Полный текст (8 687 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٦ - كتاب الحج
جموع أبواب ما جاء في وجوب الحجّ وفضله وشروطه
١ - باب ما جاء في إثبات فرض الحجّ، وأنه مرة واحدة، وما بعده فهو تطوّع
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [سورة آل عمران: ٩٧].
• عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدًا رسول الله، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، والحجّ، وصوم رمضان".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٨)، ومسلم في الإيمان (١٦: ٢٢) كلاهما من طريق حنظلة بن أبي سفيان، قال: سمعت عكرمة بن خالد، عن ابن عمر، فذكره، واللّفظ للبخاريّ.
• عن عمر بن الخطّاب، قال: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَال: يَا مُحَمَّد، أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الإِسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا". قَالَ صَدَقْتَ! ... الحديث بتمامه.
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٨) من طرق عن يحيى بن يعمر، عن عبد الله بن عمر، عن أبيه، فذكره.
• عن أبي هريرة، قال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَال: "أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا". فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ -حَتَّى قَالَهَا ثَلاثًا- فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ". ثُمَّ قَال: "ذَرُونِي
стр. 2942
مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ".
متفق عليه: رواه مسلم في الحج (١٣٣٧) عن زهير بن حرب، حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الربيع بن مسلم القرشيّ، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، فذكره.
وروى البخاريّ في الاعتصام (٧٢٩٩) من وجه آخر عن أبي هريرة الشّطر الأخير منه: "ذروني ما تركتكم .... " إلخ.
• عن ابن عباس، قال: إنّ الأقرع بن حابس سأل النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، الحجّ في كلّ سنة أو مرة واحدة؟ قال: بل مرّة واحدة، فمن زاد فهو تطوّع".
صحيح: رواه أبو داود (١٧٢١)، وابن ماجه (٢٨٨٦)، والإمام أحمد (٣٣٠٣) كلّهم من طريق يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهريّ، عن أبي سنان، عن ابن عباس، فذكره.
وصحّحه الحاكم (١/ ٤٤١) وقال: "هذا إسناد صحيح، وأبو سنان هذا هو الدّؤليّ ولم يخرجاه، فإنّهما لم يخرجا سفيان بن حسين، وهو من الثقات الذين يجمع حديثهم".
قلت: وهو كما قال، وسفيان بن حسين وإن كان ثقة إلّا أنه تكلّم في روايته عن الزهريّ خاصة، ولكنه تابعه عدد من الرّواة منهم من ذكرهم أبو داود عقب الحديث، فقال: "أبو سنان الدّؤليّ، كذا قال عبد الجليل بن حُميد وسليمان بن كثير جميعًا عن الزّهريّ، وقال عقيل: سنان" انتهي.
وأمّا طريق عبد الجليل بن حميد، عن ابن شهاب، فرواه النسائيّ (٢٦٢٠) بإسناده عن ابن عباس، قال: إنّ رسول الله قام فقال: "إنّ الله كتب عليكم الحجّ" فقام الأقرع بن حابس التّميميّ: كلّ عام يا رسول الله؟ فسكت، فقال: "لو قلت: نعم لوجبت، ثم إذا لا تسمعون ولا تطيقون، ولكنه حجّة واحدة".
وأمّا رواية سليمان بن كثير، فرواه الإمام أحمد (٢٣٠٤)، والدّارميّ (١٧٨٨)، والبيهقيّ (٤/ ٣٢٦) قال: سمعت ابن شهاب يحدّث عن أبي سنان، عن ابن عباس، قال: خطبنا -يعني رسول الله ﷺ - فقال: "يا أيّها النّاس، كُتب عليكم الحجُّ" قال: فقام الأقرع بن حابس، فقال: أفي كلّ عام يا رسول الله؟ قال: "لو قُلتُها لوجبتْ، ولو وجبتْ لم تعملوا بها -أو لم تستطيعوا أن تعملوا بها. الحجُّ مرّة، فمن زاد فهو تطوّع".
وممن تابعه أيضًا محمد بن أبي حفصة، قال: حدّثنا ابن شهاب، بإسناده عن ابن عباس، أنّ الأقرع بن حابس سأل رسول الله ﷺ : الحجّ كلّ عام؟ فقال: "لا، بل حجة، فمن حجّ بعد ذلك فهو تطوّع، ولو قلتُ: نعم، لوجبت لم تسمعوا ولم تطيعوا".
رواه الإمام أحمد (٣٥١٠) عن روح، حدّثنا محمد بن أبي حفصة، بإسناده. وله متابعات أخرى.
стр. 2943
• عن أنس بن مالك، قال: قالوا: يا رسول الله، الحجّ في كلّ عام؟ قال: "لو قلتُ: نعم لوجبتْ، ولو وجبتْ لم تقوموا بها، ولو لم تقوموا بها عذّبتُم".
صحيح: رواه ابن ماجه (٢٨٨٥) عن محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدّثنا محمد بن أبي عبيدة، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس، فذكره.
قال البوصيريّ في زوائد ابن ماجه: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وأبو سفيان اسمه طلحة ابن نافع، ومحمد بن أبي عبيدة بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، ثقة، وأبوه مثله".
• عن أبي أمامة الباهليّ، قال: قام رسول الله في الناس، فقال: "كُتِب عليكم الحج". فقام رجلٌ من الأعراب فقال: أفي كلّ عام؟ قال: فغلق كلام رسول الله ﷺ ، وأسكت واستغضب، ومكث طويلًا، ثم تكلّم فقال: "من السّائل؟ ". فقال الأعرابي: أنا ذا، فقال: "ويحك، ماذا يؤمنك أن أقول: نعم، والله لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لكفرتم، ألا إنه إنّما أهلك الذين من قبلكم أئمّة الحرج، والله لو أني أحللتُ لكم جميع ما في الأرض، وحرّمت عليكم منها موضع خُفّ لوقعتم فيه". قال: فأنزل الله عند ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إلى آخر الآية [سورة المائدة: ١٠١] ".
حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (٨/ ١٨٦ - ١٨٧)، وابن جرير في تفسيره (٩/ ١٩) كلاهما من حديث أبي زيد عبد الرحمن بن أبي الغَمْر، قال: ثنا أبو مطيع معاوية بن يحيى، عن صفوان بن عمرو، قال: ثني سُليم بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة الباهليّ يقول (فذكر الحديث) واللّفظ لابن جرير.
وإسناده حسن جيد كما قال الحافظ الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٠٤).
قلت: وهو كما قال لأجل أبي مطيع معاوية بن يحيى وهو الأطرابلسي الشّاميّ الدّمشقيّ فإنّه صدوق، مشاه ابن معين ودُحيم وأبو داود والنسائيّ.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن أبي مطيع معاوية بن يحيى؟ قالا: "صدوق، مستقيم الحديث" وقال أبو زرعة: "ثقة".
قال أبو سعيد بن يونس: "معاوية بن يحيى الأطرابلسيّ يكنى أبا مطيع، قدم مصر، وكتب عنه وهو غير معاوية بن يحيى الصدفي الذي كان بالرّي على بيت المال، يروي عن الزهريّ".
قلت: وهو كما قال، فإنّ معاوية بن يحيى الصّدفيّ يكنى أبا روح الشّامي الدّمشقي الذي كان علي بيت المال بالرّي من قبل المهدي غير معاوية بن يحيى الأطرابلسي الذي يكنى بأبي مطيع، فإنّ الصّدفي هذا ضعيف، ضعّفه ابن معين وأبو داود والنسائيّ والجوزجانيّ وغيرهم.
قال أبو حاتم: "ضعيف الحديث، في حديثه إنكار، روى عنه هقل بن زياد أحاديث مستقيمة
стр. 2944
كأنّها من كتاب، روى عنه عيسي بن يونس، وإسحاق بن سليمان أحاديث مناكير كأنّها من حفظه".
وقال البخاريّ: "أحاديثه عن الزهريّ مستقيمة من كتاب، وروى عنه عيسي بن يونس، وإسحاق ابن سليمان أحاديث مناكير كأنها من حفظه".
إذا عرفنا الفرق بين معاوية بن يحيى الأطرابلسي ومعاوية بن يحيى الصّدفي بأنّ الأوّل حسن الحديث، والثاني ضعيف.
فاعلم أنه وقع الحافظ ابن حبان في خلط قبيح جدًا، فجمع بينهما في "المجروحين" (١٠٢٢) فقال: "معاوية بن يحيى الصّدفي الأطرابلسيّ، كنيته أبو مطيع، مولده بأطرابلس من سواحل دمشق، يروي عن الزهريّ، كان على بيت المال بالرّي انتقل إليها، وكان كنيته أبو روح، روى عنه عيسي بن يونس وإسحاق بن سليمان، منكر الحديث جدًا، كان يشتري الكتب ويحدّث بها، ثم تغيّر حفظه، فكان يحدّث بالوهم فيما سمع من الزهري وغيره، فجاء رواية الراويين عنه إسحاق بن سليمان وذووه كأنها مقلوبة. وفي رواية الشاميين عنه الهقل بن زياد وغيره أشياء مستقيمة تشبه حديث الثقات".
هذا الكلام كله في الصّدفي كما سبق من كلام أبي حاتم، والبخاريّ، فالذي يظهر أنه سبق قلم من ابن حبان الذي يترجم الصدفي فجاء على قلمه الأطرابلسي خطأ؛ لأنه قال: كنيته أبو مطيع ثم يقول: كنيته أبو روح. والصّدفي كنيته أبو روح.
وقد نبّه على هذا الخلط الذي وقع من ابن حبان الحافظ الدارقطني في تعليقاته على كتاب المجروحين (ص ٢٥٦ - ٢٥٧) فقال: "قد خلّط أبو حاتم في هذا الباب تخليطًا قبيحًا - هما رجلان يقال لكل واحد منهما معاوية بن يحيى الصّدفيّ، يكنى أبا روح، وهو الذي روى عن الزهري ما ذكره ها هنا وغير ذلك، وهو الذي كان على بيت المال بالري، وهو الذي روى عنه الهقل بن زياد وعيسى بن يونس وإسحاق بن سليمان الرازيّ وغيرهم.
والآخر يكنى أبا مطيع وهو الأطرابلسيّ وهو الذي روى حديث عكاف بن وداعة المذكور ها هنا، وهو الذي روى حديث خالد الحذّاء ها هنا وهو أكثر مناكير من الصّدفي، وإنما فسدت رواية الصّدفي لأنه غابت عنه كتبُه فحدّث من حفظه، وسماع الهقل بن زياد منه من كتابه، فلست ترى فيها خطأ ولا مقلوبًا، والله أعلم".
نقلًا من تعليقات الدكتور موفق عبد القادر على "الضعفاء والمتروكين" للدارقطنيّ؛ لأنّ الطبعة الهندية "للمجروحين" لا توجد في مكتبتي.
ولكن الحافظ الدارقطني نفسه وقع في وهم، فقال في الأطرابلسيّ: "ضعيف" كما في "تهذيب" المزيّ، وفي "تقريب" الحافظ: "الطرابلسيّ أقوى من الصّدفي، وعكس الدارقطنيّ".
والخلاصة: أنّ إسناد حديث أبي أمامة الباهليّ حسن؛ لأنه من رواية معاوية بن يحيي
стр. 2945
الطرابلسيّ وهو "صدوق له أوهام" كما في التقريب، ولكن نظرًا لهذا الخلاف الذي ذكرناه قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: "في إسناده ضعف"، والظاهر من هذا أنه لم يتبيّن له هل هو من حديث الصّدفي أو الطرابلسيّ، والله تعالى أعلم.
• عن ابن عباس قال: لما أنزلت آية الحجّ نادي النبيّ ﷺ في الناس، فقال: "يا أيها الناس إنّ الله قد كتب عليكم الحجّ فحجّوا" فقالوا: يا رسول الله، أعامًا واحدًا، أم كلّ عام؟ فقال: "لا، بل عامًا واحدًا، ولو قلت: كل عام لوجبت، ولو وجبت لكفرتم" فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [سورة المائدة: ١٠١] قال: سألوا النبيّ ﷺ عن أشياء فوعظهم، فانتهوا.
حسن: رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٢١) قال: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، قال: ثنا علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، فذكره.
وذكره الحافظ ابن كثير في "تفسيره" نقلًا عن ابن جرير ولم يتكلّم عليه بشيء.
وفيه المثني وهو ابن إبراهيم الآمليّ يروي عنه ابن جرير كثيرًا في التفسير والتاريخ ولا يعرف فيه جرح ولا تعديل.
وإسناده حسن من أجل عبد الله بن صالح المعروف بكاتب الليث مختلف فيه غير أنه حسن الحديث في المتابعات والشّواهد.
وعلي بن أبي طلحة يروي التفسير عن ابن عباس، ولم يسمع منه، ولكن عُرفَ الواسطة وهو مجاهد بن جبر، ولذا أكثر المفسرون نقل روايته عنه، وصحّحوه.
وأمّا ما رُوي عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلتْ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [سورة آل عمران: ٩٧]. قالوا: يا رسول الله، أفي كلّ عام؟ فسكت، فقالوا: يا رسول الله، أفي كلّ عام؟ قال: "لا، ولو قلت: نعم لوجبتْ". فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ففيه انقطاع.
رواه الترمذيّ (٨١٤، ٣٠٥٥)، وابن ماجه (٢٨٨٤) كلاهما من حديث منصور بن وردان، عن علي بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن أبي البختريّ، عن علي بن أبي طالب، فذكره.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (٩٠٥)، وابن أبي حاتم في التفسير (٦٨٧٥)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤) ولم يحكم عليه بشيء، وإنما قال: "كان حكم هذه الأحاديث الثلاثة (أي حديث ابن عباس، وحديث علي) أن تكون مخرجة في أول كتاب المناسك، فلم يقدر ذلك لي فخرجتها في تفسير الآية".
وقال الترمذي في الموضعين: "حسن غريب".
قلت: وهو ليس بحسن؛ فإن فيه والد علي بن عبد الأعلى وهو عبد الأعلى بن عامر الثعلبيّ
стр. 2946
ضعيف، وبه أعلّه الذهبي في "تلخيص المستدرك" فقال: ضعّفه أحمد.
ثم هو منقطع؛ فإنّ أبا البختري وهو سعيد بن أبي عمران، وهو سعيد بن فيروز لم يدرك علي بن أبي طالب، كما قال البخاريّ في "العلل الكبير" للترمذي (٢/ ٩٦٤).
وأمّا الحافظ ابن كثير، فنقل في تفسيره قول الترمذيّ بأنه "غريب من هذا الوجه. وسمعت البخاري يقول: أبو البختريّ لم يدرك عليًّا".
فاكتفى بالحكم على الحديث بأنه "غريب" هو هكذا في "تحفة الأشراف للمزي" (٧/ ٣٧٨) وهو الحكم المناسب.
فإن المنقطع لا يحكم عليه بالحسن؛ إلّا أن الترمذي لم يذكر قول البخاري في سننه، وإنما ذكره في علله، فهل هذا أيضًا مما اختلفت عليه نسخ الترمذيّ، أو أنهما أخذا الحكم من العلل، وذكراه مع السنن. والله أعلم.
وروي نحوه في تفسير هذه الآية في سورة المائدة عن أبي هريرة.
رواه ابن جرير (٩/ ١٨) وفيه إبراهيم بن مسلم الهجريّ ضعيف، ضعّفه جمهور أهل العلم، وقد أشار إليه أيضًا الحافظ ابن كثير في تفسيره.
وفي الباب ما رُوي عن أبي سعيد الخدريّ، أنّ رسول الله ﷺ قال: قال الله : "إنّ عبدًا صحّحتُ له جسمه، ووسعتُ عليه في المعيشة يمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إليَّ لمحروم". وفيه اضطراب.
رواه أبو يعلى (١٠٣١)، وابن حبان (٣٧٠٣)، والبيهقيّ (٥/ ٢٦٢) كلّهم من طريق خلف بن خليفة، ثنا العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكره واللفظ لابن حبان. ولفظ البيهقي مثله. ولكن لم يذكر أبو يعلى بأنه من الأحاديث القدسية.
وعلاوة على هذا في الإسناد علّتان:
الأولى: خلف بن خليفة وهو الأشجعيّ مولاهم أبو أحمد الواسطيّ كان بالكوفة ثم انتقل إلى واسط فسكنها مدة ثم تحوّل إلى بغداد، فأقام بها إلى حين وفاته وذلك سنة (١٨٧) إلّا أنه اختلط في آخر حياته كما قال أحمد: "رأيت خلف بن خليفة وهو مفلوج سنة سبع وثمانين ومائة قد حمل وكان لا يفهم، فمن كتب عنه قديمًا فسماعه صحيح". وقال أحمد: "قد أتيته فلم أفهم عنه".
ومع اختلاطه في آخر عمره لم يكن مرضيًا عند بعض الأئمّة.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: قال رجل لسفيان بن عيينة: يا أبا محمد، عندنا رجل يقال له: خلف بن خليفة زعم أنه رأي عمرو بن حريث؟ فقال: كذب، لعله رأي جعفر ابن عمرو بن حريث.
ولكن تابعه الثوريّ عن العلاء بن المسيب، عن أبيه -أو عن رجل-، عن أبي سعيد. رواه عبد
стр. 2947
الرزاق في مصنفه (٨٨٢٦).
وفيه: "يقول الربّ ﵎" ولم يذكر فيه النبيّ ﷺ .
والعلة الثانية: الانقطاع بين المسيب بن رافع، وبين أبي سعيد الخدريّ.
قال يحيى بن معين: "لم يسمع من أحد من أصحاب النبيّ ﷺ إلّا من البراء بن عازب، وأبي عامر بن عبدة".
قلت: وهو مات سنة (١٠٥ هـ).
ومع هذا كله وقع فيه اضطراب كما ذكره الدارقطني في "العلل" (١١/ ٣٠٩).
وقال في آخره: "ولا يصح منها شيء"، وقد أشار إلى الاضطراب البيهقيّ أيضًا.
فقال: "وقيل عنه موقوفًا، وقيل عنه مرسلًا، ورُوي من وجه آخر عن أبي هريرة، وإسناده ضعيف".
قلت: حديث أبي هريرة، قال فيه البخاريّ: "قال الوليد، ثنا صدقة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ في الحج منكر". "التاريخ الكبير" (٤/ ٢٩٥).
وكذلك نقل فيه ابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٣٩٦) وقال: "ولا أعلم يرويه عن العلاء غير صدقة، وإنما يُروى هذا عن خلف بن خليفة، وهو مشهور، ورُوي عن الثوريّ أيضًا عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ ﷺ . فلعلّ صدقة هذا سمع بذكر العلاء فظن أنه العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، وكان هذا الطريق أسهل عليه، وإنما هو العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن أبي سعيد".
وعلّل أيضًا أبو حاتم وأبو زرعة هذا الحديث كما يقول عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه صدقة بن يزيد الخراساني نزيل الرملة عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: قال الله : "إنّ من أصححته وأوسعت له لم يزرني في كلّ خمسة أعوام لمحروم"؟ قالا: هذا عندنا منكر من حديث العلاء بن عبد الرحمن وهو من حديث العلاء بن المسيب أشبه. قال أبي: والناس يضطربون في حديث العلاء بن المسيب، فأما خلف بن خليفة فقال: عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن أبي هريرة موقوف. ورواه بعضهم فقال: عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ .
قلت لأبي: فأيّهما الصّحيح منهما؟ قال: هو مضطرب، فأعدت عليه فلم يزدني على قوله: هو مضطرب. ثم قال: العلاء بن المسيب عن يونس بن حباب، عن أبي سعيد موقوف مرسل أشبه.
قلت لأبي: لم يسمع يونس من أبي سعيد؟ قال: لا.
قال أبو زرعة: قال بعضهم: العلاء بن المسيب، عن يونس بن حباب، عن أبي سعيد موقوف.
قال: وقال أبو زرعة: والصّحيح عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ " انتهى. "العلل" (١/ ٢٩٠ - ٢٩١).
стр. 2948
وصدقة بن يزيد هذا، قال فيه ابن حبان: "كان ممن يحدّث عن الثقات بالأشياء المعضلات على قلّة روايته، لا يجوز الاشتغال بحديثه عند الاحتجاج به". "المجروحين" (٤٩١).
قلت: وهذا الحديث يخالف أيضًا ما أجمعوا عليه بأنّ الحجّ لا يجب في العمر إلّا مرة واحدة، وقد حذّر النبيّ ﷺ في حديث أبي هريرة، لما قال له رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتي قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ : "لو قلتُ نعم لوجبتْ ولما استطعتم".
إذا كيف يكون من لم يحج بعد كلّ خمس سنوات محرومًا -أي من رحمة الله- فتأمّل.
وقد حكم بعض أهل العلم بأنه موضوع وكذب لا تجوز روايته.
وقال ابن العربي في شرح الموطأ: "إنه حديث باطل، والإجماع صاد في وجوههم" انظر "القبس" (٢/ ٥٣٩).
٢ - باب ما جاء في استحباب لزوم المرأة بيتها بعد قضاء فرض الحج ّ
• عن أبي واقد اللّيثيّ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأزواجه في حجّة الوداع: "هذه، ثم ظهور الْحُصُر".
حسن: رواه أبو داود (١٧٢٢) عن النُّفيليّ، حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن ابن لأبي واقد اللّيثيّ، عن أبيه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل ابن أبي واقد، واسمه واقد كما سمّاه الإمام أحمد (٢١٩٠٥) في روايته عن سعيد بن منصور، حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن واقد بن أبي واقد اللّيثيّ، عن أبيه، فذكر مثله.
وواقد هذا مختلف فيه، فرجّح الحافظ ابن حجر أن تكون له صحبة تبعًا لذكر ابن منده له في "الصحابة"، ونقل عن أبي داود أيضًا بأن له صحبة، فلم يصب من قال فيه "مجهول".
• عن أبي هريرة، أنّ رسول الله لما حجّ بنسائه قال: "إنّما هذه الحجّة، ثم الْزمن ظهور الحصُر".
حسن: رواه أحمد (٩٧٦٥)، وأبو يعلى (٧١٥٨)، والطيالسي (١٧٥٢)، والبيهقي (٥/ ٢٢٨) كلّهم من طريق ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، فذكره.
وزاد الأخيران: "فكن يحججن إلّا سودة بنت زمعة، وزينب بنت جحش، فإنهما كانتا تقولان: والله لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا من رسول الله".
وهذه الزّيادة رواها أيضًا أحمد (٢٦٧٥١) من أوجه أخرى عن ابن أبي ذئب، به. ورواه البزار -كشف الأستار (١٠٥٧) - من طريق سفيان الثوريّ، عن صالح مولى التوأمة، به.
قال البزار: "أحسبه عن سفيان، عن ابن أبي ذئب، عن صالح؛ ولكن هكذا قال قبيصة. ورواه
стр. 2949
جماعة عن صالح منهم: ابن أبي ذئب، وصالح بن كيسان".
قلت: إسناده حسن من أجل صالح مولي التوأمة، فإنه صدوق وقد اختلط بآخره، ولكن رواه ابن أبي ذئب قبل اختلاطه.
• عن أمّ سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ لنا في حجّة الوداع: "إنّما هي هذه الحجّة، ثم الجلوس على ظهور الحصر في البيوت".
حسن: رواه الطبرانيّ في "الكبير" (٢٣/ ٣١٣)، وأبو يعلى (٦٨٨٥) كلاهما من عبد الله بن جعفر المخرمي، حدثني عثمان بن عمر الأخنس، عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع، عن أم سلمة، قالت: فأخبرته.
وإسناده حسن من أجل الكلام في عثمان بن عمر الأخنس غير أنه حسن الحديث، وذكره المنذريّ في "الترغيب" (١٨٤٩) وقال: "رجاله ثقات".
ورواه البيهقيّ (٣/ ٢١٤) عن عاصم بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فذكر الحديث.
وعاصم بن عمر هو ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ضعيف باتفاق أهل العلم.
وشذّ ابن حبان، فذكره في "الثقات" (٥/ ٢٣٣)، وأخرج حديثه في "الصحيح" (٣٧٠٦).
وأمّا معنى الحديث فكما قال البيهقيّ: "في حجّ عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين بعد رسول الله ﷺ دلالة على أنّ المراد من هذا الخبر وجوب الحجّ عليهن مرّة واحدة كما بيّن وجوبه على الرجال مرة لا المنع من الزيادة عليه".
وقوله: "الحصر" بضمة وسكون الصاد تخفيفًا، جمع حصير يُبسط في البيوت، وفيه إشارة إلى لزوم البيت وترك الحجّ النّفل بعد أن تيسّر لهن الحجّ مع النبيّ ﷺ ، لا النهي عن الحج كليا تطوّعًا بعد أداء الفريضة، وقد صح من فعل أزواج النبيّ ﷺ أنهن حججن بعده ﷺ في عهد عمر بن الخطاب كما سيأتي.
٣ - باب ما جاء أن الحجّ يهدم ما كان قبله
• عن عمرو بن العاص، قال: فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الإِسْلامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي قَالَ: "مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟ " قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ. قَالَ: "تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟ ". قُلْت: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَال: "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ". الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٢١) في سياق طويل من طرق عن أبي عاصم الضّحاك، قال: أخبرنا حيوة بن شريح، قال: حدّثني يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة المهريّ، قال:
стр. 2950
حضرنا عمرو بن العاص - وهو في سياقة الموت ... فذكره بتمامه.
٤ - باب ما رويَ أنه لا صرورة في الإسلام
وما رُوي عن ابن عباس مرفوعًا: "لا صرورة في الإسلام" فهو ضعيف.
رواه أبو داود (١٧٢٩) عن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا أبو خالد -يعني سليمان بن حيان الأحمر-، عن ابن جريج، عن عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
ورواه الإمام أحمد (٢٨٤٤، ٣١١٤)، والطحاويّ في "مشكله" (١٢٨٢)، وصحّحه الحاكم (١/ ٤٤٨) كلّهم من حديث ابن جريج بإسناده، مثله.
قال الطّحاويّ: عمر بن عطاء هو ابن أبي الخوار.
قلت: هذا وهم منهم رحمهم الله تعالى جميعًا؛ فإن عمر بن عطاء ليس ابن أبي الحوار المكيّ الذي روى له مسلم فإنه ثقة، وإنما هو عمر بن عطاء بن ورّاز، ويقال: ورازة حجازيٌّ وهو ضعيف.
والضّابط بين عمر بن عطاء بن أبي الخوار، وبين عمر بن عطاء بن ورّاز أنّ الأول كبير يروي عن ابن عباس، وأن الثاني يروي عنه ابن جريج، ويروي عن عكرمة كما روى أبو طالب عن أحمد ابن حنبل: كلّ شيء روي ابن جريج عن عمر بن عطاء عن عكرمة فهو عمر بن عطاء بن ورازة. وكلّ شيء روى ابن جريج عن عمر بن عطاء، عن ابن عباس فهو عمر بن عطاء بن أبي الخوار كان كبيرًا. قيل له: أيروي ابن أبي الخوار عن عكرمة؟ قال: لا. من قال: عمر بن عطاء بن أبي الخوار عن عكرمة فقد أخطأ، إنما روي عن عكرمة عمر بن عطاء بن وراز، ولم يرو ابن أبي الخوار عن عكرمة شيئًا".
وقال عباس الدوريّ، عن يحيى بن معين: "عمر بن عطاء الذي يروي عنه ابن جريج يحدث عن عكرمة ليس هو بشيء، وهو ابن وراز، وهم يضعّفونه. كلّ شيء عن عكرمة فهو عمر بن عطاء بن وراز، وعمر بن عطاء بن أبي الخوار ثقة". وأشار إلى ضعفه الحافظ في "التقريب".
وابن حبان آخر من وهم فجمع بين عمر بن عطاء بن وراز وبين ابن أبي الخوار، وذكره في الثقات (٧/ ١٨٠) وقال: روي عن ابن جريج.
ولم يذكره في "المجروحين" فلا أدري كيف وقع منه هذا الخلط! أو لم يطّلع على كلام أهل العلم ممن سبقه؟ ! .
قوله: "لا صرورة" الصّرورة له تفسيران:
أحدهما: أن الصّرورة هو الرجل الذي انقطع عن النكاح، تبتل على مذهب رهبانية، ومنه قول النابغة:
لو أنّها عرضتْ لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متلبِّدِ
стр. 2951
التفسير الثاني: أنّ الصّرورة هو الرّجل الذي لم يحجّ، فمعناه على هذا أن سنة الدين أن لا يبقى أحدٌ من الناس يستطيع الحج، فلا يحج حتى لا يكون صرورة في الإسلام.
وقد يستدل به من يزعم أن الصّرورة لا يجوز له أن يحجّ عن غيره، وتقدير الكلام عنده: أن الصّرورة إذا شرع في الحج عن غيره صار الحج عنه، وانقلب عن فرضه ليحصل معنى النفي فلا يكون صرورة.
وهذا مذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال مالك، والثوري: حجّه على ما نوى، وإليه ذهب أهل الرّأي، وقد روي ذلك عن الحسن البصري، وعطاء، والنخعي" انتهي. قاله الخطابي في "معالم السنن".
وقال سفيان: كان أهل الجاهلية يقولون للرجل إذا لم يحج: هو صرورة، فقال النبيّ ﷺ : "لا صرورة في الإسلام".
رواه الطّحاوي في "مشكله" (١٢٨٣) بإسناده عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن النبيّ ﷺ قال: "لا صرورة في الإسلام" فذكر سفيان قوله. ورجاله ثقات وهو مرسل.
وذكر الطّحاوي المعاني الأخرى للصرورة فراجعه.
وللحديث شواهد في كتب المعاجم إلّا أنها كلّها ضعيفة.
وأشهرها حديث جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صرورة في الإسلام" رواه الطبرانيّ في "الكبير" (٢/ ١٣٧) من طريق منصور، عن كلاب بن علي، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه مرفوعًا.
وكلاب بن علي العامريّ، حدّث عنه منصور بن المعتمر قال فيه الذهبي: "مجهول" وأظهر البيهقيّ (٥/ ١٦٥) الاختلاف، فقال: رُوي عن منصور بن أبي سليم تارة عن جبير بن مطعم، وتارة عن ابن جبير عن أبيه، وتارة عن ابن أخي جبير، وتارة عن نافع بن جبير أُراه عن أبيه، فذكر الحديث.
٥ - باب ما جاء في فضل الحج
• عن أبي هريرة، قال: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَال: "إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ". قِيل: ثُمَّ مَاذَا؟ قَال: "جِهَادٌ فِي سَبِيلِ الله". قِيل: ثُمَّ مَاذَا؟ قَال: "حَجٌّ مَبْرُورٌ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥١٩)، ومسلم في الإيمان (٨٣) كلاهما من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجَّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ".
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٦٥) عن سُمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح
стр. 2952
السّمان، عن أبي هريرة، به.
ورواه البخاريّ في العمرة (١٧٧٣)، ومسلم في الحج (١٣٤٩) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
• عن أبي هريرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من حج لله فلم يرفث، ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٢١) ومسلم في الحج (١٣٥٠) كلاهما من حديث سيار أبي الحكم، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره، واللفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم نحوه.
• عن عائشة أنها قالت: يَا رَسُولَ الله، نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلا نُجَاهِدُ؟ قَال: "لا لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ".
صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٥٢٠) عن عبد الرحمن بن المبارك، حدّثنا خالد -هو ابن عبد الله الواسطيّ-، أخبرنا حبيب بن أبي عمرة، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة، به.
وأما ما رُوي عن عمرو بن عبسة، قال: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُول اللهِ، مَا الإِسْلامُ؟ قَال: "أَنْ يُسْلِمَ قَلْبُكَ لله ، وَأَنْ يَسْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِكَ وَيَدِكَ". قَال: فَأَيُّ الإِسْلامِ أَفْضَل؟ قَال: "الإِيمَانْ" قَال: وَمَا الإِيمَانُ؟ قَال: "تُؤْمِنُ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ". قَال: فَأَيُّ الإِيمَانِ أَفْضَلُ؟ قَال: "الْهِجْرَةُ". قَال: فَمَا الهِجْرَةُ؟ قَال: "تَهْجُرُ السُّوء". قَال: فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَال: "الجِهَادُ". قَال: وَمَا الْجِهَادُ؟ قَال: "أَنْ تُقَاتِلَ الْكُفَّارَ إِذَا لَقِيتَهُم". قَال: فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ وَأُهْرِيقَ دَمُهُ". قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثُمَّ عَمَلانِ هُمَا أَفْضَلُ الأَعْمَالِ إِلّا مَنْ عَمِلَ بِمِثْلِهِمَا حَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ أَوْ عُمْرَةٌ".
ففيه انقطاع رواه أحمد (١٧٠٢٧) عن عبد الرزاق وهو في مصنفه (٢٠١٠٧) عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن عبسة، فذكره. وأبو قلابة لم يدرك عمرو بن عبسة.
ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده كما في "البغية" (١٣) وفيه رجل مجهول.
• عن ماعز، عَنِ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَال: "إِيمَانٌ بِاللهِ وَحْدَهُ، ثُمَّ الْجِهَادُ، ثُمَّ حَجَّةٌ بَرَّةٌ تَفْضُلُ سَائِرَ الْعَمَلِ كَمَا بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٩٠١٠)، وعنه الطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٢٤٤)، عن محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن أبي مسعود -يعني الجريريّ-، عن يزيد بن عبد الله بن الشّخّير، عن ماعز، فذكره.
وأبو مسعود الجريريّ هو سعيد بن إياس البصريّ، اختلط قبل موته بثلاث سنين، وهو من رجال الجماعة، وقد روي عنه شعبة كما هنا قبل اختلاطه.
ورواه أيضًا عبد الله بن الإمام أحمد (١٩٠١١) عن هُدبة بن خالد، حدّثنا وُهيب بن خالد،
стр. 2953
قال: الجريريّ، حدّثنا عن حيان بن عمير، حدّثنا ماعز، فذكره بنحوه.
ووهيب بن خالد ممن سمع الجريري قبل الاختلاط، إلّا أن الجريري جعل هنا شيخه حيان بن عمير، فلعله سمع من الشيخين.
وأما ماعز فهو غير منسوب، قال ابن عبد البر كما في "التعجيل": "لم أقف على نسبه".
والحديث أورده الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢٠٧) وعزاه إلى أحمد والطبرانيّ، وقال: "رجال أحمد رجال الصحيح".
قلت: كذا قال، مع أن الطبرانيّ رواه من طريقي المسند إلا أنه أقحم بين شعبة وأبي مسعود الجريريّ "أبا موسي" وهو خطأ.
ثم رواه من الطريق الثالث من وجه آخر عن هدبة بن خالد بإسناده نحوه، ونسب ماعز إلى بني تميم.
قوله: "حج مبرور" قال النووي: "الأصح الأشهر أنّ المبرور هو الذي لا يخالطه إثم مأخوذ من البر وهو الطاعة، وقيل: هو المقبول، ومن علامة القبول أن يرجع خيرًا مما كان. وقيل: هو الذي لا رياء فيه. وقيل: الذي لا يعقبه معصية، وهما داخلان فيما قبلهما". شرح صحيح مسلم (٩/ ١١٨).
وقال أبو العباس القرطبي في "المفهم" (٣/ ٤٦٣) في الأقوال التي ذكرت في تفسير الحج المبرور: "كلّها متقاربة المعنى، وهو أنّ الحجّ الذي وُفّيت أحكامه، ووقع موافقًا لما طُلب من المكلف على الوجه الأكمل" اهـ.
وفي الباب ما رُوي عن الشّفاء بنت عبد الله -وكانت امرأة من المهاجرات- قالت: إنّ رسول الله ﷺ سئل عن أفضل الأعمال؟ فقال: "إيمان بالله، وجهاد في سبيل الله، وحجّ مبرور".
رواه الإمام أحمد (٢٧٠٩٤) عن هاشم بن القاسم، حدّثنا المسعودي، عن عبد الملك بن عمير، عن رجل من آل أبي حثمة، عن الشّفاء، فذكرته.
والمسعوديّ مختلط، وروى عنه هاشم بن قاسم بعد الاختلاط.
وكذلك رواه شبابة بن سوار، عن المسعودي، عن عبد الملك بن عمير، عن رجل من آل أبي حثمة.
ثم اختلف على عبد الملك بن عمير، فرواه الطبراني في "الكبير" (٢٤/ ٣١٥) من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن عبد الملك بن عمير، قال: حدثني فلان القرشي، عن جدته أنها سمعت النبي ﷺ .
ورواه عبدة بن حميد، عن عبد الملك بن عمير، عن عثمان بن أبي حثمة، عن جدته الشّفاء، قالت (فذكرته).
ورواه الوليد بن أبي ثور، عن عبد الملك بن عمير، عن عثمان بن أبي سليمان، عن جدته أم أبيه، قالت: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، فقال (فذكرته).
стр. 2954
وعبد الملك بن عمير وإن كان من رجال الجماعة فقد وُصف بأنه يخطئ كثيرًا.
قال الإمام أحمد: "إنه مضطرب الحديث جدًّا مع قلّة روايته، ما أري له خمسمائة حديث، وقد غلط في كثير منها".
وقال أيضًا: "إنه ضعيف جدًا"، وعن ابن معين: "إنه مخلّط". وقال أبو حاتم: "عبد الملك بن عمير لم يوصف بالحفظ".
ولذا قال الدارقطني في "العلل" (١٥/ ٣١٠): "ويشبه أن يكون الاضطراب من عبد الملك".
وأمّا ما رُوي عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "الحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلّا الجنّة" قالوا: يا نبي الله، ما برُّ الحجّ المبرور؟ قال: "إطعام الطّعام، وإفشاء السّلام". فهو ضعيف.
رواه الإمام أحمد (١٤٤٨٢) عن عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا محمد بن ثابت، حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر، به.
ورواه العقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٤٠) من طريق بكر بن بكار، عن محمد بن ثابت البناني، عن محمد بن المنكدر، به، مختصرًا بلفظ: "حج مبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
ومحمد بن ثابت بن أسلم البناني البصري، قال فيه يحيى بن معين: "ليس بشيء"، وقال أبو حاتم: "منكر الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به"، وقال البخاري: "فيه نظر". انظر "تهذيب الكمال" (٦/ ٢٥٥ - ٢٥٦).
ورواه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢١٤٦) وقال: "وله غير ما ذكرت وليس بالكثير، وعامة أحاديثه لا يتابع عليه".
ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده (١٨٢٤) عن طلحة بن عمرو، عن محمد بن المنكدر به، بلفظ: "أفضل الأعمال إيمان بالله، وجهاد في سبيل الله" قال: قلنا: ما برُّ الحجّ؟ قال: "إطعام الطعام، وطيب الكلام".
وإسناده ضعيف جدًّا، فيه طلحة بن عمرو الحضرمي المكي وهو متروك.
ورواه الحاكم (١/ ٤٨٣) من طريق أيوب بن سويد، ثنا الأوزاعي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: سئل رسول الله ﷺ : ما برُّ الحجّ؟ قال (فذكره بمثل حديث الطيالسي).
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، لأنهما لم يحتجا بأيوب بن سويد لكنه حديث له شواهد كثيرة" اهـ.
قلت: بل إسناده ضعيف؛ لأن أيوب بن سويد الرّملي متكلم فيه، قال فيه ابن معين: "ليس بشيء يسرق الحديث"، وقال البخاري: "يتكلمون فيه"، وقال النسائي: "ليس بثقة"، وقال أبو حاتم: "لين الحديث"، وقال ابن عدي: "يقع في حديثه ما يوافقه الثقات، ويقع فيه ما لا يوافقونه عليه، ويكتب حديثه في جملة الضعفاء" انظر "تهذيب الكمال" (١/ ٣١٨).
стр. 2955
قلت: ومع ضعفه فقد خالف فيه الثقة، فقد رواه البيهقي (٥/ ٢٦٢) من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن ابن المنكدر، مرسلًا.
وبالجملة فليس ما يشهد لتفسير الحج المبرور من الحديث المرفوع؛ ولذلك قال ابن حجر في "الفتح" بعد ما عزا حديث جابر لأحمد والحاكم: "وفي إسناده ضعف، فلو ثبت لكان هو المتعين دون غيره". فتح الباري (٣/ ٣٨٢).
وفي الباب أحاديث إلا أنها لا تصح.
منها ما رُوي عن جابر مرفوعًا: "ما أمعر حاجٌّ قطّ".
قيل لجابر: "ما الإمعار؟ قال: ما افتقر". فهو مما تفرّد به محمد بن أبي حميد. ومن طريقه رواه البزار -كشف الاستار (١٠٨٠) - عنه، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، فذكره.
قال البزار: تفرّد به محمد بن أبي حميد، وعنده أحاديث لا يتابع عليها، ولا أحسب ذلك من تعمّده، ولكن من سوء حفظه، فقد روى عنه أهل العلم.
وأمّا قول الهيثميّ (٣/ ٢٠٨) بعد أن عزاه للطبراني في "الأوسط"، والبزار: "ورجاله رجال الصّحيح" فهو ليس بصحيح؛ فإنّ محمد بن أبي حميد الأنصاريّ الزرقي ليس من رجال الصحيح، بل من رجال الترمذيّ وابن ماجه، ثم هو ضعيف عند جمهور أهل العلم.
ومنها ما رُوي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أمَّ هذا البيت من الكسب الحرام شخص في غير طاعة الله، فإذا أهلّ ووضع رجله في الغَرْز (أي الركاب) وانبعثت به راحلته وقال: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك كسبك حرام، وزادك حرام، وراحلتك حرام، فارجع مأزورًا غير مأجور، وأبشر بما يسوؤك، وإذا خرج الرجل حاجًا بمال حلال، ووضع رجله في الركاب، وانبعثت به راحلته وقال: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لبيك وسعديك قد أجبتك، راحلتك حلال، وثيابك حلال، وزادك حلال، فارجع غير مأزور، وأبشر بما يسرّك".
رواه البزار -كشف الأستار (١٠٧٩) - عن محمد بن مسكين، ثنا سعيد، عن سليمان بن داود، ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره.
قال البزار: "الضّعف بيّن علي أحاديث سليمان، ولا يتابعه عليها أحد، وهو ليس بالقوي".
وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٠٩ - ٢١٠) فقال: "ضعيف".
وأما ما روي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "وفدُ الله ثلاثةٌ: الغازي، والحاجُّ، والمعتمر"، فهو موقوف على كعب الأحبار.
رواه النسائي (٢٦٢٥)، وابن خزيمة (٢٥١١)، وابن حبان (٣٦٩٢)، والحاكم (١/ ٤٤١) كلّهم من حديث مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت سهيل بن أبي صالح، قال: سمعت أبي يقول:
стр. 2956
سمعت أبا هريرة يقول (فذكره).
ومن هذا الوجه رواه أيضًا ابن شاهين في "الترغيب" (٣٢١)، والبيهقيّ (٥/ ٢٦٢) وقال: "وكذا رُوي عن موسى بن عقبة، عن سهيل".
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
قلت: مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه، وإنما وجد كتابه فروى عنه، ولم يسمع منه؛ ولذا قال ابن حبان في "الثقات": "يحتج بحديثه من غير روايته عن أبيه؛ لأنه لم يسمع من أبيه".
وهذا تناقض! لأنه أخرج حديثه في صحيحه على القاعدة الأصلية بأن الوجادة من أنواع تحمل الحديث، فلعلّ ذهل عنه لما تكلّم في "الثقات" وهو متقدم في تأليفه على الصّحيح.
لكنه خولف في رفعه إلى أبي هريرة.
وقد أشار إلى هذا الاختلاف أبو حاتم فقال: "ورواه سليمان بن بلال، عن سهيل، عن أبيه، عن مرداس الجندعيّ، عن كعب قوله. وقال: ورواه عاصم عن كعب قوله". العلل (١/ ٣٣٩ - ٣٤٠).
وقال الدّارقطني في "العلل" (١٠/ ١٢٥) بعد أن سئل عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة.
قال: "يرويه سهيل بن أبي صالح، واختلف عنه. فرواه بكير بن عبد الله بن الأشجّ، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة. تفرّد به عنه ابنه مخرمة بن بكير. وخالفه روح بن القاسم، وسليمان بن بلال، وعبد العزيز بن المختار، والدراوردي، وابن أبي حازم، ووهيب بن خالد، رووه عن سهيل، عن أبيه، عن مرداس الجندعيّ، عن كعب الأحبار، قوله. وهو الصحيح".
ثم أسند رواية روح بن القاسم، ووهيب بن خالد، وسليمان بن بلال كلّهم عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن مرداس، عن كعب، قال: "وفد الله ثلاثة: الغازي في سبيل الله وافد على الله، والحاج إلى بيت الله وافد على الله، والمعتمر وافد على الله" انتهى.
وأخرجه أيضًا البيهقي في "شعب الإيمان" (٣/ ٤٧٤ - ٤٧٥) من حديث وهيب بن خالد وقال: "وحديث خالد أصح".
وكذلك أعلّه أبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣٢٨) فقال: "غريب، تفرّد به مخرمة، عن أبيه، عن سهيل".
وللقائل أن يقول: لعلّ سهيلًا روى هذا الحديث من وجهين: مرفوعًا من حديث أبي هريرة، رواه عنه اثنان: بكير بن عبد الله بن الأشجّ وعنه ابنه مخرمة. وموسى بن عقبة عن سهيل، كما قال البيهقي ولم أقف على إسناده.
ورواه روح بن القاسم، وسليمان بن بلال، وعبد العزيز بن المختار وغيرهم -الذين ذكرهم الدارقطني- كلّهم عن سهيل، عن أبيه، عن مرداس، عن كعب من قوله.
فيجاب بأنّ الحكم للأكثر، وكلام أهل العلم يؤيد ذلك.
стр. 2957
أو لأنّ مخرمة بن بكير كان يروي عن أبيه وجادة من كتاب ولم يسمع منه، فلعلّه انتقل بصره من هذا المتن إلى إسناد آخر، فحدّث به كذلك.
وأما أصحاب الصِّحاح ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، فمشوا على الجادة بأن من رفع عنده زيادة علم، ولم ينظروا إلى اختلاف الرواة قلة وكثرة.
وكذلك لا يصح أيضًا ما رواه ابن ماجه (٢٨٩٢) عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "الحجاج والعُمار وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروا غفر لهم".
رواه من طريق صالح بن عبد الله بن صالح مولى بني عامر، حدّثني يعقوب بن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، فذكره.
ومن هذا الطريق رواه أيضًا البيهقيّ (٥/ ٢٦٢) وقال: "صالح بن عبد الله منكر الحديث".
قلت: وهو كما قال، وقد قال مثله البخاريّ، وابن عدي، وفي التقريب: "مجهول".
ووهم الحافظ المنذريّ فعزاه في "الترغيب والترهيب" (١٧٢٣) للنسائيّ أيضًا. والصّواب حديث النسائيّ هو كما مضى، وهذا اللفظ تفرّد به ابن ماجه؛ ولذا ذكره البوصيريّ في زوائد ابن ماجه.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن عمر مرفوعًا: "الغازي في سبيل الله، والحاج والمعتمر وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم".
رواه ابن ماجه (٢٨٩٣)، وصحّحه ابن حبان (٤٦١٣) كلاهما من حديث عمران بن عيينة، حدّثنا عطاء بن السّائب، عن مجاهد، عن ابن عمر، فذكره.
وعمران بن عيينة أخو سفيان بن عيينة مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، ولكن علته شيخه عطاء بن السائب فإنه مختلط، وهو روي عنه بعد الاختلاط، كما أنه خولف فيه.
وأمّا البوصيريّ فحسّن إسناده وقال: "عمران مختلف فيه. وقال: رواه البيهقي من هذا الوجه فوقفه ولم يرفعه".
ولم يشر إلى اختلاط عطاء واضطرابه في الرفع والوقف فتنبّه.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن جابر مرفوعًا: "الحجّاج والعمّار وفد الله، دعاهم فأجابوه، سألوه فأعطاهم".
رواه البزار -كشف الأستار (١١٥٣) - عن الوليد بن عمرو، ثنا أبو عاصم، ثنا محمد بن أبي حميد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، فذكره.
قال البزار: "لا نعلمه عن جابر إلا عن ابن المنكدر. ورواه عنه ابن أبي حميد وطلحة بن عمرو".
ومحمد بن أبي حميد هو إبراهيم الأنصاريّ الزرقي اتفق أهل العلم على أنه ضعيف منكر الحديث.
وأما طلحة بن عمرو فهو ابن عثمان الحضرمي المكي أضعف من محمد بن أبي حميد قال فيه الحافظ: "متروك".
стр. 2958
فلا تنفع متابعته على أنه رواه عنه البيهقي في "شعب الإيمان" (٣/ ٤٧٦) موقوفًا على جابر وزاد فيه: "والغازي".
ثم رأيت أن محمد بن أبي حميد الأنصاريّ قد اضطرب في هذا الحديث فمرة رواه عن محمد ابن المنكدر، عن جابر كما مضى.
وأخرى عن محمد بن المنكدر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا أتم منه، ولفظه: "الحاج والعمار وفد الله، إن سألوا أُعطوا، وإن دعوا أجيبوا، وإن أنفقوا أُخلف عليهم، والذي نفس أبي القاسم بيده، ما أهلّ مهل، ولا كبّر مكبِّر على شرف من الأرض إلا أهلّ ما بين يديه، وكبر بتكبيره حتى ينقطع منه الصوت".
رواه ابن وهب، عن محمد بن أبي حميد.
قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: "هذا حديث منكر" "العلل" (١/ ٢٩٨).
وثالثة: ما رواه بكر بن بكار، عن محمد بن أبي حميد الأنصاريّ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فذكره بتمامه.
ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٣/ ٤٧٥) وقال: تابعه يونس بن بكير عن محمد بن أبي حميد في أوّل الخبر".
فلم يذكر فيه "محمد بن المنكدر" بينه وبين عمرو بن شعيب.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن أنس بن مالك مرفوعًا: "الحجاج والعمار وفد الله ، يعطيهم ما سألوا، ويستجيب لهم ما دعوا، ويخلف عليهم ما أنفقوا الدّرهم ألف ألف".
رواه البيهقيّ في "شعب الإيمان" (٣/ ٤٧٦) من طريق ثمامة البصريّ، نا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، فذكره.
قال البيهقي: "ثمامة غير قوي".
قلت: وفي آخر الحديث نكارة. كما أن ثمامة البصريّ هذا لم أستطع تعيين من هو؟ .
٦ - باب حجّ الضّعفاء والنساء جهاد
• عن عائشة، قالت: استأذنت النبيّ ﷺ في الجهاد فقال: "جهادكنّ الحجّ".
صحيح: رواه البخاريّ في الجهاد (٢٨٧٥) عن محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن معاوية بن إسحاق، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أمّ المؤمنين قالت (فذكرته).
وفي رواية: "نعم الجهاد الحجّ". رواه البخاريّ (٢٨٧٦) عن قبيصة عن سفيان، عن معاوية بهذا.
وعن حبيب بن أبي عمرة، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أمّ المؤمنين، عن النبيّ ﷺ سأله نساؤه عن الجهاد، فقال (فذكره).
стр. 2959
ورواه ابن خزيمة (٣٠٧٤) من طريق ابن فضيل، ثنا حبيب بن أبي عمرة بإسناده، وفيه: قلت: يا رسول الله، هل على النساء من جهاد؟ قال: "عليهنّ جهادٌ لا قتال فيه: الحجّ والعمرة".
• عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "جهاد الكبير والصّغير والضّعيف والمرأة الحجّ والعمرة".
صحيح: رواه النسائيّ (٢٦٢٦)، والبيهقيّ (٤/ ٣٥٠) كلاهما من حديث الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه الإمام أحمد (٩٤٥٩) من وجه آخر عن حيوة، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي هريرة، فذكره.
وفيه انقطاع فإنّ محمد بن إبراهيم بن الحارث لم يسمع من أبي هريرة.
وقول الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٠٦): "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، ولكن فيه انقطاعًا؛ فإنّ محمد بن إبراهيم التيميّ لم يسمع من أبي هريرة؛ لأنه ولد سنة (٤٧ هـ)، وتوفي أبو هريرة عام (٥٨ هـ).
قال أبو حاتم: "لم يسمع من جابر" مع أنه توفي بعد السبعين.
والإسناد متصل من وجه آخر كما تراه.
• عن الحسين بن علي، قال: جاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ فقال: إنّي جبان، وإنّي ضعيف، قال: "هلُمَّ إلى جهادٍ لا شوكة فيه الحجّ".
صحيح: رواه عبد الرزاق (٨٨٠٩)، والطبرانيّ في "الكبير" (٣/ ١٤٧) كلاهما من حديث معاوية بن إسحاق، عن عباية بن رفاعة، عن الحسين بن علي، فذكره. وإسناده صحيح.
قال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٠٦): "رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات".
قلت: وهو كما قال، إلّا أن عبد الرزاق رواه عن الثوريّ، عن معاوية بن إسحاق، فقال فيه: "علي بن حسين" بدلًا من "الحسين بن علي".
والظّاهر أنه تحريف فإنّ عباية بن رفاعة يروي عن الحسين بن علي.
وقد أكّد الطبراني في "الأوسط" (٤٢٨٧) أنه لا يروى عن الحسين إلّا بهذا الإسناد. وانظر "مجمع البحرين" (١٦٤٨).
وأما ما رُوي عن أمّ سلمة مرفوعًا: "الحجّ جهادُ كلِّ ضعيف" ففيه انقطاع.
رواه ابن ماجه (٢٩٠٢)، والإمام أحمد (٢٦٥٢٠) كلاهما من حديث وكيع، عن القاسم بن الفضل، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن أمّ سلمة، فذكرته.
стр. 2960
وأبو جعفر محمد بن علي -وهو الباقر- لم يسمع من أمّ سلمة.
وفي الباب ما رُوي عن طلحة بن عبيد الله أنه سمع النبيّ ﷺ يقول: "الحجّ جهاد، والعمرة تطوّع" فهو ضعيف جدًّا.
رواه ابن ماجه (٢٩٨٩) وفيه عمر بن قيس المكي المعروف بسندل، متروك.
وفي الباب أيضًا عن عثمان بن سليمان، عن جدّته أمّ أبيه قالت: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: إنّي أريد الجهاد في سبيل الله. قال: "ألا أدلُّك على جهاد لا شوكة فيه؟ ". قلت: بلى، قال: "حجّ البيت".
رواه الطبرانيّ في "الكبير" (٢٤/ ٣١٤) من طريق الوليد بن أبي ثور، عن عبد الملك بن عمير، عن عثمان بن أبي سليمان، بإسناده، فذكره.
قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢٠٦): "وفيه الوليد بن أبي ثور ضعّفه أبو زرعة وجماعة، وزكّاه شريك".
٧ - باب في طلب الدّعاء من الحاج والمعتمر
• عن صفوان بن عبد الله بن صفوان -وكانت تحته ابنة أبي الدرداء- قَال: قَدِمْتُ الشَّامَ فَأَتَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فِي مَنْزِلِهِ فَلَمْ أَجِدْهُ وَوَجَدْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ، فَقَالَت: أَتُرِيدُ الْحَجَّ الْعَامَ؟ فَقُلْت: نَعَمْ قَالَتْ: فَادْعُ اللهَ لَنَا بِخَيْرٍ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُول: "دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِم لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمَوَكَّلٌ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ".
قَالَ: فَخَرَجْتُ إِلَى السُّوقِ فَلَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
صحيح: رواه مسلم في الذكر والدّعاء (٢٧٣٣) عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، ثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي الزبير، عن صفوان، فذكره.
وأشهر ما روي في هذا الباب عن عمر بن الخطاب قال: استأذنت النبيّ ﷺ في العمرة، فأذَن لي وقال: "لا تنساني يا أخي من دعائك".
وفي رواية: "أي أُخي، أشركنا في دعائكَ ولا تنسَنا".
رواه أبو داود باللفظ الأوّل (١٤٩٨)، والترمذي (٣٥٦٢)، وابن ماجه (٢٨٩٤) باللّفظ الثاني، كلّهم من حديث عاصم بن عبيد الله، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر، فذكره.
ورواه الإمام أحمد (١٩٥) من هذا الوجه وقال: وقال بعدُ في المدينة: "يا أخي، أشركنا في دعائك". فقال عمر: ما أحبّ أن لي بها ما طلعتْ عليه الشّمس لقوله: "يا أخي".
وقوله: "وقال بعد في المدينة" هو شعبة كما صرّح به أبو داود.
стр. 2961
وإسناده ضعيف من أجل عاصم بن عبيد الله وهو: عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني ضعيف عند جمهور أهل العلم.
ولكنه لم يتفرّد به، فقد رواه الخطيب في "تاريخه" (١١/ ٣٩٦) من وجه آخر عن أسباط بن محمد، عن سفيان الثوريّ، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
ولكنه نقل عن البرقاني أنه قال: "هذا لا يتابع عليه أبو عبيد، وإنما الصّحيح ما حدّث به عن الزّعفرانيّ، عن شبابة، عن شعبة، عن عاصم بن عبيد الله، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر".
وتعقّبه الخطيب فقال: "وقد رواه عن الزّعفرانيّ غير أبي عبيد، فوافق أبا عبيد على روايته".
وأطال الكلام فيه، والخلاصة أنّ هذا الحديث غير محفوظ من حديث أسباط بن محمد، عن سفيان الثوري عن عبيد الله، وإنما هو حديث الثوري وغيره عن عاصم بن عبيد الله.
فإنّ أسباط بن محمد وإن كان ثقة، وثَّقه ابن معين وابن سعد وغيرهما إلا أنه ضُعِّف في الثوريّ لكثرة مخالفته أصحابه المشهورين له منهم وكيع، ومؤمل بن إسماعيل، والقاسم الجرمي وغيرهم.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "اللَّهم اغفر للحاجّ، ولمن استغفر له الحاج".
حسن: رواه البزار (٩٧٢٦)، وابن خزيمة (٢٥١٦)، والحاكم (١/ ٤٤١)، والبيهقيّ (٥/ ٢٦١) كلهم من حديث شريك، عن منصور، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط مسلم".
وقال الحافظ ابن حجر في مختصر زوائد البزار (٧٣٥): "إسناده حسن".
قلت: وهو كما قال؛ فإن فيه شريكا وهو ابن عبد الله النخعيّ القاضي، تغير حفظه منذ ولي القضاء، فلا يقبل منه تفرده في الحلال والحرام، وما كان في غير ذلك فيُنظر فيه، وهذا مما له أصل ثابت في عموم الشريعة.
٨ - باب فضل المتابعة بين الحجّ والعمرة
• عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "تابعوا بين الحجّ والعمرة، فإنّهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذّهب والفضة، وليس للحجّة المبرورة ثواب إلّا الجنّة".
حسن: رواه الترمذي (٨١٠)، والنسائي (٢٦٣١) كلاهما من حديث أبي خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس، عن عاصم، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عاصم وهو ابن أبي النجود فإنه حسن الحديث - ومن طريقه رواه الإمام أحمد (٣٦٦٩)، وابن خزيمة (٢٥١٢)، وابن حبان (٣٦٩٣).
стр. 2962
قال الترمذي: "حسن صحيح غريب من حديث ابن مسعود".
• عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ".
حسن: رواه النسائيّ (٢٦٣٠) عن أبي داود، حدّثنا أبو عتّاب، حدّثنا عزرة بن ثابت، عن عمرو بن دينار، قال: قال ابن عباس (فذكره).
وإسناده حسن من أجل أبي عتّاب واسمه سهل بن حماد فإنه حسن الحديث وهو من رجال مسلم. وللحديث طرق أخرى ضعيفة، والذي ذكرته أجودها وأقواها.
وفي الباب ما روي عن جابر مرفوعًا: "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد".
رواه البزار -كشف الأستار (١١٤٧) - عن إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، ثنا بشر بن المنذر، ثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن جابر، فذكره. وفيه بشر بن المنذر تُكلّم فيه.
وقال العقيليّ في "الضّعفاء" (١٧٣): "في حديثه وهم"، ثم أخرج بهذا الإسناد حديثًا آخر وهو "الحج المبرور ليس له جزاء إلّا الجنة. قالوا: وما بره؟ قال: إطعام الطّعام وطيب الكلام". وقال: ولا يتابع عليه في حديث عمرو بن دينار. وقد روي بشر هذا غير حديث من هذا النحو، وهذا يروى عن جابر من حديث محمد بن المنكدر بإسناد لين، ورواه محمد بن ثابت البناني، وطلحة بن عمرو، عن محمد بن المنكدر عن جابر" انتهى.
وفيه ردّ على البزّار في قوله: "لا نعلمه عن جابر إلا بهذا الإسناد".
فالذي يظهر أن بشر بن المنذر وهم في هذا الحديث فجعل حديث ابن عباس لجابر، وخالف فيه أصحاب عمرو بن دينار.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن ابن عمر مرفوعًا: "تابعوا بين الحجّ والعمرة، فإنّهما تمحوان الخطايا كما ينفي الكير خبث الحديد".
رواه الطبرانيّ في "الكبير" (١٢/ ٤٥٦) عن عبدان بن أحمد، ثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل، ثنا حجاج بن نصير، ثنا ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، فذكره.
وفيه حجاج بن نصير -بضم النون- القيسيّ، ضعَّفه ابن معين والنسائيّ وابن سعد والدارقطنيّ وغيرهم.
وقال أبو داود: "تركوا حديثه". وقال ابن المديني: "ذهب حديثه".
وبه أعله الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٧٨).
ومع هذا كله ذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٢٠٢) وقال: "يخطئ ويهم" فيا تُرى ألم يقف ابن حبان على كلام المتقدمين الذين يعتمد قولهم في الجرح والتعديل أم أنه سبر حديثه فلم يتبين له
стр. 2963
ضعفه، فلين القول فيه بأنه يخطئ ويهم؟ .
فإن كان كما قال ابن حبان فقد وجدتُ له متابعًا، وهو ما رواه الحارث في "مسنده" -بغية الباحث (٣٦٨) - عن هوذة، ثنا داود بن عبد الرحمن، عن عمرو بن دينار، عن ابن لعبد الله بن عمر، أنّ رسول الله ﷺ قال (فذكر نحوه).
وهوذة هو ابن خليفة الثقفيّ مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وداود بن عبد الرحمن هو العطار ثقة كما في "التقريب".
إلّا أنه مرسل، فإنّ ابن عبد الله بن عمر هو سالم لم يدرك النبيّ ﷺ ، فلم تنفع هذه المتابعة، وله طرق أخرى أضعف من هذا.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن عامر بن ربيعة مرفوعًا: "تابعوا بين الحجّ والعمرة، فإنّ متابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد".
رواه الإمام أحمد (١٥٦٩٤) عن عبد الرزاق -وهو في مصنفه (٨٧٩٦) -، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، فذكره.
وفيه عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدويّ المدني ضعيف باتفاق أهل العلم. قال ابن حبان: "كان سيء الحفظ كثير الوهم".
قلت: وهو كما قال فإنه اضطرب في هذا الحديث اضطرابًا شديدًا، فتارة يروي عن عبد الله بن عامر، عن أبيه كما هنا. وتارة يقول: عبد الله بن عامر، عن أبيه، عن عمر. وأخرى عن عبد الله ابن عامر، عن عمر، ذكر ذلك الدارقطني في "العلل" (٢/ ١٢٧ - ١٢٨) وأطال في بيان اضطرابه وقال: "لم يكن بالحافظ".
قلت: أما روايته عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن عمر، فرواه أحمد (١٦٧)، وابن ماجه (٢٨٨٧) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن عامر بن عبيد الله، بإسناده، مثله.
وكذلك روايته عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب. فرواه أيضًا ابن ماجه (٢٨٨٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن عاصم بن عبيد الله، فذكره.
قال الدارقطني: "الاضطراب من قبل عاصم بن عبيد الله، لا مِنْ قِبلِ مَنْ رواه عنه".
٩ - باب تعجيل الحجّ لمن قدر عليه
• عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أراد الحجّ فلْيتعجَّل".
وزاد في رواية: "فإنّه قد يمرض المريض، وتضلّ الضّالة، وتعرض الحاجة".
حسن: رواه أبو داود (١٧٣٢) عن مسدّد، حدّثنا أبو معاوية محمد بن خازم، عن الأعمش،
стр. 2964
عن الحسن بن عمرو، عن مهران أبي صفوان، عن ابن عباس، فذكره.
ورواه أحمد (١٩٧٣)، وصحّحه الحاكم (١/ ٤٤٨) كلاهما من حديث الحسن بن عمرو الفقيميّ، بإسناده، مثله.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأبو صفوان هذا سماه غيره مهران مولي لقريش، ولا يعرف بالجرح".
وهذا وهم منه ﵀؛ فإن مهران أبا صفوان هذا "مجهول"، قال الذهبي في "الميزان": "لا يدري من هو؟ ". وقال أبو زرعة: "لا أعرفه إلا في هذا الحديث".
وأمّا ابن حبان فذكره في "ثقاته" (٥/ ٤٤٢) على قاعدته في توثيق من لم يعرف فيه الجرح؛ إلّا أنه لم ينفرد به، بل رُوي الحديث من وجه آخر.
رواه ابن ماجه (٢٨٨٣)، والإمام أحمد (١٨٣٣، ١٨٣٤)، والبيهقي (٤/ ٣٤٠) كلّهم من حديث إسماعيل أبي إسرائيل، عن فضيل بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أراد الحجّ فليتعجّل، فإنه قد يمرض المريض، وتضلّ الضّالة، وتعرض الحاجة".
هكذا رواه أبو الوليد الطيالسيّ عن أبي إسرائيل الملائي من طريقه رواه البيهقيّ.
ورواه غيره عن أبي إسرائيل فقال: عن ابن عباس أو عن الفضل، أو عن أحدهما عن الآخر.
فإن كان من حديث الفضل فإنّ فيه انقطاعًا؛ فإن سعيد بن جبير لم يدركه، واليقين مقدم على الشّك بأنه من رواية ابن عباس، عن الفضل، أو عن ابن عباس نفسه.
ولكنه فيه إسماعيل وهو ابن خليفة العبسيّ أبو إسرائيل الملائيّ الكوفيّ، مختلف فيه فقال الإمام أحمد: "خالف الناس في أحاديث"، وقال الترمذي: "ليس بالقوي عند أصحاب الحديث"، وقال النسائيّ: "ليس بثقة". وتكلّم فيه الجوزجاني بكلام شديد لغلوه في تشيعه فقال: "مفتر زائغ".
ولكن قال أبو زرعة: "صدوق"، وقال أبو حاتم: "حسن الحديث"، وقال ابن سعد: "يقولون إنه صدوق"، وقال أبو داود: "لم يكن يكذب، ليس حديثه من حديث الشّيعة، وليس فيه نكارة".
فمثله إذا تُوبع يحسّن حديثه؛ ولذا اكتفى الحافظ بقوله: "صدوق سيئ الحفظ، نسب إلى الغلو في التشيع". فإنه إذا توبع ولم يكن ما يرويه يؤيد غلوه في التشيع، فالظاهر أنه لم يخطئ فيه، وله طرق أخرى تقويه. والخلاصة أن الحديث حسن.
ووجوب الحجّ على الفور قال به جمهور الفقهاء مالك وأحمد، وأبو حنيفة ﵏ جميعًا. وهو قول للشافعي، والأصح في المذهب التراخي.
انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (٣/ ٥٠٢ - ٥٠٣).
وفي الباب ما رُوي عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : "من ملك زادًا وراحلة تبلّغه إلى بيت
стр. 2965
الله ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا؛ وذلك أنّ الله يقول في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [سورة آل عمران: ٩٧].
رواه الترمذيّ (٨١٢) عن محمد بن يحيى القطعيّ البصريّ، حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدّثنا هلال ابن عبد الله مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي، حدّثنا أبو إسحاق الهمدانيّ، عن الحارث، عن علي، فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث يضعّف في الحديث".
قلت: الحارث هذا كذّبه الشعبيّ وابن المديني.
وهلال، قال فيه البخاريّ: "منكر الحديث"، وقال ابن عدي: "هو معروف بهذا الحديث، وليس الحديث بمحفوظ". ورُوي نحوه عن أبي هريرة.
رواه ابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٦٢٠) بإسناده عن عبد الرحمن بن القطامي، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة، مرفوعًا: "من مات ولم يحج حجّة الإسلام في غير وجع حابس، أو حجّة ظاهرة، أو سلطان جائر، فليمت أي الميتتين إمّا يهوديًّا أو نصرانيًّا".
ونقل عن عمرو بن علي الفلاس أنه قال: "رجل لقيته أنا ويقال له عبد الرحمن بن القطامي يحدث عن أبي المهزم وكان كذابًا".
وقال الدارقطني: "عبد الرحمن بن القطامي، روي عن أبي المهزم، عن أبي هريرة نسخة موضوعة". ذكره ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" (٣/ ٤٠٥).
وفي الباب أحاديث أخرى إلّا أنّها كلّها ضعيفة. انظر: "التلخيص" (٢/ ٢٢).
١٠ - باب وجود الزوج أو المحرم مع المرأة في السفر إلى الحج والعمرة
• عن ابن عباس، قال: سَمِعْتُ النَّبِيّ ﷺ يَخْطُبُ يَقُول: "لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا ومَعَهَا ذُو مَحْرَم، وَلَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ". فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا؟ قَال: "انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ أهلك".
متفق عليه: رواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٦٢)، ومسلم في الحج (١٣٤١) كلاهما من طريق عمرو بن دينار، عن أبي معبد مولى ابن عباس، قال: سمعت ابن عباس يقول (فذكره)، واللفظ لمسلم.
• عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَة، إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا".
стр. 2966
متفق عليه: رواه مالك في الاستئذان (٣٧) عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، به، فذكره. ورواه مسلم في الحج (١٣٣٩: ٤٢١) من طريق مالك، به، مثله.
ورواه البخاريّ في تقصير الصلاة (١٠٨٨)، ومسلم في الحج أيضًا (١٣٣٩: ٤٢٠) كلاهما من طريق ابن أبي ذئب، حدّثنا سعيد المقبريّ، به، نحوه.
• عن ابن عمر، أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا تسافر المرأة ثلاثًا إلّا ومعها ذو محرم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في تقصير الصّلاة (١٠٨٧)، ومسلم في الحجّ (١٣٣٨) كلاهما من طريق يحيى القطان، عن عبيد الله (هو ابن عمر العمري)، أخبرني نافع، عن ابن عمر، به.
• عن قزعة مولى زياد، قال: سمعت أبا سعيد -وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً- قَالَ: أَرْبَعٌ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ قَالَ يُحَدِّثُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي: "أَنْ لَا تُسَافِرَ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلا صَوْمَ يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَلَا صَلاةَ بَعْدَ صَلاتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى".
متفق عليه: رواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٦٤)، ومسلم في الحج (٨٢٧: ٤١٦) كلاهما من طريق شعبة، عن عبد الملك بن عمير، قال: سمعت قزعة مولي زياد، به، فذكره، واللفظ للبخاريّ. واختصره مسلم مقتصرًا على الحديث الأوّل.
ثم قال: "واقتصّ باقي الحديث" يعني الأحاديث الثلاثة الباقية، كما هي عنده من رواية جرير (هو ابن عبد الحميد الضبي)، عن عبد الملك بن عمير، به.
• عن أبي سعيد قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم".
متفق عليه: رواه البخاري في فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (١١٩٧)، ومسلم في الحج (٨٢٧: ٤١٦) كلاهما من حديث شعبة وغيره، عن عبد الملك بن عمير، عن قزعة، عن أبي سعيد في سياق طويل. انظر: ما جاء في المساجد التي تُشد إليها الرحال.
• عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى المدينة، فقال النبي ﷺ : "أين نزلت؟ " قال: على فلانة. قال: "أغلقت عليك بابها؟ لا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم".
صحيح: رواه الدارقطني (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣) وأبو عوانة - كما في الإتحاف (٩٠٢٦) كلاهما من حديث أبي حميد المصيصي، ثنا حجاج، ثنا ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد مولي ابن عباس، عن ابن عباس، فذكره.
стр. 2967
وقرنه الدارقطني بعكرمة بالشك فقال: "أبو معبد أو عكرمة" وهو من أبي معبد بدون شك. والحجاج هو ابن محمد المصيصي الأعور مختلط.
ورواه البزار في مسنده: حدثنا عمرو بن علي، ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، أخبرني عمرو ابن دينار، سمع معبدا مولى ابن عباس، يحدث عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحج امرأة إلا ومعها محرم" فقال رجل: يا نبي الله! إني اكتتبت في غزوة كذا، وامرأتي حاجة. قال: "ارجع فحج معها" ذكره الزيلعي في "نصب الراية" (٣/ ١٠).
وفيه متابعة للحجاج المصيصي الذي اختلط بآخره لما قدم بغداد، تابعه أبو عاصم الضحاك بن مخلد النبيل، وهو ثقة حافظ، وإسناده صحيح، وصحّحه أيضا ابن حجر في "الدراية" (٢/ ٤).
• عن عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ استند إلى الكعبة، فوعظ الناس، وذَكَّرَهم، ثم قال: "لا يصلين أحد بعد العصر حتى الليل، ولا بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم ثلاثة أيام".
حسن: رواه عبد الرزاق في "المصنف" (١٠٧٥٠) عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الكريم (الجزري)، أن عمرو بن شعيب أخبره، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، فذكره. ومن هذا الطريق أخرجه أيضا أحمد (٦٧١٢).
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب، فإنه حسن الحديث.
• عن عمر بن الخطاب أنه أَذِنَ لأزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ.
صحيح: رواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٦٠) فقال: قال لي أحمد بن محمد (هو الأزرقي)، حدثنا إبراهيم، عن أبيه، عن جده أذن عمر ﵁ لأزواج النبي فذكر الحديث. وقوله: "قال لي": يُحمل على الاتصال.
تنبيه: فإن قيل إن عثمان وعبد الرحمن ﵄ ليسا محرمين لأزواج النبي ﷺ فكيف خرجْن إلى الحجّ معهما؟ .
الجواب: إنّ المؤمنين كلَّهم محارم لهنّ من حيث النكاح؛ لأن الله حرَّم ذلك إلى الأبد بقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] ولأنهن أمهات المؤمنين لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [سورة الأحزاب: ٦]، وذلك في تعظيمهن واحترامهن كالأمهات، لا في جواز الخلوة بهن وعدم تزويج بناتهن، فإذا أمن الفتنة، وهيأ لهن خليفة المسلمين أسباب السفر مثل المركب والمأكل والمشرب ورفقة النساء الثقات مع أزواجهن جاز لهن الخروج في سفر الحج، كما حصل لهن في زمن عمر، وكما أنهن استأذن أيضا عثمان في الحج، فقال: أنا أحج بكن، فحج بهن جميعا إلا زينب كانت ماتت، وإلا سودة فإنها لم تخرج من
стр. 2968
بيتها بعد النبي ﷺ .
فقه الحديث:
أحاديث الباب تفيد اشتراط المحرم في الحجّ.
قال أبو داود: قلت لأحمد: امرأة موسرة لم يكن لها محرم، هل يجب عليها الحجّ؟ قال: لا. وقال أيضًا: المحرم من السبيل. وبه قال أيضًا أصحاب الرأي.
وقال الشافعي: "ليس المحرم شرطًا في الحجّ بحال، ولها أن تخرج مع حرّة مسلمة ثقة". وكذلك قال مالك: "تخرج مع جماعة النساء".
وقال الأوزاعي: "تخرج مع قوم عدول".
والأوّل معه الأدلة القاطعة؛ ولذا قال ابن المنذر: "تركوا القول بظاهر الحديث، واشترط كلّ واحد منهم شرطًا لا حجّة معه وعليه".
والمصالح الشرعية تقتضي أيضًا وجود المحرم في الأسفار عمومًا، وفي سفر الحجّ خصوصًا لما تتعرّض له المرأة من المخاطر والمضايقات في الأسفار.
• عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ في امرأة لها زوجها، ولها مال ولا يأذن زوجها في الحجّ، قال: "ليس لها أن تنطلق إلّا بإذن زوجها".
حسن: رواه الطبراني في "الأوسط" (٤٢٥٩)، و"الصغير" (٥٨٢) -"مجمع البحرين" (١٦٦٩) -، والدّارقطني (٢٤٤١)، والبيهقي في "الكبري" (٥/ ٢٢٣)، وفي "المعرفة" (٧/ ٥٠١) كلّهم من طريق حسان بن إبراهيم، حدّثنا إبراهيم الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
قال الطبراني: "لم يرو عن نافع إلا إبراهيم الصّائغ، ولا عن إبراهيم إلا حسّان بن إبراهيم، تفرّد به محمد بن أبي يعقوب الكرمانيّ".
وقال البيهقي في "المعرفة": "تفرّد به حسان بن إبراهيم".
قلت: حسان بن إبراهيم هو الكرمانيّ أبو هشام العنزيّ من رجال الصحيح، وهو حسن الحديث، فلا يضر تفرده.
وأما مسألة استئذان المرأة زوجها في حجّ الفريضة ففيها تفصيل وهو: أنّ الأصل في الواجبات والفرائض المسارعة إلى أدائها، وليس للزوج حق في منع الزوجة عند وجوبها، بل الواجب عليه أن يتعاون معها في أداء الواجبات كالصّلاة والصوم والحج وغيرها. ولكن قد تقتضي المصلحة تأخير الحج لمدّة معينة لظروف خاصة؛ لأنّ الحجّ ليس كالصّلاة والصّوم لطول مدّته، فيستحب للمرأة أن تستأذن زوجها بخلاف الصّلاة والصوم، فإن منعها فلها أن تطيعه؛ لأنّ مخالفته قد تؤدي إلى النزاع والشقاق، والإسلام يأمر بإصلاح ذات البين.
وأما إن منعها منعًا مطلقًا فهذا لا يطاع؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، بل لها أن
стр. 2969
تطلب منه الطلاق، وهو يخشي بمنعه هذا أن يدخل فيمن يصدّون عن سبيل الله.
وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الرجل ليس له حق في منع امرأته من حجّة الإسلام إذا توفّرت فيها شروط الوجوب إلا من قال بجواز التراخي وهم الشافعية، فقالوا: للزّوج حقّ في منع زوجته من الحجّ المفروض والتطوّع؛ لأنّ حقه على زوجته على الفور، والحجّ على التراخي.
هذا إذا لم تُحرم، أما إذا أحرمت فلها حكم آخر وهو مبسوط في كتب الفقه. ومنها قول عطاء: "إنّ المرأة تهل بالحجّ فيمنعها زوجها فهي بمنزلة المحصر".
١١ - باب أخذ الزّاد في الحجّ والعمرة
قال الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [سورة البقرة: ١٩٧].
• عن ابن عباس، قال: كان أهلُ اليمن يحجّون ولا يتزوّدون، ويقولون: نحن المتوكِّلون، فإذا قدموا مكّة سألوا النّاس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
صحيح: رواه البخاريّ في الحجّ (١٥٢٣) عن يحيى بن بشر، حدّثنا شبابة، عن ورْقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
وأمّا ما ورد من تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: ٩٧] بأنّه الزاد والراحلة من حديث ابن عمر، وعائشة، وأنس وغيرهم فإنها كلها ضعيفة، والصحيح أنه من قول عمر، وابن عباس، ومرسل الحسن البصريّ. انظر "المنة الكبرى" (٣/ ٤٦٩).
قال البيهقيّ في "السنن الكبرى": "ويُروي فيه أحاديث لا يصح شيء منها، وحديث إبراهيم بن يزيد أشهرها، وقد أكّدناه بالذي رواه الحسن البصريّ وإن كان منقطعًا".
وحديث إبراهيم بن يزيد هو ما رواه الترمذي (٢٩٩٨)، وابن ماجه (٢٨٩٦)، والبيهقي (٥/ ٢٢٤ - ٢٢٥) وغيرهم من طرق عن إبراهيم بن يزيد الخوزيّ، عن محمد بن عباد المخزومي، عن ابن عمر، سمع من النبيّ ﷺ قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ الزاد والراحلة".
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن، وإبراهيم بن يزيد الخوزي تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه".
قلت: بل إسناده ضعيف جدًا؛ فإنّ إبراهيم بن يزيد الخوريّ ضعيف باتفاق أهل العلم، وفي التقريب "متروك الحديث".
وانظر للمزيد "المنة الكبرى" (٣/ ٤٦٨ - ٤٧٣) فقد خرجت فيه هذه الأحاديث تخريجًا علميًّا بالتفصيل.
стр. 2970
وأمّا وجود الزاد والراحلة وضروريات السّفر فهذا لا خلاف بين أهل العلم في إيجاب الحج، فمن لم يجد الزاد والراحلة وضروريات السفر فلا يجب عليه الحج باتفاق.
١٢ - باب جواز الحجّ على إبل الصدقة إذا أجازه الإمام
• عن أبي لاس الخزاعيّ، قال: حَمَلَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى إِبِلٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ لِلْحَجِّ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا نَرَى أَنْ تَحْمِلَنَا هَذِهِ؟ قَالَ: "مَا مِنْ بَعِيرٍ لَنَا إِلا فِي ذُرْوَتِهِ شَيْطَانٌ، فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا إِذَا رَكِبْتُمُوهَا كَمَا أمَرَكُمْ ثُمَّ امْتَهِنُوهَا لأَنْفُسِكُمْ فَإِنَّمَا يَحْمِلُ اللهُ ".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٧٩٣٨)، والطّبرانيّ في "الكبير" (٢٣/ (٨٣٧) كلاهما من حديث محمد بن عبيد، حدّثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عمر بن الحكم ابن ثوبان، عن أبي لاس الخزاعيّ، فذكره.
وإسناده حسن؛ لأنّ محمد بن إسحاق قد صرّح بالتحديث في الرواية الثانية عند الإمام أحمد (١٧٩٣٩).
وصحّحه ابن خزيمة (٢٣٧٧)، والحاكم (١/ ٤٤٤) وقال: "على شرط مسلم". ووافقه الذّهبي، وزادوا بعد قوله "إبل الصدقة": "ضعاف" للحجّ.
١٣ - باب أداء الحج والعمرة راكبًا وماشيًا
قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [سورة الحج: ٢٧].
• عن ثُمامة بن عبد الله بن أنس، قال: حجّ أنس على رَحْلٍ ولم يكن شحيحًا، وحدَّث أنَّ رسولَ الله ﷺ حَجَّ على رَحْلٍ وكانت زاملَتَه.
صحيح: رواه البخاريّ في كتاب الحج (١٥١٧) تعليقًا، فقال: قال محمد بن أبي بكر (هو المقدمي)، حدّثنا يزيد بن زريع، حدّثنا عزْرة بن ثابت، عن ثمامة، به، فذكره.
وهذا معلق كما قال المزي في "الأطراف" (١/ ١٦٠) ووصله البيهقيّ (٤/ ٣٣٤) من طريق يوسف بن يعقوب القاضي، ثنا محمد بن أبي بكر بإسناده، مثله. وأشار إلى تعليق البخاريّ.
وكذلك وصله ابن حبان (٣٧٥٤) عن الحسن بن سفيان، وأبو يعلى من كتابه، قالا: حدّثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، بإسناده، ولكن وقع في رواية أبي ذر موصولًا. وهو الذي اعتمده الحافظ في شرحه، وأشار إلى غيره "وقال محمد بن أبي بكر".
قوله: "وكانت زاملته" أي الراحلة التي ركبها، والزّاملة البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع
стр. 2971
من الزمل وهو الحمل.
والمراد أنه لم تكن معه زاملة تحمل طعامه ومتاعه، بل كان ذلك محمولًا معه على راحلته، وكانت هي الراحلة والزاملة. انظر: "فتح الباري" (٣/ ٣٨١).
• عن أنس بن مالك، قال: حجّ النبيُّ ﷺ على رَحْل رثٍّ، وقطيفة تساوي أربعة دراهم أو لا تساوي. ثم قال: "اللَّهُمَّ! حجّة لا رياء فيها ولا سُمعة".
حسن: رواه ابن ماجه (٢٨٩٠)، والترمذي في "الشمائل" (٣٣٤)، وابن أبي شيبة (٤/ ١٠٦) كلّهم من حديث وكيع، عن الربيع بن صبيح، عن يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك، فذكره.
وهذا إسناد ضعيف؛ فيه الربيع بن صبيح، قال فيه الحافظ في "التقريب": "صدوق سيء الحفظ، وكان عابدًا مجاهدًا".
وشيخه يزيد بن أبان الرّقاشيّ مختلف فيه، فضعّفه أكثر أهل العلم، وقال أبو داود: "رجل صالح"، وقال أبو حاتم: "كان واعظًا بكَاءً كثير الرواية". وقال ابن عدي: "له أحاديث صالحة". ولكن رُوي الحديث من وجه آخر.
رواه الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (١٠٥٦) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت البنانيّ، عن أنس بن مالك، فذكر مثله.
وهذا إسناد قوي، ويقوي الإسناد الأوّل، وبهذين الإسنادين يرتقي الحديث إلى درجة الحسن.
وله شاهد، وهو ما رواه البيهقيّ (٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣) من حديث بشر بن قدامة الضّبابيّ، قال: أبصرتُ عيناي حِبِّي رسول الله ﷺ واقفًا بعرفات مع الناس على ناقة له حمراء قصواء، تحته قطيفة بولانية وهو يقول: "اللَّهم اجعله حجّة غير رياء ولا هباء ولا سمعة" والناس يقولون: هذا رسول الله ﷺ .
قال سعيد بن بشير: "فسألت عبد الله بن حكيم، فقلت: يا أبا حكيم! وما القصوى؟ قال: أحسبها المبتترة الأذنين؛ فإنّ النوق تبتر آذانها لتسمع". وفيه رجال مجهولون.
• عن عائشة، أنها قالت: يا رسول الله! اعتمرتُم ولم أعتمر؟ فقال: "يا عبد الرحمن، اذهبْ بأختك فأعمِرْها من التنعيم" فأحقبها على ناقة، فاعتمرتْ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥١٨)، ومسلم في الحج (١٢١١: ١٢٠) كلاهما من طريق القاسم بن محمد، عن عائشة، فذكرته، واللفظ للبخاري.
وحديث مسلم بسياق أطول، وفيه: "فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفني على جمله".
• عن ابن عباس، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِوَادِي الأَزْرَقِ، فَقَالَ: "أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ "، فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الأَزْرَقِ، قَالَ: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ﵇ هَابِطًا مِن
стр. 2972
الثَّنِيَّةِ وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ"، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: "أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ ". قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى قَالَ: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ، وَهُوَ يُلَبِّي".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٦٦) عن الإمام أحمد بن حنبل (وهو في المسند ١٨٥٤) عن هُشيم، أخبرنا داود بن أبي هند، عن أبي العالية، عن ابن عباس، فذكره.
ورواه مسلم أيضًا من وجه آخر عن ابن عدي، عن داود وفيه: "كأني أنظر إلى موسى" (فذكر من لونه وشعره شيئًا لم يحفظه داود) وفيه: "واضعًا إصبعه في أذنيه له جؤار إلى الله بالتلبية مارًا بهذا الوادي".
وقوله: "جؤار" من جأر يجْأر جأرًا وجؤارًا: رفع صوته، يقال: جأر إلى الله: تضرَّع واستغاث، وفي كتاب الله: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾.
وقوله: "خُلْبة" الليف كما جاء في "حلية الأولياء" (٣/ ٩٦): خطامها من ليف.
وأما ما رُوي عن جماعة من الصحابة، منهم: ابن عباس، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وغيرهم من فضيلة الحج ماشيًا فكلَّها ضعيفة.
أما حديث ابن عباس، فرواه الطبراني في "الكبير" (١٢/ ١٠٥)، وفي "الأوسط" -"مجمع البحرين" (١٦٥٥) -، والحاكم (١/ ٤٦٠ - ٤٦١)، والبزار -"كشف الأستار" (١١٢٠) - كلهم من طريق عيسي بن سوادة، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن زاذان، قال: مرض ابن عباس مرضة ثقل منها، فجمع إليه بنيه وأهله فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حجّ من مكة ماشيًا حتى يرجع إليها، فله بكلّ خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم"، فقال رجل: وما حسنات الحرم يا رسول الله؟ قال: "فإن كلّ حسنة منها مائة ألف حسنة". ولم يذكر البزار القصة.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد" ورده الذهبي فقال: "ليس بصحيح أخشى أن يكون كذبًا، وعيسى قال أبو حاتم: "منكر الحديث".
قلت: وعيسى بن سوادة هذا النخعيّ، كذّبه ابن معين.
وأما كلام أبي حاتم، فكما في "الجرح والتعديل" (٦/ ٢٧٧): "ضعيف، رُوي عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زاذان، عن ابن عباس، حديثًا منكرًا" كأنه يعني هذا.
ورواه ابن خزيمة (٢٧٩١) من هذا الوجه وقال: "إن صح الخبر، فإن في القلب من عيسي بن سوادة هذا".
قلت: لم يصح هذا الخبر، لقد سبقه كلام أهل العلم في عيسى بن سوادة هذا أورده المنذري في "الترغيب والترهيب" (١٧١٩) ونقل عن البخاري قوله: "هو منكر الحديث"، ومعنى قول البخاري: لا تحل الرواية عنه.
стр. 2973
ورواه البزار (١١٢١) من وجه آخر عن يحيى بن سليم، ثنا محمد بن مسلم، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكر نحوه.
قال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٣٠٩): "رواه البزار، والطّبراني في "الأوسط"، و"الكبير"، وله عند البزار إسنادان أحدهما: هذا فيه كذاب (يقصد به الإسناد السابق الذي فيه عيسى بن سوادة)، والآخر فيه إسماعيل بن إبراهيم، عن سعيد بن جبير، ولم أعرفه. وبقية رجاله ثقات".
قلت: وفيه علل أخرى منها: يحيى بن سليم وشيخه محمد بن مسلم ضعّفهما الإمام أحمد وغيره.
ومنها ما قاله ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه يحيى بن سليم الطائفي، عن محمد بن مسلم الطائفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكر الحديث.
قال أبي: محمد بن مسلم، عن سعيد بن جبير، مرسل. وهذا حديث يروي عن ابن سيسن رجل مجهول، وليس هذا حديث صحيح". "العلل" (٨٢٦).
ومنها ما روي عن ابن عباس أيضًا مرفوعًا: "إنّ آدم ﵇ أتي البيت ألف آتية لم يركب قطّ فيهن من الهند على رجليه".
ذكره المنذريّ في "الترغيب والترهيب" (١٧٢٠) وعزاه لابن خزيمة (٢٧٩٢) ونقل عنه أنه قال: "في القلب من القاسم بن عبد الرحمن". قال الحافظ المنذري: "القاسم هذا واهٍ".
ومنها ما رُوي عن أبي هريرة يقول: قدم على النبيّ ﷺ جماعة من مزينة، وجماعة من هذيل، وجماعة من جهينة فقالوا: يا رسول الله! إنا خرجنا إلى مكة مشاة، وقوم يخرجون ركبانًا. فقال النبيّ ﷺ : "للماشي أجر سبعين حجة، وللراكب أجر ثلاثين حجة".
رواه الطبرانيّ في "الأوسط" (٧٠٨٣ - ط. دار الحرمين) عن محمد بن عبد الله بن بكر، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا محمد بن محصن العكاش، ثنا إبراهيم بن أبي عبلة، عن عبد الواحد بن قيس، قال: سمعت أبا هريرة، فذكره. "المجمع البحرين" (١٦٥٦).
قال الحافظ الهيثميّ في "مجمع الزوائد" (٣/ ٢٠٩): "فيه محمد بن محصن العكاش وهو متروك".
ومحمد بن محصن هذا هو محمد بن إسحاق بن إبراهيم نسب إلى جده الأعلى العكاش الغنوي ترجمه ابن حبان في "المجروحين" (٩٦٦) في ترجمة محمد بن محصن الأسديّ وقال: "شيخ يضع الحديث على الثقات لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه".
ثم ترجم لمحمد بن إسحاق العكاش الغنويّ (٩٧٧) وقال فيه: "كان ممن يضع الحديث على الثقات، لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب عند أهل الصناعة". فكأنه ظن أنهما اثنان.
وروي عن أبي هريرة أيضًا مرفوعًا: "كأني أنظر إلى موسي بن عمران مُنهبطًا من ثنية هرشي ماشيًا".
رواه ابن حبان في "صحيحه" (٣٧٥٥)، وفيه علي بن زياد اللحجيّ، ذكره في "ثقاته" (٨ /
стр. 2974
٤٧٠) ولم أجد من وثّقه غيره فهو "مقبول" إذا توبع.
ومنها ما رُوي عن أبي سعيد قال: حجَّ النبيُّ ﷺ وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة، وقال: "اربطوا أوساطكم بأُزُركم" ومشي خِلْط الهرولة.
رواه ابن ماجه (٣١١٩) عن إسماعيل بن حفص الأُبليّ، قال: يحيى بن يمان، عن حمزة بن حبيب الزّيات، عن حمران بن أعين، عن أبي الطفيل، عن أبي سعيد، فذكره. ومن هذا الطريق رواه أيضًا ابن خزيمة (٢٥٣٥)، والحاكم (١/ ٤٤٢) وقال: "صحيح".
قلت: فيه يحيى بن يمان العجلي الكوفي، قال فيه ابن المديني: "كان فلج فتغير حفظه"، وقال أبو داود: "يخطئ في الأحاديث ويقلبها". وقال ابن عدي: "عامة ما يرويه غير محفوظ".
ولعلّ هذا مما انقلب عليه؛ لأنّ المعروف أنّ النّبيّ ﷺ وأصحابه خرجوا من المدينة راكبين، وأدوا شعائر الحجّ راكبين.
وفيه أيضًا حمران بن أعين، جمهور أهل العلم على تضعيفه، وقال أبو داود: "كان رافضيًّا" فلا يبعد أن يكون هذا الحديث من وضعه.
وقد قال البيهقيّ (٥/ ٣٣٢): "إنّ رسول الله ﷺ حجَّ راكبًا، والخير في كلّ ما صنع رسول الله ﷺ ".
١٤ - باب فضل من مات محرمًا
• عن عبد الله بن عباس، أَنَّ رَجُلا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا".
وفي رواية: "ولا تخَمِّروا رأسه ولا وجهه، فإنّه يبعث يوم القيامة ملبيًّا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٥١)، ومسلم في الحج (١٢٠٦: ٩٩) كلاهما من طريق هشيم (هو ابن بشير الواسطيّ)، أخبرنا أبو بشر (هو جعفر بن إياس الشكري)، حدّثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ولفظهما سواء، غير أنّ مسلمًا قال: "مُلبِّدًا" بدل "مِلبيًّا".
والرّواية الثانية عند مسلم من طريق عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير.
وتابعه على قوله: "ولا وجهه" منصور، عن سعيد، فقال: "ولا تغطوا وجهه"، وكذلك أبو الزبير، عن سعيد فقال: "ولا تغطوا وجهه".
وفيه دليل على أن المحرم لا يغطي وجهه، كما لا يغطي رأسه، وسوف يأتي ذلك بالتفصيل.
وفي الباب عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من خرج حاجًّا فمات كُتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرًا فمات كُتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيًّا فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة".
стр. 2975
رواه الطبراني في "الأوسط" (٥٣١٧) عن محمد بن السّري، حدثنا إبراهيم بن زياد سبلان، حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا محمد بن إسحاق، عن جميل بن أبي ميمونة، عن عطاء بن زيد الليثيّ، عن أبي هريرة، فذكره.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عطاء بن يزيد الليثي إلّا جميل بن أبي ميمونة، ولا عن جميل إلا محمد بن إسحاق، تفرّد به أبو معاوية".
قلت: وفي الإسناد جميل بن أبي ميمونة، ذكره البخاري في "التاريخ الكبير"، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
وذكره ابن حبان في "الثقات" (٦/ ١٤٦) وقال: "روى عنه محمد بن إسحاق"، وذكر في التهذيب من الرواة عنه أيضًا الليث بن سعد.
وفيه أيضا عنعنة محمد بن إسحاق وهو مدلس.
وأورده الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢٠٩) وقال: "فيه جميل بن أبي ميمونة، ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان".
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن عائشة مرفوعًا: "من مات في هذا الوجه بحج أو عمرة فمات فيه لم يعرض، ولم يحاسبْ، وقيل: ادخل الجنة".
رواه أبو يعلى (٤٦٠٨) عن الحسن بن حماد، حدّثنا حسين يعني الجعفيّ، عن ابن السماك، عن عائذ، عن عطاء، عن عائشة، فذكرته.
ورواه الدارقطني (٢٧٧٨)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٥٤٢) من وجه آخر عن محمد بن الحسن الهمدانيّ، حدّثنا عائذ المكتب، بإسناده، مثله.
وعائذ هو ابن نسير قال العقيليّ في "الضعفاء" (١٤٤٧): "عطاء منكر الحديث" ونقل عن يحيى قوله: "ليس به بأس، ولكن روى الحديث مناكير". وفي رواية عثمان بن سعيد قال: قلت ليحيى بن معين: عائذ بن نسير كيف حديثه؟ قال: "ضعيف".
وذكر هذا الحديث ابن عدي في "الكامل" (٥/ ١٩٩٢) من جملة مناكيره، ومحمد بن الحسن الهمداني أبو الحسن الكوفي ضعيف عند جماهير أهل العلم حتى قال فيه النسائي: "متروك"، وهو من رجال "التهذيب".
١٥ - باب الإحصار في الحج أو العمرة
• عن عبد الله بن عمر، أنه قال حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ: إِنْ صُدِدْتُ عَنِ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ثُمَّ، إِنَّ عَبْدَ اللهِ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ: مَا
стр. 2976
أَمْرُهُمَا إِلا وَاحِدٌ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ. ثُمَّ نَفَذَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ فَطَافَ طَوَافًا وَاحِدًا. وَرَأَى ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ وَأَهْدَى.
متفق عليه: رواه مالك في "الموطأ" (٩٩) عن نافع، عن عبد الله بن عمر، به.
ورواه البخاريّ في المحصر (١٨٠٦)، ومسلم في الحج (١٢٣٠) كلاهما من طريق مالك، به، نحوه.
• عن نافع، أنّ عبيد الله بن عبد الله، وسالم بن عبد الله أخبراه أَنَّهُمَا كَلَّمَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ لَيَالِيَ نَزَلَ الْجَيْشُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَا: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لا تَحُجَّ الْعَامَ، وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْبَيْتِ! فَقَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْت، فَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْعُمْرَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْطَلِقُ فَإِنْ خُلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْبَيْتِ طُفْتُ وَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا شَأْنُهُمَا وَاحِدٌ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَتِي فَلَمْ يَحِلَّ مِنْهُمَا حَتَّى حَلَّ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَهْدَى. وَكَانَ يَقُول: لا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافًا وَاحِدًا يَوْمَ يَدْخُلُ مَكَّةَ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المحصر (١٨٠٧) من طريق جويرية بن أسماء، عن نافع، به، فذكره.
ورواه مسلم في الحج (١٢٣٠) من طريق عبيد الله، عن نافع، به، نحوه.
وليس فيه قوله: "فنحر النبيّ ﷺ هديه وحلق رأسه".
١٦ - باب الصوم على المحصر إذا لم يجد هديا
قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦].
• عن عبد الله بن عمر، قال: "أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا، فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المحصر (١٨١٠) من طريق الزهريّ، قال: أخبرني سالم، قال: كان ابن عمر ﵄ يقول (فذكره).
ورواه مسلم في الحج (١٢٣٠) من وجوه أخرى عن ابن عمر، وليس عنده بهذا اللّفظ.
стр. 2977
١٧ - باب إبدال الهدي في الإحصار
• عن ميمون بن مهران قال: خرجت معتمرا عام حاصر أهلُ الشام ابنَ الزبير بمكة، وبعث معي رجالٌ من قومي بهدي، فلمّا انتهينا إلى أهل الشام منعونا أن ندخل الحرم، فنحرت الهدي مكاني، ثم أحللت ثم رجعت، فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضى عمرتي فأتيت ابن عباس فسألته فقال: أبدل الهدي فإن رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء.
حسن: رواه أبو داود (١٨٦٤) عن النفيلي، ثنا محمد بن مسلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر الحميري، يحدث أبي: ميمون بن مهران، فذكره.
وصحّحه الحاكم (١/ ٤٨٥ - ٤٨٦) من هذا الوجه وقال: "وأبو حاضر شيخ من أهل اليمن مقبول صدوق".
قلت: وأبو حاضر اسمه عثمان بن حاضر وثّقه أبو زرعة الرازي، وقال الحافظ في التقريب: "صدوق" فالإسناد حسن من أجل ابن إسحاق وإن كان مدلسا فقد صرح بالتحديث في الرواية الآتية:
فقد رواه البيهقي كما في البداية والنهاية (٤/ ٢٣٠) من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني عمرو بن ميمون قال: كان أبي يسأل كثيرا أَهل كان رسول الله ﷺ أبدل هديه الذي نحر حين صده المشركون عن البيت؟ ولا يجد في ذلك شيئا، حتى سمعته يسأل أبا حاضر الحميري عن ذلك، فقال له: على الخبير سقطت، حججت عام ابن الزبير في الحصر الأول فأهديت هديا، فحالوا بيننا وبين البيت، فنحرت في الحرم ورجعت إلى اليمن، وقلت: لي برسول الله ﷺ أسوة، فلما كان العام المقبل حججت فلقيت ابن عباس فسألته عما نحرت علي بدله أم لا؟ قال: نعم فأبدل، فإن رسول الله ﷺ وآله وأصحابه قد أبدلوا الهدي الذي نحروا عام صدهم المشركون فأبدلوا ذلك في عمرة القضاء، فعزت الإبل عليهم فرخص لهم رسول الله ﷺ وآله في البقر.
قلت: ولم ينفرد به ابن إسحاق بل توبع عليه:
فرواه الحاكم (١/ ٤٨٥) من طريق يزيد بن هارون أخبرنا عمرو بن ميمون بن مهران، ثنا أبو حاضر عثمان بن حاضر قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: إن أهل الحديبية أمروا بإبدال الهدي في العام الذي دخلوا فيه مكة، فأبدلوا وعزت الإبل فرخص لهم فيمن لا يجد بدنة في اشتراء بقرة.
قال الحاكم عقبه: رواه محمد بن إسحاق بن يسار عن عمرو بن ميمون مفسرا ملخصا.
وتابعه أيضا أبو بكر بن عياش في أصل الحديث فيما رواه ابن ماجه (٣١٣٤) من طريقه عن عمرو بن ميمون، عن أبي حاضر الأزدي، عن ابن عباس قال: قلّت الإبل على عهد رسول الله ﷺ -
стр. 2978
فأمرهم أن ينحروا البقر.
وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ٥٢): "إسناده صحيح رجاله ثقات".
رُوي أن عمر بن الخطاب أهدي نجيبًا، فأعطى بها ثلاثمائة دينار، فأتى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أهديت نجيبًا، فأُعطيت بها ثلاثمائة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بُدنا؟ قال: "لا، انحرها إياها".
رواه أبو داود (١٧٥٦) وعنه البيهقي (٥/ ٢٤١ - ٢٤٢) عن النفيلي، حدّثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن جهم بن الجارود، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: أهدى عمر بن الخطاب، فذكره.
قال أبو داود: "أبو عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد خال محمد بن سلمة روى عنه حجاج بن محمد".
ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٢٩١١) من طريق محمد بن سلمة، بإسناده مثله.
وإسناده ضعيف فإن جهم بن الجارود مجهول كما قال الذهبي في "الميزان"، وقال ابن القطان: "لا يعرف" ولم يرو عنه غير أبي عبد الرحيم.
وفيه علة أخرى وهي أن جهم بن الجارود لا يعرف له سماع من سالم، كما ذكره البخاريّ في "التاريخ الكبير".
قال أبو داود معلقًا على الحديث: "هذا لأنه كان أشعرها".
وأخذ الشافعيّ وبعض الحنفية بظاهر هذا الحديث بأنه لا يجوز إبدال الهدي مطلقًا. وقال غيرهم بجواز الإبدال بما هو أفضل؛ وأمّا منع النبي ﷺ عمر من إبدال هديه لأنه كان أفضل لأنّ هذه النَّجيبة كانت نفيسة ولهذا بذل فيها ثمنٌ كثيرٌ فكان إهداؤُها إلى الله أفضَل من أن يهدي بثمنها عدد دونها، وهذا الذي رجّحه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوي.
١٨ - باب هل على المحصر قضاء ؟
• عن عبد الله بن عباس، قال: قَدْ أُحُصِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَحَلَقَ رَأْسَهُ وَجَامَعَ نِسَاءَهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا.
صحيح: رواه البخاريّ في المحصر (١٨٠٩) عن محمد، حدّثنا يحيى بن صالح، حدّثنا معاوية ابن سلّام، حدّثنا يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس، فذكره.
واختلف في شيخ البخاريّ، فقيل: هو محمد بن يحيى الذهلي، وقيل: هو محمد بن مسلم بن وارة، وقيل: محمد بن إدريس الرازيّ، ومال إليه الحافظ وقال: "ويحتمل أن يكون هو محمد بن إسحاق الصغانيّ، فقد وجدت الحديث من روايته عن يحيى بن صالح". فتح الباري (٤/ ٧).
• عن الحجاج بن عمرو الأنصاريّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كُسِرَ أَوْ
стр. 2979
عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ".
صحيح: رواه أبو داود (١٨٦٣)، والترمذيّ (٩٤٠)، والنسائي (٢٨٦١)، وابن ماجه (٣٠٧٧) كلّهم من طريق يحيى بن سعيد، عن الحجاج الصواف، قال: حدّثنا يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو، فذكره.
قال: فحدثتُ به ابن عباس وأبا هريرة فقالا: صدق.
وفي رواية قال عكرمة: سألت ابن عباس، وأبا هريرة؟ قالا: صدق.
وإسناده صحيح.
ومن هذا الوجه رواه أيضًا أحمد (١٥٧٣١) وصحّحه الحاكم (١/ ٤٧٠، ٤٨٢ - ٤٨٣) إلّا أنه رواه من وجه آخر عن الحجاج الصواف وقال: "صحيح على شرط البخاريّ".
وزاد في الموضع الثاني: وقيل: عن عكرمة، عن عبد الله بن رافع، عن الحجاج بن عمرو.
قلت: وإليه أشار الترمذيّ أيضًا بعد أن قال: "هذا حديث حسن صحيح. هكذا رواه غير واحد عن الحجاج الصواف نحو هذا الحديث. وروي معمر ومعاوية بن سلام هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن عبد الله بن رافع، عن الحجاج بن عمرو، عن رسول الله ﷺ .
وحجاج الصواف لم يذكر في حديثه عبد الله بن رافع. وحجاج ثقة حافظ عند أهل الحديث.
وسمعت محمدًا يقول: رواية معمر ومعاوية بن سلام أصح".
ثم أخرجه هو وأبو داود وابن ماجه كلهم من طريق عبد الرزاق، عن معمر بإسناده كما قال البخاري وغيره.
إلّا أنّ هذا لا يعل الحديث بالإسناد الأول فإنه متصل أيضًا، لا سيما وقد صرّح بالسماع من الحجاج بن عمرو، وقد نصّ الترمذيّ نفسه على تصحيحه، وصحّحه الحاكم على شرط البخاريّ.
فلعلّ عكرمة سمع هذا الحديث من وجهين، وقد صرّح عند الترمذيّ سماعه من الحجاج بن عمرو الأنصاريّ، وكذلك قال أيضًا البيهقيّ في السنن الكبري (٥/ ٢٢٠) ونقل عن علي بن المديني أنه قال: "الحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير أثبت".
وفي الحديث دليل على أن المحصر لا يكون من العدو فقط كما قال الشافعي وأهل المدينة، بل يكون أيضًا من المرض وغيره كما قال أبو حنيفة وأهل الكوفة، وهو مذهب ابن مسعود. راجع "المنة الكبرى" (٤/ ٣٧٥ - ٣٧٦).
وأمّا القضاء فهو تابع للفرض والنفل، فإن كان الحج أو العمرة فرضًا فعليه القضاء، وإن كان نفلًا فلا قضاء عليه. وعليه الجمهور.
وقال أبو حنيفة: عليه القضاء سواء كان فرضًا أو تطوّعًا.
وقد فصلتُ القول في الإحصار وأسبابه وأحكامه وأدلة كل واحد من أهل العلم والراجح في
стр. 2980
الموضوع في "المنة الكبرى" فراجعه إن شئت.
١٩ - باب الحج عن الميت
• عن ابن عباس، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَت: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَال: "نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيته؟ اقْضُوا الله فاللهَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ".
صحيح: رواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٥٢) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا أبو عوانة (وهو الوضاح اليشكري)، عن أبي بِشْر (هو جعفر بن إياس)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به، فذكره.
• عن ابن عباس، قال: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أُخْتِي قَدْ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وَإِنَّهَا مَاتَتْ؟ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دِيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَةُ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَال: "فَاقْضِ اللهَ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ".
صحيح: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٦٩٩) عن آدم (هو ابن أبي إياس)، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به.
• عن عبد الله بن عباس قال: أمرتْ امرأةُ سنان بن سلمة الجهنيّ أن يسأل رسول الله ﷺ أنّ أمَّها ماتتْ ولم تحجّ أفيجزئ عن أمِّها أنْ تحجَّ عنها؟ قال: "نعم لو كان على أمِّها دَيْنٌ فقضته عنها ألم يكن يجزئ عنها؟ ! فلتحج عن أمِّها".
صحيح: رواه النسائيّ (٢٦٣٣) عن عمران بن موسي، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا أبو التياح، قال: حدّثني موسى بن سلمة الهذليّ، أنّ ابن عباس قال (فذكره).
وإسناده صحيح، وأبو التياح هو يزيد بن حميد الضُّبعيّ مشهور بكنيته من رجال الجماعة.
ومن طريقه رواه أحمد (٢٥١٨) في حديث طويل، وصحّحه ابن خزيمة (٣٠٣٤) من هذا الوجه، وفيه قصّة.
• عن بريدة، قال: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَت: إِنَّهَا (تعني أمَّها وقد ماتتْ) لَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَال: "حُجِّي عَنْهَا".
صحيح: رواه مسلم في الصوم (١١٤٩) عن علي بن حجر السّعديّ، ثنا علي بن مسهر أبو الحسن، عن عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، فذكره في حديث طويل، ذكر بعضه في الزكاة، وبعضه في الصوم.
следующие страницы →