← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

أَمْرُهُمَا إِلا وَاحِدٌ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ. ثُمَّ نَفَذَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ فَطَافَ طَوَافًا وَاحِدًا. وَرَأَى ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ وَأَهْدَى. متفق عليه: رواه مالك في "الموطأ" (٩٩) عن نافع، عن عبد الله بن عمر، به. ورواه البخاريّ في المحصر (١٨٠٦)، ومسلم في الحج (١٢٣٠) كلاهما من طريق مالك، به، نحوه. • عن نافع، أنّ عبيد الله بن عبد الله، وسالم بن عبد الله أخبراه أَنَّهُمَا كَلَّمَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ لَيَالِيَ نَزَلَ الْجَيْشُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَا: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لا تَحُجَّ الْعَامَ، وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْبَيْتِ! فَقَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْت، فَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْعُمْرَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْطَلِقُ فَإِنْ خُلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْبَيْتِ طُفْتُ وَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا شَأْنُهُمَا وَاحِدٌ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَتِي فَلَمْ يَحِلَّ مِنْهُمَا حَتَّى حَلَّ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَهْدَى. وَكَانَ يَقُول: لا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافًا وَاحِدًا يَوْمَ يَدْخُلُ مَكَّةَ. متفق عليه: رواه البخاريّ في المحصر (١٨٠٧) من طريق جويرية بن أسماء، عن نافع، به، فذكره. ورواه مسلم في الحج (١٢٣٠) من طريق عبيد الله، عن نافع، به، نحوه. وليس فيه قوله: "فنحر النبيّ ﷺ هديه وحلق رأسه". ١٦ - باب الصوم على المحصر إذا لم يجد هديا قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦]. • عن عبد الله بن عمر، قال: "أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا، فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا. متفق عليه: رواه البخاريّ في المحصر (١٨١٠) من طريق الزهريّ، قال: أخبرني سالم، قال: كان ابن عمر ﵄ يقول (فذكره). ورواه مسلم في الحج (١٢٣٠) من وجوه أخرى عن ابن عمر، وليس عنده بهذا اللّفظ.

стр. 2977

١٧ - باب إبدال الهدي في الإحصار • عن ميمون بن مهران قال: خرجت معتمرا عام حاصر أهلُ الشام ابنَ الزبير بمكة، وبعث معي رجالٌ من قومي بهدي، فلمّا انتهينا إلى أهل الشام منعونا أن ندخل الحرم، فنحرت الهدي مكاني، ثم أحللت ثم رجعت، فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضى عمرتي فأتيت ابن عباس فسألته فقال: أبدل الهدي فإن رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء. حسن: رواه أبو داود (١٨٦٤) عن النفيلي، ثنا محمد بن مسلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر الحميري، يحدث أبي: ميمون بن مهران، فذكره. وصحّحه الحاكم (١/ ٤٨٥ - ٤٨٦) من هذا الوجه وقال: "وأبو حاضر شيخ من أهل اليمن مقبول صدوق". قلت: وأبو حاضر اسمه عثمان بن حاضر وثّقه أبو زرعة الرازي، وقال الحافظ في التقريب: "صدوق" فالإسناد حسن من أجل ابن إسحاق وإن كان مدلسا فقد صرح بالتحديث في الرواية الآتية: فقد رواه البيهقي كما في البداية والنهاية (٤/ ٢٣٠) من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني عمرو بن ميمون قال: كان أبي يسأل كثيرا أَهل كان رسول الله ﷺ أبدل هديه الذي نحر حين صده المشركون عن البيت؟ ولا يجد في ذلك شيئا، حتى سمعته يسأل أبا حاضر الحميري عن ذلك، فقال له: على الخبير سقطت، حججت عام ابن الزبير في الحصر الأول فأهديت هديا، فحالوا بيننا وبين البيت، فنحرت في الحرم ورجعت إلى اليمن، وقلت: لي برسول الله ﷺ أسوة، فلما كان العام المقبل حججت فلقيت ابن عباس فسألته عما نحرت علي بدله أم لا؟ قال: نعم فأبدل، فإن رسول الله ﷺ وآله وأصحابه قد أبدلوا الهدي الذي نحروا عام صدهم المشركون فأبدلوا ذلك في عمرة القضاء، فعزت الإبل عليهم فرخص لهم رسول الله ﷺ وآله في البقر. قلت: ولم ينفرد به ابن إسحاق بل توبع عليه: فرواه الحاكم (١/ ٤٨٥) من طريق يزيد بن هارون أخبرنا عمرو بن ميمون بن مهران، ثنا أبو حاضر عثمان بن حاضر قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: إن أهل الحديبية أمروا بإبدال الهدي في العام الذي دخلوا فيه مكة، فأبدلوا وعزت الإبل فرخص لهم فيمن لا يجد بدنة في اشتراء بقرة. قال الحاكم عقبه: رواه محمد بن إسحاق بن يسار عن عمرو بن ميمون مفسرا ملخصا. وتابعه أيضا أبو بكر بن عياش في أصل الحديث فيما رواه ابن ماجه (٣١٣٤) من طريقه عن عمرو بن ميمون، عن أبي حاضر الأزدي، عن ابن عباس قال: قلّت الإبل على عهد رسول الله ﷺ -

стр. 2978

فأمرهم أن ينحروا البقر. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ٥٢): "إسناده صحيح رجاله ثقات". رُوي أن عمر بن الخطاب أهدي نجيبًا، فأعطى بها ثلاثمائة دينار، فأتى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أهديت نجيبًا، فأُعطيت بها ثلاثمائة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بُدنا؟ قال: "لا، انحرها إياها". رواه أبو داود (١٧٥٦) وعنه البيهقي (٥/ ٢٤١ - ٢٤٢) عن النفيلي، حدّثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن جهم بن الجارود، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: أهدى عمر بن الخطاب، فذكره. قال أبو داود: "أبو عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد خال محمد بن سلمة روى عنه حجاج بن محمد". ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٢٩١١) من طريق محمد بن سلمة، بإسناده مثله. وإسناده ضعيف فإن جهم بن الجارود مجهول كما قال الذهبي في "الميزان"، وقال ابن القطان: "لا يعرف" ولم يرو عنه غير أبي عبد الرحيم. وفيه علة أخرى وهي أن جهم بن الجارود لا يعرف له سماع من سالم، كما ذكره البخاريّ في "التاريخ الكبير". قال أبو داود معلقًا على الحديث: "هذا لأنه كان أشعرها". وأخذ الشافعيّ وبعض الحنفية بظاهر هذا الحديث بأنه لا يجوز إبدال الهدي مطلقًا. وقال غيرهم بجواز الإبدال بما هو أفضل؛ وأمّا منع النبي ﷺ عمر من إبدال هديه لأنه كان أفضل لأنّ هذه النَّجيبة كانت نفيسة ولهذا بذل فيها ثمنٌ كثيرٌ فكان إهداؤُها إلى الله أفضَل من أن يهدي بثمنها عدد دونها، وهذا الذي رجّحه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوي. ١٨ - باب هل على المحصر قضاء ؟ • عن عبد الله بن عباس، قال: قَدْ أُحُصِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَحَلَقَ رَأْسَهُ وَجَامَعَ نِسَاءَهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا. صحيح: رواه البخاريّ في المحصر (١٨٠٩) عن محمد، حدّثنا يحيى بن صالح، حدّثنا معاوية ابن سلّام، حدّثنا يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس، فذكره. واختلف في شيخ البخاريّ، فقيل: هو محمد بن يحيى الذهلي، وقيل: هو محمد بن مسلم بن وارة، وقيل: محمد بن إدريس الرازيّ، ومال إليه الحافظ وقال: "ويحتمل أن يكون هو محمد بن إسحاق الصغانيّ، فقد وجدت الحديث من روايته عن يحيى بن صالح". فتح الباري (٤/ ٧). • عن الحجاج بن عمرو الأنصاريّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كُسِرَ أَوْ

стр. 2979

عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ". صحيح: رواه أبو داود (١٨٦٣)، والترمذيّ (٩٤٠)، والنسائي (٢٨٦١)، وابن ماجه (٣٠٧٧) كلّهم من طريق يحيى بن سعيد، عن الحجاج الصواف، قال: حدّثنا يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو، فذكره. قال: فحدثتُ به ابن عباس وأبا هريرة فقالا: صدق. وفي رواية قال عكرمة: سألت ابن عباس، وأبا هريرة؟ قالا: صدق. وإسناده صحيح. ومن هذا الوجه رواه أيضًا أحمد (١٥٧٣١) وصحّحه الحاكم (١/ ٤٧٠، ٤٨٢ - ٤٨٣) إلّا أنه رواه من وجه آخر عن الحجاج الصواف وقال: "صحيح على شرط البخاريّ". وزاد في الموضع الثاني: وقيل: عن عكرمة، عن عبد الله بن رافع، عن الحجاج بن عمرو. قلت: وإليه أشار الترمذيّ أيضًا بعد أن قال: "هذا حديث حسن صحيح. هكذا رواه غير واحد عن الحجاج الصواف نحو هذا الحديث. وروي معمر ومعاوية بن سلام هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن عبد الله بن رافع، عن الحجاج بن عمرو، عن رسول الله ﷺ . وحجاج الصواف لم يذكر في حديثه عبد الله بن رافع. وحجاج ثقة حافظ عند أهل الحديث. وسمعت محمدًا يقول: رواية معمر ومعاوية بن سلام أصح". ثم أخرجه هو وأبو داود وابن ماجه كلهم من طريق عبد الرزاق، عن معمر بإسناده كما قال البخاري وغيره. إلّا أنّ هذا لا يعل الحديث بالإسناد الأول فإنه متصل أيضًا، لا سيما وقد صرّح بالسماع من الحجاج بن عمرو، وقد نصّ الترمذيّ نفسه على تصحيحه، وصحّحه الحاكم على شرط البخاريّ. فلعلّ عكرمة سمع هذا الحديث من وجهين، وقد صرّح عند الترمذيّ سماعه من الحجاج بن عمرو الأنصاريّ، وكذلك قال أيضًا البيهقيّ في السنن الكبري (٥/ ٢٢٠) ونقل عن علي بن المديني أنه قال: "الحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير أثبت". وفي الحديث دليل على أن المحصر لا يكون من العدو فقط كما قال الشافعي وأهل المدينة، بل يكون أيضًا من المرض وغيره كما قال أبو حنيفة وأهل الكوفة، وهو مذهب ابن مسعود. راجع "المنة الكبرى" (٤/ ٣٧٥ - ٣٧٦). وأمّا القضاء فهو تابع للفرض والنفل، فإن كان الحج أو العمرة فرضًا فعليه القضاء، وإن كان نفلًا فلا قضاء عليه. وعليه الجمهور. وقال أبو حنيفة: عليه القضاء سواء كان فرضًا أو تطوّعًا. وقد فصلتُ القول في الإحصار وأسبابه وأحكامه وأدلة كل واحد من أهل العلم والراجح في

стр. 2980

الموضوع في "المنة الكبرى" فراجعه إن شئت. ١٩ - باب الحج عن الميت • عن ابن عباس، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَت: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَال: "نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيته؟ اقْضُوا الله فاللهَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ". صحيح: رواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٥٢) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا أبو عوانة (وهو الوضاح اليشكري)، عن أبي بِشْر (هو جعفر بن إياس)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به، فذكره. • عن ابن عباس، قال: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أُخْتِي قَدْ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وَإِنَّهَا مَاتَتْ؟ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دِيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَةُ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَال: "فَاقْضِ اللهَ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ". صحيح: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٦٩٩) عن آدم (هو ابن أبي إياس)، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به. • عن عبد الله بن عباس قال: أمرتْ امرأةُ سنان بن سلمة الجهنيّ أن يسأل رسول الله ﷺ أنّ أمَّها ماتتْ ولم تحجّ أفيجزئ عن أمِّها أنْ تحجَّ عنها؟ قال: "نعم لو كان على أمِّها دَيْنٌ فقضته عنها ألم يكن يجزئ عنها؟ ! فلتحج عن أمِّها". صحيح: رواه النسائيّ (٢٦٣٣) عن عمران بن موسي، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا أبو التياح، قال: حدّثني موسى بن سلمة الهذليّ، أنّ ابن عباس قال (فذكره). وإسناده صحيح، وأبو التياح هو يزيد بن حميد الضُّبعيّ مشهور بكنيته من رجال الجماعة. ومن طريقه رواه أحمد (٢٥١٨) في حديث طويل، وصحّحه ابن خزيمة (٣٠٣٤) من هذا الوجه، وفيه قصّة. • عن بريدة، قال: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَت: إِنَّهَا (تعني أمَّها وقد ماتتْ) لَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَال: "حُجِّي عَنْهَا". صحيح: رواه مسلم في الصوم (١١٤٩) عن علي بن حجر السّعديّ، ثنا علي بن مسهر أبو الحسن، عن عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، فذكره في حديث طويل، ذكر بعضه في الزكاة، وبعضه في الصوم.

стр. 2981

• عن أنس بن مالك قال: جاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ فقال: إنّ أبي مات ولم يحجّ حجّة الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ : "أرأيت لو كان على أبيكَ دين أكنتَ تقضيه عنه؟ " قال: نعم، قال: "فإنّه دين عليه فاقضه". حسن: رواه البزّار (١١٤٥ - كشف الأستار) من طريق صدقة بن موسى. والطَّبراني في الكبير (٧٤٨)، والأوسط (١٠٠) من حديث عباد بن راشد -كلاهما عن ثابت، عن أنس، فذكره- واللفظ للبزار. ولفظ الطبراني: "حجّ عن أبيك". وادّعى البزّار بأن صدقة تفرد به عن ثابت، كما ادّعى الطبرانيّ بأن عبّادًا تفرد به عن ثابت، وهو ليس كما ادّعيا، بل تابعه أحدهما الآخر. وإسناده حسن من أجل صدقة بن موسى، ومتابعة عباد بن راشد له. ٢٠ - باب الحجّ عن العاجز لهرم وزمانة ونحوها • عن الفضل بن عباس، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللهِ فِي الْحَجِّ وَهُوَ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَحُجِّي عَنْهُ". متفق عليه: رواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٥٣)، ومسلم في الحج (١٣٣٥) كلاهما من طريق ابن جريج، عن ابن شهاب، حدّثنا سليمان بن يسار، عن ابن عباس، عن الفضل، فذكره، واللفظ لمسلم. ولم يسق البخاري لفظه، وإنما أحاله على حديث ابن عباس. قال الحميديّ: "ومن الرواة من لم يذكر فيه الفضل، جعله من مسند ابن عباس". "الجمع بين الصحيحين" (٢٧٨١)، وهو الحديث الآتي. وقوله: "حُجّي عنه" فيه دليل على حجّ المرأة عن الرجل، وبه بوّبه النسائي (٢٦٤٣)، وابن خزيمة (٣٠٣٣)، وذكرا فيه هذا الحديث. • عن عبد الله بن عباس، قال: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَجَاءَتْهُ امْرأةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَر، فَقَالتَ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَت أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لا يَسْتَطِيعَ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلةِ أَفَأحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ" وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. متفق عليه: رواه مالك في الحج (٩٧) عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عباس، فذكره.

стр. 2982

ورواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٥٥)، ومسلم في الحج (١٣٣٤) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. • عن ابن عباس، قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: أَحُجُّ عَنْ أَبِي؟ قَال: "نَعَمْ حُجَّ عَنْ أَبِيكَ فَإِنْ لَمْ تَزِدْهُ خَيْرًا لَمْ تَزِدْهُ شَرًّا". صحيح: رواه ابن ماجه (٢٩٠٤) عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدّثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان الثوري، عن سليمان الشيباني، عن يزيد بن الأرقم، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح كما قال البوصيريّ في "زوائد ابن ماجه"، وسليمان هو ابن فيروز أبو إسحاق. • عن عبد الله بن عباس: أَنَّ رَجُلا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ أَبِي أَدْرَكَهُ الْحَجُّ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَثْبُتُ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَإِنْ شَدَدْتُهُ خَشِيتُ أَنْ يَمُوتَ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: "أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ أَكَانَ مُجْزِئًا؟ ". قَال: نَعَمْ، قَال: "فَحُجَّ عَنْ أَبِيكَ". صحيح: رواه النسائيّ (٢٦٤٠، ٥٣٩٣) عن مجاهد بن موسى، عن هُشيم، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عباس، قال: فذكره. ورواه أيضًا الإمام أحمد (١٨١٢) عن هشيم، بإسناده إلا أنه قال: عن ابن عباس أو الفضل بن عباس، فذكره. لأنه وقع الخلاف على يحيى بن أبي إسحاق فروى هكذا كما مرّ، ورواه أيضًا عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس هكذا. ورواه شعبة، عن يحيى بن أبي إسحاق، قال: سمعت سليمان بن يسار، حدّثنا الفضل، قال: "كنت رديف رسول الله ﷺ فسأله رجل، فقال: إنّ أبي -أو أمي- شيخ كبير، لا يستطيع الحج" فذكر الحج. رواه الإمام أحمد (١٨١٣) من طريقه. ورواه النسائيّ من طريقين: من طريقه (٥٣٩٥)، ومن طريق محمد (هو ابن سيرين) (٢٦٤٣، ٥٣٩٤) كلاهما عن يحيى بن أبي إسحاق. قال النسائي: "سليمان لم يسمع من الفضل بن العباس". قلت: وهو كما قال؛ لأنّ الفضل بن العباس توفي سنة (١٨ هـ) في طاعون عمواس، وسليمان ابن يسار ولد في خلافة عثمان، فالصحيح أن بينهما واسطة، وهو ابن عباس. فمرة يروي ابن عباس عن الفضل، وأخرى بدونه. قال الترمذيّ (٣/ ٢٥٩): سألت محمدًا عن هذه الرّوايات فقال: "أصحّ شيء في هذا الباب ما رُوي عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس، عن النبيّ ﷺ . وقال: ويحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل وغيره عن النبيّ ﷺ ، ثم روى هذا عن النبيّ ﷺ وأرسله. ولم يذكر الذي سمعه منه".

стр. 2983

• عن أبي رزين -رجل من بني عامر- أنه قال: يا رَسُول اللهِ! إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلا الْعُمْرَةَ وَلا الظَّعْنَ؟ قَال: "حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ". صحيح: رواه أبو داود (١٨١٠)، والترمذي (٩٣٠)، والنسائي (٢٦٣٧)، وابن ماجه (٢٩٠٦) كلّهم من طريق شعبة، عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، عن أبي رزين، فذكره. ومن هذا الوجه رواه أيضًا أحمد (١٦١٨٤)، وصحّحه ابن خزيمة (٣٠٤٠)، وابن حبان (٣٩٩١)، والحاكم (٤٨١/ ١) وقال: "صحيح على شرط الشيخين". ومن هذا الوجه رواه أيضًا البيهقي (٤/ ٣٥٠) وقال: قال الإمام أحمد: "لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أجود من هذا، ولا أصح منه. ولم يجوده أحد كما جوّده شعبة". قلت: وأبو رزين هو لقيط العقيليّ. • عن عبد الله بن الزبير، قال: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَسْتَطِيعُ الرُّكُوبَ وَأَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ فَهَلْ يُجْزِئُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: "آنْتَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ؟ ". قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَكُنْتَ تَقْضِيهِ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَال: "فَحُجَّ عَنْهُ". حسن: رواه النسائيّ (٢٦٣٨) عن إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن يوسف بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير فذكره. وإسناده حسن من أجل يوسف بن الزبير فإنه حسن الحديث، وروى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات. ورواه أيضًا الإمام أحمد (١٦١٠٢) مختصرًا، وأبو يعلى (٦٨١٢)، والدارمي (١٨٧٩)، والبيهقي (٤/ ٣٢٩) كلّهم من طريق منصور بإسناده إلّا أنّ البعض قال: عن ابن الزبير، أنّ سودة بنت زمعة قالت: "جاء رجل" فذكرته. كما في رواية الإمام أحمد (٢٧٤١٧)، والطبراني في "الكبير" (٢٤/ ٣٧) وقد صحّح البيهقي حديث مجاهد، عن يوسف بن الزبير، عن ابن الزبير، عن النبي ﷺ . كما أنه لا يضر هذا الخلاف لأنه من الممكن أن ابن الزبير سمع الحديث من الوجهين، فلا يلتفت إلى من جعل هذا الخلاف، والخلاف الآخر في شك مجاهد في قوله: "يوسف بن الزبير أو الزبير بن يوسف" أو إرسال من أرسله سببًا للاضطراب. لأنّ الصّحيح لا يُعلّ بالضّعيف كما هو معلوم لدى طلبة هذا العلم. وقد صحّح الذّهبي في "الميزان" في ترجمة يوسف بن الزبير حديثًا آخر بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢٨٢) بعد أن عزاه إلى أحمد والطبراني: "رجاله ثقات". وذكره الدّارقطنيّ في "علله" (٤٠٣٢) وقال: "وقول جرير ومن تابعه أشبه بالصواب" أي الذين

стр. 2984

رووه بدون شك من مجاهد كما هو عند النسائي وغيره. وفي الباب ما رُوي عن أبي الغوث بن حصين -رجل من الفرع- أنه استفتى النبيّ ﷺ عن حجّة كانت على أبيه مات ولم يحج؟ قال النبيّ ﷺ : "حج عن أبيك" وقال: "وكذلك الصيام في النّذر يقضي عنه". رواه ابن ماجه (٢٩٠٥) عن هشام بن عمار، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن أبي الغوث بن حصين، فذكره. قال البوصيريّ في "الزوائد": "ليس لأبي الغوث بن حصين عند ابن ماجه سوى هذا الحديث. وليس له رواية في شيء من الكتب الخمسة، وإسناد حديثه ضعيف، وعثمان بن عطاء الخراساني، قال فيه ابن معين ومسلم والدارقطني ضعيف الحديث، وقال الفلاس: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الحاكم: روي عن أبيه أحاديث موضوعة" انتهى. ٢١ - باب النهي أن يحجّ عن الميت من لم يحج عن نفسه • عن عبد الله بن عباس، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ. قَالَ: "مَنْ شُبْرُمَةُ؟ ". قَالَ: أَخٌ لِي أَوْ قَرِيبٌ لِي. قَالَ: "حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ ". قَالَ: لا. قَال: "حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ". صحيح: رواه أبو داود (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣)، وصحّحه ابن خزيمة (٣٠٣٩)، وابن حبان (٣٩٨٨) كلّهم من طريق عبدة بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عزْرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. ومن هذا الطريق رواه الدارقطني (٢٦٥٨)، والبيهقي (٤/ ٣٣٦) وقال: "هذا إسناد صحيح، ليس في هذا الباب أصح منه". وعن أحمد روايتان: الأولى: ما ذكره الأثرم عن أحمد أن رفعه خطأ. وقال: "رواه عدّة موقوفًا على ابن عباس". والثانية: ما رواه ابنه صالح عن الإمام أنه حكم بأنه مسند، وأنه من قول رسول الله ﷺ . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "شرح العمدة" (١/ ٢٩٢): "فيكون قد اطلع على ثقة من رفعه، وقرّر رفعه جماعة، على أنه إن كان موقوفًا فليس لابن عباس مخالف" انتهى. وكذا رجّح رفعه عبد الحق وابن القطّان كما في "بيان الوهم والإيهام" (٥/ ٤٥١). ورجّح الحافظ ابن حجر رفعه أيضًا بالنظر إلى أن له شاهدًا مرسلًا وهو ما رواه سعيد بن منصور، عن سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء، عن النبيّ ﷺ . ولكن خالفه ابن أبي ليلى، فرواه عن عطاء، عن عائشة.

стр. 2985

وخالفه الحسن بن ذكوان، فرواه عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس. قال الدّارقطني: إنه أصح. قال الحافظ: وهو كما قال؛ لكنه يقوي المرفوع لأنه من غير رجاله، وقد رواه الإسماعيلي في "معجمه" من طريق أخرى عن أبي الزبير، عن جابر. وفي إسنادها من يحتاج إلى النظر في حاله. فيجتمع من هذا صحة الحديث"، انتهى. انظر: "التلخيص الحبير" (٩٥٨). قلت: رواه الدارقطني من عدة طرق علّل بعضها، وصحّح بعضها. وقد كثر الكلام حول هذا الحديث، وخلاصته كما قال ابن الملقن في "خلاصة البدر المنير" (١/ ٣٤٥): "أعلّه الطّحاويّ بالوقف، والدّارقطني بالإرسال، وابن المغلس الظاهريّ بالتدليس، وابن الجوزي بالضّعف، وغيرهم بالاضطراب والانقطاع، وقد زال ذلك كله بما أوضحناه في الأصل". يعني "البدر المنير" (٦/ ٤٥ - ٥١). قلت: لقد أجبت عن كلّ هذه العلل في "المنة الكبرى" (٣/ ٤٨٠) ولا حاجة إلى إعادته، فراجعه. وعزرة هو ابن عبد الرحمن الخزاعيّ الكوفي، ثقة من رجال مسلم، ومن قال غيره فقد وهم. وهذا الخبر المفسّر لا يعارضه حديث المرأة الخثعمية وحديث أبي رزين لأسباب لا يحتاج إلى بيانها، وهو أمر معلوم لدى طلبة هذا العلم. ٢٢ - باب حجّ الصّبي وأجرُه لمن حجّ به • عن ابن عباس، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِامْرَأَةٍ وَهِيَ فِي مِحَفَّتِهَا فَقِيلَ لَهَا: هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَخَذَتْ بِضَبْعَيْ صَبِيٍّ كَانَ مَعَهَا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَال: "نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ". صحيح: رواه مالك في الحج (٢٤٤) عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب مولى عبد الله بن عباس، عن ابن عباس، فذكره. ورواه مسلم في الحج (١٣٣٦) من طريق سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن عقبة، به، عن النبيّ ﷺ لقي ركبًا بالرّوحاء، فقال: "من القوم؟ ". قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: "رسول الله" فرفعتْ إليه امرأة صبيًّا، فقالت: ألهذا حجّ؟ قال (فذكره). ورواه مختصرًا من طريق سفيان، عن محمد بن عقبة، عن كريب، به. • عن الجعيد بن عبد الرحمن، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول للسائب ابن يزيد وكان قد حُجَّ به في ثقل النّبيّ ﷺ . صحيح: رواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٥٩) عن عمرو بن زُرارة، أخبرنا القاسم بن مالك، عن الجعيد بن عبد الرحمن، به، فذكره.

стр. 2986

ورواه أيضًا (١٨٥٨) من طريق محمد بن يوسف (هو الكنديّ)، عن السائب بن يزيد، قال: "حُجّ بي مع رسول الله ﷺ وأنا ابن سبع سنين". • عن جابر بن عبد الله قال: رفعتْ امرأةٌ صبيًّا لها إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! ، لهذا حجّ؟ قال: "نعم، ولك أجر". صحيح: رواه الترمذي (٩٢٤)، وابن ماجه (٢٩١٠)، والبيهقي (٥/ ١٥٦) كلّهم من حديث محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، فذكره. وإسناده صحيح، وقول الترمذي: "هذا حديث غريب" لم أعرف وجه الغرابة. وفي الباب ما رُوي عن جابر، قال: كنا إذا حججنا مع النبيّ ﷺ ، فكنا نلبّي عن النساء، ونرمي عن الصبيان. رواه الترمذي (٩٢٧)، وابن ماجه (٣٠٣٨)، والبيهقي (٥/ ١٥٦) كلهم من طريق أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره. قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلّا من هذا الوجه، وقد أجمع أهل العلم على أن المرأة لا يلبي عنها غيرُها، بل هي تلبي عن نفسها، ويكره لها رفع الصوت بالتلبية". قلت: أشعث هو ابن سوَّار الكنديّ قاضي الأهواز، ضعَّفه جمهور أهل العلم. ولا تفيد ما رواه البيهقي (٥/ ١٥٦) من وجه آخر عن أيمن بن نابل، عن أبي الزبير لأنه لم يذكر فيه: "كنا نلبي عن النساء". وأما ما رُوي عن ابن عباس قال: "أيها الناس! أسمعوني ما تقولون، وافهموا ما أقول لكم، أيما مملوك حجّ به أهله فمات قبل أن يُعتق فقد قضى حجّه، وإن عتق قبل أن يموت فليحجج، وأيّما غلام حجّ به أهله فمات قبل أن يدرك، فقد قضى عنه حجّه وإن بلغ فليحجج" فهو موقوف. رواه الشافعي في الأمّ (٢/ ١٧٧) عن سعيد، عن مالك بن مغول، عن أبي السفر، قال: قال ابن عباس (فذكره). وقد رُوي مرفوعًا: رواه الحاكم (١/ ٤٨١)، والبيهقيّ (٤/ ٣٢٥) كلاهما من حديث محمد بن المنهال، ثنا يزيد بن زريع، ثنا شعبة، عن سليمان الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "أيّما صبي حجّ، ثم بلغ الحدث فعليه أن يحجّ حجّة أخرى، وأيّما أعرابي حجّ ثم هاجر فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حجّ ثم أعتق فعليه حجة أخرى". قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". ولكن قال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٢٢٠): "رواه ابن خزيمة (٣٠٥٠)، والإسماعيلي في "مسند الأعمش"، والحاكم، والبيهقي، وابن حزم -وصحّحه-، والخطيب في "التاريخ" من حديث محمد بن المنهال، عن يزيد بن زريع، عن شعبة، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عنه. قال

стр. 2987

ابن خزيمة: الصحيح موقوف. وأخرجه كذلك من رواية ابن أبي عدي عن شعبة. وقال البيهقي: تفرّد برفعه محمد بن منهال. ورواه الثوري عن شعبة موقوفًا". قلت: وقد رفعه أيضًا الحارث بن سريج الخوارقيّ، عن يزيد بن زريع، عن شعبة. ومن طريقه رواه ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٦١٥) في ترجمة الحارث بن سريج النقال، وقال: "وهذا الحديث معروف بمحمد بن المنهال، عن يزيد بن زريع. وأظن الحارث بن سريج هذا سرقه منه. وهذا الحديث لا أعلم يرويه عن يزيد بن زريع غيرهما. ورواه ابن أبي عدي وجماعة معه عن شعبة موقوف" انتهى. قلت: الحارث بن سريج هذا مختلف فيه فوثقه ابن معين وابن حبان وغيرهما، وضعّفه ابن معين في رواية، بل كذّبه واتهمه موسي بن هارون الحمال كما ذكره ابن عدي في "الكامل"، فمثله لا تنفع متابعته. وقال الترمذيّ: "وقد أجمع أهل العلم أنّ الصبيّ إذا حجّ قبل أن يدرك، فعليه الحجّ إذا أدرك لا تجزئ عنه تلك الحجة عن حجة الإسلام. وكذلك المملوك إذا حجّ في رقِّه ثم أُعتق، فعليه الحج إذا وجد إلى ذلك سبيلا. لا يجزئ عنه ما حجّ في حال رقّه، وهو قول سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق". انتهى. • * *

стр. 2988

جموع أبواب المواقيت ١ - باب المواقيت الزمانية في الحج ّ قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالحَجِّ﴾ [سورة البقرة: ١٨٩]. قال ابن جرير الطبريّ: "وجعلها أيضًا ميقاتًا لحجِّكم تعرفون بها وقت مناسككم وحجِّكم". تفسيره (٣/ ٢٨٣). قال الله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]. أجمع العلماء على أنّ المراد بأشهر الحجّ ثلاثة: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، لكن اختلفوا هل هي ثلاثة بكمالها، أو شهران وبعض الثالث. فقال بعضهم: يعني بالأشهر المعلومات: شوالًا، وذا القعدة، وعشرًا من ذي الحجة. رواه ابن جرير عن ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وإبراهيم النخعيّ، والشعبي، ومجاهد، ورجّحه. وقال بعضهم: بل يعني بذلك شوالا، وذا القعدة، وذا الحجة كلَّه. رواه ابن جرير عن ابن عمر أيضًا، وعطاء، وطاوس، والزهري، ومجاهد أيضًا. راجع تفسير الطبري (٣/ ٤٤٣ - ٤٥٢)، وفتح الباري (٣/ ٤٢٠). • عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلّين بالحجّ في أشهر الحجّ، وفي حُرُم الحجّ، وليالي الحجّ حتى نزلنا بسرف ... الحديث. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٥٦٠)، ومسلم في الحج (١٢١١: ١٢٣) كلاهما من طريق أفلح بن حميد، قال: سمعت القاسم بن محمد، عن عائشة، به، فذكرته بطوله. قوله: "وحُرُم الحج" بضم الحاء المهملة والرّاء أي أزمنته وأمكنته وحالاته، ورُوي بفتح الراء "حَرَم" جمع حُرْمة أي ممنوعات الحج ومحرماته. انظر: فتح الباري (٣/ ٤ ٢١). ٢ - باب ميقات أهل المدينة والشام ونجد واليمن • عن عبد الله بن عمر؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِن الْجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ". قَالَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ: وبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ". متفق عليه: رواه مالك في الحج (٢٢) عن نافع، عن ابن عمر، به.

стр. 2989

ورواه البخاريّ في الحجّ (١٥٢٥)، ومسلم في الحج (١١٨٢: ١٣) من طريق مالك، به، مثله. ورواه مالك أيضًا (٢٣) عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أنه قال: "أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَن يُهِلُّوا من ذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَهْلَ الشَّامِ من الْجُحْفَةِ وَأَهْلَ نَجْدٍ من قَرْنٍ". قال عبد الله بن عمر: أَمَّا هَؤُلاءِ الثَّلاثُ فَسَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَخْبِرْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ". ورواه البخاريّ أيضًا (١٥٢٨)، ومسلم (١١٨٢: ١٤) من طريق يونس، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، به، نحوه. • عن عبد الله بن عمر، أنه قال: بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَكْذِبُون عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا! مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ يَعْنِي مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَة. متفق عليه: رواه مالك في الحج (٣٠) عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، أنه سمع أباه يقول (فذكره). ورواه البخاريّ في الحج (١٥٤١)، ومسلم في الحج (١١٨٦) كلاهما من طريق مالك، به، ولفظ مسلم مثله. واقتصر البخاريّ على الشّطر الأخير. قوله: "بيداؤكم" البيداء: أرض واسعة عند نهاية ذي الحليفة في الاتجاه إلى مكة. قال المطري: "رأيت كثيرًا من الحجّاج يتجاوزون ما حول المسجد -يعني مسجد ذي الحليفة- إلى جهة الغرب ويصعدون إلى البيداء، فيتجاوزون الميقات بيقين ... ". "معجَم الأمكنة الوارد ذكرها في صحيح البخاري" (ص ٩٧). • عن زيد بن جبير: أنه أتي عبد الله بن عمر في منزله -وله فُسطاط وسُرادق-، فسألته: من أين يجوز أن أعتمر؟ قال: فرضها رسولُ الله ﷺ لأهل نجد قرْنًا، ولأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشّام الجُحْفة". متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٢٢) عن مالك بن إسماعيل، حدّثنا زهير (هو ابن معاوية)، حدّثني زيد بن جبير، به، فذكره. ورواه مسلم في الحج (١١٨٢) من أوجه أخرى عن ابن عمر -من غير طريق زيد بن جبير-، وليس في ألفاظها ذكر العمرة. قوله: "وله فسطاط وسرادق" المراد بالفسطاط: الخيمة، وهو أيضًا مما يغطى به صحن الدّار من الشمس وغيرها. والسّرادق: هو ما أحاط بالشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].

стр. 2990

• عن ابن عبّاس، قال: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَنْ أَرادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٢٦)، ومسلم في الحج (١١٨١: ١١) كلاهما من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، ولفظهما سواء. رواه البخاريّ أيضًا (١٥٣٠)، ومسلم (١١٨١: ١٢) من طريق وُهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، به، نحوه. وقوله: "ممن أراد الحجّ والعمرة" فيه بيان أن الإحرام من هذه المواقيت إنما يجب على من كان مروره بها قاصدًا حجًّا أو عمرة دون من لم يرد شيئًا منهما. فلو أنّ مدنيًّا مرّ بذي الحليفة وهو لا يريد حجًا ولا عمرة فسار حتى قرب من الحرم، فأراد الحج أو العمرة، فإنه يحرم من حيث حضرته النية ولا يجب عليه دم كما يجب على من خرج من بيته يريد الحجّ أو العمرة فطوى الميقات وأحرم بعد ما جاوزه. أفاده الخطابي. قوله: "فمن كان دونهن فمهله من أهله" أي ميقاته منزله وبيته ولا يجاوزه من غير إحرام إنْ أراد الحج والعمرة، وأما أهل مكة فإن أرادوا الحج فيهل من بيته، وإن أراد العمرة فيخرج إلى الحل، ويحرم منه. ٣ - باب من قال: إنّ النبيّ ﷺ وقّت لأهل العراق ذات عرق • عن أَبي الزُّبَير أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يُسْأَلُ عَنِ المُهَلِّ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ -أَحْسَبُهُ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ - فَقَالَ: "مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالطَّرِيقُ الآخَرُ الْجُحْفَةُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ". صحيح: رواه مسلم (١١٨٣) من طرق عن محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، به، فذكره. هكذا رواه ابن جريج على الشّك، وبناء عليه ضعّفه النووي في "المجموع" (٧/ ١٩٤) وذكر أن ابن ماجه (٢٩١٥) رواه من طريق إبراهيم بن يزيد الخوري -بضم المعجمة- باسناده عن جابر مرفوعًا بغير شكّ. لكن الخوزيّ ضعيف لا يحتجّ بروايته. ورواه الإمام أحمد (٦٦٩٧) عن جابر، عن النبيّ ﷺ بلا شك أيضًا، لكن من رواية الحجاج ابن أرطاة وهو ضعيف" انتهى.

стр. 2991

وفاتته طريق ثالثة وهي ما رواه البيهقي (٥/ ٢٧) بإسناد حسن من طريق ابن وهب قال: أخبرني ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ومهلّ العراق من ذات عرق". ورواية عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة مستقيمة. ورواه الإمام أحمد (١٤٦١٥) عن حسن، حدّثنا ابن لهيعة، حدّثنا أبو الزبير، قال: سألت جابرًا عن المهلّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ومهل أهل الطريق الأخرى من الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق، ومهل أهل نجد من قرن، ومهل أهل اليمن من يلملم". وفاتته أيضًا طريق رابعة، وهي ما أشار إليها البيهقيّ عن ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزبير إلّا أنّ البيهقيّ قال: "والصحيح رواية ابن جريج" انتهى. وترجيح البيهقيّ رواية ابن جريج المشكوك في رفعها من دون اعتبار من لم يشك في رفعه فيه نظر، وخاصة رواية ابن لهيعة التي عن أحد العبادلة عنه. وقد قال كثير من أهل العلم: إذا روى عنه أحد العبادلة وهم: ابن المبارك، وابن وهب، والمقرئ فهو صحيح. ذكره عبد الغني بن سعيد الأزديّ، والسّاجي وغيرهما. ومتابعة حسن وهو ابن موسى الأشيب لابن وهب يقوّي أن ابن لهيعة لم يخطئ فيه ولم يختلط. • عن عائشة قالت: وقّت رَسُول اللهِ ﷺ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلِيْفَةِ، ولأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ الْجُحْفَةَ، ولأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ، ولأَهْلِ نجد قرنًا، ولأهل الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ. صحيح: رواه النسائيّ (٢٦٥٦) عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصليّ، قال: حدّثنا أبو هاشم محمد بن علي، عن المعافى بن عمران، عن أفلح (هو ابن حميد)، عن القاسم، عن عائشة، فذكرته. رواه أبو داود (١٧٣٩)، والنسائيّ (٢٦٥٣) كلاهما من حديث هشام بن بهرام المدائنيّ، حدّثنا المعافي بن عمران، بإسناده فذكره مثله إلّا أنّ أبا داود اختصره بلفظ: "وقّت رسول الله ﷺ لأهل العراق ذات عرق". وأبو هاشم محمد بن علي هو الأسدي، قال فيه العجلي: "ثقة رجل صالح". قال محمد بن غالب التمتام: قلت ليحيى بن معين: كتبت "جامع الثوري" عن أبي هاشم عن المعافى. فقال يحيى: بلغني أنّ هذا الرجل نظير المعافي أو أفضل منه. والخلاصة أنه "ثقة". ثم هو لم ينفرد في ذكر ذات العرق لأهل العراق بل تابعه أيضًا هشام بن بهرام كما في رواية أبي داود، وهشام بن بهرام قال فيه ابن معين: لا بأس به، وقال أبو حاتم: صدوق. ووثقه ابن سعد والعجليّ، وذكره ابن حبان في الثقات. وأخرجه أيضًا البيهقيّ (٥/ ٢٨) من طريقه بالتفصيل الذي عند النسائي وقال: رواه أبو داود عن هشام مختصرًا.

стр. 2992

ولكن ذكر ابن عدي في "الكامل" في ترجمة (أفلح بن حميد) (١/ ٤٠٨): أن الإمام أحمد أنكر على أفلح في هذا الحديث قوله: "ولأهل العراق ذات عرق" ولم ينكر الباقي من إسناده ومتنه شيئًا. وقال: قال ابن صاعد: كان أحمد بن حنبل ينكر هذا الحديث مع غيره على أفلح بن حميد. فقيل له: يروي عنه غير المعافي؟ فقال: المعافي بن عمران ثقة. قال ابن عدي: "أفلح بن حميد أشهر من ذاك، وقد حدّث عنه ثقات الناس، مثل ابن أبي زائدة، ووكيع، وابن وهب، وآخرهم القعنبي، وهو عندي صالح، وأحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة كلها. وهذا الحديث ينفرد به معافي عنه". قلت: فهو يحمل هذا التفرد على المعافى بن عمران الذي أكّد فيه الإمام أحمد بأنه ثقة. والمقصود بالتّفرد هنا قوله: "وقّت رسول الله ﷺ لأهل العراق ذات عرق"، ولكن له شواهد كما تقدم، وكما سيأتي. • عن ابن عمر، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلَأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ". صحيح: رواه الإمام أحمد (٥٤٩٢) عن محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، سمعت صدقة بن يسار، قال: سمعت ابن عمر يحدّث عن رسول الله ﷺ ، فذكره. وإسناده صحيح. وقوله: "ولأهل العراق ... إلخ" لم يسمعه ابن عمر من النبيّ ﷺ وإنّما سمعه من بعض الصّحابة، كما يدل عليه ما رواه أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٩٣ - ٩٤) من طريق جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر قال: وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل الطّائف قرنًا قال ابن عمر: وحدّثني أصحابنا أن رسول الله ﷺ وقّت لأهل العراق ذات عرق. قال أبو نعيم: "هذا حديث صحيح ثابت من حديث ميمون، لم نكتبه إلّا من حديث جعفر عنه". وهذا الحديث يكون جوابًا من ابن عمر في قوله في بداية الأمر لما سئل عن العراق، فقال: "لا عراق يومئذ" وهو ما رواه الإمام أحمد (٤٥٨٤) عن سفيان، سمع صدقةُ ابن عمر يقول -يعني عن النبي ﷺ -: "يهل أهل نجد من قرن، وأهل الشام من الجحفة، وأهل اليمن من يلملم". ولم يسمعه ابن عمر، وسمع النبي ﷺ "مُهلّ أهل المدينة ذا الحليفة" قالوا له: فأين أهل العراق؟ قال ابن عمر: لم يكن يومئذ. ورواه أيضًا (٦٢٥٧) عن جرير، عن صدقة بن يسار، نحوه. وقوله: "ولم يسمعه ابن عمر" أي "أهل اليمن من يلملم" كما ثبت ذلك في الصّحيحين كما سبق. ثم عرف ذلك بواسطة بعض الصّحابة أن النبي ﷺ وقت لأهل اليمن يلملم، ولأهل العراق ذات عرق. فكان ابن عمر أحيانًا يضيف ذلك إلى النبيّ ﷺ ، ومرسل الصحابي حجة باتفاق، وأحيانًا

стр. 2993

يضيفه إلى مَنْ أخبره به مِن الصّحابة. ويفهم من هذا أنّ النبيّ ﷺ أخبر بهذه المواقيت في أوقات مختلفة، والله أعلم. • عن الحارث بن عمرو السّهميّ، قال: "أَتَيْتُ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ بِمِنًى أَوْ بِعَرَفَاتٍ وَقَدْ أَطَافَ بِهِ النَّاسُ قَالَ فَتَجِيءُ الأَعْرَابُ فَإِذَا رَأَوْا وَجْهَهُ قَالُوا: هَذَا وَجْهٌ مُبَارَكٌ. قَال: وَوَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ لأَهْلِ الْعِرَاقِ". حسن: رواه أبو داود (١٧٤٢) عن أبي معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا عتبة بن عبد الملك السّهميّ، حدثني زرارة بن كُريم، أن الحارث بن عمرو السهمي حدّثه فذكره. ورواه الدارقطني (٢٥٠٢)، والبيهقي (٥/ ٢٨) كلاهما من حديث أبي معمر عبد الله بن عمرو، فذكرا مثله. وزاد البيهقي بعد قوله: "ذات عرق لأهل العراق" "ولأهل المشرق". وقال البيهقي: وإلى هذا ذهب عروة بن الزبير فيما رواه هشام بن عروة عنه قال: إن رسول الله ﷺ وقّت لأهل المشرق ذات عرق. قلت: إنه مرسل جيد. وحديث الحارث بن عمرو حسن من أجل زرارة بن كريم بن الحارث بن عمرو السهميّ قالوا: له رؤية. ولكن ذكره ابن حبان في "الثقات" (٤/ ٢٦٧) في ثقات التابعين. وقول البيهقي في "المعرفة" (٧/ ٩٦): "وفي إسناده من هو غير معروف" الصواب أنهم معروفون. وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الزيلعيّ في نصب الراية (٣/ ١٤) إلا أنها معلولة كلها. وأما ما رُوي عن ابن عباس: "أنّ النبيّ ﷺ وقّت لأهل المشرق العقيق" فإسناده ضعيف. رواه أبو داود (١٧٤٠)، والترمذيّ (٨٣٢) كلاهما من حديث وكيع، عن سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن ابن عباس، فذكره. ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (٣٢٠٥). قال الترمذي: حسن. قلت: ليس هو بحسن، بل هو ضعيف لسببين: السبب الأول: أن فيه يزيد بن أبي زياد فإنه ضعيف باتفاق أهل العلم. قال النووي في "المجموع" (٧/ ١٩٥) رادًا على تحسين الترمذي: "هو ضعيف باتفاق المحدثين". وقد ضعّفه قبله المنذري، وقال البيهقي في "المعرفة" (٣/ ٥٣٣): تفرّد به يزيد بن أبي زياد. والسبب الثاني: أن فيه انقطاعًا فإن محمد بن علي لم يسمع من جده ابن عباس، وإنما الصحيح أنه يروي عن أبيه، عن جدّه. قال ابن القطان في كتابه "بيان الوهم والإيهام": "هذا حديث أخاف أن يكون منقطعًا؛ فإن

стр. 2994

محمد بن علي بن عبد الله بن عباس إنما عهد يروي عن أبيه عن جده ابن عباس كما جاء ذلك في صحيح مسلم - في صلاته ﷺ من الليل". وقال مسلم في كتاب "التمييز": "لا نعلم له سماعًا من جده ولا أنه لقيه". ولم يذكر البخاريّ ولا ابن أبي حاتم أنه يروي عن جدّه، وذكر أنه يروي عن أبيه" انتهى. انظر: "نصب الراية" (٣/ ١٤). ولم يخرج هذا الحديث الشافعيّ في "الأم" إلا أنه نفي أن يكون النبي ﷺ وقت لأهل المشرق ذات عرق، وقال: أخبرنا الثقة عن أيوب، عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب وقّت ذات عرق لأهل المشرق. وقال: وهذا عن عمر بن الخطاب مرسلًا. وذات عرق شبيه بقرن في القرب بيلملم. ولو أهلوا من العقيق كان أحب إليّ. "الأم" (٢/ ١٣٨). فالظاهر من قوله هذا أنه لم يبلغه إليه توقيت عمر بن الخطاب إلا مرسلًا؛ فلذا لم يقل به، ولو جاءه موصولًا كان أحرص الناس للأخذ به، وبالله التوفيق. قال البيهقي في الصغرى (١٤٩٧): "وبين العقيق وذات عرق يسير، وقد استحب الشافعي للإحرام منه". ونقل النووي في "المجموع" (٧/ ١٩٧ - ١٩٨) فقال الشافعي في المختصر والمصنف، وسائر الأصحاب ولو أحرم أهل الشرق من العقيق كان أفضل، وهو واد وراء ذات عرق مما يلي المشرق. وقال أصحابنا: والاعتماد في ذلك ما في العقيق من الاحتياط. قيل: وفيه سلامة من التباس وقع في ذات عرق؛ لأنّ ذات عرق قرية خربت وحول بناؤها إلى جهة مكة، فالاحتياط الإحرام قبل موضع بنائها الآن. قالوا: ويجب على من أتي من جهة العراق أن يتحرى ويطلب آثار القرية العتيقة ويُحرم حيث ينتهي إليها. قال الشافعي: "ومن علاماتها المقابر القديمة، فإذا انتهى إليها أحرم. واستأنس المصنف والأصحاب في ذلك ما ذكرناه من الاحتياط بحديث توقيت العقيق السابق والله أعلم". ٤ - باب ما جاء أنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقّت لأهل العراق ذات عرق • عن ابن عمر قال: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَر فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا؟ قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْق. صحيح: رواه البخاري (١٥٣١) عن علي بن مسلم، حدّثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، به. قوله: "المصران" تثنية مصر والمراد بهما الكوفة والبصرة وهما بالعراق. قال البيهقي في "معرفة السنن والآثار": "يشبه أن يكون عمر لم يبلغه توقيت النبي ﷺ ذات

стр. 2995

عرق -إن كانت الأحاديث بذلك صحيحة- فوافق تحديده توقيت النبي ﷺ ". هكذا علقه البيهقي، والصحيح الثابت الذي عليه أكثر أصحاب الشافعي أن توقيت أهل العراق منصوص عليه من النبي ﷺ ، وبه قال مالك وأحمد وأبو حنيفة وأصحابهم. وأما كون العراق لم تفتح بعد فلا حجة فيه لمن ينكر التوقيت من النبيّ ﷺ ؛ لأنه ﷺ وقّت لأهل الشام وهو لم يفتح بعد. وفي التمهيد (١٥/ ١٤٠): "قال قائلون: عمر هو الذي وقَّت العقيق لأهل العراق؛ لأنها فتحت في زمانه. وقال آخرون: هذه غفلة من قائلي هذا القول، لأنه ﵇ هو الذي وقّت لأهل العراق ذات عرق والعقيق كما وقّت لأهل الشام الجحفة، والشام كلها يومئذ دار كفر كالعراق، فوقّت المواقيت لأهل النواحي، لأنه علم أن الله سيفتح على أمته الشام والعراق وغيرها، ولم يفتح الشام والعراق إلا على عهد عمر بلا خلاف. وقد قال ﵇: "منعت العراق دينارها ودرهمها" الحديث معناه عند أهل العلم: ستمنع" انتهى. ٥ - باب من أحرم قبل الميقات وما روي من فضل الإحرام من المسجد الأقصى رُوي في هذا الباب عن أمّ سلمة زوج النبيّ ﷺ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أهلَّ بحجّة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر" أو "وجبت له الجنة" شكّ عبد الله بأيّها قال. رواه أبو داود (١٧٤١) عن أحمد بن صالح، حدّثنا ابن أبي فديك، عن عبد الله بن عبد الرحمن يحنِّس، عن يحيى بن أبي سفيان، عن جدته حكيمة، عن أمّ سلمة، فذكرته. قال المنذري في مختصر أبي داود: "وقد اختلف الرّواة في متنه وإسناده اختلافًا كثيرًا". قلت: وهو كما قال، فقد روي هكذا، وفيه يحيى بن أبي سفيان، قال فيه أبو حاتم: "شيخ من شيوخ المدينة ليس بالمشهور". وفي التقريب: "مستور". وحكيمة وهي أمّ حكيم لم يرو عنها إلا يحيى بن أبي سفيان حفيدها كما هنا، ولم يوثقها إلا ابن حبان؛ ولذا قال الحافظ: "مقبولة". ورواه ابن ماجه (٣٠٠١، ٣٠٠٢) من طريق محمد بن إسحاق - قال في المرة الأولى: حدثني سليمان بن سحيم، عن أم حكيم بنت أمية، عن أمّ سلمة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "من أهل بعمرة من بيت المقدس غفر له". وقال في المرة الثانية - عن يحيى بن أبي سفيان، عن أمه أم حكيم بنت أمية، عن أمّ سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أهلّ بعمرة من بيت المقدس كانت له كفارة لما قبلها من الذنوب". قالت: فخرجت أمّي من بيت المقدس بعمرة. ورواه الإمام أحمد (٢٦٥٥٨) عن يعقوب بن إبراهيم، حدثني أبي، عن ابن إسحاق، حدثني

стр. 2996

سليمان بن سحيم مولي آل جبير، عن يحيى بن أبي سفيان الأخنسي، عن أمه أم حكيم ابنة أمية بن الأخنس، عن أمّ سلمة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أهلّ من المسجد الأقصى بعمرة أو بحجّة غفر له ما تقدّم من ذنبه". قال: فركبت أم حكيم عند ذلك الحديث إلى بيت المقدس حتى أهلّت بعمرة. ورواه ابن حبان في صحيحه (٣٧٠١) من طريق أبي خيثمة، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، بإسناده. وفيه "مولي آل حنين" بدلا من "آل جبير". وفيه أيضًا "أم حكيم بنت أبي أمية بن الأخنس" بدلًا من "ابنة أمية" ولم يذكر فيه "أو بحجة". ورواه أيضًا الإمام أحمد (٢٦٥٥٧) عن حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أم حكيم السلمية، عن أم سلمة، أن رسول الله ﷺ قال: "من أحرم من بيت المقدس غفر الله له ما تقدم من ذنبه". وللحديث أسانيد أخرى يظهر منها أن الرواة لم يكونوا ضابطين متقنين لإسناده؛ ولذا قال كثير من أهل العلم منهم: ابن حزم، والنووي، وابن تيمية، وغيرهم بأن هذا الحديث لا يثبت لاضطرابه الشديد في الإسناد والمتن. قال الحافظ ابن القيم في "تهذيب السنن": "حديث أم سلمة، قال غير واحد من الحفاظ إسناده ليس بالقوي، وقد سئل عبد الله بن عبد الرحمن بن يحنس: هل قال: "ووجبت له الجنة" أو قال: "أو وجبت" بالشك بدل قوله "غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر"، هذا هو الصواب بـ "أو". في كثير من النسخ: "ووجبت" بالواو وهو غلط" انتهى. وفي الباب أيضًا عن الحسن بن هادية قال: لقيت ابن عمر فقال: ممن أنت؟ قلت: من أهل عمان، قال: من أهل عمان؟ قلت: نعم. قال: أفلا أحدثك ما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قلت: بلي. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنّي لأعلم أرضًا يقال لها: عُمان، ينضح بجانبها البحر، الحجّة منها أفضل من حجّتين من غيرهما". رواه الإمام أحمد (٤٨٥٣)، والبيهقي (٤/ ٣٣٥) عن يزيد، أخبرنا جرير بن حازم، وإسحاق بن عيسي، حدثنا جرير بن حازم، عن الزبير بن الخرّيت، عن الحسن بن هادية، فذكره. والحسن بن هادية لم يرو عنه إلا الزبير بن الخريت، ولم يؤثر عنه توثيق أحد غير ابن حبان في ثقاته (٤/ ١٢٣ - ١٢٤) ولهذا فهو مجهول عند جمهور أهل العلم. وذكره الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢١٧) وقال: "رجاله ثقات". وقد ذهب جماعة من الصحابة إلى جواز تقديم الإحرام على الميقات من المكان البعيد كما ثبت ذلك عن ابن عمر أنه أهل من إيلياء. ذكره مالك عن الثقة عنه. ووصله البيهقي (٥/ ٣٠) من طريق ابن شهاب، عن نافع، عن ابن عمر، وذلك عام حكم الحكمين.

стр. 2997

قال الشافعي: "إذا كان ابن عمر روي عن النبيّ ﷺ أنه وقّت المواقيت، وأهَلَّ من إيلياء .... فدلّ على أنه لم يحظر أن يحرم من ورائه، ولكنه أمر أن لا يتجاوزه حاج ولا معتمر إلَّا بإحرام". وهو مذهب أبي حنيفة، والمذهب الثاني للشافعي. وذهب الجمهور ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم إلى أن الأفضل أن يحرم من الميقات؛ لأن النبيّ ﷺ أحرم من الميقات، وهو لا يفعل إلا الأفضل، ولأنه يشبه الإحرام بالحجّ قبل أشهر الحج وهو مكروه. انظر للمزيد: "المنة الكبري" (٣/ ٥٣٠ - ٥٣١) فإن فيها تفاصيل أخرى، وبالله التوفيق. ٦ - باب جواز دخول مكة بغير إحرام • عن أنس بن مالك، أنّ رسول الله ﷺ دخل مكّة عام الفتح، وعلى رأسه الْمِغْفَر، فلمّا نزعه جاءه رجلٌ فقال له: يا رسول الله! ابنُ خَطَل مُتعلِّقٌ بأستار الكعبة؟ فقال رسول الله ﷺ : "اقتُلوه". متفق عليه: رواه مالك في الحج (٢٤٧) عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، به، فذكره. ورواه البخاريّ في جزاء الصّيد (١٨٤٦)، ومسلم في الحج (١٣٥٧) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. قوله: "المغفر" هو ما يلبس على الرأس من درع الحديد مثل القلنسوة. وبوّب عليه البخاريّ بقوله: "باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام" ولم يقيده بالعذر. وقال: "ودخل ابن عمر، وإنما أمر النبيّ ﷺ بالإهلال لمن أراد الحج والعمرة، ولم يذكر للحطابين وغيرهم". انتهى. • عن جابر بن عبد الله، أنّ رسول الله ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام. وفي لفظ: أنّ النبيّ ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٥٨) من طريق معاوية بن عمار الدّهني، عن أبي الزبير، عن جابر. واللفظ الآخر من طريق عمار الدّهني، عن أبي الزبير، به. • عن عمرو بن حريث، قال: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ". صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٥٩) من طريق مساور الورّاق، قال: سمعت جعفر بن عمرو ابن حريث، عن أبيه، فذكره. وأما ما رُوي عن ابن عباس: "الرجل يهل من أهله، ومن بعد ما يجاوز أين شاء، ولا يجاوز

стр. 2998

الميقات إلا محرما" فالصّواب أنه موقوف على ابن عباس. رواه الشافعي في الأم (٢/ ١٣٨) وإن صح مسندًا فمعناه: لمن أراد الحج أو العمرة لا يتجاوز الميقات إلا بإحرام حتى لا يكون بينه وبين الأحاديث تعارض. • * *

стр. 2999

جموع ما يباح للمحرم وما يحرم عليه ١ - باب الغسل للإحرام • عن عائشة قالت: نفِستْ أسماءُ بنت عُميس بمحمد بن أبي بكر بالشَّجرة، فأمر رسولُ الله أبا بكر يأمُرها أن تغتسل وتهلّ. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٠٩) من أوجه عن عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، به. • عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يُحرم غسل رأسه بخطْمي وأُشنان، ودهنه بشيء من زيت غير كثير. حسن: رواه أحمد (٢٤٤٩٠)، والبزار -كشف الأستار (١٠٨٥) -، والدارقطني (٢٤٥١) كلّهم من حديث زكريا بن عديّ، حدّثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. واللّفظ للبزار والدارقطني. وأما أحمد فذكر فيه قصة اعتمارها من التنعيم. وإسناده حسن من أجل الكلام في عبد الله بن محمد بن عقيل إلا أنه حسن الحديث كما مرّ تفصيله مرارًا. • عن جابر بن عبد الله، قال: فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: "اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي". صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكره، وهو جزء من حديث طويل. • عن ابن عباس: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ إِذَا أَتَتَا عَلَى الْوَقْتِ تَغْتَسِلانِ وَتُحْرِمَانِ وتَقْضِيَانِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ". قَالَ أَبُو مُعَمَرٍ فِي حَدِيثِهِ: "حَتَّى تَطْهُرَ". وَلَمْ يَذْكُر ابْنُ عِيسَي عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدًا، قَالَ: عَنْ عَطَاءٍ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ. وَلَمْ يَقُل ابْنُ عِيسَي: "كُلَّهَا". قَالَ: "الْمَنَاسِكَ إِلا الطَّوَافَ بِالْبَيْت".

стр. 3000

حسن: رواه أبو داود (١٧٤٤)، والترمذي (٩٤٥) كلاهما من طريق مروان بن شجاع الجزري، عن خصيف، عن عكرمة ومجاهد وعطاء، عن ابن عباس، فذكره. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. قلت: وهو كما قال، فإنّ خصيفًا هو ابن عبد الرحمن الجزري مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، وقد تكلم فيه لسوء حفظه إلا أنه لازم مجاهدًا، فروايته عنه أعدل من غيره، ويشهد له الحديثان السابقان. • عن زيد بن ثابت، أنه رأى النبيّ ﷺ تجرّد لإهلاله واغتسل. حسن: رواه الترمذي (٨٣٠) عن عبد الله بن أبي زياد، حدَّثنا عبد الله بن يعقوب المدني، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، فذكره. قال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب. قلت: وهو كما قال فإنّ فيه ابن أبي الزّناد وهو عبد الرحمن، وهو كما في التقريب: "صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيهًا". ولكن الراوي عنه عبد الله بن يعقوب المدني "مجهول الحال" كما في "التقريب" إلّا أنه توبع لما رواه الدارقطنيّ (٢٤٣٤)، وعنه البيهقيّ (٥/ ٣٢) قال: ثنا يحيى بن صاعد، ثنا يحيى بن خالد أبو سليمان المخزوميّ، حدّثني أبو غزية محمد بن موسى، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، بإسناده، مثله. قال البيهقيّ: "أبو غزية ليس بالقوي". ثم رواه البيهقيّ من وجه آخر عن الأسود بن عامر شاذان، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، بإسناده، مثله. وهي متابعة أخري لعبد الله بن يعقوب المدني. والأسود بن عامر الشاميّ، يلقب بشاذان ثقة من رجال الجماعة. وبهذه المتابعة صار الحديث حسنًا، وإنما لم يصحّحه الترمذيّ للكلام الذي في عبد الرحمن بن أبي الزّناد. • عن ابن عمر، قال: من السنة أن يغتسل الرجل إذا أراد أن يُحرم، وإذا أراد أن يدخل مكة. صحيح: رواه الدارقطنيّ (٢٤٣٣)، والحاكم (١/ ٤٤٧)، والبيهقيّ (٥/ ٣٣)، والبزار -كشف الأستار (١٠٨٤) - كلّهم من طريق سهل بن يوسف، حدّثنا حميد، عن بكر بن عبد الله، عن ابن عمر، فذكره إلّا أن الأخير لم يذكر دخول مكة. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". قلت: بل هو على شرط البخاريّ وحده، فإن سهل بن يوسف وهو الأنماطيّ لم يخرج له مسلم. وبكر بن عبد الله هو المزنيّ، وحميد هو ابن أبي حميد الطويل.

стр. 3001

وقول ابن عمر: "من السنة" أي من المرفوع، كما قال جمهور أهل العلم بأن قول الصحابي: من السنة يراد به المرفوع. وفي الباب ما روي عن ابن عباس قال: اغتسل رسول الله ﷺ ثم لبس ثيابه، فلما أتي ذا الحليفة صلى ركعتين، ثم قعد على بعيره، فلما استوى به على البيداء أحرم بالحج. رواه الدارقطني (٢٤٣٢)، والحاكم (١/ ٤٤٧) وعنه البيهقي (٥/ ٣٣) عن يعقوب بن عطاء بن أبي رباح، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره. قال البيهقي: يعقوب بن عطاء غير قوي. قلت: وهو كما قال، فقد ضعّفه أبو زرعة والنسائي، وابن معين وغيرهم. وقال أحمد: "منكر الحديث" لأنّ الصحيح الثابت أنّ النبيّ ﷺ بات في ذي الحليفة فأصبح واغتسل ولبس الإحرام. وأحاديث الباب تدل على مشروعية الغسل للإحرام، وهو سنة مؤكدة لدى الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء، فإن توضأ ولم يغتسل فلا بأس به. وأما الحائض والنفساء ففي حقهنّ الغسل آكد من غسل الرجال والنساء الطاهرات وليس بواجب. انظر: "المنة الكبري" (٣/ ٥٣٨). ٢ - باب استعمال الطيب والادهان عند الإحرام • عن عائشة، أنها قالت: كنتُ أطيّب رسولَ الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحلّه قبل أن يطوف بالبيت. متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٧) عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، به. ورواه البخاريّ في الحج (١٥٣٩)، ومسلم في الحج (١١٨٩: ٣٣) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. • عن عائشة قالت: كأنّي أنظر إلى وَبيص الطّيب في مَفْرَق رسول الله ﷺ وهو محرم. متفق عليه: رواه البخاري في الحج (١٥٣٨)، ومسلم في الحج (١١٩٠: ٣٩) كلاهما من طريق منصور، عن إبراهيم النخعيّ، عن الأسود، عن عائشة، به، واللفظ لمسلم. وقولها: "وبيص الطيب" وفي رواية أخرى: "وبيص المسك" أي بريقه. يقال: وبص الشيء وبصَّ بصيصًا إذا برق. ذكره الخطابيّ. وفي الحديث دليل على أن الطيب لو بقي أثره على المحرم في حال إحرامه لا يضره خلافًا لمن كره استعمال الطيب عند الإحرام، أو لمن كره بقاء أثره بعد الإحرام. وأما ما رواه ابن ماجه (٢٩٢٨) من طريق شريك، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الأسود، عن

стр. 3002

عائشة، قالت: "كأني أرى وبيص الطيب في مفرق رسول الله ﷺ بعد ثلاثة، وهو محرم" فهو ضعيف؛ لسوء حفظ شريك فإن أحدًا لم يتابعه على قوله "بعد ثلاثة". وفي الإسناد أيضًا أبو إسحاق وهو مدلّس مختلط، وتابعه إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، ولكن الراوي عنه عطاء بن السائب وهو مختلط أيضًا. رواه البيهقيّ في الكبرى (٥/ ٣٥)، والصغرى -المنة الكبرى (١٥٠٧) - من حديث سعيد بن زيد، عن عطاء بن السائب. ولم يكن سعيد بن زيد ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط. • عن عائشة، قالت: كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مَكَّةَ فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالسُّكِّ الْمُطَيَّبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلا يَنْهَاهَا. صحيح: رواه أبو داود (١٨٣٠) عن الحسين بن الجنيد الدامغانيّ، حدّثنا أبو أسامة، أخبرني عمر بن سويد الثقفيّ، حدثتني عائشة بنت طلحة، أنّ عائشة أمّ المؤمنين حدّثتها قالت (فذكرته). وإسناده حسن من أجل شيخ أبي داود وهو الحسين بن الجنيد فإنه لا بأس به، ولم يرتق إلى الثقات الضابطين. وحسّن إسناده أيضًا المنذريّ في "مختصره". ولكن رواه الإمام أحمد (٢٤٥٠٢) عن محمد بن عبد الله بن الزبير، حدثنا عمر بن سويد، قال: سمعت عائشة بنت طلحة تذكر -أو ذكر عندها- المحرم يتطيب، فذكرت عن عائشة أم المؤمنين: "أنهن كنّ يخرجن مع رسول الله ﷺ عليهن الضِّماد، قد اضطمدن قبل أن يحرمن، ثم يغتسلن وهو عليهنّ، يعرقن ويغتسلن لا ينهاهنّ عنه". وهذا إسناد رجاله ثقات، وبهذا صحَّ الحديث. • عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، قال: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بن عُمَرَ ﵄ عَن الرَّجُلِ يَتَطَيَّبُ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا؟ فَقَال: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا لأَنْ أَطَّلِيَ بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ. فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَأَخْبَرْتُهَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا لأَنْ أَطَّلِيَ بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ! فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيَّبْتُ رَسُول اللهِ ﷺ عِنْدَ إِحْرَامِهِ، ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا. متفق عليه: رواه البخاريّ في الغسل (٢٧٠)، ومسلم في الحج (١١٩٢: ٤٧) كلاهما من طريق أبي عوانة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، به. واللفظ لمسلم. • عن نافع، قال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إذا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ ادَّهَنَ

стр. 3003

بِدُهْنٍ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْكَبُ وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَاِئمَةً أَحْرَمَ ثُمَّ قَال: "هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُ". صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٥٥٤) عن سليمان بن داود أبي الربيع، حدّثنا فليح، عن نافع، به. وأما ما رُوي عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ "أنّه ادّهن بزيت غير مقتّت وهو محرم" فهو ضعيف. رواه الترمذي (٩٦٢)، وابن ماجه (٣٠٨٣)، والإمام أحمد (٤٧٨٢) وابن خزيمة (٢٦٥٢) كلّهم من طريق حماد بن سلمة، عن فرقد السّبخيّ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، فذكره. المقتّت: المطيّب. قاله الترمذي، وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلّا من حديث فرقد السّبخيّ عن سعيد بن جبير، وقد تكلم يحيى بن سعيد في فرقد السبخيّ، وروى عنه الناس". قلت: وهو كما قال فإنه تكلم فيه غير واحد من أهل العلم. قال ابن خزيمة: أنا خائف أن يكون فرقد السبخيّ واهمًا في رفعه هذا الخبر. فإنّ الثوريّ روي عن منصور، عن سعيد بن جبير، قال: "كان ابن عمر يدهن بالزيت حين يريد أن يحرم". ومن هذا الوجه أخرجه البخاريّ في الحجّ (١٥٣٧)، وابن خزيمة في صحيحه (٢٦٥٣) وقال: "ومنصور بن المعتمر أحفظ وأعلم بالحديث وأتقن من عدد مثلي فرقد السبخي، وهكذا رواه حجاج بن منهال، عن حماد" انتهى. ثم قال: ورواه وكيع بن الجراح، عن حماد بن سلمة، فقال: "عند الإحرام". ورواه الهيثم بن جميل، عن حماد فقال: "إذا أراد أن يحرم". وردّ عليه ابن خزيمة فقال: "اللّفظة التي ذكرها وكيع والتي ذكرها الهيثم ابن جميل لو كان الدُّهن مقتّتًا بأطيب الطيب جاز الادّهان به إذا أراد الإحرام، إذ النبيّ ﷺ قد تطيّب حين أراد الإحرام بطيب فيه مسك، والمسك أطيب الطيب على ما خبّر المصطفي ﷺ ". وفي صحيح البخاريّ (١٥٣٧) عن سعيد بن جبير، قال: "كان ابن عمر يدّهن بالزيت" فذكرته لإبراهيم: فقال: ما تصنع بقوله: حدثني الأسود، عن عائشة، قالت: "كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم". والخلاصة فيه أن حديث ابن عمر موقوف عليه؛ لأنّ أصحاب حماد بن سلمة اختلفوا عليه، فوهم فرقد السّبخيّ فرفعه وغيره وقفوه. كان ابن عمر بن الخطاب ﵁ يكره استدامة الطيب بعد الإحرام، وابنه عبد الله يتبعه في ذلك، وكانت عائشة تنكر عليه. روي سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن عبد الله بن عمر، أنّ عائشة كانت تقول: "لا بأس بأن يمس الطيب عند الإحرام" قال: "فدعوت رجلًا وأنا جالس بجنب ابن عمر، فأرسلته إليها،

стр. 3004

وقد علمت قولها ولكن أحببتُ أن يسمعه أبي، فجاءني رسولي، فقال: إن عائشة تقول: لا بأس بالطيب عند الإحرام فأصبْ ما بدا لك. قال: فسكت ابن عمر". وكذلك كان سالم بن عبد الله بن عمر يخالف أباه وجده في ذلك لحديث عائشة. قال ابن عيينة: أخبرنا عمرو بن دينار، عن سالم، أنه ذكر قول عمر في الطيب، ثم قال: قالت عائشة (فذكر الحديث). قال سالم: "سنة رسول الله ﷺ أحق أن نتبع" ذكره الحافظ في "الفتح". ٣ - باب ما جاء فيما لا يلبس المحرم من الثياب وأن من لم يجد النعلين فيلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين • عن يعلى بن أمية أنه كَانَ يَقُولُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: لَيْتَنِي أَرَى نَبِيَّ اللهِ ﷺ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْه، فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بالْجِعْرَانَةِ وَعَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ عَلَيْهِ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ عُمَرُ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ صُوفٍ مُتَضَمِّخٌ بِطيبٍ فَقَال: يَا رَسُول اللهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً ثُمَّ سَكَتَ، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ فَأَشَارَ عُمَرُ بِيَدِهِ إِلَى يَعْلَي بْنِ أُمَيَّةَ: تَعَالَ فَجَاءَ يَعْلَي فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَال: "أَيْنَ الَّذِي سَأَلَنِي عَن الْعُمْرَةِ آنِفًا؟ ". فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَجِيءَ بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٣٦)، ومسلم في الحج (١١٨٠: ٨) كلاهما من طريق ابن جريج، أخبرني عطاء، أن صفوان بن يعلى ابن أمية أخبره، أن يعلي كان يقول لعمر بن الخطاب، فذكره. واللفظ لمسلم. وزاد النسائيّ (٢٦٦٨) في آخر الحديث: "ثم أحدث إحرامًا". وقال: "ما أعلم أحدًا قاله غير نوح بن حبيب (شيخه) ولا أحسبه محفوظًا" انتهى. • عن عبد الله بن عمر، أَنَّ رَجُلل سَأَلَ رَسُول اللهِ ﷺ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِن الثِّيَابِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلا الْعَمَائِمَ، وَلا السَّرَاوِيلاتِ، وَلا الْبَرَانِسَ، وَلا الْخِفَافَ، إِلا أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلا الْوَرْسُ". متفق عليه: رواه مالك في الحجّ (٨) عن نافع، عن ابن عمر، به.

стр. 3005

ورواه البخاريّ في الحج (١٥٤٢)، ومسلم في الحج (١١٧٧) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. قوله: "الورْس" نبت أصفر طيب الريح يصبغ به. قال ابن العربي: "ليس الورْس بطيب، ولكنه نبّه به على اجتناب الطيب وما يشبهه في ملاءمة الشّم، فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم وهو مجمع عليه فيما يقصد به التطيّب". فتح الباري (٣/ ٤٠٤). وقوله: "ولا تلبسوا من الثياب شيئًا ... " فيه دليل على أنّ المحرم ممنوع عن استعمال الطيب في بدنه وثيابه رجلًا كان أو امرأة. وكذلك لا يجوز له أن يشم شيئًا من نبات الأرض مما يعدّ طيبًا كالورد والزّعفران والورس. واختلفوا في الرّيحان، سئل عثمان عن المحرم: هل يدخل البستان؟ قال: "نعم ويشم الرّيحان". وقال جابر: "لا يشم". والعُصفر ليس بطيب روي ذلك عن جابر، وإن عائشة لبست الثياب المعصفرة وهي محرمة. ويجوز للمحرم الادّهان إذا لم يكن فيه خلط من الطيب. • عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يلبس المحرم ثوبًا مصبوغًا بورْس أو بزعفران، وقال: "من لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين". متفق عليه: رواه مالك في الحج (٩) عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، فذكره. ورواه مسلم في الحج (١١٧٧: ٣) من طريق مالك بإسناده، مثله. ورواه البخاريّ في اللباس (٥٨٤٧) من حديث سفيان، عن عبد الله بن دينار، بإسناده، مثله إلّا أنه لم يذكر فيه قوله: "من لم يجد نعلين ... ". • عن ابن عمر، أَنَّهُ وَجَدَ الْقُرَّ فَقَال: أَلْقِ عَلَيَّ ثَوْبًا يَا نَافِعُ، فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ بُرْنُسًا. فَقَال: تُلْقِي عَلَيَّ هَذَا! وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَلْبَسَهُ الْمُحْرِمُ. صحيح: رواه أبو داود (١٨٢٨) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. وإسناده صحيح، وقد رواه أيضًا الإمام أحمد (٦٢٦٦) عن محمد بن عبد الرحمن الطّفاويّ، حدّثنا أيوب، بإسناده، نحوه. وهذه متابعة قوية لحماد وهو ابن سلمة فإنه تغيّر في آخره. وعند الإمام أحمد (٤٨٥٦) إسناد آخر. رواه عن يزيد، أخبرنا جرير بن حازم، حدّثنا نافع، قال: وجد ابن عمر القُرّ وهو محرم، فذكر نحوه. والقرّ: البرد.

стр. 3006

٤ - باب جواز لبس الخفين من غير قطع، والسراويل من غير فتق لمن لم يجد النعلين والإزار • عن عبد الله بن عباس، قال: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ بَعَرَفَاتٍ فَقَالَ: "مَنْ لَمْ يَجِد الإِزَارَ فَلَيَلْبَس السَّرَاوِيل، وَمَنْ لَمْ يَجِد النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَس الْخُفَّيْنِ". متفق عليه: رواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٤١)، ومسلم في الحج (١١٧٨) كلاهما من طريق شعبة، عن عمرو بن دينار، سمعت جابر بن زيد، سمعت ابن عباس، فذكره، واللفظ للبخاريّ. ورواه مسلم أيضًا من أوجه أخرى، عن عمرو بن دينار، به، بلفظ: "سمعتُ رسول الله ﷺ ويخطب يقول .... " ولم يذكروا "عرفات". قال الإمام مسلم: "ولم يذكر أحدٌ منهم: "يخطب بعرفات" غير شعبة وحده". • عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ". صحيح: رواه مسلم في الحج (١١٧٩) عن أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا أبو الزبير، عن جابر، به. اختلف أهل العلم في الجمع بين حديث ابن عمر في قطع الخفين، وحديث ابن عباس فإنه لم يذكر فيه القطع. فذهب جمهور أهل العلم منهم الإمام أحمد إلى أن حديث ابن عباس عام، وحديث ابن عمر خاص ومقيد، وحمل المطلق على المقيد معروف في الشرع. وللعلماء توجيهات أخرى ذكرتها في "المنة الكبرى" (٤/ ٣٠) بالتفصيل فراجعه تجد فيه ما يغنيك عن المطولات. ٥ - باب حكم تغطية المحرم رأسه ووجهه • عن عبد الله بن عباس، أَنَّ رَجُلا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا". وفي رواية: "ولا تخمِّروا رأسه ولا وجهه فإنّه يبعث يوم القيامة ملبيًّا". متفق عليه: رواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٥١)، ومسلم في الحج (١٢٠٦: ٩٩) كلاهما من طريق هشيم (هو ابن بشير الواسطيّ)، أخبرنا أبو بِشْر (هو جعفر بن إياس اليشكريّ)، حدّثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره، ولفظهما سواء غير أنّ مسلمًا قال: "ملبِّدًا" بدل "ملبِّيًا".

стр. 3007

والرواية الثانية عند مسلم من طريق وكيع، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. ورواه زهير، عن أبي الزبير، قال: سمعت سعيد بن جبير، وفيه: "وأن يكشفوا وجهه - حسبته قال: ورأسه". ورواه إسرائيل عن منصور، عن سعيد بن جبير، وفيه: "لا تغطّوا وجهه" ولم يذكر الرّأس. ورواه شعبة، قال: سمعت أبا بشر يحدّث عن سعيد بن جبير، وذكر فيه: "خارج رأسه". قال شعبة: ثم حدّثني بعد ذلك: "خارج رأسه ووجهه". وهذه الرّوايات كلّها في صحيح مسلم. فالذي يظهر أنّ الخلاف كان على سعيد بن جبير نفسه، فمرة كان يجمع بين الرأس والوجه، وأخرى يذكر الرّأس وحده، وثالثة الوجه وحده، وهي كلّها صحيحة. فلا وجه لإعلال هذه الزيادة كقول الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص ١٤٨): "ذكر الوجه تصحيف من الرواة؛ لإجماع الثقات الأثبات من أصحاب عمرو بن دينار على روايته عنه: "ولا تغطّوا رأسه" وهو المحفوظ" وذلك من وجهين: الأول: لقد ثبت ذكر الوجه في غير رواية عمرو بن دينار كما رأيت. والثاني: كما قال الزيلعيّ في نصب الراية (٣/ ٢٨): "المرجع في ذلك إلى مسلم لا إلى الحاكم، فإنّ الحاكم كثير الأوهام، وأيضًا فالتصحيف إنّما يكون في الحروف المتشابهة، وأيّ مشابهة بين الوجه والرأس في الحروف؟ ! هذا على تقدير أن لا يذكر في الحديث غير الوجه، فكيف وقد جمع بينهما -أعني الرأس والوجه- والروايتان عند مسلم ... " إلى قال: "هذا بعيد من التصحيف". وقول البيهقيّ (٣/ ٣٩٣): "وذكر الوجه غريب" قول غريب؛ ولذا تعقبه ابن التركماني بقوله: "قد صح النهي عن تغطيتهما، فجمعهما بعضهم، وأفرد بعضهم الرأس، وبعضهم الوجه، والكل صحيح، ولا وهم في شيء منه، وهذا أولي من تغليط مسلم". وكذلك انتقده الحافظ في الفتح (٨/ ٥٤) قائلا: "فيه نظر، فإن الحديث ظاهره الصحة"، ثم سرد ألفاظ مسلم في ذكر الوجه. قلت: وقد أجمع العلماء سلفًا وخلفًا على تحريم المحرم تغطية رأسه لقول النبيّ ﷺ : "ولا يلبس العمامة ولا البرنس". واختلفوا في تغطية وجهه، فذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية إلى ما في هذا الحديث من منع المحرم الذي مات من تخمير وجهه. وكان ابن عمر يقول: "ما فوق الذقن من الرأس، فلا يخمره المحرم" رواه مالك في الحج (١٥). وأما الإمام أحمد فعنده ثلاث روايات، الرواية الثانية: لا يغطي وجهه مستدلًا بحديث ابن عباس: "اغسلوه بما وسدر، وكفِّنوه في ثوبين، ولا تخمّروا وجهه ولا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة مُلَبِّيًا". هذه رواية ابن منصور، وإسماعيل بن سعيد الشالنجي كلاهما عن أحمد.

стр. 3008

وأما في رواية مهنا عنه، عن المحرم يموت هل يُغطّى وجهه؟ فقال: قد اختلفوا فيه عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ ، فقال بعضهم: لا يغطى رأسه. قلت: أيهما أعجب إلك، يغطى وجه المحرم إذا مات أو لا يغطى؟ قال: أما الرأس فلا أرى أن يغطوه، وأما الوجه فأرجو أن لا يكون به بأس". انظر: شرح العمدة لشيخ الإسلام (٢/ ٥٢ - ٥٣). وقد رُوي عن جماعة من الصحابة منهم ابن عباس نفسه، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وابن الزبير، وزيد بن ثابت، وسعد بن أبي وقاص، وجابر بن عبد الله أنهم أجازوا للمحرم أن يغطى وجهه، فهم مخالفون لا بن عمر في ذلك. وأمّا ما روي عن عثمان بن عفان، قال: "كان النبي ﷺ يخمِّر وجهه وهو محرم". فالصواب أنه موقوف. رواه الدارقطني في "العلل" (٣/ ١٣) عن أبي بكر الشافعيّ، قال: حدّثنا موسى بن الحسن، ثنا القعنبيّ، ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبان بن عثمان، عن عثمان بن عفان، فذكره. قال الدارقطني: "هكذا كان في كتاب أبي بكر مرفوعًا، والصواب موقوف". ثم ساق بإسناده عن سفيان (هو ابن عيينة)، قال: سمعت عبد الله بن أبي بكر يقول: أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة: "أنه رأى عثمان بن عفان بالعرج مخمرًا وجهه بقطيفة أرجوان في يوم صائف وهو محرم". قال ابن عيينة: كان سفيان الثوريّ يغلط فيه، يقول عن الفُرافصة. انتهى. والفُرافصة هو ابن عمير الحنفيّ أنه رأى عثمان بن عفان بالعرج يغطي وجهه وهو محرم. رواه مالك في الحج (١٤) عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد أنه قال: أخبرني الفُرافصة بن عمير الحنفيّ، فذكره. وأخرجه البيهقيّ (٥/ ٥٤) من وجه آخر عن يحيى بن سعيد. والخلاصة فيه كما قال بعض أهل العلم أن حديث الباب خاص بالمحرم الذي يموت، وحديث عثمان للمحرم الحي عند الحاجة. وهو عكس ما قال به العلماء الحنفية أن حديث ابن عباس يحمل على المحرم الحي دون الميت المحرم، فحكمه عندهم كسائر الأموات في تغطية الرأس والوجه. ٦ - باب ما جاء في تظليل المحرم • عن أمّ الحصين، قالت: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلالًا وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ والآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِن الحَرِّ حَتَّي رَمَي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٩٨: ٣١٢) عن أحمد بن حنبل، حدّثنا محمد بن سلمة، عن أبي

стр. 3009

عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن يحيى بن الحصين، عن أمّ الحصين جدته قالت، فذكرته. • عن عبد الله بن عمر، قال: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُول اللهِ! مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِن الثِّيَابِ فِي الإِحْرَام؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ وَلا السَّرَاوِيلاتِ، وَلا الْعَمَائِمَ، وَلا الْبَرَانِسَ إِلا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَس الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِن الْكَعْبَيْن، وَلا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ، وَلا الْوَرْسُ وَلا تَنْتَقِب الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلا تَلْبَس الْقُفَّازَيْنِ". تابعه موسى بن عقبة، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وجويرية، وابن إسحاق في النّقاب والقفازين. صحيح: رواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٣٨) عن عبد الله بن يزيد، حدّثنا اللّيث، حدّثنا نافع، عن ابن عمر، به. وقول البخاريّ: "تابعه موسى بن عقبة ... إلخ" يعني تابعوا ليثًا عن نافع في ذكر النّقاب والقفازين مرفوعًا. ورواه مالك عن نافع، ولم يرفعه، فرجّح البخاريّ أن زيادة الثقة مقبولة. وذكر أيضًا أبو داود (١٨٢٥) بعد أن روى من طريق اللّيث مرفوعًا أن حاتم بن إسماعيل، ويحيى بن أيوب، وموسى بن عقبة رووا هذه الزيادة عن نافع على ما قال الليث. ثم قال: ورواه موسي بن طارق عن موسى بن عقبة موقوفًا على ابن عمر، وكذلك رواه عبيد الله ابن عمر ومالك وأيوب موقوفًا. وذكر أبو داود ممن رفعه إبراهيم بن سعيد المديني وهو شيخ من أهل المدينة ليس له كبير حديث. وأخرجه (١٨٢٦) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا إبراهيم بن سعيد المديني، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ قال: "المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين". قلت: إبراهيم بن سعيد هذا مجهول كما أشار إليه أبو داود بأنه غير معروف. قال الحافظ في التقريب: "مجهول الحال". ولكنه توبع كما سبق. • عن ابن عمر: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَي النِّسَاءَ فِي إحْرَامِهِنَّ عَن الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ والزَّعْفَرَانُ مِن الثِّيَابِ، وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ مُعَصْفَرًا أَوْ خَزًّا أَوْ حُلِيًّا أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ قَمِيصًا أَوْ خُفًّا. حسن: رواه أبو داود (١٨٢٧) عن أحمد بن حنبل، حدّثنا يعقوب، حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: فإن نافعًا مولى عبد الله بن عمر حدثني عن عبد الله بن عمر، فذكره. قال أبو داود: "روي هذا الحديث عن ابن إسحاق عن نافع. وعبدة بن سليمان، ومحمد بن

стр. 3010

سلمة عن محمد بن إسحاق إلى قوله: "وما مسّ الورس والزعفران من الثياب" ولم يذكرا ما بعده. وصحّحه الحاكم (١/ ٤٨٦) ورواه من طريق الإمام أحمد وقال: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي. قلت: وذلك على منهج الحاكم، وإلا فإن مسلمًا لم يحتج بابن إسحاق، والحديث في مسند الإمام أحمد من وجهين: أحدهما: عن يعلى بن عبيد، حدّثنا محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ "ينهى النساء في الإحرام عن القفاز والنقاب، وما مسّ الورس والزّعفران من الثياب" (٤٧٤٠). والثاني: عن يزيد، أخبرنا محمد -يعني ابن إسحاق-، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على هذا المنبر، وهو ينهي الناس إذا أحرموا عما يكره لهم: "لا تلبسوا العمائم، ولا القميص، ولا السّراويلات، ولا البرانس، ولا الخفين، إلا أن يضطر مضطر إليهما فليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا ثوبًا مسّه الورس ولا الزّعفران". قال: وسمعته ينهى النساء عن القفازين والنقاب، وما مسّ الورس والزعفران من الثياب". وأمّا رواية يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن إسحاق فلم أجدها في المسند وأمّا المعصفر فليس بطيب، روي ذلك عن جابر؛ ولذا كانت عائشة ﵂ تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة. ورُوي عن حقة بنت عمرو وكانت قد صلت إلى القبلتين مع رسول الله ﷺ "أنها كانت إذا أرادت أن تحرم وضعت عبيتها في حجرها ولبست من ثيابها ما تشاء والمعصفر، فتهل". رواه الطبرانيّ في "المعجم الكبير" (٢٤/ ٢١٥) من حديث شريك، عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز، عنها. قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢٢٠): "ورجاله رجال الصحيح". قلت: وهو كما قال إلا أن شريكًا وهو ابن عبد الله النخعيّ تغيّر حفظه منذ ولي القضاء، فلا يؤمن من وقوع الوهم والخطأ في حديثه. وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز استعمال الثياب المعصفرة للمحرمة. وقال أصحاب الرأي هو طيب تجب به الفدية. انظر: "شرح السنة" (٧/ ٢٤٤ - ٢٤٥). والعُصْفُر: نبات صيفيٌّ من الفصيلة المركبة أنبوبية الزهر، يستعمل زهره تابلًا، ويستخرج منه صبغ أحمر يصبغ به الحرير ونحوه. كذا في المعجم الوسيط. • عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله (يعني ابن عمر): كان يصنع ذلك -يَعْنِي يَقْطَعُ الْخُفَّيْنِ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ-، ثُمَّ حَدَّثَتْهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا أَنَّ

стр. 3011

رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ كَانَ رَخَّص لِلنِّسَاءِ فِي الْخُفَّيْنِ فَتَرَك ذلك. حسن: رواه أبو داود (١٨٣١) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا ابن أبي عدي، عن محمد بن إسحاق، قال: ذكرت لابن شهاب فقال: حدثني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر كان يصنع ذلك، فذكره. ورواه الإمام أحمد (٤٨٣٦) عن محمد بن أبي عدي، بإسناده، مثله. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق لأنه صرّح بسماعه من الزهري. ورواه الشافعي عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه كان يُفتي النساء إذا أحرمن أن يقطعن الخفين حتى أخبرته صفية، عن عائشة، أنها تفتي النساء أن لا يقطعن، فانتهى عنه. "الأم" (٢/ ١٤٧) وعنه أخرجه البيهقيّ (٥/ ٥٢). ٧ - باب إباحة تغطية المحرمة وجهها من الرّجال • عن فاطمة بنت المنذر قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصّديق. صحيح: رواه مالك في الحج (١٨) عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، فذكرته. وإسناده صحيح. قلت: وفعلهن هذا بحضرة أسماء بنت أبي بكر مشعر بأنّ هذا العمل كان مستمرًا من عهد النبيّ ﷺ كما تدل عليه الرواية التالية. فقد رواه إبراهيم بن حميد، حدّثنا هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، قالت: "كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك". رواه ابن خزيمة (٢٦٩٠) من هذا الوجه. ورواه الحاكم (١/ ٤٥٤) من وجه آخر عن علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: "كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نتمشط قبل ذلك في الإحرام". قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبيّ. وأمّا ما رُوي عن عائشة، قالت: "كنا مع النبيّ ﷺ ونحن محرمون، فإذا لقينا الرّاكب أسدلْنا ثيابَنا من فوق رؤوسنا، فإذا جاوزنا رفعناها"، فهو ضعيف. رواه أبو داود (١٨٣٣)، وابن ماجه (٢٩٣٥)، والإمام أحمد (٢٤٠٢١)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٦٩١) كلّهم من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عائشة، فذكرته. قال ابن خزيمة: "وفي القلب منه". قلت: ويزيد بن أبي زياد وهو الهاشميّ مولاهم الكوفي، أهل العلم مطبقون على تضعيفه، وبه

стр. 3012

أعلّه المنذريّ في "مختصره". وأما قوله: ذكر شعبة ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين أنّ مجاهدًا لم يسمع من عائشة. وقال أبو حاتم الرازي: "مجاهد عن عائشة مرسل". فالصّحيح كما يقول المنذري: "قد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث مجاهد عن عائشة، وفيها ما هو ظاهر في سماعه منها" انتهى. قلت: وهو كما قال، بل قال العلائي: "وقد صرّح في غير حديث بسماعه منها". ولكن الصحيح عن عائشة ﵂ أنها كانت تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبًا مسّه ورس أو زعفران، ولا تتبرقع، ولا تلثم، وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت. موقوف عليها كما رواه البيهقي (٥/ ٤٧). تمسّك بهذا الحديث جمهور أهل العلم منهم: مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، فقالوا: لها أن تسدل على وجهها من فوق رأسها إذا احتاجت إلى ذلك عند مرور الرّجال، إلّا أن أصحاب الشافعي اشترطوا أن يكون الثوب متجافيًا عن وجهها بحيث لا يصيب البشرة. إلا أن تحقّق هذا الشرط لا يمكن؛ لأن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة. وأما ما رُوي عن ابن عمر: "إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه" فهو موقوف عليه. رواه الدارقطني (٢٧٦١)، والبيهقي (٥/ ٤٧) من حديث حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. وكذلك رواه الدّارورديّ وغيره موقوفًا عليه. ورواه أيوب بن محمد أبو الجمل، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: "ليس على المرأة إحرام إلا في وجهها". ومن طريقه رواه الدارقطني (٢٧٦٠). قال أبو أحمد بن عدي: "لا أعلم يرفعه عن عبيد الله غير أبي الجمل هذا". وقال البيهقي: "أيوب بن محمد أبو الجمل ضعيف عند أهل العلم بالحديث، فقد ضعّفه يحيى بن معين وغيره. وقد روي هذا الحديث من وجه آخر مجهول عن عبيد الله بن عمر مرفوعًا، والمحفوظ موقوف" انتهى. وذكره الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢١٩) وعزاه إلى الطبراني في الكبير والأوسط، وعلّله بأيوب بن محمد اليماميّ (وهو أبو الجمل) فقال: "هو ضعيف". ٨ - باب في جواز غسل المحرم شعر رأسه • عن إبراهيم بن عبد الله بن حُنَيْن، عَنْ أَبِيه: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسِ وَالْمِسْوَرَ ابْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ. وَقَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: لا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأُسَهُ. قَال: فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيّ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ -وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ- فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَال: مَنْ

стр. 3013

هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حُنَيْنٍ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ قَالَ: فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ثُمَّ قَال لإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ثُمَّ قَال: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ. متفق عليه: رواه مالك في الحج (٤) عن زيد بن أسلم، عن إبراهيم بن عبد الله بن حسين، به. رواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٤٠)، ومسلم في الحج (١٢٠٥) كلاهما من طريق مالك، به. ٩ - باب ما جاء في التلبيد • عن حفصة أمّ المؤمنين أنها قالت لرسول الله ﷺ : ما شأن النّاس حلُّوا ولم تَحْلِل أنتَ من عمرتك؟ فقال: "إنّي لبّدتُ رأسي، وقلّدتُ هدي، فلا أَحِلُّ حتى أنحر". متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٨٠) عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة، به. ورواه البخاريّ في الحجّ (١٥٦٦)، ومسلم في الحج (١٢٢٩) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. وتلبيد الشّعر قد يكون بالصمغ، وقد يكون بالعسل، وإنما يفعل ذلك بالشعر ليجتمع ويتلبّد، فلا يتخلله الغبار، ولا يصيبه الشعث، ولا يقع فيه الدبيب. قاله الخطابيّ. • عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يُهلُّ ملبِّدًا. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٤٠)، ومسلم في الحج (١١٨٤: ٢١) كلاهما من طريق ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، به. ولفظهما سواء. وزاد مسلم كلمات التلبية. وأما ما رواه أبو داود (١٧٤٨) من طريق محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر: "أنّ النبيّ ﷺ لبّد رأسه بالعسل". ففيه محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن ولم يصرح، ولم أجد من تابعه على ذلك. ١٠ - باب في جواز الحجامة للمحرم • عن عبد الله بن عباس، أنّ النبيّ ﷺ احتجم وهو محرم. متفق عليه: رواه مسلم في الحج (١٢٠٢) من وجوه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو (هو ابن دينار)، عن طاوس وعطاء، عن ابن عباس، به. ورواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٣٥) من طريق سفيان، قال: قال عمرو: أول شيء سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عباس (فذكره). قال: ثم سمعته يقول: حدثني طاوس، عن ابن عباس. فقلت: لعله سمعه منهما.

стр. 3014

• عن ابن بُحينة، أنّ النبيّ ﷺ احتجم بطريق مكة وهو محرم، وسط رأسه. متفق عليه: رواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٣٦)، ومسلم في الحج (١٢٠٣) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، عن علقمة بن أبي علقمة، عن عبد الرحمن الأعرج، عن ابن بحينة، به. واللفظ لمسلم. ولفظ البخاري بنحوه إلا أنه قال: "بلَحْيِ جَمل" بدل "بطريق مكة". ولحي جمل موضع بطريق مكة. قال الحافظ: "ووهم من ظنّه فكي الجمل الحيوان المعروف، وأنه كان آلة الحجم" الفتح (٤/ ٥١). وابن بحينة نسب إلى أمّه واسمه: عبد الله بن مالك. • عن أنس، أنّ رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به. صحيح: رواه أبو داود (١٨٣٧)، والنسائي (٢٨٤٩)، والترمذي في الشمائل (٣٥٨) كلّهم من حديث عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس، فذكره. ومن هذ الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (١٢٦٨٢) وصحّحه ابن خزيمة (٢٦٥٩)، وابن حبان (٣٩٥٢)، والحاكم (١/ ٤٣٥) وقال: صحيح على شرط الشيخين. ولكنه أعلّه أبو داود فقال: سمعت أحمد قال: "ابن أبي عروبة أرسله -يعني عن قتادة-". قلت: معمر من أصحاب قتادة المعروفين، وإن كان ابن أبي عروبة أحفظ من معمر، فإرساله لا يعلل من أسنده إما لزيادة الثقة، أو لعل قتادة نفسه يروي على الوجهين. وقوله: "على ظهر القدم" يحمل على التعدد كما هو معروف في مثل هذه الحالة، وإليه جنح ابن خزيمة، وعليه فلا تعارض بين حديثي ابن عباس وأنس. في حين أبهمه معتمر بن سليمان فإنه قال: سمعت حميدًا قال: سئل أنس عن الحجامة للمحرم، فقال: "احتجم رسول الله ﷺ من وجع كان به". رواه الإمام أحمد (١٣٨١٦) عن علي بن عبد الله، حدّثنا معتمر، فذكره. ولكن رواه ابن خزيمة (٢٦٥٨) عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، ثنا المعتمر وقال فيه: "من وجع وجده في رأسه". فرجع الحديث إلى حديث ابن عباس. • عن جابر بن عبد الله: "أنّ رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم من وَثْي كان بوركهـ أو ظهره". حسن: رواه أحمد (١٤٢٨٠، ١٤٨٥٧) من طرق عن هشام، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، فذكره. ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا أبو داود (٣٨٦٣) وصحّحه ابن خزيمة (٢٦٦٠) إلّا أن أبا داود لم يذكر قوله: "وهو محرم". ورواه ابن ماجه (٣٠٨٢) من وجه آخر عن ابن خُثيم، عن أبي الزبير، بإسناده وفيه: "أنّ النبيّ

стр. 3015

- ﷺ احتجم وهو محرم عن رهصة أخذته"، أي الوهن. وإسناده حسن من أجل أبي الزبير. قوله: "وَثْي" وقيل: "وَثْء" - بفتح الواو، وسكون الثاء، وآخره همزة، وهو: وجع يصيب اللحم، ولا يبلغ العظم. فقه الباب: لم يكره أحدٌ من أهل العلم الحجامة للمحرم، إن احتجم من موضع لا شعر فيه، وإن احتجم في موضع الشعر وقطعه فله أن يحتجم إلا أنه يفتدي، هذا هو رأي الجمهور من أهل العلم، منهم أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق وغيرهم. وقال مالك: لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة لا بد منها. ١١ - باب في جواز حلق المحرم رأسه إذا كان به أذى مع وجوب الفدية قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦]. • عن كعب بن عجرة، قال: أَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي! فَقَال: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ ". قُلْتُ: نَعَم. قَال: "فَاحْلِقْ وَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّام، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَو انْسُكْ نَسيِكَةً". قَالَ أَيُّوب: لا أَدْرِي بِأَيِّ هَذَا بَدَأَ. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٩٠)، ومسلم في الحج (١٢٠١: ٨٠) كلاهما من طريق حماد بن زيد، حدّثنا أيوب، قال: سمعت مجاهدًا، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، به، واللّفظ للبخاريّ. ورواه البخاريّ في المغازي (٤١٩١) من طريق ورقاء أبي بشر، عن مجاهد، به، عن كعب بن عجرة، قال: "كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية ونحن محرمون ... ". • عن كعب بن عجرة، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال لَهُ: "لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ؟ ". فَقُلْت: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَو انْسُكْ بِشَاةٍ". متفق عليه: رواه مالك في الحج (٢٣٨) عن حُميد بن قيس، عن مجاهد أبي الحجّاج، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، فذكره. ورواه البخاريّ في المحصر (١٨١٤) عن عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، به مثله. ورواه البخاري (١٨١٥)، ومسلم (١٢٠١) كلاهما من حديث سيف (وهو ابن سليمان)، عن مجاهد، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى، أن كعب بن عجرة حدّثه، قال: وقف عليَّ رسول
следующие страницы →