Полный текст (8 687 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
عمرتكم، فإنّه أتمَّ لحجِّكم وأتمَّ لعمرتكم".
ورواه مسلم أيضًا (١٢٤٩) من طريق عاصم (هو الأحول)، عن أبي نضرة، قال: "كنتُ عند جابر بن عبد الله، فأتاه آتٍ فقال: إنّ ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله ﷺ ، ثم نهانا عنهما عمر فلم نعُدْ لهما".
قوله: "المتعتين" أي متعة الحج، ومتعة النساء.
وفي رواية عند الإمام أحمد (٣٦٩) من طريق همام، حدثنا قتادة بإسناده قال جابر: "تمتعنا مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكر، فلما ولي عمر بن الخطاب خطب الناس فقال: إنّ القرآن هو القرآن، وإنّ رسول الله ﷺ هو الرسول، وإنّهما كانتا متعتان على عهد رسول الله ﷺ إحداهما متعة الحجّ، والأخرى متعة النساء".
وقد صحَّ عن عثمان أيضًا أنّه سئل عن متعة الحجّ فقال: "كانت لنا، وليست لكم". رواه سعيد ابن منصور في "سننه".
وقد ثبت النّهي أيضًا عن معاوية، وابن الزبير وغيرهم من الصحابة عن متعة الحجّ وكراهتهم لها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومعلوم أن التمتع بالعمرة إلى الحجّ لا يكره بالاتفاق، فيجب حمل نهيهم على متعة الفسخ، ورخصة المتعة المبتدأة توفيقًا بين أقاويلهم".
• عن عروة بن الزبير: أنه أتى ابن عباس، فقال: يا ابن عباس! طالما أضللتَ النّاس! قال: وما ذاك يا عُريّة؟ قال: الرّجل يخرج محرمًا بحجٍّ أو عمرة فإذا طاف زعمت أنه قد حلَّ، فقد كان أبو بكر وعمر ينهيان عن ذلك. فقال: أهما -ويحكَ! - آثر عندك أم ما في كتاب الله وما سنّ رسول الله ﷺ في أصحابه وفي أمَّته؟ فقال عروة: هما كانا أعلم بكتاب الله وما سنَّ رسول الله مني ومنك.
قال ابن أبي مليكة: فخصمه عروة.
حسن: رواه الطبراني في "الأوسط" (٢١) عن أحمد بن عبد الوهاب، حدثنا أبي (هو عبد الوهاب بن نجدة الحوطيّ)، حدثنا محمد بن حمير، عن إبراهيم بن أبي عبْلة، عن ابن أبي مليكة الأعمى، عن عروة بن الزبير، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن حمير، وهو ابن أنيس السلميّ الحمصيّ فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات.
وقد حسّن إسناده أيضًا الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٣٣٤).
قلت: إذا صحّ هذا علم باليقين بأن الإفراد والقران والتمتع بالعمرة إلى الحجّ كلّها جائزة وهو أمر لا خلاف بين الأمّة، وإنما انحصر الخلاف بينهم في الأفضل منها:
стр. 3082
١ - فذهب مالك والشافعي إلى أن الإفراد أفضل.
٢ - وذهب الإمام أحمد إلى أن التمتع بالعمرة إلى الحجّ هو الأفضل.
٣ - وذهب أبو حنيفة إلى أنّ القران أفضل.
ولكلّ أدلة مبسوطة في كتب الفقه.
وأمّا ما روي عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت فسخ الحجّ في العمرة لنا خاصة؟ أم للناس عامة؟ فقال رسول الله ﷺ : "بل لنا خاصة" فهو ضعيف.
رواه أبو داود (١٨٠٨)، والنسائيّ (٢٨٠٨)، وابن ماجه (٢٩٨٤) كلّهم من طريق عبد العزيز بن محمد وهو الدّراورديّ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (١٥٨٥٣)، والحاكم (٣/ ٥١٧). وإسناده ضعيف كما قال الإمام أحمد: "أنه حديث لا يثبت".
وقد سأله ابنه عبد الله عن هذا الحديث فقال: "لا أقول به، لا يعرف هذا الرجل (يعني الحارث ابن بلال) هذا حديث ليس إسناده بالمعروف، ليس حديث بلال بن الحارث عندي يثبت".
وقال الدّارقطني: "تفرّد به ربيعة بن عبد الرحمن، عن الحارث، عن أبيه، وتفرّد به عبد العزيز الدّراورديّ عنه".
وقال المنذريّ: "والحارث هو ابن بلال بن الحارث شبه المجهول".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن سعيد بن المسيب: "أنّ رجلًا من أصحاب النبيّ ﷺ أتى عمر بن الخطاب ﵁، فشهد عنده أنه سمع رسول الله ﷺ في مرضه الذي قُبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحجّ".
رواه أبو داود (١٧٩٣) عن أحمد بن صالح، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني حيوة، أخبرني أبو عيسى الخراسانيّ، عن عبد الله بن القاسم، عن سعيد بن المسيب، فذكره.
قال ابن القيم في "تهذيب السنن": "هذا الحديث باطل. ونُقل عن ابن حزم قوله: "هذا حديث في غاية الوهي والسقوط؛ لأنه مرسل عمن لم يسم، وفيه أيضًا ثلاثة مجهولون: أبو عيسى الخراساني، وعبد الله بن القاسم، وأبوه (كذا قال). وقال عبد الحقّ: هذا منقطع ضعيف الإسناد" انتهى.
وقال الخطّابي: "في إسناد هذا الحديث مقال، وقد اعتمر رسول الله ﷺ عمرتين قبل حجّه، والأمر الثابت المعلوم لا يترك بالأمر المظنون، وجواز ذلك إجماع من أهل العلم لم يذكر فيه خلاف".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي الشيخ الهُنَّائي قرأ على أبي موسى الأشعريّ، أنّ معاوية بن أبي سفيان قال لأصحاب النبيّ ﷺ : "هل تعلمون أن رسول الله ﷺ نهي عن كذا وكذا، وعن ركوب جلود النمور؟ قالوا: نعم. قال: فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ فقالوا: أما هذا فلا، فقال: أما إنها معهن ولكنكم نسيتُم".
رواه أبو داود (١٧٩٤) عن موسي بن أبي سلمة، حدّثنا حماد، عن قتادة، عن أبي شيخ الْهُنائيّ
стр. 3083
- حيوان بن خلدة ممن قرأ على أبي موسى الأشعريّ من أهل البصرة -أنّ معاوية بن أبي سفيان، فذكره.
قال عبد الحقّ: "لم يسمع أبو شيخ من معاوية هذا الحديث، وإنما سمع منه: "النّهي عن ركوب جلود النّمور" فأما النهي عن القران فسمعه من أبي حسان، عن معاوية. ومرة يقول: عن أخيه حمان، ومرة يقول: جمان، وهم مجهولون".
وقال ابن القطّان: "يرويه عن أبي شيخ رجلان قتادة ومطرف، لا يجعلان بين أبي شيخ ومعاوية أحدًا، ورواه عنه بيهس بن فهدان، فذكر سماعه من معاوية لفظ النهي عن ركوب جلود النمور خاصة".
قال الحافظ ابن القيم: "وقال غيره: أبو شيخ هذا لم نعلم عدالته وحفظه، ولو كان حافظًا لكان حديثه هذا معلوم البطلان، إذ هو خلاف التواتر عن رسول الله ﷺ من فعله وقوله، فإنه أحرم قارنًا رواه عنه ستة عشر نفسًا من أصحابه". وأطال الكلام في ردّه. انظر: "مختصر تهذيب السنن".
وبيّن علّله أيضًا المنذريّ في مختصره، وقال الخطابي: جواز القران بين الحج والعمرة إجماع من الأمة، ولا يجوز أن يتفقوا على جواز شيء منهي عنه".
١٧ - باب استحباب إهلال المرء بالتمتع إلى الحج ّ
• عن أبي عمران أسلم أنّه قال: حججتُ مع موالي، فدخلتُ على أمِّ سلمة زوج النّبي ﷺ فقلتُ: أعتمرُ قبل أن أحجَّ؟ قالت: إنْ شئتَ فاعتمرْ قبل أن تحجّ، وإن شئتَ بعد أن تحجْ. قال: فقلتُ: إنّهم يقولون: من كان صَرورة فلا يصلح أنْ يعتمر قبل أنْ يحجّ. قال: فسألتُ أمّهات المؤمنين، فقُلْنَ مثل ما قالتْ، فرجعتُ إليها فأخبرتُها بقولِهنّ. قال: فقالت: نعم وأشفيك سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أهلّوا يا آل محمّد بعمرة في حجّ".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٦٥٤٨)، والطبراني في "الكبير" (٢٣/ ٣٤١)، والبيهقيّ (٤/ ٣٥٥) كلّهم من حديث الليث بن سعد، ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن أبي عمران قال: فذكره إلا أنّ الطبراني اختصر على الجزء المرفوع بدون القصة. وإسناده صحيح.
وصحّحه ابن حبان (٣٩٢٠، ٣٩٢٢) من وجه آخر عن يزيد بن أبي حبيب، به، مثله. وقال: "أبو عمران هذا اسمه أسلم من ثقات أهل مصر".
١٨ - باب من قال: حجّ النبيّ ﷺ قارنًا
• عن بكر، عن أنس، قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا. قَالَ بَكْرٌ: فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَال: لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ فَلَقِيتُ أَنَسًا فَحَدَّثْتُهُ بِقَوْلِ ابْنِ
стр. 3084
عُمَرَ. فَقَالَ أَنَسٌ: مَا تَعُدُّونَنَا إِلا صِبْيَانًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: "لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا".
متفق عليه: رواه مسلم في الحج (١٢٣٢: ١٨٥) عن سريج بن يونس، حدّثنا هشيم، حدّثنا حميد، عن بكر، عن أنس، فذكره.
ورواه أيضًا من وجه آخر عن حبيب بن الشهيد، عن بكر بن عبد الله، نحوه.
وذكر بعضه البخاريّ في المغازي (٤٣٥٣، ٤٣٥٤) من طريق بشر بن المفضل، عن حميد الطويل إلا أنه لم يذكر قول أنس: "ما تعدوننا إلّا صبيانا" ولذا اختلف فيه هل هو حديث أو حديثان.
• عن أنس، قال: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٥١) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا وُهيب، حدّثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، فذكره. ورواه مسلم في صلاة المسافرين (٦٩٠) من حديث أيوب مختصرا.
• عن أنس، قال: سمعت رسول الله ﷺ أهلّ بهما جميعًا: "لبيك عمرة وحجًّا، لبيك عمرة وحجًّا".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٥١) عن يحيى بن يحيى، أخبرنا هُشيم، عن يحيى بن أبي إسحاق وعبد العزيز بن صهيب وحميد أنهم سمعوا أنسًا ﵁ قال (فذكره).
• عن أنس بن مالك: أنّ رسول الله ﷺ قرن بين الحجّ والعمرة، وقرن القوم معه.
صحيح: رواه ابن حبان (٣٩٣١) من حديث الأشعث، أنّ الحسن حدّثهم عن أنس بن مالك، فذكره.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا النسائي (٢٦٦٢، ٢٧٥٦) إلا أنه قال: "وأهلّ بالحجّ والعمرة حين صلّى الظّهر".
وإسناده صحيح، والحسن مدلّس وقد عنعن، وثبت سماعه من أنس كما قال الإمام أحمد.
وإخراج ابن حبان دليل على التصريح عنده كما بيَّن ذلك في مقدمة الصّحيح، ورواية أنس الأخرى تؤكّد صحة هذا الحديث.
• عن سالم بن عبد الله أنّه سمع رجلًا من أهل الشّام، وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج؟ فقال عبد الله بن عمر: هي حلال. فقال الشّاميّ: إنّ
стр. 3085
أباك قد نهى عنه؟ فقال عبد الله بن عمر: أرأيتَ إنْ كان أبي نهى عنها، وصنعها رسول الله ﷺ أأمرَ أبي نتبع أمْ أمرَ رسول الله ﷺ ؟ فقال الرّجل: بل أمر رسول الله ﷺ . فقال: لقد صنعها رسول الله ﷺ .
صحيح: رواه الترمذيّ (٨٢٤) عن عبد بن حميد، أخبرني يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدّثنا أبيّ، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، أنّ سالم بن عبد الله حدّثه، فذكره. وإسناده صحيح التمتع هنا بمعنى القران أي أنه ﷺ أتي بعمل العمرة غير الحلق والتقصير، ثمّ حجّ وهو القران، ثم صار التمتع في الاصطلاح من أتي بسكين في سفر واحد مستقلين.
قال الترمذيّ: "وأهل الحديث يختارون التمتع بالعمرة في الحجّ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق".
وفي الباب ما روي عن سعد بن أبي وقاص، والضحاك بن قيس وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحجّ، فقال الضّحاك بن قيس: "لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله". فقال سعد: "بئس ما قلت يا ابن أخي! " فقال الضحاك بن قيس: "إن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك؟ " فقال سعد: "قد صنعها رسول الله ﷺ وصنعناها معه".
رواه مالك في الحج (٦٣) عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب، أنه حدثه، أنه سمع سعد بن أبي وقاص، والضحاك بن قيس عام حجّ معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة، فذكره.
ومن طريقه رواه الترمذي (٨٢٣)، والنسائي (٢٧٣٦) وقال الترمذي: "حديث صحيح".
قلت: ولكن فيه محمّد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل لم يوثقه غير ابن حبان، ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول" أي إذا توبع، ولم أجد له متابعًا.
١٩ - باب من قال: حجّ النبيّ ﷺ مفردًا
• عن عائشة زوج النبيّ ﷺ أنها قالت: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ؛ فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يُحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ.
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٣٦) عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، فذكرته.
ورواه البخاريّ في الحج (١٥٦٢)، ومسلم في الحج (١٢١١: ١١٨) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
стр. 3086
ورواه مسلم أيضًا من طريق القاسم بن محمد، عن عائشة مختصرًا بلفظ: "منّا من أهلَّ بالحجّ مُفردًا، ومنّا مَنْ قرن، ومنّا من تمتَّع".
• عن بكر (هو ابن عبد الله المزني) أنه ذكر لابن عمر: أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ. فَقَالَ أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالْحَجِّ وَأَهْلَلْنَا بِهِ مَعَهُ فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ: "مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً". وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ هَدْيٌ، فَقَدِمَ عَلَيْنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْيَمَنِ حَاجًّا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بِمَ أَهْلَلْتَ فَإِنَّ مَعَنَا أَهْلَكَ؟ ". قَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . قَالَ: "فَأَمْسِكْ فَإِنَّ مَعَنَا هَدْيًا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٥٣، ٤٣٥٤) عن مسدّد، حدّثنا بشر بن المفضّل، عن حميد الطويل، حدّثنا بكر، فذكره.
وأخرجه مسلم في الحج (١٢٣٢) من وجه آخر عن حميد الطويل باختلاف في بعض ألفاظه، وفيه تأكيد من أنس بأن النبي ﷺ لبي بالحج والعمرة جميعا.
• عن عبد الله بن عمر، قال: "أهلْلنا مع رسول الله ﷺ بالحجّ مفردًا".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٣١) عن يحيى بن أيوب، وعبد الله بن عون الهلالي، قالا: حدثنَا عبّاد بن عبّاد المهلّبي، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن بن عمر، به. واللفظ برواية يحيى بن أيوب.
قال مسلم: وفي رواية ابن عون: "أنّ رسول الله ﷺ أهلَّ بالحجِّ مفرَدًا".
وفي الباب ما روي عن ابن عباس، قال: أهلّ النبيّ ﷺ بالحج (أي مفردًا) فلما قدم طاف بالبيت وبين الصفا والمروة -وقال ابن شوكر: ولم يقصر- ثم اتفقا: ولم يحل من أجل الهدي، وأمر من لم يكن ساق الهدي أن يطوف ويسعى ويقصر ثم يحل.
زاد ابن منيع في حديثه: "أو يحلق ثم يحل".
رواه أبو داود (١٧٩٢) عن الحسن بن شوكر وأحمد بن منيع، قالا: حدّثنا هشيم، عن يزيد بن أبي زياد -المعنى-، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل يزيد بن أبي زياد وهو الهاشميّ مولاهم الكوفي ضعيف باتفاق أهل العلم.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (٢١٥٢) وبه أعلّه المنذريّ في "مختصره"، ولكن
الحديث صحيح عن ابن عباس بأن النبيّ ﷺ كما سبق في فسخ الحج إلى العمرة.
ويجمع بين قولي أنس وعائشة كما قاله الخطابي في "معالم السنن"، قال: "وقد يحتمل ذلك وجهًا آخر، وهو أن يكون بعضهم سمعه يقول: "لبيك بحج" فحكى أنه أفردها وخفي عليه قوله: "وعمرة"، فلم يحك إلا ما سمع، وهو: عائشة، ووعي غيره الزيادة فرواها وهو أنس حين قال:
стр. 3087
"سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لبيك بحج وعمرة" ولا تنكر الزيادات في الأخبار كما لا تنكر في الشهادات، وإنما كان يختلف ويتناقض لو كان الزائد نافيًا لقول صاحبه، فأما إذا كان مثبتًا له وزائدًا عليه فليس فيه تناقض ولا تدافع.
وقد يحتمل أيضًا: أن يكون الراوي سمع ذلك يقوله على سبيل التعليم لغيره فيقول له: لبيك بحجة وعمرة يلقنه ذلك، وأما من روى أنه تمتع بالعمرة إلى الحج فإنه قد أثبت ما حكته عائشة من إحرامه بالحج، وأثبت ما رواه أنس من العمرة والحج إلا أنه أفاد الزيادة في البيان والتمييز بين الفعلين بإيقاعهما في زمانين وهو ما روته حفصة، روى عنها عبد الله بن عمر أنها قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبّدت رأسي وقلّدت هديي فلا أحل حتى أنحر. فثبت أنه كان هناك عمرة إلا أنه أدخل عليها الحج قبل أن يقضي شيئًا من عمل العمرة فصار في حكم القارن.
وهذه الروايات على اختلافها في الظاهر ليس فيها تكاذب ولا تهاتر، والتوفيق بينهما ممكن وهو سهل الخروج غير متعذّر، والحمد لله.
ووجه آخر للجمع بين قول من قال: أفرد بالحج وبين من قول من قال: أهل بالحج والعمرة أي أنه لم يُهل بالعمرة استقلالًا من أجل أنه ساق الهدي، بخلاف من لم يسق الهدي فقدم عمرة استقلالًا، ثم أهلّ بالحجّ، فجمع بين الحج والعمرة.
أو يقال: إنه ﷺ أولا كان مفردًا ثم صار قارنًا، ومن قال: إنه كان متمتعًا فقصد به أنه طاف وسعي كما يفعله المعتمر غير أن لم يحل، بل بقي محرمًا حتى نحر الهدي فشبه النبي ﷺ بالتمتع من بعض الوجوه لا من كل الوجوه.
٢٠ - باب جواز القران بدون سوق الهدي من الميقات
• عن الصُّبَيِّ بْنُ مَعْبَدٍ قال: كُنْتُ رَجُلا أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمْتُ، فَأَتَيْتُ رَجُلا مِنْ عَشِيرَتِي يُقَالُ لَهُ هُذَيْمُ بْنُ ثُرْمُلَةَ فَقُلْتُ لَهُ: يَا هَنَاهْ! إِنِّي حَرِيصٌ عَلَى الْجِهَادِ وَإِنِّي وَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ فَكَيْفَ لِي بِأَنْ أَجْمَعَهُمَا؟ قَالَ: اجْمَعْهُمَا وَاذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَأَهْلَلْتُ بِهِمَا مَعًا، فَلَمَّا أَتَيْتُ الْعُذَيْبَ لَقِيَنِي سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ -وَأَنَا أُهِلُّ بِهِمَا جَمِيعًا- فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: مَا هَذَا بِأَفْقَهَ مِنْ بَعِيرِهِ، قَالَ: فَكَأَنَّمَا أُلْقِيَ عَلَيَّ جَبَلٌ حَتَّى أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنِّي كُنْتُ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا، وَإِنِّي أَسْلَمْتُ وَأَنَا حَرِيصٌ عَلَى الْجِهَادِ، وَإِنِّي وَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ، فَأَتَيْتُ رَجُلا مِنْ قَوْمِي، فَقَالَ لِي: اجْمَعْهُمَا وَاذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَإِنِّي أَهْلَلْتَ بِهِمَا مَعًا، فَقَالَ لِي عُمَرُ رَضِيَ
стр. 3088
اللَّهُ عَنْهُ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ .
صحيح: رواه أبو داود (١٧٩٩) -واللّفظ له-، والنسائيّ (٢٧١٩)، وابن حبان (٢٩٧٠) كلّهم من طرق عن أبي وائل شفيق بن سلمة، قال: قال الصُّبي بن معبد، فذكره.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (٨٣، ١٦٩، ٢٢٧، ٢٥٤، ٢٥٦، ٣٧٩)، وصحّحه ابن خزيمة (٣٠٦٩)، وابن حبان (٣٩١٠، ٣٩١١) وإسناده صحيح.
وقال شقيق بن سلمة: كثيرًا ما كنت آتي الصبي بن معبد أنا ومسروق نسأله عن هذا الحديث.
قال ابن خزيمة: "وفي تركه الإنكار عليه دلالة بينة بأن القران عنده (أي عند عمر بن الخطاب) جائز من غير سوق بدنة ولا بقرة من الميقات التي يحرم منه بالحج والعمرة".
وقال أيضًا: "وفيه دلالة على أن ما استيسر من الهدي جائز عن القارن كهو عن المتمتع لا كما قال بعض العلماء: أنّ القارن لا يكون إلّا بسوق بدنة أو بقرة يسوقه من حيث يحرم".
٢١ - باب من حوّل نيته من التمتع إلى القران قبل الشروع في الطواف
• عن عبد الله بن عمر، أنه قال حين خرج إلى مكة معتمرًا في الفتنة: إِنْ صُدِدْتُ عَنِ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ إِنَّ عبْد نَظَرَ فِي أَمْرِهِ، فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلا وَاحِدٌ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ مَا أَمْرُهُمَا إِلا وَاحِدٌ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ نَفَذ حَتَّى الْبَيْتِ فَطَافَ طَوَافًا وَاحِدًا وَرَأَى ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ وَأَهْدَى.
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٩٩) عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
ورواه البخاريّ في المحصر (١٨١٣)، ومسلم في الحج (١٢٣٠) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. إلّا أن مسلمًا قال: "فخرج حتى إذا جاء البيت طاف به سبعًا وبين الصّفا والمروة سبعًا لم يزد عليه ... ".
ورواه البخاريّ في الحج (١٦٩٣)، ومسلم في الحج (١٢٣٠: ١٨٣) كلاهما من طريق أيوب، عن نافع، به، نحوه، وفيه عند البخاري: "ثم اشترى الهدي من قديد، ثم قدم فطاف لهما طوافًا واحدًا ... ".
٢٢ - باب في أنّ المرأة المتمتعة إذا حاضت قبل الطّواف صارتْ مفردة أو قارنة
• عن عائشة، قالت: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا"، قَالَتْ: فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلا بَيْنَ
стр. 3089
الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ". قَالَتْ: فَفَعَلْتُ فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ عبد الرحمن بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إِلَى التَّنْعِيم فَاعْتَمَرْتُ فَقَالَ: "هَذَا مَكَانُ عُمْرَتِكِ". فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا مِنْهَا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ. وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا.
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٢٢٣) عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. ثم رواه عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، ثم قال: "بمثل ذلك" ولم يسق لفظه.
ورواه البخاريّ في الحجّ (١٥٥٦) عن عبد الله بن مسلمة القعنبيّ، ومسلم في الحج (١٢١١: ١١١) عن يحيى بن يحيى التميمي، كلاهما عن مالك، عن عروة، عن عائشة، به، مثله.
إلّا أنه وقع عندهما: "وأمّا الذين كانوا جمعوا الحجّ والعمرة".
وليس عندهما: "أهلّوا بالحجّ" أي وحده.
٢٣ - باب ما روي في رفع الأيدي وما يقال عند رؤية البيت
رُوي عن جابر بن عبد الله، عن الرجل يرى البيت يرفع يديه؟ فقال: "ما كنت أرى أحدًا يفعل هذا إلا اليهود، قد حججنا مع رسول الله ﷺ فلم يكن يفعله" فهو ضعيف.
رواه أبو داود (١٨٧٠)، والترمذي (٨٥٥)، والنسائي (٢٨٩٨) كلّهم من حديث شعبة، عن أبي قزعة الباهليّ، عن المهاجر المكيّ، قال: سئل جابر، فذكره.
ولم يحكم عليه الترمذيّ بشيء وإنما قال فقط: "رفع اليدين عند رؤية البيت إنما نعرفه من حديث شعبة عن أبي قزعة، وأبو قزعة اسمه سويد بن حُجير".
وكلام الترمذيّ مشعرٌ بأنّه ليس بصحيح؛ لأنه لم يرو هذا الحديث إلّا من هذا الوجه، وسويد ابن حجير وإن كان ثقة من رجال مسلم، ولكن شيخه المهاجر المكيّ "مجهول" وهو مهاجر بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشي المخزوميّ، قال أبو حاتم في "العلل" (كما في التهذيب ولم أجده في المطبوع): "لا أعلم أحدًا روي عن المهاجر بن عكرمة غير يحيى بن أبي كثير، والمهاجر ليس بالمشهور".
وقال الخطابي: "ضعّف الثوريّ وابن المبارك وأحمد وإسحاق حديث مهاجر في رفع اليدين عند رؤية البيت لأنّ مهاجرًا مجهول".
إلّا أنّ ابن حبان ذكره في "الثقات" (٥/ ٤٢٨) ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول" أي إذا توبع وإلا فليّن الحديث.
стр. 3090
وقد عرفت أنه لم يتابع كما نصّ عليه الترمذي.
وأما قول أبي حاتم: لم يرو عنه غير يحيى بن أبي كثير، فتُعقِّب بأنه روى عنه أيضًا أبو قزعة سعيد بن حجير كما مضى.
وكذلك لا يصح ما روي عن حذيفة بن أسيد، أنّ النبيّ ﷺ كان إذا نظر إلى البيت قال: "اللَّهُم! زد بيتك تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا وبرًا ومهابة".
رواه الطبراني في "الكبير" (٣٠٥٣) وفيه عاصم بن سليمان الكوزي وهو متروك كما قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢٣٨).
ومن العلماء من كذبه ورماه بالوضع كالدارقطني وابن حبان وغيره.
وكذلك لا يصح ما روي عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ قال: "تُرفع الأيدي في سبعة مواطن: افتتاح الصّلاة، واستقبال البيت، وعلى الصّفا والمروة، والْمَوْقِفَيْن، والجمرتين".
رواه الشافعي في الأم (٢/ ١٦٩) عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، قال: حُدّثت عن مقسم مولي عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، فذكر نحوه. وفيه انقطاع.
وله شاهد مرسل عن سفيان الثوريّ، عن أبي سعيد الشامي، عن مكحول قال: كان النبيّ ﷺ إذا دخل مكة فرأي البيت رفع يديه وكبّر وقال: "اللهم! أنت السلام، ومنك السلام، فحيّنا ربَّنا بالسّلام. اللَّهمّ! زدْ هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا، ومهابة، وزدْ من حجَّه أو اعتمره تكريمًا وتشريفًا وتعظيمًا وبرًّا".
رواه البيهقيّ (٥/ ٧٣)، وأبو سعيد الشامي مجهول.
وروي مثل هذا عن عمر بن الخطاب ﵁.
رواه البيهقيّ من طريق يحيى بن معين، ثنا سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن طريف، عن حُميد ابن يعقوب، سمع سعيد بن المسيب يقول: سمعت من عمر ﵁ كلمة ما بقي أحدٌ من الناس سمعها غيري، سمعته يقول إذا رأى البيت: "اللَّهمّ! أنت السّلام، ومنك السّلام فحيّنا ربَّنا بالسّلام". وهذا إسناد جيّد.
وممن كان يرفع يديه عند رؤية البيت: ابن عمر، وابن عباس، ومن الأئمة: سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وغيرهم. انظر "شرح السنة" للبغويّ (٧/ ٩٩ - ١٠٠).
٢٤ - باب وجوب ستر العورة في الطّواف
• عن أبي هريرة، قال: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ: "لا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ".
стр. 3091
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٢٢) من طريق يونس (هو ابن يزيد الأيلي)، ومسلم في الحج (١٣٤٧) من طريق يونس، وعمرو (وهو ابن الحارث) كلاهما عن ابن شهاب الزهريّ، حدثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، فذكره، واللفظ لمسلم وزاد.
قال ابن شهاب: فكان حميد بن عبد الرحمن يقول: "يوم النحر الحج الأكبر" من أجل حديث أبي هريرة.
• عن أبي هريرة، قال: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى: "أَنْ لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ".
قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عبد الرحمن: ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ يَوْمَ النَّحْرِ فِي أَهْلِ مِنًى بِبَرَاءَة وَأَنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٥٥) عن سعيد بن عفير، حدثني الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، وأخبرني حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة، قال (فذكره).
وقوله: "وأخبرني" قال الكرماني: بواو العطف إشعارًا بأنه أخبره أيضًا بغير ذلك، قيل: فهو عطف على مقدّر.
ودلّ الحديث على أن أبا بكر كان هو الأمير على الناس في تلك الحجّة، وكان عليٌّ هو المأمور بالتأذين بذلك، وكأنّ عليًّا لم يطق التأذين وحده واحتاج إلى من يعينه على ذلك فأرسل معه أبو بكر أبا هريرة وغيره يساعدونه على ذلك كما جاء في حديث رواه الإمام أحمد (٧٩٧٧) من طريق محرز بن أبي هريرة، عن أبيه أبي هريرة، قال: كنت مع علي بن أبي طالب حيث بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ببراءة.
هكذا جمع الطحاويّ في "مشكله" وسيأتي مزيد من التحقيق في موضعه في قضية العهد الذي ضربه رسول الله ﷺ للمشركين.
لأنه وقع في رواية أحمد المشار إليها: "ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فإنّ أجله أو أمده إلى أربعة أشهر".
والصّحيح أنّ أجله إلى مدته لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾ [سورة التوبة: ٤].
وهو الذي يدل عليه ما جاء في "جامع الترمذي" عن علي: "وكان بينه وبين النبيّ ﷺ عهد فعهده إلى مدّته، ومن لا مدّة له فأربعة أشهر".
стр. 3092
وسيأتي كلّ هذه الأمور بالتفصيل في موضعه.
وأمّا ما روي عن أبي بكر أنّ النبيّ ﷺ بعثه ببراءة لأهل مكة: "لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، من كان بينه وبين رسول الله ﷺ مدة فأجله إلى مدته، والله بريء من المشركين ورسولُه".
قال: فسار بها ثلاثًا، ثم قال لعلي ﵁: "الحقه فرد عليَّ أبا بكر وبلِّغها أنت".
قال: ففعل. قال: فلما قدم على النبيّ ﷺ أبو بكر بكي. قال: يا رسول الله! حدث فيَّ شيءٌ؟ قال: "ما حدث إلّا خير، لكن أُمرت أن لا يبلغه إلّا أنا أو رجل مني" ففيه نكارة.
رواه الإمام أحمد (٤)، وأبو يعلى (١٠٤) من حديث وكيع، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثيع، عن أبي بكر، فذكره.
وزيد بن يثيع تفرّد بالرواية عنه أبو إسحاق، ولم يوثقه غير ابن حبان والعجلي، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، فمثله لا يكون "ثقة" كما قال الحافظ في "التقريب"، ثم روى في خبره ما ينكر عليه، وهو قوله: "ولكن أمرت أن لا يبلغه إلا أنا أو رجل مني".
وأخرجه الجوزجانيّ في "الأباطيل" (١/ ١٢٨ - ١٣١) وقال: "هذا حديث منكر". ثم رواه من حديث الإمام أحمد وغيره أيضًا وقال: "فهذه الروايات كلّها مضطربة مختلقة منكرة".
وقال الخطابيّ في كتاب "شعار الدين": وقوله: "لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي" هو شيء جاء به أهل الكوفة عن زيد بن يثيع، وهو متهم في الرواية، منسوب إلى الرّفض. وعامّة من بلّغ عنه غير أهل بيته، فقد بعث رسول الله ﷺ أسعد بن زرارة إلى المدينة يدعو الناس إلى الإسلام ويعلم الأنصار القرآن، وبعث معاذًا وأبا موسى إلى اليمن، وبعث عتاب بن أسيد إلى مكة، فأين قول من زعم: أنه لا يبلغ عنه إلا رجل من أهل بيته؟ ! ". راجع "منهاج السنة" (٥/ ٦٣).
قلت: ثم هو قد اضطرب في رواية هذا الحديث، فمرة قال: عن أبي بكر، فجعله من مسنده. وأخرى قال: سألت عليًا بأيّ شيء بُعثت؟ قال: "بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهد فعهده إلى مدّته، ومن لا مدّة له فأربعة أشهر".
رواه الترمذيّ (٨٧١) عن علي بن خشرم، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، قال (فذكره).
قال الترمذي: "حديث حسن".
ورواه الإمام أحمد (٥٩٤) وصحّحه الحاكم (٤/ ١٧٨) كلاهما من حديث سفيان بإسناد، مثله. وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد".
وله أسانيد أخرى ذكرها الدّارقطني في "العلل" (٣/ ١٦٣) وقال: "ما رواه ابن عيينة عن أبي
стр. 3093
إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي هو المحفوظ".
ولم يذكر في هذه الروايات الجملة المنكرة وهي: "أمرت أن لا يبلغه إلا أنا أو رجل مني".
• عن ابن عباس، قال: كَانَت الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهِيَ عُرْيَانَةٌ فَتَقُول: مَنْ يُعِيرُنِي تِطْوَافًا، تَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا، وَتَقُولُ:
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ
نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سورة الأعراف: ٣١].
صحيح: رواه مسلم في التفسير (٣٠٢٨) من طرق عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
وقوله: "تِطواف" هو ثوب تلبسه المرأة تطوف به، وكان أهل الجاهلية يطوفون عراة ويرمون ثيابهم ويتركونها ملقاة على الأرض ولا يأخذونها أبدًا، ويتركونها تداس بالأرجل حتى تبلى ويسمى اللقاء.
وقوله: تقول ... إلخ" أي تطوف عريانة وتنشد هذا الشعر، وحاصله اليوم -أي يوم الطواف-. إما أن ينكشف كل الفرج أو بعضه، وعلى التقديرين فلا أحل لأحد أن ينظر إليه قصدًا، تريد أنها كشفت الفرج لضرورة الطواف لا لإباحة النظر إليه والاستمتاع به. فليس لأحد أن يفعل ذلك. قاله السيوطي في شرح النسائي.
فجاء الإسلام وأمر الله بستر العورة، فقال تعالي: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد﴾، وقال النبيّ ﷺ : "لا يطوف بالبيت عريان".
٢٥ - باب أنّ الدّاخل إلى الحرم أوّل ما يفعل استلام الحجر ثم الطواف
• عن أبي هريرة، قال: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ مَكَّةَ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ أَتَى الصَّفَا فَعَلاهُ حَيْثُ يَنْظُرُ إِلَى الْبَيْتِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَذْكُرُ اللَّهَ مَا شَاءَ أَنْ يَذْكُرَهُ وَيَدْعُوهُ. قَالَ: وَالأَنْصَارُ تَحْتَهُ. قَالَ هَاشِمٌ: فَدَعَا وَحَمِدَ اللَّهَ وَدَعَا بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُو.
صحيح: رواه أبو داود (١٨٧٢) عن أحمد بن حنبل، حدّثنا بهز بن أسد وهاشم -يعني ابن القاسم- قالا: حدّثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة، فذكره.
والحديث في مسند الإمام أحمد (١٠٩٤٨) من هذا الوجه مطوّلًا.
وكذلك رواه مسلم في "فتح مكة" (١٧٨٠) عن شيبان بن فرّوخ، حدثنا سليمان بن المغيرة، بإسناده مطوَّلًا مثل الإمام أحمد.
стр. 3094
ورواه أبو داود (١٨٧١) أيضًا عن مسلم بن إبراهيم، حدّثنا سلام بن مسكين، حدّثنا ثابت البنانيّ، بإسناده وزاد فيه: "وصلى ركعتين خلف المقام" بعد قوله: "لما دخل مكة طاف بالبيت".
٢٦ - باب في فضل الحجر الأسود والمقام
• عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشدّ بياضًا من اللّبن فسوّدته خطايا بني آدم".
صحيح: رواه الترمذيّ (٨٧٧) عن قتيبة، حدّثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. قال الترمذي: "حسن صحيح".
وصحّحه ابن خزيمة (٢٧٣٣) ورواه من طريق جرير وزياد بن عبد الله - كلاهما عن عطاء بن السائب.
قلت: وفيه عطاء بن السائب ممن اختلط، وجرير ممن رواه عنه بعد الاختلاط، ولكن رواه النسائيّ (٢٩٣٥)، والإمام أحمد (٢٧٩٥) كلاهما من حديث حماد، عن عطاء بن السائب، بإسناده، مثله.
إلا أنّ النسائي ذكره مختصرًا، وحماد هو ابن سلمة وهو ممن سمع من عطاء قبل اختلاطه؛ وبهذا يكون الإسناد صحيحا فإن عطاء بن السائب ثقة، وثَّقه الأئمة.
وروي بإسناد فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عطاء بن أبي رباح، عنه، بلفظ: "الحجر الأسود من حجارة الجنة، وما في الأرض من الجنة غيره، وكان أبيض كالمها، ولولا ما مسّه من رجس الجاهلية، ما مسّه ذو عاهة إلّا برأ".
رواه الطبراني في "الكبير" (١١/ ١٤٦) قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢٤٢): "وفيه محمد ابن أبي ليلى وفيه كلام".
وهو كما قال؛ فإنّ محمد بن أبي ليلى وصف بسوء الحفظ، وفي "التقريب": "صدوق سيء الحفظ جدًا".
ومع ذلك قال المنذريّ في "الترغيب" (١٧٩٧): "رواه الطبراني في "الأوسط" و"الكبير" بإسناد حسن".
قوله: "كالمها" بالفتح أي في الصفا مثل البلورة.
وما ما رُوي عن أنس مرفوعًا: "الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة". ففيه داود بن الزّبرقان، قال الذهبي: "متروك". ومن طريقه رواه الحاكم (١/ ٤٥٦).
ورُوي عنه أيضًا موقوفًا: "الحجر الأسود من الجنة".
رواه الإمام أحمد (١٣٩٤٤) عن يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدّثنا قتادة، عن أنس، فذكره. وإسناده صحيح، وروي مرفوعًا ولا يصح.
стр. 3095
رواه البيهقي (٥/ ٧٥) وفيه عمر بن إبراهيم العبدي، عن قتادة، عن أنس، وفي حديثه عن قتادة مناكير كما قال الإمام أحمد، وفي غيره ثقة.
وفي الباب أحاديث أخرى كما ذكرها الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٤٢) إلّا أنها كلها ضعيفة.
• عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب".
حسن: رواه ابن خزيمة (٢٧٣١)، والحاكم (١/ ٤٥٦)، والبيهقي (٥/ ٧٥) كلّهم من حديث أيوب بن سويد، عن يونس، عن الزهريّ، عن مسافع بن شيبة الحجبي، عن عبد الله بن عمرو، فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث تفرّد أيوب بن سويد عن يونس، وأيوب ممن لم يحتجا به إلا أنه من أجلّة مشايخ الشّام".
وقال ابن خزيمة: "هذا الخبر لم يسنده أحدٌ أعلمه من حديث الزهريّ غير أيوب بن سويد إن كان حفظ عنه".
قلت: ليس كما قال، بل أسنده ايضًا أحمد بن شبيب، عن أبيه، عن يونس، عن الزهري، وزاد فيه: "وما مسهما من ذي عاهة ولا سقيم إلا شفي". رواه البيهقيّ.
ووالد أحمد هو شبيب بن سعيد وهو لا بأس بحديثه من رواية ابنه أحمد عنه.
وهذا متابع قوي لأيوب بن سويد الذي غالب أهل العلم على تضعيفه إلّا قوله: "وما مسهما من ذي عاهة ولا سقيم إلا شفي" فإنّها زيادة منكرة، لم يتابع عليها.
وروي هذا الحديث من غير طريق الزهري من وجهين آخرين:
فرواه الترمذي (٨٧٨) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا يزيد بن زريع.
والإمام أحمد (٧٠٠) عن عفّان كلاهما -أعني يزيد وعفّان- عن رجاء أبي يحيى، عن مسافع ابن شيبة، قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول (فذكر الحديث).
وفي مسند الإمام أحمد: أنشد بالله ثلاثًا، ووضع إصبعه في أذنيه: لسمعتُ رسول الله ﷺ وهو يقول (فذكره).
وهذا شاهد لحديث الزهري كما قال الحاكم أي متابعًا له.
وصحّحه النووي في "المجموع" (٨/ ٣٦) وقال: "رواه البيهقيّ بإسناد صحيح على شرط مسلم".
قال الترمذيّ: "وقد رُوي عن عبد الله بن عمرو موقوفًا".
قلت: كذا قال أيضًا أبو حاتم في "العلل" (٨٩٩)، ولكن من رواية الزهري وشعبة كلاهما عن مسافع بن شيبة. وقال: "وهو أشبه، ورجاء شيخ ليس بقوي".
قلت: وأخرجه أيضًا ابن خزيمة (٢٧٣٢) من طريق أبي يحيى، وقال: "لست أعرف أبا رجاء
стр. 3096
هذا بعدالة ولا جرح، ولست أحتجّ بخبر مثله".
فلعلّه لم يقف على كلام أبي حاتم، وكلام ابن معين الذي قال فيه: "ضعيف".
وأما قول أبي حاتم: "رواه الزهريّ وشعبة كلاهما عن مسافع بن شيبة، عن عبد الله بن عمرو موقوف وهو أشبه".
فلعلّه يقصد ما رواه عبد الرزاق (٨٩٢١) عن ابن جريج، عن ابن شهاب، قال: أخبرني مسافع الحجبي أنه سمع رجلًا يحدث عن عبد الله بن عمرو أنه قال (فذكر الحديث). وابن جريج مدلس وقد عنعن.
ورواه أيضًا عبد الرزاق (٨٩١٥) عن ابن جريج قال: حدثني عطاء، عن عبد الله بن عمرو وكعب الأحبار أنهما قالا: "لولا ما يمسح به ذو الأنجاس من الجاهلية، ما مسّه ذو عاهة إلّا شفي، وما في الجنة شيء في الأرض إلا هو". وهذا إسناد صحيح؛ لأنّ ابن جريج صرّح به.
وقد جاء مرفوعًا عند البيهقي (٥/ ٧٥) من طريق مسدد، ثنا حماد بن زيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو يرفعه مختصرًا، والله تعالى أعلم بالصّواب.
٢٧ - باب ذكر حطّ الخطايا باستلام الركنين اليمانيين
• عن ابن عمر، أنّ النبيّ ﷺ قال: "مسح الحجر والركن اليماني يحطُّ الخطايا حطًّا".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٥٦٢١)، وابن حبان (٣٦٩٨) كلاهما من حديث عبد الرزاق -وهو في مصنفه (٨٨٧٧) -، عن سفيان الثوريّ، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، عن ابن عمر، فذكره.
وإسناده صحيح، وعطاء بن السائب ثقة، وثَّقه الأئمة لكنه اختلط ولكن روي عنه سفيان الثوريّ قبل الاختلاط. وصحّحه ابن خزيمة (٢٧٢٩) من طريق هشيم، عن عطاء، فذكر مثله.
ورواه الترمذيّ (٩٥٩) من طريق جرير، عن عطاء بن السائب بإسناده وزاد فيه: "من طاف بهذا البيت أسبوعًا فأحصاه كان كعتق رقبة" وسيأتي ذكر هذا الحديث؛ لأن فيه جريرًا وهو ابن عبد الحميد سمع من عطاء بعد الاختلاط وهو سيأتي.
٢٨ - باب ما جاء في فضل الطّواف
قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [سورة الحج: ٢٦].
وقال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [سورة الحج: ٢٩].
العتيق يعني القديم يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: ٩٦].
• عن المنكدر قال: قال رسول الله ﷺ : "من طاف حول البيت أسبوعًا لا يلغو
стр. 3097
فيه كان كعدل رقبة يعتقها".
حسن: رواه الطبرانيّ في "الكبير" (٢٠/ ٣٦٠) وعنه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٥/ ٢٦٠١) في ترجمة المنكدر بن عبد الله بن الهدير القرشيّ التيميّ.
وأخرجه أيضًا الحاكم (٣/ ٤٥٧) كلّهم من طريق علي بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا حريث بن السائب، ثنا محمد بن المنكدر، عن أبيه، فذكره.
قال أبو نعيم: "ورواه شعبة عن محمد بن المنكدر نحوه".
ثمّ رواه من طريق وهب بن جرير، عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن أبيه بلفظ: "من طاف بالبيت كان كعتق رقبة".
وذكره المنذريّ في "الترغيب والترهيب" (١٧٨٤) وعزاه إلى الطبراني وقال: "رواته ثقات" وكذلك قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢٤٥) وكذلك قال الحافظ في "مختصر الترغيب والترهيب" (٩٩ - ١٠٩). وأبو نعيم هو الفضل بن دكين من كبار شيوخ البخاريّ.
وإسناده حسن من أجل حريث بن السائب فإنه حسن الحديث وقد توبع.
• عن عبد الله بن عبيد بن عمير، أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا أَبَا عبد الرحمن مَا أَرَاكَ تَسْتَلِمُ إِلا هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ مَسْحَهُمَا يَحُطَّانِ الْخَطِيئَةَ". وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ طَافَ سَبْعًا فَهُوَ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ".
صحيح: رواه النسائيّ (٢٩١٩) عن قتيبة، قال: حدّثنا حماد، عن عطاء، عن عبد الله بن عبيد ابن عمير، فذكره.
والرجل المبهم هو ابن عمير أبوه كما جاء مصرَّحًا به في الروايات الأخرى. وعطاء هو ابن السائب اختلط في آخره. وإسناده صحيح؛ فإن حمادا هو ابن زيد ممن سمع من عطاء قبل اختلاطه. وأبو عبد الرحمن هو عبد الله بن عمر.
• عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا فَأَحْصَاهُ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ".
وَسَمِعْتُهُ يَقُول: "لا يَضَعُ قَدَمًا وَلا يَرْفَعُ أُخْرَى إِلا حَطَّ اللهُ عَنْهُ خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً".
صحيح: رواه الترمذيّ (٩٥٩)، والحاكم (١/ ٤٨٩)، وابن حبان (٣٦٩٧) كلّهم من حديث جرير بن عبد الحميد.
ورواه ابن أبي شيبة (٤/ ١٩٢ - تحقيق اللحام) من طريق محمد بن فضيل. كلاهما عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، عن ابن عمر، فذكر الحديث.
قال الحاكم: "حديث صحيح على ما بينته من حال عطاء بن السّائب، ولم يخرجاه".
стр. 3098
وفي كلام الحاكم إشارة إلى ما قيل في عطاء بن السّائب أي أنه مختلط، وجرير بن عبد الحميد ممن سمع منه بعد الاختلاط.
قال ابن معين: "ما سمع منه جرير ليس من صحيح حديثه"، وقال العقيلي: "من سمع منه من الكبار صحيح مثل سفيان وشعبة، وأما جرير وأشباهه فلا".
قلت: وهو كما قالوا، ولكن روي سفيان عنه جزءًا من الحديث وهو حطّ الخطايا، وحماد بن زيد ذكر مع الجزء الأول الجزء الثاني من الحديث وهو فضل الطواف، وجمع جرير بن عبد الحميد ومحمد بن فضيل الجزئين من الحديث في حديث واحد.
فالظاهر أن عطاء بن السائب لم يختلط في رواية هذا الحديث بجزئيه لوجود متابعين لكل جزء منهما من الراويين اللذين سمعا منه قبل الاختلاط. وبهذا صحَّ إسناد الحديث فإن عطاء بن السائب ثقة، وثَّقه الأئمة.
وتابعهما هشيم في جمع أجزاء هذا الحديث في حديث واحد، رواه الإمام أحمد (٤٤٦٢) عنه، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، أنه سمع أباه يقول لابن عمر: ما لي لا أراك تستلم إلّا هذين الركنين: الحجر الأسود، والركن اليماني؟ فقال ابن عمر: إن أفعل فقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن استلامهما يحطّ الخطايا".
وسمعته يقول: "من طاف أسبوعًا يحصيه، وصلى ركعتين كان له كعدل رقبة". وسمعته يقول: "ما رفع رجلٌ قدمًا ولا وضعها إلا كتبتْ له عشر حسنات، وحُطّ عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات".
وهشيم بن بشير هو أيضًا ممن سمع من عطاء بن السائب بعد الاختلاط.
وأخرجه البغوي في "شرح السنة" (١٩١٦) من طريق هشيم وقال: "حديث حسن" وهو كما قال لوجود متابعات لهشيم في أجزاء هذا الحديث.
وأمّا ما رواه ابن ماجه (٢٩٥٦) عن علي بن محمد، حدثنا محمد بن الفضيل، عن العلاء بن المسيب، عن عطاء، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "من طاف بالبيت وصلّي ركعتين كان كعتق رقبة".
ففيه انقطاع فإنّ عطاء وهو ابن أبي رباح لم يسمع من ابن عمر.
قال الإمام أحمد: "قد رأى ابن عمر ولم يسمع منه"، وقال ابن معين: "لم يسمع من ابن عمر شيئًا، ولكنه قد رآه ولا يصح له سماع".
قلت: وقد رُوي موقوفًا، رواه ابن جريج، عن عطاء، عنه. رواه ابن أبي شيبة (٤/ ١٩٢).
ورجاله ثقات، وابن جريج مدلس وقد عنعن.
وفي الباب ما رُوي أيضًا عن ابن عباس مرفوعًا: "من طاف بالبيت خمسين مرة، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه".
стр. 3099
رواه الترمذيّ (٨٦٦) عن سفيان بن وكيع، حدّثنا يحيى بن يمان، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره.
قال الترمذي: "حديث غريب، سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: إنما يروى هذا عن ابن عباس قوله".
وهو كما قال، فقد رواه ابن أبي شيبة (٤/ ١٩٢ - تحقيق اللحام) من طريق مطرف، عن أبي إسحاق، بإسناده إلا أنه وقع فيه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ولم يذكر فيه عبد الله بن سعيد فهل وقع فيه تحريف أو هو هكذا؟ . كما أنّ شريكًا رواه أيضًا موقوفًا.
رواه عبد الرزاق (٩٨٠٩) عن ابن المبارك، عن شريك، بإسناده موقوفًا.
وشريك هو ابن عبد الله النخعي الكوفي سيء الحفظ، وأبو إسحاق هو السبيعي مدلّس وقد عنعن، كما أنه اختلط في آخره.
ورواه أحمد بن محمد بن عمر بن يونس اليماميّ عن عبد الرزاق بإسناده مرفوعًا ولفظه: "من طاف بهذا البيت خمسين أسبوعًا غفر له". رواه ابن شاهين في "الترغيب في فضائل الأعمال" (٣٣٣) عن محمد بن يعقوب الخضيب، ثنا أحمد بن محمد بن عمر اليماميّ، فذكره.
واليمامي هذا ضعيف جدًّا، حدّث بنسخ عن الثقات بعجائب. قال ابن عدي: "تكثر عجائب اليمامي هذا، وهو مقارب الحديث وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق".
وفي الباب أيضًا عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ : "من طاف سبعًا وصلّى خلف المقام ركعتين فهو عدل محرر".
رواه ابن شاهين في "الترغيب في فضائل الأعمال" (٣٣١) عن عبد الله بن محمد، ثنا هدبة بن خالد، ثنا حماد بن الجعد، ثنا قتادة، ثنا عطاء بن أبي رباح، أنّ مولى لعبد الله بن عمرو حدّثه عن عبد الله بن عمرو، فذكره.
وفيه حماد بن الجعد هو الهذلي البصريّ ضعفه ابن معين والنسائي وأبو داود وليّنه أبو زرعة، وفيه جهالة مولي عبد الله بن عمرو بن العاص.
وقد رُوي موقوفًا على عبد الله بن عمرو، رواه عبد الرزاق (٨٨٢٥) عن معمر، عن حوشب، عن عطاء بن أبي رباح، يحدث عن عبد الله بن عمرو قال: "من طاف باليت، وصلى ركعتين لا يقول إلّا خيرًا كان كعدل رقبة".
وفي الباب ما رُوي عن عائشة أيضًا مرفوعًا: "إنّ الله يباهي بالطّائفين".
رواه أبو يعلى (٤٦٠٩)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٩١٦) في ترجمة محمد بن صبيح، وابن السماك، وابن عدي في "الكامل" (٥/ ١٩٩٢) في ترجمة عائذ بن نسير لبيان مناكيره، كلّهم من طريق عائذ بن نسير، عن عطاء، عن عائشة، فذكرته.
стр. 3100
وعائذ بن نُسير منكر الحديث. قال يحيى: "ليس به بأس، ولكن روى حديث مناكير"، وفي رواية عثمان بن سعيد، قال: قلت ليحيى بن سعيد: عائذ بن نسير كيف حديثه؟ قال: "ضعيف".
وأورد الذهبي هذا الحديث في "الميزان" في ترجمة عائذ بن نسير لبيان مناكيره.
وقال ابن عدي: وكلّ هذه الأحاديث غير محفوظة.
تنبيه: تحرّف في بعض المصادر "ابن نسير" إلى "ابن بشير".
وفي الباب ما رُوي عن داود بن عجلان، قال: "طُفْنَا مَعَ أَبِي عِقَالٍ فِي مَطَرٍ فَلَمَّا قَضَيْنَا طَوَافَنَا أَتَيْنَا خَلْفَ الْمَقَامِ فَقَالَ: طُفْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي مَطَرٍ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الطَّوَافَ أَتَيْنَا الْمَقَامَ فَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ، فَقَال لَنَا أَنَسٌ: "ائْتَنِفُوا الْعَمَلَ فَقَدْ غُفِرَ لَكُمْ" هَكَذَا قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَطُفْنَا مَعَهُ فِي مَطَرٍ".
رواه ابن ماجه (٣١١٨) عن محمد بن أبي عمر العدنيّ، حدّثنا داود بن عجلان، فذكره.
وداود بن عجلان هو البلخيّ نزل مكة، قال ابن حبان: "يروي عن أبي عقال عن أنس المناكير الكثيرة والأشياء الموضوعة" ثم ذكر هذا الحديث.
وضعّفه أيضًا ابن معين، وأبو داود، والبيهقي، والحاكم وغيرهم.
٢٩ - باب استحباب تقبيل الحجر الأسود أو استلامه بشيء وتقبيله، أو الإشارة إليه عند كلّ شوط في الطواف مع التكبير
• عن عمر أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ فَقَال: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٥٩٧)، ومسلم في الحج (١٢٧٠: ٢٥١) كلاهما من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن عابس بن ربيعة، عن عمر، فذكره.
وأما ما رواه الحاكم (١/ ٤٥٧) من حديث أبي سعيد الخدري، عن عمر في هذا الحديث مطوّلًا وفيه قصة لعلي إلا أنه ليس على شرط الشيخين كما قال الحاكم فإنهما لم يخرّجا لأبي هارون عمارة بن جوين العبدي. قال فيه الذهبي: "ساقط". وقال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٢٤٦): "هو ضعيف جدًا".
• عن عمر بن الخطاب، قال لِلرُّكْنِ: أَمَا وَاللهِ! إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ وَلَولا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ، فَاسْتَلَمَه. ثُمَّ قَال: فَمَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ أَهْلَكَهُم اللهُ. ثُمَّ قَال: شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ.
صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٦٠٥) عن سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، أخبرني زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قال فذكره.
стр. 3101
• عن سويد بن غفلة، قال: رأيتُ عمر قبَّل الحجَرَ والتزمَهُ، وقال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ بك حفِيًّا.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٧١) من طريق وكيع، عن سفيان (هو الثوري)، عن إبراهيم ابن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة، به، فذكره.
قال مسلم: وحدثنيه محمد بن المثنى، حدّثنا عبد الرحمن (هو ابن مهدي)، عن سفيان بهذا الإسناد، قال: "ولكني رأيت أبا القاسم بك حفيًّا" ولم يقل: "والتزمه".
• عن الزّبير بن عَرَبِيٍّ قَال: سَأَلَ رَجُلٌ ابنَ عُمَرَ ﵄ عَن اسْتِلامِ الْحَجَرِ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ. قَال: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ، أَرَأَيْتَ إِنْ غُلِبْتُ؟ قَال: اجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِالْيَمَنِ! رَأَيْتُ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ.
صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٦١١) عن مسدّد، حدثنا حماد (هو ابن زيد)، عن الزبير بن عربي، به، فذكره.
• عن قدامة بن عبد الله قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ على ناقة يَسْتَلِمُ الحجر بمحجنه.
حسن: رواه أحمد (١٥٤١٤) وأبو يعلى (٩٢٨) والطبراني في الكبير (١٩/ ٨٠) وفي الأوسط (٨٠٢٤) كلهم من حديث محرز بن عون بن أبي عون، قال: حدثنا قُران بن تَمَّام الأسدي، حدثنا أيمن بن نابل، عن قدامة بن عبد الله، فذكره. وإسناده حسن من أجل أيمن بن نابل الحبشي المكي مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
قال ابن عدي: "له أحاديث وهو لا بأس به".
قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٤٣) بعد أن عزاه إلى هؤلاء: "رجاله ثقات، وفي بعضهم كلام لا يضر".
٣٠ - باب استحباب استلام الركن اليماني ومسحه
• عن عبيد بن جريج أنه قال لعبد الله بن عمر: يَا أَبَا عبد الرحمن رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا! قَال: وَمَا هُنَّ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَال: رَأَيْتُكَ لا تَمَسُّ مِن الأَرْكَانِ إِلا الْيَمَانِيَّيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلالَ وَلَمْ تُهْلِلْ أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ؟
فَقَالَ عبد الله بْنُ عُمَر: أَمَّا الأَرْكَانُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمَسُّ إِلا الْيَمَانِيَّيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ
стр. 3102
وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بَهَا، وَأَمَّا الإِهْلالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُه.
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٣١) عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن عبيد بن جريج، به، فذكره. ورواه البخاريّ في الوضوء (١٦٦)، ومسلم في الحج (١١٨٧) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
قوله: "إلّا اليمانيين" قال النوويّ في شرح مسلم (٨/ ٩٣): "والمراد بالركنين اليمانيين: الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الأسود ... ويقال لهما اليمانيان تغليبًا لأحد الاسمين ... فاليمانيان باقيان على قواعد إبراهيم بخلاف الشاميين؛ فلهذا لم يستلما واستُلم اليمانيان ... قال القاضي عياض: وقد اتفق أئمّة الأمصار والفقهاء اليوم على أن الركنين الشاميين لا يستلمان، وإنما كان الخلاف في ذلك العصر الأول من بعض الصّحابة وبعض التابعين، ثم ذهب".
• عن ابن عمر، قال: ما تركتُ استلام هذين الرُّكنين اليماني والحجر منذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما في شدّة ولا رخاء.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٦٠٦)، ومسلم في الحج (١٢٦٨) كلاهما من طريق يحيى القطان، عن عبيد الله (هو ابن عمر)، عن نافع، عن ابن عمر. واللفظ لمسلم.
وله في رواية أخرى عن عبيد الله، عن نافع، قال: رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم قبَّل بده. وقال: "ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله".
• عن عبد الله بن عمر أنه قال: لم أرَ رسول الله ﷺ يمسحُ من البيت إلّا الرّكنين اليمانيين.
متفق عليه: رواه البخاري في الحج (١٦٠٩) ومسلم في الحج (١٢٦٧) كلاهما من حديث الليث بن سعد، عن ابن شهاب الزهريّ، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، فذكره.
• عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ لا يدع أن يستلم الرّكن اليمانيّ، والحجر في كلّ طواف.
حسن: رواه أبو داود (١٨٧٦)، والنسائيّ (٢٩٥٠) وأحمد (٤٦٨٦) وصححه ابن خزيمة (٢٧٢٣) والحاكم (١/ ٤٥٦) كلهم من حديث عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
وقال: وكان عبد الله بن عمر يفعله.
وإسناده حسن من أجل ابن أبي رواد، فإنه حسن الحديث.
• عن عبد الله بن عباس، قال: لم أرَ رسول الله ﷺ يستلمُ غير الرُّكنين اليمانيين.
стр. 3103
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٦٩) عن أبي الطّاهر (هو أحمد بن عمرو بن سرح)، عن ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، أن قتادة بن دعامة، حدثه، أن أبا الطّفيل البكريّ حدّثه أنه سمع ابن عباس، فذكره.
• عن أبي الطّفيل، قال: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةُ لا يَمُرُّ بِرُكْنٍ إِلا اسْتَلَمَهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْتَلِمُ إِلا الْحَجَرَ الأَسْوَدَ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِن الْبَيْتِ مَهْجُورًا.
صحيح: رواه الترمذيّ (٨٥٨)، والإمام أحمد (٣٠٧٤) كلاهما من حديث عبد الرزاق -وهو في مصنفه (٨٩٤٤) -، عن معمر والثوريّ، عن ابن خثيم، عن أبي الطفيل، قال (فذكره). وإسناده صحيح.
وأصل هذه القصّة في صحيح البخاريّ (١٦٠٨) رواها معلّقة فقال: قال محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، أنه قال: "ومن يتقي شيئًا من البيت؟ وكان معاوية يستلم الأركان. فقال له ابن عباس: إنّه لا يستلم من البيت هذان الركنان. فقال ليس شيء من البيت مهجورًا، وكان ابن الزبير يستلمهن كلّهن".
وهذا معلّق فإنّ البخاريّ لم يلق محمد بن بكر وهو البرسانيّ البصريّ المتوفى سنة (٢٠٣ هـ) أو (٢٠٤ هـ)، وكان عمر البخاريّ إذ ذاك عشر سنوات، وهذا من الأسانيد التي لم تصل إلينا؛ ولذا قال الحافظ في "الفتح": "لم أره من طريق محمد بن بكر" أي موصولًا. ثم قال في "تغليق التعليق" (٣/ ٧١): "ورواه الجوزقي من حديث عثمان بن الهيثم، عن ابن جريج، به".
قلت: الجزء المرفوع من الحديث رواه مسلم أيضًا كما سبق مختصرًا بدون القصّة.
وروى شعبة هذا الحديث، فوقع في متنه قلب، وقد اعترف هو بذلك فقال: الناس يخالفونه.
وهو ما رواه أحمد (١٦٨٥٨) عن محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وحجاج، قال: حدثني شعبة، قال: سمعت قتادة، يحدث عن أبي الطفيل. قال حجاج في حديثه قال: سمعت أبا الطفيل، قال: قدم معاوية وابن عباس، فطاف ابن عباس، فاستلم الأركان كلها، فقال له معاوية: إنما استلم رسول الله ﷺ الركنين اليمانيين. قال ابن عباس: ليس من أركانه شيء مهجور.
قال حجاج: قال شعبة: الناس يختلفون في هذا الحديث، يقولون: معاوية هو الذي قال: ليس من البيت شيء مهجور. ولكنه حفظه من قتادة هكذا.
ظاهر إسناده الصحة، ولكن وقع القلب في المتن، والخطأ ليس من شعبة، وإنما الخطأ من قتادة كما هو الظاهر من كلام شعبة، فحمله على شعبة خطأ إلا أنه كان يروي هكذا مقلوبا.
وأما قول معاوية: "ليس شيء من البيت مهجورًا".
فقال الشافعيّ: "لم يدع أحد استلامها هجرة لبيت الله، ولكنه استلم ما استلم رسول الله ﷺ ، وأمسك عمّا أمسك عنه". البيهقي في السّنن الكبرى (٥/ ٧٧).
стр. 3104
٣١ - باب ترك استلام الركنين اللذين يليان الحِجر
• عن عائشة، أنّ النبيّ ﷺ قال: "أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ". قَالَت: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَفَلا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيم؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَولا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ".
قَالَ: فَقَالَ عبد الله بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمْعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا أُرَى رَسُولَ اللهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ إِلا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ.
متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٠٩) عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصّديق أخبر عبد الله بن عمر، عن عائشة فذكرته. ورواه البخاريّ في الحجّ (١٥٨٣)، ومسلم في الحج (١٣٣٣: ٣٩٩) كلاهما من طريق مالك به إلّا أنّ مسلمًا اختصره.
والحِجْر -بكسر الجيم-: هو الموضع المسمى بالحطيم.
• عن ابن عمر أَنَّهُ أُخْبِرَ بِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ إِنَّ الْحِجْرَ بَعْضُهُ مِن الْبَيْتِ فَقَالَ ابْنُ عُمَر: وَاللهِ! إِنِّي لأَظُنُّ عَائِشَةَ إِنْ كَانَتْ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِنِّي لأَظُنُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَتْرُك اسْتِلامَهُمَا إِلا أَنَّهُمَا لَيْسَا عَلَى قَوَاعِدِ الْبَيْتِ، وَلا طَافَ النَّاسُ وَرَاءَ الْحِجْرِ إِلا لِذَلِكَ.
صحيح: رواه أبو داود (١٨٧٥) عن مخلد بن خالد، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، فذكره.
• عن عبد الله بن عباس، قال: ما طاف رسول الله ﷺ بشيء إلّا وهو من البيت.
صحيح: رواه أبو يعلى (٢٥٦٦) عن زهير، حدّثنا بشر بن السّري، حدّثنا سيف بن سليمان، عن عبد الله بن يسار، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده صحيح، وحسّنه الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٤٧).
• عن ابن عباس، قال: الحجر من البيت؛ لأنّ رسول الله ﷺ طاف بالبيت من ورائه، وقال الله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [سورة الحج: ٢٩].
حسن: رواه ابن خزيمة (٢٧٤٠)، والبيهقيّ (٥/ ٩٠) كلاهما من حديث سفيان، عن هشام بن حجير، عن طاوس، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل هشام بن حجير وهو المكيّ مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
قالت عائشة: ما أُبالي صليت في الحجر أو في البيت.
стр. 3105
رواه أبو يعلى -المقصد العلي (٥٨٧) - بإسناد صحيح.
• عن يعلى قال: طُفتُ مع عمر بن الخطاب، فلما كنتُ عند الركن الذي يلي الباب مما يلي الحجر، أخذتُ بيده ليستلم، فقال: أما طفتَ مع رسول الله ﷺ ؟ قلت: بلى. قال: فهل رأيته يستلمه؟ قلت: لا. قال: فانفذ عنك، فإنّ لك في رسول الله أسوةً حسنةً.
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٥٣)، وأبو يعلى (١٨٢) كلاهما من حديث يحيى، عن ابن جريج، حدثني سليمان بن عتيق، عن عبد الله بن بابيه، عن يعلى بن أمية، فذكره. وإسناده صحيح.
وعبد الله بن بابيه يقال له: "باباه" أيضًا، وهو من رجال مسلم ثقة.
إذا صحّ هذا فلا يضرّ ما جاء في بعض الروايات الواسطة بين عبد الله بن بابيه وبين يعلى بن أمية بقوله: "عن بعض بني يعلى بن أمية" هكذا رواه أيضًا الإمام أحمد (٣١٣) عن روح، عن ابن جريج، أخبرني سليمان بن عتيق، عن عبد الله بن بابيه، عن بعض بني يعلى، فذكره.
ومثله ما رواه عبد الرزاق (٨٩٤٥) عن ابن جريج بإسناده، ولفظه: "طفت مع عمر فاستلم الركن، فكنت مما يلي البيت، فلما بلغنا الركن الغربي الذي يلي الأسود جررت يده لأن يستلم. قال: ما شأنك؟ فقلت: ألا تستلم؟ فقال: ألم تطف مع رسول الله ﷺ ؟ قلت: بلى. قال: فرأيتَه يستلم هذين الركنين الغربيين؟ قال: فقلت: لا. قال: أليس لك في رسول الله أسوة حسنة؟ قلت: بلى. قال: فابعد عنك" انتهى.
ورواه البيهقيّ (٥/ ٧٧) من طريق يعقوب بن سفيان، ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، بإسناده، وفيه: "أنفذ عنك".
ونقل عن الشّافعيّ قوله: "وأما العلة فيهما فنرى أنّ البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم، فكانا كسائر البيت" انتهى.
٣٢ - باب ما يدعو به بين الركن اليماني والحجر الأسود
• عن عبد الله بن السائب، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [سورة البقرة: ٢٠١] ".
حسن: رواه أبو داود (١٨٩٢) عن مسدّد، حدّثنا عيسى بن يونس، حدّثنا ابن جريج، عن يحيى ابن عبيد، عن أبيه، عن عبد الله بن السّائب، فذكره.
وإسناده حسن من أجل والد يحيى وهو عبيد مولى السائب المخزوميّ ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ١٣٩).
وأخرجه عنه في صحيحه (٣٨٢٦) وصحّحه أيضًا ابن خزيمة (٢٧٢١)، والحاكم (١/ ٤٥٥)
стр. 3106
وقال: صحيح على شرط مسلم" إلّا أن يحيى بن عبيد ووالده لم يخرج لهما مسلم.
وقيل: إنّ لعبيد صحبة؛ ولذا ذكره ابن قانع، وابن منده، وأبو نعيم في الصحابة، ولكن الصحيح أنه تابعي كما قال الحافظ في الإصابة.
وصرَّح ابن جريج عند الإمام أحمد (١٥٣٩٨، ١٥٣٩٩)، وابن خزيمة.
وفي الرواية الثانية عند الإمام أحمد: "فيما بين ركن بني جمح والركن الأسود".
وركن بني جمح يعني الركن اليماني نسب إلى بني جمح وهم بطن من قريش وكانت بيوتهم إلى جهته. ثم عمل السّلف يقوّي هذا الحديث.
فقد روى عبد الرزاق (٨٩٦٦) عن معمر، قال: أخبرني من أثق به، عن رجل، قال: سمعت لعمر بن الخطاب هجّيرًا حول هذا البيت يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾. وفيه جهالة في موضعين، ولكن رواه البيهقي (٥/ ٨٤) من وجه آخر متصلًا عن عاصم، عن حبيب بن صهبان: أنه رأى عمر ﵁ يطوف بالبيت يقول (فذكر الآية) وقال: ما له هجيرى غيرها.
وعن أبي شعبة البكريّ قال: طفت مع ابن عمر فسمعته يقول حين حاذى الركن اليماني قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وبيده الخير وهو على كل شيء قدير. فلما جاء الحجر قال: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ , فلما انصرف قلت: يا أبا عبد الرحمن، سمعتك تقول كذا وكذا. قال: سمعتني؟ قلت: نعم. قال: فهو ذلك، أثنيت على ربي، وشهدت شهادة الحق، وسألته من خير الدنيا والآخرة.
رواه عبد الرزاق (٨٩٦٥) قال: سمعت رجلا يحدث هشام بن حسان، عن عمّ له، عن أبي شعبة، فذكره. قال: فدعا هشام بدواة فكتبه.
وفيه جهالة في موضعين، ولكن رواه من وجه آخر متصلًا عن الثوري، عن منصور، عن هلال ابن يساف، عن أبي شعبة غير أنه لم يذكر فيه سؤال أبي شعبة ولا جواب ابن عمر.
ورُوي مثل هذا عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وغيرهما بأسانيد ضعاف، كما في الدعاء للطبراني (٨٦٠، ٨٦١)، وأخبار مكة للأزرقي (١/ ٣٤٠).
وقال الشافعي: أحب كلما حاذي به يعني بالحجر الأسود أن يكبّر ويقول في رمله: "اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا".
ويقول في الأطواف الأربعة: "اللهمّ اغفر وارحم واعف عمّا تعلم، وأنت الأعزّ الأكرم، اللهم آتنا في الدينا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" رواه البيهقي (٥/ ٨٤) بسنده عن الشّافعي.
стр. 3107
٣٣ - باب إنّ الحجر الأسود يشهد يوم القيامة لمن استلمه بحقّ
• عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ فِي الْحَجَرِ: "وَاللهِ! لَيَبْعَثَنَّهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ".
حسن: رواه الترمذيّ (٩٦١)، وابن ماجه (٢٩٤٤) كلاهما من طريق ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، قال: سمعت ابن عباس يقول: (فذكره).
وإسناده حسن من أجل عبد الله بن خثيم فإنه حسن الحديث.
ورواه أيضًا الإمام أحمد (٢٢١٥، ٢٣٩٨، ٢٦٤٣) وصحّحه ابن خزيمة (٢٧٣٥)، وابن حبان (٣٧١٢)، والحاكم (١/ ٤٥٧) كلّهم من هذا الوجه.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد".
ورواه الطبراني في الكبير (١١/ ١٨٢) من طريق بكر بن محمد القرشيّ، ثنا الحارث بن غسان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ولفظه: "يبعث الله الحجر الأسود، والرّكن اليمانيّ يوم القيامة، ولهما عينان ولسان وشفتان يشهدان لمن استلمهما بالوفاء".
فزاد فيه: "الركن اليماني" وفيه بكر بن محمد القرشيّ وشيخه الحارث بن غسان لا يعرفان كما قال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٤٢).
وفي الباب ما روي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "يأتي الركن يوم القيامة أعظم من أبي قبيس له لسان وشفتان".
رواه أحمد (٦٩٧٨) وابن خزيمة (٢٧٣٧) والحاكم (١/ ٤٥٧) كلهم من حديث عبد الله بن المؤمل، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، فذكره.
قال الحاكم: "وقد روي لهذا الحديث شاهد مفسر غير أنه ليس من شرط الشيخين، فإنهما لم يحتجا بأبي هارون عمارة بن جوين العبدي".
وقال الذهبي في تلخيصه: "عبد الله بن المؤمل واه".
قلت: عبد الله بن المؤمل ابن هبة المخزومي المكي ضعيف باتفاق أهل العلم إلا ابن معين، فروى عباس الدوري عنه: "صالح الحديث" وقال ابن أبي خيثمة وغير واحد عنه: "ضعيف".
وأما الشاهد الذي أشار إليه الحاكم فهو ما رواه بإسناده عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: حججنا مع عمر بن الخطاب، فلما دخل الطواف استقبل الحجر فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك، ثم قبَّله، فقال له علي بن أبي طالب: بلى يا أمير المؤمنين إنه يضر وينفع. قال: ثم قال: بكتاب الله ﵎ قال: وأين ذلك من كتاب الله؟ قال: قال الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
стр. 3108
أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] خلق الله آدم ومسح على ظهره فقررهم بأنه الرب وأنهم العبيد، وأخذ عهودهم ومواثيقهم وكتب ذلك في رق، وكان لهذا الحجر عينان ولسان، فقال له: افتح فاك، قال: ففتح فاه، فألقمه ذلك الرق، وقال: اشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة، وإني أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذلق يشهد لمن يستلمه بالتوحيد" فهو يا أمير المؤمنين يضر وينفع، فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا حسن.
قال الذهبي في تلخيصه: "أبو هارون ساقط".
قلت: هو عمارة بن جوين -بجيم مصغرا- مشهور بكنيته، كَذَّبَه غير واحد من أهل العلم، وهو شيعي محترق.
٣٤ - باب السّجود على الحجر الأسود
• عن جعفر بن عبد الله بن عثمان، قال: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادَ بْنِ جَعْفَرٍ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ ثُمَّ يُقَبِّلُهُ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ خَالَكَ عبد الله بْنَ عَبَّاسٍ يَفْعَلُهُ. ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ فَعَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّى لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ وَلَكِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ هَذَا.
حسن: رواه الدارميّ (١٩٠٧)، وابن خزيمة (٢٧١٤)، والبزار -كشف الأستار (١١١٤) - كلّهم من حديث أبي عاصم النّبيل، وأبو داود الطّيالسيّ (٨) كلاهما عن جعفر بن عبد الله بن عثمان، فذكره.
إلّا أنّ أبا داود نسب جعفر هذا إلى جده عثمان، كما أنّ البزار قال: جعفر بن محمد، وأنه أيضًا لم يذكر فيه ابن عباس.
وإسناده حسن من أجل الكلام في جعفر بن عبد الله بن عثمان وهو القرشيّ الحميديّ المكي, قال العقيليّ في الضعفاء (٢٢٨): "في حديثه وهم واضطراب". وساق الحديث من وجه آخر عن جعفر بن عبد الله ولكنه جعله من مسند ابن عباس ثم قال: "ورواه أبو عاصم، وأبو داود الطيالسيّ عن جعفر فقالا: عن ابن عباس، عن عمر مرفوعًا".
ثم رواه عن عبد الرزاق -وهو في مصنفه (٨٩١٢) - عن ابن جريج قال: أخبرني محمد بن عباد ابن جعفر أنه رأى ابن عباس قبّل الحجر وسجد عليه، وقال: "حديث ابن جريج أولى" انتهى.
قلت: اختلف على جعفر بن عبد الله بن عثمان فمنهم من جعله من مسند ابن عباس، ومنهم من جعله من مسند عمر، والذي عليه الرواة الثقات عنه أنه من مسند عمر بن الخطاب مرفوعًا.
ومن قال غير ذلك فالوهم منه، فإن جعفر بن عبد الله بن عثمان وإن قال فيه العقيليّ في حديثه
стр. 3109
وهم واضطراب، فقد وثقه الإمام أحمد وأبو حاتم، فلا يترك من حديثه ما اجتمع عليه الثقات، وقد يكون الوهم من دونه في جعل الحديث من مسند ابن عباس.
وأما ترجيح العقيليّ رواية ابن جريج الموقوفة على ابن عباس فترجيح بدون مرجّح فإنّ محمد ابن عباد بن جعفر لم يسأله لماذا يسجد عليه، وإنما يحكي ما رآه فقط، وهو لا يمنع أن يكون ما فعله مرفوعًا لو سئل لأجاب لا سيما قد جاء من طريق آخر أخرجه البيهقيّ (٥/ ٧٥) من طريق يحيى ابن سليمان الجعفيّ، ثنا يحيى بن يمان، ثنا سفيان، عن ابن أبي حسين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: رأيت النبيّ ﷺ يسجد على الحجر.
وقال: "لم يروه عن سفيان إلا ابن يمان، وابن أبي حسين هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين".
قلت: وابن يمان مختلف فيه، فقال ابن معين: أرجو أن يكون صدوقًا.
وقال ابن المديني: كان فلج فتغيّر حفظه.
والظاهر أنه لم يخطئ في هذا الحديث لأنه تابعه فيه غيره في رفعه.
وبهذا تبين أنّ الحديث مرفوع، وهو لا ينزل عن درجة الحسن، والنّفس تطمئن أن يكون من مسند عمر بن الخطاب، ومن قال غير ذلك فإما اختصره أو وهم فيه كما وهم البعض في تعيين جعفر بن عبد الله بن عثمان فقال الحاكم في "المستدرك" (١/ ٤٥٥) بعد أن ساق الحديث من طريق أبي عاصم: جعفر بن عبد الله هو ابن الحكم.
وقال: "صحيح الإسناد" وهذا وهم منه، كما أن محقق مصنف عبد الرزاق أدخل بين محمد بن عباد وبين ابن عباس رجلًا كناه "أبا جعفر" وهذا كلّه وهم أو خطأ من النساخ كما وهم أبو يعلى (٢١٩) في نقله عن أبي داود الطيالسي، فلم يذكر بين محمد بن عباد وعمر بن الخطاب "ابن عباس" فصار الإسناد منقطعًا.
ولكن قال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٤١): عن ابن عمر قال: "رأيت عمر بن الخطاب قبّل الحجر وسجد عليه، ثم عاد فقبّله وسجد عليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ ".
وقال: "رواه أبو يعلى بإسنادين، وفي أحدهما جعفر بن محمد المخزومي وهو ثقة وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح. ورواه البزار من الطريق الجيد".
قلت: البزار أيضًا رواه من طريق جعفر بن محمد المخزوميّ كما سبق. وأما رواية أبي يعلى من طريق جعفر بن محمد ففيها انقطاع كما رأيت أو سقط، وهذا السقط ليس هو ابن عمر، بل هو ابن عباس.
وأمّا الرّواية الثانية عند أبي يعلى فهي كما يأتي من طريق ابن عمر، فالهيثمي وهو آخر من خلّط بين حديث ابن عباس وبين حديث ابن عمر والله المستعان.
وأمّا الرّواية الثانية التي أشار إليها الهيثميّ فهي ما رواه أبو يعلى (٢٢٠) عن زكريا بن يحيى زحموية الواسطيّ، حدّثنا عمر بن هارون، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم بن عبد الله، عن
стр. 3110
أبيه، قال: رأيت عمر بن الخطّاب قبّل الحجر وسجد عليه، ثم عاد فقبّله وسجد عليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنع.
وعمر بن هارون هو البلخيّ، متروك.
وفيه ردّ على البزّار في قوله: "لا نعلمه عن عمر إلّا بهذا الإسناد".
فإنه روي عنه أيضًا بهذا الإسناد الثاني إلا أن يقال: إنه يقصد به الإسناد الصحيح.
وروي عن ابن عباس أيضًا قال: كان رسول الله ﷺ يقبّل الركن ويضع خده عليه. رواه أبو يعلى وفيه عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف كما قال الهيثمي في "المجمع".
ومعنى السجود على الحجر الأسود هو وضع الجبهة عليه كما ورد تفسيره في بعض الآثار، استحبه الشافعي وأحمد بعد التقبيل، وكرهه مالك، فلعله لم تبلغه هذه الآثار.
٣٥ - باب في ترك استلام الحجر الأسود عند الزّحام
• عن عبد الرحمن بن عوف، قال: قال لي النبيّ ﷺ : "كيف صَنَعْتَ في اسْتِلامِ الحجر؟ ". فقلتُ: اسْتَلَمْتُ وتركتُ. قال النَّبيُّ ﷺ : "أَصَبْتَ".
صحيح: رواه ابن حبان في صحيحه (٣٨٢٣) عن الحسين بن محمد بن أبي معشر، قال: حدّثنا عبد الجبار بن العلاء، حدثنا بشر بن السري، حدثنا الثوري، عن هشام بن عروة، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عوف، فذكره.
ورواه البزار (١١١٣)، والطبراني في الصغير (٦٥٠) كلاهما من وجهين آخرين عن هشام بن عروة، بإسناده، مثله.
إلا أنّ البزّار علّله بقوله: "لا نعلمه عن عبد الرحمن إلا بهذا الإسناد، وقد رواه جماعة فلم يقولوا: عن عبد الرحمن. رواه الثوريّ عن هشام، عن أبيه، أنّ النبيّ ﷺ قال لعبد الرحمن: إلّا أن محمد بن عمر بن هياج قد حدّثنا به فقال: حدّثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبيّ ﷺ ".
قلت: اختلف على هشام في الوصل والإرسال، فرواه عنه مالك في الموطأ في الحج (١١٨)، وعبد الرزاق في المصنف (٨٩٠٠) عن معمر، والبيهقي (٥/ ٨٠) عن جعفر بن عون كلّهم عن هشام ابن عروة، عن أبيه، أنّ النبيّ ﷺ قال لعبد الرحمن بن عوف: "كيف فعلت يا أبا محمد! في استلام الحجر؟ " قال: كل ذلك! استلمت وتركت. قال: "أصبت". ورجاله رجال الصحيح.
ورواه عنه الثوريّ واختلف عليه، فمرة رواه مرسلًا، وأخرى متصلًا.
وممن رواه عنه متصلًا بشر بن السريّ وهو حافظ ضابط، ومحمد بن عمر بن هياج كما قال البزار، ثم هو لم ينفرد بوصله.
стр. 3111
فقد وصله أيضًا اثنان: عبيد الله بن عمر عند الطبراني في "الصغير"، وزهير بن معاوية عند البزار - كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: فذكر الحديث.
وأخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٢/ ٢٦٢) من وجه آخر مسندًا عن القاسم بن محمد، عن ابن أبي نجيح، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه، أنه ﵇ قال له (فذكر الحديث).
فلا وجه لتعليل الحديث بالإرسال كما قال البزّار، ثم استدركهـ بقوله: "إلّا أن محمد بن عمر ابن هياج قد حدثناه فذكره متصلًا، وفيه زيادة علم".
وقد فسّر الشافعي فعل عبد الرحمن بن عوف فقال: أحسب النبيّ ﷺ قال لعبد الرحمن: "أصبتَ" أنه وصف له أنه استلم في غير زحام، وترك في زحام. الأم (٢/ ١٧٢).
قلت: وعمل السّلف يقوّي هذا.
فعن عطاء قال: إنه سمع ابن عباس يقول: إذا وجدتَ على الرّكن زحامًا فلا تؤذِ أحدًا، ولا تؤذ وامضِ.
رواه عبد الرزاق (٨٩٠٨) عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، فذكره.
وعن منبوذ بن أبي سليمان، عن أمّه أنها كانت عند عائشة أمّ المؤمنين، فدخلتْ عليها مولاة لها فقالت: يا أمّ المؤمنين! طفتُ بالبيت سبعًا، واستلمت الرّكن مرتين أو ثلاثًا! فقالت عائشة: لا أجرك الله، لا أجرك الله، تدافعين الرجال؟ ! ألا كبّرت ومررت.
رواه الشافعي في الأم (٢/ ١٧٢) عن سعيد بن سالم، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن منبوذ بن أبي سليمان، فذكره.
قال البيهقيّ (٥/ ٨١): وروينا عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يقول لهن: إذا وجدتن فرجة من الناس فاستلمن، وإلا فكبّرن وامضين.
وأما ما رُوي عن عمر بن الخطاب أن النبيّ ﷺ قال له: "يا عمر؟ ! إنّك رجلٌ قويٌّ، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضّعيف، إن وجدتَ خلوةٌ فاستلمه، وإلّا فاستقبله فهلّل وكبّر" فهو ضعيف.
روي من وجهين أحدهما مرفوعًا متصلًا.
وهو ما رواه البيهقيّ (٥/ ٨٠) عن شيخه أبي عبد الله الحافظ، ثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ، ثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ إملاء في مسجد رجاء بن معاوية، أنبأ علي بن عبد الله، ثنا مفضل بن صالح، عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب، فذكره.
ومفضل بن صالح هو الأسديّ النّخاس، قال فيه البخاري: "منكر الحديث"، وقال أبو حاتم: "منكر الحديث"، وفي "التقريب": "ضعيف" مع خلاف في سماع سعيد بن المسيب من عمر بن الخطاب.
والطريق الثاني هو ما رواه عبد الرزاق (٨٩١٠)، والإمام أحمد (١٩٠) كلاهما من حديث
стр. 3112
سفيان (وهو الثوريّ) -وقرنه عبد الرزاق بابن عيينة- كلاهما عن أبي يعفور العبديّ، قال: سمعت شيخًا بمكة في إمارة الحجّاج يحدّث عن عمر بن الخطاب، فذكره.
ورواه البيهقيّ من طريق أبي عوانة، عن أبي يعفور، عن شيخ من خزاعة، قال: وكان استخلفه الحجاج على مكة.
ورواه الشافعي عن ابن عيينة، عن أبي يعفور، عن الخزاعي، قال سفيان: وهو عبد الرحمن بن الحارث كان الحجاج استعمله عليها منصرفه منها.
ورواه البيهقي وقال: وهو شاهد لرواية ابن المسيب.
قلت: وفيه إرسال لأن عبد الرحمن بن الحارث، وهو عبد الرحمن بن نافع بن الحارث من أولاد الصحابة لم يدرك عمر بن الخطاب، وهو الذي استعمله الحجاج على ولاية مكة، كما أن أباه أيضًا كان عاملًا عليها في عهد عمر بن الخطاب إلّا أن هذا المرسل يقوي ما رواه سعيد بن المسيب فيكون للحديث أصل، وهو ليس على شرط هذا الكتاب. والله الموفق.
٣٦ - باب في طواف القدوم في الحجّ والعمرة
• عن عروة بن الزبير، قال: أخبرتني عائشة ﵂: أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ مِثْلَهُ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ ﵁ فَأَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ يَفْعَلُونَهُ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلانٌ وَفُلانٌ بِعُمْرَةٍ فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٦١٤)، ومسلم في الحجّ (١٢٣٥) كلاهما من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن، قال: ذكرتُ لعروة، قال (فذكره) والسياق للبخاريّ.
• عن ابن عمر: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ أَو الْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٦١٦)، ومسلم في الحجّ (١٢٦١: ٢٣١) كلاهما من حديث موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
• عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَاعْتَمَرْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ وَطُفْنَا مَعَهُ، وَأَتَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ وَأَتَيْنَاهَا مَعَهُ وَكُنَّا نَسْتُرُهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَرْمِيَهُ أَحَدٌ.
стр. 3113
فَقَالَ لَهُ صَاحِبٌ لِي: أَكَانَ دَخَلَ الْكَعْبَةَ؟ قَالَ: لا.
متفق عليه: رواه البخاريّ في العمرة (١٧٩١) عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن إسماعيل، عن عبد الله بن أبي أوفى، فذكره. ورواه مسلم في الحج (١٣٣٢) من وجه آخر عن إسماعيل بن أبي خالد عنه مختصرا.
• عن وَبَرَة، قال: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عُمَر، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَال: أَيَصْلُحُ لِي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الْمَوْقِفَ؟ فَقَال: نَعَمْ. فَقَال: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لا تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَأْتِيَ الْمَوْقِفَ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَقَدْ حَجَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمَوْقِفَ، فَبِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ تَأْخُذَ أَوْ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا؟ ! .
صحيح: رواه مسلمٌ في الحجّ (١٢٣٣) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن وَبَرة (وهو ابن عبد الرحمن المسْليّ)، به، فذكره.
ورواه من طريق بيان (هو ابن بشر الأحمسي) عن وبرة قال: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَقَدْ أَحْرَمْتُ بِالْحَجِّ؟ فَقَال: وَمَا يَمْنَعُكَ؟ قَال: إِنِّي رَأَيْتُ ابْنَ فُلانٍ يَكْرَهُهُ، وَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُ رَأَيْنَاهُ قَدْ فَتَنَتْهُ الدُّنْيَا! ، فَقَال: وَأَيُّنَا أَوْ أَيُّكُمْ لَمْ تَفْتِنْهُ الدُّنْيَا؟ ثُمَّ قَالَ: رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ فَسُنَّةُ اللهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ تَتَّبِعَ مِنْ سُنَّةِ فُلانٍ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا.
قلت: وما نسبه السائل لابن عباس، فالظّاهر منه أنه يريد بالطّواف طواف الإفاضة؛ لأنه لا يخفى على مثله طواف رسول الله ﷺ بالبيت أوّل قدومه إلى مكة في حجّة الوداع، وقد كان طاف معه كما في الصّحيحين.
٣٧ - باب ما جاء في الوقوف عند الملتزم
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه قال: طُفْتُ مَعَ عبد الله بن عمرو بن العاص فَلَمَّا جِئْنَا دُبُرَ الْكَعْبَةِ، قُلْتُ: أَلا تَتَعَوَّذُ؟ قَالَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِن النَّارِ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، وَأَقَامَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ فَوَضَعَ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَكَفَّيْهِ هَكَذَا وَبَسَطَهُمَا بَسْطًا، ثُمَّ قَال: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ.
حسن: رواه أبو داود (١٨٩٩) من طريق عيسي بن يونس، وابن ماجه (٢٩٦٢) من طريق عبد الرزاق - كلاهما عن المثنى بن الصباح، قال: حدّثني عمرو بن شعيب، به، فذكره، واللفظ لأبي داود.
وفي لفظ ابن ماجه، قال: طفتُ مع عبد الله بن عمرو، فلما فرغنا من السّبع ركعنا في دبر
стр. 3114
الكعبة، فقلت: (فذكره).
ووقع عنده: عن أبيه، عن جدّه. وهو الصّواب في حديث عبد الرزاق كما في "مصنفه" (٩٠٤٣)، وكذلك رواه أيضًا الدارقطني.
ويؤيّد هذا ما رواه عبد الرزاق أيضًا عن ابن جريج قال: قال عمرو بن شعيب: طاف محمد -جدّه- مع أبيه عبد الله بن عمرو، فلما كان سبعها، قال محمد لعبد الله حيث يتعوّذون: فاستعذ، فقال عبد الله: أعوذ بالله من الشيطان، فلما استلم الرّكن تعوّذ بين الرّكن والباب، وألصق جبهته وصدره بالبيت ثم قال: رأيتُ رسول الله ﷺ يصنع ذلك.
وإسناده حسن، والمثنى بن الصبّاح ضعيف، ولكن يقويه الطريق الثاني طريق ابن جريج.
وقوله: "عن أبيه" قال المنذريّ في "المختصر": "هو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، وقد سمع من عبد الله بن عمرو على الصّحيح، ووقع في كتاب ابن ماجه: عن أبيه، عن جدّه. فيكون شعيب ومحمد طافًا جميعا مع عبد الله".
قلت: وهو كما قال، فقد أخرج الأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ٣٤٩) من طريق ابن جريج، والمثنى بن الصبّاح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، أنه قال: "طاف محمد بن عبد الله مع أبيه عبد الله بن عمرو" فذكره.
وفي الباب ما روي عن عبد الرحمن بن صفوان، قال: "لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ قُلْتُ: لأَلْبَسَنَّ ثِيَابِي -وَكَانَتْ دَارِي عَلَى الطَّرِيقِ- فَلأَنْظُرَنَّ كَيْفَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَانْطَلَقْتُ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ خَرَجَ مِن الْكَعْبَةِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَقَد اسْتَلَمُوا الْبَيْتَ مِن الْبَابِ إِلَى الْحَطِيمِ، وَقَدْ وَضَعُوا خُدُودَهُمْ عَلَى الْبَيْتِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَسْطَهُمْ".
رواه أبو داود (١٨٩٨)، والإمام أحمد (١٥٥٥٢)، وصحّحه ابن خزيمة (٣٠١٧) كلّهم من حديث جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن صفوان، فذكره.
ويزيد بن أبي زياد هو الهاشميّ مولاهم، جمهور أهل العلم مطبقون على تضعيفه.
ومن نكارته سؤال عبد الرحمن بن صفوان لعمر بن الخطاب: "وكيف صنع رسول الله ﷺ حين دخل الكعبة؟ قال: صلّى ركعتين".
رواه أحمد (١٥٥٥٣) من وجه آخر عن جرير، بإسناده.
ولم يرد في الرِّوايات الصّحيحة أن عمر كان ممن دخل البيت حتى يُسأل: كيف صنع رسول الله ﷺ .
وفي الباب أيضًا عن ابن عباس قال: سمع النبيّ ﷺ رجلًا بين الباب والركن وهو يقول: "اللهم اغفر لفلان بن فلان، فقال: "ما هذا؟ "، فقال: حملني رجل أن أدعو له ها هنا، فقال: "قد غُفر لصاحبك".
رواه الفاكهيّ في "أخبار مكة" (١/ ١٧٧) وفيه الحارث بن عمران الجعفري المدني، قال ابن
стр. 3115
حبان: "كان يضع الحديث على الثقات"، وقال الدارقطني: "متروك"، وهو من رجال "التهذيب"، قال الحافظ في "التقريب": "ضعيف".
وكذلك لا يصح ما روي عن محمد بن عبد الله بن السائب، عن أبيه أنه كان يقود ابن عباس، فيقيمه عند الشّقة الثالثة مما يلي الرّكن الذي يلي الحجر مما يلي الباب، فيقول له ابنُ عباس: "أُنبئت أنّ رسول الله ﷺ كان يصلي هنا؟ فيقول: نعم. فيقوم فيصلي".
رواه أبو داود (١٩٠٠)، والنسائي (٢٩٢١) كلاهما من حديث يحيى بن سعيد، حدّثنا السائب بن عمرو المخزوميّ، حدثني محمد بن عبد الله بن السائب، فذكره. ومحمد هذا مجهول، قاله أبو حاتم.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن ابن عباس، أنّ النبيّ ﷺ قال: "ما بين الركن والباب ملتزم من دعا مِنْ ذي حاجة أو كربة أو ذي غمّة فرّج عنه بإذن الله".
رواه الطبرانيّ في "الكبير" (١١/ ٣٢١)، وابن عدي في "الكامل" واللفظ له. وفيه عباد بن كثير الثقفيّ البصريّ متروك. قال أحمد: "روى أحاديث كذب". وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٤٦).
وروي عن ابن عباس بأسانيد أخرى كلّها هالكة. وروي عنه موقوفًا بإسناد صحيح.
رواه عبد الرزاق (٩٠٤٧) عن ابن عيينة، عن عبد الكريم الجزريّ، عن مجاهد، قال: قال ابن عباس: "هذا الملتزم بين الركن والباب".
وروى عبد الرزاق (٩٠٤٥) بسند صحيح عن مجاهد قال: "جئتُ ابن عباس وهو يتعوّذ بين الرّكن والباب".
ورواه البيهقي (٥/ ١٦٤) من حديث أبي الزبير عنه: أنه كان يلزم ما بين الركن والباب، ويقول: "ما بين الركن والباب يدعى الملتزم لا يلزم ما بينهما أحدٌ يسأل الله شيئًا إلّا أعطاه إياه".
قال النوويّ في "المجموع" (٨/ ٢٦١): "رواه البيهقيّ موقوفًا على ابن عباس بإسناد ضعيف" ثم قال: "وقد سبق مرّات أن العلماء متفقون على التّسامح في الأحاديث الضّعيفة في فضائل الأعمال ونحوها مما ليس في الأحكام" انتهى.
ورُوي عن هشام بن عروة، عن أبيه: "أنه كان يلصق بالبيت صدره ويده وبطنه".
وقال منصور: سألت مجاهدًا: إذا أردت الوداعَ كيف أصنع؟ قال: "تطوف بالبيت سبعًا، وتصلي ركعتين خلف المقام، ثم تأتي زمزم فتشرب من مائها، ثم تأتي الملتزم ما بين الحجر والباب، فتستلمه، ثم تدعو، ثم تسألُ حاجتك، ثم تستلم الحجر وتنصرف".
واستحبّ الشافعيّ للحاج إذا طاف للوداع أن يأتي الملتزم فيلصق بطنه وصدره بحائط البيت ويبسط يديه على الجدار، فيجعل اليمني مما يلي الباب، واليسرى مما يلي الحجر الأسود، ويدعو بما أحبّ من أمر الدنيا والآخرة.
стр. 3116
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٦/ ١٤٢ - ١٤٣): "إن أحبَّ أن يأتي الملتزم وهو ما بين الحجر الأسود والباب، فيضع عليه صدره ووجهه وذراعيه وكفيه، ويدعو، ويسأل الله تعالي حاجته فَعَلَ ذلك. وله أن يفعل ذلك قبل طواف الوداع؛ فإنّ هذا الالتزام لا فرق بين أن يكون حال الوداع أو غيره. والصحابة كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكة" إلى أن قال: "ولو وقف عند الباب ودعا هناك من غير التزام للبيت كان حسنًا".
واختلف عن ابن عمر ﵄: هل كان يلزم شيئًا من البيت؟ فالصّحيح الذي رواه عبد الرزاق (٩٠٥١) عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عنه: "أنه ما كان يلزم شيئًا من البيت".
وما رواه عبد الرزاق (٩٠٥٠) عن ابن جريج، قال: حُدِّثتُ عن ابن عمر: "أنه كان يتعوّذ بين الرّكن والباب" ففيه انقطاع.
٣٨ - باب ما جاء في الحِجْر
• عن عائشة، قالت: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَن الْجَدْرِ أَمِن الْبَيْتِ هُو؟ قَال: "نَعَمْ". قُلْتُ: فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: "إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ". قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: "فَعَلَ ذَلِك قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَلَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ، وَأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٥٨٤)، ومسلم في الحج (١٣٣٣: ٤٠٥) كلاهما من حديث أبي الأحوص، حدّثنا أشعث بن أبي الشّعثاء، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة، فذكرته.
والجدْر: هو حِجْر الكعبة، يوضِّح ذلك ما رواه مسلم بعده من وجه آخر عن شيبان، عن أشعث بن أبي الشعثاء، وفيه: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَن الْحِجْرِ"، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي الأَحْوَص.
٣٩ - باب ما روي في فضل النّظر إلى الكعبة
في الباب أحاديث لا تصح.
منها: ما رُوي عن ابن عباس مرفوعًا: "ينزل الله على هذا البيت كلّ يوم وليلة عشرين ومائة رحمة، ستون منها للطّائفين، وأربعون للمصلّين، وعشرون للنّاظرين".
رواه الأزرقيّ (٢/ ٨) عن جدّه، عن سعيد بن سالم وسليم بن مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره.
ورواه ابن حبان في "المجروحين" في ترجمة (سعيد بن سالم القداح) (٣٨٩) وقال: كان يرى الإرجاء، وكان يهم في الأخبار حتى يجيء بها مقلوبة حتى خرج عن حدّ الاحتجاج به. ونقل عن
стр. 3117
ابن معين أنه قال: ليس بشيء.
وقال عن سليم بن مسلم: "قد تبرأنا من عهدته".
قلت: سعيد بن سالم القداح هذا قد اضطرب في متن الحديث، فرواه الأزرقي عن جدّه كما سبق.
ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده -بغية الباحث (٣٩٢) - عن شيخه أبي عبد الله أحمد بن يزيد من أهل كرمان، ثنا سعيد بإسناده، وفيه: "ستون منها للطائفين، وعشرون منها لأهل مكة، وعشرون منها لسائر النّاس".
قال ابن الجوزي وغيره: "هذا حديث لا يصح". انظر: العلل المتناهية (٢/ ٥٧٣). وللحديث أسانيد أضعف من هذا والذي ذكرته هو أصحها.
وفي الباب أيضًا عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأبي أمامة وغيرهم إلا أنها كلها ضعيفة. ذكر بعضها ابن الجوزي في العلل المتناهية، وبيّن عللها.
وأورد محبّ الطبريّ في كتابه "القرى" (ص ٣٤١) آثارًا عن الصحابة والتابعين بأنّ النّظر إلى الكعبة عبادة.
٤٠ - باب نقض الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم
• عن سعيد بن ميناء، قال: سمعتُ ابن الزبير يقول وهو على المنبر حين أراد أن يهدم الكعبة ويبنيها: حدّثتني عائشة خالتي، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال لها: "يَا عَائِشَةُ! لَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ فَأَلْزَقْتُهُا بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِن الْحِجْرِ فَإِنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْهَا حَيْثُ بَنَت الْكَعْبَة".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٣٣: ٤٠١) عن محمد بن حاتم، حدّثني ابن مهدي، حدّثنا سليم بن حيان، عن سعيد بن ميناء، فذكره.
واللفظ لابن حبان (٣٨١٨) من وجه آخر عن سليم بن حيان، فإنّ مسلمًا لم يذكر "على المنبر حين أراد أن يهدم الكعبة ويبنيها".
• عن عطاء قال: لَمَّا احْتَرَقَ الْبَيْتُ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ حِينَ غَزَاهَا أَهْلُ الشَّامِ فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، تَرَكَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ حَتَّى قَدِمَ النَّاسُ الْمَوْسِمَ يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ -أَوْ يُحَرِّبَهُمْ- عَلَى أَهْل الشَّامِ، فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ، قَال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْكَعْبَةِ أَنْقُضُهَا ثُمَّ أَبْنِي بِنَاءَهَا أَوْ أُصْلِحُ مَا وَهَى مِنْهَا؟ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاس: فَإِنِّي قَدْ فُرِقَ لِي رَأْيٌ فِيهَا، أَرَى أَنْ تُصْلِحَ مَا وَهَى مِنْهَا وَتَدَعَ
стр. 3118
بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَأَحْجَارًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وَبُعِثَ عَلَيْهَا النِّبِيُّ ﷺ .
فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَوْ كَانَ أَحَدُكُمْ احْتَرَقَ بَيْتُهُ مَا رَضِيَ حَتَّى يُجِدَّهُ فَكَيْفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ؟ ! إِنِّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلاثًا ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمْرِي، فَلَمَّا مَضَى الثَّلاثُ أَجْمَعَ رَأْيَهُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا فَتَحَامَاهُ النَّاسُ أَنْ يَنْزِلَ بِأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فِيهِ أَمْرٌ مِن السَّمَاءِ، حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ فَأَلْقَى مِنْهُ حِجَارَةً، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَتَابَعُوا فَنَقَضُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الأَرْضَ، فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً فَسَتَّرَ عَلَيْهَا السُّتُورَ حَتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "لَوْلا أَنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ، وَلَيْسَ عِنْدِي مِن النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّي عَلَى بِنَائِهِ لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِن الْحِجْرِ خَمْسَ أَذْرُعٍ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ".
قَال: فَأَنَا الْيَوْمَ أَجِدُ مَا أُنْفِقُ وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ. قَال: فَزَادَ فِيهِ خَمْسَ أَذْرُعٍ مِن الْحِجْرِ حَتَّى أَبْدَى أُسًّا نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَبَنَى عَلَيْهِ الْبِنَاءَ وَكَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا زَادَ فِيهِ اسْتَقْصَرَهُ فَزَادَ فِي طُولِهِ عَشْرَ أَذْرُعٍ، وَجَعَلَ لَهُ بَابَيْنِ أَحَدُهُمَا يُدْخَلُ مِنْهُ وَالآخَرُ يُخْرَجُ مِنْهُ.
فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ كَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عبد الملك بْنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرَ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أُسٍّ نَظَرَ إِلَيْهِ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عبد الملك: إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي شَيْءٍ! أَمَّا مَا زَادَ فِي طُولِهِ فَأَقِرَّهُ، وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِن الْحِجْرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ، وَسُدَّ الْبَابَ الَّذِي فَتَحَهُ. فَنَقَضَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِه".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٣٣: ٤٠٢) عن هنّاد بن السّريّ، حدّثنا ابن أبي زائدة، أخبرني ابن أبي سليمان، عن عطاء قال (فذكره).
• عن عبد الله بن عبيدٍ قال: وَفَدَ الْحَارِثُ بْنُ عبد الله عَلَى عبد الملك بْنِ مَرْوَانَ فِي خِلافَتِهِ، فَقَالَ عبد الملك: ما أَظُنُّ أَبَا خُبَيْبٍ -يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ- سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهَا! قَالَ الْحَارِثُ: بَلَى أَنَا سَمْعْتُهُ مِنْهَا.
قَال: سَمْعْتَهَا تَقُولُ مَاذَا؟ قَال: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ وَلَوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بِالشِّرْكِ أَعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَبْنُوهُ فَهَلُمِّي لأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ". فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ.
هَذَا حَدِيثُ عبد الله بْنِ عُبَيْدٍ، وَزَادَ عَلَيْهِ الْوَلِيدُ بْنُ عَطَاءٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَلَجَعَلْتُ
стр. 3119
لَهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ فِي الأَرْضِ شَرْقِيًّا وَغَرْبِيًّا. وَهَلْ تَدْرِينَ لِمَ كَانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بَابَهَا؟ ". قَالَتْ: قُلْتُ: لا، قَال: "تَعَزُّزًا أَنْ لا يَدْخُلَهَا إِلا مَنْ أَرَادُوا، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَهَا يَدَعُونَهُ يَرْتَقِي حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُلَ دَفَعُوهُ فَسَقَطَ". قَالَ عبد الملك لِلْحَارِثِ: "أَنْتَ سَمِعْتَهَا تَقُولُ هَذَا؟ ". قَال: نَعَمْ قَالَ: فَنَكَتَ سَاعَةً بِعَصَاهُ ثُمَّ قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي تَرَكْتُهُ وَمَا تَحَمَّلَ".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٣٣: ٤٠٣) عن محمد بن حاتم، حدّثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، قال: سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير، والوليد بن عطاء يحدّثان عن الحارث ابن عبد الله بن أبي ربيعة، قال عبد الله بن عبيد: "وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته" فذكر بقية الحديث.
• عن أَبِي قَزَعَةَ أَنَّ عبد الملك بْنَ مَرْوَانَ بَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ قَال: قَاتَلَ اللهُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حَيْثُ يَكْذِبُ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ سَمْعْتُهَا تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ! لَوْلا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ حَتَّى أَزِيدَ فِيهِ مِن الْحِجْرِ، فَإِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرُوا فِي الْبِنَاءِ".
فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عبد الله بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: لا تَقُلْ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنَا سَمِعْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تُحَدِّثُ هَذَا.
قَال: لَوْ كُنْتُ سَمِعْتُهُ قَبْلَ أَنْ أَهْدِمَهُ لَتَرَكْتُهُ عَلَى مَا بَنَى ابْنُ الزُّبَيْرِ.
صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٣٣٣: ٤٠٤) عن محمد بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن بكر السهميّ، حدّثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن أبي قزعة، فذكره.
٤١ - باب استحباب الرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأولى في طواف العمرة، وفي الطّواف الأول في الحجّ
• عن ابن عمر، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ يَخُبُّ ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ، وَيَمْشِي أَرْبَعَةً، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْعَى بَطْنَ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦١٧)، ومسلم في الحج (١٢٦١: ٢٣٠) كلاهما من طريق عبيد الله (هو ابن عمر)، عن نافع، عن ابن عمر، واللّفظ للبخاريّ.
وفي رواية عند البخاريّ (١٦٠٤) من طريق فليح، عن نافع، عن ابن عمر، قال: "سعى النبيّ ﷺ ثلاثة أشواط، ومشى أربعة في الحجّ والعمرة".
وفي رواية أخرى عند مسلم (١٢٦٢) عن عبيد الله بن عمر، به، بلفظ: "رَمَل رسولُ الله ﷺ من
стр. 3120
الْحَجَرِ إلى الْحَجَرِ ثَلاثًا، ومَشَى أربعًا".
• عن ابن عمر، قال: رمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثًا ومشى أربعًا.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٦٢) من طريق ابن المبارك، عن عبيد الله بن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
• عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله ﷺ رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف.
صحيح: رواه مالك في الحج (١٠٧) عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، فذكره. ومن طريقه رواه مسلم في الحج (١٢٦٣).
• عن ابن عباس، قال: قَدِمَ رَسُولَ الله ﷺ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُم الْحُمَّى، وَلَقُوا مِنْهَا شِدَّةً، فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحِجْرَ وَأَمَرَهُم النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلاثَةَ أَشْوَاطٍ وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ لِيَرَى الْمُشْركُونَ جَلَدَهُمْ. فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ؟ هَؤْلاءِ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا! ! .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٦٠٢)، ومسلم في الحج (١٢٦٦) كلاهما من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره، واللفظ لمسلم.
قوله: "ويمشوا ما بين الرّكنين" أي حيث لا تقع عليهم أعين المشركين، فإنهم ما كانوا في تلك الجهة.
• عن أبي الطّفيل، قال: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ هَذَا الرَّمَلَ بِالْبَيْتِ ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشْيَ أَرْبَعَةِ أَطْوَافٍ أَسُنَّةٌ هُوَ، فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ؟ . قَالَ: فَقَال: صَدَقُوا وَكَذَبُوا! . قَال: قُلْتُ: مَا قَوْلُكَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَال: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ فَقَالَ الْمْشْرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ لا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ مِن الْهُزَالِ، وَكَانُوا يَحْسُدُونَهُ. قَالَ: فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلاثًا وَيَمْشُوا أَرْبَعًا. قَال: قُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَن الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا أَسُنَّهٌ هُوَ، فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ؟ . قَال: صَدَقُوا وَكَذَبُوا! . قَال: قُلْتُ: وَمَا قَوْلُكَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَال: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِن الْبُيُوتِ.
قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ لا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ وَالْمَشْي
следующие страницы →