣٥) كلّهم من طرق عن محمد بن الزّبرقان، عن سليمان التّيميّ، عن أبي عثمان، عن سلمان مرفوعًا، مثله.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"، وهو كما قال، فإنّ محمد بن الزّبرقان أبا همام الأهوازيّ من رجال الشيخين غير أنه "صدوق ربما وهم" كما قال الحافظ في التقريب، وهو لا بأس به في المتابعة.
ورواه البغوي في شرح السنة (١٣٨٥) من وجه آخر عن أبي المعلّى، نا أبو عثمان النّهديّ، قال: سمعت سلمان الفارسيّ يقول: فذكره مرفوعًا، وقال في آخر الحديث: "حتى يضع فيهما خيرًا".
وأمّا قول الترمذيّ: "رواه بعضهم ولم يرفعه" فلا يضر؛ لأنّ من رفعه عنده زيادة علم، وممن لم يرفعه يزيد بن هارون، عن سليمان التيميّ، عن أبي عثمان، عن سلمان من قوله.
ومن هذا الطّريق رواه الإمام أحمد (٢٣٧١٤)، والحاكم (١/ ٤٩٧)، والبيهقيّ في الأسماء والصفات (١٠١٣)، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشّيخين". ولكن أكّد الحاكم وصله من جعفر بن ميمون وقال: "وله شاهد بإسناد صحيح من حديث أنس بن مالك". انتهى.
وقال الذهبيّ في "العلو" (١٠٩) بعد أن أورد حديث سلمان الفارسيّ: "هذا حديث مشهور، رواه عن النبيّ ﷺ أيضًا علي بن أبي طالب، وابن عمر، وأنس وغيرهم". انتهى.
وقوله: "صِفْرًا" بكسر الصاد - أي خاليًا، يقال: بيت صفر عن المتاع أي خالٍ.
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه رحيم حييّ كريم يستحيي من عبده أن يرفع إليه يديه، ثم لا يضع فيهما خيرًا".
حسن: رواه الحاكم (١/ ٤٩٧) عن أبي عبد اللَّه الصفّار، ثنا أبو بكر بن أبي الدّنيا، ثنا بشر بن الوليد القاضي، ثنا عامر بن يساف، عن حفص بن عمر بن عبد اللَّه بن أبي طلحة الأنصاريّ، قال:
стр. 328
حدثني أنس بن مالك، فذكره.
صحّحه الحاكم، وتعقّبه الذهبي فقال: "عامر ذو مناكير".
قلت: وهو تبع في ذلك ابن عدي، فإنه قال: "منكر الحديث من الثقات" ثم قال: "ومع ضعفه يكتب حديثه". وهذا هو الصحيح، فقد نقل الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" عن أبي داود أنه قال: ليس به بأس رجل صالح، وقال العجليّ: يكتب حديثه وفيه ضعف، وقال الدوريّ عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات". انتهى.
فمثله يحسّن حديثه وخاصة في الشواهد وللحديث طرق أخرى إلّا أنها ضعيفة منها ما أخرجه عبد الرزاق (١٩٦٤٨)، ومن طريقه البغوي في شرح السنة (١٣٨٦) عن معمر، عن أبان، عن أنس، فذكر الحديث ولفظه: "إنّ ربّكَم حييُّ كريم يستحيي إذا رفع العبد إليه يده أن يردّهما صِفْرًا حتى يجعل فيهما خيرًا".
وأبان هو ابن أبي عياش فيروز البصريّ، جمهور أهل العلم على تضعيفه بل قال فيه الإمام أحمد والنسائي والدارقطني: "متروك الحديث".
وفي الباب عن جابر بن عبد اللَّه، مثله.
رواه أبو يعلى (١٨٦٧) عن عبيد اللَّه بن معاذ قال: ذكر أبي، عن يوسف بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكر الحديث.
ومن هذا الطريق رواه ابن عدي في "الكامل" (٧/ ٢٦١٣) وقال: قال عبيد اللَّه: ولم أسمعه من أبي.
وقال: سمعت ابن حماد يقول: يوسف بن محمد بن المنكدر متروك الحديث، أظنّه ذكره عن النسائيّ. انتهى
قلت: يوسف بن محمد بن المنكدر هذا أكثر أهل العلم على تضعيفه، وكان أبو زرعة حسن الرأي فيه فقال: صالح، وهو كما قال، ولكنه غفل عن حفظ الحديث فضُعِّف لذلك، كما أنّ في الاسناد انقطاعًا، فإن عبيد اللَّه بن معاذ يقول: لم أسمعه من أبي.
وفي الباب أيضًا عن ابن عمر. رواه الطبرانيّ في الكبير (١٢/ ٤٢٣)، وفيه الجارود بن يزيد متهم بالكذب، وبه أعلّه الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ١٦٩).
وعن علي بن أبي طالب، وفيه يحيى بن عنبسة وهو ضعيف.
ومن طريقه أخرجه الدارقطني في الغرائب والأفراد، إليه عزاه المتقي الهندي في كنز العمال (٢/ ٨٧).
٣٧ - باب في غيرة اللَّه تعالى
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: "لا أحد أغير من اللَّه، ولذلك حرّم الفواحش ما
стр. 329
ظهر منها وما بطن، ولا شيءَ أحبُّ إليه المدحُ من اللَّه، ولذلك مدح نفسه".
قلت: سمعتَه من عبد اللَّه؟ قال: نعم، قلت: رفعه؟ قال: نعم.
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤١٣٤)، ومسلم في كتاب التوبة (٢٧٦٠: ٣٤) كلاهما من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، فذكره، ولفظهما سواء.
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس أحدٌ أحبّ إليه المدح من اللَّه ، من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحدٌ أغير من اللَّه، من أجل ذلك حرّم الفواحش، وليس أحد أحبّ إليه العذرُ من اللَّه، من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرّسل".
صحيح: رواه مسلم في التوبة (٢٧٦٠: ٣٥) من طرق عن جرير، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكر الحديث.
• عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّ اللَّه يغارُ، وغيرة اللَّه أن يأتي المؤمن ما حرّم اللَّه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في النكاح (٥٢٢٣)، ومسلم في كتاب التوبة (٢٧٦١) كلاهما من طريق يحيى، عن أبي سلمة، أنه سمع أبا هريرة، عن النبيّ ﷺ يقول، فذكره، واللّفظ للبخاريّ.
وزاد مسلمٌ بعد قوله: "إنّ اللَّه يغار" "وإنّ المؤمن يغار".
• عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "المؤمن يغار، واللَّه أشدُّ غيرًا".
صحيح: رواه مسلم في التوبة (٢٧٦١) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
• عن أسماء بنت أبي بكر، أنّها سمعتْ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا شيء أغيرُ من اللَّه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في النكاح (٥٢٢٢)، ومسلم في كتاب التوبة (٢٧٦٢) كلاهما من حديث يحيى، عن أبي سلمة، أنّ عروة بن الزبير حدّثه أنّ أمَّه حدّثته، فذكرته.
• عن المغيرة قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيتُ رجلًا مع امرأتي لضربته بالسّيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسولَ اللَّه ﷺ فقال: "تعجبون من غيرة سعد، واللَّهِ الأنا أغير منه، واللَّهُ أغيرُ مني، ومن أجل غيرة اللَّه حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحبُّ إليه العذُر من اللَّه، ومن أجل ذلك بعث المبشّرين والمنذرين، ولا أحدٌ أحبَّ إليه المِدْحة من اللَّه، ومن أجل ذلك وعد اللَّه الجنة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤١٦)، ومسلم في اللعان (١٤٩٩) كلاهما من حديث
стр. 330
أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن ورّاد -كاتب المغيرة-، عن المغيرة، فذكر الحديث. واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم نحوه إلّا أنّ فيه: "من أجل ذلك بعث اللَّه المرسلين مبشرين ومنذرين".
• عن عائشة، أنّ النبيّ ﷺ قال: "يا أمّة محمد واللَّه ما من أحد أغيرَ من اللَّه أن يزني عبدُه، أو تزني أمتُه، يا أمّة محمد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا".
متفق عليه: رواه مالك في الكسوف (١) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرتْ مثله.
ورواه البخاريّ في الكسوف (١٠٤٤) عن عبد اللَّه بن مسلمة، ومسلم في الكسوف (٩٠١) عن قتيبة بن سعيد، كلاهما عن مالك في سياق طويل، سيأتي في كتاب الكسوف.
٣٨ - باب ما جاء في كلام اللَّه تعالى بأنه يُسْمَعُ ويكون بحرف وصوت
قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة: ٦]. وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [سورة النساء: ١٦٤].
وقال تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الأعراف: ١٤٤].
يقول البيهقيّ رحمه اللَّه تعالى: "فهذا كلام سمعه موسى ﵇ بإسماع الحّق إياه بلا ترجمان بينه وبينه". الأسماء والصفات (١/ ٤٨٥).
إنّ الكلام صفة من صفات اللَّه تعالى فهو لم يزل متكلّمًا إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وبما شاء، وهو يتكلّم بحرف وصوت يسمع، وإنّ كلامه قديم.
قلت: لقد خاطب اللَّه موسى بقوله: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه: ١١ - ١٤].
وفي سورة النمل: ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة النمل: ٩].
وجاء في سورة القصص: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة القصص: ٣٠].
ففي هذه الآيات خاطب اللَّه موسى ﵇ وكلّمه بصوت وحرف مسموع، وغير جائز أن يخاطب ملك مقرب أو غير مقرّب أو أي مخلوق آخر بقوله: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
• عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبيُّ ﷺ : "يقول اللَّه: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيُنادى بصوت: إنّ اللَّه يأمرك أن تُخرج من ذريتك بعثًا إلى النار".
стр. 331
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٣٠)، ومسلم في الإيمان (٢٢٢) كلاهما من حديث جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فذكر الحديث، واللّفظ للبخاريّ.
وهو حديث مختصر، سيأتي بكامله في باب أنّ أمة محمد شطر أهل الجنة، وما جاء في يأجوج ومأجوج.
• عن أبي هريرة يبلغ به النبيّ ﷺ قال: "إذا قضى اللَّه الأمر في السّماء ضربتِ الملائكةُ بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنّه سلسلة على صفوان".
صحيح: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٨١) عن علي بن عبد اللَّه، حدّثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة، فذكر مثله.
قال علي: وقال غيره: صفوان ينفذهم ذلك، فإذا ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سورة سبا: ٢٣].
قال علي: وحدّثنا سفيان، حدّثنا عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة بهذا.
قال سفيان: قال عمرو: سمعت عكرمة، حدّثنا أبو هريرة.
قال علي: قلت لسفيان: قال سمعت عكرمة، قال: سمعت أبا هريرة؟ قال: نعم. قلت السفيان: إنّ إنسانًا روى عن عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة يرفعه، أنه قرأ: فرّغ قال سفيان: هكذا قرأ عمرو، فلا أدري سمعه هكذا أم لا؟ قال سفيان: وهي قراءتنا.
• عن ابن عباس قال: بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السّماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلّا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلّا اليوم. فسلم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلّا أعطيته.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها (٨٠٦) عن حسن بن الربيع وأحمد بن جَوَّاس الحنفي، قالا: حدّثنا أبو الأحوص، عمار بن رُزَيق، عن عبد اللَّه بن عيسى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
• عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ حرفا من كتاب اللَّه فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: آلم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف".
صحيح: رواه الترمذيّ (٢٩١٠) من طريق محمد بن بشار، قال: حدّثنا أبو بكر الحنفي، قال: حدثنا الضحاك بن عثمان، عن أيوب بن موسى، قال: سمعت محمد بن كعب القرطي يقول: سمعت عبد اللَّه بن مسعود يقول (وذكر الحديث).
стр. 332
قال الترمذيّ: "ويروى هذا الحديث من غير هذا الوجه عن ابن مسعود، رواه أبو الأحوص عن ابن مسعود رفعه بعضهم، ووقفه بعضهم عن ابن مسعود، هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه". ورواية أبي الأحوص المرفوعة التي أشار إليها الترمذيّ أخرجها الحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٥) بإسناده عن صالح بن عمر، أنبأ إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه، عن النبي ﷺ مع زيادة في الألفاظ. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بصالح بن عمر"، وعلق عليه الذهبي بقوله: "صالح ثقة خرج له مسلم، لكن إبراهيم بن مسلم ضعيف" ولكن هذا الحديث لم ينفرد بروايته إبراهيم الهجري، والحديث له أسانيد وطرق، منها الإسناد الذي ذكره الترمذيّ وقد صححه، فالحديث صحيح.
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا تكلّم اللَّه بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلْصلَةً كجرّ السلسلة على الصّفا، فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل ﵇، حتى إذا أتاهم جبريل فُزِّع عن قلوبهم. قال: فيقولون: يا جبريل، ماذا قال ربُّك؟ فيقول: الحق. فيقولون: الحقّ، الحقّ".
صحيح: رواه أبو داود (٤٧٣٨) عن أحمد بن أبي سُريج الرازيّ، وعلي بن الحسين بن إبراهيم، وعلي بن مسلم، قالوا: حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد اللَّه، فذكره.
ورواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٢٨٠)، وابن حبان في صحيحه (٣٧) كلاهما من طريق علي بن الحسين بن إبراهيم وحده بإسناده، مثله.
ومسلم هو ابن صّبيح الهمدانيّ.
وقد رُوي موقوفًا على عبد اللَّه بن مسعود، رواه ابن خزيمة من طرق غير هؤلاء، عن أبي معاوية، والحكم لمن رفعه لأنّ معهم زيادة علم، ثم مثل هذا لا يُعرف إلّا بالوحي، وكان ابن مسعود يذكر هذا الحديث في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ فلعله نفسه كان يرفعه أحيانًا، ويوقفه أحيانًا حسب الحال، وقد كان ﵁ شديد الاحتياط في رفع كلّ حديث إلى النبيّ ﷺ ، وعلّقه البخاريّ (١٣/ ٤٥٢ - ٤٥٣) عن مسروق، عن عبد اللَّه بن مسعود أنه قال: إذا تكلم اللَّه بالوحي سمع أهل السموات شيئا، فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت. . . وذكر مثله.
• عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول اللَّه له: ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وتَرْبع، فكنتَ تظنُّ أنّك ملاقي يومك هذا؟ فيقول: لا، فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني".
стр. 333
حسن: رواه الترمذيّ (٢٤٢٨) عن عبد اللَّه بن محمد الزهريّ البصريّ، حدّثنا مالك بن سُعَير أبو محمد الكوفي التميميّ، حدّثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وأبي سعيد، فذكراه.
قال الترمذيّ: "هذا حديث صحيح غريب".
وصحّحه أيضًا ابن خزيمة، فأخرجه في كتاب التوحيد (٣٠٨) من هذا الطريق.
قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في مالك بن شعير فإنه ضعّفه أبو داود ومشّاه الآخرون وهو حسن الحديث. وقال ابن حجر: "لا بأس به".
قال الترمذيّ: "ومعنى قوله: "اليوم أنساك كما نسيتني" أي اليوم أتركك في العذاب، وكذا فسّر بعضُ أهل العلم هذه الآية ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ [سورة الأعراف: ٥١] قالوا: معناه اليوم نترككم في العذاب".
• عن عبد اللَّه بن أُنيس، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يحشرُ الناس يوم القيامة -أو قال: العباد- عراةٌ غرْلًا بُهْمًا"، قال: قلنا: وما بُهْمًا؟ قال: "ليس معهم شيءٌ، ثم يناديهم بصوت يسمعه مَنْ بَعُدَ كما يسمعه مَنْ قَرُبَ: أنا الملك، أنا الدّيّان، ولا ينبغي لأحدٍ من أهل النار أن يدخل النار، وله عند أحد من أهل الجنة حقٌّ حتى أُقصَّه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أنّ يدخل الجنّة ولأحد من أهل النار عنده حقٌّ حتى أُقصَّه منه حتّى اللّطمة". قال: قلنا: كيف وإنّا إنما نأتي اللَّه عراة غرلا بهما؟ قال: "بالحسنات والسّيئات".
حسن: رواه أحمد (١٦٠٤٢) -واللّفظ له-، والحارث بن أبي أسامة (٤٥) زوائده، والبخاريّ في الأدب المفرد (٩٧٠)، وفي خلق أفعال العباد (ص ٩٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٥١٤)، وصحّحه الحاكم (٢/ ٤٣٧) كلهم من طرق عن همام بن يحيى، عن القاسم بن عبد الواحد المكيّ، عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: بلغني حديثٌ عن رجل سمعه من رسول اللَّه ﷺ فاشتريتُ بعيرًا، ثم شددتُ عليه رحلي، فسرتُ إليه شهرًا حتى قدمتُ عليه الشّام فإذا عبد اللَّه بن أنيس، فقال للبوّاب: قل له جابر علي الباب، فقال: ابن عبد اللَّه؟ قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك أنّك سمعته من رسول اللَّه ﷺ في القصاص، فخشيتُ أن تموتَ أو أموتَ قبل أن أسمعه. قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول (فذكر الحديث).
وإسناده حسن من أجل القاسم بن عبد الواحد المكيّ، وشيخه عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، فإنهما لم يبلغا درجة "الثقات" وحسّنه أيضًا المنذريّ في "الترغيب والترهيب" (٤/ ٢٠٢)، وإن كان الهيثمي ﵀ ضعّفه في "المجمع" (١/ ١٣٣) من أجل عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، ولكن الصواب أنه حسن الحديث إلّا إذا خالف فلا يقبل كما قال الذهبيّ في ترجمته في "الميزان" وقد وافق على تصحيح الحاكم له في المستدرك، وعلقه البخاريّ بصيغة الجزم (١/ ١٧٣) وقال: رحلي
стр. 334
جابر بن عبد اللَّه مسيرة شهر إلى عبد اللَّه بن أنيس في حديث واحد".
قال الحافظ في "الفتح" (١/ ١٧٤): دوله طريق أخرى أخرجها الطبراني في "مسند الشاميين"، وتمام في "فوائده" من طريق الحجاج بن دينار، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، وذكر نحوه وقال: وإسناده صالح، وله طريق ثالثة أخرجها. الخطيب في "الرحلة" من طريق أبي الجارود العنسيّ -وهو بالنون الساكنة- عن جابر، فذكر نحوه، وفي إسناده ضعف". انتهى.
٣٩ - باب أنّ اللَّه يكلّمُ النّاسَ يوم القيامة بدون ترجمان وبدون حجاب
• عن عديّ بن حاتم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما منكم من أحدٍ إلّا سيكلّمه ربُّه، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٤٣) عن يوسف بن موسى، حدّثنا أبو أسامة، حدّثني الأعمش، عن خيثمة، عن عديّ بن حاتم، فذكره.
ورواه مسلم في الزّكاة (١٠١٦) من وجه آخر عن الأعمش مطوّلًا، وسيأتي في كتاب الزّكاة.
• عن بريدة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما منكم من أحد إلّا وسيكلّمه ربُّه ليس ينه وبينه حجاب ولا ترجمان".
حسن: رواه ابن خزيمة في التوحيد (٢٩٨) عن عليّ بن سلمة اللَّبقيّ -حفظًا-، قال: حدّثنا زيد بن الحباب، قال: حدّثنا الحسين بن واقد، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه، فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل علي بن سلمة اللّبقيّ فإنه "صدوق" كما في التقريب.
وقال الحافظ: جزم الحاكم بأنّ البخاريّ ومسلمًا رويا عنه، وقال الحاكم: هو ثقة، وقد نقل توثيقه عن البخاريّ ومسلم، ومن رواة البخاريّ من يقال له: علي، ولكنّه لم ينسبه فهل هو هذا؟ قال المزّيّ: فقيل: إنّه علي بن سلمة هذا، ولما لم يتأكّد منه رمز له بـ "ق" فقط، وكذلك فعل الحافظ في "تهذيبه" و"تقريبه"، وكذلك في الإسناد زيد بن الحباب والحسين بن واقد وهما أيضًا في درجة "صدوق"، وإخراج ابن خزيمة في كتاب التوحيد يُقوّيه.
• عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ في حديث رؤية المؤمنين ربَّهم يوم القيامة وجاء فيه: "فوالذي نفسي بيده لا تضارُّون في رؤية ربِّكم إلّا كما تضارّون في رؤية أحدهما. قال: فيلقى العبد فيقول: أيّ فُلْ ألم أكرمْك، وأُسوّدْك، وأُزوّجْك، وأُسخِّر لك الخيل والإبل، وأَذرْك تَرْاسُ وتَربَعِ؟ فيقول: بلى. قال: فيقول: أفظننتَ أنَّك مُلاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإنّي أنا كما نسيتني. ثم يَلقي الثاني فيقول: أيْ فُلْ ألم أكرمك، وأسودك، وأزوّجك، وأسخّر لك الخيل، والإبل، وأذرْك ترأسُ وتربع؟ فيقول: بلى أي ربّ. فيقول: أظننتَ أنّك مُلاقي؟ فيقول: لا.
стр. 335
فيقول: فإنّي أنساك كما نسيتني. ثم يلقي الثالث فيقول له مثل ذلك. فيقول: يا ربّ آمنتُ بك وبكتابك وبرسلك وصلّيتُ وصمْتُ وتصدّقت، ويُثني بخير ما استطاع. فيقول: ههنا إذًا. قال: ثم يقال له: الآن نبعثُ شاهدَنا عليك، ويتفكّر في نفسه: من ذا الذي يشهدُ عليّ؟ ! فيُختم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انْطِقي، فتنطقُ فخذه ولحمُه وعظامه، وذلك ليُعذر من نفسه. وذلك المنافق، وذلك الذي يسخطُ اللَّهُ عليه".
صحيح: رواه مسلم في كتاب الزهد والرقاق (٢٩٦٨) عن محمد بن أبي عمر، حدّثنا سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
إنّ اللَّه يكلّم المؤمنين والمنافقين يوم القيامة بلا ترجمان بينه وبينهم، إذ من غير جائز أن يقول غير اللَّه لبعض عباده أو تجميعهم: "أنا ربُّكم" ولا يقول: "أنا ربُّكم" غير اللَّه، إلّا أنّ اللَّه تعالى يكلّم المنافقين على غير المعنى الذي يكلّم المؤمنين فيكلّم المنافقين على معنى التوبيخ والتقرير، ويكلّم المؤمنين ويبشرهم بما لهم عند اللَّه كلام أوليائه وأهل طاعته. انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (١/ ٣٤٧).
وقوله: "فُلْ" أي فلان.
٤٠ - باب الذين لا يكلمهم اللَّه يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم
• عن أبي هريرة يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاثة لا ينظر اللَّه إليهم يوم القيامة، ولا يزكّيهم، ولهم عذاب أليم: رجل كان له فضل ماء بالطّريق فمنعه من ابن السّبيل، ورجل بايع إمامًا لا يبايعه إلّا لدنيا، فإن أعطاه منها رضي وإن لم يعطه منها سخط، ورجل أقام سلعته بعد العصر فقال: واللَّه الذي لا إله غيره، لقد أعطيت بها كذا وكذا، فصدّقه رجل، ثم قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [سورة آل عمران: ٧٧] ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المساقاة (٢٣٥٨) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، قال: سمعت أبا صالح، يقول: سمعت أبا هريرة، فذكر الحديث.
ورواه مسلم في الإيمان (١٠٨) من وجه آخر عن الأعمش، فذكر نحوه ولم يذكر في حديثه آية سورة آل عمران.
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاثة لا يكلّمهم اللَّه يوم القيامة، ولا يزُكّيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملِك كذّاب، وعائل مستكبر".
стр. 336
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٠٧) من طريق الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن أبي ذرّ، عن النبيّ ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلّمهم اللَّه يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكّيهم، ولهم عذاب". قال أبو ذرّ: فقرأها رسولُ اللَّه ﷺ ثلاث مرّات. قال أبو ذرّ: خابوا وخسروا، من هم يا رسول اللَّه؟ قال: " المسيل، والمنّان، والمنفق سِلعته بالحلْفِ الكاذب".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٠٦) من طرق عن محمد بن جعفر، عن شُعبة، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة، عن خرشة بن الحرّ، عن أبي ذرّ، فذكره.
وفي رواية عن سليمان بن مسهر، عن خرشة: "المنّان الذي لا يُعطي شيئًا إلّا منَّه، والمنفق سِلعته بالحلف الفاجر، والمُسبِل إزاره".
٤١ - باب قول اللَّه : ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [سورة الشورى: ٥١]
قوله: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ وهو شاملٌ للوحي الذي يُلقي اللَّه على قلوب الأنبياء والرسل في حال اليقظة، ويشمل أيضًا للوحي الذي يُريهم اللَّه في المنام كما قالت عائشة: أول ما بُدئَ به رسول اللَّه ﷺ الرؤيا الصادقة في النوم.
قال الشّافعيّ: قال غير واحد من أهل التفسير: رؤيا الأنياء وحيٌ؛ لقول ابن إبراهيم الذي أُمر بذبحه: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ الأسماء والصّفات (١/ ٤٩١).
وفي صحيح البخاريّ (١٣٨) عن عبيد بن عمير -وهو من كبار التابعين- يقول: "رؤيا الأنباء وحيٌ ثم قرأ ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ "، وقول الحافظ في "الفتح" (١/ ٢٣٩) "رواه مسلم مرفوعًا" لم أجده في صحيحه، فلعله أراد به معنى الحديث.
وقد رُوي عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا.
فأمّا المرفوع فرواه ابنُ أبي حاتم، قال: حدّثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدّثنا أبو عبد الملك الكرندي، عن سفيان بن عيينة، عن إسرائيل بن يونس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "رؤيا الأنبياء في المنام وحيٌ".
أورده ابن كثير في تفسير سورة الصّافات وقال: "ليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه".
قلت: لم أقف على ترجمة أبي عبد الملك الكرندي، ولم يذكره المري من الرواة عن سفيان بن عيينة، وسماك هو ابن حرب وروايته عن عكرمة مضطربة.
وأما الموقوف فهو ما رواه الطبرانيّ في "المعجم الكبير" (١٢/ ٦) عن عبد اللَّه بن محمد بن
стр. 337
سعيد بن أبي مريم، ثنا محمد بن يوسف الفريابيّ، ثنا سفيان، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "رؤيا الأنبياء وحيٌ".
قال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٧٦): "شيخ الطبرانيّ وهو عبد اللَّه بن محمد بن سعيد بن أبي مريم ضعيف، وبقية رجاله رجال الصّحيح" إلّا أنه توبع فقد رواه الحاكم (٢/ ٤٣١) من وجه آخر عن سفيان بإسناده وقال: "صحيح على شرط الشيخين".
وقوله تعالى: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ هو كما كلّم اللَّه موسى ﵇ من وراء حجاب.
والحجاب المذكور في هذا الموضع وغيره يرجع إلى الخلق دون الخالق.
• عن جابر، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال له: "ما كلّم اللَّه أحدًا إلّا من وراء حجاب، وإنّه كلّم أباك كفاحًا".
حسن: رواه الترمذيّ (٣٠١٠)، وابن ماجه (١٩٠) كلاهما من طريق موسى بن إبراهيم بن كثير الأنصاريّ الحزاميّ، قال: سمعت طلحة بن خراش، قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه يقول: لما قتل عبد اللَّه بن عمرو بن حرام -أي والد جابر- يوم أحد، فقال له رسول اللَّه ﷺ في حديث طويل سيأتي في موضعه.
وإسناده حسن من أجل الكلام في طلحة بن خراش غير أنّه حسن الحديث.
وقوله: "كفاحًا" أي مواجهة، ليس بينهما حجاب إلّا أنّ هذا الكلام كان في عالم البرزخ، والآية إنّما هي في الدّار الدّنيا كما قال الحافظ ابن كثير في" تفسيره".
وقوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ أي إرسال الرّوح الأمين بالرّسالة إلى من يشاء من عباده كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [سورة الشّعراء: ١٩٢ - ١٩٤]. والرّوح الأمين هو جبريل ﵇.
٤٢ - باب ما جاء أنّ القرآن كلام اللَّه
القرآن كلام اللَّه، وكلام اللَّه صفة من صفات ذاته، وليس شيءٌ من صفات ذاته مخلوقًا، ولا محدثًا، ولا حادثًا.
والأدلّة على ذلك من كلام اللَّه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: ٤٠] فلو كان القرآن مخلوقًا لكان مخلوقًا بكن، ويستحيل أنّ يكون قول اللَّه لشيء بقول، لأنه يوجب قولًا ثانيًا وثالثا فيتسلسل وهو فاسد.
وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [سورة الرحمن: ١ - ٣] فخصّ القرآن بالتعليم لأنه كلامه وصفته، وخصّ الإنسان بالتخليق لأنه خلقه ومصنوعه ولولا ذلك لقال: خلق القرآن والإنسان.
стр. 338
وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [سورة النساء: ١٦٤] ولا يجوز أن يكون كلام المتكلّم قائمًا بغيره.
وقد أنكر اللَّه تعالى قول المشركين ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [سورة المدثر: ٢٥] فمن زعم أن القرآن مخلوق فقد جعله قولًا للبشر.
• عن نيار بن مكرم الأسلميّ صاحب رسول اللَّه ﷺ قال: لما نزلت ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [سورة الروم: ١ - ٣] إلى آخر الآيتين، خرج رسول اللَّه ﷺ فجعل يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ فقال رؤساء مشركي مكّة: يا ابن أبي قحافة، هذا مما أتى به صاحبك؟ ! . قال: لا واللَّهِ، ولكنّه كلام اللَّه وقولُه.
حسن: رواه ابن خزيمة في التوحيد (٣٢٩) عن محمد بن يحيى، قال: حدّثنا سريج بن النّعمان صاحب اللّؤلؤ، عن ابن أبي الزّناد، عن أبي الزّناد، عن عروة بن الزبير، عن نيار بن مكرم، فذكره.
وإسناده حسن من أجل ابن أبي الزّناد وهو عبد الرحمن، كان صدوقًا لما كان بالمدينة، وتغيّر حفظه لما قدم بغداد.
وأخرجه الترمذيّ (٣١٩٤) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، حدثني ابن أبي الزّناد بإسناده مطوّلًا، وسيأتي في موضعه، قال الترمذيّ: "هذا حديث صحيح حسن غريب، لا نعرفه من حديث نيار بن مكرم إلّا من حديث عبد الرحمن بن أبي الزّناد".
قلت: هو حسن فقط كما سبق.
وأما قول اللَّه ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [سورة التكوير: ١٩] معناه قول تلقاه عن رسول كريم أو سمعه من رسول كريم، أو نزل به رسول كريم؛ لأنّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة: ٦]، فأثبت أنّ القرآن كلام اللَّه ، ولا يكون شيءٌ واحد كلامًا للرسول ﷺ ، وكلامًا اللَّه تعالى، دلَّ أن المراد بالأوّل ما قلنا.
هذا ملخص بعض ما ذكره البيهقيّ في "كتاب الاعتقاد" (ص ٩٤ - ٩٧) ونقل عنه الحافظ في "الفتح" (١٣/ ٤٥٤).
٤٣ - باب أنّ الرّوح من أمر الرّبّ
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: بينا أنا أمشي مع النّبيّ ﷺ في خرب المدينة -وهو يتوكأ على عسيب معه- فمرّ بنفر من اليهود، فقال بعضُهم لبعض: سلوه عن الرّوح، وقال بعضهم: لا تسألوه لا يجيءُ فيه بشيء تكرهونه، فقال بعضهم: لنسألنّه، فقام
стр. 339
رجلٌ منهم فقال: يا أبا القاسم، ما الرّوح؟ فسكت. فقلتّ: إنّه يوحى إليه، فقمتُ فلما انجلى عنه، فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا (أُوتُوا) مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة الإسراء: ٨٥]. قال الأعمش: هكذا في قراءتنا.
متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (١٢٥)، ومسلم في صفات المنافقين (٢٧٩٤) كلاهما من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه، (هو ابن مسعود) فذكره.
٤٤ - باب لا يعلم الغيب إلّا اللَّه
قال اللَّه تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [سورة الجن: ٢٦].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [سورة لقمان: ٣٤].
وقال تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [سورة النساء: ١٦٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [سورة فاطر: ١١، سورة فصلت: ٤٧].
وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [سورة فصلت: ٤٧].
• عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مفتاح الغيب خمس لا يعلمها إلّا اللَّه: لا يعلم أحدٌ ما يكون في غد، ولا يعلم أحدٌ ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفسٌ بأيّ أرض تموت، وما يدري أحدٌ متى يجيء المطر".
صحيح: رواه البخاريّ في الكسوف (١٠٣٩) عن محمد بن يوسف، قال: حدّثنا سفيان، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، فذكره.
وفي رواية عن سليمان بن بلال، عن عبد اللَّه بن دينار: "ولا يعلمُ متى تقوم الساعة إلّا اللَّه" بدلًا من "ولا تعلم نفسٌ ماذا تكسب غدًا".
• عن عائشة قالت: من حدّثك أنّ محمدا رأى ربَّه فقد كذب وهو يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار﴾ [سورة الأنعام: ١٠٣]، ومن حدّثك أنه يعلم الغيب فقد كذب، وهو يقول: لا يعلمُ الغيبَ إلّا اللَّه.
متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٣٨٠) عن محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن إسماعيل، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عائشة، فذكرته.
وإسماعيل هو ابن أبي خالد.
стр. 340
ورواه مسلم في الإيمان (١٧٧) من وجه آخر عن داود بن أبي هند، عن الشعبيّ بإسناده بأتمّ منه، كما في باب معنى قول اللَّه : [النجم: ١٣] وهل رأى النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء؟ واختصره من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيّ، عن مسروق، قال: سألت عائشة: "هل رأي محمدٌ ﷺ ربَّه؟ فقالت: سبحان اللَّه! لقد قفَّ شعري لما قلتَ" وساق الحديث بقصته، وحديث داود أتم وأطول. انتهى.
٤٥ - باب ما جاء في المعية والنّجوى
قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [سورة الحديد: ٤].
وقال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [سورة المجادلة: ٧].
وقال اللَّه لموسى وهارون حين أرسلهما إلى فرعون: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [سورة طه: ٤٦].
وحكى اللَّه قول رسوله محمد ﷺ حين قال لصاحبه أبي بكر: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [سورة التوبة: ٤٠].
• عن صفوان بن محرز المازنيّ قال: بينما أنا أمشي مع ابن عمر آخذ بيده إذ عرض رجل فقال: كيف سمعتَ رسول اللَّه ﷺ في النّجوى؟ فقال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ اللَّه يُدني المؤمن فيضع عليه كنفَه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: أيْ ربِّ، حتّى إذا قرَّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدُّنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطي كتاب حسناته. وأمّا الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [سورة هود: ١٨] ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المظالم (٢٤٤١)، ومسلم في التوبة (٢٧٦٨) كلاهما من حديث هشام الدستوائيّ، عن قتادة، عن صفوان بن مُحْرز، فذكره، واللّفظ للبخاريّ.
وفي مسلم نحوه وفيه: "وأمّا الكفار والمنافقون فينادَى بهم على رؤوس الخلائق: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ ".
• عن عبادة بن الصّامت قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ من أفضل إيمان المرء أن يعلم أن اللَّه معه حيث كان".
حسن: رواه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٢٤)، والبيهقي في الأسماء والصّفات (٩٠٧) كلاهما من
стр. 341
حديث نعيم بن حمّاد، ثنا عثمان بن كثير بن دينار، عن محمد بن مهاجر، عن عروة بن رُويم، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عبادة بن الصَّامت، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في نعيم بن حمّاد فإنه مختلف فيه، وقد تتبّع ابنُ عدي في "الكامل" (٧/ ٢٤٨٢ - ٢٤٨٥) ما أُنكر على نعيم بن حمّاد، ولم يذكر فيها هذا الحديث وقال: "عامة ما أُنكر عليه هو هذا الذي ذكرته، وأرجو أن يكون باقي حديثه مستقيمًا".
وبقية رجال الإسناد بين ثقة وصدوق.
وحسّنه أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية في "العقيدة الواسطية".
وأما قول الهيثميّ في "المجمع" (١/ ٦٠): "ورواه الطبرانيّ في الأوسط والكبير، وقال: تفرّد به عثمان بن كثيره، وقال الهيثميّ: "ولم أرَ من ذكره بثقة ولا جرح".
قلت: عثمان بن كثير وهو ابن دينار لعلّه عثمان بن سعيد بن دينار القرشيّ الحمصيّ، وهو ثقة من رجال السنن، إِلَّا أنّ المزيّ وبعده الحافظ لم يذكراه من شيوخ نعيم بن حمّاد، ولكن ذكر من شيوخ عثمان بن سعيد بن دينار (محمد بن مهاجر الأنصاريّ)، فإن كان هو عثمان بن سعيد بن دينار فهو ثقة، وإلّا فلا أعرف راويًا اسمه عثمان بن كثير بن دينار؛ ولذا ضعَّفه بعضُ أهل العلم، واللَّه تعالى أعلم.
وأمّا الحديث فقد حسَّنتُه؛ لأنّ نعيم بن حمّاد لم يأت فيه بشيء يُنكر عليه، ولم يذكره ابنُ عدي كما مضى، بل فيه ما يؤيّده ما جاء في الكتاب والسنة.
وأما المعية في قوله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [سورة الحديد: ٤] أي هو محيط بكم علمًا وقدرةً، وتدبيرًا وسلطانًا مع علوه على عرشه فوق جميع خلقه.
قال معدان عابد: سألت سفيان الثوريّ عن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ فقال: "علمه".
وقال الضّحّاك في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى﴾ [سورة المجادلة: ٧] قال: "هو اللَّه على العرش وعلمه معهم". انظر: الأسماء والصّفات (٢/ ٣٤١ - ٣٤٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى: "وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إِلَّا المقارنة المطلقة، من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى. فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا أو والنجم معنا. ويقال: هذا المتاع معي، لمجامعته لك، وإن كان فوق رأسك. فاللَّه مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة.
ثم هذه "المعية" تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ منها إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [سورة الحديد: ٤] دلّ ظاهر الخطّاب على أن حكم هذه المعيّة ومقتضاها أنه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم. وهذا معنى قول السلف: أنه
стр. 342
معهم بعلمه، وهذا ظاهر الخطّاب وحقيقته.
وكذلك في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [سورة المجادلة: ٧].
ولما قال النبيّ ﷺ لصاحبه في الغار: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [سورة التوبة: ٤٠] كان هذا -أيضًا- حقًّا على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع، والنصر والتأييد.
وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [سورة النحل: ١٢٨]. وكذلك قوله لموسى وهارون: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [سورة طه: ٤٦]. هنا المعية على ظاهرها، وحكمها في هذه المواطن النصر والتأييد" انتهى. انظر: "مجموع الفتاوى" (٥/ ١٠٣ - ١٠ ٤).
٤٦ - باب نفي التشبيه عن اللَّه تعالى
قال اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: ١١].
وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [سورة مريم: ٦٥].
وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [سورة النحل: ٧٤].
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ أراه: "قال اللَّه تعالى: يشتمني ابنُ آدم، وما ينبغي له أن يشتمني، ويكذّبني وما ينبغي له. أما شتُمه فقوله: إنّ لي ولدًا. وأمّا تكذيبه فقوله: ليس يعيدني كما بدأني".
وفي رواية: "وليس أوَّل الخلق بأهون عليَّ من إعادته".
صحيح: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣١٩٣) عن عبد اللَّه بن أبي شيبة، عن أبي أحمد، عن سفيان، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
والرّواية الثانية عنده (٤٩٧٤) من طريق شعيب، عن أبي الزّناد.
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كذَّبني ابنُ آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك. أما تكذيبه إياي أن يقول: إني لن أعيده كما بدأته، وأمّا شتُمه إيّاي أن يقول: اتخذ اللَّه ولدًا، وأنا الصّمد الذي لم ألد، ولم أُولد، ولم يكن لي كفوًا أحد"، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص].
كُفُؤًا وكفيئًا وكفاءً واحد.
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٩٧٥) عن إسحاق بن منصور، قال: وحدَّثنا عبد الرَّزاق، أخبرنا معمر، عن همَّام، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن أبي بن كعب قال: إنّ المشركين قالوا: يا محمد انسُب لنا ربَّك، فأنزل
стр. 343
اللَّه : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ قال: الصَّمد الذي لم يلد ولم يُولد، ولم يكن له كفوًا أحد؛ لأنه ليس شيءٌ يولد إِلَّا سيموت، وليس شيء يموت إِلَّا سيورث، وإنَّ اللَّه لا يموت ولا يورث ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ قال: لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء".
حسن: رواه الحاكم (٢/ ٥٤٠) من طرق عن الحسين بن الفضل، ثنا محمد بن سابق، ثنا أبو جعفر الرَّازيّ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، فذكره.
ومن هذا الطَّريق رواه أيضًا البيهقيّ في الأسماء والصفات (٥٠).
وإسناده حسن من أجل الكلام في أبي جعفر الرازيّ فقد تكلَّم فيه النسائيّ، وقال الإمام أحمد: ليس بقويّ، ووثقه ابن معين وأبو حاتم وابن سعد، وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة.
والخلاصة فيه ما قاله ابن عدي.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد".
ومن طريقه رواه الترمذيّ (٣٣٦٤)، والإمام أحمد (٢١٢١٩)، وابن أبي عاصم في السنة (٦٦٢)، وابن خزيمة في التوحيد (٤٨)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٨٨)، (٦٠٧)، ولكن في طريقهم جميعًا أبو سعد الصنعانيّ -واسمه محمد بن ميسَّر كما قال الترمذيّ- الراوي عن أبي جعفر الرَّازيّ.
وأهل العلم مطبقون على تضعيف أبي سعد الصنعانيّ، ولين فيه القول أبو داود فقال: "صدوق". ولكنه توبع في إسناد الحاكم.
وأظهر الترمذيّ علّة أخرى وهي الإرسال فرواه من وجه آخر عن عبيد اللَّه بن موسى، عن أبي جعفر، عن الرَّبيع، عن أبي العالية أنّ النبيّ ﷺ ذكر آلهتهم فقالوا: انْسُب لنا ربَّك. قال: فأتاه جبريل بهذه السورة فذكره نحوه، ولم يذكر فيه: عن أبي بن كعب.
قال الترمذيّ: "وهذا أصح من حديث أبي سعد، وأبو سعد اسمه محمد بن مُيسَّر" انتهى.
قلت: تصحيح الترمذيّ للمرسل لا يمنع من تحسين المسند، وخاصة وأن له شواهد وإن كانت لا تخلو من مقال، كما سيأتي.
قوله: "الأحد" هو الذي لا شبيه له ولا نظير، كما أنّ الواحد هو الذي لا شريك له ولا عديل، ولهذا سمَّى اللَّه نفسه بهذا الاسم.
وفي الباب ما رُوي عن جابر بن عبد اللَّه: أنّ أعرابيًّا أتي النبيَّ ﷺ فقال: انسب اللَّه، فأنزل اللَّه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. . . إلى آخرها.
رواه أبو يعلى (٢٠٤٤)، والطبراني في الأوسط (٥٦٧٨)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٣٥)،
стр. 344
والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٠٨) كلهم من طرق عن مجالد بن سعيد، عن الشعبيّ، عن جابر ابن عبد اللَّه، فذكر مثله.
وفيه مجالد بن سعيد الهمدانيّ ضعيف، وكان البخاريّ حسن الرَّأي فيه فقال: "صدوق". وحسَّنه السيوطيّ في "الدر المنثور" فلعلَّه لقول البخاريّ في مجالد بن سعيد أو لشواهده.
وفي الباب ما روي أيضًا عن أبي وائل مرسلًا، رواه أبو الشيخ في العظمة (٨٩)، وقد روي متصلًا بذكر ابن مسعود، والمرسل أصح.
وفي الباب عن ابن عباس: أنّ اليهود جاءت إلى النبيّ ﷺ منهم كعب بن الأشرف، وحُييّ بن أخطب، فقالوا: يا محمد: صفْ لنا ربَّك الذي بعثك. فأنزل اللَّه : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ﴾ فيخرج منه، ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ فيخرج من شيء، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ولا شبه. فقال: هذه صفة ربّي وتقدَّس علوًّا كبيرًا.
رواه البيهقيّ في الأسماء والصفات (٦٠٦) عن علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، نا مخلد بن أبي عاصم، نا محمد بن موسى -يعني الحرشي- نا عبد اللَّه بن عيسى، نا داود -يعني ابن أبي هند- عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده ضعيف.
عبد اللَّه بن عيسى - وهو ابن خالد الخزاز، وقد ينسب إلى جده "ضعف". والراوي عنه محمد ابن موسى -يعني الحرشي- "لين" كما في التقريب.
وفي لفظه نكارة أيضًا فإن اليهود لم يكونوا في مكة.
ومع هذا كلّه حسّنه الحافظ في "الفتح" (١٣/ ٣٥٦).
وفي الباب أيضًا، عن أنس قال: أنت يهود خيبر إلى النبيّ ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، خلق اللَّه الملائكة من نور الحجاب، وآدم من حمأ مسنون، وإبليس من لهب النار، والسماء من دخان، والأرض من زبد الماء، فأخبرنا عن ربّك ؟ فلم يجبهم النبيّ ﷺ ، فأتاه جبريل ﵇، فقال: يا محمد، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ليس له عروق فتشتعب إليه، ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ليس بالأجوف لا يأكل ولا يشرب، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ليس له ولد ولا والد ينسب إليه، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ليس من خلقه شيء يعدل به، يمسك السموات والأرض أن زالتا. هذه السورة ليس فيها ذكر جنة ولا نار، انتسب اللَّه إليها؛ فهي له خالصة.
رواه أبو الشيخ في العظمة (٨٦) عن أبي سعيد الثقفيّ، عن سلمة بن شبيب، حدثنا يحيى بن عبد اللَّه الحرانيّ، عن ضرار، عن أبان، عن أنس، فذكره.
وفيه يحيى بن عبد اللَّه الحراني البابلتيّ، قال فيه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٤٧٩): "كان كثير الخطأ لا يدفع عن السماع، ولكنه يأتي عن الثقات بأشياء معضلات ممن كان يهم فيها، حتى ذهب حلاوته عن القلوب لما شاب أحاديثه المناكير، فهو عندي فيما انفرد ساقط الاحتجاج، وفيما لم
стр. 345
يخالف الثقات معتبر به، وفيما وافق الثقات محتج به".
وفيه أيضًا أبان وهو ابن عياش البصريّ "متروك" كما في التقريب.
٤٧ - باب أنّ اللَّه يقول: يسُبُّ ابن آدم الدَّهرَ وأنا الدَّهرُ
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قال اللَّه : يؤذيني ابنُ آدم، يسبُّ الدّهر وأنا الدّهر، بيدي الأمر أقلّب اللَّيل والنَّهار".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٩١)، ومسلم في كتاب الألفاظ (٢٢٤٦) كلاهما من حديث سفيان، عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكر الحديث، ولفظهما سواء.
ورواه عبد الرّزاق عن معمر، عن الزّهريّ، بإسناده وفيه: "يقول ابن آدم يا خيبة الدّهر، فلا يقولنّ أحدكم: با خيبة الدّهر، فإنّي أنا الدّهر أقلّب ليله ونهاره، فإذا شئتُ قبضتهما". رواه مسلم عن عبد بن حميد، عن عبد الرزّاق، بإسناده مثله.
٤٨ - باب لا أحد أصبر على الأذى من اللَّه
• عن أبي موسى الأشعريّ، قال: قال النبيُّ ﷺ : "ما أحدٌ أصبرَ على أذى سمعه من اللَّه، يدّعون له الولد، ثم يعافيهم ويرزقهم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٣٧٨)، ومسلم في كتاب صفات المنافقين (٢٨٠٤) كلاهما من حديث الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن أبي عبد الرحمن السّلميّ، عن أبي موسى، فذكره، واللّفظ للبخاريّ.
وفي لفظ مسلم: "إنّه يشرك به، ويجعل له الولد".
٤٩ - باب أنّ أحدًا لن يرى اللَّه حتّى يموت
• عن ابن شهاب، قال: وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاريّ، أنه أخبره بعض أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، أن رسول اللَّه ﷺ قال يوم حذّر النّاس الدَّجال: "إنّه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه من كره عملَه، أو يقرؤه كلُّ مؤمن" وقال: "تعلَّموا أنّه لن يرى أحدٌ منكم ربَّه حتى يموت" وفي لفظ: "تعلموا".
صحيح: رواه مسلم في الفتن (٢٩٣٠: ١٦٩) عن حرملة بن يحيى بن عبد اللَّه، أخبرني ابنُ وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، بإسناده في حديث طويل في قصّة ابن صياد وهو مذكور في موضعه.
والرّواية الثانية عند الترمذيّ (٢٢٣٥).
• عن عبادة بن الصَّامت أنّه قال: إنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّي قد حدَّثتكم عن
стр. 346
الدَّجال حتى خشيتُ أن لا تعقلوا، إنّ مسيح الدَّجال رجل قصير أفحج، جعد، أعور مطموس العين، ليس بناتئة ولا حجْراء، فإنْ ألبس عليكم -قال يزيد: ربُّكم- فاعلموا أنّ ربَّكم ليس بأعور، وأنَّكم لن ترون ربَّكم حتى تموتوا".
قال يزيد: "تروا ربّكم حتى تموتوا".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٢٧٦٤) وولده عبد اللَّه عن أبيه في السنة (١٠٠٧)، وعثمان بن سعيد الدّارميّ في الرّد على الجهمية (١٨٢)، والبزار في البحر الزّخار (٢٦٨١)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٢٨)، والآجريّ في الشريعة (٨٨١) كلّهم من طرق عن بقيّة، قال: حدّثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عمرو بن الأسود، عن جُنادة بن أبي أميّة، أنّه حدّثهم عن عبادة بن الصّامت، فذكره، واللّفظ لأحمد.
ويزيد هو ابن عبد ربّه شيخ الإمام أحمد، وبقية هو ابن الوليد مدلّس، إِلَّا أنّه صرّح بالتحديث.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا أبو داود (٤٣٢٠) إِلَّا أنه لم يذكر قوله: "إنَّكم لن تروا ربّكم حتى تموتوا".
وهذا مما أجمع عليه أهلُ السّنة بأنَّ أحدًا لن يرى اللَّه في الدّنيا بعينه، كما أجمعوا على أنّ المؤمنين يرون اللَّه في الآخرة. وإنَّما الخلاف وقع بين الصحابة والتابعين ومن بعدهم في رؤية النبيّ ﷺ ربَّه بعينه ليلة الإسراء والمعراج.
قال الذّهبيّ في "العلو" (١/ ٧٦٥): "في رؤية النبيّ ﷺ ربَّه ليتئذ اختلاف:
١ - فذهب جماعة من السّلف إلى أنّه رأى ربَّه .
٢ - وذهب آخرون كأمّ المؤمنين عائشة ﵂ وغيرها إلى أنه لم يره.
٣ - وذهب طائفة إلى السكوت والوقف.
٤ - وقال قوم: رآه بعين قلبه" انتهى كلام الذّهبيّ.
وإليكم الآن الآثار الواردة عن الصّحابة بأنَّ النبيّ ﷺ لم يرَ ربَّه بعينه ليلة الإسراء والمعراج:
• عن مسروق، قال: كنت متكئًا عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة ثلاث من تكلّم بواحدة منهنَّ فقد أعظم على اللَّه الفريةَ. قلت: ما هنَّ؟ قالت: من زعم أنّ محمدًا ﷺ رأى ربَّه فقد أعظم على اللَّه الفريةَ. قال: وكنت متكئًا فجلستُ، فقلت: يا أمَّ المؤمنين أنْظريني ولا تَعْجَلِيني ألم يقل اللَّه : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [سورة التكوير: ٢٣] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [سورة النجم: ١٣]. فقالت: أنا أوّل هذه الأمّة سأل عن ذلك رسول اللَّه ﷺ . فقال: "إنّما هو جبريل، لم أرَهُ على صورته التي خُلِقَ عليها غير هاتين المرّتين. رأيتُه مُنهبطًا من السّماء سادًّا عِظمُ خَلْقِه ما بين السّماء
стр. 347
إلى الأرض". فقالت: أو لم تسمعْ أنّ اللَّه يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام: ١٠٣]، أو لم تسمع أن اللَّه يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [سورة الشورى: ٥١]. قالت: ومن زعم أنّ رسول اللَّه ﷺ كتم شيئًا من كتاب اللَّه فقد أعظم على اللَّه الفرية واللَّه يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [سورة المائدة: ٦٧]. قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على اللَّه الفِرْية، واللَّه يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة النمل: ٦٠].
متفق عليه: رواه مسلم في الإيمان (١٧٧) عن زهير بن حرب، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم (وهو ابن عليّة)، عن داود (ابن أبي هند)، عن الشّعبيّ، عن مسروق، فذكر الحديث.
ورواه البخاريّ في التفسير (٤٨٥٥)، ومسلم كلاهما من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر الشّعبيّ مختصرًا، وجاء فيه: قالت عائشة: سبحان اللَّه! لقد قفّ شعري لما قلتَ. . وساق الحديث. قال مسلم: وحديث داود أتمّ وأطول. أي الذي ذكرتُه.
وقالت أيضًا: ولو كان محمد ﷺ كاتمًا شيئًا مما أُنزل عليه لكتم هذه الآية ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [سورة الأحزاب: ٣٧]. رواه مسلم من وجه آخر عن داود بن أبي هند بإسناده.
• عن مسروق قال: قلت لعائشة: فأين قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [سورة النجم: ٨ - ٩] قالت: ذاك جبريل، كان يأتيه في صورة الرّجل، وإنّه أتاه هذه المرّة في صورته التي هي صورته، فسدّ الأفق.
متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٣٥)، ومسلم في الإيمان (١٧٧: ٢٩٠)، كلاهما من حديث أبي أسامة، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن ابن الأشوع، عن الشعبيّ، عن مسروق، فذكره.
• وعن أبي هريرة قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [سورة النجم: ١٣] قال: رأى جبريل.
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٧٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا علي بن مسهر، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن أبي إسحاق الشّيبانيّ قال: سألت زرّ بن حُبيش، عن قول اللَّه تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [سورة النجم: ٩ - ١٠] قال: حدّثنا ابنُ مسعود أنه رأى جبريل له ست مائة جناح.
стр. 348
متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٣٢)، وفي التفسير (٤٨٥٦، ٤٨٥٧)، ومسلم في الإيمان (١٧٤) كلاهما من طرق عن أبي إسحاق الشّيبانيّ فذكره.
ورواه عاصم وهو ابن بهدلة - عن زرّ بإسناده وقال فيه: عند سدرة المنتهى، له ستمائة جناح، يتناثر منه التهاويل: الدّر والياقوت.
رواه الإمام أحمد (٣٩١٥)، وابن خزيمة في التوحيد (٤٠٨) كلاهما من طريق حمّاد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة.
• وإسناده حسن لأجل عاصم، وسيأتي المزيد في صفة جبريل الخلقية.
• عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [سورة النجم: ١٨] قال: رأي رفْرَفًا أخضر سدَّ أفق السّماء.
صحيح: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٣٣) عن حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره.
وتابعه سفيان عن الأعمش، وفيه: "رأى رَفْرَفًا أخضر قد سدَّ الأفق". رواه البخاريّ في التفسير (٤٨٥٨) عن قبيصة، عن سفيان.
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [سورة النجم: ١١] قال: رأى رسولُ اللَّه ﷺ جبريل في حُلّة من رفرفٍ، قد ملأ ما بين السّماء والأرض.
حسن: رواه الترمذيّ (٣٢٨٣)، وابن خزيمة في التوحيد، وابن حبان في صحيحه (٥٩)، والحاكم (٢/ ٤٦٨ - ٤٦٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩٢٠) كلهم من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد اللَّه فذكره. وإسناده صحيح.
قال الترمذيّ: "حسن صحيح".
وقال الحاكم: "على شرط الشيخين".
قال ابن حبان في صحيحه (١/ ٢٥٧) بعد أن أخرج حديث ابن مسعود: "قد أمر اللَّه تعالى جبريل ليلة الإسراء أن يعلّم محمدًا ﷺ ما يجب أن يَعْلمه قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ [سورة النجم: ٥ - ٧] بريد به جبريل، ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [سورة النجم: ٨] يريد به جبريل، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [سورة النجم: ٩] بريد به جبريل، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [سورة النجم: ١٠] بجبريل، ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [سورة النجم: ١١] يريد به ربّه بقلبه في ذلك الموضع الشَّريف، ورأى جبريل في حُلّة من ياقوت قد ملأ ما بين السّماء والأرض على ما في خبر ابن مسعود" انتهى.
والتفسير الصحيح عن عائشة، وابن مسعود، وأبي هريرة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ
стр. 349
قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [سورة النجم: ٨ - ٩] بأنه جبريل ﵇ فإنه دنا من محمد ﷺ فتدلَّى أي فقرب منه، وقال بعضهم: فيه تقديم وتأخير أي تدلّى ودنا.
وأمّا ما رواه البخاريّ في التوحيد (٧٥١٧)، ومسلم في الإيمان (١٦٢) كلاهما من طريق شريك بن عبد اللَّه أنه قال: سمعت ابن مالك يقول (فذكر قصة الإسراء بطولها) وقال فيه: "حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبّارُ ربُّ العزّة فتدلّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى" هذا لفظ البخاريّ، وأمّا مسلم فلم يسق لفظه كاملًا، وإنّما أحال على رواية ثابت البنانيّ وقال: "وقدَّم فيه شيئًا وأخّر، وزاد ونقص".
لقد فطن مسلمٌ رحمه اللَّه تعالى لما وقع من شريك بن عبد اللَّه مخالفة لجمهور أهل العلم الذين قالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ أي جبريل ﵇ كما سبق، فلم يذكر لفظه كاملًا.
وأمّا البخاريّ ﵀ فسانه كما سمعه ولم يشأ أن يحذف منه شيئًا. وقد قال أهل العلم: هذا مما أخطأ فيه شريك بن عبد اللَّه وهو ابن أبي نمر وصفه ابن حجر في "التقريب" بأنه "صدوق يخطئ".
وقال البيهقيّ في "الأسماء والصفات" (٢/ ٣٥٧) بعد إخراج هذا الحديث وعزوه للبخاريّ: "ورواه مسلم عن هارون بن سعيد الأيليّ عن ابن وهب، ولم يسق متنه، وأحال به على رواية ثابت عن أنس ﵁، وليس في رواية ثابت عن أنس لفظ الدّنو والتدلي، ولا لفظ المكان، وروى حديث المعراج ابن شهاب الزهريّ عن أنس بن مالك ﵁، عن أبي ذر، وقتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة، ليس في حديث واحد منهما شيء من ذلك، وقد ذكر شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر في روايته هذه ما يستدل به على أنه لم يحفظ الحديث كما ينبغي له من نسيانه ما حفظه غيره، ومن مخالفته في مقامات الأنبياء الذين رآهم في السماء من هو أحفظ منه. وقال في آخر الحديث: "فاستيقظ وهو في المسجد"، ومعراج النبيّ ﷺ كان رؤية عين، وإنَّما شقّ صدره كان وهو ﷺ بين النائم واليقظان. ثم إنّ هذه القصّة بطولها إنّما هي حكاية حكاها شريك عن أنس بن مالك ﵁ من تلقاء نفسه، لم يعزها إلى رسول اللَّه ﷺ ، ولا رواها عنه، ولا أضافها إلى قوله، وقد خالفه فيما تفرّد به منها عبد اللَّه بن مسعود وعائشة وأبو هريرة ﵃، وهم أحفظ وأكبر وأكثر.
وروت عائشة وابن مسعود ﵄ عن النبيّ ﷺ ما دلّ على أنّ قوله ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ المراد به جبريل ﵊ في صورته التي خُلق عليها" انتهى.
وقال في "دلائل النّبوة" (٢/ ٣٨٥): "وفي حديث شريك زيادة تفرّد بها على مذهب من زعم أنه ﷺ رأى ربَّه ، وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤية جبريل ﵇ أصح".
قال ابن كثير في "تفسيره": "وهذا الذي قاله البيهقيّ رحمه اللَّه تعالى في هذه المسألة هو الحقّ".
стр. 350
• عن أبي ذرّ قال: سألتُ رسول اللَّه ﷺ : هل رأيتَ ربَّك؟ قال: "نورٌ أنّى أراه".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٧٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن يزيد بن إبراهيم، عن قتادة، عن عبد اللَّه بن شقيق، عن أبي ذر، فذكره.
ورواه أيضًا من طريق همام وهشام عن قتادة، عن عبد اللَّه بن شقيق، قال: قلت لأبي ذرّ: "لو رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ لسألتُه. فقال: عن أيِّ شيء كنتَ تسألُه؟ قال: كنت أسألُه: هل رأيتَ ربَّك؟ قال أبو ذرّ: قد سألتُ، فقال: "رأيتُ نورًا".
قوله: "نورٌ أنّى أراه" معناه نفي رؤية اللَّه ﵎، لأنه أراد بالنّور -نور الحجاب- كما جاء في حديث أبي موسى: "حجابه نورٌ لو كشفه لأحرقتْ سبحاتُ وجهه كلّ شيء أدركه البصر". فالمانع من رؤيته هو نور الحجاب.
وقوله: "رأيتُ نورًا" معناه مثل الأوّل - وأراد بالنّور نور الحجاب؛ لأنه لو أراد بذلك نور ذاته لقال للسّائل: نعم رأيته، فأراد أن يفهم السّائل أن الذي رآه هو النور الحجاب. انظر: باب "نوره الحجاب".
وقال ابن حبان في صحيحه (٥٨) بعد أن روى الحديث من طريق هشام بإسناده، مثله: "معناه: أنه لم ير ربَّه، ولكن رأي نورًا علويًّا من الأنوار المخلوقة".
وقد حاول ابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٤٣٩) الرّد على خبر أبي ذرّ زاعمًا أن عبد اللَّه بن شقيق لم يسمعه من أبي ذر فقال: "في القلب من صحة هذا الخبر شيء، لم أرَ أحدًا من أصحابنا من علماء أهل الآثار فطن لعلّة في إسناد هذا الخبر، فإنّ عبد اللَّه بن شقيق كأنه لم يكن يثبت أبا ذر، ولا يعرفه بعينه واسمه ونسبه، لأنّ أبا موسى محمد بن المثني حدثنا قال: حدّثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن عبد اللَّه بن شقيق، قال: "أتيت المدينة فإذا رجل قائم على غرائر سود يقول: ألا ليبشَّر أصحابُ الكنوز بكيٍّ في الجباه والجنوب. فقالوا: هذا أبو ذرّ صاحب رسول اللَّه ﷺ .
قال ابن خزيمة: فعبد اللَّه بن شقيق يذكر بعد موت أبي ذر أنه رأى رجلًا يقول هذه المقالة وهو قائم على غرائر سود خُبِّر أنه أبو ذرّ، كأنه لا يثبته ولا يعلم أنه أبو ذر" انتهى.
قلت: فإن كان الأثر الذي ذكره ابن خزيمة صحيحًا فيكون ذلك في أول دخوله المدينة، ثم جالسه وسأله كما تدل عليه الرّوايات الصّحيحة.
٥٠ - باب من قال: إنّ النبيّ ﷺ رأى ربَّه ﵎، وتأويل ذلك بأنَّه رآه بقلبه
• عن أبي ذرّ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال: رآه بقلبه ولم يَره بعينه.
стр. 351
صحيح: رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٤٢٨) واللالكائي في أصول الاعتقاد (٩١٥) كلاهما من طرق عن هُشيم قال: حدثنا منصور -وهو ابن زازان- عن الحكم، عن يزيد بن شريك الرشك، عن أبي ذرّ فذكره وإسناده صحيح، وهشيم مدلّس، وقد صرّح بالتحديث.
• عن ابن عباس، قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال: رآه بفؤاده مرّتين.
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٧٦: ٢٨٥) من طرق عن وكيع، حدثنا الأعمش، عن زياد ابن الحصين أبي جهمة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، فذكره.
• عن ابن عباس، قال: رآه بقلبه.
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٧٦: ٢٨٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره.
• عن ابن عباس، قال: أتعجبون أن تكون الخلّة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرّؤية لمحمّد ﷺ ؟ .
صحيح: رواه ابن أبي عاصم في السنة (٤٤٣)، وابن خزيمة في التوحيد (٣٨٣)، والحاكم (١/ ١٥)، وابن منده في الإيمان (٧٦٣)، وفي التوحيد (٥٨١) كلّهم من طريق هشام الدَّستوائيّ، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
صحّحه الحاكم وقال: "على شرط البخاريّ".
• عن ابن عباس أنّه قال: رأي محمدٌ ربَّه، فقال عكرمة: أليس اللَّه يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [سورة الأنعام: ١٠٣]. قال: ويحك، ذاك إذا تجلّى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى محمّدٌ ربَّه مرَّتين.
حسن: رواه الترمذيّ (٣٢٧٩) عن محمد بن عمرو بن نبهان بن صفوان الثقفيّ، حدثنا يحيى بن كثير العنبريّ أبو غسان، حدّثنا سلْم بن جعفر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
ورواه أيضًا ابنُ أبي عاصم في السنة (٤٣٧)، وابن خزيمة في التوحيد (٣٨٤)، واللالكائيّ في أصول الاعتقاد (٩٢٠)، والبيهقيّ في الأسماء والصفات (٩٣٦) كلّهم من طريق الحكم بن أبان، بإسناده، نحوه.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب".
وقال ابن أبي عاصم: "فيه كلام".
قلت: وهو يقصد به الحكم بن أبان، فإنّ فيه كلامًا خفيفًا من ناحية حفظه، وقد وثّقه ابن معين والنسائيّ والعجليّ.
стр. 352
قال البيهقيّ: "الحكم مجهول، غير محتجّ به في الصّحيح".
قلت: ليس بمجهول، لقد عرفه من كان قبله، ثم يشهد له ما يأتي.
• عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾، و ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ قال ابن عباس: قد رآه النبيّ ﷺ .
حسن: رواه الترمذيّ (٣٢٨٠) عن سعيد بن يحيى بن سعيد الأمويّ، حدثنا أبي، حدثنا محمد ابن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس، فذكره. وقال: "حديث حسن".
ورواه أيضًا ابن خزيمة في التوحيد (٤٠٢)، وابن حبان في صحيحه (٥٧)، والبيهقيّ في الأسماء والصّفات (٩٣٣) كلّهم من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، بإسناده، مثله.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو فإنه حسن الحديث.
وكذا قال الذّهبيّ أيضًا في "العلو" (٢٥٥).
• عن ابن عباس قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: رآه بقلبه.
حسن: رواه الترمذيّ (٣٢٨١)، وابن خزيمة في التوحيد (٣٩٤) كلاهما من طريق عبد الرزّاق، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
قال الترمذيّ: "حسن".
وأخرجه أيضًا اللالكائيّ (٩١٠، ٩١١) من أوجه عن سماك بإسناده، مثله.
وإسناده حسن من أجل سماك بن حرب.
وقد رُوي عنه أيضًا مرفوعًا: "رأيت ربي " وهو مختصر من حديث الرّؤيا كما سيأتي.
وسبق القول فيه أنّه رأى ربَّه ﵎ بفؤاده مرَّتين.
فإذا جمعت هذه الرّوايات عن ابن عباس فتظهر منها أنّها كلّها موقوفة.
ولا يقال فيها أنّها في حكم الرّفع -إذ لا مجال في الاجتهاد فيه-؛ لأنّه استنبطه من الآيات القرآنية، ولو كان فيه شيء مرفوع إلى النبيّ ﷺ لذكره في حالة السؤال والجواب.
لأنّه قد صحّ خلافه وهو قول عائشة: أنا أوّل هذه الأمّة سأل عن ذلك رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "إنّما هو جبريل، لم أره على صورته التى خُلق عليها غير هاتين المرّتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًّا عِظْم خلقه ما بين السماء والأرض". رواه مسلم كما سبق.
ثم هذه الرّوايات عن ابن عباس منها مطلقة، ومنها مقيّدة بالقلب والفؤاد، فحمل أهل العلم المطلقة على المقيّدة وجمعوا بين من أنكر رؤية النبيّ ﷺ لربّه كعائشة وغيرها، ومن أثبتها كابن عباس، فحملوا الإنكار على رؤية العين، والاثبات على رؤية القلب، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الحافظ ابن القيم رحمهما اللَّه تعالى.
стр. 353
وإليكم ما قاله شيخ الإسلام في فتاواه: "وأمّا الرؤية، فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: "رأى محمّد ربه بفؤاده مرتين" وعائشة أنكرت الرّؤية. فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد.
والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلقة، أو مقيدة بالفؤاد، تارة يقول: "رأى محمد ربه"، وتارة يقول: "رآه محمد"، ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه.
وكذلك الإمام أحمد، تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: رآه بفؤاده، ولم يقل أحد: إنه سمع أحمد يقول: رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق، فهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين.
وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل، كما في صحيح مسلم عن أبي ذرّ قال: سألت رسول اللَّه ﷺ هل رأيت ربك؟ فقال: "نور، أنى أراه؟ ! "
وقد قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [سورة الإسراء: ١]، ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.
وكذلك قوله: وارونه ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [سورة النجم: ١٨]، ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [سورة النجم: ١٨] ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.
وفي الصحيحين عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [سورة الإسراء: ٦٠]، قال: هي رؤيا عين، أريها رسول اللَّه ﷺ ليلة أسرى به، وهذه "رؤيا الآيات"؛ لأنّه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدقه قوم وكذبه قوم، ولم يخبرهم بأنه رأى ربه بعينه ولي في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه.
وقد ثبت بالنصوص الصحيحة واتفاق سلف الأمة، أنه لا يرى اللَّه أحد في الدنيا بعينه، إِلَّا ما نازع فيه بعضهم من رؤية نبينا محمد ﷺ خاصة، واتفقوا على أن المؤمنين يرون اللَّه يوم القيامة عيانًا، كما يرون الشمس والقمر". "مجموع الفتاوى" (٦/ ٥٠٩ - ٥١٠).
وأمّا الحافظ ابن القيم رحمه اللَّه تعالى فقال: "واختلف الصّحابة: هل رأى ربَّه تلك اللَّيلة أم لا؟ فصحَّ عن ابن عباس أنّه رأى ربَّه، وصحَّ عنه أنه قال: "رآه بفؤاده"، وصحَّ عن عائشة وابن مسعود إنكارُ ذلك وقالا: إن قوله ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [سورة النجم: ١٣ - ١٤] إنّما هو جبريل.
وصحَّ عن أبي ذرّ أنّه سأله: هل رأيتَ ربَّك؟ فقال "نورٌ أنى أراهُ". أي حال بيني وبين رؤيته النور كما قال في لفظ آخر: "رأيتُ نورًا".
стр. 354
وقد حكى عثمان بن سعيد الدَّارميّ اتفاق الصّحابة على أنّه لم يره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وليس قول ابن عباس: "إنّه رآه" مناقضًا لهذا، ولا قوله: "رآه بفؤاده" وقد صحّ عنه أنه قال: "رأيتُ ربِّي ﵎، ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لما احتُبس عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربَّه ﵎ تلك اللَّيلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد رحمه اللَّه تعالى وقال: "نعم رآه حقًّا"؛ فإنّ رؤيا الأنبياء حقّ، ولا بدَّ، ولكن لم يقلْ أحمد رحمه اللَّه تعالى: إنه رآه بعيني رأسه يقظةً، ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه، ولكن قال مرة: "رآه"، ومرة قال: "رآه بفؤاده". فحُكيتْ عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة من تصرُّف بعض أصحابه:
"إنّه رآه بعيني رأسه". وهذه نصوص أحمد موجودة، ليس فيها ذلك.
وأمّا قول ابن عباس: "إنّه رآه بفؤاده مرّتين". فإن كان استناده إلى قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [سورة النجم: ١١]، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [سورة النجم: ١٣]، والظَّاهر أنه مستنده؛ فقد صحّ عنه ﷺ أنّ هذا المرئي جبريل، رآه مرتين في صورته التي خُلق عليها، وقول ابن عباس هذا هو مستند الإمام أحمد في قوله: "رآه بفؤاده" واللَّه أعلم.
وأمّا قوله تعالى في سورة النَّجم ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [سورة النجم: ٨] فهو غير الدّنو والتَّدلي في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبريل وتدلّيه، كما قالت عائشة وابن مسعود، والسّياق يدلُّ عليه، فإنه قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [سورة النجم: ٥] وهو جبريل، ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [سورة النجم: ٦ - ٨]. فالضَّمائر كلُّها راجعة إلى هذا المعلِّم الشَّديد القوى، وهو ذو المرَّة، أي القوة، وهو الذي استوى بالأفق الأعلى، وهو الذي دني فتدلّى، فكان من محمد ﷺ قدر قوسين أو أدنى. فأمّا الدّنو والتدلي الذي في حديث الاسراء، فذلك صريح في أنه دنو الرّب ﵎ وتدلّيه، ولا تعرَّض في سورة النّجم لذلك، بل فيها أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، وهذا هو جبريل، رآه محمد ﷺ على صورته مرّتين: مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى، واللَّه أعلم". انظر: "زاد المعاد" (٣/ ٣٦ - ٣٨).
قلت: دنو الرَّب ﵎ وتدلّيه الذي في حديث الإسراء فقد سبق الكلامُ عليه بأنَّ هذا مما أخطأ فيه شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر، واللَّه أعلم.
٥١ - باب رؤية النّبيّ ﷺ ربّه في المنام
• عن معاذ بن جبل، قال: احتُبس عنّا رسول اللَّه ﷺ ذات غداة عن صلاة الصُّبح حتى كدنا نتراءى قرن الشّمس، فخرج سريعًا فثوَّب بالصَّلاة، فصلَّى رسول اللَّه ﷺ وتجوَّز في صلاته، فلمّا سلّم دعا بسوطه قال لنا: "على مصافِّكُم كما أنتم". ثم انفتل إلينا ثم قال: "أما إني سأحدِّثكم ما حبسني عنكم الغداة، إنِّي قمتُ
стр. 355
من اللّيل فتوضأت وصليت ما قُدِّر لي فنعستُ في صلاتي حتى استثقلتُ، فإذا أنا بربي ﵎ في أحسن صُورة، فقال: يا محمّد، قلتُ: لبَّيك ربِّ. قال: فيم يختص الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلاثا. قال: فرأيته وضع كفَّه بين كتفيَّ حتى وجتُ بَرْد أنامله بين ثدييَّ، فتجلّى لي كلُّ شيءٍ وعرفتُ، فقال: يا محمّد، قلت: لبيك ربّ، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفّارات. قال: ما هُنَّ؟ قلت: مشيُ الأقدام إلى الحسنات، والجلوس في المساجد بعد الصّلوات، وإسباغُ الوضوء حين الكَرِيهات، قال: فيمَ؟ قلتُ: إطعامُ الطعام، ولين الكلام، والصّلاة بالليل والناس نيام. قال: سَلْ، قُلْ: اللَّهُمَّ إني أسألك فعلَ الخيرات وترك المنكرات وحبَّ المساكين، وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة قوم فتوفني غير مفتون، وأسألُك حُبَّك وحُبَّ من يُحبُّك، وحُبَّ عملٍ يُقرِّبُ إلى حُبِّك. قال رسول اللَّه ﷺ : إنَّها حقٌّ، فادْرسُوها ثم تَعلّمُوها".
حسن: رواه الترمذيّ (٣٢٣٥) عن محمّد بن بشّار، حدثنا معاذ بن هانئ، حدثنا أبو هانئ اليشكريّ، حدثنا جهضم بن عبد اللَّه، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام، عن أبي سلّام، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرميّ، أنّه حدّثه عن مالك بن يُخامر السّكسكيّ، عن معاذ بن جبل، فذكره.
ورواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٤٤١)، وأحمد (٢٢١٠٩)، وابن عدي (٦/ ٢٣٤٤) كلَّهم من طريق يحيى بن أبي كثير به نحوه، واختصره ابن عديّ.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث. فقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال: هذا أصحّ من حديث الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر، قال: حدثنا خالد بن اللّجلاج، حدثني عبد الرحمن بن عائش الحضرميّ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ (فذكر الحديث)، وهذا غير محفوظ: هكذا ذكر الوليد في حديثه عن عبد الرحمن بن عائش قال سمعت رسول اللَّه ﷺ .
وروى بشر بن بكر، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر هذا الحديث بهذا الإسناد عن عبد الرحمن ابن عائش عن النّبيّ ﷺ وهذا أصحّ، وعبد الرحمن بن عائش لم يسمع من النبيّ ﷺ ". انتهى.
وأخرجه الحاكم (١/ ٥٢٠ - ٥٢١) من وجه آخر عن محمد بن شعيب بن شابور، عن عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر مثل حديث بشر بن بكر كما أشار إليه الترمذيّ، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ثم قال الحاكم: "وقد روي عن معاذ بن جبل، عن النبيّ ﷺ مثله".
فكان أولى أن يخرّج حديث يحيى بن أبي كثير؛ لأنّه صحّحه أهل العلم منهم البخاريّ وأحمد كما سيأتي. وأمّا عبد الرحمن بن عائش فلم يسمع من النبيّ ﷺ كما قال الترمذيّ، وقال أبو حاتم:
следующие страницы →