← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

من رمضان". وزاد البزار: "وترًا". حسن: رواه أبو يعلي (١٦٥)، والبزار -كشف الأستار (١٠٢٧) - كلاهما من حديث عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم بن كليب فإنه حسن الحديث. ومن طريقه رواه أيضًا البيهقي (٤/ ٣١٣). وفي الباب عن مرثد قال: سألت أبا ذر قلتُ: كنتَ سألتَ رسول الله ﷺ عن ليلة القدر؟ قال: أنا كنتُ أسأل الناس عنها! قال: قلتُ: يا رسول الله، أخبرني عن ليلة القدر أفي رمضان هي، أو في غيره؟ قال: "بل هي في رمضان". قال: قلت: تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبضوا رفعت، أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: "بل هي إلى يوم القيامة". قال: قلت: في أيِّ رمضان هي؟ قال: "التمسوها في العشر الأوّل، والعشر الأواخر". ثم حدَّث رسول الله ﷺ وحدث ثم اهتبلت غفلته، قلتُ: في أيِّ العشرين هي؟ قال: "ابتغوها في العشر الأواخر لا تسألني عن شيء بعدها". ثم حدّث رسول الله ﷺ وحدّث، ثم اهتبلْتُ غفلته، فقلتُ: يا رسول الله، أقسمتُ عليك بحقّي عليك لما أخبرتني في أيِّ العشر هي؟ قال: فغضب عليَّ غضبًا لم يغضبْ مثله منذ صحبتُه أو صاحبته (كلمة نحوها) قال: "التمسُوها في السبع الأواخر لا تسألني عن شيء بعدها". رواه الإمام أحمد (٢١٤٩٩)، والبزار في مسنده (٤٠٦٨)، وابن خزيمة (٢١٧٠)، والحاكم (١/ ٤٣٧، ٢/ ٥٣٠ - ٥٣١)، والبيهقي (٤/ ٣٠٧) كلّهم من طريق عكرمة بن عمار، حدثني أبو زُميل سماك الحنفيّ، حدثني مالك بن مرثد بن عبد الله الزماني، حدثني أبي مرثد، قال (فذكره). قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". قلت: مالك بن مرثد وأبوه مرثد ليسا من رجال مسلم، وإنما أخرج لهما البخاري في "الأدب المفرد" إلا أن مالك بن مرثد بن عبد الله ثقة. وأما أبوه فقال الذهبي في "الميزان" (٤/ ٨٧): "فيه جهالة. ذكره العقيلي وقال: لا يتابع على حديثه. هكذا وجدتُ بخطّي، فلا أدري من أين نقلته إلا أنه ليس بمعروف، وقد أفرده شيخنا أبو الحجاج عن مرثد بن عبد الله اليزني، ما روى عنه سوى ولده مالك. فأما اليزني فيكنى أبا الخير من كبار التابعين بمصر". وأما توثيق العجلي، وابن حبان له، فذلك من تساهلهما المعروف. ولا سيما وأن في متنه بعض النكارة لمخالفته المعروف من هدي النبيّ ﷺ . وفيه علة أخرى، وهي الاضطراب في الإسناد، فقد رواه الأوزاعي، عن مالك بن مرثد، عن أبيه. هكذا رواه ابن حبان - كما في "الموارد" (٩٢٦) عن ابن سلم، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، بإسناده.

стр. 2907

وفي صحيح ابن حبان المطبوع (٣٦٨٣) بنفس هذا الإسناد عن الأوزاعي، قال: حدثني مرثد ابن أبي مرثد، عن أبيه، بدون ذكر "مالك". ورواه ابن خزيمة (٢١٦٩) عن محمد بن رافع، حدثنا أبو عاصم، عن الأوزاعي، عن مرثد أو أبي مرثد -شك أبو عاصم-، عن أبيه، قال (فذكر الحديث). وأبو عاصم هو الضحّاك بن مخلد لم يحفظ اسم الراوي تبعًا لشيخه الأوزاعي فإنه تردّد بين مرثد أو أبي مرثد، والصواب أنه ابن مرثد وهو مالك بن مرثد. فيكون الأوزاعي قد تابع سماكًا الحنفي كلاهما يرويان عن مالك بن مرثد، عن أبيه. ٧ - باب ما جاء في ليلة القدر أنها كانت ليلة إحدى وعشرين • عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه ورجع من كان يجاور معه وأنه أقام في شهر جاور فيه الليلة التي كان يرجع فيها فخطب الناس فأمرهم ما شاء الله ثم قال: "كنت أجاور هذه العشر, ثم قد بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه. وقد أُريت هذه الليلة ثم أُنسيتُها فابتغوها في العشر الأواخر، وابتغوها في كلِّ وتر، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين". فاستهلت السماء في تلك الليلة فأمطرت فوكف المسجد في مصلى النبي ﷺ ليلة إحدى وعشرين فبصرت عيني رسول الله ﷺ ونظرت إليه انصرف من الصّبح ووجهه ممتلئٌ طينًا وماء. متفق عليه: رواه البخاريّ في فضل ليلة القدر (٢٠١٨)، ومسلم في الصيام (١١٦٧: ٢١٤) كلاهما من طريق يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. واللفظ للبخاري. ٨ - باب ما جاء في ليلة القدر أنها كانت في ثلاث وعشرين • عن عبد الله بن أُنيس، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "أُريتُ ليلة القدر ثم أُنسيتُها، وأراني صُبْحَها أسجُدُ في ماء وطين". قال: فمطرنا ليلة ثلاثٍ وعشرين، فصلّي بنا رسولُ الله ﷺ ، فانصرف وإنَّ أثر الماءِ والطِّين على جبهته وأنفه. قال: وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاثٍ وعشرين. صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١٦٨) من طريق أبي ضمرة، عن أبي النّضر مولي ابن

стр. 2908

عبيد الله، عن بُسر بن سعيد، عن عبد الله بن أُنيس، فذكره. وأبو ضمرة هو أنس بن عياض الليثيّ. • عن ابن عباس، قال: أُتيتُ وأنا نائم في رمضان، فقيل لي: إنّ الليلة ليلة القدر. قال: فقمتُ وأنا ناعس، فتعلقتُ ببعض أطناب فسطاط رسول الله ﷺ ، فأتيتُ رسول الله ﷺ فإذا هو يصلي. قال: فنظرتُ في تلك الليلة، فإذا هي ليلة ثلاث وعشرين. حسن: رواه الإمام أحمد (٢٣٠٢، ٢٥٤٧)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٩٢ - ٢٩٣) كلاهما من حديث أبي الأحوص، قال: أخبرنا سماك، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس (فذكره). وإسناده حسن من أجل سماك وهو ابن حرب بن أوس الذهلي مختلف فيه غير أنه حسن الحديث في غير روايته عن عكرمة، فإنه اضطرب فيه. هذا هو المعتمد في روايته عن عكرمة إلّا إذا وُجد ما يعضّده فيحسّن حديثه. وقوله: فإذا هي ليلة ثلاث وعشرين" له شاهد صحيح لحديث عبد الله بن أنيس، فيغلب على الظّن أنه لم يضطرب في هذا. وقد جاء عن ابن عباس أنه كان يوقظ أهله ليلة ثلاث وعشرين. وابن عباس له أحاديث في ليلة القدر، ولا يعارض بعضه بعضًا؛ فلعله كان يحدّث مرة بهذا، وأخرى بهذا. وذلك كشأن الأحاديث الأخرى في ليلة القدر من الصحابة الآخرين. ٩ - باب ما جاء في ليلة القدر أنها في إحدى وعشرين وثلاث وعشرين وخمس وعشرين • عن عبد الله أنّ النبيَّ ﷺ قال: "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى". وفي رواية: "هي في العشر الأواخر، في تسع يمضين، أو في سبع يَبْقين". صحيح: رواه البخاريّ في فضل ليلة القدر (٢٠٢١) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا وُهيب، حدّثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس. والرواية الثانية (٢٠٢٢) عن عبد الله بن أبي الأسود، حدّثنا عبد الواحد (هو ابن زياد)، حدّثنا عاصم (هو ابن سليمان الأحول)، عن أبي مِجْلَز وعكرمة، قالا: قال ابن عباس، فذكره. • عن عُبادة بن الصّامت، قال: خرج النبيُّ ﷺ ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحي رجلان من المسلمين، فقال: "إني خرجتُ لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان،

стр. 2909

فرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في السبع والتسع والخمس". صحيح: رواه البخاري في الإيمان (٤٩)، وفي المواضع الأخرى (٢٠٢٣، ٦٠٤٩) من طرق عن حميد، عن أنس، عن عبادة بن الصامت، فذكره. ورواه أبو داود الطيالسي (٥٧٧) عن حماد، عن ثابت وحميد، عن أنس، عن عبادة بن الصامت، أنّ رسول الله ﷺ خرج ... فقال: "فاختلجت مني فاطلبوها في العشر الأواخر في سابعة تبقى، أو تاسعة تبقى، أو خامسة تبقى". قوله: "فتلاحى فلان وفلان" من الملاحاة، وهي المشاجرة، ورفع الأصوات والمراجعة بالقول الذي لا يصلح على حال الغضب، وذلك شؤم. • عن أنس، أنّ النبيَّ ﷺ خرج علينا في رمضان، فقال: "إنّي أُريتُ هذه الليلة في رمضان حتى تلاحي رجلان، فرُفعتْ، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة". صحيح: رواه مالك في الاعتكاف (١٣) عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، فذكره. ولم يخرج البخاري حديث مالك، وإنما أخرجه من طريق أخرى عن حميد، عن أنس، عن عبادة بن الصامت. فجعله من مسند عبادة. فقول أنس: "خرج علينا في رمضان ... " هل كان أنس بن مالك ممن خرج عليه رسول الله ﷺ وسمع منه الحديث المذكور؟ قال ابن عبد البر: "هكذا روي مالك هذا الحديث لا خلاف عنه في إسناده ومتنه، وفيه عن أنس: خرج علينا رسول الله". ثم قال: "وإنما الحديث لأنس عن عبادة بن الصامت" فذكره. فالظاهر من كلامه أنه يجعل الحديث من مسند عبادة بن الصامت. فلعلّ أنسًا كان يروي هذا الحديث على وجهين، فمرة عن عبادة بن الصامت، وأخرى بدون ذكره. وهو أمر كان جائزًا عند صغار الصحابة مثل: أنس وابن عباس وغيرهما، وبهذا الجمع لا يلزم تخطئة مالك فإنه رواه كما سمع. ولذلك كان يروي أحيانًا بدون أن يقول: "خرج علينا رسول الله ﷺ ". رواه الإمام أحمد (١٣٤٥٢)، والبزار -كشف الأستار (١٠٢٩) - كلاهما من حديث عبد الوهاب بن عطاء، ثنا سعيد أنه سئل عن ليلة القدر، فحدّثنا عن قتادة، عن أنس، عن النبيّ ﷺ : "التمسوها في العشر الأواخر في التاسعة والسابعة والخامسة". وسعيد هو ابن أبي عروبة كان أثبت الناس في قتادة إلا أنه اختلط، وبقي في اختلاطه خمس سنوات ولا يحتج إلا بما روى عنه القدماء مثل يزيد بن زريع وابن المبارك، ويعتبر برواية

стр. 2910

المتأخرين عنه دون الاحتجاج بها. وعبد الوهاب بن عطاء المعروف بالخفاف ممن سمع منه قبل الاختلاط، وهو القائل: إنّ سعيدًا خولط سنة (١٤٨)، وعاش بعدما خولط تسع سنين. وعبد الوهاب حسن الحديث. وقوله: "فرُفعت" أي رفع علم تلك الليلة بعد أن علم النبيّ ﷺ وأراد أن يخبر بها أصحابه، ولذلك قال: "فالتمسوها في كذا وكذا". ولا يصح من قال: "رفعت ليلة القدر إلى الأبد ولا تعود". • عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، والتمسوها في التاسعة، والسابعة والخامسة"، قال: قلت: يا أبا سعيد، إنّكم أعلم بالعدد منا. قال: أجل، نحن أحقّ بذلك منكم. قال: قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟ قال: إذا مضتْ واحدة وعشرون فالتي تليها التاسعة. فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، فإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة. صحيح: رواه مسلم (١١٦٧: ٢١٧) عن محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الأعلى، حدّثنا سعيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكره. ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود (١٣٨٣) واللفظ له، وأما لفظ مسلم ففي أوله ذكر الاعتكاف. انظره في موضعه. ١٠ - باب إنّها في ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين • عن عبد الله بن مسعود، قال: سئل النّبيّ ﷺ عن ليلة القدر، فقال: "كنتُ أُعلمتها، ثم انفلتت مني، فاطلبوها في سبع يبقين، أو ثلاث يبقين". حسن: رواه البزار -كشف الأستار (١٠٢٨) - عن عبد الله بن يوسف، ثنا عبد الله بن الجهم، ثنا عمرو بن أبي قيس، عن الزبير بن عدي، عن أبي وائل، عن عبد الله، فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد الله بن الجهم، وشيخه عمرو بن أبي قيس، فهما صدوقان. وذكره الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٧٦) وقال: "رجاله ثقات". ١١ - باب تحري ليلة القدر في السّبع الأواخر • عن ابن عمر، أنّ رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ أُرُوا ليلة القدر في المنام في السّبع الأواخر. فقال رسول الله ﷺ : "إنّي أرى رُؤياكم قد تواطأتْ في السّبع

стр. 2911

الأواخر، فمن كان متحرّيها، فليتحرَّها في السّبع الأواخر". متفق عليه: رواه مالك في الاعتكاف (١٤) عن نافع، عن ابن عمر. ورواه البخاري في فضل ليلة القدر (٢٠١٥)، ومسلم في الصيام (١١٦٥: ٢٠٥) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. ورواه مالك (١١) ومن طريقه مسلم (١١٦٥: ٢٠٦) عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، مختصرًا، بلفظ: "تحرّوا ليلة القدر في السّبع الأواخر". وقوله: "السبع الأواخر" والظاهر أن المراد به أواخر الشهر. وقيل: المراد به السبع التي أولها ليلة الثاني والعشرين، وآخرها ليلة الثامن والعشرين. فعلى الأول لا تدخل ليلة إحدى وعشرين ولا ثلاث وعشرين. وعلى الثاني تدخل الثانية فقط، ولا تدخل ليلة التاسع والعشرين. قاله الحافظ ابن حجر في "الفتح": ثم اعلم أن حديث ابن عمر اختلفت ألفاظه على ألوان: منها: "أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر". وهو متفق عليه، وفي مسلم جاء بألفاظ مختلفة. ومنها: "تحروا ليلة القدر في السبع الأواخر". رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر. ومنها: "أرى رؤياكم في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر منها". رواية سالم عن أبيه. ومنها: "أن ناسًا منكم قد أُروا أنها في السبع الأول، وأُري ناس منكم أنها في السبع الغوابر، فالتمسوها في العشر الغوابر". وهي أيضًا رواية سالم عن أبيه. ومنها: "التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبنّ على السبع البواقي". وهي رواية عقبة بن حريث، عن ابن عمر. ومنها: "من كان ملتمسها، فليلتمسها في العشر الأواخر". وهي رواية جبلة، عن ابن عمر. ومنها: "تحيّنوا ليلة القدر في العشر الأواخر". أو قال: في "التسع الأواخر". هذه رواية جبلة ومحارب عن ابن عمر. يقول القرطبي في "المفهم" (٣/ ٢٥١) بعد أن سرد بعض هذه الروايات: "والحاصل من مجموع الأحاديث، ومما استقرّ عليه أمر رسول الله ﷺ في طلبها: أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها متنقلة، وبهذا يجتمع شتات الأحاديث المختلفة الواردة في تعيينها، وهو قول مالك والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وغيرهم على ما حكاه أبو الفضل عياض، فاعتمد

стр. 2912

عليه وتمسّك به". قلت: ولكن أكثر الروايات أنها في أوتارها في العشر الأواخر، ثم اختلفت الروايات في تعيين أوتارها كما ترى. فالحاصل أنها في العشر الأواخر في أوتارها بدون تعيين، فقد يكون حصلت في عهد النبيّ ﷺ في ليلة من ليالي الوتر في العشر الأواخر، فلا يلزم منه أن تستمر في هذه الليلة إلى يوم القيامة. • عن بلال مؤذن النبيّ ﷺ أنه قال: "إنّها في السّبع في العشر الأواخر". صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٤٧٠) عن أصبغ، قال: أخبرني ابن وهب، قال: أخبرني عمرو، عن ابن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن الصنابحيّ، أنه قال له: متي هاجرت؟ قال: خرجنا من اليمن مهاجرين، فقدمنا الجحفة، فأقبل راكب، فقلت له: الخبر؟ فقال: دفنا النبيّ ﷺ منذ خمس. فقلت: هل سمعت في ليلة القدر شيئًا؟ قال: نعم، أخبرني بلال، فذكره. وقد رُوي عن بلال أنها ليلة أربع وعشرين، وأنها ليلة ثلاث وعشرين، وكلاهما لا يصح. والصّواب عنه أنها ليلة السبع في العشر الأواخر بدون تعيين. • عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ : "اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر، فإن غلبتم فلا تُغلبوا على السبع البواقي". حسن: رواه عبد الله بن أحمد (١١١١)، قال: حدثني سويد بن سعيد، أخبرني عبد الحميد بن الحسن الهلالي، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يَريم، عن علي فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد الحميد بن الحسن الهلالي فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخطئ، وهذا مما لم يخطئ فيه إن شاء الله تعالى من أجل أصول ثابتة، وقد قال أبو حاتم: "شيخ"، ووثّقه ابن معين في رواية. وفي الباب ما رُوي عن أبي عقْرب، قال: غدوتُ إلى ابن مسعود ذات غداة في رمضان، فوجدته فوق بيته جالسًا، فسمعنا صوته وهو يقول: صدق الله، وبلَّغ رسولُه. فقلنا: سمعناك تقول: صدق الله، وبلَّغ رسوله. فقال: إنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّ ليلة القدر في النصف من السبع الأواخر من رمضان، تطلع الشمس غداتئذ صافية، ليس لها شعاع". فنظرتُ إليها فوجدتُها كما قال رسول الله ﷺ . رواه أحمد (٣٨٥٧) عن أبي النضر، حدثنا أبو معاوية -يعني شيبان-، عن أبي اليعفور، عن أبي الصلت، عن أبي عقرب، فذكره. وأبو الصلت وشيخه أبو عقرب مجهولان. ١٢ - باب من قال ليلة القدر في السابع والعشرين من رمضان • عن زرّ بن حُبيش قال: سألت أبيَّ بن كعب ﵁، فقلت: إنَّ أخاك ابن

стр. 2913

مسعود يقول: من يَقُم الحوْلَ يُصِبْ ليلة القدر. فقال: ﵀، أراد أن لا يتكل الناس. أما إنّه قد علم أنها في رمضان، وأنّها في العشر الأواخر. وأنّها ليلة سبع وعشرين. ثم حلف لا يستثني أنّها ليلةُ سبعٍ وعشرين. فقلتُ: بأيّ شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ أنها تطلع يومئذ لا شعاعَ لها. صحيح: رواه مسلم في الصيام (٧٦٢: ٢٢٠) من طريق سفيان بن عيينة، عن عبدة (هو ابن أبي لبابة)، وعاصم بن أبي النجود، سمعا زر بن حبيش يقول (فذكره). • عن أبي هريرة، قال: تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله ﷺ ، فقال: "أيُّكم يذكرُ حين طلع القمرُ، وهو مثلُ شِقِّ جفنة". صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١٧٠) من طريق مروان الفزاريّ، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره. وقوله: "شقّ جفنة" الشق: هو النصف، والجفنة: القصعة. قال القاضي عياض: "فيه إشارة إلى أنها تكون في أواخر الشهر؛ لأنّ القمر لا يكون كذلك عند طلوعه إلا في أواخر الشهر". وقال أبو الحسن الفارسيّ: وهي ليلة سبع وعشرين، فإنّ القمر فيها بتلك الصفة. ذكره الحافظ في "الفتح" (٤/ ٢٦٤). • عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر: "إنّها ليلة سابعة، أو ليلة تاسعة وعشرين، وإنّ الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى". حسن: رواه أحمد (١٠٧٣٤)، وأبو داود الطيالسي (٢٦٦٨)، والبزار -كشف الأستار (١٠٣٠) -، والطبراني في الأوسط (٢٥٢٢)، وابن خزيمة (٢١٩٤) كلّهم من طرق، عن عمران بن داور القطان، عن قتادة، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل الكلام في عمران بن داوَر القطان فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث ما لم يخالف أو يأتي في حديثه ما ينكر عليه. وحديثه هذا ليس فيه ما ينكر عليه إلّا قوله: "إن الملائكة في تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى" فإنه لم يتابع على هذا. إلا أنه يشهد له في الجملة قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [سورة القدر]. • عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ، عن النبيّ ﷺ قال: "نظرتُ إلى القمر صبيحة ليلة القدر، فرأيته كأنه فِلْق جَفْنة". صحيح: رواه أحمد (٢٣١٢٩) عن محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، أنه سمع

стр. 2914

أبا حذيفة يحدّث عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ، فذكره. قال أبو إسحاق: إنما يكون القمر كذلك صبيحة ليلة ثلاث وعشرين. ورواه أحمد (٧٩٣)، وأبو يعلى (٥٢٥) كلاهما من حديث حُديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن أبي حذيفة، عن علي، عن النبيّ ﷺ ، فذكر مثله. إلا أن أبا يعلي قال فيه: "كأنه شق جفنة". وهذا إسناد ضعيف من أجل حُديج بن معاوية فإنه سيء الحفظ؛ ولعلّ هذا من وهمه أن يروي عن أبي إسحاق، وجعل الحديث من مسند علي، وقد روي شعبة وغيره عن أبي إسحاق وجعل الصحابي غير مسمى. ورواية شعبة أشبه بالصواب. وقد يكون الوهم من أبي إسحاق نفسه فإن شعبة روى عنه قبل الاختلاط، ولعل حديج بن معاوية روى عنه بعد الاختلاط. وقد سئل الدارقطني عن حديث شعبة فقال: "هو المحفوظ". انظر: العلل (٥/ ١٨٦). وأبو حذيفة اسمه سلمة بن صهيب. وأما قول أبي إسحاق: إنما يكون القمر كذلك صبيحة ليلة ثلاث وعشرين، فقد سبق القول لأبي الحسن الفارسي بأنها ليلة سبع وعشرين. • عن معاوية بن أبي سفيان، عن النبيّ ﷺ في ليلة القدر، قال: "ليلة القدر، ليلة سبع وعشرين". صحيح: رواه أبو داود (١٣٨٦) عن عبيد الله بن معاذ، ثنا أبي، أخبرنا شعبة، عن قتادة، أنه سمع مطرفًا، عن معاوية بن أبي سفيان، فذكره. ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي (٤/ ٣٠٢)، وصحّحه ابن حبان (٣٦٨٠). وإسناده صحيح. • عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان متحريها، فليتحرها ليلة سبع وعشرين". وقال: "تحروها ليلة سبع وعشرين" يعني ليلة القدر. صحيح: رواه الإمام أحمد (٤٨٠٨) عن يزيد بن هارون، أخبرنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، فذكره. وإسناده صحيح. ورواه أبو داود الطيالسي (٢٠٠٠) عن شعبة نحوه. ورواه مالك، ومن طريقه مسلم (١١٦٥: ٢٠٦) عن عبد الله بن دينار، ولفظه: "تحروا ليلة القدر في السبع الأواخر" كما سيأتي. ويبدو هذا هو الصحيح، كما رواه أحمد (٦٤٧٤)، قال عبد الله: قرأت على أبي هذا الحديث، وسمعته سماعًا، قال: حدّثنا الأسود بن عامر، حدثنا شعبة، قال: عبد الله بن دينار، أخبرني قال: سمعت ابن عمر يحدث عن النبيّ ﷺ في ليلة القدر قال: "من كان متحريها، فليتحرّها في ليلة سبع وعشرين". قال شعبة: وذكر لي رجل ثقة عن سفيان أنه كان يقول: إنما قال: "من كان متحريها فليتحرها

стр. 2915

في السبع البواقي". قال شعبة: فلا أدري ذا أو ذا؟ شعبة شك. قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: الرجل الثقة: يحيى بن سعيد القطان. • عن ابن عباس، أنّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا نبي الله، إنّ أبي شيخ كبير عليل يشقّ عليه القيام، فأْمرني بليلة لعلّ الله يوفقني فيها ليلة القدر. قال: "عليك بالسابعة". صحيح: رواه أحمد (٢١٤٩) عن معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس، فذكره. ومن طريقه رواه الطبراني في الكبير (١١/ ٣١١)، والبيهقي (٤/ ٣١٣). وإسناده صحيح. قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٧٦): "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح"، ولم يعزه إلى الطبراني وهو رواه من طريق أحمد. وقوله: "عليك بالسّابعة". أي بعد مضي سبع بعد العشرين. • عن عبد الله بن عباس، قال: كان عمر يدعوني مع أصحاب محمد ﷺ ، فيقول لي: لا تكلم حتى يتكلموا. قال: فدعاهم، فسألهم عن ليلة القدر، فقال: أرأيتم قول رسول الله ﷺ : "التمسوها في العشر الأواخر". أي ليلة ترونها؟ فقال بعضهم: ليلة إحدى، وقال بعضهم: ليلة ثلاث، وقال آخر: خمس، وأنا ساكت. قال: فقال: ما لك لا تتكلّم؟ قال: قلت: إن أذنت لي يا أمير المؤمنين! تكلّمت؟ قال: فقال: ما أرسلتُ إليك إلا لتتكلّم. قال: فقلت: أحدّثكم برأيي؟ قال: عن ذلك نسألك. قال: فقلت: السبع. رأيتُ الله ذكر سبع سماوات، ومن الأرض سبعًا، وخلق الإنسان من سبع، ونبت الأرض سبع. قال: فقال: هذا أخبرتني ما أعلم، أرأيت مالا أعلم ما هو قولك: نبت الأرض من سبع؟ قال: فقلت: إن الله يقول: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [سورة عبس: ٢٦ - ٣١]. والأب: نبت الأرض مما يأكله الدواب ولا يأكله الناس. قال: فقال عمر: أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه بعد، إني والله! ما أرى القول إلا كما قلت. وقال: قد كنتُ أمرتُك أن لا تكلم حتى يتكلموا، وإني آمرك أن تتكلم معهم. حسن: رواه الإمام أحمد (٨٥)، والبزار (٢١٠)، وأبو يعلى (١٦٥)، وصححه ابن خزيمة (٢١٧٢)، والحاكم (١/ ٤٣٧ - ٤٣٨) كلهم من حديث عاصم بن كليب الجرمي، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره. والسياق لابن خزيمة.

стр. 2916

قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". وإسناده حسن من أجل عاصم بن كليب، فإنه حسن الحديث. وذكره الإمام أحمد مختصرًا عن عاصم بن كليب، قال: أبي فحدثتُ به ابن عباس، قال: وما أعجبك من ذلك؟ كان عمر إذا دعا الأشياخ من أصحاب محمد ﷺ دعاني معهم، فقال: لا تكلم حتى يتكلموا. قال: فدعانا ذات يوم أو ذات ليلة، فقال: إنّ رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر ما قد علمتم: "فالتمسوها في العشر الأواخر وترًا" ففي أي الوتر ترونها؟ ". ورواه البيهقي (٤/ ٣١٣) من طريق عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن قتادة وعاصم أنهما سمعا عكرمة يقول: قال ابن عباس: دعا عمر أصحاب النبيّ ﷺ فسألهم عن ليلة القدر، فأجمعوا أنها في العشر الأواخر. فقلت لعمر: إني لأعلم، وإني لأظن أي ليلة هي؟ قال: وأيّ ليلة هي؟ قلت: سابعة تمضي، أو سابعة تبقى من العشر الأواخر. قال: ومن أين تعلم؟ قلت: خلق الله سبع سماوات، وسبع أرضين، وسبعة أيام، وإنّ الدهر يدور في سبع، وخلق الإنسان فيأكل ويسجد على سبعة أعضاء، والطواف سبع، والجبال سبع. فقال عمر: لقد فطنتَ لأمر ما فطنا له". قال البيهقي في "فضائل الأوقات" (ص ٢٤٤) نقلًا عن شيخه الحليمي: "وكلّ هذا استدلال، وليس بيقين، وقد كان رسول الله ﷺ يعلمها في الابتداء غير أنه لم يكن مأذونا له في الإخبار بها لئلا يتكلوا على علمها فيحيوها دون سائر الليالي ... ". وفي الباب عن ابن مسعود، قال: إنّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ ، فقال: متى ليلة القدر؟ قال: "ومن يذكر منكم ليلة الصهباوات؟ ". قال عبد الله: أنا بأبي أنت وأمي، وإنّ في يدي لتمرات أتسحّر بهن مستترًا بمؤخرة رحْلي من الفجر، وذلك حين طلع الفجر". رواه الإمام أحمد (٣٥٦٥، ٣٧٦٤)، وأبو يعلي (٥٣٩٣)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٥٢)، والطحاوي في شرحه (٤٥٤٨) كلهم من طريق المسعودي، عن سعيد بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، فذكره. وفيه انقطاع فإنّ أبا عبيدة وهو ابن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه. والمسعوديّ هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة اختلط بآخره إلا أن في بعض طرقه من سمع منه قبل الاختلاط منهم شيخ الإمام أحمد عمرو بن الهيثم أبو قطن، قال: حدثنا المسعودي. فانحصرت العلة في الانقطاع. وقوله: "ليلة الصهباوات" فسّروها بليلة سبع وعشرين. ١٣ - باب ما رُوي أنها في ليلة سبع عشرة رُوي عن ابن مسعود، قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "اطلبوها ليلة سبع عشرة من رمضان، وليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين" ثم سكت.

стр. 2917

رواه أبو داود (١٣٨٤) عن حكيم بن سيف الرقي، أخبرنا عبيد الله -يعني ابن عمرو-، عن زيد -يعني ابن أبي أنيسة-، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابن مسعود، فذكره. أعلّه المنذريّ بقوله: "في إسناده حكيم بن سيف، وفيه مقال". قلت: حكيم بن سيف هذا هو ابن حكيم الأسدي مولاهم أبو عمرو الرقي، قال فيه أبو حاتم: "شيخ صدوق لا بأس به، يكتب حديثه، ولا يحتجّ به، ليس بالمتين". وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عبد البر: "شيخ صدوق لا بأس به عندهم". فحديثه لا ينزل عن درجة الحسن إذا لم يخالف، ولم يأت في حديثه ما ينكر عليه. وهنا أتي في حديثه ما ينكر عليه وهو قوله: "سبع عشرة". فإنه يخالف الأحاديث الصحيحة، فإنه لم يأت فيها الأمر بطلب ليلة القدر ليلة سبع عشرة من رمضان. وقد ثبت عن ابن مسعود نفسه ما يخالف هذا كما سبق، ثم إنّ فيه أيضًا أبا إسحاق وهو عمرو بن عبد الله السبيعي. وهو مدلس ومختلط ولم يظهر لي رواية زيد بن أبي أنيسة أكانت قبل اختلاطه أم بعده؟ . ١٤ - باب من قال: هي في كلّ رمضان رُوي عن ابن عمر، قال: سئل النبيّ ﷺ وأنا أسمع عن ليلة القدر، فقال: "هي في كلّ رمضان". رواه أبو داود (١٣٨٧) عن حميد بن زنجويه النسائي، أخبرنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا جعفر بن أبي كثير، أخبرنا موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عمر، فذكره. قال أبو داود: رواه سفيان وشعبة عن أبي إسحاق موقوفًا على ابن عمر، ولم يرفعاه إلى النبيّ ﷺ . قلت: هذا ترجيح من أبي داود، فإن سفيان وشعبة من كبار أصحاب أبي إسحاق وهو السبيعي وقد اختلط، وسماع سفيان وشعبة كان قبل الاختلاط، بخلاف رواية موسى بن عقبة المرفوعة فإنه لا يعرف هل سمع منه قبل الاختلاط أو بعده. فالظاهر أن الخطأ من أبي إسحاق، فإنه رواه مرفوعًا، سمع منه موسى بن عقبة. ورواه موقوفًا، وذلك قبل اختلاطه وسمع منه سفيان وشعبة. وروايتهما أرجح من رواية موسي ابن عقبة. فقه الحديث: يستفاد من أحاديث الأبواب السابقة أن ليلة القدر تنتقل من ليلة إلى ليلة، وأكثر الروايات عن النبيّ ﷺ أنها ليالي أوتار العشر الأخير، وهي: إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين. قال الشافعي -كما ذكره الترمذي (٣/ ١٥٠) -: "كان هذا عندي -والله أعلم- أن النبي ﷺ كان يجيب على نحو ما يسأل عنه. يقال له: نلتمسها في ليلة كذا؟ فيقول: التمسوها في ليلة كذا.

стр. 2918

وروي عن أبي قلابة أنه قال: ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر" انتهى. وقد تكون فيه من الحكمة الإلهية أنها تختلف من بلد إلى آخر، ومن سنة إلى سنة حتى يجتهد الناس العشر الأواخر كلّها، كما كان النبيّ ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها. وأما ما ذكره الحافظ في "الفتح" (٤/ ٢٦٢) بقوله: "واختلف العلماء في ليلة القدر اختلافًا كثيرًا، وتحصّل لنا من مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولًا". ثم ذكر هذه الأقوال، فإن أكثرها أقوال الناس لا تستند إلى حديث صحيح، والذي ذكرته عمدته الأحاديث الصحيحة. وبالله التوفيق. • * *

стр. 2919

جموع أبواب الاعتكاف ١ - باب الاعتكاف في المساجد كلّها قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [سورة البقرة: ١٨٧]. إنّ الله قيّد الاعتكاف بالمساجد؛ لأنّه لا يجوز في غير المساجد. وقوله: ﴿الْمَسَاجِدِ﴾ "فيه إشارة إلى أنه لا يختص بمسجد دون مسجد، وأفضله المساجد الثلاثة بالترتيب ثم غيرها. وأمّا ما رُوي عن حذيفة، قال لعبد الله -يعني ابن مسعود-: عكوف بين دارك ودار أبي موسى، لا تغيِّر؟ ! وقد علمتَ أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا اعتكاف إلّا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبيّ ﷺ ، ومسجد بيت المقدس". قال عبد الله: لعلّك نسيت وحفظوا، وأخطأت وأصابوا". فهو حديث مختلف في رفعه ووقفه، والصّواب أنه موقوف. رواه الطّحاوي في "مشكله" (٢٧٧١) عن محمد بن سنان الشيرازيّ، قال: حدّثنا هشام بن عمّار، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل، قال: قال حذيفة (فذكره). ورواه البيهقي (٤/ ٣١٦) من وجه آخر عن محمود بن آدم المروزي، ثنا سفيان بن عيينة، بإسناده، وقال: إنّ رسول الله ﷺ قال: "لا اعتكاف إلّا في المسجد الحرام" أو قال: "إلّا في المساجد الثلاثة". فقال عبد الله: لعلّك نسيت وحفظوا، وأخطأت وأصابوا - الشكّ مني. ورواه سعيد بن منصور، عن سفيان بن عيينة، بإسناده وجاء فيه: إنّ رسول الله ﷺ قال: "لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة" أو قال: "مسجد جماعة". رواه ابن حزم في "المحلي" (٥/ ٢٨٨) من طريق سعيد بن منصور، وقال: هذا شك من حذيفة أو ممن دونه، ولا يقطع على رسول الله ﷺ بشك، ولو أنه ﵇ قال: "لا اعتكاف إلّا في المساجد الثلاثة" لحفظه الله علينا ولم يدخل فيه شكًا، فصحّ يقينًا أنه ﷺ لم يقله قطّ". ثم جاء موقوفًا أيضًا، وهو ما رواه عبد الرزاق (٨٠١٦) عن ابن عيينة، عن جامع بن أبي راشد، قال: سمعت أبا وائل يقول: قال حذيفة لعبد الله: قوم عكوف بين دارك ودار أبي موسى لا تنهاهم؟ فقال له عبد الله: لعلّهم أصابوا وأخطأت، وحفظوا ونسيت. فقال حذيفة: لا اعتكاف إلّا

стр. 2920

في هذه المساجد الثلاثة: مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد إيلياء. وكذلك رواه أيضًا عبد الرزاق (٨٠١٤) عن الثوري، عن واصل الأحدب، عن إبراهيم، قال: جاء حذيفة إلى عبد الله، فقال: ألا أعجبك من ناس عكوف بين دارك ودار الأشعري؟ قال عبد الله: فلعلهم أصابوا وأخطأت. فقال حذيفة: ما أبالي أفيه أعتكف، أو في بيوتكم هذه؟ إنما الاعتكاف في هذه المساجد الثلاثة، مسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى. وكان الذين اعتكفوا -فعاب عليهم حذيفة- في مسجد الكوفة الأكبر. وكذلك رواه أبو عوانة، عن مغيرة، عن إبراهيم، أنّ حذيفة قال لابن مسعود: ألا تعجب من قوم بين دارك ودار أبي موسى يزعمون أنهم معتكفون؟ قال: فلعلّهم أصابوا وأخطأت؟ أو حفظوا ونسيت! . قال: أما أنا فقد علمتُ أنه لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة. رواه الطبراني في الكبير (٩/ ٣٠١) عن علي بن عبد العزيز البغوي، حدّثنا الحجاج بن منهال، حدثنا أبو عوانة، فذكره. فهؤلاء الذين رووه موقوفًا على حذيفة أوثق من هشام بن عمار وهو الدمشقي الذي قال فيه ابن حجر في التقريب: "صدوق مقرئ، كبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح". وكذلك من محمود بن آدم المروزيّ وهو وإن كان روي عنه جمعٌ منهم البخاري إلا أني لم أقف على من وثّقه غير ابن حبان. فمثله إذا خولف لا يقبل. ثم وقوع الشك في قوله: "المسجد الحرام" أو "في المساجد الثلاثة" أو "في مسجد الجماعة" فمثله لا يصدر عن النبيّ ﷺ ، فهو من حذيفة أو من دونه. فالظاهر أن الراوي لم يضبط لفظ النبيّ ﷺ وهذا مما يضُعّف الاحتجاج به، ثم لو كان حذيفة حدّث به عن النبيّ ﷺ فما كان من عبد الله أن يخالفه. ثم إنّ ابن مسعود يؤكد أن حذيفة أخطأ في قوله هذا، وأصاب من اعتكف في مسجد الكوفة. وقد يكون وقع فيه النسخ وهو لا يدري. مال إليه الطحاوي في "مشكله". وقد يكون من اجتهاده أيضًا مستشهدًا بقول النبيّ ﷺ : "لا تشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد". ولكن الرواة أخطأوا فرفعوه. والخلاصة فيه أن هذا الحديث لا يصح بوجه من الوجوه. وترك العمل بهذا الحديث من جمهور السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في القرون المفضلة، وعدم اشتهاره فيما بينهم دليل على عدم صحته، ولو كان هذا الحديث معروفًا لنقُل في الكتب المعتمدة من السنن والمسانيد المشهورة، وإنّما عُرف في القرون المتأخرة في عصر الطحاوي. وأما ما نُقل في سنن سعيد بن منصور فهو مشكوك في لفظه. وأما ما جاء في المصنفات مثل ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق فهو موقوف على حذيفة، وهو محمول على أنه اجتهاد منه.

стр. 2921

وما رُوي عن سعيد بن المسيب: "لا اعتكاف إلا في مسجد نبي" أي مسجد بناه نبيٌ. وقد روي عنه أيضًا بلفظ: "مسجد النبي" يعني مسجد المدينة. كما رُوي عن عطاء: "لا يجاور إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة" ولم ير الاعتكاف في مسجد إيلياء (بيت المقدس) كما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٨٠٢٠). وفي هذا وفي الرواية الثانية عن سعيد أنهما لم يعملا بحديث حذيفة، ولعلهما اعتمدا على الحديث المشهور: "لا تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة" سدَّا للذريعة لئلا يسافر أحدٌ للاعتكاف في غير المساجد الثلاثة كالمساجد الكبيرة في بعض المدن المشهورة آنذاك. وأما المساجد التي يجوز فيها الاعتكاف ففي أصح أقوال أهل العلم: المسجد الجامع الذي تقام فيه الجماعة والجمعة حتى لا يحتاج المعتكف إلى تكرار الخروج مرة بعد أخرى إلا لحاجة لا بد منها. والله أعلم بالصواب. ٢ - اعتكاف النبيّ ﷺ عند أسطوانة التوبة • عن ابن عمر، أنّ رسول الله ﷺ كان إذا اعتكف طُرح له فراشُه وسريره إلى أسطوانة التوبة مما يلي القبلة، ثم يستند إليها. حسن: رواه ابن خزيمة (٢٢٣٦)، والطبراني في "الكبير" (١٢/ ٣٨٥)، و "الأوسط" (٨٠٧١)، والفاكهي في "فوائده" (٩٧) ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (٥/ ٢٤٧) كلّهم من طريق عبد العزيز بن محمد (هو الدراوردي)، عن عيسي بن عمر بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر. وفي إسناده عيسي بن عمر بن موسي بن عبيد الله بن معمر القرشي التيمي حجازي، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٤٨٩) وقال: "يروي المقاطيع". وقال الدارقطني: "معروف يعتبر به" كما في سؤالات البرقاني (٣٨٨). وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب": " مقبول" يعني حيث يتابع وإلا فلين الحديث، ولكنه لم يتابع عليه، بل تفرّد به. وأما الدراوردي فلم يتفرّد به، بل تابعه عبد الله بن المبارك. رواه ابن ماجه (١٧٧٤) من طريق نعيم بن حماد، حدثنا ابن المبارك، عن عيسي بن عمر بن موسي، به، فذكره، بمثل لفظ ابن خزيمة، وليس عندهما قوله: "مما يلي القبلة، ثم يستند إليها". وفي إسناده نعيم بن حماد المروزي، صدوق يخطئ كثيرًا، كما في التقريب. والحاصل أن مداره على عيسى بن عمر، لم يوثقه من يُعتبر بتوثيقه لكنه معروف كما قاله الدارقطني، وقد روى عنه جمعُ من الثقات، فحديثه يحتمل التحسين، والله أعلم. وأما قول البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٢/ ٤٣): " هذا إسناد صحيح رجاله موثقون" ففيه تساهل كما لا يخفي. .

стр. 2922

وأسطوانة التوبة: هي التي شدّ أبو لبابة بن عبد المنذر عليها، وهي على غير القبلة. كما قاله ابن خزيمة. ٣ - باب اعتكاف النبيّ ﷺ شهر رمضان كاملًا طلبًا لليلة القدر • عن أبي سلمة قال: انطلقتُ إلى أبي سعيد الخدري، فقلت: ألا تخرجُ بنا إلى النّخل نتحدَّث؟ فخرج، فقال: قلتُ حدِّثني ما سمعتَ من النبيِّ ﷺ في ليلة القدر؟ قال: اعتكف رسولُ الله ﷺ عشر الأوّل من رمضان، واعتكفنا معه، فأتاه جبريل، فقال: إنّ الذي تطلبُ أمامَك, فاعتكف العشر الأوسط، فاعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إنّ الذي تطلبُ أمامَك. قام النبيُّ ﷺ خطيبًا صبيحة عشرين من رمضان، فقال: "من اعتكف مع النبيّ ﷺ فليرْجِع، فإنّي أُريتُ ليلة القدر وإنّي نسيهُا، وإنّها في العشْر الأواخر في وتر، وإني رأيتُ كأنّي أسجُد في طين وماء". وكان سقفُ المسجد جريد النّخل، وما نرى في السماء شيئًا، فجاءت قزعةٌ فأُمطرنا، فصلَّي بنا النبيُّ ﷺ حتى رأيتُ أثرَ الطِّين والماء على جبهة رسول الله ﷺ وأَرْنبتِه، تصديقَ رؤياه. متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلاة (٨١٣) عن موسى، قال: حدثنا همام، عن يحيى، عن أبي سلمة، قال (فذكره). ورواه مسلم في الصيام (٢١٦: ١١٦٧) من وجه آخر عن يحيي، به إلا أنه لم يذكر فيه العشر الأول. قوله: "أُريتُ ليلة القدر" فيه إشارة إلى الرؤية المنامية. وقد تحققت الرؤية في تلك السنة في ليلة الإحدي والعشرين كما ذكر أبو سعيد الخدري ﵁. • عن أبي سعيد الخدريّ، قال: إنّ رسول الله ﷺ اعتكف العشر الأوّل من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط في قبّة تُركيّة على سُدَّتها حصير. قال: فأخذ الحصير بيده فنحّاها في ناحية القبّة. ثم أطلع رأسه فكلّم الناس فدنوا منه، فقال: "إنّي أعتكفُ العَشْر الأوّل، ألتمسُ هذه الليلة. ثم اعتكفتُ العشر الأوسط، ثم أُتيتُ فقيل لي: إنّها في العشر الأواخر. فمن أحبَّ منكم أن يعتكف فليعتكف". فاعتكف الناسُ معه. قال: "وإنّي أُريتُها ليلَة وتر، وأنّي أسجدُ صبيحتَها في طين وماء" فأصبح من ليلة إحدى وعشرين، وقد قام إلى الصُّبح، فمطرت السماء. فوكف المسجد، فأبصرتُ الطّين والماء. فخرج حين فرغ من صلاة الصبح، وجبينه وروثهُ أنفه فيهما الطين والماء. وإذا هي ليلُه إحدى وعشرين من العشر الأواخر. صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١٦٧: ٢١٥) عن محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر،

стр. 2923

حدثنا عُمارة بن غزية الأنصاري، قال: سمعتُ محمد بن إبراهيم يحدّث عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكره. قوله: "في قبة تركية" منسوبة إلى الترك وهم الجيل المعروف، وهي قبّة صغيرة. وقوله: "على سُدَّتِها" الشدّة قيل: هي ظلة على الباب لتقيه من المطر، وقيل: هي الباب نفسه، وقيل: هي الساحة. ٤ - باب اعتكاف العشرين الأخيرة طلبًا لليلة القدر • عن أبي سعيد الخدريّ، أنه قال: كان رسولُ الله ﷺ يعتكفُ العشرَ الوسطَ من رمضان، فاعتكف عامًا، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين. وهي الليلة التي يخرج فيها من صبحها من اعتكافه. قال: "من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، وقد رأيتُ هذه الليلة ثم أُنسيتُها. وقد رأيتُني أسجُد من صبحها في ماء وطين. فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كلّ وتر". قال أبو سعيد: فأُمطرت السماءُ تلك الليلة، وكان المسجدُ على عريش، فوكف المسجدُ. قال أبو سعيد: فأبصرتْ عينايَ رسول الله ﷺ انصرف وعلى جبهته وأنفه أثرُ الماء والطين من صُبح ليلة إحدى وعشرين. متفق عليه: رواه مالك في الاعتكاف (٩) عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم ابن الحارث التّيميّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري، أنه قال (فذكره). ورواه البخاريّ في الاعتكاف (٢٠٢٧) من طريق مالك. وروياه -البخاري (٨١٣)، ومسلم (١١٦٧: ٢١٦) - كلاهما من حديث يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري، فذكر نحوه. ٥ - باب ما جاء في الاعتكاف في العشر الوسط، ثم نقله في العشر الأواخر من أجل طلب ليلة القدر • عن أبي سعيد الخدريّ، قال: كان رسول الله ﷺ يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر، فإذا كان حين يمُسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين، رجع إلى مسكنه، ورجع من كان يجاور معه، وأنه أقام في شهر جاور فيه الليلة التي كان يرجع فيها، فخطب الناس، فأمرهم ما شاء الله، ثم قال: "كنتُ أجاور هذه العشر، ثم قد بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليثْبت في معتكفه، وقد أُريتُ هذه الليلة، ثم أُنسيتها، فابتغوها في كلّ وتر,

стр. 2924

وقد رأيْتُني أسجُد في ماء وطين". فاستهلت السماء في تلك الليلة فأمطرتْ، فوكف المسجدُ في مصلّى النبيّ ﷺ ليلة إحدى وعشرين. فبصرتْ عيني رسولَ الله ﷺ ونظرتُ إليه انصرف من الصبح ووجهه ممتلئ طينًا وماء. متفق عليه: رواه البخاري في فضل ليلة القدر (٢٠١٨)، ومسلم في الصيام (١١٦٧: ٢١٤) كلاهما من حديث عبد العزيز الدراوردي (وقرنه البخاري بابن أبي حازم)، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. واللفظ للبخاري. وأما مسلم فأحال على رواية بكر بن مضر، عن ابن الهاد، به. ولفظه متقارب. ٦ - باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان • عن عبد الله بن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان. قال نافع: وقد أراني عبد الله ﵁ المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله ﷺ من المسجد. متفق عليه: رواه البخاري في الاعتكاف (٢٠٢٥)، ومسلم في الاعتكاف (١١٧١: ٢) من طريق يونس بن يزيد الأيلي، أنّ نافعًا حدّثه عن عبد الله بن عمر، فذكره. ولفظهما سواء إّلا قول نافع: وقد أراني ... إلخ. زاده مسلم، وكذلك زاده أبو داود (٢٤٦٥)، وابن ماجه (١٧٧٢). • عن عائشة، أنّ النبيَّ ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفّاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجُه من بعده. متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتكاف (٢٠٢٦)، ومسلم في الاعتكاف (١١٧٢: ٥) كلاهما من طريق الليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، فذكرته. ولفظهما سواء. ورواه عبد الرزاق (٧٦٨٢) ومن طريقه الإمام أحمد (٧٧٨٤)، والترمذي (٧٩٠)، وابن حبان (٣٦٦٥) عن معمر وابن جريج كلاهما سمعا ابن شهاب يحدث عن عروة، عن عائشة. وعن سعيد ابن المسيب، عن أبي هريرة، فذكر الحديث إلا قولها: "ثم اعتكف أزواجه بعده". وإسناده صحيح. ومنهم من لم يذكر ابن جريج. ٧ - باب ضمّ العشر الوسط إلى الأخير لزيادة الأجر • عن أبي هريرة، قال: كان النبيُّ ﷺ يعتكفُ في كلِّ رمضان عشرة أيام، فلما

стр. 2925

كان العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يومًا. صحيح: رواه البخاريّ في الاعتكاف (٢٠٤٤) عن عبد الله بن أبي شيبة، حدّثنا أبو بكر (هو ابن عياش)، عن أبي حصين (هو عثمان بن عاصم)، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال (فذكره). ٨ - باب قضاء النبيّ ﷺ اعتكاف رمضان في شوال • عن عائشة: أنّ رسول الله ﷺ ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة فأذن لها. وسألتْ حفصةُ عائشةَ أن تستأذن لها، ففعلت. فلما رأت ذلك زينب بنت جحش أمرتْ ببناء فبُني لها قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا صلّي انصرف إلى بنائه فبصر بالأبنية فقال: "ما هذا؟ ". قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب. فقال رسول الله ﷺ : "آلبر أردن بهذا؟ ما أنا بمعتكف". فرجع فلما أفطر اعتكف عشرا من شوال. متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتكاف (٢٠٤٥)، ومسلم في الصيام (١١٧٢: ٦) كلاهما من طريق الأوزاعي، حدثني يحيى بن سعيد (هو الأنصاري)، حدثتني عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة. واللفظ للبخاري. وفي رواية لمسلم من طريق أبي معاوية، عن يحيى بن سعيد، به. وفيه: "حتى اعتكف في العشر الأوّل من شوّال". وأخرجه مالك في الاعتكاف (٧) عن ابن شهاب، عن عمرة بنت عبد الرحمن، به، مثله. إلا أنّ يحيى الليثي أخطأ في شيخ مالك، فجعله ابن شهاب. والصحيح أنه يحيى بن سعيد، كما سيأتي. وليس في الحديث ما يدل على وجوب القضاء على من خرج من الاعتكاف وكان متطوعًا. بخلاف النذر أو شيء أوجبه على نفسه فعليه القضاء. والنبيّ ﷺ كان من عادته إذا عمل شيئًا داوم عليه، فلما لم يتمكن من الاعتكاف هذا العام من أجل كثرة أبنية النساء في المسجد اعتكف في شوال. ٩ - باب قضاء الاعتكاف بضمّه للعام المقبل • عن أُبي بن كعب، أنّ رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فسافر ولم يعتكف، فلما كان من العام المقبل اعتكف عشرين يومًا. صحيح: رواه أبو داود (٢٤٦٣)، وابن ماجه (١٧٧٠)، وأحمد (٢١٢٧٧)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٢٢٥)، وابن حبان (٣٦٦٣)، والحاكم (١/ ٤٣٩) كلّهم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أبي رافع، وهو نفيع الصائغ، عن أبي بن كعب، فذكره.

стр. 2926

• عن أنس بن مالك، قال: كان النبيّ ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان. فلم يعتكف عامًا، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين. صحيح: رواه الترمذي (٨٠٣)، وابن خزيمة (٢٢٢٦، ٢٢٢٧)، وابن حبان (٣٦٦٤)، والحاكم (١/ ٤٣٩) كلّهم من حديث ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، فذكره. وإسناده صحيح. قال الترمذي: حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". ١٠ - باب دخول الاعتكاف بعد صلاة الصبح • عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف، صلّى الفجر، ثم دخل معتكفه. متفق عليه: رواه البخاري في الاعتكاف (٢٠٤٥)، ومسلم في الاعتكاف (١١٧٢: ٦) من طريق يحيي بن سعيد (هو الأنصاري)، حدثتني عمرةُ بنت عبد الرحمن، عن عائشة، قالت (فذكرته). قال الترمذي عقب تخريج هذا الحديث: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يقولون: إذا أراد الرجل أن يعتكف صلي الفجر، ثم دخل في معتكفه، وهو قول أحمد وإسحاق بن إبراهيم. وقال بعضهم: إذا أراد أن يعتكف فلتغب له الشمس من الليلة التي يريد أن يعتكف فيها من الغد، وقد قعد في معتكفه. وهو قول سفيان الثوري، ومالك بن أنس" انتهي. وقولها: " إذا صلى الفجر" أي فجر يوم العشرين؛ لأن النهار هو محل للصوم، فكان اعتكافه في العشر الأواخر من النهار في حال الصوم. وقول من قال: بعد غروب الشمس أي ليلة عشرين؛ لأنّ الليلة داخلة في العشر الأواخر؛ ولذا أوّل هؤلاء حديث عائشة على أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما يخلو بنفسه في المكان الذي أعدّه للاعتكاف بعد صلاة الصبح. انظر: "نيل الأوطار" (٣/ ٢٥ ١). ١١ - باب اعتكاف النساء في المسجد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [سورة البقرة: ١٨٧]. • عن عائشة، قالت: إنّ النبيَّ ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده. متفق عليه: رواه البخاري في الاعتكاف (٢٠٢٦)، ومسلم في الاعتكاف (١١٧٢: ٥) كلاهما من طريق الليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، فذكرته، ولفظهما سواء.

стр. 2927

وقولها: "ثم اعتكف أزواجه من بعده" أي اعتكفن في المساجد لما ثبت في صحيح مسلم (٢٩٧) أنها قالت: إن كنتُ لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا أنا مارّة". . فقولها: "إن كنت لأدخل البيت" فيه دليل على أنها كانت تعتكف في المسجد. • عن عائشة: أنّ رسول الله ﷺ ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة فأذن لها. وسألتْ حفصةُ عائشةَ أن تستأذن لها، ففعلت. فلما رأت ذلك زينب بنت جحش أمرتْ ببناء فبُني لها قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا صلّي انصرف إلى بنائه فبصر بالأبنية فقال: "ما هذا؟ ". قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب. فقال رسول الله ﷺ : "آلبر أردن بهذا؟ ما أنا بمعتكف". فرجع فلما أفطر اعتكف عشرا من شوال. متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتكاف (٢٠٤٥)، ومسلم في الصيام (١١٧٢: ٦) كلاهما من طريق الأوزاعي، حدثني يحيى بن سعيد (هو الأنصاري)، حدثتني عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، واللفظ للبخاري. وفي رواية لمسلم من طريق أبي معاوية، عن يحيى بن سعيد، به. وفيه: "حتى اعتكف في العشر الأوّل من شوّال". ورواه البخاري في موضع آخر (٢٠٣٤) عن عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، به، نحوه. وهو في موطأ يحيى الليثي في الاعتكاف (٧) عن زياد، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عمرة: "أن رسول الله ﷺ أراد أن يعتكف ... " الحديث. هكذا في النسخة المطبوعة بزيادة "زياد" وهو ابن عبد الرحمن، وقد نبَّه شيخنا مصطفي الأعظمي أن هذه الزيادة ثبتت في نسخة تركيا ورمز لها ب (ق) وقال عن هذه النسخة: "هذه النسخة تشتمل على سماعات كبار المحدثين كالحسيني وابن حجر وغيرهما بخلاف النسخ الأخرى ليس فيها سماعات". والذي يظهر أن هذه الزيادة لم تثبت أيضًا في النسخة التي اعتمد عليها ابن عبد البر، فلذلك خطّأ يحي الليثي في تعيين شيخ مالك، فقال في "التمهيد" (١١/ ١٨٩): "وهو غلط وخطأ مفرط لم يتابعه أحدٌ من رواة الموطأ فيه: "عن ابن شهاب" وإنما هو في الموطأ لمالك عن يحيى بن سعيد، إلا أن رواة الموطأ اختلفوا في قطعه وإسناده: فمنهم من يرويه عن مالك، عن يحيى بن سعيد: "أنّ رسول الله ﷺ " لا يذكر "عمرة"، ومنهم من يرويه عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة يصله بسنده" انتهي. تنبيه: وقع الحديث موصولًا عن عائشة في موطأ الليثي بتحقيق فؤاد عبد الباقي (٦) وهو خطأ،

стр. 2928

والصواب في رواية الليثي بدون ذكر "عائشة"، كما في طبعة الأعظمي المشار إليها آنفًا، وهو كذلك في التمهيد. وفي الباب دليل على جواز اعتكاف النساء في المسجد؛ لأنّ النبيّ ﷺ لم يمنعهنّ من الاعتكاف في المسجد، بل أذن لعائشة وحفصة ﵄ في أول الأمر، ثم لما ضربت زينب ﵂ قبّتها منعهن لأجل كثرة القباب حتى لا يضيق المسجد بالمصلين. وانظر للمزيد "المنة الكبرى" (٣/ ٤٦٣). ١٢ - باب اعتكاف المستحاضة • عن عائشة، قالت: اعتكف مع رسولِ الله ﷺ امرأةٌ مستحاضة من أزواجه، فكانت ترى الحمرة والصُّفرة، فربّما وضعنا الطَّسْت تحتها وهي تصلي. صحيح: رواه البخاري في الاعتكاف (٢٠٣٧) عن قتيبة، حدّثنا يزيد بن زريع، عن خالد (هو الحذّاء)، عن عكرمة، عن عائشة، قالت (فذكرته). ١٣ - باب هل يُشترط الصوم في الاعتكاف • عن عائشة، أنّ النبيَّ ﷺ ترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأوّل من شوال. متفق عليه: رواه البخاري في الاعتكاف (٢٠٣٣) من طريق حماد بن زيد. ومسلم في الاعتكاف (١١٧٢: ٦) من طريق أبي معاوية - كلاهما عن يحيى بن سعيد (هو الأنصاري)، حدّثتني عمرةُ بنت عبد الرحمن، عن عائشة، قالت (فذكرته في حديث طويل) واللفظ لمسلم، وقد سبق بتمامه. ولم يذكر فيه أنه صام؛ لأنه لو صام لاشتهر أمره. • عن ابن عمر، أنّ عمر سأل النبيَّ ﷺ قال: كنتُ نذرتُ في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. قال: "أوفِ بنذرك". وفي رواية عند البخاري: "فاعتكف ليلة". متفق عليه: رواه البخاري في الاعتكاف (٢٠٣٢)، ومسلم في الأيمان والنذور (١٦٥٦) كلاهما من طريق يحيي القطان، عن عبيد الله، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، به، ولفظهما سواء. والرواية الثانية عند البخاري (٢٠٤٢) من طريق سليمان، عن عبيد الله. وكذلك رواه أيضًا فليح بن سليمان، عن عبيد الله. ومن طريقه رواه الدارقطني (٢٣٥٤) وقال: إسناده صحيح. فذكر النذر أنه يعتكف ليلة هو المحفوظ. قال البيهقي (٤/ ٣١٨): ورواه البخاري (٦٦٩٧) عن محمد بن مقاتل، عن عبد الله بن المبارك.

стр. 2929

وكذلك رواه سليمان بن بلال، ويحيى بن سعيد القطان، وأبو أسامة، وعبد الوهاب الثقفي، عن عبيد الله. قالوا فيه: "ليلة". وكذلك قاله حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع. وقال جرير بن حازم ومعمر بن أيوب: "يومًا" بدل "ليلة". وكذلك رواه شعبة، عن عبيد الله. ورواية الجماعة عن عبيد الله أولى. وحماد بن زيد أعرف بأيوب من غيره" انتهي. إذا ثبت هذا أنه نذر أن يعتكف ليلة، وقد اعتكف ليلة فلا يحتاج إلى الجمع بين اليوم والليلة إلا أن يقال: إنه اعتكف مع الليلة النهار أيضًا. فيكون اعتكاف النذر في الليل وهو ليس محلا للصوم، ويكون الاعتكاف في النهار تطوعًا، ولم يأت في الأخبار الصحيحة أنه صام في النهار. وأمّا ما رُوي عنه أنه قال للنبيّ ﷺ يوم الجعرانة: يا رسول الله، إنّ عليَّ يومًا أعتكفه. فقال النبيّ ﷺ : "اذهب فاعتكفه وصمه". فهو ضعيف. رواه أبو داود (٢٤٧٤)، والدارقطني (٢٣٦٠) من طرق عن عبد الله بن بديل، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر، فذكره. قال الدارقطني: تفرّد به بدُيل عن عمرو، وهو ضعيف. وقال: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: هذا حديث منكر؛ لأنّ الثقات من أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه (يعني: وصمه). منهم: "ابن جريج، وابن عيينة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد وغيرهم. وابن بديل ضعيف الحديث". ونقله البيهقي (٤/ ٢١٦ - ٢١٧) عن الدارقطني وأقرّه. وضعّفه أيضًا الحافظ في "الفتح" (٤/ ٢٧٤). وكذلك لا يصح ما رواه الدارقطني (٢٣٦٥)، والبيهقي (٤/ ٣١٧) من طريق سعيد بن بشير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنّ عمر بن الخطاب نذر أن يعتكف في الشرك وليصومنّ، فسأل رسول الله ﷺ بعد إسلامه، فأمره أن يفيء بنذره. قال الدارقطني: هذا الإسناد حسن، تفرّد بهذا اللفظ سعيد بن بشير عن عبد الله بن عمر". قلت: ليس بحسن؛ فإنّ سعيد بن بشير ضعيف باتفاق أهل العلم. قال البيهقي: "ذكر الصوم فيه غريب، تفرّد به سعيد بن بشير عن عبيد الله". وضعّف ابن الجوزي هذا الحديث من أجله، ونقل تضعيفه عن ابن معين وابن نمير والنسائي. وكذلك لا يصح ما رُوي عن عائشة أنّ النبيَّ ﷺ قال: "لا اعتكاف إلّا بصيام". رواه الدارقطني (٢٣٥٦) وعنه الحاكم (١/ ٤٤٠) وعنه البيهقي (٤/ ٣١٧) عن أحمد بن عمير

стр. 2930

ابن يوسف في الإجازة، أن محمد بن هاشم حدّثهم، قال: حدّثنا سويد بن عبد العزيز، حدّثنا سفيان بن حسين، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. قال الدارقطني: تفرّد سويد، عن سفيان بن حسين. وقد قال الإمام أحمد: سويد متروك الحديث. وقال يحيى: ليس بشيء. وقال البيهقي: وهذا وهم من سفيان بن حسين، أو من سويد بن عبد العزيز. وسويد بن عبد العزيز الدمشقي ضعيف بمرة، لا يقبل منه ما تفرد به. وروي عن عطاء، عن عائشة موقوفًا: "من اعتكف فعليه الصيام" ثم أخرجه. وسفيان بن حسين في الزهري ضعيف. قال ابن حبان: "يروي عن الزهري المقلوبات". وفي الباب أيضًا عن عائشة، قالت: "السنة على المعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع". رواه أبو داود (٢٤٧٣) عن وهب بن بقية، أخبرنا خالد، عن عبد الرحمن -يعني ابن إسحاق- عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. قال أبو داود: غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه: "قالت: السنة" قال المنذري: "وأخرج النسائي من حديث يونس بن يزيد، وليس فيه "قالت: السنة" وأخرجه من حديث مالك، وليس فيه أيضًا ذلك" انتهى. وقال الدارقطني (٢٣٦٣) بعد أن أخرج حديث عائشة من طريق ابن جريج، عن محمد بن شهاب، عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، عن عائشة أنها أخبرتها: "أنّ رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده، وأن السنة للمعتكف ... إلخ". قال: يقال: إنّ السنة للمعتكف إلى آخره ليس من قول النبي ﷺ (يعني به قول عائشة؛ لأن السنة في كلام الصحابة يراد بها المرفوع) وأنه من كلام الزهري، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم. وهشام بن سليمان لم يذكره" أعني عن ابن جريج، قال: حدثني الزهري بإسناده. وهو ما أخرجه الشيخان - البخاري (٢٠٢٦)، ومسلم (١١٧٢: ٥) كلاهما من حديث الليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، فذكرا أول الحديث، وأعرضا عن الزيادة. وكذلك رواه يونس بن يزيد، ومالك بن أنس مع الليث بن سعد كلهم عن ابن شهاب عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة. فلم يذكروا قولها: "من السنة ... إلخ".

стр. 2931

وهذه الطرق أخرجها البيهقي (٤/ ٣١٥) وقال في "المعرفة" (٦/ ٣٩٥): "ويشبه أن يكون من قول مَنْ دون عائشة". وقد أطال الحافظ ابن القيم في دراسة هذا الحديث في "تهذيب السنن" (٣/ ٣٤٣ - ٣٤٩) ولكن لم يظهر لي ترجحه فإنه في نهاية البحث أعاد كلام الدارقطني بأنه مدرج من كلام الزهري. وفي الباب أيضًا عن ابن عباس أنّ النبيّ ﷺ قال: "ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه". رواه الدارقطني (٢٣٥٥) عن محمد بن إسحاق السوسي من كتابه، حدثنا عبد الله بن محمد بن نصر الرملي، حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن أبي سُهيل عمّ مالك بن أنس، عن طاوس، عن ابن عباس، فذكره. ورواه الحاكم (١/ ٤٣٩) وعنه البيهقي (٤/ ٣١٩) كلاهما من طريق محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، بإسناده، مثله. قال الدارقطني: "رفعه هذا الشيخ، وغيرُه لا يرفعه". اختلف في قوله: "رفعه هذا الشيخ" هل يقصد به شيخه وهو محمد بن إسحاق السوسي فإنه ثقة، أو شيخ شيخه وهو عبد الله بن محمد بن نصر الرَّملي وهو مجهول. فجعل البيهقي المراد من هذا الشيخ هو "عبد الله بن محمد بن نصر الرّملي"، وقال: "رواه أبو بكر الحميدي عن عبد العزيز بن محمد بإسناده" وذكر فيه قصة قال فيه طاوس: كان ابن عباس لا يرى على المعتكف صيامًا إلا أن يجعله على نفسه. قال البيهقي: هذا هو الصحيح موقوف ورفعه وهم. وكذلك رواه عمرو بن زرارة عن عبد العزيز موقوفًا" انتهى. فقه الحديث: يستفاد من أحاديث هذا الباب بأنه ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجب على نفسه؛ لأنّ الاعتكاف والصوم عبادتان مستقلتان لا تلازم بينهما. والأحاديث الواردة باشتراط الصوم كلّها ضعيفة. ولذا اختلف أهل العلم في اشتراط الصوم وعدمه: فذهب الشافعي وأحمد في الرواية المشهورة عنه، أن الصوم فيه مستحب غير واجب. وهو مروي عن علي وابن مسعود وغيرهما من الصحابة. وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية عنه، إلى اشتراط الصوم في الاعتكاف. وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس كما أخرجه عبد الرزاق، وعن عائشة نحوه. إلا أنه اختلف النقل عن ابن عباس، فقال مرة: هو واجب، وأخرى أنه يجب على من أوجبه على نفسه. واحتجّ بعض أهل العلم بأن النبيّ ﷺ لم يعتكف إلا بصوم.

стр. 2932

ولكن ثبت أنه اعتكف في شوال، وشوال ليس محلًا للصوم، ولم ينقل أنه صام في شوال، فالأصل أنه اعتكف ولم يصم حتى يثبت خلافه. ١٤ - باب خروج المعتكف من المسجد لحوائجه دون غيرها، من زيارة المريض واتباع الجنازة ونحو ذلك • عن عائشة، أنّها قالت: كان رسولُ الله ﷺ ، إذا اعتكف يُدْني إليَّ رأسَه فأرجّلُه، وكان لا يدخلُ البيتَ إلّا لحاجة الإنسان. متفق عليه: رواه مالك في الاعتكاف (١) عن ابن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، فذكرته. ورواه مسلم في الحيض (٢٩٧: ٦) من طريق مالك، به، مثله. ورواه البخاري في الحيض (٢٩٥) من طريق مالك، به، مختصرًا، بلفظ: "كنتُ أرجِّلُ رأسَ رسول الله ﷺ وأنا حائض". • عن عائشة زوج النبيّ ﷺ قالت: إن كنتُ لأدخل البيتَ للحاجة والمريضُ فيه، فما أسألُ عنه إلّا وأنا مارّة وإن كان رسولُ الله ﷺ ليدخلُ عليَّ رأسَه وهو في المسجد فأرجِّله، وكان لا يدخلُ البيتَ إلا لحاجةٍ إذا كان معتكفًا. متفق عليه: رواه البخاري في الاعتكاف (٢٠٢٩)، ومسلم في الحيض (٢٩٧: ٧) كلاهما من طريق الليث، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، فذكرته. وأما ما رُوي عن عائشة، قالت: : كان النبيّ ﷺ يمر بالمريض وهو معتكف، فيمر كما هو، ولا يُعَرّج يسأل عنه" فهو ضعيف. رواه أبو داود (٢٤٦٤) عن محمد بن عيسى، ثنا عبد السلام بن حرب، أنا ليث بن أبي سُليم، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت (فذكرته). وليث بن أبي سليم مضطرب الحديث كما قال أحمد، وبه أعلّه المنذري والحافظ ابن حجر وغيرهما، وقالوا: الصحيح عن عائشة من فعلها كما رواه مسلم (٢٩٧) عن عروة وعمرة عنها، أنّ عائشة، قالت: "إن كنتُ لأدخل البيت للحاجة، والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا أنا مارّة". وليس فيه دليل بأنها كانت تخرج لعيادة المريض، وإنما كانت تخرج للحاجة التي لا بد منها. كما رواه عبد الرزاق (٨٠٥٦) عن عمرة، عنها قالت: "كانت تمر بالمريض من أهلها، وهي مجتازة، فلا تعرض له". وفي رواية عنده: "كانت عائشة في اعتكافها إذا خرجت إلى بيتها لحاجتها، تمر بالمريض، فتسأل عنه وهي مجتازة لا تقف عليه". وعند النسائي في "الكبري" (٣٣٧١): "كانت إذا اعتكفت

стр. 2933

لا تسأل عن المريض، إلا وهي تمشي لا تقف". فقول الحافظ وغيره: "والصحيح عن عائشة من فعلها" يشعر بأنها كانت تخرج لعيادة المريض وهي معتكفة، والصحيح أنها كانت تخرج للحاجة وتمر على المريض وتسأل عنه وهي ماشية. وفي الباب ما رُوي عن أنس بن مالك، مرفوعًا: "المعتكف يتبع الجنازة، ويعود المريض" وهو موضوع. رواه ابن ماجه (١٧٧٧) عن أحمد بن منصور، حدثنا يونس بن محمد، قال: حدثنا الهياج الخراساني، قال: حدثنا عنبسة بن عبد الرحمن، عن عبد الخالق، عن أنس بن مالك، فذكره. والهياج الخراساني قال فيه أحمد: "متروك الحديث". وضعّفه أبو داود والنسائي وغيرهما. وشيخه عنبسة بن عبد الرحمن أضعف منه. قال فيه أبو حاتم الرازي: "كان يضع الحديث". الجرح والتعديل (٦/ ٤٠٣). وقال النسائي: "متروك". وشيخه عبد الخالق مجهول، لم يرو عنه سوى عنبسة الكذاب. ففي الإسناد سلسلة الضعفاء والمتروكين. ١٥ - باب زيارة المعتكِف في اعتكافه • عن علي بن الحسين: أنّ صفيّة زوج النبيِّ ﷺ أخبرته أنها جاءتْ إلى رسول الله ﷺ تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدّثتْ عنده ساعة، ثم قامتْ تنقلبُ فقام النبيّ ﷺ معها يقلِبُها، حتّى إذا بلغتْ باب المسجد عند باب أمِّ سلمة مرَّ رجلان من الأنصار فسلّما على رسول الله ﷺ ، فقال لهما النبيُّ ﷺ : على رِسْلكما، إنّما هي صفية بنت حُييّ. قالا: سبحان الله يا رسول الله، وكَبُر عليهما، فقال النبيُّ ﷺ : إنَّ الشيطان يبلغُ من ابن آدم مبلغ الدّم، وإني خشيتُ أن يقذف في قلوبكما شيئًا". متفق عليه: رواه البخاري في الاعتكاف (٢٠٣٥)، ومسلم في السلام (٢١٧٥: ٢٥) من طريق أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني علي بن الحسين، فذكره. قوله: "على رسْلكما" بفتح الراء وكسرها، وقيل بالكسر: التؤدة، وبالفتح الرفق واللين. والمعني متقارب، وأصله السَّير البطيء. ١٦ - باب ما رُوي في ثواب الاعتكاف رُوي عن ابن عباس مرفوعًا: "المعتكف هو يعكفُ الذنوب، ويُجري له من الحسنات كعامل الحسنات كلّها". رواه ابن ماجه (١٧٨١) عن عبيد الله بن عبد الكريم، قال: حدثنا محمد بن أمية، قال: حدثنا

стр. 2934

عيسي بن موسى البخاري، عن عبيدة العمي، عن فرقد السبخي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وفيه فرقد وهو ابن يعقوب السّبخيّ -بفتح المهملة، والموحدة- ضعّفه أحمد والبخاري والنسائي وابن سعد وابن حبان والجوزجاني وغيرهم. ووثقه الدارمي وابن معين، وقال ابن عدي: "كان في صالحي أهل البصرة، وليس هو كثير الحديث". وفي التقريب: "صدوق عابد، لكنه لين الحديث، كثير الخطأ". وفي الباب أيضًا ما رُوي عن الحسين مرفوعًا: "اعتكاف عشر في رمضان كحجتين وعمرتين". رواه الطبراني في الكبير (٣/ ١٢٨) وفي إسناده الهياج بن بسطام متروك. وأما ما رُوي: "من اعتكف فواق ناقة، فكأنما أعتق نسمة". فلا أصل له. قال ابن الملقن في "البدر المنير" (٥/ ٧٦٩): "هذا الحديث غريب، لا أعرفه بعد البحث الشديد عنه". قلت: روى العقيلي في الضعفاء في ترجمة أنس بن عبد الحميد (٤) عن عائشة مرفوعًا: "مَن رابط فَواق ناقة حرَّمه الله على النار". وقال: "هذا حديث منكر". "وأنس هذا لا يحتج به". وأظن أن ابن الملقن لا يقصد به هذا الحديث، فإنّ هذا في فضل الرّباط، وذاك في فضل الاعتكاف، ولكن الحافظ ابن حجر استدرك عليه في "التلخيص" (١/ ٨٢٤) بذكر هذا الحديث في باب الاعتكاف. ١٧ - باب كراهية رفع الصوت بالقرآن في الليل والناس معتكفون • عن البياضي، أنّ رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون، وقد علتْ أصواتهم بالقرآن، فقال: "إنّ المصلي يناجي ربَّه فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن". صحيح: رواه مالك في الصلاة (٣١) عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي حازم التّمار، عن البياضي ورواه الإمام أحمد (١٩٠٢٢) عن عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، فذكره. وكان أصل هذا الحديث في صلاة رمضان، كما رواه حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، فقال فيه: "إنّ ذلك في رمضان". ومن هذا الطريق رواه ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٣/ ٣١٦ - ٣١٧) عن محمد بن إبراهيم، عن أبي حازم مولى الأنصار، أنّ رسول الله ﷺ كان معتكفًا في رمضان في قبة، على بابها حصير،

стр. 2935

قال: وكان الناس يصلون عصبًا عصبًا، قال: فلما كان ذات ليلة رفع باب القبة، فأطلع رأسه، فلما رآه الناس أنصتوا، فقال: "إن المصلي يناجي ربَّه، فلينظر أحدكم ما يناجي به ربَّه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن". قال ابن عبد البر: هكذا قال حماد بن زيد في هذا الحديث عن يحيى بن سعيد، عن محمد، عن أبي حازم، عن النبيّ ﷺ ، مرسلًا. ولم يذكر البياضي. كذلك رواه كل من رواه عن حماد بن زيد. وقال: وقد روي هذا الحديث يزيد بن الهادي، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي حازم، عن البياضي وعن محمد بن إبراهيم، عن عطاء بن يسار، عن البياضي قلت: ومن هذين الطريقين رواه النسائي في الكبرى (٢/ ٢٦٤). ثم قال ابن عبد البر: "وحديث البياضي، وحديث أبي سعيد ثابتان صحيحان" انتهى. وأما حديث أبي سعيد، فهو الآتي: • عن أبي سعيد، قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقرآن، فكشف الستر، فقال: "ألا إنّ كلكم مناج ربَّه، فلا يؤذينّ بعضكم بعضًا. ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة". أو قال: "في الصلاة". صحيح: رواه أبو داود (١٣٣٢) وعنه ابن عبد البر، عن الحسن بن علي، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد، فذكره. ورواه الإمام أحمد (١١٨٩٦) عن عبد الرزاق -وهو في مصنفه (٤٢١٦) - وصحّحه ابن خزيمة (١١٦٢)، والحاكم (١/ ٣١٠ - ٣١١). قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". وصحّحه ابن عبد البر كما سبق. • عن ابن عمر، أنّ النبي ﷺ اعتكف، وخطب النّاس، فقال: "أما إنّ أحدكم إذا قام في الصلاة فإنه يناجي ربَّه، فليعلم أحدكم ما يناجي ربه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة في الصلاة". صحيح: رواه الإمام أحمد (٤٩٢٨) وعنه الطبراني في الكبير (١٢/ ٤٢٨) عن إبراهيم بن خالد، حدّثنا رباح، عن معمر، عن صدقة المكي، عن عبد الله بن عمر، فذكره. وإسناده صحيح. وصدقة المكي هو صدقة بن يسار الجزري المكي، مات في أول خلافة بني العباس، وكان ذلك سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وهو من رجال الصحيح. ورواه أيضًا الإمام أحمد (٥٣٤٩)، وابن خزيمة (٢٢٣٧) كلاهما من طريق ابن أبي ليلى، عن

стр. 2936

صدقة المكي، عن ابن عمر، فذكر الحديث. وابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى سيء الحفظ، ولكن متابعة معمر، وهو ابن راشد تؤكد بأنه لم يخطئ في هذا الحديث. وفي الباب أحاديث أخرى لعلي ذكرتها في كتاب الصلاة فراجعه • * *

стр. 2937

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه [٥] تأليف أ. د. أبي أحمد محمد عبد الله الأعظمي المعروف بـ «الضياء» أستاذ الحديث الشريف وعميد كلية الحديث بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة سابقًا والمدرس في المسجد النبوي

стр. 2938

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (ح) محمد عبد اللَّه عبد الرحمن الأعظمي ١٤٣٦ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الأعظمي، محمد عبد اللَّه عبد الرحمن الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل / محمد عبد اللَّه عبد الرحمن الأعظمي - الرياض ١٤٣٦ هـ (١٢ مج) ردمك: ٨ - ٩٢٦١ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة) ٣ - ٩٢٦٦ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٥) ١ - الحديث الصحيح ... أ- العنوان ديوي ٢٣٥.١ ... ٨٨٤٠/ ١٤٣٦ هـ رقم الإيداع: ٨٨٤٠/ ١٤٣٦ هـ ردمك: ٨ - ٩٢٦١ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة) ٣ - ٩٢٦٦ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٥) طبعة أولى: ربيع الثاني ١٤٣٧ هـ - يناير ٢٠١٦ م

стр. 2939

الجَامِعُ الكَامِلُ في الحَدِيثِ الصَّحيحِ الشَّامل [٥]

стр. 2940

جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف دار السلام للنشر والتوزيع شارع الأمير عبد العزيز بن جلوي (الضباب سابقًا) مقابل الغرفة التجارية المملكة العربية السعودية ص. ب: ٢٢٧٤٣ - الرياض ١١٤١٦ هاتف: ٤٠٣٣٩٦٢ - ٤٠٤٣٤٣٢ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - - فاكس: ٤٠٢١٦٥٩ - ١١ - ٠٠٩٦٦ www.darussalampublishers.com E-Mail: darussalam@awalnet.net.sa E-Mail: riyadh@dar-us-salam.com العليا: تليفون: ٤٦١٤٤٨٣ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٤٦٤٤٩٤٥ الملز: تليفون: ٤٧٣٥٢٢٠ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٤٧٣٥٢٢١ السويلم: تليفون: ٢٨٦٠٤٢٢ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٢٨٦٠٤٢٢ السويدي: تليفون: ٤٢٨٦٦٤١ - ١١ - ٠٠٩٦٦ جدة: تليفون: ٦٨٧٩٢٥٤ - ٢ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٦٣٣٦٢٧٠ الخبر: تليفون: ٨٦٩٢٩٠٠ - ٣ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٨٦٩١٥٥١ المدينة المنورة: تليفون: ٨٤٥٩٢٦٦ - ١٤ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٨٥٥٠١١٩ - ٠١٤ خميس مشيط: تليفون: ٢٣٨٨٦٢٠ - ٠١٧ - ٠٠٩٦٦ - جوال: ٠٥٠٠٧١٠٣٢٨ ينبع البحر: تليفون: ٥٠٠٨٨٧٣٤١ - ٠٠٩٦٦ الكويت: تليفون: ٠٠٩٦٥٩٩٦٠٠٨٤٥ الشارقة: تليفون: ٥٦٣٢٦٢٣ - ٦ - ٠٠٩٧١ - فاكس: ٥٦٣٢٦٢٤ لندن: تليفون: ٥٣٩٤٨٨٥ - ٢٠٨ - ٠٠٤٤ - فاكس: ٥٣٩٤٨٨٩ - ٢٠٨ نيويورك: تليفون: ٦٢٥٥٩٢٥ - ٧١٨ - ٠٠١ - فاكس: ٦٢٥١٥١١ - ٧١٨ سيدني أستراليا: تليفون: ٩٧٤٠٧١٨٨ - ٢ - ٠٠٦١ - فاكس: ٩٧٤٠٧١٩٩ - ٢ فرنسا: تليفون: ٨٤٠٥٢٩٢٨ - ٠١ - ٠٠٣٣ - ٤٨٠٥٢٩٩٧ - ٠١ - ٠٠٣٣ هيوستن: تليفون: ٧٢٢٠٤١٩ - ٧١٣ - ٠٠١ - فاكس: ٧٢٢٠٤٣١ ماليزيا: تليفون: ١٩٢٣٦٢٤٢٣ - ٠٠٦٠ - ٣٧٩٥٦٤٦٦٤ - ٠٠٦٠ لاهور باكستان: تليفون: ٧٢٤٠٠٢٤ - ٤٢ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٧٣٥٤٠٧٢ كراتشي باكستان: تليفون: ٤٣٩٣٩٣٦ - ٢١ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٤٣٩٣٩٣٧ إسلام آباد باكستان: تليفون: ٢٥٠٠٢٣٧ - ٥١ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٥١٢٢٨١٥١٣ انتريو كندا: تليفون: ٤٠١١١٥٠ - ٦٤٧ - ٠٠١ - ٦٠٩١٩٣٤ - ٦٤٧ - ٠٠١

стр. 2941

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١٦ - كتاب الحج جموع أبواب ما جاء في وجوب الحجّ وفضله وشروطه ١ - باب ما جاء في إثبات فرض الحجّ، وأنه مرة واحدة، وما بعده فهو تطوّع قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [سورة آل عمران: ٩٧]. • عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدًا رسول الله، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، والحجّ، وصوم رمضان". متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٨)، ومسلم في الإيمان (١٦: ٢٢) كلاهما من طريق حنظلة بن أبي سفيان، قال: سمعت عكرمة بن خالد، عن ابن عمر، فذكره، واللّفظ للبخاريّ. • عن عمر بن الخطّاب، قال: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَال: يَا مُحَمَّد، أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الإِسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا". قَالَ صَدَقْتَ! ... الحديث بتمامه. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٨) من طرق عن يحيى بن يعمر، عن عبد الله بن عمر، عن أبيه، فذكره. • عن أبي هريرة، قال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَال: "أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا". فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ -حَتَّى قَالَهَا ثَلاثًا- فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ". ثُمَّ قَال: "ذَرُونِي

стр. 2942

مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ". متفق عليه: رواه مسلم في الحج (١٣٣٧) عن زهير بن حرب، حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الربيع بن مسلم القرشيّ، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، فذكره. وروى البخاريّ في الاعتصام (٧٢٩٩) من وجه آخر عن أبي هريرة الشّطر الأخير منه: "ذروني ما تركتكم .... " إلخ. • عن ابن عباس، قال: إنّ الأقرع بن حابس سأل النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، الحجّ في كلّ سنة أو مرة واحدة؟ قال: بل مرّة واحدة، فمن زاد فهو تطوّع". صحيح: رواه أبو داود (١٧٢١)، وابن ماجه (٢٨٨٦)، والإمام أحمد (٣٣٠٣) كلّهم من طريق يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهريّ، عن أبي سنان، عن ابن عباس، فذكره. وصحّحه الحاكم (١/ ٤٤١) وقال: "هذا إسناد صحيح، وأبو سنان هذا هو الدّؤليّ ولم يخرجاه، فإنّهما لم يخرجا سفيان بن حسين، وهو من الثقات الذين يجمع حديثهم". قلت: وهو كما قال، وسفيان بن حسين وإن كان ثقة إلّا أنه تكلّم في روايته عن الزهريّ خاصة، ولكنه تابعه عدد من الرّواة منهم من ذكرهم أبو داود عقب الحديث، فقال: "أبو سنان الدّؤليّ، كذا قال عبد الجليل بن حُميد وسليمان بن كثير جميعًا عن الزّهريّ، وقال عقيل: سنان" انتهي. وأمّا طريق عبد الجليل بن حميد، عن ابن شهاب، فرواه النسائيّ (٢٦٢٠) بإسناده عن ابن عباس، قال: إنّ رسول الله قام فقال: "إنّ الله كتب عليكم الحجّ" فقام الأقرع بن حابس التّميميّ: كلّ عام يا رسول الله؟ فسكت، فقال: "لو قلت: نعم لوجبت، ثم إذا لا تسمعون ولا تطيقون، ولكنه حجّة واحدة". وأمّا رواية سليمان بن كثير، فرواه الإمام أحمد (٢٣٠٤)، والدّارميّ (١٧٨٨)، والبيهقيّ (٤/ ٣٢٦) قال: سمعت ابن شهاب يحدّث عن أبي سنان، عن ابن عباس، قال: خطبنا -يعني رسول الله ﷺ - فقال: "يا أيّها النّاس، كُتب عليكم الحجُّ" قال: فقام الأقرع بن حابس، فقال: أفي كلّ عام يا رسول الله؟ قال: "لو قُلتُها لوجبتْ، ولو وجبتْ لم تعملوا بها -أو لم تستطيعوا أن تعملوا بها. الحجُّ مرّة، فمن زاد فهو تطوّع". وممن تابعه أيضًا محمد بن أبي حفصة، قال: حدّثنا ابن شهاب، بإسناده عن ابن عباس، أنّ الأقرع بن حابس سأل رسول الله ﷺ : الحجّ كلّ عام؟ فقال: "لا، بل حجة، فمن حجّ بعد ذلك فهو تطوّع، ولو قلتُ: نعم، لوجبت لم تسمعوا ولم تطيعوا". رواه الإمام أحمد (٣٥١٠) عن روح، حدّثنا محمد بن أبي حفصة، بإسناده. وله متابعات أخرى.

стр. 2943

• عن أنس بن مالك، قال: قالوا: يا رسول الله، الحجّ في كلّ عام؟ قال: "لو قلتُ: نعم لوجبتْ، ولو وجبتْ لم تقوموا بها، ولو لم تقوموا بها عذّبتُم". صحيح: رواه ابن ماجه (٢٨٨٥) عن محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدّثنا محمد بن أبي عبيدة، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس، فذكره. قال البوصيريّ في زوائد ابن ماجه: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وأبو سفيان اسمه طلحة ابن نافع، ومحمد بن أبي عبيدة بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، ثقة، وأبوه مثله". • عن أبي أمامة الباهليّ، قال: قام رسول الله في الناس، فقال: "كُتِب عليكم الحج". فقام رجلٌ من الأعراب فقال: أفي كلّ عام؟ قال: فغلق كلام رسول الله ﷺ ، وأسكت واستغضب، ومكث طويلًا، ثم تكلّم فقال: "من السّائل؟ ". فقال الأعرابي: أنا ذا، فقال: "ويحك، ماذا يؤمنك أن أقول: نعم، والله لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لكفرتم، ألا إنه إنّما أهلك الذين من قبلكم أئمّة الحرج، والله لو أني أحللتُ لكم جميع ما في الأرض، وحرّمت عليكم منها موضع خُفّ لوقعتم فيه". قال: فأنزل الله عند ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إلى آخر الآية [سورة المائدة: ١٠١] ". حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (٨/ ١٨٦ - ١٨٧)، وابن جرير في تفسيره (٩/ ١٩) كلاهما من حديث أبي زيد عبد الرحمن بن أبي الغَمْر، قال: ثنا أبو مطيع معاوية بن يحيى، عن صفوان بن عمرو، قال: ثني سُليم بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة الباهليّ يقول (فذكر الحديث) واللّفظ لابن جرير. وإسناده حسن جيد كما قال الحافظ الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٠٤). قلت: وهو كما قال لأجل أبي مطيع معاوية بن يحيى وهو الأطرابلسي الشّاميّ الدّمشقيّ فإنّه صدوق، مشاه ابن معين ودُحيم وأبو داود والنسائيّ. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن أبي مطيع معاوية بن يحيى؟ قالا: "صدوق، مستقيم الحديث" وقال أبو زرعة: "ثقة". قال أبو سعيد بن يونس: "معاوية بن يحيى الأطرابلسيّ يكنى أبا مطيع، قدم مصر، وكتب عنه وهو غير معاوية بن يحيى الصدفي الذي كان بالرّي على بيت المال، يروي عن الزهريّ". قلت: وهو كما قال، فإنّ معاوية بن يحيى الصّدفيّ يكنى أبا روح الشّامي الدّمشقي الذي كان علي بيت المال بالرّي من قبل المهدي غير معاوية بن يحيى الأطرابلسي الذي يكنى بأبي مطيع، فإنّ الصّدفي هذا ضعيف، ضعّفه ابن معين وأبو داود والنسائيّ والجوزجانيّ وغيرهم. قال أبو حاتم: "ضعيف الحديث، في حديثه إنكار، روى عنه هقل بن زياد أحاديث مستقيمة

стр. 2944

كأنّها من كتاب، روى عنه عيسي بن يونس، وإسحاق بن سليمان أحاديث مناكير كأنّها من حفظه". وقال البخاريّ: "أحاديثه عن الزهريّ مستقيمة من كتاب، وروى عنه عيسي بن يونس، وإسحاق ابن سليمان أحاديث مناكير كأنها من حفظه". إذا عرفنا الفرق بين معاوية بن يحيى الأطرابلسي ومعاوية بن يحيى الصّدفي بأنّ الأوّل حسن الحديث، والثاني ضعيف. فاعلم أنه وقع الحافظ ابن حبان في خلط قبيح جدًا، فجمع بينهما في "المجروحين" (١٠٢٢) فقال: "معاوية بن يحيى الصّدفي الأطرابلسيّ، كنيته أبو مطيع، مولده بأطرابلس من سواحل دمشق، يروي عن الزهريّ، كان على بيت المال بالرّي انتقل إليها، وكان كنيته أبو روح، روى عنه عيسي بن يونس وإسحاق بن سليمان، منكر الحديث جدًا، كان يشتري الكتب ويحدّث بها، ثم تغيّر حفظه، فكان يحدّث بالوهم فيما سمع من الزهري وغيره، فجاء رواية الراويين عنه إسحاق بن سليمان وذووه كأنها مقلوبة. وفي رواية الشاميين عنه الهقل بن زياد وغيره أشياء مستقيمة تشبه حديث الثقات". هذا الكلام كله في الصّدفي كما سبق من كلام أبي حاتم، والبخاريّ، فالذي يظهر أنه سبق قلم من ابن حبان الذي يترجم الصدفي فجاء على قلمه الأطرابلسي خطأ؛ لأنه قال: كنيته أبو مطيع ثم يقول: كنيته أبو روح. والصّدفي كنيته أبو روح. وقد نبّه على هذا الخلط الذي وقع من ابن حبان الحافظ الدارقطني في تعليقاته على كتاب المجروحين (ص ٢٥٦ - ٢٥٧) فقال: "قد خلّط أبو حاتم في هذا الباب تخليطًا قبيحًا - هما رجلان يقال لكل واحد منهما معاوية بن يحيى الصّدفيّ، يكنى أبا روح، وهو الذي روى عن الزهري ما ذكره ها هنا وغير ذلك، وهو الذي كان على بيت المال بالري، وهو الذي روى عنه الهقل بن زياد وعيسى بن يونس وإسحاق بن سليمان الرازيّ وغيرهم. والآخر يكنى أبا مطيع وهو الأطرابلسيّ وهو الذي روى حديث عكاف بن وداعة المذكور ها هنا، وهو الذي روى حديث خالد الحذّاء ها هنا وهو أكثر مناكير من الصّدفي، وإنما فسدت رواية الصّدفي لأنه غابت عنه كتبُه فحدّث من حفظه، وسماع الهقل بن زياد منه من كتابه، فلست ترى فيها خطأ ولا مقلوبًا، والله أعلم". نقلًا من تعليقات الدكتور موفق عبد القادر على "الضعفاء والمتروكين" للدارقطنيّ؛ لأنّ الطبعة الهندية "للمجروحين" لا توجد في مكتبتي. ولكن الحافظ الدارقطني نفسه وقع في وهم، فقال في الأطرابلسيّ: "ضعيف" كما في "تهذيب" المزيّ، وفي "تقريب" الحافظ: "الطرابلسيّ أقوى من الصّدفي، وعكس الدارقطنيّ". والخلاصة: أنّ إسناد حديث أبي أمامة الباهليّ حسن؛ لأنه من رواية معاوية بن يحيي

стр. 2945

الطرابلسيّ وهو "صدوق له أوهام" كما في التقريب، ولكن نظرًا لهذا الخلاف الذي ذكرناه قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: "في إسناده ضعف"، والظاهر من هذا أنه لم يتبيّن له هل هو من حديث الصّدفي أو الطرابلسيّ، والله تعالى أعلم. • عن ابن عباس قال: لما أنزلت آية الحجّ نادي النبيّ ﷺ في الناس، فقال: "يا أيها الناس إنّ الله قد كتب عليكم الحجّ فحجّوا" فقالوا: يا رسول الله، أعامًا واحدًا، أم كلّ عام؟ فقال: "لا، بل عامًا واحدًا، ولو قلت: كل عام لوجبت، ولو وجبت لكفرتم" فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [سورة المائدة: ١٠١] قال: سألوا النبيّ ﷺ عن أشياء فوعظهم، فانتهوا. حسن: رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٢١) قال: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، قال: ثنا علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، فذكره. وذكره الحافظ ابن كثير في "تفسيره" نقلًا عن ابن جرير ولم يتكلّم عليه بشيء. وفيه المثني وهو ابن إبراهيم الآمليّ يروي عنه ابن جرير كثيرًا في التفسير والتاريخ ولا يعرف فيه جرح ولا تعديل. وإسناده حسن من أجل عبد الله بن صالح المعروف بكاتب الليث مختلف فيه غير أنه حسن الحديث في المتابعات والشّواهد. وعلي بن أبي طلحة يروي التفسير عن ابن عباس، ولم يسمع منه، ولكن عُرفَ الواسطة وهو مجاهد بن جبر، ولذا أكثر المفسرون نقل روايته عنه، وصحّحوه. وأمّا ما رُوي عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلتْ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [سورة آل عمران: ٩٧]. قالوا: يا رسول الله، أفي كلّ عام؟ فسكت، فقالوا: يا رسول الله، أفي كلّ عام؟ قال: "لا، ولو قلت: نعم لوجبتْ". فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ففيه انقطاع. رواه الترمذيّ (٨١٤، ٣٠٥٥)، وابن ماجه (٢٨٨٤) كلاهما من حديث منصور بن وردان، عن علي بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن أبي البختريّ، عن علي بن أبي طالب، فذكره. ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (٩٠٥)، وابن أبي حاتم في التفسير (٦٨٧٥)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤) ولم يحكم عليه بشيء، وإنما قال: "كان حكم هذه الأحاديث الثلاثة (أي حديث ابن عباس، وحديث علي) أن تكون مخرجة في أول كتاب المناسك، فلم يقدر ذلك لي فخرجتها في تفسير الآية". وقال الترمذي في الموضعين: "حسن غريب". قلت: وهو ليس بحسن؛ فإن فيه والد علي بن عبد الأعلى وهو عبد الأعلى بن عامر الثعلبيّ
следующие страницы →