Полный текст (8 687 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
والصّواب: ما رواه عمرو وحاتم عن هشام: "دخل من كَدَاء من أعلى مكة" ثم ظهر لي أن الوهم فيه ممن دون أبي أسامة، فقد رواه أحمد عن أبي أسامة على الصواب".
٧ - باب مكان نزول النبيّ ﷺ بمكة في حجة الوداع
• عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر حدّثه؛ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ أَسْمَاءَ تَقُولُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِالحَجُونِ: صَلَّى الله عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَا هُنَا وَنَحْنُ يَؤْمَئِذٍ خِفَافٌ الحقائب، قَلِيلٌ ظَهْرُنَا، قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ وَالزُّبَيْرُ وَفُلانٌ وَفُلانٌ فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا، ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِن الْعَشِيِّ بِالْحَجِّ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في العمرة (١٧٩٦)، ومسلم في الحج (١٢٣٧) كلاهما من طريق أحمد بن عيسى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو (هو ابن الحارث)، عن أبي الأسود، أن عبد الله مولي أسماء، به، فذكره.
واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري قريب منه.
قولها: "الحجون" بحاء مهملة مفتوحة، بعدها جيم مضمومة: ثنية بأعلى مكة، وهي لا تزال معروفة بهذا الاسم إلا أن العامة ينطقونها "الحُجُون" بضم المهملة، وبها مقبرة أهل مكة التي تسمى مقبرة المعلي
• عن عائشة قالت: نُزُولُ الَأبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، لأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ إِذَا خَرَجَ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٧٦٥)، ومسلم في الحج (١٣١١) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، واللفظ لمسلم.
ورواه مسلم أيضًا من طريق الزهريّ، عن سالم، أنّ أبا بكر وعمر، وابن عمر كانوا ينزلون الأبطح. قال الزهريّ: وأخبرني عروة عن عائشة، أنها لم تكن تفعل ذلك وقالت: "إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان منزلًا أسمح لخروجه".
قوله: "الأبطح" أي البطحاء التي بين مكة ومني، وهي ما انبطح من الوادي واتسع، وهي التي يقال لها: المحصّب، والمعرّس، وحدُّها ما بين الجبلين إلى المقبرة.
والمحصّب، والأبطح، وخيف بني كنانة اسم لشيء واحد.
• عن عبد الله بن عباس، قال: لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيءٍ، إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٧٦٦)، ومسلم في الحج (١٣١٢) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره.
стр. 3047
• عن عبد الله بن عباس، قال: ... فَقَدِمَ مَكَّةَ لأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ؛ لأَنَّهُ قَلَّدَهَا، ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الْحَجُونِ وَهُوَ مُهِلٌّ بِالْحَجِّ ... الحديث.
صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٥٤٥) عن محمد بن أبي بكر المقدّميّ، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثني موسى بن عقبة، أخبرني كريب، عن ابن عباس، فذكره.
• عن أبي هريرة، قال: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَنَحْنُ بِمِنًى -"نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ -وَذَلِكَ إِنَّ قُرَيْشًا وَبَنِي كِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِم وبني عبد المطلب -أو بَنِي الْمُطَّلِبِ- أَنْ لا يُنَاكِحُوهُمْ وَلا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ - يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُحَصَّبَ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٩٠)، ومسلم في الحج (١٣١٤: ٣٤٤) من طريق الوليد بن مسلم، حدّثنا الأوزاعي، حدثني الزّهري، حدثني أبو سلمة، حدثنا أبو هريرة، فذكره. واللفظ لمسلم.
ولفظ البخاريّ نحوه وزاد في أوله: "قال النبيّ ﷺ من الغد يوم النحر -وهو بمني- ... إلخ".
وفي رواية للبخاريّ في المغازي (٤٢٨٤)، ومسلم من طريق الأعرج (عبد الرحمن بن هرمز)، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "منزلنا إن شاء الله -إذا فتح الله- الخَيْف، حيث تقاسموا على الكفر".
وفي رواية للبخاريّ في الحج (١٥٨٩) من طريق شعيب، عن الزهريّ، به، قال: قال رسول الله ﷺ -حين أراد قدوم مكة-: "منزلنا (فذكره إلى قوله): على الكفر".
وفي رواية للبخاري في المناقب (٣٨٨٢) من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، به، قال: قال رسول الله ﷺ -حين أراد حنينًا-: "منزلنا غدًا" الحديث إلى قوله: "على الكفر".
قلت: ولا تنافي بين هذه الروايات لإمكان حملها على تعدد الوقائع.
وقوله: "بخيف بني كنانة" فُسِّر في الحديث بالمحصَّب، والظاهر أنه تفسير الإمام الزهري ﵀. قال ابن حجر: "ويختلج في خاطري أن جميع ما بعد قوله: "يعني المحصب" إلى آخر الحديث من قول الزهريّ أدرج في الخبر".
• عن عبد الله بن عمر: أنّ النبيّ ﷺ وأبا بكر، وعمر كانوا ينزلون الأبطح.
متفق عليه: رواه مسلم في الحج (١٣١٠: ٣٣٧) عن محمد بن مهران الرازيّ، حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
ورواه البخاريّ في الحجّ (١٧٦٨) عن عبد الله بن عبد الوهاب، حدّثنا خالد بن الحارث، قال:
стр. 3048
سئل عبيد الله عن المحضب، فحدثنا عبيد الله، عن نافع، قال: "نزل بها رسولُ الله ﷺ وعمر وابن عمر".
وعن نافع أن ابن عمر ﵄ كان يصلي بها -يعني المحصَّب- الظهر والعصر -أحسبه قال: والمغرب-، قال خالد: لا أشك في العشاء، ويهجع هجعة، ويذكر ذلك عن النبيّ ﷺ .
• عن أبي رافع، قال: لَمْ يَأْمُرْنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَنْزِلَ الأَبْطَحَ حِينَ خَرَجَ مِنْ مِنًى وَلَكِنِّي جِئْثُ فَضَرَبْتُ فِيهِ قُبَّتَهُ فَجَاءَ فَنَزَلَ.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣١٣) من طريق سفيان بن عيينة، عن صالح بن كيسان، عن سليمان بن يسار، قال: قال أبو رافع، فذكره.
وزاد في رواية: "عن أبي رافع وكان على ثقل النبيّ ﷺ ".
والثقل: العيال، وما يثقل حمله من الأمتعة.
• * *
стр. 3049
جموع ما جاء في صفة حجّة النبيّ ﷺ كما رواها جابر وغيره، وما جاء فيه من الأحكام
١ - باب صفة حجّة النبيّ ﷺ كما رواها جابر بن عبد الله
• عن حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي فَنَزَعَ زِرِّي الأَعْلَى ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الأَسْفَلَ ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ، يَا ابْنَ أَخِي، سَلْ عَمَّا شِئْتَ، فَسَأَلْتُهُ وَهُوَ أَعْمَى وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَقَامَ فِي نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفًا بِهَا، كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ مِنْ صِغَرِهَا وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ عَلَى الْمِشْجَبِ فَصَلَّى بِنَا، فَقُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ بِيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعًا فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَاجٌّ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: "اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي". فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكَ" وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ.
قَالَ جَابِرٌ ﵁: لَسْنَا نَنْوِي إِلا الْحَجَّ لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].
стр. 3050
فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ ولا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ , ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ "أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ".
فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: "لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ"، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ، فَقَالَ: "لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً"، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الأُخْرَى، وَقَالَ: "دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ لا بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ" وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ ﵂ مِمَّنْ حَلَّ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا، قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: "صَدَقَتْ صَدَقَتْ! مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ " قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ! إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ: "فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ". قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِائَةً قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا، إلا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ
стр. 3051
عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ -كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ-، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ " قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: "أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ" كُلَّمَا أَتَى حَبْلا مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلا، حَتَّى تَصْعَدَ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ وَكَانَ رَجُلا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ
стр. 3052
وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَقَالَ: "انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ". فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طرق، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، به، فذكره.
٢ - باب ما جاء من أين أهلّ النبيّ ﷺ ومتي ؟
• عن عبد الله بن عمر، قال: رأيتُ رسول الله ﷺ ركب راحلتَه بذي الحليفة، ثم يُهلُّ حين تستوي به قائمة.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥١٤)، ومسلم في الحج (١١٨٧: ٢٩) كلاهما من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، أنّ سالم بن عبد الله أخبره، أنّ عبد الله بن عمر، قال (فذكره).
• عن عبد الله بن عمر قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله ﷺ فيها، ما أهلّ رسولُ الله ﷺ إلّا من عند المسجد يعني ذا الحليفة.
وفي رواية: كان ابن عمر إذا قيل له: الإحرام من البيداء؟ قال: "البيداء التي تكذبون فيها على رسول الله ﷺ ، ما أهلّ رسول الله ﷺ إلا من عند الشجرة حين قام بعيره.
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٣٢) عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، أنه سمع أباه يقول (فذكره).
ومن طريقه رواه مسلم في الحج (١١٨٦)، والبخاريّ في الحج (١٥٤١) إلا أنه اختصره. والرواية الثانية عند مسلم من وجه آخر عن موسى بن عقبة.
وقوله: "تكذبون على رسول الله ﷺ " أي تقولون: إنّه أحرم من البيداء، والصحيح أنه لم يحرم من البيداء، وإنما أحرم قبلها من عند مسجد ذي الحليفة، ومن عند الشجرة التي كانت هناك.
• عن أنس بن مالك، قال: صلّى النبيُّ ﷺ بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة، فلما ركب راحلته واستوتْ به أهلَّ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٥٤٦) عن عبد الله بن محمد، حدّثنا هشام بن يوسف، أخبرنا ابن جريج، حدّثنا محمد بن المنكدر، عن أنس بن مالك، فذكره. ورواه البخاريّ (١٥٥١) من وجه آخر عن أبي قلابة، عن أنس، فذكر مثله وزاد فيه: "حتى استوت به على البيداء حمد الله، وسبَّح، وكبَّر، ثم أهلّ بحجّ وعمرة، وأهلّ النّاسُ بهما".
стр. 3053
ورواه مسلم في صلاة المسافرين (٦٩٠: ١١) طرفًا من الحديث من طريقين محمد بن المنكدر، وإبراهيم بن ميسرة أنهما سمعا أنس بن مالك، فذكره. ولم يذكر إهلال النبيّ ﷺ .
فلذلك مِن أهل العلم مَن جعله متفقًا عليه، ومنهم من جعله حديثين مستقلين.
• عن جابر بن عبد الله، قال: إنّ إهلال رسول الله ﷺ من ذي الحليفة حين استوتْ به راحلتُه.
صحيح: رواه البخاريّ في كتاب الحج (١٥١٥) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا الوليد، حدّثنا الأوزاعيّ سمع عطاء يحدِّث عن جابر بن عبد الله، فذكره.
وقال البخاريّ عقبه: رواه أنس وابن عباس ﵃.
• عن عبد الله بن عباس، قال: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِن الْمَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَه وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِن الَأرْدِيَةِ وَالأُزُرِ تُلْبَسُ إِلا الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ، فَأَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَي عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُه، وقلَّد بدنته، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة، فقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة، فطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، ولم يحل من أجل بدنه لأنه قلَّدها، ثم نزل بأعلى مكة عند الحجون وهو مُهِلٌّ بالحج، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة، وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يقصروا من رؤوسهم ثم يحلوا، وذلك لمن لم يكن معه بدنة قلدها، ومن كانت معه امرأته فهي له حلال والطيب والثياب.
صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٥٤٥) عن محمد بن أبي بكر المقدّمي، حدّثنا فضيل بن سليمان، حدّثني موسى بن عقبة، أخبرني كريب، عن ابن عباس، قال: فذكره.
وفي الباب عن سعيد بن جبير، قال: قلتُ: لعبد الله بن عَبَّاسٍ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ! عَجِبْتُ لاخْتِلافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي إِهْلَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ أَوْجَبَ؟ فَقَالَ: "إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ, إِنَّهَا إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَجَّةً وَاحِدَةً فَمِنْ هُنَاكَ اخْتَلَفُوا! خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَاجًّا, فَلَمَّا صَلَّى فِي مَسْجِدِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْهِ أَوْجَبَ فِي مَجْلِسِهِ فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ فَحَفِظْتُهُ عَنْهُ, ثُمَّ رَكِبَ فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ أَهَلَّ وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ, وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا كَانُوا يَأْتُونَ أَرْسَالًا فَسَمِعُوهُ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ يُهِلُّ, فَقَالُوا: إِنَّمَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ , ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمَّا عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ، فَقَالُوا: إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ، وَأيْمُ اللهِ! لَقَدْ أَوْجَبَ فِي مُصَلاهُ، وَأَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ، وَأَهَلَّ حِينَ عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ.
стр. 3054
قَالَ سَعِيدُ: فَمَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ عبد الله بْنِ عَبَّاسٍ أَهَلَّ فِي مُصَلاهُ إِذَا فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ.
رواه أبو داود (١٧٧٠) عن محمد بن منصور، حدّثنا يعقوب -يعني ابن إبراهيم-، عن أبيه، عن ابن إسحاق، قال: حدثني خُصيف بن عبد الرحمن الجزريّ، عن سعيد بن جبير، قال (فذكره).
ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (٢٣٥٨) وصحّحه الحاكم (١/ ٤٥١) على شرط مسلم.
والصّواب أنه ليس على شرط مسلم، فإن خصيف بن عبد الرحمن الجزريّ ليس من رجال مسلم، ثم هو مختلف فيه فضعّفه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما؛ لأنه كما قال أبو حاتم: يخلط وتُكلِّم في سوء حفظه. وقال ابن حبان: "كان شيخًا صالحًا فقيهًا عابدًا إلا أنه كان يخطئ كثيرًا فيما يروي، وينفرد عن المشاهير بما لا يتابع عليه، وهو صدوق في روايته".
وقال البيهقيّ (٥/ ٣٧): "خصيف الجزريّ غير قوي، وقد رواه الواقدي بإسناد له عن ابن عباس إلا أنه لا تنفع متابعة الواقدي، والأحاديث وردت في ذلك عن ابن عمر وغيره أسانيدها قوية ثابتة". اهـ.
وأورده البغويّ في "شرحه" (٧/ ٥٨) بصيغة التمريض إشارة إلى ضعفه.
فقوله في الحديث: "وأيم الله لقد أوجب في مصلاه" يخالف ما رواه الثقات عن ابن عباس بأن النبيّ ﷺ أهلّ حين استوت راحلته على البيداء.
وحديث ابن عباس هذا رواه الترمذي (٨١٩)، والنسائي (٢٧٥٥) كلاهما عن قتيبة، حدّثنا عبد السلام، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنّ رسول الله ﷺ أهل في دبر الصلاة. هكذا روياه باختصار.
واختلف حكم الترمذيّ في النّسخ، ففي نسخة "حسن غريب"، وفي نسخة "غريب".
وأمّا قول الترمذيّ: "لا نعرف أحدًا رواه غير عبد السلام بن حرب" فقد رأيت رواه أيضًا محمد ابن إسحاق مطوّلًا، فإن كان قصده هكذا مختصرا فصحيح وإلا فلا. ثم قال الترمذي: "وهو الذي يستحبه أهل العلم أن يُحرم الرجل في دبر الصلاة".
قلت: وهو قول أبي حنيفة والإمام أحمد وغيرهما.
وذهب مالك، والشافعي، وغيرهما إلى أن الأفضل أن يُحرم عند ابتداء السير وانبعاث الرّاحلة.
وأمّا ما رُوي عن سعد بن أبي وقاص قال: "كان نبي الله ﷺ إذا أخذ طريق الفرع أهلّ إذا استقلت به راحلته، وإذا أخذ طريق أحد أهلَّ إذا أشرف على جبل البيداء" فهو ضعيف.
رواه أبو داود (١٧٧٥) عن محمد بن بشار، حدّثنا وهب -يعني ابن جرير-، حدّثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن أبي الزّناد، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، قالت: قال سعد بن أبي وقاص، فذكرته. وابن إسحاق مدلس، وقد انفرد بهذه السنة ولم يتابعه على ذلك أحد.
стр. 3055
٣ - باب استحباب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال بالحج والعمرة عند الركوب
• عن أنس، قال: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَ النَّاسَ فَحَلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ قَالَ: وَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًا، وَذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٥١)، ومسلم في صلاة المسافرين (٦٩٠) كلاهما من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، به.
واللفظ للبخاريّ، واقتصر مسلمٌ على أوّله في ذكر الصّلاة.
٤ - باب الإهلال بالحج أو العمرة مستقبل القبلة
• عن نافع، قَال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا صَلَّى الْغَدَاة بِذِي الْحُلَيْفَةِ أَمَرَ بَرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ رَكِبَ فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَائِمًا ثُمَّ يُلَبِّي حَتَّى يَبْلُغَ الْحَرَمَ ثُمَّ يَمْسِكُ حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوًى بَاتَ بِهِ حَتَّى يُصْبحَ فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ اغْتَسَلَ وَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٥٣)، ومسلم في الحج (١١٨٧: ٢٧، ٢٨) كلاهما عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. واللفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم مختصر.
٥ - باب رفع الصوت بالإهلال بالحج أو بالعمرة أو بهما
• عن أنس، قال: صلى النبيُّ ﷺ بالمدينة الظّهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، وسمعتهم يصرخون بهما جميعًا.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٤٨)، ومسلم في صلاة المسافرين (٦٩٠) كلاهما من حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، به. واللفظ للبخاريّ، ولم يذكر مسلمٌ الشّطر الأخير، وهو قوله: "وسمعتهم ... إلخ".
٦ - باب صلاة النبيّ ﷺ في ذي الحليفة بوادي العقيق عند الذهاب إلى الحجّ أو العمرة والرجوع منهما
• عن عمر بن الخطاب، قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ: "أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ".
стр. 3056
صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٥٣٤) عن الحميديّ، حدّثنا الوليد وبشر بن بكر التّنيسيّ، قالا: حدثنا الأوزاعيّ، حدثني يحيى، حدثني عكرمة، أنه سمع ابن عباس، أنه سمع عمر، فذكره.
• عن ابن عمر: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَصَلَّي بِهَا. قَالَ نَافِع: وكانَ عبد الله بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذِلِكَ.
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٢٠٦) عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
ورواه البخاريّ في الحج (١٥٣٢)، ومسلم في الحج (١٢٥٧: ٤٣٠) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
ورواه البخاريّ أيضًا (١٥٣٣) من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أنّ رسول الله ﷺ كان يخرجُ من طريق الشجرة، ويدخل من طريق المعرَّس، وأنّ رسول الله ﷺ كان إذا خرج إلى مكة بصلي في مسجد الشجرة، وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي، وبات حتى يصبح.
٧ - باب في صيغة تلبية رسول الله ﷺ -
• عن ابن عمر: أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لا شَرِيكَ لَك".
قَال: وَكَانَ عبد الله بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ.
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٢٨) عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
ورواه البخاري في الحج (١٥٤٩)، ومسلم في الحج (١١٨٤: ١٩) من طريق مالك، به، مثله. إلّا أن البخاريّ لم يذكر تلبية ابن عمر.
ورواه البخاريّ في اللباس (٥٩١٥)، ومسلم في الحج (١١٨٤: ٢١) كلاهما من طريق عبد الله ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب الزهريّ، أن سالم بن عبد الله بن عمر، أخبرني، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يهلّ ملبِّدًا يقول (فذكر تلبية رسول الله ﷺ -كما في رواية مالك-) ثم قال: "لا يزيد على هؤلاء الكلمات".
زاد مسلم: "وكان عبد الله بن عمر ﵄ يقول: كان عمر بن الخطاب يهلّ بإهلال رسول الله ﷺ من هؤلاء الكلمات ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك والخير في يديك لبيك، والرَّغباء إليك والعمل".
وقال الترمذي (٨٢٦) عقب حديث ابن عمر: "حديث ابن عمر حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم، وهو قول سفيان والشافعي وأحمد
стр. 3057
وإسحاق".
قال الشافعي: "إن زاد في التلبية شيئًا من تعظيم الله فلا بأس إن شاء الله، وأحبُّ أن يقتصر على تلبية رسول الله ﷺ " انتهى.
والزيادات التي زادها ابن عمر الصحيح أنها من زيادات أبيه، وأنه اقتدى به في ذلك.
• عن عائشة، قالت: إنّي لأعلمُ كيف كان النبيُّ ﷺ يُلبِّي: "لبيك اللهمَّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنّعمة لك".
صحيح: رواه البخاري في الحج (١٥٥٠) عن محمد بن يوسف، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن عُمارة (هو ابن عُمير التيميّ)، عن أبي عطية (هو الوادعيّ الكوفيّ)، عن عائشة، فذكرته.
• عن جابر، قال: فَأهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعَمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكَ".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طرق عن حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد الله، فذكر صفة حجّة النبيّ ﷺ في حديث طويل كما مضى.
ورواه أبو داود (١٨١٣) عن الإمام أحمد -وهو في مسنده (١٤٤٠) - عن يحيى بن سعيد، حدّثنا جعفر بإسناده، مثله وزاد: والناس يزيدون: "ذا المعارج، ونحوه من الكلام، والنبيّ ﷺ يسمع فلا يقول لهم شيئًا".
وهذه الزّيادة صحيحة رواها أيضًا ابن خزيمة في "صحيحه" (٢٦٢٦) من حديث يحيي بن سعيد بإسناده، مثله.
• عن عبد الله بن عباس، قال: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَيْلَكُمْ! قَدْ قَدْ". فَيَقُولُونَ: إِلا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ، وَمَا مَلَكَ. يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١١٨٥) عن عباس بن عبد العظيم العنبري، حدثنا النضر بن محمد اليماميّ، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا أبو زميل (وهو سماك بن الوليد الحنفي)، عن ابن عباس، فذكره.
وأما ما روي عن ابن عباس أنه إذا لبي يقول: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك". قال ابن عباس: إنها تلبية رسول الله ﷺ .
رواه أحمد (٢٤٠٤) عن حسن بن موسي، حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن الضحاك بن مزاحم، قال: كان ابن عباس إذا لبي يقول: فذكره.
стр. 3058
وزهير هو ابن معاوية، سمع من أبي إسحاق بعد اختلاطه، والضحاك بن مزاحم صاحب التفسير لم يسمع من ابن عباس.
سئل الإمام أحمد: لقي الضحاك ابن عباس؟ فقال: ما علمت. قيل: فممن سمع التفسير؟ قال: يقولون: من سعيد بن جبير.
• عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال في تلبيته: "لبيك إله الحقّ لبيك".
صحيح: رواه النسائيّ (٢٧٥٢)، وابن ماجه (٢٩٢٠). وصححه ابن خزيمة (٢٦٢٤)، وابن حبان (٣٨٠٠)، والحاكم (١/ ٤٤٩) كلّهم من حديث عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل، حدثه عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده صحيح.
ولكن قال النسائيّ: "لا أعلم أحدًا أسند هذا عن عبد الله بن الفضل إلّا عبد العزيز، ورواه إسماعيل بن أمية عنه مرسلًا".
وقال في الكبرى: "لا أعلم أحدًا أسند هذا الحديث غير عبد الله بن الفضل، وعبد الله بن الفضل ثقة، خالفه إسماعيل بن أمية".
قلت: فاختلف كلامه في مخالفة إسماعيل لمن؟ ولم أقف على روايته حتى الآن، وتوثيق النسائيّ لعبد الله بن الفضل إشارة إلى قبول زيادته.
• عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يلبّي: "لبيك حقًّا حقًّا، تعبّدًا ورقًّا".
صحيح: رواه الخطيب في تاريخه (١٤/ ٢١٥) عن أبي عمر بن مهدي، أخبرنا محمد بن مخلد، حدّثنا يحيى بن محمد بن أعين، حدّثنا النّضر بن شميل، أخبرنا هشام بن حسّان، عن محمد بن سيرين، عن أخيه يحيى بن سيرين، عن أنس بن مالك، فذكره.
هذا إسناد صحيح، رواه البزار -"كشف الأستار" (١٠٩٠) - عن بعض أصحابه يحدّث عن النضر بن شميل بإسناده إلا أنه لم يسم شيخه.
ولكن قال الدارقطني كما نقله الخطيب عقب الحديث: "تفرّد به يحيي بن محمد بن أعين، عن النّضر بن شميل بهذا الإسناد، وما سمعناه إلا عن ابن مخلد".
فتعقبه الخطيب بقوله: "قلت: قد رواه هدية بن عبد الوهاب المروزيّ، عن النّضر بن شميل كرواية، ابن أعين عنه، ثم ذكر هذه الرواية".
ويحيي بن محمد بن أعين بن أبي الوزير ثقة كما قال الخطيب، فلا يضرّ لو تفرّد مع أنه قد توبع.
وأما ما رواه البزار (١٠٩١) من طريق حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، بإسناده موقوفًا على أنس. وقول البزار: "لم يسند حماد، وأسنده النّضر بن شميل، ولم يحدّث يحيي بن سيرين عن أنس إلا هذا" فلا يُعلّ من أسنده لأنه أوثق من حماد بن زيد، وكون يحيي بن سيرين لم يحدّث عن أنس إلّا هذا فهو مدفوع أيضًا؛ لأنّ يحيى بن سيرين الأنصاريّ من ثقات التابعين.
стр. 3059
وأروده الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٢٣) ولم ير هذه العلة قادحة ولذا اكتفى بقوله: "رواه البزار مرفوعًا وموقوفًا، ولم يسم شيخه في المرفوع".
وفي الباب ما رُوي عن عمرو بن معدي كرب الزُّبيديّ لقد رأيتنا من قرب، ونحن إذا حججنا قلنا:
لبيك تعظيمًا إليك عذرًا ... هذي زبيدا قد أتتك قصرًا
يقطعن خبنا وجبالًا وعرًا ... خلفوا الأنداد خلْوًا صفرًا
ولقد رأيتنا وقوفنا ببطن محسّر نخاف أن تتخطّفنا الجنّ، فقال لنا رسول الله ﷺ : "ارتفعوا عن بطن عرنة، فإنهم إخوانكم إذ أسلموا" وعلمنا التلبية: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد والنّعمة لك والملك لا شريك لك".
رواه الطبراني في "الأوسط" (٢٣٠٣)، و"الصغير" (١٥٧) عن أحمد بن محمد بن عباد الجوهريّ البغداديّ، حدّثنا محمد بن زياد الكلبيّ، حدّثنا شَرقي بن القُطاميّ، قال: سمعت أبا طلْق العائديّ، يحدّث عن شراحيل بن القعقاع، عن عمرو بن معدي كرب الزّبيديّ، فذكره.
هكذا في "الأوسط" و"الصغير" وقال فيهما: "لم يرو هذا الحديث عن شرقي بن القطاميّ إلا محمد بن زياد بن زبَّار الكلبيّ".
ورواه البزار -"كشف الأستار" (١٠٩٣) - من وجه آخر عن محمد بن زياد بن زبّار، بإسناده، ولكنه ذكر البيت هكذا:
هذي زبيد قد أتتك قسرًا ... تغدو بها مضمرات شزرًا
يقطعن خبتًا وجبالًا وعرًا ... قد تركوا الأصنام خلوا صفرًا.
وقال: "إسناده ليس بالثابت، وإنما يحتمل إذا لم نعرف غيره، وقد أسلم عمرو في زمن النبيّ ﷺ ولم يحدث بها".
وأعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٢٢) بعد أن عزاه للبزّار والمعاجم الثلاثة للطبراني: "وفيه شرقي بن قطاميّ، وهو ضعيف".
وهذا كله يشير إلى أن الطبراني في "المعجم الكبير" رواه أيضًا من هذا الوجه، ولكن رواه في "المعجم الكبير" (١٧/ ٤٦ - ٤٧) من طريق عمرو بن سمر، عن أبي طوق، عن شراحيل بن القعقاع، بإسناده، نحوه. ولا يلتقي إلّا في شراحيل بن القعقاع.
وقوله في "المعجمين" يشعر أنه لا يُروى هذا الحديث إلا من حديث محمد بن زياد الكلبي، عن شرقي بن القطامي فتنبّه.
وهو في "المعرفة والتاريخ" (١/ ٣٣٢ - ٣٣٣) من هذا الوجه باختصار.
وعمرو بن شمر هذا هو الجعفيّ الكوفيّ ترجمه ابن حبان في المجروحين (٦١٧) وقال: "كان
стр. 3060
رافضيًا يشتم أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان ممن يروي الموضوعات عن الثقات في فضائل أهل البيت وغيرها، ولا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب".
ونقل عن يحيى بن معين قال: "ليس بثقة" وفي رواية أخرى: "لا يكتب حديثه". والحديث هذا أخرجه الخطيب في ترجمة أحمد بن محمد بن عباد الجوهريّ البغداديّ (٥/ ٥٥).
وفيه أيضًا محمد بن زياد وهو ابن زبّار الكلبيّ قال ابن معين: "لا شيء"، وقال صالح جزرة: "ليس بذاك كما في "الميزان" للذهبي" (٣/ ٥٨١).
وقال ابن حبان في ترجمة شراحيل بن القعقاع في "الثقات" (٤/ ٣٦٥): "والخبر ما أراه بمحفوظ عنه".
٨ - باب في استحباب رفع الصوت بالتلبية
• عن عبد الله بن عباس، قال: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَمَرَرْنَا بِوَادٍ فَقَالَ: "أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ ". فَقَالُوا: وَادِي الأَزْرَقِ، فَقَال: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ﷺ -فَذَكَرَ مِنْ لَوْنِهِ وَشَعَرِهِ شَيْئًا لَمْ يَحْفَظْهُ دَاوُدُ- وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي".
قَالَ ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنِيَّةٍ، فَقَالَ: "أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ " قَالُوا: هَرْشَى أَوْ لِفْتٌ، فَقَالَ: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ خُلْبَةٌ مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي مُلَبِّيًا".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٦٦: ٢٦٩) عن محمد بن المثنى، حدّثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن أبي العالية، عن ابن عباس، فذكره.
• عن أبي سعيد الخدريّ، قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً إِلا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَرُحْنَا إِلَى مِنًى أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٤٧) عن عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حدثنا داود (هو ابن أبي هند)، عن أبي نضرة (هو المنذر بن مالك بن قطعة)، عن أبي سعيد، فذكره.
• عن جابر، وأبي سعيد الخدريّ، قالا: قَدِمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ نُصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٤٨) عن حجّاج بن الشاعر، حدثنا معلّي بن أسد، حدثنا
стр. 3061
وهيب بن خالد، عن داود (هو ابن أبي هند)، عن أبي نضرة (المنذر بن مالك بن قطعة)، عن جابر، وعن أبي سعيد الخدريّ ﵄، قالا (فذكراه).
• عن السّائب بن خلّاد بن سويد الأنصاريّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي -أو مَنْ مَعِي- أَنْ يَرْفَعوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ أو بالإِهْلالِ يُرِيدُ أَحَدَهُمَا".
صحيح: رواه مالك في الحج (٣٤) عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشام، عن خلّاد بن السائب الأنصاريّ، عن أبيه، به.
ورواه أبو داود في المناسك (١٨١٤) عن القعنبيّ، عن مالك، به، مثله.
ورواه الترمذيّ (٨٢٩)، والنسائي (٢٧٥٢)، وابن ماجه (٢٩٢٢) كلهم من طريق سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر، به، مثله إلا أنه وقع في رواية الترمذي: "بالإهلال والتلبية".
وفي رواية النسائي: "بالتلبية" فقط، وفي رواية ابن ماجه: "بالإهلال" فقط.
ورواه أيضًا الإمام أحمد (١٦٥٥٧) عن سفيان بن عيينة، به، بمثل لفظ ابن ماجه، وإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات.
قال الترمذي: "حديث خلّاد عن أبيه حديث صحيح".
وصحّحه ابن خزيمة (٢٦٢٥، ٢٦٢٧)، وابن حبان (٣٨٠٢)، والحاكم (١/ ٤٥٠) من طريق سفيان، به. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".
• عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "إن جبريل أتاني، فأمرني أن أعلن بالتلبية".
حسن: رواه أحمد (٢٩٥٠) والبخاري في تاريخه (٢/ ١٨٧) كلاهما من حديث عبد الصمد، حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن عبد الله بن دينار، حدثنا أبو حازم، عن جعفر بن عباس، عن ابن عباس، فذكره. وجعفر بن عباس هو: جعفر بن تمام بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، كما نسبه البخاري في تاريخه.
وإسناده حسن من أجل جعفر بن تمام بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٦/ ١٣٢).
وقال في التعجيل: "روى عنه أبو علي الزراد وأبو حازم وابن أبي ذئب وغيرهم، قال أبو زرعة: "مدني ثقة"، وقال ابن سعد: "انقرض ولده، فلم يبق منهم أحد. ذكره في الطبقة الثالثة من التابعين".
ثم ذكر في ترجمة جعفر بن عباس أو ابن عياش عن ابن عباس، وعنه أبو حازم، لا يعرف. ظنا من المؤلف بأنهما اثنان، والصواب أنهما واحد، كما ذكره البخاري في تاريخه.
• عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : "جاءني جبريل فقال: يا
стр. 3062
محمد! ، مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها من شعائر الحج".
حسن: رواه ابن ماجه (٢٩٢٣) وابن خزيمة (٢٦٢٨) وابن حبان (٣٨٠٣) والحاكم (١/ ٤٥٠) كلهم من حديث سفيان، عن عبد الله بن أبي لبيد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن خلاد ابن السائب، عن زيد بن خالد الجهني، فذكره. قال الحاكم: "صحيح الإسناد".
وإسناده حسن من أجل الكلام في المطلب بن حنطب إلا أنه حسن الحديث.
وقد روي عن أبي هريرة مثله، رواه أحمد (٨٣١٤) وابن خزيمة (٢٦٣٠) والحاكم (١/ ٤٥٠) وعنه البيهقي (٥/ ٤٢) كلهم من حديث أسامة بن زيد، قال: حدثني عبد الله بن أبي لبيد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، قال: سمعت أبا هريرة، فذكره.
أخطأ فيه أسامة بن زيد الليثي، وهو وُصِفَ بالخطأ من قبل حفظه، فخالف سفيان الثوري وشعبة؛ فإنهما جعلاه من مسند زيد بن خالد الجهني، وهو الصواب، كما نص عليه الحافظ ابن حجر وغيره.
٩ - باب ما جاء في فضل التلبية
• عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا".
حسن: رواه الترمذيّ (٨٢٨)، وابن ماجه (٢٩٢١) كلاهما من طريق إسماعيل بن عياش، حدثنا عمارة بن غزية الأنصاريّ، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، فذكره.
وإسماعيل بن عياش هو الحمصيّ صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلّط في غيرهم. وهنا شيخه عمارة بن غزية الأنصاريّ ليس من أهل بلده، وإنما هو مدني، ولكن لم يخلط في هذا الحديث لمتابعة عبيدة بن حميد له.
ومن طريقه رواه الترمذي، وابن خزيمة (٢٦٣٤)، والحاكم (١/ ٤٥١)، وعنه البيهقي (٥/ ٤٣) عن عمارة بن غزية بإسناده، مثله.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
قلت: هذا وهم منه فإن عبيدة بن حميد من رجال البخاريّ وحده غير أنه حسن الحديث.
• عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الحجّ: العَجُّ والثَّجّ". فأمّا العجّ فالتلبية، وأما الثجّ فنحر البُدن.
حسن: رواه أبو يعلى (٥٠٨٢) عن أبي هشام الرّفاعيّ، حدثنا أبو أسامة، حدثنا أبو حنيفة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله، قال (فذكره).
وفي الإسناد أبو هشام وهو محمد بن يزيد بن محمد الرفاعي ضعّفه النسائيّ، ووثقه الدارقطنيّ
стр. 3063
إلا أنه توبع.
فقد أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة بإسناده كما في "المطالب العالية" (١٢٧٣). وأبو حنيفة هو النعمان بن ثابت الإمام الفقيه المشهور.
ويشهد له حديث أبي بكر الصديق أن النبيّ ﷺ سئل أي الحجّ أفضل؟ قال: "العجّ والثجّ".
رواه الترمذيّ (٨٢٧)، وابن ماجه (٢٩٤٢) وصححه ابن خزيمة (٢٦٣١)، والحاكم (١/ ٤٥١) وعنه البيهقيّ (٥/ ٤٢) كلّهم من طريق محمد بن إسماعيل بن فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الرحمن بن يربوع، عن أبي بكر الصديق، فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح".
وأعلّه الترمذيّ بالانقطاع فقال: "حديث أبي بكر حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي فديك، عن الضّحاك بن عثمان، ومحمد بن المنكدر لم يسمع من عبد الرحمن بن يربوع".
قلت: ورواه البيهقيّ (٥/ ٤٢ - ٤٣) من طريق أبي نعيم ضرار بن صرد، حدّثنا ابن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن ابن المنكدر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، عن أبيه، عن أبي بكر، فذكر الحديث.
وزاد فيه "سعيد بن عبد الرحمن" فصار الإسناد متصلًا، ولكن قال الترمذيّ: "أخطأ فيه ضرار وعزاه إلى الإمام أحمد". وقال البخاريّ: "هو خطأ. قال: فقلت: قد رواه غيره عن أبي فديك أيضًا مثل روايته. فقال: لا شيء، إنما رووه عن ابن أبي فديك ولم يذكروا فيه: عن سعيد بن عبد الرحمن. ورأيته يضعف ضرار بن صرد" انتهى.
وكذلك رجّح الدارقطني في "العلل" (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠) الرواية المنقطعة على المتصلة.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن ابن عمر، قال: قام رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: من الحاجُّ؟ يا رسول الله! قال: "الشعثُ التَّفل". فقام رجل آخر فقال: أيّ الحجّ أفضل؟ قال: "العجُّ والثجُّ". فقام رجل آخر فقال: ما السبيل؟ يا رسول الله! قال: "الزّاد والراحلة".
رواه الترمذيّ (٢٩٩٨)، وابن ماجه (٢٨٩٦)، والبيهقي (٥/ ٥٨) كلّهم من حديث إبراهيم بن يزيد المكيّ، عن محمد بن عباد بن جعفر المخزوميّ، عن ابن عمر، فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه من حديث ابن عمر إلا من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزيّ المكيّ، وقد تكلّم بعض أهل الحديث في إبراهيم بن يزيد من قبل حفظه".
قلت: بل إبراهيم بن يزيد الخوزيّ ضعيف جدًا، وقد رماه البعض بالكذب، وليس كما قال الترمذيّ.
стр. 3064
١٠ - باب من قال بقطع التلبية عند دخول مكة
• عن نافع، قال: كان ابن عمر ﵄ إِذَا دَخَل أَدْنَى الْحَرَم أَمْسَكَ عَن التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٧٣) من طريق إسماعيل بن علية. ومسلم في الحج (١٢٥٩) من طريق حماد بن زيد، كلاهما عن أيوب، عن نافع، به. واللفظ للبخاري. ومسلم نحوه لكنه لم يذكر الإمساك عن التلبية.
ورواه البخاريّ في الحج أيضًا (١٥٥٣) معلقًا من طريق عبد الوارث (هو ابن سعيد العنبريّ) عن نافع، به، نحوه، وفيه: " ... ثم يلبّي حتى يبلغ الحرم ثم يمسك".
قلت: وهذا للمعتمر أو المتمتع للعمرة إلى الحجّ، ثم إنّه يبدأ بالتلبية يوم التروية إلى أن يرمي الجمرة كما في الباب الذي يليه.
١١ - باب استحباب الاستدامة على التلبية في الحج إلى رمي جمرة العقبة يوم النحر
• عن أسامة بن زيد، قال: رَدِفْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشِّعْبَ الأَيْسَرَ الَّذِي دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ أَنَاخَ، فَبَالَ ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا. فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ أَمَامَكَ"، فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى، ثُمَّ رَدِفَ الْفَضْلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ جَمْعٍ.
قَالَ كُرَيْبٌ: فَأَخْبَرَنِي عبد الله بْنُ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ الْفَضْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٦٩)، ومسلم في الحج (١٢٨٠) كلاهما عن طريق إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة، عن كريب مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد، به، فذكره.
• عن عبد الله بن عباس، أنّ النبيّ ﷺ أردف الفضل، فأخبر الفضل أنه لم يزل يُلبي حتى رمي الجمرة.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٨٥)، ومسلم في الحج (١٢٨١) كلاهما من حديث ابن جريج، أخبرني عطاء، أخبرني ابن عباس، فذكره.
• عن الفضل بن عباس -وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ - أَنَّهُ قَالَ فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ وَغَدَاةِ جَمْعٍ للنَّاسِ حِينَ دَفَعُوا: "عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ"، وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ حَتَّى دَخَلَ
стр. 3065
مُحَسِّرًا -وَهُوَ مِنْ مِنًى- قَال: "عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الَّذِي يُرْمَي بِهِ الْجَمْرَةُ". وَقَالَ لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَي الْجَمْرَةَ.
صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٢٨٢) من طريق أبي الزبير، عن أبي معبد مولي ابن عباس، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس، فذكره.
• عن عكرمة قال: أفضتُ مع الحسين بن علي من المزدلفة فلم أزل أسمعه يُلبِّي حتى رمي جمرة العقبة، فسألتُه فقال: أفضتُ مع أبي من المزدلفة فلم أزل أسمعه يُلبِّي حتى رمي جمرة العقبة، فسالتُه فقال: أفضتُ مع النبي ﷺ من المزدلفة فلم أزل أسمعه يُلبِّي حتى رمَي جمرة العقبة.
حسن: رواه الإمام أحمد (٩١٥) وأبو يعلى (٣٢١) والطحاوي في "شرح المشكل" (٣٩٢١) والبيهقي (٥/ ١٣٨) كلهم من حديث محمد بن إسحاق قال: حدثني أبانُ بن صالح عن عكرمة قال: فذكره.
زاد الطحاوي، قال: "فرجعتُ إلى ابن عباس فأخبرتُه فقال عبد الله بن عباس: صدق، أخبرني الفضلُ أخي أن رسولَ الله ﷺ لبَّى حتى انتهى".
وإسنادُه حسن من أجل محمد بن إسحاق، وهو وإنْ كان مدلسًا إلا أنه صرّح بالتحديث في رواية البيهقي وأبي يعلي.
وقولُه: "حتى رمي الجمرة" يُفهم منه الانتهاء من رمي جمرة العقبة سبع حصيات، وقد جاء مصرَّحًا به في الحديث الآتي.
• عن الفضل بن عباس قال: أفضتُ مع النبي ﷺ في عرفات، فلم يزل يُلبِّي حتى رمي جمرة العقبة، يكبِّر مع كل حصاةٍ، ثم قطَع التلبيةَ مع آخرها حصاةً.
حسن: رواه ابنُ خزيمة (٢٨٨٧) عن عمر بن حفص الشيباني -وفي المطبوعة: محمد بن عمر، وهو خطأ- ثنا حفص بن غياث، ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عمر بن حسين، عن ابن عباس، عن أخيه الفضل، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمر بن حفص الشيباني -شيخ ابن خزيمة-، وفي "التهذيب": "واحتج به ابنُ خزيمة في صحيحه" وفي "التقريب": "صدوق".
قال ابنُ خزيمة: "فهذا الخبر يصرح أنه قطع التلبية مع آخر حصاةٍ، لا، مع أولها".
وارتضاه الحافظ في "الفتح" (٣/ ٥٣٣) وقال: "وإن المراد بقوله: حتى رمَي جمرة العقبة، أي أتم رميها".
ورَوى هذا الحديث ابنُ حزم في كتاب حجة الوداع من حديث أبي الزبير، عن أبي معبد مولي
стр. 3066
ابن عباس، عن الفضل بن عباس، ولفظه: "ولم يزل ﵇ يُلبِّي حتى أتم رمي جمرة العقبة"، ذكره ابنُ التركماني في الجوهر النقي، وقال: "إسنادُه جيد".
ولكنْ استغربه البيهقي (٥/ ١٣٧) وقال: "تكبيره مع كل حصاةٍ" كالدلالة على قطعه التلبية بأول حصاةٍ، كما رُوينا في حديث عبد الله بن مسعود، وقوله: "يُلبِّي حتى رمي الجمرة" أراد به حتى أخذ في رمي الجمرة".
وقال: "وأما ما في رواية الفضل بن عباس من الزيادة فإنها غريبة، أوردها محمد بن إسحاق بن خزيمة، واختارها، وليست في الروايات المشهورة عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس" انتهى.
قلت: الغريب في الأمر أن البيهقي روي بعد ذلك حديث عبد الله بن مسعود، وفيه تهليل، وتكبير، وهو ما يأتي.
• عن ابن سخبرة قال: غدوتُ مع عبد الله بن مسعود من مني إلى عرفات، فكان يُلبِّي، قال: وكان عبد الله رجلًا آدم له ضفران عليه مِسحةُ أهل البادية، فاجتمع عليه غوغاءُ من غوغاء الناس، قالوا: يا أعرابي! ، إن هذا ليس يوم تلبية، وإنما هو يومُ تكبير، قال: فعند ذلك التفتَ إليّ فقال: أجهل الناسُ أم نسوا، والذي بعث محمدًا ﷺ بالحق لقد خرج مع رسول الله ﷺ فما ترك التلبية حتى رمي جمرة العقبة، إلا أن يخلطها بتكبير، أو تهليل.
حسن: رواه الإمام أحمد (٣٩٦١) وابنُ خزيمة (٢٨٠٦) والحاكم (١/ ٤٦١، ٤٦٢) وعنه البيهقي (٥/ ١٣٨) كلهم من حديث صفوان بن عيسى، أخبرنا الحارث بن عبد الرحمن، عن مجاهد، عن عبد الله بن سخبرة، فذكره.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه".
وإسناده حسن من أجل الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، وهو مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
والنكارةُ في حديثه ما رواه عنه الدراوردي، كما قال أبو حاتم، وهذا ليس منها.
ورواه الطحاوي في "شرح المشكل" (٣٩٢٩، ٣٩٣٠) من وجهين آخرين: عبد الله بن المبارك، والدراوردي، كلاهما عن الحارث بن أبي ذُباب به نحوه. فلم ينفرد الدراوردي، بل تابعه عبد الله ابن المبارك، وقبله صفوان بن عيسي. ففي حديث عبد الله بن مسعود الجمعُ بين التكبير، والتهليل.
قال ابنُ عبد البر في "التمهيد" (١٣/ ٨١): "وقال أحمد، وإسحاقُ، وطائفة من أهل النظر والأثر: لا يقطع التلبية حتى يرمي جمرة العقبة بأسرها" قالوا: وهو ظاهر الحديث: أن رسول الله ﷺ لم يزل يلبِّي حتى رَمي جمرة العقبة، ولم يقل أحدٌ من رواة هذا الحديث: حتى رمَي بعضَها،
стр. 3067
حتى قال بعضُهم في حديث عائشة: "ثم قطع التلبيةَ في آخر حصاةٍ".
قال: "وقال الثوري، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم، وأبو ثور: يقطعُها في أول حصاةٍ يرمي بها من جمرة العقبة" انتهى.
١٢ - باب تخيير النبيّ ﷺ في ذي الحليفة بالإفراد أو بالتمتع لمن لم يسق الهدي
• عن عائشة، أنّها قالت: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُوَافِينَ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ, فَلَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، قَالَ: "مَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ".
قَالَ مُوسَى فِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ: "فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ" وَقَالَ فِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: "وَأَمَّا أَنَا فَأُهِلُّ بِالْحَجِّ فَإِنَّ مَعِي الْهَدْيَ". ثُمَّ اتَّفَقُوا: "فَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكِ؟ ". قُلْتُ: وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ خَرَجْتُ الْعَامَ! قَالَ: "ارْفِضِي عُمْرَتَكِ وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي". قَالَ مُوسَى: "وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ" وَقَالَ سُلَيْمَانُ: "وَاصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْمُسْلِمُونَ فِي حَجِّهِمْ". فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الصَّدَرِ أَمَرَ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عبد الرحمن فَذَهَبَ بِهَا إِلَى التَّنْعِيمِ. زَادَ مُوسَى: "فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِهَا وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ فَقَضَى اللَّهُ عُمْرَتَهَا وَحَجَّهَا".
صحيح: رواه أبو داود (١٧٧٨) من ثلاثة أوجه: عن سليمان بن حرب، حدّثنا حماد بن زيد. وعن موسى بن إسماعيل، حدّثنا حماد -يعني ابن سلمة-. وعن موسي، حدثنا وهيب. كلهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
ورواه أيضًا النسائيّ (٢٧١٧)، وابن خزيمة (٢٦٠٤)، وابن حبان (٣٧٩٢) كلّهم من طريق عن حماد بن زيد، بإسناده، مثله بقوله: "من شاء أن يهلّ بحج ... الخ". غير أنهم لم يذكروا في حديثهم كان ذلك في ذي الحليفة.
وأصل حديث عائشة في الصّحيحين بدون لفظ: "من شاء" وبدون ذكر ذي الحليفة.
١٣ - باب ترغيب النبيّ ﷺ بسرف بالتمتع لمن ليس معه الهدي
• عن عائشة، قالت: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ, وَفِي حُرُمِ الْحَجِّ، وَلَيَالِي الْحَجِّ، حَتَّى نَزَلْنَا بِسَرِفَ فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: "مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْكُمْ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٦٠)، ومسلم في الحج (١٢١١: ١٢٣) كلاهما من
стр. 3068
طريق أفلح بن حميد، قال: سمعت القاسم بن محمد، عن عائشة، فذكرته.
١٤ - باب أمر النبيّ ﷺ بمكة بفسخ الحجّ لمن لم يكن معه الهدي
• عن عائشة، قالت: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا نُرَى إِلا أَنَّهُ الْحَجُّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ، فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ فَأَحْلَلْنَ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٦١)، ومسلم في الحج (١٢١١: ١٢٨) كلاهما من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، فذكرته.
وفي رواية عند مسلم (١٣٠) من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن علي بن الحسين، عن ذكوان مولي عائشة، عن عائشة، قالت: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَرْبَعِ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ خَمْسٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهُوَ غَضْبَانُ! فَقُلْتُ: مَنْ أَغْضَبَكَ يَا رَسُولَ اللهِ! أَدْخَلَهُ اللهُ النَّار! قَال: "أَوَمَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ؟ ".
قَالَ الْحَكَمُ: كَأنَّهُمْ يَتَرَدَّدُونَ -أَحْسِبُ- وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِي حَتَّى أَشْتَرِيَهُ ثُمَّ أَحِلُّ كَمَا حَلُّوا.
• عن عائشة، قالت: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لا نَذْكُرُ إِلا الْحَجَّ حَتَّى جِئْنَا سَرِفَ فَطَمِثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي! فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكِ؟ " فَقُلْتُ: وَاللهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ خَرَجْتُ الْعَامَ، قَالَ: "مَا لَكِ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي" قَالَتْ: فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: "اجْعَلُوهَا عُمْرَةً". فَأَحَلَّ النَّاسُ إِلا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١١: ١٢٠) من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. ثم ساق مسلم حديث حماد، عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لبينا بالحج، حتى إذا كنا بسرف حضتُ، فدخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي" وساق الحديث بنحو حديث الماجشون.
فتبين من هذا أن حديث حماد لا يخالف حديث الماجشون في فسخ الحجّ إلى العمرة.
ولكن رواه أبو داود (١٧٨٢) عن أبي سلمة موسي بن إسماعيل، ثنا حماد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: لبّينا بالحجّ حتى إذا كنا بسرف حضتُ، فدخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: "ما يبكيك؟ يا عائشة! ". قلت: حضتُ، ليتني لم أكن حججت. فقال: "سبحان الله! ! إنما ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم". فقال: "انسكي المناسك كلّها غير
стр. 3069
أنّ لا تطوفي بالبيت". فلما دخلنا مكة، قال رسول الله ﷺ : "من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة، إلّا من كان معه الهدي".
فهذا التخيير الذي في حديث حماد (هو ابن سلمة) فيه نكارة لأنّ الصحيح أنّ التخيير وقع في ذي الحليفة أما في سرف فإما الترغيب وإما الجزم، ويدل عليه أنّ مسلمًا قال بعد ما ساقه من حديث حماد: "بنحو الماجشون" وفي حديث الماجشون الجزم بفسخ الحج إلى العمرة في قوله ﷺ : "اجعلوها عمرة".
فإمّا أن يكون حماد بن سلمة قد روي عن وجهين، فوهم في أحدهما، أو من روى عنه أخطأ عليه.
ولحماد بن سلمة إسناد آخر رواه عن حميد، عن بكر بن عبد الله، عن ابن عمر، أنه قال: قدم رسول الله ﷺ مكة وأصحابه ملبين بالحجّ فقال رسول الله ﷺ : "من شاء أن يجعلها عمرة إلا من كان معه الهدي".
رواه الإمام أحمد (٤٨٢٢) عن روح وعفان، قالا: حدّثنا حماد بن سلمة، فذكره، مطوّلًا. وظاهر إسناده صحيح.
ورواه الإمام أحمد من ثلاثة أوجه أخرى عن حميد وهو ابن أبي حميد الطويل، عن بكر وهو ابن عبد الله المزني، عن ابن عمر، فكلّهم خالفوا حمادًا في قوله: "من شاء".
ومن هذه الأوجه الثلاثة:
الوجه الأول: يزيد بن هارون، عن حميد، بإسناده، قال بكر: قلت لابن عمر: إنّ أنسًا حدّثنا أن النبيّ ﷺ أهلّ بعمرة وحجّ، فقال: وهل أنسي، إنما أهلذ رسول الله ﷺ بالحجّ وأهللنا معه، فلما قدم قال: "من لم يكن معه هدي فليجعلها عمرة" وكان مع النبيّ ﷺ هدي فلم يحل.
ومن هذا الطريق رواه الإمام أحمد (٤٩٩٦).
والوجه الثاني: سهل بن يوسف، عن حميد، بإسناده نحوه.
ومن هذا الطريق رواه أيضًا الإمام أحمد (٥١٤٧).
والوجه الثالث: محمد بن أبي عدي، عن حميد بإسناده نحوه.
ومن هذا الطريق رواه أيضًا الإمام أحمد (٥٥٠٩).
فهؤلاء الثلاثة كلّهم ثقات قد خالفوا حمادًا في قوله: "من شاء".
فالظاهر أنّ الخطأ فيه يعود إلى حماد بن سلمة؛ لأنه تغيّر حفظه بآخرة فلا يقبل منه إذا خالف الثقات. ومن طريق حميد، عن بكر مخرّج في الصحيحين ولم يذكر فيه: "من شاء".
• عن أنس بن مالك قال: قدم عَلِيّ ﵁ مِن الْيَمَنِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "بِمَ أَهَلَلْتَ؟ "، قَال: بما أهلَّ به النَّبِيُّ ﷺ . قَال: "لَولا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لأَحْلَلْتُ".
стр. 3070
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٥٨)، ومسلم في الحج (١٢٥٠) كلاهما من طريق عبد الصمد، حدّثنا سَليم بن حيان، قال: سمعت مروان الأصفر، عن أنس بن مالك، فذكره. ولفظهما سواء.
• عن أبي موسى، قال: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ فَقَالَ: "بِمَ أَهْلَلْتَ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْيٍ؟ ". قُلْتُ: لا. قَالَ: "فَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حِلَّ". فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَمَشَطَتْنِي وَغَسَلَتْ رَأْسِي، فَكُنْتُ أُفْتِي النَّاسَ بِذَلِكَ في إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ وَإِمَارَةِ عُمَرَ فَإِنِّي لَقَائِمٌ بِالْمَوْسِمِ إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ فَقَال: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ في شَأْنِ النُّسُكِ؟ ! فَقُلْتُ: أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ بِشَيْءٍ فَلْيَتَّئِدْ فَهَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَادِمٌ عَلَيْكُمْ فَبِهِ فَأْتَمُّوا، فَلَمَّا قَدِمَ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَا هَذَا الَّذِي أَحْدَثْتَ في شَأْنِ النُّسُكِ؟ قَال: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ قَال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ نَبِيِّنَا ﵊ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٥٥٩)، ومسلم في الحج (١٢٢١: ١٥٥) كلاهما من طريق سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى، فذكره، واللفظ لمسلم.
وفي رواية له أيضًا (١٢٢٢) من طريق إبراهيم بن موسى، عن أبي موسى؛ أنه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: ببعض فتياك، فإنّك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النُّسك بعدُ، حتّى لقيه بعدُ. فسأله، فقال عمر: قد علمتُ أنّ النبيَّ ﷺ قد فعله وأصحابُه. ولكن كرهتُ أن يظلُّوا معرّسين بهنَّ في الأراك، لم يروحون في الحجِّ تقطرُ رؤسُهم.
• عن بكر (هو ابن عبد الله المزنيّ) أَنَّهُ ذَكَرَ لابْنِ عُمَرَ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، فَقَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالْحَجِّ وَأَهْلَلْنَا بِهِ مَعَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ, قَالَ: "مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْىٌ فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً". وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ هَدْىٌ، فَقَدِمَ عَلَيْنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ مِنَ الْيَمَنِ حَاجًّا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بِمَ أَهْلَلْتَ؟ فَإِنَّ مَعَنَا أَهْلَكَ". قالَ: أَهْلَلْتُ بما أهَلَّ بهِ النَّبِيُّ ﷺ . قَال: "فَأَمْسِكْ فَإِنَّ معَنا هَدْيًا".
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٥٣، ٤٣٥٤) عن مسدّد حدّثنا بشر بن المفضّل، عن حميد الطّويل، حدّثنا بكر، فذكره.
• عن أسماء بنت أبي بكر قالت: خَرَجْنَا مُحْرِمِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَقُمْ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحْلِلْ". فَلَمْ يَكُنْ مَعِي
стр. 3071
هَدْيٌ فَحَلَلْتُ وَكَانَ مَعَ الزُّبَيْرِ هَدْيٌ فَلَمْ يَحْلِلْ، قَالَتْ: فَلَبِسْتُ ثِيَابِي، ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَلَسْتُ إِلَى الزُّبَيْرِ فَقَالَ: قُومِي عَنِّي! فَقُلْتُ: أَتَخْشَى أَنْ أَثِبَ عَلَيْكَ؟ ! .
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٣٦) من طريق ابن جريج، حدّثني منصور بن عبد الرحمن، عن أمِّه صفية بنت شيبة، عن أسماء بنت أبي بكر، فذكرته.
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه (٤/ ١٠٣) عن ابن فضيل، عن يزيد، عن مجاهد، قال: قال عبد الله بن الزبير: أفردوا الحجّ ودعوا قول أعماكم هذا! . فقال عبد الله بن عباس: إنّ الذي أعمى الله قلبه لأنت، ألا تسأل أمَّك عن هذا؟ ! فأرسل إليها، فقالت: صدق ابن عباس جئنا مع رسول الله ﷺ حجاجًا، فجلعناها عمرة، فحللنا الإحلال كلّه حتّى سطعت المجامر بين الرجال والنساء.
ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (٢٦٩١٧)، والطبراني في "الكبير" (٢٤/ رقم (٢٣٤).
ويزيد هو ابن أبي زياد الهاشميّ تكلم فيه جماهير أهل العلم إلا أن ابن سعد وثّقه. قال ابن حبان: كان صدوقًا إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وتغيّر، وكان يلقّن ما لُقِّن، فوقعت المناكير في حديثه.
وقوله: "سطعت" أي ارتفعت أي تداولوها بينهم للتبخر بها.
• عن ابن عباس، قال: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الأَرْضِ , وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا , وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ وَعَفَا الأَثَر، وَانْسَلَخَ صَفَرْ حَلَّتْ الْعُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَر. فقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ, فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الْحِلِّ؟ قَال: "حِلٌّ كُلُّهُ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٦٤)، ومسلم في الحج (١٢٤٠) كلاهما من حديث وُهيب، حدّثنا ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره.
• عن عبد الله بن عباس، قال: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إِلا مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٠٨٥)، ومسلم في الحجّ (١٢٤٠: ٢٠٢) كلاهما من حديث أيوب، عن أبي العالية البراء، عن ابن عباس، فذكره.
واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم: "أن يحولوا إحرامهم بعمرة إلا من كان معه الهدي". ولكن رواه مسلم (١٢٤٠: ١٩٩) عن نصر بن علي الجهضميّ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن أيوب، عن أبي العالية البراء، أنه سمع ابن عباس يقول: أهلّ رسول الله ﷺ بالحجّ، فقدم لأربع مضين من ذي الحجة، فصلى الصبح، وقال لما صلى الصبح: "من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة".
فقوله: "من شاء" لم أجده إلا في هذه الرواية، وفي الروايات الأخرى الأمر بجعلها عمرة. ثم
стр. 3072
ذكر مسلم الروايات الأخرى ومنها رواية أبي داود المباركي وقال في رواية هؤلاء جميعًا: "وصلي الصبح بالبطحاء". خلا الجهضميّ فإنه لم يقله.
قلت: رواية المباركي هذه ذكرها ابن حبان في صحيحه (٣٧٩٤).
ورواه البخاريّ في الحج (١٠٨٥) من طريق أيوب بإسناده ولم يذكر فيه البطحاء، كما لم يذكر فيه قوله: "من شاء" بل فيه: "أمرهم أن يجعلوها عمرة".
• عن عبد الله بن عباس، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَقَال: أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اجْعَلُوا إِهْلالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمَرْةً إِلا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْي".
صحيح: رواه البخاريّ في الحجّ (١٥٧٢) عن أبي كامل فضيل بن حسين البصريّ، حدّثنا أبو معشر، حدّثنا عثمان بن غياث، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره، بطوله.
• عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده الهدي فليحل الحل كلّه، فإنّ العمرة قد دخلت في الحجّ إلى يوم القيامة".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٤١) من طريقين محمد بن جعفر، ومعاذ بن معاذ العنبريّ كلاهما عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره.
• عن ابن عباس، قال: أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ بِعُمْرَةٍ وَأَهَلَّ أَصْحَابُهْ بِحَجِّ، فَلَمْ يَحِلَّ النَّبِيُّ ﷺ وَلا من سَاقَ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَحَلَّ بَقِيَّتُهُمْ، فَكَانَ طَلْحَةُ بْنُ عبيد الله فِيمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلَمْ يَحِلَّ.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٣٩) من طريق معاذ بن معاذ، عن شعبة، حدّثنا مسلم القُرِّيّ، سمع ابن عباس يقول (فذكره).
ثم رواه من طريق محمد بن جعفر غندر، عن شعبة بإسناده غير أنه قال: "وكان ممن لم يكن معه الهدي طلحة بن عبيد الله، ورجل آخر، فأحلا".
فقدّم مسلمٌ رواية معاذ بن معاذ عن شعبة التي فيها الإثبات، وأتبعها بالرّواية التي فيها النّفي، فكأنه يرجِّح رواية الإثبات، وإن كان الناس قد اختلفوا في معاذ بن معاذ، وجعفر بن محمد غندر أيّهما أثبت في شعبة؟ والظّاهر من صنيع مسلم أنه يرجّح رواية معاذ في هذا الحديث؛ لوجود قرائن أخرى تقويه مثل حديث جابر وغيره. والله أعلم.
• عن ابن عباس، أنه كَانَ يقول: لا يَطُوفُ بالْبَيْتِ حَاجٌّ وَلا غَيْرُ حَاجٍّ إِلا حَلَّ. قُلْتُ (أي ابن جريج) لِعَطَاءٍ مِنْ أَيْنَ يَقُولُ ذَلِكَ؟ قَال: مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾ قَال: قُلْتُ فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ؟ فَقَالَ: كَانَ ابْنُ
стр. 3073
عَبَّاسٍ يَقُولُ: هُوَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ وَقَبْلَهُ. وَكَانَ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٩٦)، ومسلم في الحج (١٢٤٥) كلاهما من حديث ابن جريج، قال: حدثني عطاء، قال: كان ابن عباس يقول (فذكره). واللّفظ لمسلم.
ولفظ البخاريّ نحوه إلا أنه قدم أمر النبيّ ﷺ على قوله إنما كان بعد المعرف وقبله.
• عن كريب مولى عبد الله بن عباس، عن عبد الله بن عباس، قال: قلت له: يا أبا العباس! ، أرأيت قولك: ما حج رجل لم يسق الهدي معه، ثم طاف بالبيت إلا حل بعمرة، وما طاف بها حاج قد ساق معه الهدي إلا اجتمعت له عمرة وحجة، والناس لا يقولون هذا؟ فقال: ويحك، إن رسول الله ﷺ خرج ومن معه من أصحابه لا يذكرون إلا الحج، فأمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه الهدي أن يطوف بالبيت، ويحل بعمرة، فجعل الرجل منهم يقول: يا رسول الله! ، إنما هو الحج؟ فيقول رسول الله ﷺ : "إنه ليس بالحج، ولكنها عمرة".
حسن: رواه أحمد (٢٣٦٠) عن يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن مسلم الزهري، عن كريب، فذكره.
وإسناده حسن من أجل تصريح محمد بن إسحاق، وقد جاء في الصحيح باختصار.
وأمّا ما روي عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إذا أهلّ الرجل بالحجّ ثم قدم مكة، فطاف بالبيت وبالصفا والمروة فقد حلّ، وهي عمرة" فهو ضعيف.
رواه أبو داود (١٧٩١) عن عبيد الله بن معاذ، حدّثني أبي، حدّثنا النّهاس، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره.
والنّهاس هذا -بتشديد الهاء- ابن الخطاب القيسيّ البصريّ ضعيف باتفاق أهل العلم.
وأعلّه أبو داود بمخالفته لابن جريج؛ فإنه رواه عن عطاء، عن أصحاب النبيّ ﷺ مرسلًا، فقال: دخل أصحاب النبيّ ﷺ مهلّين بالحجّ خالصًا، فجعلها النبيّ ﷺ عمرة.
• عن جابر بن عبد الله، قال: قدمنا مع رسول الله ﷺ ونحن نقول: لبيك اللهم لبيك بالحجّ، فأمرنا رسول الله ﷺ فجعلناها عمرة.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٥٧٠)، ومسلم في الحجّ (١٢١٦) كلاهما من طريق حماد ابن زيد، عن أيوب، قال: سمعت مجاهدًا، حدّثنا جابر بن عبد الله، فذكره، واللفظ للبخاريّ.
• عن جابر، قال: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مُهِلِّينَ
стр. 3074
بِالْحَجِّ لا يَخْلِطُهُمْ شَيْءٌ، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً وَأَنْ نَحِلَّ إِلَى نِسَائِنَا فَفَشَتْ فِي ذَلِكَ الْقَالَةُ.
قَالَ عَطَاءٌ فَقَالَ جَابِرٌ: فَيَرُوحُ أَحَدُنَا إِلَى مِنًى وَذَكَرُهُ يَقْطُرُ مَنِيًّا! فَقَالَ جَابِرٌ بِكَفِّهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: "بَلَغَنِي أَنَّ أَقْوَامًا يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا وَاللَّهِ! لَأَنَا أَبَرُّ وَأَتْقَى لِلَّهِ مِنْهُمْ، وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لأَحْلَلْتُ".
فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هِيَ لَنَا أَوْ لِلأَبَدِ؟ فَقَال: "لا بَلْ لِلأَبَدِ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (٢٥٠٥) عن أبي النعمان، حدّثنا حمّاد بن زيد، أخبرنا عبد الملك بن جريج، عن عطاء، عن جابر، فذكره.
ورواه مسلم في الحج (١٢١٦: ١٤١) من وجه آخر عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، بإسناده، نحوه.
• عن ابن عمر، أنّ حفصة زوج النبيّ ﷺ قالت: يا رسول الله! ، ما شأن النّاس حلّوا ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال: "إنّي لبّدتُ رأسي وقلّدتُ هديي، فلا أحلّ حتى أنحر".
متفق عليه: رواه مالك في الحجّ (١٨٠) عن نافع، عن عبد الله بن عمر، فذكره. رواه البخاري في الحج (١٥٦٦) ومسلم في الحج (١٢٢٩) كلاهما من طريق مالك به.
• عن أبي سعيد، قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً إِلا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَرُحْنَا إِلَى مِنًى أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ.
صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٢٤٧) عن عبيد الله بن عمر القواريريّ، حدّثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حدّثنا داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكره.
• عن سراقة بن جُعشم، قال: قام رسولُ الله ﷺ خطيبًا في هذا الوادي فقال: "ألا إنّ العمرة قد دخلتْ في الحجّ إلى يوم القيامة".
صحيح: رواه ابن ماجه (٢٩٧٧)، والنسائي (٢٨٠٦) كلاهما من حديث عبد الملك بن ميسرة، عن طاوس، عن سراقة، فذكره واللفظ لابن ماجه، ولفظ النسائي قريب منه.
ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (١٧٥٨٢)، والحاكم (٣/ ٦١٩).
стр. 3075
ثم رواه الإمام أحمد (١٧٥٨٣) من وجه آخر عن عبد الملك الزراد يقول: سمعت النزال بن سبرة صاحب علي يقول: سمعت سراقة يقول (فذكر نحوه)، وزاد في آخره: "وقرن رسول الله ﷺ في حجّة الوداع".
وفي إسناده داود بن يزيد وهو الأودي ضعيف إلّا أنه توبع كما سبق.
وللحديث طرق أخرى غير أن ما ذكرتها أصحها.
• عن الرّبيع بن سبرة، عن أبيه، قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ بِعُسْفَانَ قَالَ لَهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ الْمُدْلَجِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ! ، اقْضِ لَنَا قَضَاءَ قَوْمٍ كَأَنَّمَا وُلِدُوا الْيَوْمَ. فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَدْخَلَ عَلَيْكُمْ فِي حَجِّكُمْ هَذَا عُمْرَةً، فَإِذَا قَدِمْتُمْ فَمَنْ تَطَوَّفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ حَلَّ إِلا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ".
صحيح: رواه أبو داود (١٨٠١) عن هنّاد بن السّريّ، حدّثنا ابن أبي زائدة، أخبرنا عبد العزيز ابن عمر بن عبد العزيز، حدّثني الربيع بن سبرة، عن أبيه، فذكره.
وأخرجه عبد الرزاق (١٤٠٤١) وعنه الإمام أحمد (١٥٣٤٥) عن معمر، قال: أخبرني عبد العزيز ابن عمر بإسناده مطوّلًا. وسيذكر في موضعه.
• عن البراء بن عازب قال: كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ حِينَ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْيَمَنِ قَالَ: فَأَصَبْتُ مَعَهُ أَوَاقِيَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَال: وَجَدْتُ فَاطِمَةَ ﵂ قَدْ لَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَقَدْ نَضَحَتِ الْبَيْتَ بِنَضُوحٍ، فَقَالَتْ: مَا لَكَ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَحَلُّوا قَالَ: قُلْتُ لَهَا إِنِّي أَهْلَلْتُ بِإِهْلالِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لِي: "كَيْفَ صَنَعْتَ؟ "، فَقَالَ: قُلْت: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "فَإِنِّي قَدْ سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ" قَالَ: فَقَالَ لِي: "انْحَرْ مِنَ الْبُدْنِ سَبْعًا وَسِتِّينَ أَوْ سِتًّا وَسِتِّينَ، وَأَمْسِكْ لِنَفْسِكَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، أَوْ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَأَمْسِكْ لِي مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ مِنْهَا بَضْعَةً".
حسن: رواه أبو داود (١٧٩٧)، والنسائيّ (٢٧٤٥) كلاهما من حديث يحيى بن معين، حدّثنا حجّاج، حدّثنا يونس، عن أبي إسحاق، عن البراء، فذكره.
وإسناده حسن من أجل يونس وهو ابن أبي إسحاق فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، وأبوه أبو إسحاق رمي بالاختلاط ولكن لم يكن اختلاطه فاحشًا إنما كان لكبر سنّه؛ ولذا أنكر الذهبي رميه بالاختلاط فقال في الميزان: "من أئمة التابعين بالكوفة وأثباتهم إلا أنه شاخ ونسي ولم يختلط، وقد سمع منه سفيان بن عيينة، وتغيّر قليلًا".
واقتصر ابن الصّلاح على من روى عنه بعد الاختلاط على بن عيينة فقط.
стр. 3076
قلت: ليس كما زعم بل سمع منه بعد الاختلاط أيضًا أبو بكر بن عياش كما قال أبو حاتم: "سماع أبي بكر بن عياش من أبي إسحاق ليس بذاك القوي" انظر "العلل" (١/ ٣٥).
قلت: ولذا أُعلّ ما رواه ابن ماجه (٢٩٨٢)، وأحمد (١٨٥٢٣)، وأبو يعلى (١٦٧٢) كلّهم من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وأصحابه فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة، قال: "اجعلوا حجّتكم عمرة" فقال الناس: يا رسول الله، قد أحرمنا بالحج فكيف نجعلها عمرة؟ قال: "انظروا ما آمركم به فافعلوا" فردّوا عليه القول، فغضب، فانطلق ثم دخل على عائشة غضبان، فرأت الغضبَ في وجهه، فقالت: من أغضبك؟ أغضبه الله! قال: "ما لي لا أغضب وأنا آمر أمرًا فلا أُتبع! ".
أعلّه البوصيريّ في زوائد ابن ماجه بأبي بكر بن عياش بأنه لم يتبين له حاله هل روى عنه قبل الاختلاط أم بعده.
وفي الحديث علّة أخرى وهي أنه جعل الحديث من مسند البراء بن عازب، والبراء بن عازب لم يحضر قول النبيّ ﷺ ، وإنما هي قصة وقعت مع علي بن أبي طالب وفاطمة والبراء هو راوي هذه القصة.
فقوله: "خرج علينا رسول الله ﷺ وأصحابه فأحرمنا بالحج" فيه شذوذ.
ووهم الهيثمي فذكره في "المجمع" (٣/ ٢٣٣) مع أنه ليس على شرطه، ثم عزاه إلى أبي يعلى وحده، وفاته العزو إلى الإمام أحمد.
وقوله: "رجاله رجال الصحيح" مع أن أبا بكر بن عياش لم يخرج له مسلم إلا في المقدمة. وقد غضب الإمام أحمد لما قال له سلمة بن شبيب: يا أبا عبد الله! ، كلّ أمرك عندي حسن إلا خلّة واحدة! قال: وما هي؟ قال: تقول بفسخ الحجّ إلى العمرة. فقال: يا سلمة! كنتُ أرى لك عقلًا، عندي في ذلك أحد عشر حديثًا صحاحًا عن رسول الله ﷺ أتركها لقولك".
ذكره الحافظ ابن القيم في "زاد المعاد" (٢/ ١٨٣).
١٥ - باب من قال: إنّ فسخ الحجّ إلى العمرة للناس جميعًا إلى يوم القيامة لمن لم يسق الهدي، وأنه لم ينسخ
• عن عمران بن حصين، قال: أُنْزِلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللهِ فَفَعْلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ يُنْزَلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥١٨)، ومسلم في الحج (١٢٢٦: ١٧٢) كلاهما من حديث عمران أبي بكر، حدّثنا رجاء، عن عمران بن حصين، فذكره، واللفظ للبخاريّ.
وفي لفظ مسلم: "ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحجّ".
стр. 3077
وفي الصحيحين أيضًا: البخاري في الحج (١٥٧١)، ومسلم (١٢٢٦: ١٧) من طريق همام، حدّثنا قتادة، حدثني مطرف، عن عمران بن حصين، قال: "تمتعنا على عهد رسول الله ﷺ فنزل القرآن. قال رجل برأيه ما شاء".
وقوله: "قال رجل برأيه ما شاء" يقصد به عمر بن الخطاب، فإنه كان ينهي عن المتعة كعثمان.
وقال محمد بن سيرين: قدم عمران بن حصين في أصحاب له قد جمعوا بين الحجّ والعمرة، فقيل لعثمان بن عفان: إنّ ابن عمران قدم في أصحاب له بالحجّ والعمرة. فأرسل إليه: أن اختر أحدهما. فقال عمران: إنّ أمير المؤمنين نهانا، وقد خيّرنا، فأنا أختار الحجّ.
رواه مسدّد في "مسنده" عن عبد الواحد بن زياد، ثنا عاصم الأحول، عن محمد بن سيرين، فذكره. "المطالب العالية" (١١٧٤).
واختلف في سماع محمد بن سيرين من عمران بن حصين، فأثبته الإمام أحمد، كما ذكر ذلك ابنه عبد الله عنه، ونفاه الدارقطني، وروايته عنه في الصحيح، والله أعلم.
• عن مروان بن الحكم، قال: شَهِدْتُ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا ﵄، وَعُثْمَانُ يَنْهَى عَن الْمُتْعَةِ وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ أَهَلَّ بِهِمَا لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ قَال: مَا كُنْتُ لَأدَعَ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ لِقْوْلِ أَحَد.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٦٣) من طريق شعبة، عن الحكم، عن علي بن حسين، عن مروان، به.
ورواه البخاريّ أيضًا (١٥٦٩)، ومسلم في الحج (١٢٢٣) من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب، قال: اجتمع عليٌّ وعثمان ﵄ بعُسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة. فقال عليٌّ: ما تريدُ إلى أمر فعله رسول الله ﷺ تنهي عنه؟ ! فقال عثمان: دعنا منك! . فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما أن رأى عليٌّ ذلك أهلّ بهما جميعًا. واللفظ لمسلم.
ورواه مسلم أيضًا من طريق شعبة، عن قتادة، قال: قال عبد الله بن شقيق: كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان عليٌّ يأمر بها، فقال عثمان لعلي كلمة. ثم قال عليٌّ: لقد علمتَ أنا قد تمتعنا مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: أجلْ، ولكنّا كنّا خائفين".
• عن نصر بن عمران أبي جمرة الضُّبعي، قال: تَمَتَّعْتُ فَنَهَانِي نَاسٌ عَنْ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَنِي بِهَا.
قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى الْبَيْتِ فَنِمْتُ، فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي، فَقَالَ: عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ وَحَجٌّ مَبْرُورٌ، قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي رَأَيْتُ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ! اللَّهُ أَكْبَرُ! سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ .
стр. 3078
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٥٦٧)، ومسلم في الحج (١٢٤٢) كلاهما من طريق شعبة، قال: سمعت أبا جمرة الضبعيّ، فذكره.
واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه وزاد: فقال لي: أقم عندي فأجعل لك سهما من مالي. قال شعبة: فقلتُ لِمَ؟ فقال: للرؤيا التي رأيتُ.
• عن مسلم القرِّيّ، قال: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَرَخَّصَ فِيهَا , وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْهَا فَقَالَ: هَذِهِ أُمُّ ابْنِ الزُّبَيْرِ تُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِيهَا فَادْخُلُوا عَلَيْهَا فَاسْأَلُوهَا. قَالَ: فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا فَإِذَا امْرَأَةٌ ضَخْمَةٌ عَمْيَاءُ فَقَالَت: قَدْ رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهَا.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٣٨) من طرق عن شعبة، عن مسلم القريّ، به.
• عن غُنيم بن قيس، قال: سألتُ سعد بن أبي وقاص ﵁ عن المتعة؟ فقال: فعلناها وهذا يومئذ كافرٌ بالعُرُش -يعني بيوت مكّة-.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٢٥) من طرق عن سليمان التيمي، عن غنيم بن قيس، به.
قوله: "عن المتعة" يعني المتعة في الحج -كما في رواية. والمراد بالحج هنا، العمرة؛ لأنهم كانوا يطلقون الحج على العمرة.
وقوله: "وهذا يومئذ كافر بالعُرُش".
العُرُش: بضم العين والراء -: وهي بيوت مكة كما فسّره في الرواية.
قال أبو عبيد: "سميت بيُوت مكَّة عُرُشًا لأَنَّها عِيدَان تُنْصَب وَتُظَلَّل".
قال النوويّ: "والإشارة بهذا إلى معاوية بن أبي سفيان، والمراد أنا تمتعنا ومعاوية يومئذ كافر على دين الجاهلية مقيم بمكة. والمراد بالمتعة العمرة التي كانت سنة سبع من الهجرة، وهي عمرة القضاء، وكان معاوية يومئذ كافرًا، وإنما أسلم بعد ذلك عام الفتح سنة ثمان، وقيل: إنه أسلم بعد عمرة القضاء سنة سبع، والصحيح الأول. وأما غير هذه العمرة من عمر النبيّ ﷺ فلم يكن معاوية فيها كافرًا ولا مقيمًا بمكة، بل كان معه ﷺ ".
قال: "وفي هذا الحديث جواز المتعة في الحج". انظر "شرح النووي على صحيح مسلم" (٨/ ٢٠٣ - ٢٠٤).
• عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٥٢) من طرق عن ابن شهاب الزهري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، قال: سمعت أبا هريرة فذكره.
стр. 3079
قوله: "لِيَثْنينَّهما" هو بفتح الياء في أوله، معناه يقرن بينهما، وهذا يكون بعد نزول عيسي ﵇ من السماء في آخر الزمان.
وأما فجّ الرّوحاء فبفتح الفاء وتشديد الجيم، قال الحافظ أبو بكر الحارثيّ: "هو بين مكة والمدينة، قال: وكان طريق رسول الله ﷺ إلى بدر وإلى مكة عام الفتح، وعام حجة الوداع". انظر: "شرح النووي على مسلم" (٨/ ٢٣٣).
١٦ - باب من قال: إنّ فسخ الحجّ إلى العمرة كان خاصًا لأصحاب رسول الله ﷺ -
قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. [سورة البقرة: ١٩٦].
فالله تعالى يأمر بإتمام الحجّ والعمرة، وثبت من السنة المتواترة أنّ النبيّ ﷺ أمر بفسخ الحجّ إلى العمرة فدفعا للتعارض بين الآية وقول النبي ﷺ قالوا: هذا خاص لأصحاب النبيّ ﷺ ، ويبقى إتمام الحجّ والعمرة لغيرهم إلى يوم القيامة، ويدل عليه عمل الخلفاء الراشدين غير علي بن أبي طالب، ومن بعدهم من التابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين. وقالوا: إنّ السبب في ذلك أنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن التمتع بالعمرة إلى الحجّ من أفجر الفجور، فأمرهم النبيّ ﷺ بفسخ الحجّ إلى العمرة ليبيّن جواز العمرة في أشهر الحجّ وقد حصل معرفة ذلك، فلا حاجة بعد ذلك إلى الفسخ. ولكن التمتع رخصة للمبتدأ بها توفيقًا بين أقاويل الصحابة. ولولا علمهم بأن ذلك خاص للركب الذين كانوا مع النبيّ ﷺ لم يقدموا على تغيير حكم الشريعة، ولم يطاوعهم المسلمون على ذلك، ولا يجوز لمسلم أن يظن بهم ذلك. انظر: "شرح العمدة" (١/ ٤٩٦).
• عن أبي الأسود النّوفليّ أنه سأل: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ أَنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً, ثُمَّ عُمَرُ ﵁ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ ﵁ فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ مُعَاوِيَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا عُمْرَةً، وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ فَلا يَسْأَلُونَهُ، وَلا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَضَعُوا أَقْدَامَهُمْ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لا يَحِلُّونَ, وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي وَخَالَتِي حِينَ تَقْدَمَانِ لا تَبْتَدِئَانِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنَ الْبَيْتِ تَطُوفَانِ بِهِ ثُمَّ إِنَّهُمَا لا تَحِلانِ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلانٌ وَفُلانٌ بِعُمْرَةٍ فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا.
стр. 3080
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٤١)، ومسلم في الحج (١٢٣٥) كلاهما من حديث ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشيّ أنه سأل عروة بن الزبير، فأخبره.
وهذا لفظ البخاريّ. وفي حديث مسلم قصة في أوله.
• عن أبي ذرّ قال: كانت المتعة في الحجّ لأصحاب محمد ﷺ خاصّة.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٢٤) من طرق، عن إبراهيم التيميّ، عن أبيه، عن أبي ذر، فذكره.
قوله: "كانت المتعة في الحج" أي فسخ الحجّ إلى العمرة. وإلا فأصل المتعة في كتاب الله. قال الأثرم في "سننه": "وذكر لنا أحمد بن حنبل أن عبد الرحمن بن مهدي حدّثه عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبي إبراهيم التيمي، عن أبي ذر في متعة الحج كانت لنا خاصة. فقال أحمد بن حنبل: رحم الله أبا ذر، هي في كتاب الله : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ ". انظر: "زاد المعاد" (٢/ ١٩٤).
• عن أبي ذر، قال: لا تصلح المتعتان إلّا لنا خاصّة -يعني متعة الحجّ ومتعة النّساء-.
صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٢٢٤: ١٦٢) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا جرير، عن فضيل، عن زُبيد، عن إبراهيم التيميّ، عن أبيه، قال: قال أبو ذرّ، فذكره.
وعن عبد الرحمن بن أبي الشعثاء، قال: "أتيت إبراهيم النخعيّ وإبراهيم التيميّ، فقلت: إنّي أهم أن أجمع العمرة والحجّ العام؟ فقال إبراهيم النخعيّ: لكن أبوك لم يكن ليَهُمَّ بذلك".
قال قتيبة: حدّثنا جرير، عن بيان، عن إبراهيم التيمي، أنه مر بأبي ذرّ بالرّبذة، فذكر ذلك فقال: "إنما كانت لنا خاصة دونكم".
رواه مسلم عن قتيبة بإسناده.
• عن أبي نضرة، قال: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِالْمُتْعَةِ، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْهَا. قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ: عَلَى يَدَيَّ دَارَ الْحَدِيثُ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ قَالَ: إِنَّ اللهَ كَانَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَزَلَ مَنَازِلَهُ فَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ وَأَبِتُّوا نِكَاحَ هَذِهِ النِّسَاءِ فَلَنْ أُوتَى بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً إِلَى أَجَلٍ إِلا رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٧) من طريق محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، سمعت قتادة يحدِّث عن أبي نَضرة (هو المنذر بن مالك بن قُطعة)، به، فذكره.
وزاد مسلم في رواية من طريق همّام، حدّثنا قتادة، به، عن عمر أنه قال: "فافصلُوا حجَّكم من
стр. 3081
عمرتكم، فإنّه أتمَّ لحجِّكم وأتمَّ لعمرتكم".
ورواه مسلم أيضًا (١٢٤٩) من طريق عاصم (هو الأحول)، عن أبي نضرة، قال: "كنتُ عند جابر بن عبد الله، فأتاه آتٍ فقال: إنّ ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله ﷺ ، ثم نهانا عنهما عمر فلم نعُدْ لهما".
قوله: "المتعتين" أي متعة الحج، ومتعة النساء.
وفي رواية عند الإمام أحمد (٣٦٩) من طريق همام، حدثنا قتادة بإسناده قال جابر: "تمتعنا مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكر، فلما ولي عمر بن الخطاب خطب الناس فقال: إنّ القرآن هو القرآن، وإنّ رسول الله ﷺ هو الرسول، وإنّهما كانتا متعتان على عهد رسول الله ﷺ إحداهما متعة الحجّ، والأخرى متعة النساء".
وقد صحَّ عن عثمان أيضًا أنّه سئل عن متعة الحجّ فقال: "كانت لنا، وليست لكم". رواه سعيد ابن منصور في "سننه".
وقد ثبت النّهي أيضًا عن معاوية، وابن الزبير وغيرهم من الصحابة عن متعة الحجّ وكراهتهم لها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومعلوم أن التمتع بالعمرة إلى الحجّ لا يكره بالاتفاق، فيجب حمل نهيهم على متعة الفسخ، ورخصة المتعة المبتدأة توفيقًا بين أقاويلهم".
• عن عروة بن الزبير: أنه أتى ابن عباس، فقال: يا ابن عباس! طالما أضللتَ النّاس! قال: وما ذاك يا عُريّة؟ قال: الرّجل يخرج محرمًا بحجٍّ أو عمرة فإذا طاف زعمت أنه قد حلَّ، فقد كان أبو بكر وعمر ينهيان عن ذلك. فقال: أهما -ويحكَ! - آثر عندك أم ما في كتاب الله وما سنّ رسول الله ﷺ في أصحابه وفي أمَّته؟ فقال عروة: هما كانا أعلم بكتاب الله وما سنَّ رسول الله مني ومنك.
قال ابن أبي مليكة: فخصمه عروة.
حسن: رواه الطبراني في "الأوسط" (٢١) عن أحمد بن عبد الوهاب، حدثنا أبي (هو عبد الوهاب بن نجدة الحوطيّ)، حدثنا محمد بن حمير، عن إبراهيم بن أبي عبْلة، عن ابن أبي مليكة الأعمى، عن عروة بن الزبير، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن حمير، وهو ابن أنيس السلميّ الحمصيّ فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات.
وقد حسّن إسناده أيضًا الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٣٣٤).
قلت: إذا صحّ هذا علم باليقين بأن الإفراد والقران والتمتع بالعمرة إلى الحجّ كلّها جائزة وهو أمر لا خلاف بين الأمّة، وإنما انحصر الخلاف بينهم في الأفضل منها:
стр. 3082
١ - فذهب مالك والشافعي إلى أن الإفراد أفضل.
٢ - وذهب الإمام أحمد إلى أن التمتع بالعمرة إلى الحجّ هو الأفضل.
٣ - وذهب أبو حنيفة إلى أنّ القران أفضل.
ولكلّ أدلة مبسوطة في كتب الفقه.
وأمّا ما روي عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت فسخ الحجّ في العمرة لنا خاصة؟ أم للناس عامة؟ فقال رسول الله ﷺ : "بل لنا خاصة" فهو ضعيف.
رواه أبو داود (١٨٠٨)، والنسائيّ (٢٨٠٨)، وابن ماجه (٢٩٨٤) كلّهم من طريق عبد العزيز بن محمد وهو الدّراورديّ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (١٥٨٥٣)، والحاكم (٣/ ٥١٧). وإسناده ضعيف كما قال الإمام أحمد: "أنه حديث لا يثبت".
وقد سأله ابنه عبد الله عن هذا الحديث فقال: "لا أقول به، لا يعرف هذا الرجل (يعني الحارث ابن بلال) هذا حديث ليس إسناده بالمعروف، ليس حديث بلال بن الحارث عندي يثبت".
وقال الدّارقطني: "تفرّد به ربيعة بن عبد الرحمن، عن الحارث، عن أبيه، وتفرّد به عبد العزيز الدّراورديّ عنه".
وقال المنذريّ: "والحارث هو ابن بلال بن الحارث شبه المجهول".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن سعيد بن المسيب: "أنّ رجلًا من أصحاب النبيّ ﷺ أتى عمر بن الخطاب ﵁، فشهد عنده أنه سمع رسول الله ﷺ في مرضه الذي قُبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحجّ".
رواه أبو داود (١٧٩٣) عن أحمد بن صالح، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني حيوة، أخبرني أبو عيسى الخراسانيّ، عن عبد الله بن القاسم، عن سعيد بن المسيب، فذكره.
قال ابن القيم في "تهذيب السنن": "هذا الحديث باطل. ونُقل عن ابن حزم قوله: "هذا حديث في غاية الوهي والسقوط؛ لأنه مرسل عمن لم يسم، وفيه أيضًا ثلاثة مجهولون: أبو عيسى الخراساني، وعبد الله بن القاسم، وأبوه (كذا قال). وقال عبد الحقّ: هذا منقطع ضعيف الإسناد" انتهى.
وقال الخطّابي: "في إسناد هذا الحديث مقال، وقد اعتمر رسول الله ﷺ عمرتين قبل حجّه، والأمر الثابت المعلوم لا يترك بالأمر المظنون، وجواز ذلك إجماع من أهل العلم لم يذكر فيه خلاف".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي الشيخ الهُنَّائي قرأ على أبي موسى الأشعريّ، أنّ معاوية بن أبي سفيان قال لأصحاب النبيّ ﷺ : "هل تعلمون أن رسول الله ﷺ نهي عن كذا وكذا، وعن ركوب جلود النمور؟ قالوا: نعم. قال: فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ فقالوا: أما هذا فلا، فقال: أما إنها معهن ولكنكم نسيتُم".
رواه أبو داود (١٧٩٤) عن موسي بن أبي سلمة، حدّثنا حماد، عن قتادة، عن أبي شيخ الْهُنائيّ
стр. 3083
- حيوان بن خلدة ممن قرأ على أبي موسى الأشعريّ من أهل البصرة -أنّ معاوية بن أبي سفيان، فذكره.
قال عبد الحقّ: "لم يسمع أبو شيخ من معاوية هذا الحديث، وإنما سمع منه: "النّهي عن ركوب جلود النّمور" فأما النهي عن القران فسمعه من أبي حسان، عن معاوية. ومرة يقول: عن أخيه حمان، ومرة يقول: جمان، وهم مجهولون".
وقال ابن القطّان: "يرويه عن أبي شيخ رجلان قتادة ومطرف، لا يجعلان بين أبي شيخ ومعاوية أحدًا، ورواه عنه بيهس بن فهدان، فذكر سماعه من معاوية لفظ النهي عن ركوب جلود النمور خاصة".
قال الحافظ ابن القيم: "وقال غيره: أبو شيخ هذا لم نعلم عدالته وحفظه، ولو كان حافظًا لكان حديثه هذا معلوم البطلان، إذ هو خلاف التواتر عن رسول الله ﷺ من فعله وقوله، فإنه أحرم قارنًا رواه عنه ستة عشر نفسًا من أصحابه". وأطال الكلام في ردّه. انظر: "مختصر تهذيب السنن".
وبيّن علّله أيضًا المنذريّ في مختصره، وقال الخطابي: جواز القران بين الحج والعمرة إجماع من الأمة، ولا يجوز أن يتفقوا على جواز شيء منهي عنه".
١٧ - باب استحباب إهلال المرء بالتمتع إلى الحج ّ
• عن أبي عمران أسلم أنّه قال: حججتُ مع موالي، فدخلتُ على أمِّ سلمة زوج النّبي ﷺ فقلتُ: أعتمرُ قبل أن أحجَّ؟ قالت: إنْ شئتَ فاعتمرْ قبل أن تحجّ، وإن شئتَ بعد أن تحجْ. قال: فقلتُ: إنّهم يقولون: من كان صَرورة فلا يصلح أنْ يعتمر قبل أنْ يحجّ. قال: فسألتُ أمّهات المؤمنين، فقُلْنَ مثل ما قالتْ، فرجعتُ إليها فأخبرتُها بقولِهنّ. قال: فقالت: نعم وأشفيك سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أهلّوا يا آل محمّد بعمرة في حجّ".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٦٥٤٨)، والطبراني في "الكبير" (٢٣/ ٣٤١)، والبيهقيّ (٤/ ٣٥٥) كلّهم من حديث الليث بن سعد، ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن أبي عمران قال: فذكره إلا أنّ الطبراني اختصر على الجزء المرفوع بدون القصة. وإسناده صحيح.
وصحّحه ابن حبان (٣٩٢٠، ٣٩٢٢) من وجه آخر عن يزيد بن أبي حبيب، به، مثله. وقال: "أبو عمران هذا اسمه أسلم من ثقات أهل مصر".
١٨ - باب من قال: حجّ النبيّ ﷺ قارنًا
• عن بكر، عن أنس، قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا. قَالَ بَكْرٌ: فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَال: لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ فَلَقِيتُ أَنَسًا فَحَدَّثْتُهُ بِقَوْلِ ابْنِ
стр. 3084
عُمَرَ. فَقَالَ أَنَسٌ: مَا تَعُدُّونَنَا إِلا صِبْيَانًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: "لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا".
متفق عليه: رواه مسلم في الحج (١٢٣٢: ١٨٥) عن سريج بن يونس، حدّثنا هشيم، حدّثنا حميد، عن بكر، عن أنس، فذكره.
ورواه أيضًا من وجه آخر عن حبيب بن الشهيد، عن بكر بن عبد الله، نحوه.
وذكر بعضه البخاريّ في المغازي (٤٣٥٣، ٤٣٥٤) من طريق بشر بن المفضل، عن حميد الطويل إلا أنه لم يذكر قول أنس: "ما تعدوننا إلّا صبيانا" ولذا اختلف فيه هل هو حديث أو حديثان.
• عن أنس، قال: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٥١) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا وُهيب، حدّثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، فذكره. ورواه مسلم في صلاة المسافرين (٦٩٠) من حديث أيوب مختصرا.
• عن أنس، قال: سمعت رسول الله ﷺ أهلّ بهما جميعًا: "لبيك عمرة وحجًّا، لبيك عمرة وحجًّا".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٥١) عن يحيى بن يحيى، أخبرنا هُشيم، عن يحيى بن أبي إسحاق وعبد العزيز بن صهيب وحميد أنهم سمعوا أنسًا ﵁ قال (فذكره).
• عن أنس بن مالك: أنّ رسول الله ﷺ قرن بين الحجّ والعمرة، وقرن القوم معه.
صحيح: رواه ابن حبان (٣٩٣١) من حديث الأشعث، أنّ الحسن حدّثهم عن أنس بن مالك، فذكره.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا النسائي (٢٦٦٢، ٢٧٥٦) إلا أنه قال: "وأهلّ بالحجّ والعمرة حين صلّى الظّهر".
وإسناده صحيح، والحسن مدلّس وقد عنعن، وثبت سماعه من أنس كما قال الإمام أحمد.
وإخراج ابن حبان دليل على التصريح عنده كما بيَّن ذلك في مقدمة الصّحيح، ورواية أنس الأخرى تؤكّد صحة هذا الحديث.
• عن سالم بن عبد الله أنّه سمع رجلًا من أهل الشّام، وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج؟ فقال عبد الله بن عمر: هي حلال. فقال الشّاميّ: إنّ
стр. 3085
أباك قد نهى عنه؟ فقال عبد الله بن عمر: أرأيتَ إنْ كان أبي نهى عنها، وصنعها رسول الله ﷺ أأمرَ أبي نتبع أمْ أمرَ رسول الله ﷺ ؟ فقال الرّجل: بل أمر رسول الله ﷺ . فقال: لقد صنعها رسول الله ﷺ .
صحيح: رواه الترمذيّ (٨٢٤) عن عبد بن حميد، أخبرني يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدّثنا أبيّ، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، أنّ سالم بن عبد الله حدّثه، فذكره. وإسناده صحيح التمتع هنا بمعنى القران أي أنه ﷺ أتي بعمل العمرة غير الحلق والتقصير، ثمّ حجّ وهو القران، ثم صار التمتع في الاصطلاح من أتي بسكين في سفر واحد مستقلين.
قال الترمذيّ: "وأهل الحديث يختارون التمتع بالعمرة في الحجّ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق".
وفي الباب ما روي عن سعد بن أبي وقاص، والضحاك بن قيس وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحجّ، فقال الضّحاك بن قيس: "لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله". فقال سعد: "بئس ما قلت يا ابن أخي! " فقال الضحاك بن قيس: "إن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك؟ " فقال سعد: "قد صنعها رسول الله ﷺ وصنعناها معه".
رواه مالك في الحج (٦٣) عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب، أنه حدثه، أنه سمع سعد بن أبي وقاص، والضحاك بن قيس عام حجّ معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة، فذكره.
ومن طريقه رواه الترمذي (٨٢٣)، والنسائي (٢٧٣٦) وقال الترمذي: "حديث صحيح".
قلت: ولكن فيه محمّد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل لم يوثقه غير ابن حبان، ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول" أي إذا توبع، ولم أجد له متابعًا.
١٩ - باب من قال: حجّ النبيّ ﷺ مفردًا
• عن عائشة زوج النبيّ ﷺ أنها قالت: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ؛ فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يُحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ.
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٣٦) عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، فذكرته.
ورواه البخاريّ في الحج (١٥٦٢)، ومسلم في الحج (١٢١١: ١١٨) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
следующие страницы →