Полный текст (8 687 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ كَانَ رَخَّص لِلنِّسَاءِ فِي الْخُفَّيْنِ فَتَرَك ذلك.
حسن: رواه أبو داود (١٨٣١) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا ابن أبي عدي، عن محمد بن إسحاق، قال: ذكرت لابن شهاب فقال: حدثني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر كان يصنع ذلك، فذكره.
ورواه الإمام أحمد (٤٨٣٦) عن محمد بن أبي عدي، بإسناده، مثله.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق لأنه صرّح بسماعه من الزهري.
ورواه الشافعي عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه كان يُفتي النساء إذا أحرمن أن يقطعن الخفين حتى أخبرته صفية، عن عائشة، أنها تفتي النساء أن لا يقطعن، فانتهى عنه. "الأم" (٢/ ١٤٧) وعنه أخرجه البيهقيّ (٥/ ٥٢).
٧ - باب إباحة تغطية المحرمة وجهها من الرّجال
• عن فاطمة بنت المنذر قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصّديق.
صحيح: رواه مالك في الحج (١٨) عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، فذكرته. وإسناده صحيح.
قلت: وفعلهن هذا بحضرة أسماء بنت أبي بكر مشعر بأنّ هذا العمل كان مستمرًا من عهد النبيّ ﷺ كما تدل عليه الرواية التالية.
فقد رواه إبراهيم بن حميد، حدّثنا هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، قالت: "كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك". رواه ابن خزيمة (٢٦٩٠) من هذا الوجه.
ورواه الحاكم (١/ ٤٥٤) من وجه آخر عن علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: "كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نتمشط قبل ذلك في الإحرام".
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبيّ.
وأمّا ما رُوي عن عائشة، قالت: "كنا مع النبيّ ﷺ ونحن محرمون، فإذا لقينا الرّاكب أسدلْنا ثيابَنا من فوق رؤوسنا، فإذا جاوزنا رفعناها"، فهو ضعيف.
رواه أبو داود (١٨٣٣)، وابن ماجه (٢٩٣٥)، والإمام أحمد (٢٤٠٢١)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٦٩١) كلّهم من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عائشة، فذكرته.
قال ابن خزيمة: "وفي القلب منه".
قلت: ويزيد بن أبي زياد وهو الهاشميّ مولاهم الكوفي، أهل العلم مطبقون على تضعيفه، وبه
стр. 3012
أعلّه المنذريّ في "مختصره".
وأما قوله: ذكر شعبة ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين أنّ مجاهدًا لم يسمع من عائشة. وقال أبو حاتم الرازي: "مجاهد عن عائشة مرسل".
فالصّحيح كما يقول المنذري: "قد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث مجاهد عن عائشة، وفيها ما هو ظاهر في سماعه منها" انتهى.
قلت: وهو كما قال، بل قال العلائي: "وقد صرّح في غير حديث بسماعه منها".
ولكن الصحيح عن عائشة ﵂ أنها كانت تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبًا مسّه ورس أو زعفران، ولا تتبرقع، ولا تلثم، وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت. موقوف عليها كما رواه البيهقي (٥/ ٤٧).
تمسّك بهذا الحديث جمهور أهل العلم منهم: مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، فقالوا: لها أن تسدل على وجهها من فوق رأسها إذا احتاجت إلى ذلك عند مرور الرّجال، إلّا أن أصحاب الشافعي اشترطوا أن يكون الثوب متجافيًا عن وجهها بحيث لا يصيب البشرة.
إلا أن تحقّق هذا الشرط لا يمكن؛ لأن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة.
وأما ما رُوي عن ابن عمر: "إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه" فهو موقوف عليه.
رواه الدارقطني (٢٧٦١)، والبيهقي (٥/ ٤٧) من حديث حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. وكذلك رواه الدّارورديّ وغيره موقوفًا عليه.
ورواه أيوب بن محمد أبو الجمل، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: "ليس على المرأة إحرام إلا في وجهها". ومن طريقه رواه الدارقطني (٢٧٦٠).
قال أبو أحمد بن عدي: "لا أعلم يرفعه عن عبيد الله غير أبي الجمل هذا". وقال البيهقي: "أيوب بن محمد أبو الجمل ضعيف عند أهل العلم بالحديث، فقد ضعّفه يحيى بن معين وغيره. وقد روي هذا الحديث من وجه آخر مجهول عن عبيد الله بن عمر مرفوعًا، والمحفوظ موقوف" انتهى.
وذكره الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢١٩) وعزاه إلى الطبراني في الكبير والأوسط، وعلّله بأيوب بن محمد اليماميّ (وهو أبو الجمل) فقال: "هو ضعيف".
٨ - باب في جواز غسل المحرم شعر رأسه
• عن إبراهيم بن عبد الله بن حُنَيْن، عَنْ أَبِيه: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسِ وَالْمِسْوَرَ ابْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ. وَقَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: لا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأُسَهُ. قَال: فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيّ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ -وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ- فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَال: مَنْ
стр. 3013
هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حُنَيْنٍ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ قَالَ: فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ثُمَّ قَال لإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ثُمَّ قَال: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ.
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٤) عن زيد بن أسلم، عن إبراهيم بن عبد الله بن حسين، به.
رواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٤٠)، ومسلم في الحج (١٢٠٥) كلاهما من طريق مالك، به.
٩ - باب ما جاء في التلبيد
• عن حفصة أمّ المؤمنين أنها قالت لرسول الله ﷺ : ما شأن النّاس حلُّوا ولم تَحْلِل أنتَ من عمرتك؟ فقال: "إنّي لبّدتُ رأسي، وقلّدتُ هدي، فلا أَحِلُّ حتى أنحر".
متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٨٠) عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة، به.
ورواه البخاريّ في الحجّ (١٥٦٦)، ومسلم في الحج (١٢٢٩) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
وتلبيد الشّعر قد يكون بالصمغ، وقد يكون بالعسل، وإنما يفعل ذلك بالشعر ليجتمع ويتلبّد، فلا يتخلله الغبار، ولا يصيبه الشعث، ولا يقع فيه الدبيب. قاله الخطابيّ.
• عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يُهلُّ ملبِّدًا.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٤٠)، ومسلم في الحج (١١٨٤: ٢١) كلاهما من طريق ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، به. ولفظهما سواء. وزاد مسلم كلمات التلبية.
وأما ما رواه أبو داود (١٧٤٨) من طريق محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر: "أنّ النبيّ ﷺ لبّد رأسه بالعسل". ففيه محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن ولم يصرح، ولم أجد من تابعه على ذلك.
١٠ - باب في جواز الحجامة للمحرم
• عن عبد الله بن عباس، أنّ النبيّ ﷺ احتجم وهو محرم.
متفق عليه: رواه مسلم في الحج (١٢٠٢) من وجوه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو (هو ابن دينار)، عن طاوس وعطاء، عن ابن عباس، به.
ورواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٣٥) من طريق سفيان، قال: قال عمرو: أول شيء سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عباس (فذكره).
قال: ثم سمعته يقول: حدثني طاوس، عن ابن عباس. فقلت: لعله سمعه منهما.
стр. 3014
• عن ابن بُحينة، أنّ النبيّ ﷺ احتجم بطريق مكة وهو محرم، وسط رأسه.
متفق عليه: رواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٣٦)، ومسلم في الحج (١٢٠٣) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، عن علقمة بن أبي علقمة، عن عبد الرحمن الأعرج، عن ابن بحينة، به. واللفظ لمسلم.
ولفظ البخاري بنحوه إلا أنه قال: "بلَحْيِ جَمل" بدل "بطريق مكة". ولحي جمل موضع بطريق مكة.
قال الحافظ: "ووهم من ظنّه فكي الجمل الحيوان المعروف، وأنه كان آلة الحجم" الفتح (٤/ ٥١). وابن بحينة نسب إلى أمّه واسمه: عبد الله بن مالك.
• عن أنس، أنّ رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به.
صحيح: رواه أبو داود (١٨٣٧)، والنسائي (٢٨٤٩)، والترمذي في الشمائل (٣٥٨) كلّهم من حديث عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس، فذكره.
ومن هذ الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (١٢٦٨٢) وصحّحه ابن خزيمة (٢٦٥٩)، وابن حبان (٣٩٥٢)، والحاكم (١/ ٤٣٥) وقال: صحيح على شرط الشيخين.
ولكنه أعلّه أبو داود فقال: سمعت أحمد قال: "ابن أبي عروبة أرسله -يعني عن قتادة-".
قلت: معمر من أصحاب قتادة المعروفين، وإن كان ابن أبي عروبة أحفظ من معمر، فإرساله لا يعلل من أسنده إما لزيادة الثقة، أو لعل قتادة نفسه يروي على الوجهين.
وقوله: "على ظهر القدم" يحمل على التعدد كما هو معروف في مثل هذه الحالة، وإليه جنح ابن خزيمة، وعليه فلا تعارض بين حديثي ابن عباس وأنس. في حين أبهمه معتمر بن سليمان فإنه قال: سمعت حميدًا قال: سئل أنس عن الحجامة للمحرم، فقال: "احتجم رسول الله ﷺ من وجع كان به".
رواه الإمام أحمد (١٣٨١٦) عن علي بن عبد الله، حدّثنا معتمر، فذكره. ولكن رواه ابن خزيمة (٢٦٥٨) عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، ثنا المعتمر وقال فيه: "من وجع وجده في رأسه".
فرجع الحديث إلى حديث ابن عباس.
• عن جابر بن عبد الله: "أنّ رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم من وَثْي كان بوركهـ أو ظهره".
حسن: رواه أحمد (١٤٢٨٠، ١٤٨٥٧) من طرق عن هشام، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، فذكره.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا أبو داود (٣٨٦٣) وصحّحه ابن خزيمة (٢٦٦٠) إلّا أن أبا داود لم يذكر قوله: "وهو محرم".
ورواه ابن ماجه (٣٠٨٢) من وجه آخر عن ابن خُثيم، عن أبي الزبير، بإسناده وفيه: "أنّ النبيّ
стр. 3015
- ﷺ احتجم وهو محرم عن رهصة أخذته"، أي الوهن.
وإسناده حسن من أجل أبي الزبير.
قوله: "وَثْي" وقيل: "وَثْء" - بفتح الواو، وسكون الثاء، وآخره همزة، وهو: وجع يصيب اللحم، ولا يبلغ العظم.
فقه الباب:
لم يكره أحدٌ من أهل العلم الحجامة للمحرم، إن احتجم من موضع لا شعر فيه، وإن احتجم في موضع الشعر وقطعه فله أن يحتجم إلا أنه يفتدي، هذا هو رأي الجمهور من أهل العلم، منهم أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق وغيرهم. وقال مالك: لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة لا بد منها.
١١ - باب في جواز حلق المحرم رأسه إذا كان به أذى مع وجوب الفدية
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦].
• عن كعب بن عجرة، قال: أَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي! فَقَال: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ ". قُلْتُ: نَعَم. قَال: "فَاحْلِقْ وَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّام، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَو انْسُكْ نَسيِكَةً". قَالَ أَيُّوب: لا أَدْرِي بِأَيِّ هَذَا بَدَأَ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٩٠)، ومسلم في الحج (١٢٠١: ٨٠) كلاهما من طريق حماد بن زيد، حدّثنا أيوب، قال: سمعت مجاهدًا، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، به، واللّفظ للبخاريّ.
ورواه البخاريّ في المغازي (٤١٩١) من طريق ورقاء أبي بشر، عن مجاهد، به، عن كعب بن عجرة، قال: "كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية ونحن محرمون ... ".
• عن كعب بن عجرة، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال لَهُ: "لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ؟ ". فَقُلْت: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَو انْسُكْ بِشَاةٍ".
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٢٣٨) عن حُميد بن قيس، عن مجاهد أبي الحجّاج، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، فذكره.
ورواه البخاريّ في المحصر (١٨١٤) عن عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، به مثله.
ورواه البخاري (١٨١٥)، ومسلم (١٢٠١) كلاهما من حديث سيف (وهو ابن سليمان)، عن مجاهد، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى، أن كعب بن عجرة حدّثه، قال: وقف عليَّ رسول
стр. 3016
الله ﷺ بالحديبية، ورأسي يتهافت قملًا! فقال: "يؤذيك هوامك؟ " قلت: نعم. قال: "فأحلق رأسك" أو قال: "احلق". قال: فيَّ نزلت هذه الآية (فذكر الآية). فقال النبيّ ﷺ : "صم ثلاثة أيام، أو تصدّق بفرق بين ستة، أو انسك بما تيسر".
ورواه البخاريّ في التفسير (٤٥١٧)، ومسلم في الحج (١٢٠١: ٨٥) من طريق شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهانيّ، قال: سمعت عبد الله بن معقل، قال: قعدت إلى كعب بن عُجْرة في هذا المسجد -يعني مسجد الكوفة-، فسألته عن ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ فقال: حُملتُ إلى النبيّ ﷺ والقملُ يتناثر على وجهي، فقال: "ما كنتُ أرى أنَّ الجهد قد بلغ بك هذا، أما تجدُ شاة؟ " قلت: لا، قال: "صُمْ ثلاثةَ أيام، أو أطعم ستّة مساكين لكلّ مسكين نصف صاع من طعام، وأحلق رأسك". فنزلت فيَّ خاصة، وهي لكم عامة.
وأمّا ما رواه مالك في الحج (٢٥٢) عن عبد الكريم بن مالك الجزريّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، أنه كان مع رسول الله ﷺ محرمًا، فأذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق رأسه وقال: "صُمْ ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، مدين مدين لكل إنسان أو انسك بشاة، أي ذلك فعلت أجزأ عنك". ففيه انقطاع بين عبد الكريم بن مالك وبين عبيد الرحمن بن أبي ليلى.
هكذا رواه يحيى عن مالك بإسقاط مجاهد بينهما.
قال ابن عبد البر: "وتابعه أبو المصعب، وابن بكير، والقعنبي، ومطرف، والشافعي، ومعن بن عيسي، وسعيد بن عفير، وعبد الله بن يوسف التنيسي، ومصعب الزبيري، ومحمد بن المبارك الصوريّ كلّ هؤلاء رووه عن مالك كما رواه يحيى، لم يذكروا مجاهدًا في إسناد هذا الحديث.
ورواه ابن وهب، وابن القاسم، ومكي بن إبراهيم عن مالك عن عبد الكريم الجزريّ، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة".
وقال: "الصّواب في إسناد هذا الحديث قول من جعل فيه مجاهدًا بين عبد الكريم، وبين ابن أبي ليلى، ومن أسقطه فقد أخطأ فيه. وزعم الشافعي أن مالكًا هو الذي وهم فيه" انتهى. انظر: التمهيد (٢٠/ ٦٢).
رواه البيهقيّ (٥/ ٥٥) من طريق الحسين بن الوليد، ثنا مالك بن أنس، عن عبد الكريم الجزريّ، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، فذكره.
قال البيهقيّ: "جوّده الحسين بن الوليد النيسابوريّ، عن مالك. وكذلك رواه ابن وهب عن مالك. ورواه جماعة عن مالك دون ذكر مجاهد في إسناده، وذكر الشعير في رواية الحسين بن الوليد دون غيره".
وقد ذهب مالك إلى هذا الخيار الذي في حديث عبد الكريم، فقال: "كلّ شيء في كتاب الله
стр. 3017
في الكفارات كذا أو كذا" فصاحبه مخير في ذلك أي شيء أحبّ أن يفعل ذلك فعل".
وقال: أما النسك فشاة، وأما الصيام فثلاثة أيام، وأما الطعام فيُطعم ستة مساكين، لكل مسكين مدان بمد النبيّ ﷺ " انتهى.
وانظر لمزيد من التفاصيل وأقوال أهل العلم في ذلك "المنة الكبرى" (٤/ ٤٤ - ٥٠).
وأما ما رُوي أنه ﷺ أمره أن يهدي بقرة فهو ضعيف.
رواه أبو داود (١٨٥٩) وفيه رجل لم يُسم كما أن فيه مخالفة للثقات الذين نصُّوا على الشّاة أو على ما تيسَّر.
١٢ - باب علاج المحرم
• عَنْ نُبَيْهِ بن وَهْبٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَلَلٍ اشْتَكَي عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ عَيْنَيْهِ، فَلَمَّا كُنَّا بِالرَّوْحَاءِ اشْتَدَّ وَجَعُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يَسْأَلُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَن اضْمِدْهُمَا بِالصَّبِرِ فَإِنَّ عُثْمَانَ ﵁ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الرَّجُلِ إِذَا اشْتَكَي عَيْنَيْهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ ضَمَّدَهُمَا بِالصَّبِرِ.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٠٤) من طريق سفيان بن عيينة وعبد الوارث بن سعيد -فرقهما-، عن أيوب بن موسي، حدّثني نبيه بن وهب، به.
والصَّبِر: عُصارة شجر مُرٍّ مفرده صَبرة، والجمع: صُبور.
قال الترمذي: "العمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون بأسًا أن يتداوى المحرم بدواء ما لم يكن فيه طيب".
١٣ - باب في جواز اشتراط المحرم على ربّه التّحلّل بعذر المرض ونحوه
• عن عائشة، قالت: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ لَهَا: "لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ؟ ". قَالَت: وَاللهِ، لا أَجِدُني إِلا وَجِعَةً. فَقَالَ لَهَا: "حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ! مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي". وَكَانَتْ تَحْتَ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في النكاح (٥٠٨٩)، ومسلم في الحج (١٢٠٧: ١٠٤) كلاهما من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عائشة، فذكرته، ولفظهما سواء.
قوله: "مَحِلِّي" بكسر الحاء، اسم مكان بمعني موضع التحلل من الإحرام.
وهذا الحديث لم يبلغ الشّافعيَّ إلا مرسلًا كما رواه في "الأم" (٢/ ١٥٨) عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنّ رسول الله ﷺ مرّ بضباعة بنت الزبير، فقال لها: "أما تريدين الحجّ؟ "
стр. 3018
فذكر الحديث.
قال الشافعيّ: "ولو ثبت حديث عروة عن النبيّ ﷺ في الاستثناء لم أعده إلى غيره لأنه لا يحلُّ عندي خلاف ما ثبت عن رسول الله ﷺ ".
وكذلك رواه ابن ماجه (٢٩٣٧) من طريق وكيع، عن هشام بإسناده مرسلًا.
وعلّق البيهقيّ (٥/ ٢٢١) على كلام الشافعيّ بقوله: "قد ثبت الحديث من أوجه عن النبيّ ﷺ . أما حديث ابن عيينة عن هشام فقد روي موصولًا".
ثم رواه من طريق الدارقطني، ثنا ابن صاعد، ثنا عبد الجبار بن العلاء، ثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، فذكر الحديث.
وقال: وقد وصله أبو أسامة حماد بن أسامة، ومعمر بن راشد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، فذكره. وحديث أبي أسامة في الصحيحين كما رأيت.
وضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب هي ابنة عمّ النبيّ ﷺ ، وقد تنسب إلى جدّها عبد المطلب، وهي زوجة المقداد بن الأسود، ولم يكن للزبير بن عبد المطلب عقب إلّا من ضباعة.
• عن ابن عباس، أَنَّ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵂ أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَت: إِنِّي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةٌ وَإِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَال: "أَهِلِّي بِالْحَجِّ وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي". قَال: فَأَدْرَكَتْ.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٠٨) من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع طاوسًا وعكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، به.
قوله: "فأدركتْ" أي أدركت الحجَّ ولم تتحلّل حتى فرغت منه.
وفي الحديث دليل على أن المحصر يحل حيث يُحبس وينحر بدنه هناك حرمًا كان أو حلًا، وكذلك فعل رسول الله ﷺ في عام الحديبية حين أحصر فنحر هديه وحلّ.
• عن ضُباعة بنت الزّبير، أنّ النبيّ ﷺ قال لها: "حجّي واشترطي".
حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (٢٤/ ٣٣٦)، والبيهقي (٥/ ٢٢٢) كلاهما من حديث سليمان ابن كثير، عن حميد الطويل، عن زينب بنت نبيط امرأة أنس بن مالك، عن ضباعة، فذكرته.
وفيه سليمان بن كثير العبديّ مختلف فيه غير أنه لا بأس به في غير الزهريّ وهو هنا كذلك.
ورواه الإمام أحمد (٢٧٣٥٨) عن الضحاك بن مخلد، عن حجاج الصواف، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ضباعة قالت: قال رسول الله ﷺ : "أحرمي وقولي: إنّ مَحِلِّي حيث تحبسني. فإن حُبست أو مرضت فقد أحللتِ من ذلك شرطك على ربِّك ".
ورواه غيره فأدخل بين عكرمة وبين ضباعة "ابن عباس" كما مضى، وكذلك رواه أيضًا البيهقيّ (٥/ ٢٢٢)
стр. 3019
عن عباد، عن الحجاج الصواف بذكر ابن عباس.
• عن أسماء بنت أبي بكر أو سُعدي بنت عوف أنّ رسول الله ﷺ دخل على ضباعة بنت عبد المطلب، فقال: "ما يمنعك يا عمّتاه من الحج؟ " فقالت: أنا امرأة سقيمة، وأنا أخاف الحبس. قال: "فأحرمي واشترطي أنّ محِلَّكِ حيث حُبسْت".
حسن: رواه ابن ماجه (٢٩٣٦) من طريقين عن عبد الله بن نمير، حدّثنا عثمان بن حكيم، عن أبي بكر بن عبد الله بن الزبير، عن أسماء بنت أبي بكر أو سعدي بنت عوف قالت: فذكرته.
ورواه الإمام أحمد (٢٦٩٥٣) من هذا الوجه.
وإسناده حسن من أجل أبي بكر بن عبد الله بن الزبير، روى عنه اثنان؛ ولحديثه أصل ثابت، فيحسن حديثه إلا أن قوله: "يا عمتاه" خطأ، والصواب أنها كانتْ ابنة عمه الزبير.
• عن جابر أن رسول الله ﷺ قال لضباعة بنت الزبير: "حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني"
حسن: رواه الطبراني في الأوسط (٢٥٤٧)، والبيهقي (٥/ ٢٢٢) كلاهما من طرقٍ عن أبي الزبير، عن جابر قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي الزبير فإنه حسن الحديث.
وفي الباب أيضًا ما روي عن أمّ سلمة أيضًا.
رواه الإمام أحمد (٢٦٥٩٠). وفيه محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن.
فقه الحديث:
قال الترمذيّ عقب حديث ابن عباس (٣/ ٢٧٠): "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، يرون الاشتراط في الحج ويقولون: إن اشترط فعرض له مرض أو عذر، فله أن يحل ويخرج من إحرامه.
وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، ولم ير بعض أهل العلم الاشتراط في الحج". ولم يسمهم.
وكان ممن ينكر الاشتراط في الحج عبد الله بن عمر، وكان يقول: "أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ إنْ حُبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلّ من كلّ شيء حتى يحجّ عامًا قابلًا، فيُهدي أو يصوم إن يجد هديًا".
رواه البخاري في الحج (١٨١٠) عن أحمد بن محمد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس، عن الزهري، قال: أخبرني سالم قال: كان عبد الله بن عمر يقول (فذكره).
قال البيهقيّ (٥/ ٢٢٣): "ولو بلغه حديث ضباعة بنت الزبير لصار إليه، ولم ينكر الاشتراط كما لم ينكره أبوه".
وفائدة الاشتراط أن مَنْ حُبس بمرض أو غيره يحل حيث ما حُبس فإن كان معه هدي يُذبح، وإن
стр. 3020
لم يكن معه هدي فلا شيء عليه، إلّا إن كان حجّه حجّة الإسلام فعليه حجة قابلة، وبه قال الحنابلة.
قال أبو داود في "المسائل" (ص ١٢٣): سمعت أحمد سُئل عمن اشترط في الحج ثم أُحصر؟ قال: ليس عليه شيء. ثم ذكر أحمد قول الذي قال: كانوا يشترطون ولا يرونه شيئًا! قال: كلام منكوس، أراد أن يحسِّن ردّ حديث النبيّ ﷺ لقول ضباعة: "قولي: محلي حيث حبستني". انظر للمزيد "المنة الكبرى" (٤/ ٣٧٢).
١٤ - باب ما يحلّ للمحرم أكله من الصّيد وما لا يحلّ
• عن الصّعب بن جثّامة اللّيثيّ، أَنَّهُ أَهْدَى لِرُسُولِ اللهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأبْوَاءِ أو بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ قال: فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا فِي وَجْهِي. قَال: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلا أَنَّا حُرُمٌ".
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٨٣) عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، عن الصعب بن جثامة، به.
ورواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٢٥)، ومسلم في الحج (١١٩٣) كلاهما من طريق مالك، به, مثله.
وبوّب له البخاري بقوله: "إذا أهدي للمحرم حمارًا وحشيًا حيًّا لم يقبل".
قال الترمذي عقب إخراج الحديث من طريق الزهري: "وقد روى بعض أصحاب الزهري عن الزهري هذا الحديث وقال: أهدى له لحم حمار وحش، وهو غير محفوظ".
قلت: وكذلك قال الشافعي كما سيأتي.
• عن عبد الله بن عباس، قال: أَهْدَى الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حِمَارَ وَحْشٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَال: "لَوْلا أَنَّا مُحْرِمُونَ لَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١١٩٤) من طرق، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
وفي رواية: "رجْل حمار وحْش".
وفي رواية: "عجز حمار وحش يقطر دمًا".
وفي رواية: "شقُّ حمار وحش".
قال الشافعي: وحديث مالك أن الصّعب أهدى للنبيّ ﷺ حمارًا أثبت من حديث من حدّث أنه أهدي له من لحم حمار".
وأما ما روي عن يحيى بن سليمان الجعفي، قال: حدثني ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضّمريّ، عن أبيه، أنّ الصّعب بن جثّامة أهدي
стр. 3021
للنبيّ ﷺ عجز حمار وحشي، وهو بالجحفة فأكل منه، وأكل القوم" فهو منكر.
رواه البيهقي (٥/ ١٩٣) من هذا الوجه.
ويحيى بن سليمان الجعفي مختلف فيه، فقال أبو حاتم: "شيخ"، وقال الدارقطني: "ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات.
ولكن قال النسائي: ليس بثقة، والراوي عنه يحيى بن أيوب، وهو الغافقي قال النسائي: ليس بذاك القوي، وقال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال أحمد: يخطئ خطأ كبيرًا. وكذّبه مالك في حديثين.
ولذا قال ابن التركماني بعد أن نقل أقوال أهل العلم فيهما: "فعلي هذا لا يشتغل بتأويل هذا الحديث لأجل سنده، ولمخالفته للحديث الصحيح. وقول البيهقي: وقبل اللحم. يردّه ما في الصحيح أنه ﵇ ردّه" انتهى كلام ابن التركمانيّ.
• عن ابن عباس، قال: قَدِمَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ -يَسْتَذْكِرُهُ-: كَيْفَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ أُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ حَرَامٌ؟ قَال: قَال: أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ فَرَدَّهُ فَقَال: "إِنَّا لا نَأْكُلُهُ إِنَّا حُرُمٌ".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١١٩٥) عن زهير بن حرب، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، أخبرني الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن عبد الله بن عباس قال: فذكره.
• عن عبد الرحمن بن عامر بن ربيعة، قال: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعْرَجِ وَهُوَ مُحْرِمُ فِي يَوْم صَائِفٍ قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةِ أُرْجُوَانٍ، ثُمَّ أُتِيَ بِلَحْمٍ صَيْدٍ فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: كُلُوا، فَقَالُوا: أَوَ لا تَأُكُلُ أَنْتَ؟ فَقَال: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي.
صحيح: رواه مالك في الحج (٨٧) عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الرحمن بن عامر بن ربيعة، فذكره.
قال مالك: "في الرجل المحرم يصاد من أجله صيد، فيصنع له ذلك الصيد، فيأكل منه وهو يعلم أنه من أجله صيد، فإن عليه جزاء ذلك الصيد كله".
• عن عبد الله بن الحارث -وَكَانَ الْحَارِثُ، خَلِيفَةُ عُثْمَانَ عَلَى الطَّائِفِ -فَصَنَعَ لِعُثْمَانَ طَعَامًا فِيهِ مِنَ الْحَجَلِ وَالْيَعَاقِيبِ وَلَحْمِ الْوَحْشِ، قَالَ: فَبَعَثَ إِلَى عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَجَاءَهُ الرَّسُولُ وَهُوَ يَخْبِطُ لأَبَاعِرَ لَهُ، فَجَاءَهُ وَهُوَ يَنْفُضُ الْخَبَطَ عَنْ يَدِهِ. فَقَالُوا لَهُ: كُلْ، فَقَال: أَطْعِمُوهُ قَوْمًا حَلَالًا؛ فَإنّا حُرُمٌ. فَقَالَ: عَلِيٌّ ﵁: أَنْشُدُ اللَّهَ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ أَشْجَعَ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهْدَى إِلَيْهِ رَجُلٌ حِمَارَ وَحْشٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
حسن: رواه أبو داود (١٨٤٩) عن محمد بن كثير، حدّثنا سليمان بن كثير، عن حميد الطويل،
стр. 3022
عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي، عن أبيه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل سليمان بن كثير العبدي البصري فإنه مختلف فيه غير أنه يُقبل في غير الزهري، وقد توبع ..
وهو ما رواه أحمد (٧٨٣)، والبزار -كشف الأستار (١١٠٠) - مطوّلًا من طريق سليمان بن المغيرة، عن علي بن زيد، حدّثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي، قال: كان أبي الحارث على أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ مَكَّةَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، فَأَقْبَلَ عُثْمَانُ ﵁ إِلَى مَكَّةَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ: فَاسْتَقْبَلْتُ عُثْمَانَ بِالنُّزُلِ بِقُدَيْدٍ فَاصْطَادَ أَهْلُ الْمَاءِ حَجَلا فَطَبَخْنَاهُ بِمَاءٍ وَمِلْحٍ فَجَعَلْنَاهُ عُرَاقًا لِلثَّرِيدِ فَقَدَّمْنَاهُ إِلَى عُثْمَانَ وَأَصْحَابِهِ فَأَمْسَكُوا، فَقَالَ عُثْمَانُ: صَيْدٌ لَمْ أَصْطَدْهُ وَلَمْ آمُرْ بِصَيْدِهِ، اصْطَادَهُ قَوْمٌ حِلٌّ فَأَطْعَمُونَاهُ، فَمَا بَأْسٌ، فَقَالَ عُثْمَانُ: مَنْ يَقُولُ فِي هَذَا؟ فَقَالُوا: عَلِيٌّ، فَبَعَثَ إِلَى عَلِيٍّ ﵁ فَجَاءَ -قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَلِيٍّ حِينَ جَاءَ وَهُوَ يَحُتُّ الْخَبَطَ عَنْ كَفَّيْهِ-، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: صَيْدٌ لَمْ نَصْطَدْهُ وَلَمْ نَأُمُرْ بِصَيْدِهِ، اصْطَادَهُ قَوْمٌ حِلٌّ، فَأَطْعَمُونَاهُ، فَمَا بَأْسٌ؟ قَالَ: فَغَضِبَ عَلِيٌّ، وَقَالَ: أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلا شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أُتِيَ بِقَائِمَةِ حِمَارِ وَحْشٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّا قَوْمٌ حُرُمٌ فَأَطْعِمُوهُ أَهْلَ الْحِلِّ". قَالَ: فَشَهِدَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: أُشْهِدُ اللَّهَ رَجُلا شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أُتِيَ بِبَيْضِ النَّعَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّا قَوْمٌ حُرُمٌ أَطْعِمُوهُ أَهْلَ الْحِلِّ". قَال: فَشَهِدَ دُونَهُمْ مِن الْعِدَّةِ مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ. قَال: فَثَنَى عُثْمَانُ وَرِكَهُ عَنِ الطَّعَامِ، فَدَخَلَ رَحْلَهُ وَأَكَلَ ذَلِكَ الطَّعَامَ أَهْلُ الْمَاءِ.
وعلي بن زيد هو ابن جدعان ضعيف، ولذا وقع في حديثه بعض المناكير.
وقد رواه أيضًا الإمام أحمد (٧٨٤)، وأبو يعلى (٣٥٦، ٤٢٣) من أوجه أخرى عن علي بن زيد بدون ذكر العدد الذي شهدوا.
وأما قول البزار: "وهذا أحسن ما يروى عن علي في هذا الباب" فإن كان يقصد به أحسن إسنادًا فالأمر ليس كذلك، فالذي رواه أبو داود قد يكون أحسن منه، وإن قصد به أصل الحديث فهو كما قال.
فقد رُوي عن علي بإسناد ضعيف أنه قال: "أتي النبيّ ﷺ بلحم صيد وهو محرم فلم يأكله".
رواه ابن ماجه (٣٠٩١) عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عمران بن محمد بن أبي ليلى، عن أبيه، عن عبد الكريم، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب، فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل محمد بن أبي ليلى، وشيخه عبد الكريم بن أبي المخارق وهما ضعيفان.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا عبد الله بن أحمد في زياداته على المسند (٨٣٠)، وأبو يعلى (٤٣٣).
وأعله البوصيري في "الزوائد" بعيد الكريم بن أبي المخارق.
وقوله: "الحَجَل" بالتحريك: الطائر المعروف، واحده حَجَلة.
стр. 3023
واليعاقيب: جمع يعقوب وهو ذكر الحجل.
والخبْط -بسكون الباء الموحدة-: ضرب الشجر بالعصا ليتناثر الورق لعلف الإبل.
وقوله: "أشجع" بسكون الشين المعجمة - وهو أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس من مضر، وهي بطن.
وفي الحديث إشارة إلى أن علي بن أبي طالب قد علم أن الحارث إنما اتخذ هذا الطعام من أجل عثمان ومن يحضر معه من أصحابه، فلم ير أن يأكله، ولا أحد ممن بحضرته.
• عن عائشة، قالت: أهدي لرسول الله ﷺ وشيقة ظبي وهو محرم، فلم يأكله.
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٥٨٨٢) عن عبد الرزاق -وهو في مصنفه (٨٣٢٤) - عن الثوريّ، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد، عن عائشة، فذكرته.
وإسناده صحيح. والحسن بن محمد هو ابن علي بن أبي طالب ووالده محمد هو المعروف بابن الحنفية.
وقيس بن مسلم هو الجدليّ من رجال الشيخين.
ولكن رواه الإمام أحمد (٢٤١٢٨)، وأبو يعلى (٤٦١٦) كلاهما من حديث سفيان، عن عبد الكريم، عن قيس بن مسلم الجدليّ، بإسناده مثله.
فأدخلا بين سفيان وقيس بن مسلم "عبد الكريم" وهو ابن أبي المخارق ضعيف.
ورواه أيضًا عبد الرزاق (٨٣٢٥) عن معمر، عن عبد الكريم، به.
وهي متابعة قوية لترجيح رواية سفيان عن عبد الكريم. ولكن يجوز أن يقال: لعلّ سفيان سمع أولًا عن عبد الكريم، عن قيس بن مسلم، ثم تيسّر له السماع من قيس بن مسلم مباشرة. ولم يتيسّر لمعمر فيكون كلاهما محفوظا إلّا أنّ الأول صحيح، والثاني ضعيف.
وصحّح الهيثميّ في المجمع (٣/ ٢٣٠) رجال أحمد دون رجال أبي يعلي.
وقوله: "وشيقة ظبي" والوشيقة أن يؤخذ اللّحم فيغلي قليلًا، وتحمل في الأسفار.
ولعلّ النبيّ ﷺ لم يأكله لأنه صيد له.
وفي الباب ما روي عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه، أو يُصد لكم".
رواه أبو داود (١٨٥١)، والترمذي (٨٤٦)، والنسائي (٢٨٢٧) كلهم عن قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب -الأسكندراني القاري-، عن عمرو، عن المطلب، عن جابر، فذكره.
قال الترمذي: "المطلب لا نعرف له سماعًا عن جابر".
وقال النسائي: "عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث، وإن كان قد روي عنه مالك".
стр. 3024
قلت: ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (١٤٨٩٤)، وعبد الرزاق (٨٣٤٩)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٦٤١)، وابن حبان (٣٩٧١)، والحاكم (١/ ٤٥٢، ٤٧٦) وقال: "صحيح على شرط الشيخين".
وهذا وهم منه؛ فإن المطلب وهو ابن عبد الله بن حنطب لم يخرج له واحد من الشّيخين في صحيحه.
والمطلب هذا قال فيه البخاري: لا أعرف له سماعًا من أحد من الصحابة.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: "المطلب بن عبد الله بن حنطب عامة حديثه مراسيل لم يدرك أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ إلا سهل بن سعد وأنسًا وسلمة بن الأكوع، ومن كان قريبًا منهم، ولم يسمع من جابر ولا من زيد بن ثابت، ولا من عمران بن حصين" انظر: "المراسيل".
وضعّف هذا الحديث ابن حزم في "المحلي" (٧/ ٢٥٣) من أجل عمرو بن أبي عمرو فقال: "هذا خبر ساقط من أجله".
قلت: عمرو بن أبي عمرو سبق فيه كلام النسائي بأنه ليس بالقوي، وقال يحيى بن معين: لا يحتج بحديثه، وقال مرة: ليس بقوي، وليس بحجة. وقال أبو داود: ليس بالقوي. وقال ابن القطان في "الوهم والإيهام" (٤/ ١٨٤): هو مستضعف وأحاديثه تدل على حاله.
ولكن قال أحمد: ليس به بأس. وقال العجلي: ثقة. وقال ابن عدي: لا بأس به.
والخلاصة: أنه "صدوق وله أخطاء"، وحديثه حسن إذا لم يخطئ، ولم يأت في حديثه ما ينكر عليه، ولعل هذا الحديث مما أخطأ فيه؛ لأنه ليس في الأحاديث الصحيحة ما يدل على ذلك.
وللحديث طرق أخرى ذكرتها في "المنة الكبرى" (٤/ ١٠٠ - ١٠٣).
ولوجود طرق أخرى قوى البيهقي (٥/ ١٩٠) هذا الحديث.
وقال الشافعي: "هذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس".
وقلت: وبه قال مالك والشافعي وأحمد وجمهور من السلف.
وقال أبو حنيفة وطائفة من الملف: إنه يجوز للمحرم أكل لحم الصيد مطلقًا ما لم يصده تمسكًا بحديث أبي قتادة.
وذهب طائفة من الناس: أن لحم الصيد يحرم على المحرمين في كل حال مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [سورة المائدة: ٩٦].
وهو مذهب علي، وابن عباس، وابن عمر، ومعاذ وغيرهم كما نقل ذلك عنهم عبد الرزاق في المصنف (٤/ ٤٢٥).
واستدلوا أيضًا بحديث الصعب بن جثامة الليثي: "إنا حرم لا نأكل الصيد". وجمع الجمهور
стр. 3025
بين أحاديث الرد والقبول فقالوا: أحاديث القبول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه، ثم يهدي منه للمحرم.
وأحاديث الرد محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم حتى لا يلزم طرح شيء من الأحاديث، وهو الذي رجّحه أيضًا الحافظ ابن القيم في زاده (٢/ ١٦٥)، والله تعالى أعلم.
• عن عبد الله بن أبي قتادة، قال: انْطَلَقَ أَبِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ يُحْرِمْ، وَحُدِّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَنَّ عَدُوًّا بِغَيْقَةَ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِهِ، يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، إِذْ نَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ، فَاسْتَعَنْتُهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي، فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ، وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ، فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا وَأَسِيرُ شَأْوًا، فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: أَيْنَ لَقِيتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا، فَلَحِقْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَصْحَابَكَ يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللهِ، وَإِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ، انْتَظِرْهُمْ، فَانْتَظَرَهُمْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي أَصَدْتُ وَمَعِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لِلْقَوْمِ: "كُلُوا" وَهُمْ مُحْرِمُونَ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصيد (١٨٢١)، ومسلم في الحج (١١٩٦: ٥٩) كلاهما من طريق هشام بن أبي عبد الله الدَّستوائيّ، عن يحيى بن أبي كثير، حدثني عبد الله بن أبي قتادة، به. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري قريب منه.
قوله: "بغيقة" موضع من بلاد بني غفار بين مكة والمدينة.
قوله: "وخشينا أن نقتطع" أي يقطعنا العدوّ عن النبيّ ﷺ .
قوله: "أرفع فرسي شأوًا" أي أكلفة السير السريع، والشأو: الغاية والأمد.
قوله: "أَصَدْت" أي اصطدت.
ورواه البخاري في الصيد أيضًا (١٨٢٤)، ومسلم في الحج (١١٩٦: ٦٠) من طريق عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، به، نحوه.
وفيه، فقال: "هل منكم أحدٌ أمره أو أشار إليه بشيء؟ " قال: قالوا: لا. قال: "فكلوا ما بقي من لحمها".
• عن أبي قتادة، ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوُلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا عَلَيْهِ فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ فَأَبَوْا فَأَخَذَهُ، ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبَى بَعْضُهُمْ، فَلَمَّا
стр. 3026
أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِك، فَقَالَ: "إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ".
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٧٦) عن أبي النضر مولي عمر بن عبيد الله التيمي، عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري، عن أبي قتادة، به، فذكره.
قال مالك: وعن زيد بن أسلم؛ أن عطاء بن يسار أخبره، عن أبي قتادة في الحمار الوحشي مثل حديث أبي النضر، إلا أن في حديث زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال: "هل معكم من لحمه شيء".
ورواه البخاري في الجهاد (٢٩١٤)، ومسلم في الحج (١١٩٦: ٥٧، ٥٨) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
• عن أبي قتادة، قال: أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُمْ مُحْرِمُونَ، وَأَبُو قَتَادَةَ مُحِلٌّ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: فَقَال: "هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ". قَالُوا: مَعَنَا رِجْلُهُ. قَال: فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَكَلَهَا.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد (٢٨٥٤)، ومسلم في الحج (١١٩٦: ٦٣) كلاهما من طريق فضيل بن سليمان النمري، حدّثنا أبو حازم، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، فذكره.
وحديث أبي قتادة رُوي بأسانيد كثيرة وألفاظ مختلفة وقد ذكرت كثيرًا منها في "المنة الكبرى" (٤/ ١٠٦).
وأما ما رواه عبد الرزاق (٨٣٣٧) ومن طريقه ابن ماجه (٣٠٩٣) عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: "خرجت مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية فأحرم أصحابه ولم أحرم، قال: فرأيت حمار وحش، فحملت عليه فاصطدته، فذكرت شأنه لرسول الله ﷺ ، وذكرت أني لم أكن أحرمت، وأني إنما اصطدته لك. فأمر أصحابه بالأكل ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له".
ففيه نكارة فإن أحدًا لم يقل في حديث أبي قتادة: "اصطدته لك"، وقوله: "ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته لك".
وبين ذلك ابن خزيمة (٢٦٤٢) وعنه الدارقطني (٢٧٤٩).
قال ابن خزيمة: "هذه الزيادة: "إنّما اصطدته لك"، وقوله: "ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته لك" لا أعلم أحدًا ذكره في خبر أبي قتادة غير معمر في هذا الإسناد".
ونقل أيضًا عنه الدارقطني وقال: "وهو موافق لما رُوي عن عثمان".
قلت: وحديث عثمان هو ما رواه الدارقطني (٢٧٥٠) من طريق عبد الرزاق -وهو في مصنفه (٨٣٤٥) - عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه، أنه اعتمر مع عثمان في ركب، فلما كانوا بالرّوحاء قُدّم إليهم لحم طير، قال عثمان: كلوا،
стр. 3027
وكره أن يأكل منه. فقال عمرو بن العاص: أنأكل مما لست منه آكلًا؟ قال: إني لست في ذلكم مثلكم، إنما صيدتُ لي، وأُميتت باسمي -أو قال: من أجلي-" وإسناده صحيح.
• عن عبد الرحمن بن عثمان التيميّ، قال: كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ وَنَحْنُ حُرُمٌ، فَأُهْدِيَ لَهُ طَيْرٌ وَطَلْحَةً رَاقِدٌ فَمِنَّا مَنْ أَكَلَ وَمِنَّا مَنْ تَوَرَّعَ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَهُ وَفَّقَ مَنْ أَكَلَهُ، وَقَال: أَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
صحيح: رواه مسلم في الحج (١١٩٧) عن زهير بن حرب، حدثني يحيى بن سعيد (هو القطان)، عن ابن جريج، أخبرني محمد بن المنكدر، عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان التيمي، عن أبيه، به، فذكره.
• عن عُمير بن سلمة الضّمريّ، عن البهزيّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يُرِيدُ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ إِذَا حِمَارٌ وَحْشِيٌّ عَقِيرٌ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "دَعُوهُ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُهُ". فَجَاءَ الْبَهْزِيُّ -وَهُوَ صَاحِبُهُ- إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَأْنَكُمْ بِهَذَا الْحِمَارِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ فَقَسَمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ، ثُمَّ مَضَى، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالأُثَابَةِ بَيْنَ الرُّوَيْثَةِ وَالْعَرْجِ إِذَا ظَبْيٌ حَاقِفٌ فِي ظِلٍّ فِيهِ سَهْمٌ فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ رَجُلا أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ لا يَرِيبُهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يُجَاوِزَهُ".
صحيح: رواه مالك في الحج (٧٩) عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، أخبرني محمد بن إبراهيم ابن الحارث التيمي، عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، عن عمير بن سلمة الضّمريّ، به، فذكره.
وإسناده صحيح. وعمير بن سلمة الضمريّ له صحبة، والبهزي صحابيّ أيضًا اسمه زيد بن كعب.
والحديث يدخل على الصحيح في مسند عمير بن سلمة، كما في التمهيد لابن عبد البر (٢٣/ ٣٤٣). وكذلك رواه أحمد (١٥٤٥٠)، والنسائي (٤٣٤٤)، وابن حبان (٥١١٢)، والحاكم (٣/ ٦٢٣ - ٦٢٤) كلهم من مسند عمير بن سلمة الضمريّ من طريق يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، عن عمير بن سلمة الضمريّ، قال: إنّ رسول الله ﷺ مرّ بالعرج، فإذا هو بحمار عقير فلم يلبث أن جاء رجل من بهز فقال: يا رسول الله، هذه رميتي فشأنكم بها، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر ... " فذكره بنحوه.
وأما ما رواه ابن ماجه (٣٠٩٢) من طريق سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عيسى بن طلحة، عن طلحة بن عبيد الله: "أن النبي ﷺ أعطاه حمار وحش وأمره أن يفرقه في الرّفاق وهم محرمون" ففيه خطأ، وقع من ابن عيينة، فإن هذا الحديث لعيسي بن طلحة، عن عمير بن سلمة، كما رواه مالك وغيره.
стр. 3028
كشف ذلك علي بن المديني في كتابه "العلل" بعد أن ساق الحديث عن سفيان بن عيينة قال: قلت لسفيان: إنه كان في كتاب الثقفي: عن يحيى بن سعيد، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة، عن البهزي، قال: فقال لي سفيان: ظنت أنه طلحة ... ".
١٥ - باب ما جاء في جزاء الصيد إذا قتله المحرم
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [سورة المائدة: ٩٥].
• عن جابر بن عبد الله، قال: سألت رسول الله ﷺ عن الضّبع؟ فقال: "هو صيد، ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم".
صحيح: رواه أبو داود (٣٨٠١)، وابن ماجه (٣٠٨٥) وصحّحه ابن خزيمة (٢٦٤٥)، وابن حبان (٣٩٦٤)، والحاكم (١/ ٤٥٢) كلهم من حديث عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن أبي عمار، عن جابر، فذكره.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
وقال البيهقي: "وحديث ابن أبي عمار حديث جيد تقوم به الحجة".
ورواه الدارقطني (٥/ ١٨٣) من طريق ابن جريج، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عبد الرحمن ابن أبي عمار، قال: سألت جابر بن عبد الله عن الضبع؟ فقال: فيها كبش. فقلت: فريضة؟ قال: نعم. قلت: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. كذا قال: فريضة.
وكذلك رواه الترمذيّ (٨٥١)، والنسائي (٢٨٣٦) وابن خزيمة (٢٦٤٥)، وابن حبان (٣٩٦٥) كلهم من طريق ابن جريج بإسناده إلا أنهم لم يذكروا: "فيها كبش"، بل اقتصروا على ذكر كونه صيدا. وقد صرّح ابن جريج عند ابن خزيمة وابن حبان.
قال الترمذي: "حسن صحيح، قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: وروي جرير بن حازم هذا الحديث فقال: عن جابر، عن عمر، وحديث ابن جريج أصح، وهو قول أحمد وإسحاق، والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم في المحرم إذا أصاب ضبعا أن عليه الجزاء" انتهي.
قال الحاكم (١/ ٤٥٢): ولخصه جرير بن حازم، عن عبد الله بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي عمار، عن جابر بن عبد الله، قال: جعل رسول الله ﷺ في الضبع يصيبه المحرم كبشا نجديا، وجعله من الصيد.
ولجابر طرق أخرى: جعل النبي ﷺ في الضبع كبشا. رواه ابن خزيمة (٢٦٤٨)
стр. 3029
والحاكم والبيهقي (٥/ ١٨٣) كلهم من حديث إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله مرفوعًا.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح ولم يخرجاه. وإبراهيم بن ميمون الصائغ، زاهد عالم، أدرك الشهادة".
وعلى هذا يُحمل ما رواه ابن خزيمة (٢٦٤٧) والبيهقي كلاهما من حديث منصور بن زاذان، عن عطاء، عن جابر قال: قضى في الضبع بكبش. أي النبي ﷺ .
ورواه الدارقطني (٢٥٤١) وعنه البيهقي (٥/ ١٨٣) من طريق ابن جريج عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال النبيّ ﷺ : "الضّبع صيد" وجعل فيها كبشًا.
اختلف في وصله وإرساله.
فرواه الشافعي في الأم (٢/ ١٩٢) عن سعيد (ابن سالم)، عن ابن جريج، عن عكرمة مولي ابن عباس، قال: "أنزل رسول الله ﷺ ضبعًا صيدًا، وقضى فيها بكبش".
قال الشافعي: "هذا حديث لا يثبت مثله لو انفرد، وإنما ذكرناه لأن مسلم بن خالد أخبرنا، عن ابن جريج، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن أبي عمار، قال: سألت جابرًا عن الضبع أصيد هي؟ " فذكر الحديث.
قال البيهقي: إنما قاله لانقطاعه، ثم أكده بحديث ابن أبي عمار، عن جابر، وحديث ابن أبي عمار حديث جيد، تقوم به الحجة، كما سبق ذكره. وقال: وقد روي حديث عكرمة موصولا: فرواه من طريق الدارقطني كما سبق.
والخلاصة: أن الحديث صحيح، وأنه جعل في الضبع كبشا، فاختصره البعض بجعل الضبع صيدا، وفصَّله الآخرون بذكر الكبش فيه.
• عن جابر، أنه قال: قضى عمر بن الخطاب في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي الجربوع بجفرة.
صحيح: رواه مالك في الموطأ لأبي مصعب (١٢٤٤)، والشيباني (٥٠٣) عن أبي الزبير، عن جابر.
قال الشيباني: "وبهذا كله نأخذ؛ لأنّ هذا مثله من النعم".
وأخطأ يحيى في موطئه (١/ ٤١٤) فأسقط من الإسناد جابرًا؛ لأنّ الشافعي أيضًا رواه في الأمّ (٢/ ١٩٢ - ١٩٣) عن مالك وسفيان بن عيينة، كلاهما عن أبي الزبير، عن جابر.
وكذلك رواه البيهقي (٥/ ١٨٣) عن الشافعي بذكر جابر، وكذلك رواه عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر، عن عمر بن الخطاب، فذكره، مثله.
وأما ما رواه الدارقطني (٢٥٤٦، ٢٥٤٩) من وجهين عن ابن فضيل، وأبي مريم - كلاهما عن
стр. 3030
الأجلح بن عبد الله، حدثني أبو الزبير، عن جابر، عن النبيّ ﷺ قال: "في الضّبع إذا أصابها المحرم كبش، وفي الظبي شاة، وفي الأرنب عناق، وفي الجربوع جفرة" فهو معلول.
والأجلح بن عبد الله بن حجية مختلف فيه والخلاصة فيه حسن الحديث إذا لم يخالف، وقد خالف هنا مالكًا وابن عيينة وغيرهما في الرّفع، والصواب أنه موقوف على عمر بن الخطاب ﵁. وهو الذي رجّحه أيضًا البيهقيّ.
١٦ - باب ما جاء في بيض الصيد
• عن عبد الله بن عباس قال: يا زيد بن أرقم، هل علمت أن رسول الله ﷺ أهدي له بيضات نعام وهو حرام فردّهنّ؟ قال: نعم.
حسن: رواه ابن خزيمة (٢٦٤٤)، والحاكم (١/ ٤٥٢) كلاهما من حديث إسحاق بن عيسي، ثنا حماد بن سلمة، عن قيس، عن طاوس، عن عبد الله بن عباس، فذكره.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
وإسناده حسن من أجل إسحاق بن عيسى بن الطباع، وهو إن كان من رجال مسلم إلا أنه لا يرتقي إلى درجة "الثقة".
وأما ما رُوي عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "في بيض النعام يصيبه المحرم ثمنه" فهو ضعيف.
رواه ابن ماجه (٣٠٨٦)، والدارقطني (٢٥٦٢) كلاهما من حديث حسين المعلم، عن أبي المهزّم، عن أبي هريرة، فذكره. وأبو المهزم ضعيف جدًا.
وروي مثل هذا عن كعب بن عجرة، وهو ضعيف أيضًا.
وكذلك لا يصح في بيضة نعام صيام يوم أو إطعام مسكين. انظر تخريجه في "المنة الكبرى" (٤/ ٩٨ - ٩٩).
١٧ - باب ما قيل: إن الجراد من صيد البحر
رُوي عن أبي هريرة، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجّ أو عمرة فاستقبلنا رِجْلٌ من جراد، فجعلنا نضربه بسياطنا وعِصينا. فقال النبيّ ﷺ : "كلوه فإنه من صيد البحر".
رواه أبو داود (١٨٤٥)، والترمذي (٨٥٠)، وابن ماجه (٣٢٢٢) كلّهم من طريق أبي المهزّم، عن أبي هريرة، فذكره.
ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (٨٠٦٠، ٨٧٦٥، ٨٨٧١).
قال الترمذي: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي المهزّم عن أبي هريرة. وأبو المهزّم اسمه يزيد بن سفيان، وقد تكلم فيه شعبة".
قلت: وهو كما قال، فإن أبا المهزّم ضعيف جدًا، بل "متروك"، وقد تكلم فيه جمهور أهل العلم.
стр. 3031
ورواه أبو داود (١٨٥٣) من وجه آخر عن محمد بن عيسى، حدّثنا حماد، عن ميمون بن جابان، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الجراد من صيد البحر".
قال أبو داود: "أبو المهزّم ضعيف، والحديثان جميعًا وهم".
ثم رواه عن حماد، عن ميمون بن جابان، عن أبي رافع، عن كعب من قوله: "الجراد من صيد البحر" وكأنه يشير إلى صحة الموقوف.
وميمون بن جابان البصريّ أبو الحكم ذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: بصري ثقة، وقال العقيلي: لا يصح حديثه. وقال الأزدي: لا يحتج بحديثه. وقال البيهقي: غير معروف.
وقوله: "رِجل من جراد" بكسر الراء وسكون الجيم هو من الجراد كالجماعة الكثيرة من الناس.
قال الترمذي: "رخّص قومٌ من أهل العلم للمحرم أن يصيد الجراد ويأكله، ورأى بعضهم عليه صدقة إذا اصطاده وأكله".
١٨ - باب ما يجوز للمحرم قتله من الدّواب في الحل والحرم
• عن ابن عمر، أنّ رسول الله ﷺ قال: "خَمْسٌ مِن الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، والْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ".
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٨٨) عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
ورواه البخاري في جزاء الصيد (١٨٢٦)، ومسلم في الحج (١١٩٩: ٧٦) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
• عن حفصة زوج النبيّ ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ : "خمس من الدّواب كلّها فاسق، لا حرج على من قتلهن: العقرب، والغراب، والحدأة، والفأرة، والكلب العقور".
متفق عليه: رواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٢٨)، ومسلم في الحج (١٢٠٠) كلاهما من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر، قال: قالت حفصة، فذكرته.
واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه، وليس عنده: "كلّها فاسق".
• عن عائشة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يَقْتُلُهُنَّ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٢٩)، ومسلم (١١٩٨: ٧١) كلاهما من طريق ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، فذكرته، واللفظ للبخاريّ.
стр. 3032
• عن عبد الله بن مسعود، قال: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَارٍ بِمِنًى إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [سورة المرسلات: ١] وَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا وَإِنِّي لأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اقْتُلُوهَا"، فَابْتَدَرْنَاهَا فَذَهَبَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٣٠)، ومسلم في السلام (٢٢٣٤) كلاهما من طريق الأعمش، حدّثني إبراهيم (هو النخعي)، عن الأسود (هو ابن يزيد النخعي)، عن ابن مسعود، به.
واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم نحوه، وليس عنده: "بمني". قال البخاريّ عقبه: "إنّما أردنا بهذا أنّ منى من الحرم، وأنّهم لم يروا بقتل الحيّة بأسًا".
• عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "خَمْسٌ قَتْلُهُنَّ حَلالٌ في الْحُرُمِ: الْحَيَّةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ".
حسن: رواه أبو داود (١٨٤٧) عن علي بن بحر، حدّثنا حاتم بن إسماعيل، حدّثني محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عجلان فإنه حسن الحديث.
وفي الباب ما رُوي عن أبي سعيد الخدريّ أنّ النبيّ ﷺ سئل عمّا يقتل المحرم؟ قال: "الحية، والعقرب، والفويسقة، ويرمي الغراب ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسّبع العادي".
رواه أبو داود (١٨٤٨) عن الإمام أحمد وهو في مسند (١٠٩٩٠) -، والترمذي (٨٣٨)، وابن ماجه (٣٠٩٨) كلّهم من حديث يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي نعيم البجلي، عن أبي سعيد، فذكره. واللّفظ لأبي داود.
وإسناده ضعيف من أجل يزيد بن أبي زياد وهو الهاشمي القرشي مولاهم، جمهور أهل العلم متفقون على تضعيفه. ومع ذلك قال الترمذي: "هذا حديث حسن".
قلت: وفي الحديث لفظ منكر وهو قوله: "يرمي الغراب ولا يقتله" فإنه لم يتابعه عليه أحد فيما أعلم.
ورواه الإمام أحمد (١١٧٥٥) من وجه آخر عن يزيد بن أبي زياد، وزاد فيه: "وما شأن الفأرة؟ قال: إنّ النبيّ ﷺ استيقظ، وقد أخذت الفتيلة، فصعدت بها إلى السقف لتحرق عليه".
وفي الأدب المفرد للبخاري (١٢٢٣): "استيقظ النبيّ ﷺ ذات ليلة فإذا فأرة قد أخذت الفتيلة، فصعدت بها إلى السقف لتحرق عليهم البيت، فلعنها النبيّ ﷺ وأحلّ قتلها للمحرم".
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ قال: "خمس كلهنّ فاسقة، يَقْتُلُهنَّ المحرمُ، ويُقْتلْنَ في الحرم: الفأرة، والعقرب، والحية، والكلب العقور، والغراب".
стр. 3033
رواه الإمام أحمد (٢٣٣٠)، والبزار -كشف الأستار (١٠٩٧) -، وأبو يعلى (٢٤٢٨، ٢٦٩٣) كلّهم من طريق ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، فذكره.
وليث هو ابن أبي سليم أهل العلم مطبقون على تضعيفه؛ لأنه اختلط أخيرًا، ولم يتميّز حديثه فترك.
وفي الباب أيضًا عن أبي رافع قال: "بينا رسول الله ﷺ في صلاته إذ ضرب شيئًا في صلاته، فإذا هي عقرب ضربها فقتلها، وأمر بقتل العقرب، والحية، والفأرة، والحدأة للمحرم".
رواه البزار -كشف الأستار (١٠٩٦) -، عن غسَّان بن عبد الله، ثنا يوسف بن نافع، ثنا عبد الرحمن بن أبي الموال، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، فذكره.
وفيه يوسف بن نافع لم يوثقه أحد سوى ابن حبان، فهو في درجة "مقبول" عند الحافظ ابن حجر، وهو لا يقبل بدون متابعة وإلا فلين الحديث.
وذكره الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢٢٩) وقال: "رواه البزار، وفيه يوسف بن نافع، ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه، ولم يوثقه، وذكره ابن حبان في "الثقات"" انتهى.
١٩ - باب تحريم نكاح المحرم وخطبته
• عن نبيه بن وهب -أخي بني عبد الدار-: أَنَّ عمر بن عبيد الله أَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ ابْنِ عُثْمَانَ -وَأَبَانُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْحَاجِّ-: وَهُمَا مُحْرِمَانِ إِنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أُنْكِحَ طَلْحَةَ ابْنَ عُمَرَ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَرَدْتُ أَنْ تَحْضُرَ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَبَانُ وَقَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا يَنْكِحِ الْمُحْرِمُ، وَلا يُنْكِحُ وَلا يَخْطُبُ".
صحيح: رواه مالك في الحج (٧٠) عن نافع، عن نُبيه بن وهب، به، فذكره.
ورواه مسلم في النكاح (١٤٠٩) من طريق مالك، به، نحوه.
• عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ قال: "الْمُحْرِمُ لا يَنْكِح, وَلا يُنْكِحُ وَلا يَخْطُبُ".
حسن: رواه الدارقطني (٣٦٥٠) عن أبي طالب أحمد بن نصر الحافظ، حدثنا هلال بن العلاء، حدثنا النقيلي، حدثنا مسلم بن خالد، حدثنا إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
ورواه أيضًا (٣٦٥١) من وجه آخر عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر.
قال: لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ : "لا ينكح المحرم ولا يُنكح، ولا يخطب، ولا يخطب على غيره".
والإسناد الأول حسن من أجل الكلام في مسلم بن خالد وهو الزنجيّ، مختلف فيه، فقال ابن المديني: "ليس بشيء"، وقال ابن معين: "ثقة"، ووثقه أيضًا الدّارقطني، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عدي: "حسن الحديث، وأرجو أنه لا بأس به". قلت: وهو كما قال.
وقال البيهقيّ (٧/ ٢١٠): "روي عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا. وعن
стр. 3034
الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر -بالشّك-. والصحيح عن ابن عمر موقوف" انتهى.
قلت: ويؤيده أن مالكًا رواه في الموطأ (٧٢) عن نافع، عن ابن عمر، قوله. ولفظه: "لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، ولا يَخْطُبُ عَلَى نَفْسِهِ ولا على غَيْرِهِ".
ولكن يجوز أن يكون الموقوف على سبيل الفتوى، والمرفوع على سبيل الرّواية، وكلاهما صحيح.
وأما ما رواه عبد الله بن أحمد (٥٩٥٨) قال: وجدت هذا الحديث في كتاب أبي بخطّ يده: حدّثنا أسود بن عامر، حدّثنا أيوب بن عتبة، حدّثنا عكرمة بن خالد، قال: سألت عبد الله بن عمر عن امرأة أراد أن يتزوجها رجل، وهو خارج من مكة، فأراد أن يعتمر أو يحجّ؟ فقال: "لا تتزوجها وأنت محرم، نهى رسول الله ﷺ عنه".
ورواه الدارقطني (٣٦٤٩) من وجه آخر عن الأسود بن عامر، بإسناده، مثله.
وأيوب بن عتبة اليمامي أبو يحيى القاضي، ضعّفه جمهور أهل العلم، وبه أعله الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٢٦٨).
قال الترمذي (٨٤٠) -عقب إخراج حديث عثمان-: "حديث عثمان حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أصحاب النبيّ ﷺ منهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وهو قول فقهاء التابعين، وبه يقول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، لا يرون أن يتزوج المحرم قالوا: فإن نكح فنكاحه باطل".
قال البيهقي: وروينا عن عمر، وعلي، وزيد بن ثابت، وابن عمر في ردّ نكاح المحرم.
قلت: حديث عمر بن الخطاب، رواه مالك (١/ ٣٤٩) وعنه البيهقي (٥/ ٦٦)، والدّارقطني (٣٦٤٦) عن يحيى بن سعيد كلاهما عن داود بن الحصين، أن أبا غطفان بن طريف المري أخبره، أن أباه طريفًا تزوّج امرأة وهو محرم، فردّ عمر بن الخطاب نكاحه". وإسناده صحيح.
وحديث علي بن أبي طالب. رواه البيهقي عن الحسن، عنه، قال: "من تزوّج وهو محرم نزعنا منه امرأته".
ورواه أيضًا من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي، قال: "لا ينكح المحرم، فإن نكح ردّ نكاحه".
وحديث زيد بن ثابت. رواه أيضًا البيهقي أن مولاه شوذب تزوج وهو محرم ففرق بينهما.
وروى البيهقي عن سعيد بن المسيب، أن رجلًا تزوج وهو محرم، فأجمع أهل المدينة على أن يفرق بينهما.
٢٠ - باب زواج النبيّ ﷺ من ميمونة هل كان حلالا أو محرمًا ؟
• عن ابن عباس، أنّ النبيّ ﷺ تزوّج ميمونة وهو مُحرم.
стр. 3035
متفق عليه: رواه البخاريّ في النكاح (٥١١٤)، ومسلم في النكاح (١٤١٠: ٤٦) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، أخبرنا عمرو بن دينار، حدثنا جابر بن زيد أبو الشّعثاء، أن ابن عباس أخبره، به، فذكره.
ورواه البخاري في المغازي (٤٢٥٨) من طريق عكرمة، عن عبد الله بن عباس، قال: "تزوّج النبيّ ﷺ ميمونة وهو مُحرم، وبنى بها وهو حلال، وماتتْ بسرف".
قال البخاريّ: وزاد ابن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح، وأبان بن صالح، عن عطاء ومجاهد، عن عبد الله بن عباس، قال: "تزوّج النبيّ ﷺ ميمونة في عمرة القضاء".
قال الحافظ: "هو موصول في السيرة، وزاد في آخره: "وكان الذي زوّجها منه العباس بن عبد المطلب" ولابن حبان، والطبراني من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق بلفظ: "تزوّج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك -يعني عمرة القضاء- وهو حرام، وكان الذي زوّجه إيّاها العباس". ونحوه للنسائي من وجه آخر عن ابن عباس" انتهى. فتح الباري (٧/ ٥١٠).
• عن عائشة، قالت: تزوّج النبيّ ﷺ بعض نسائه وهو محرم، واحتجم وهو محرم.
صحيح: رواه ابن حبان (٤١٣٢)، والطحاوي في "مشكله" (٥٧٩٨)، و"معانيه" (٢/ ٢٦٩)، والبيهقي (٧/ ٢١٢) كلهم من طريق أبي عوانة، عن مغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة، فذكرته. واللفظ لابن حبان وليس عند غيره: "واحتجم وهو محرم".
وإسناده صحيح، المغيرة هو ابن مقسم الضبيّ، وأبو الضّحى هو مسلم بن صبيح.
قال الطّحاوي: "وهذا مما لا نعلمه روي عن عائشة ﵂ مما يخالفه. وقد روي عن أبي هريرة أيضًا ما يوافق ذلك".
ولكن أعلّه البيهقيّ بالإرسال، والصّواب أن من أسنده ثقة، وعنده زيادة علم وهي مقبولة عند المحدثين.
وأمّا حديث أبي هريرة الذي أشار إليه الطّحاويّ فهو ما رواه الدارقطني (٣٦٦٢)، والطحاوي في "مشكله" (٥٧٩٩) كلاهما من حديث خالد بن عبد الرحمن الخراسانيّ، عن كامل أبي العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: "تزوّج رسول الله ﷺ وهو محرم".
قال الطّحاويّ: "وهذا مما لا نعلم أيضًا عن أبي هريرة فيه خلافًا لذلك".
قلت: بل فيه كامل أبو العلاء مختلف فيه، فوثقه ابن معين، وضعفه النسائيّ، وقال ابن عدي عقب رواية هذا الحديث من طريق خالد بن عبد الرحمن، عن كامل أبي العلاء بإسناده: "ولكامل غير ما ذكرت من الحديث، وليس بالكثير، ولم أر من المتقدمين فيه كلامًا، فأذكره إلا أني رأيت في بعض رواياته أشياء أنكرتها، فذكرته من أجل ذلك، ومع هذا أرجو أن لا بأس به". "الكامل" (٦/ ٢١٠١ - ٢١٠٢).
стр. 3036
ومن أجله ضعفه الحافظ في "الفتح" (٩/ ١٦٦) ولكنه قال: "لكنه يعتضد بحديث ابن عباس وعائشة، وفيه رد على قول ابن عبد البر أن ابن عباس انفرد من بين الصّحابة بأن النبيّ ﷺ تزوج وهو محرم".
ورُوي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يتزوّج المحرم، ولا يزوِّج".
رواه الدارقطني (٣٦٥٢) عن محمد بن علي بن حبيش، حدّثنا أحمد بن القاسم بن مساور، حدّثنا القواريري، حدّثنا محمد بن دينار الطاحي، عن أبان، عن أنس، فذكره.
وفيه محمد بن دينار الطّاحي تكلّم فيه غير واحد من أهل العلم، فقال أبو داود: تغيّر قبل موته، وقال الدارقطنيّ: ضعيف، وقال العقيلي: في حديثه وهم.
وأما النسائي فقال: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجليّ: لا بأس به. فمثله يحسن حديثه في الشواهد إذا لم يخالف.
وقد ثبت عنه ما يخالف هذا لما رواه الطحاويّ في شرح "مشكل الآثار" (١٤/ ٥٢٠) من طريق عبد الله بن محمد بن أبي بكر قال: سألت أنسًا عن نكاح المحرم فقال: "لا بأس به، وهل هو إلّا كالبيع".
قال الحافظ في "الفتح" (٩/ ١٦٦): "إسناده قوي، لكنه قياس في مقابل النّص، فلا عبرة به، وكأن أنسًا لم يبلغه حديث عثمان" انتهى.
• عن يزيد بن الأصم قال: حدثتني ميمونة بنت الحارث؛ أنّ رسول الله ﷺ تزوّجها وهو حلال.
قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس.
صحيح: رواه مسلم في النكاح (١٤١١) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا جرير بن حازم، حدّثنا أبو فزارة (هو راشد بن كيسان العبسيّ)، عن يزيد بن الأصم، حدّثتني ميمونة، فذكرته.
وقوله: قال: "وكانت خالتي ... " القائل هو يزيد بن الأصمّ.
ورواه أحمد (٢٦٨٢٨) من وجه آخر عن أبي فزارة يحدث عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة: أنّ رسول الله ﷺ تزوجها حلالًا، وبنى بها حلالًا، وماتت بسرف، فدفنها في الظُّلة التي بنى فيها، فنزلنا في قبرها أنا وابن عباس.
وزاد ابن حبان (٤١٣٤) والحاكم (٤/ ٣١): فلما وضعناها في اللحد، مال رأسها، وأخذت ردائي، فوضعته تحت رأسها، فاجتذبه ابن عباس، فألقاه، وكانت حلقت في الحج رأسها، فكان رأسها محمما، وعند الحاكم بعد قوله: "فألقاه": ووضع عند رأسها كنانة، أي: حجارة.
وقوله: "حلقت في الحج" - لعلها لأسباب الأذى، وإلا فقد نهى رسول الله ﷺ عن حلق
стр. 3037
المرأة رأسها.
وقوله: "فكان رأسها محمما" أي: بدأ ينبت فيه الشعر.
• عن ميمونة، قالت: تزوّجني رسول الله ﷺ وأنا حلال بعدما رجعنا من مكة.
صحيح: رواه أحمد (٢٦٨١٥) عن يحيى بن إسحاق، ثنا حماد بن سلمة، عن حبيب الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة، فذكرته.
ورواه أبو داود (١٨٣٩)، والطحاوي في "مشكله" (٥٨٠٤)، وابن حبان في "صحيحه" (٤١٣٧) كلهم من حديث حماد، بنحوه: تزوجني النبيّ ﷺ ونحن حلالان بسرف.
قولها: "تزوجني رسول الله ﷺ ... بعدما رجعنا من مكة" أي: بني بها.
• عن أبي رافع، قال: تزوّج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول فيما بينهما.
حسن: رواه الترمذيّ (٨٤١)، وأحمد (٢٧١٩٧)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٥٨٠٠)، وصحّحه ابن حبان (٤١٣٠) كلّهم من طريق حماد بن زيد، حدّثنا مطر الوراق، عن ربيعة بن عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع، فذكره.
قال الترمذي: "حسن، ولا نعلم أحدًا أسنده غير حماد بن زيد، عن مطر الوراق، عن ربيعة وقال: وروى مالك بن أنس، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار، أنّ النبيّ ﷺ تزوّج ميمونة وهو حلال. رواه مالك مرسلًا. ورواه أيضًا سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلًا. وقال: ورُوي عن يزيد ابن الأصم، عن ميمونة، قالت: تزوّجني رسول الله ﷺ وهو حلال، ويزيد بن الأصم هو ابن أخت ميمونة" انتهى كلام الترمذيّ.
قلت: إسناده حسن من أجل مطر الوراق فإنه صدوق كثير الخطأ كما في "التقريب". ورواه مالك عن ربيعة، عن سليمان بن يسار مرسلًا.
وقد رجّح ابن عبد البر المرسل في "التمهيد" (١٣/ ١٥١)، ولكن إن كان سليمان بن يسار ولد سنة سبع وعشرين كما قيل، ومات أبو رافع بالمدينة بعد قتل عثمان بيسير، كان قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فيكون عمر سليمان بن يسار فوق ثماني سنوات، فسماعه منه ممكن، ثم تأكد ذلك من ميمونة نفسها، فلا استحالة في ذلك؛ ولذا رجّح الحافظ ابن القيم في "زاده"، وفي "تهذيب السنن" الموصول. وقال: "وهذا صريح في تزوجها بالوكالة قبل الإحرام" انتهى.
وأمّا ما رُوي عن عبد الله بن عمر: "أنّ النبيّ ﷺ تزوّج ميمونة وهو حلال" ففيه رجل لم يسم.
رواه الدارقطنيّ (٣٦٥٣) من حديث أحمد بن حسين بن جعفر اللهبي، حدثني بعض أصحابنا، عن أبي وهب البصريّ، عن عبيد الله بن عمر بن حفص، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
стр. 3038
وأما دفع التعارض الذي وقع في حديث ابن عباس ومن وافقه، وفي حديث ميمونة ومن وافقها فذكرته بالتفصيل في "المنة الكبري" (٤/ ٧٨ - ٨٣)، فراجعه إن شئت.
وأما مذاهب العلماء: فذهب جمهور أهل العلم إلى تحريم نكاح المحرم كما سبق.
وذهب أبو حنيفة والثوري وقبلهما: سعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة، وجابر بن زيد من أصحاب ابن عباس، وعمرو بن دينار، وأيوب السختياني، وعبد الله بن أبي نجيح، والقاسم بن محمد، وإبراهيم النخعي وغيرهم إلى أنه لا كراهة في تزويج المحرم. وهو مذهب ابن مسعود، وابن عباس، وأنس. وحجّة هؤلاء: أنّ الحرام في الإحرام هو الوطأ لا التزويج.
فقوله: "لا ينكح" معناه: لا يطأ. وشبّهوا تزويج المحرم بشراء الجارية.
وقد سئل أنس بن مالك عن نكاح المحرم فقال: "لا بأس به". رواه الطحاوي بإسناد قوي كما سبق.
وكان ابن مسعود أيضًا لا يرى بأسًا أن يتزوج المحرم. رواه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (١٤/ ٥١٩).
وقد أجبتُ عن هذه الشّبهات وغيرها بالتفصيل في "المنة الكبرى" فلا أرى حاجة لإعادتها.
٢١ - باب التجارة في الحج ّ
قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [سورة البقرة: ١٩٨].
• عن عبد الله بن عباس، قال: كَانَتْ عُكَاظٌ، وَمَجَنَّةُ، وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ فَكَأَنَّهُمْ تَأَثَّمُوا فِيه فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ.
صحيح: رواه البخاريّ في مواضع منها في البيوع (٢٠٥٠) عن عبد الله بن محمد، حدّثنا سفيان، عن عمرو، عن ابن عباس، فذكره.
وفي رواية: "كانوا لا يتجرون بمني، فأمروا بالتجارة إذا أفاضوا من عرفات".
رواه أبو داود (١٧٣١) وفيه يزيد بن أبي زياد وهو الهاشميّ من رجال مسلم في المتابعة إلا أنه ضعيف عند جمهور أهل العلم.
• عن عبد الله بن عباس، قال: "إنَّ النَّاسَ فِي أَوَّلِ الْحَجِّ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِمِنًى وَعَرَفَةَ وَسُوقِ ذِي الْمَجَازِ وَمَوَاسِمِ الْحَجِّ فَخَافُوا الْبَيْعَ وَهُمْ حُرُمٌ فَأَنْزَلَ اللهُ
стр. 3039
سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ.
قال: فحدَّثني عبيد بن عمير أنّه كان يقرَؤُهَا في المُصْحَفِ.
حسن: رواه أبو داود (١٧٣٤) عن محمد بن بشار، حدّثنا حماد بن مسعدة، حدّثنا ابن أبي ذئب، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبيد بن عمير، عن عبد الله بن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمير بن عبيد مولي ابن عباس.
ورواه أبو داود أيضًا (١٧٣٥) عن أحمد بن صالح، حدّثنا ابن أبي فديك، أخبرني ابن أبي ذئب، عن عبيد بن عمير، قال أحمد بن صالح كلامًا معناه أنه مولي ابن عباس، عن عبد الله بن عباس، أن الناس في أول ما كان الحج كانوا يبيعون فذكر معناه إلى قوله: "مواسم الحج".
ورواية أحمد بن صالح رواها أيضًا أبو بكر بن أبي داود في كتاب "المصاحف" (١٩٣) (١/ ٣٢٨ - ٣٢٩) بإسناده مثله.
قال ابن أبي ذئب: فحدثني عبيد أنه كان يقرؤها في المصحف.
فإنْ صحّ قول أحمد بن صالح فإن عبيد بن عمير روي عنه ابن أبي ذئب كما روى عنه عطاء بن أبي رباح، وبه صار الإسناد حسنًا لأن له أصلا ثابتا.
• عن أبي أمامة التيميّ، قال: كُنْتُ رَجُلًا أَكَرِّي فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَكَانَ نَاسٌ يَقُولُونَ لِي: إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ، فَلَقِيتُ ابْنَ عُمَرَ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! إِنِّي رَجُلٌ أَكْرِّي فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ لِي إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ، فَقَالَ ابْنُ عُمَر: أَلَيْسَ تُحْرِمُ وَتُلَبِّي وَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَتُفِيضُ مِنْ عَرَفَاتٍ وَتَرْمِي الْجِمَارَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى قَالَ: فَإِنَّ لَكَ حَجًّا، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ مِثْلِ مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ وقَالَ: "لَكَ حَجٌّ".
حسن: رواه أبو داود (١٧٣٣) عن مسدّد، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدّثنا العلاء بن المسيب، حدّثنا أبو أمامة، قال: فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل أبي أمامة التيمي الذي لا يعرف اسمه غير أنه معروف بكنيته، قال ابن معين: أبو أمامة الذي يروي عن ابن عمر ثقة لا يعرف اسمه، وقال أبو زرعة: لا بأس به.
٢٢ - باب النهي عن الرفث والفسوق في الحج
قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
стр. 3040
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من حَجَّ هذا البيتَ، فلم يرْفث، ولم يفسُق رجع كما ولدَتْه أمُّه".
متفق عليه: رواه البخاري في المحصر (١٨١٩)، ومسلم في الحج (١٣٥٠) كلاهما من طريق شعبة، عن منصور، عن أبي حازم -هو سلمان الأشجعيّ-، عن أبي هريرة، فذكره، واللفظ للبخاري.
ورواه البخاري أيضًا (١٨٢٠)، ومسلم من طريق سفيان (هو الثوري)، عن منصور، به، مثله إلا أنه قال: "كيوم" بدل "كما".
قوله: "فلم يرفث" المراد بالرَّفث الجماع، ويطلق على التعريض به، وعلى الفحش في القول.
وقوله: "ولم يفسق" أي لم يأت بسيئة ولا معصية. "فتح الباري" (٣/ ٣٨ ٢).
٢٣ - المحرم يؤدّب غلامه ومن تحت يده
• عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُجَّاجًا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَزَلْنَا فَجَلَسَتْ عَائِشَةُ ﵂ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي وَكَانَتْ زمَالَةُ أَبِي بَكْرٍ وَزِمَالَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاحِدَةً مَعَ غُلامٍ لَأبِي بَكْرٍ فَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَطْلُعَ عَلَيْهِ فَطَلَعَ وَلَيْسَ مَعَهُ بَعِيرُهُ. قَالَ: أَيْنَ بَعِيرُك؟ قَالَ: أَضَلَلْتُهُ الْبَارِحَةَ. قَال: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَعِيرٌ وَاحِدٌ تُضِلُّهُ؟ قَال: فَطَفِقَ يَضْرِبُهُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَبَسَّمُ، وَيَقُول: "انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ؟ ".
قَالَ ابْنُ أَبِي رِزْمَةَ فَمَا يَزِيدُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَنْ يَقُول: "انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ" وَيَتَبَسَّمُ.
حسن: رواه أبو داود (١٨١٨) -واللفظ له-، وابن ماجه (٢٩٣٣) كلاهما من حديث عبد الله ابن إدريس، أخبرنا ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر، فذكرته.
ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (٢٦٩١٦)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٦٧٩)، والحاكم (١/ ٤٥٣ - ٤٥٤).
قال الحاكم: "حديث غريب صحيح على شرط مسلم".
قلت: فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن، ولكنه إمام في المغازي والسير وهذا الحديث منها؛ ولذا تحمل العلماء عنعنته فيها دون العقائد والأحكام منهم البيهقيّ فإنه أخرجه من طريقه في باب المحرم يؤدّب عبده، ولم يذكر في الباب شيئًا غيره وسكت عن محمد بن إسحاق.
وقد تابعه عيسي بن معمر، عن عبّاد بن عبد الله كما أخرجه ابن سعد في طبقاته (٨/ ٢٠٦) عن
стр. 3041
محمد بن عمر، حدثني بعقوب بن يحيى بن عباد، عن عيسي بن معمر، بإسناده.
ومحمد بن عمر هو الواقدي المتهم، ولكنه إمام في المغازي والسير مثل ابن إسحاق.
والحديث إسناده حسن وإن كان محمد بن إسحاق مدلسًا وقد عنعن، ولكن لا بأس من تحسين حديثه هذا، لا سيما وقد صحّحه ابن خزيمة والحاكم، وقد توبع وإن كانت لا تنفع هذه المتابعة لأن في إسناده إليه الواقديّ، والحديث ليس في الحلال والحرام الذي يتجنب فيه من أحاديث ابن إسحاق إذا انفرد بها.
وقوله: "زِمالة" بكسر الزاي أي أدوات السّفر وآلاته مما يتعلّق به.
• * *
стр. 3042
جموع ما جاء في خروج النبيّ ﷺ من المدينة إلى مكة لأداء فريضة الحج
١ - باب وقت خروج النبيّ ﷺ وأصحابه من المدينة عام حجّة الوداع
• عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمسٍ ليالٍ بقين من ذي القعدة ... الحديث.
متفق عليه: رواه مالك في الحجّ (١٧٩) عن يحيى بن سعيد (هو الأنصاريّ) قال: أخبرتني عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة فذكرته.
ورواه البخاريّ في الحج (١٧٠٩) عن عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، به. ورواه أيضًا (١٧١٠) هو ومسلم في الحج (١٢١١: ١٢٥) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، به، مثله.
ورواه البخاريّ في العمرة (١٧٨٣)، ومسلم في الحج (١٢١١: ١١٥) كلاهما من طريق هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجّة الوداع مُوافين لهلال ذي الحجة" الحديث.
فقوله: "موافين لهلال ذي الحجة" أي قرب طلوعه، والخمس قريبة من آخر الشهر، وقد وافاهم هلال ذي الحجة وهم في الطريق؛ لأنهم دخلوا مكة في الرابع من ذي الحجة، كما في حديث ابن عباس الآتي.
• عن عبد الله بن عباس، قال: انطلق النبيّ ﷺ من المدينة ... وذلك لخمس بقين من ذي القَعْدة، فقدم مكة لأربعِ ليالٍ خَلَوْن من ذي الحجّة ... الحديث.
صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٥٤٥) عن محمد بن أبي بكر المقدّمي، حدّثنا فضيل بن سليمان، حدّثني موسى بن عقبة، أخبرني كريب، عن عبد الله بن عباس، به.
تنبيه: وأما قول ابن القيم في "زاد المعاد" (٢/ ١٠٢): أن خروج النبيّ ﷺ من المدينة لستِّ بقين من ذي القعدة يعني بذلك خروجه من المدينة إلى ذي الحليفة حيث صلى بها الظهر وبقية الصلوات، وبات بها فصلى الصبح والظهر، ثم خرج منها لخمس بقين كما في حديث عائشة وابن عباس ﵄.
• عن جابر بن عبد الله، قال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ ثُمَّ
стр. 3043
أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَاجٌّ .... الحديث بطوله.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد (هو ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب)، عن أبيه، عن جابر، به، فذكره في حديث طويل في صفة حجّة النبيّ ﷺ .
٢ - باب وقت دخول النبيّ ﷺ إلى مكة عام حجة الوداع
• عن ابن عباس، قال: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الأَرْضِ , وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا , وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ وَعَفَا الأَثَرْ وَانْسَلَخَ صَفَرْ حَلَّت الْعُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرْ.
قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: "حِلٌّ كُلُّه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٦٤)، ومسلم في الحج (١٢٤٠: ١٩٨) كلاهما من طريق وهيب، حدّثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره، ولفظهما سواء.
وفي رواية عند مسلم (١٩٩) من طريق أبي العالية البراء، عن ابن عباس، به، وفيه: "فقدم لأربع مَضْين من ذي الحجة".
• عن عبد الله بن عباس، قال: انطلق النبيُّ ﷺ من المدينة ... وذلك لخمس بقين من ذي القعدة، فقدم مكة لأربع ليال خَلوْن من ذي الحجة ... الحديث.
صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٥٤٥) عن محمد بن أبي بكر المقدمي، حدّثنا فضيل بن سليمان، حدثني موسى بن عقبة، أخبرني كريب، عن ابن عباس فذكره.
٣ - باب نزول النبيّ ﷺ بذي طوى والمبيت بها حتى يصبح إذا دخل مكة
• عن عبد الله بن عمر، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طُوًى وَيَبِيتُ بِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ وَمُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ، لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ وَلَكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلاة (٤٩١)، ومسلم في الحج (١٢٥٩: ٢٢٨) كلاهما من طريق أنس بن عياض، حدّثنا موسى بن عقبة، عن نافع، أن عبد الله حدثه، فذكره، واللفظ لمسلم.
قوله: "بذي طُوى" بضم الطاء المهملة بعدها واو، وآخره ألف مقصورة، هو اسم وادي بين مقبرة الجحون بالمعلاة، وبين ريع الكحل المسمى بالثنية الخضراء في محلة "جرول" الآن.
стр. 3044
٤ - باب الاغتسال ودخول مكة بالنهار
• عن نافع، قال: كان ابن عمر، إذا دَخَلَ أَدْنَي الْحَرَمِ أَمْسَكَ عَنْ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طوى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٧٣) من طريق إسماعيل بن علية، ومسلم في الحج (١٢٥٩) من طريق حماد بن زيد، كلاهما عن أيوب، عن نافع، به، واللفظ للبخاريّ.
وحديث إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، رواه أحمد (٤٦٢٨) بسياق أطول، وهذا لفظه: "كان ابن عمر إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التّلبية فإذا انتهى إلى ذي طوى بات فيه حتى يصبح، ثم يصلي الغداة ويغتسل ويحدّث أن رسول الله ﷺ كان يفعله، ثم يدخل مكة ضُحى فيأتي البيت فيستلم الحجر ويقول: بسم الله والله أكبر، ثم يَرَمُل ثلاثة أطراف يمشي ما بين الرُّكنين، فإذا أتي على الحجر استلمه وكبَّر أربعة أطراف مشيًا، ثم يأتي المقام فيصلي ركعتين، ثم يرجع إلى الحجر فيستلمه، ثم يخرج إلى الصَّفا من الباب الأعظم فيقوم عليه فيكبر سبع مرار ثلاثا يكبر ثم يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". اهـ.
قوله: "سبع مرار" أي يقوم على الصّفا سبع مرات، يكبّر في كلّ مرة ثلاثًا.
وأما قول الترمذيّ بعد أن رواه من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: "اغتسل النبيّ ﷺ لدخوله مكة بفتح": "هذا حديث غير محفوظ، والصّحيح ما روي نافع عن ابن عمر أنه كان يغتسل لدخول مكة".
وقال: "عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف في الحديث؛ ضعّفه أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وغيرهما ولا نعرف هذا الحديث مرفوعًا إلا من حديثه". انتهي.
ففيه نظر؛ لما ثبت في الصحيحين مرفوعًا من حديث ابن عمر، فإن الظّاهر من قوله: أن النبيّ ﷺ كان يفعل ذلك أي بما سبق ذكره، ومنه الغسل.
٥ - باب دخول النبيّ ﷺ مكة ليلًا
• عن مُحرّش الكعبيّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ لَيْلا مِن الْجِعِرَّانَةِ حِينَ مَشَي مُعْتَمرًا فَأَصْبَحَ بِالْجِعِرَّانَةِ كَبَائِتٍ حَتَّى إِذَا زَالَت الشَّمْسُ خَرَجَ عَن الْجِعِرَّانَةِ فِي بَطْنِ سَرِفَ حَتَّى جَاء مَعَ الطَّرِيق طَريق الْمَدِينَةِ مِنْ سَرِف.
حسن: رواه النسائي (٢٨٦٣)، والترمذي (٩٢٥) والإمام أحمد في مسنده (١٥٥١٣) كلّهم من حديث ابن جريج، قال: حدثني مزاحم بن أبي مزاحم، عن عبد العزيز بن عبد الله (بن أسيد)، عن محرش الكعبيّ، فذكره.
стр. 3045
قال الترمذي كما في بعض النسخ: "هذا حديث حسن غريب، ولا نعرف لمحرش الكعبي، عن النبي ﷺ غير هذا الحديث، ويقال: جاء من الطريق الموصول".
ورواه أبو داود (١٩٩٦) من طريق سعيد بن مزاحم بن أبي مزاحم، قال: حدثني أبي مزاحم، بإسناده، نحوه.
وإسناده حسن من أجل مزاحم بن عبد الله بن مزاحم المكي مولى عمر بن عبد العزيز. روى عنه جماعة منهم الزهري مع تقدمه، وابن جريج كما مضى، وكان قليل الحديث كما قال ابن سعد، وبالغ فيه الذهبي فقال في "الكاشف": "ثقة". والحقّ أنه حسن الحديث.
وقد حسّن حديثه هذا ابن حجر في "الإصابة".
٦ - باب دخول النبي ﷺ مكة من أعلاها، وخروجه من أسفلها
• عن عبد الله بن عمر: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ، وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ دَخَلَ مِن الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا وَيَخْرُجُ مِن الثَّنِيَّةِ السُّفْلَي.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٧٦)، ومسلم في الحج (١٢٥٧) كلاهما من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
واللفظ لمسلم. ورواه البخاريّ (١٥٧٥) من طريق معن بن عيسى، عن مالك، عن ابن عمر، مختصرًا. وليس الحديث في موطأ الليثيّ، ولا ذكره الجوهريّ في مسند الموطأ.
• عن عائشة: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ دَخَلَ مِنْ أَعْلاهَا وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٧٧)، ومسلم في الحج (١٢٥٨: ٢٢٤) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
ورواه البخاريّ أيضًا (١٥٧٨)، ومسلم (١٢٥٨: ٢٢٥) كلاهما من طريق أبي أسامة (هو حماد ابن أسامة)، حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنّ رسول الله ﷺ دخل عام الفتح من كَداء، وخرج من كُدا من أعلى مكة، والسياق للبخاريّ.
وليس عند مسلم: "وخرج من كُدا ... إلخ". وزاد: قال هشام: فكان أبي يدخل منهما كليهما، وكان أبي أكثر ما يدخل من كَدَاء.
قوله: "كَداء" بفتح الكاف والمدّ، هي الثنية التي ينزل منها إلى المعلى مقبرة أهل مكة، وهي التي يقال لها الحجون.
وقوله: "وخرج من كُدا" بضم الكاف والقصر: هي عند باب شبيكة، وكان بناء هذا الباب عليها في القرن السابع.
قوله: "من أعلى مكة" قال الحافظ في "الفتح" (٣/ ٤٣٧): "كذا رواه أبو أسامة فقلبه،
стр. 3046
والصّواب: ما رواه عمرو وحاتم عن هشام: "دخل من كَدَاء من أعلى مكة" ثم ظهر لي أن الوهم فيه ممن دون أبي أسامة، فقد رواه أحمد عن أبي أسامة على الصواب".
٧ - باب مكان نزول النبيّ ﷺ بمكة في حجة الوداع
• عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر حدّثه؛ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ أَسْمَاءَ تَقُولُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِالحَجُونِ: صَلَّى الله عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَا هُنَا وَنَحْنُ يَؤْمَئِذٍ خِفَافٌ الحقائب، قَلِيلٌ ظَهْرُنَا، قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ وَالزُّبَيْرُ وَفُلانٌ وَفُلانٌ فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا، ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِن الْعَشِيِّ بِالْحَجِّ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في العمرة (١٧٩٦)، ومسلم في الحج (١٢٣٧) كلاهما من طريق أحمد بن عيسى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو (هو ابن الحارث)، عن أبي الأسود، أن عبد الله مولي أسماء، به، فذكره.
واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري قريب منه.
قولها: "الحجون" بحاء مهملة مفتوحة، بعدها جيم مضمومة: ثنية بأعلى مكة، وهي لا تزال معروفة بهذا الاسم إلا أن العامة ينطقونها "الحُجُون" بضم المهملة، وبها مقبرة أهل مكة التي تسمى مقبرة المعلي
• عن عائشة قالت: نُزُولُ الَأبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، لأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ إِذَا خَرَجَ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٧٦٥)، ومسلم في الحج (١٣١١) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، واللفظ لمسلم.
ورواه مسلم أيضًا من طريق الزهريّ، عن سالم، أنّ أبا بكر وعمر، وابن عمر كانوا ينزلون الأبطح. قال الزهريّ: وأخبرني عروة عن عائشة، أنها لم تكن تفعل ذلك وقالت: "إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان منزلًا أسمح لخروجه".
قوله: "الأبطح" أي البطحاء التي بين مكة ومني، وهي ما انبطح من الوادي واتسع، وهي التي يقال لها: المحصّب، والمعرّس، وحدُّها ما بين الجبلين إلى المقبرة.
والمحصّب، والأبطح، وخيف بني كنانة اسم لشيء واحد.
• عن عبد الله بن عباس، قال: لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيءٍ، إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٧٦٦)، ومسلم في الحج (١٣١٢) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره.
стр. 3047
• عن عبد الله بن عباس، قال: ... فَقَدِمَ مَكَّةَ لأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ؛ لأَنَّهُ قَلَّدَهَا، ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الْحَجُونِ وَهُوَ مُهِلٌّ بِالْحَجِّ ... الحديث.
صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٥٤٥) عن محمد بن أبي بكر المقدّميّ، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثني موسى بن عقبة، أخبرني كريب، عن ابن عباس، فذكره.
• عن أبي هريرة، قال: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَنَحْنُ بِمِنًى -"نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ -وَذَلِكَ إِنَّ قُرَيْشًا وَبَنِي كِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِم وبني عبد المطلب -أو بَنِي الْمُطَّلِبِ- أَنْ لا يُنَاكِحُوهُمْ وَلا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ - يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُحَصَّبَ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٩٠)، ومسلم في الحج (١٣١٤: ٣٤٤) من طريق الوليد بن مسلم، حدّثنا الأوزاعي، حدثني الزّهري، حدثني أبو سلمة، حدثنا أبو هريرة، فذكره. واللفظ لمسلم.
ولفظ البخاريّ نحوه وزاد في أوله: "قال النبيّ ﷺ من الغد يوم النحر -وهو بمني- ... إلخ".
وفي رواية للبخاريّ في المغازي (٤٢٨٤)، ومسلم من طريق الأعرج (عبد الرحمن بن هرمز)، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "منزلنا إن شاء الله -إذا فتح الله- الخَيْف، حيث تقاسموا على الكفر".
وفي رواية للبخاريّ في الحج (١٥٨٩) من طريق شعيب، عن الزهريّ، به، قال: قال رسول الله ﷺ -حين أراد قدوم مكة-: "منزلنا (فذكره إلى قوله): على الكفر".
وفي رواية للبخاري في المناقب (٣٨٨٢) من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، به، قال: قال رسول الله ﷺ -حين أراد حنينًا-: "منزلنا غدًا" الحديث إلى قوله: "على الكفر".
قلت: ولا تنافي بين هذه الروايات لإمكان حملها على تعدد الوقائع.
وقوله: "بخيف بني كنانة" فُسِّر في الحديث بالمحصَّب، والظاهر أنه تفسير الإمام الزهري ﵀. قال ابن حجر: "ويختلج في خاطري أن جميع ما بعد قوله: "يعني المحصب" إلى آخر الحديث من قول الزهريّ أدرج في الخبر".
• عن عبد الله بن عمر: أنّ النبيّ ﷺ وأبا بكر، وعمر كانوا ينزلون الأبطح.
متفق عليه: رواه مسلم في الحج (١٣١٠: ٣٣٧) عن محمد بن مهران الرازيّ، حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
ورواه البخاريّ في الحجّ (١٧٦٨) عن عبد الله بن عبد الوهاب، حدّثنا خالد بن الحارث، قال:
стр. 3048
سئل عبيد الله عن المحضب، فحدثنا عبيد الله، عن نافع، قال: "نزل بها رسولُ الله ﷺ وعمر وابن عمر".
وعن نافع أن ابن عمر ﵄ كان يصلي بها -يعني المحصَّب- الظهر والعصر -أحسبه قال: والمغرب-، قال خالد: لا أشك في العشاء، ويهجع هجعة، ويذكر ذلك عن النبيّ ﷺ .
• عن أبي رافع، قال: لَمْ يَأْمُرْنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَنْزِلَ الأَبْطَحَ حِينَ خَرَجَ مِنْ مِنًى وَلَكِنِّي جِئْثُ فَضَرَبْتُ فِيهِ قُبَّتَهُ فَجَاءَ فَنَزَلَ.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣١٣) من طريق سفيان بن عيينة، عن صالح بن كيسان، عن سليمان بن يسار، قال: قال أبو رافع، فذكره.
وزاد في رواية: "عن أبي رافع وكان على ثقل النبيّ ﷺ ".
والثقل: العيال، وما يثقل حمله من الأمتعة.
• * *
стр. 3049
جموع ما جاء في صفة حجّة النبيّ ﷺ كما رواها جابر وغيره، وما جاء فيه من الأحكام
١ - باب صفة حجّة النبيّ ﷺ كما رواها جابر بن عبد الله
• عن حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي فَنَزَعَ زِرِّي الأَعْلَى ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الأَسْفَلَ ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ، يَا ابْنَ أَخِي، سَلْ عَمَّا شِئْتَ، فَسَأَلْتُهُ وَهُوَ أَعْمَى وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَقَامَ فِي نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفًا بِهَا، كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ مِنْ صِغَرِهَا وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ عَلَى الْمِشْجَبِ فَصَلَّى بِنَا، فَقُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ بِيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعًا فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَاجٌّ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: "اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي". فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكَ" وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ.
قَالَ جَابِرٌ ﵁: لَسْنَا نَنْوِي إِلا الْحَجَّ لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].
стр. 3050
فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ ولا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ , ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ "أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ".
فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: "لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ"، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ، فَقَالَ: "لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً"، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الأُخْرَى، وَقَالَ: "دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ لا بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ" وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ ﵂ مِمَّنْ حَلَّ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا، قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: "صَدَقَتْ صَدَقَتْ! مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ " قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ! إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ: "فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ". قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِائَةً قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا، إلا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ
следующие страницы →