← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٦/ ١٤٢ - ١٤٣): "إن أحبَّ أن يأتي الملتزم وهو ما بين الحجر الأسود والباب، فيضع عليه صدره ووجهه وذراعيه وكفيه، ويدعو، ويسأل الله تعالي حاجته فَعَلَ ذلك. وله أن يفعل ذلك قبل طواف الوداع؛ فإنّ هذا الالتزام لا فرق بين أن يكون حال الوداع أو غيره. والصحابة كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكة" إلى أن قال: "ولو وقف عند الباب ودعا هناك من غير التزام للبيت كان حسنًا". واختلف عن ابن عمر ﵄: هل كان يلزم شيئًا من البيت؟ فالصّحيح الذي رواه عبد الرزاق (٩٠٥١) عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عنه: "أنه ما كان يلزم شيئًا من البيت". وما رواه عبد الرزاق (٩٠٥٠) عن ابن جريج، قال: حُدِّثتُ عن ابن عمر: "أنه كان يتعوّذ بين الرّكن والباب" ففيه انقطاع. ٣٨ - باب ما جاء في الحِجْر • عن عائشة، قالت: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَن الْجَدْرِ أَمِن الْبَيْتِ هُو؟ قَال: "نَعَمْ". قُلْتُ: فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: "إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ". قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: "فَعَلَ ذَلِك قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَلَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ، وَأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٥٨٤)، ومسلم في الحج (١٣٣٣: ٤٠٥) كلاهما من حديث أبي الأحوص، حدّثنا أشعث بن أبي الشّعثاء، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة، فذكرته. والجدْر: هو حِجْر الكعبة، يوضِّح ذلك ما رواه مسلم بعده من وجه آخر عن شيبان، عن أشعث بن أبي الشعثاء، وفيه: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَن الْحِجْرِ"، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي الأَحْوَص. ٣٩ - باب ما روي في فضل النّظر إلى الكعبة في الباب أحاديث لا تصح. منها: ما رُوي عن ابن عباس مرفوعًا: "ينزل الله على هذا البيت كلّ يوم وليلة عشرين ومائة رحمة، ستون منها للطّائفين، وأربعون للمصلّين، وعشرون للنّاظرين". رواه الأزرقيّ (٢/ ٨) عن جدّه، عن سعيد بن سالم وسليم بن مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره. ورواه ابن حبان في "المجروحين" في ترجمة (سعيد بن سالم القداح) (٣٨٩) وقال: كان يرى الإرجاء، وكان يهم في الأخبار حتى يجيء بها مقلوبة حتى خرج عن حدّ الاحتجاج به. ونقل عن

стр. 3117

ابن معين أنه قال: ليس بشيء. وقال عن سليم بن مسلم: "قد تبرأنا من عهدته". قلت: سعيد بن سالم القداح هذا قد اضطرب في متن الحديث، فرواه الأزرقي عن جدّه كما سبق. ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده -بغية الباحث (٣٩٢) - عن شيخه أبي عبد الله أحمد بن يزيد من أهل كرمان، ثنا سعيد بإسناده، وفيه: "ستون منها للطائفين، وعشرون منها لأهل مكة، وعشرون منها لسائر النّاس". قال ابن الجوزي وغيره: "هذا حديث لا يصح". انظر: العلل المتناهية (٢/ ٥٧٣). وللحديث أسانيد أضعف من هذا والذي ذكرته هو أصحها. وفي الباب أيضًا عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأبي أمامة وغيرهم إلا أنها كلها ضعيفة. ذكر بعضها ابن الجوزي في العلل المتناهية، وبيّن عللها. وأورد محبّ الطبريّ في كتابه "القرى" (ص ٣٤١) آثارًا عن الصحابة والتابعين بأنّ النّظر إلى الكعبة عبادة. ٤٠ - باب نقض الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم • عن سعيد بن ميناء، قال: سمعتُ ابن الزبير يقول وهو على المنبر حين أراد أن يهدم الكعبة ويبنيها: حدّثتني عائشة خالتي، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال لها: "يَا عَائِشَةُ! لَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ فَأَلْزَقْتُهُا بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِن الْحِجْرِ فَإِنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْهَا حَيْثُ بَنَت الْكَعْبَة". صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٣٣: ٤٠١) عن محمد بن حاتم، حدّثني ابن مهدي، حدّثنا سليم بن حيان، عن سعيد بن ميناء، فذكره. واللفظ لابن حبان (٣٨١٨) من وجه آخر عن سليم بن حيان، فإنّ مسلمًا لم يذكر "على المنبر حين أراد أن يهدم الكعبة ويبنيها". • عن عطاء قال: لَمَّا احْتَرَقَ الْبَيْتُ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ حِينَ غَزَاهَا أَهْلُ الشَّامِ فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، تَرَكَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ حَتَّى قَدِمَ النَّاسُ الْمَوْسِمَ يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ -أَوْ يُحَرِّبَهُمْ- عَلَى أَهْل الشَّامِ، فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ، قَال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْكَعْبَةِ أَنْقُضُهَا ثُمَّ أَبْنِي بِنَاءَهَا أَوْ أُصْلِحُ مَا وَهَى مِنْهَا؟ . قَالَ ابْنُ عَبَّاس: فَإِنِّي قَدْ فُرِقَ لِي رَأْيٌ فِيهَا، أَرَى أَنْ تُصْلِحَ مَا وَهَى مِنْهَا وَتَدَعَ

стр. 3118

بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَأَحْجَارًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وَبُعِثَ عَلَيْهَا النِّبِيُّ ﷺ . فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَوْ كَانَ أَحَدُكُمْ احْتَرَقَ بَيْتُهُ مَا رَضِيَ حَتَّى يُجِدَّهُ فَكَيْفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ؟ ! إِنِّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلاثًا ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمْرِي، فَلَمَّا مَضَى الثَّلاثُ أَجْمَعَ رَأْيَهُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا فَتَحَامَاهُ النَّاسُ أَنْ يَنْزِلَ بِأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فِيهِ أَمْرٌ مِن السَّمَاءِ، حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ فَأَلْقَى مِنْهُ حِجَارَةً، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَتَابَعُوا فَنَقَضُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الأَرْضَ، فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً فَسَتَّرَ عَلَيْهَا السُّتُورَ حَتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ. وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "لَوْلا أَنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ، وَلَيْسَ عِنْدِي مِن النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّي عَلَى بِنَائِهِ لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِن الْحِجْرِ خَمْسَ أَذْرُعٍ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ". قَال: فَأَنَا الْيَوْمَ أَجِدُ مَا أُنْفِقُ وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ. قَال: فَزَادَ فِيهِ خَمْسَ أَذْرُعٍ مِن الْحِجْرِ حَتَّى أَبْدَى أُسًّا نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَبَنَى عَلَيْهِ الْبِنَاءَ وَكَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا زَادَ فِيهِ اسْتَقْصَرَهُ فَزَادَ فِي طُولِهِ عَشْرَ أَذْرُعٍ، وَجَعَلَ لَهُ بَابَيْنِ أَحَدُهُمَا يُدْخَلُ مِنْهُ وَالآخَرُ يُخْرَجُ مِنْهُ. فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ كَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عبد الملك بْنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرَ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أُسٍّ نَظَرَ إِلَيْهِ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عبد الملك: إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي شَيْءٍ! أَمَّا مَا زَادَ فِي طُولِهِ فَأَقِرَّهُ، وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِن الْحِجْرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ، وَسُدَّ الْبَابَ الَّذِي فَتَحَهُ. فَنَقَضَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِه". صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٣٣: ٤٠٢) عن هنّاد بن السّريّ، حدّثنا ابن أبي زائدة، أخبرني ابن أبي سليمان، عن عطاء قال (فذكره). • عن عبد الله بن عبيدٍ قال: وَفَدَ الْحَارِثُ بْنُ عبد الله عَلَى عبد الملك بْنِ مَرْوَانَ فِي خِلافَتِهِ، فَقَالَ عبد الملك: ما أَظُنُّ أَبَا خُبَيْبٍ -يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ- سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهَا! قَالَ الْحَارِثُ: بَلَى أَنَا سَمْعْتُهُ مِنْهَا. قَال: سَمْعْتَهَا تَقُولُ مَاذَا؟ قَال: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ وَلَوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بِالشِّرْكِ أَعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَبْنُوهُ فَهَلُمِّي لأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ". فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ. هَذَا حَدِيثُ عبد الله بْنِ عُبَيْدٍ، وَزَادَ عَلَيْهِ الْوَلِيدُ بْنُ عَطَاءٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَلَجَعَلْتُ

стр. 3119

لَهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ فِي الأَرْضِ شَرْقِيًّا وَغَرْبِيًّا. وَهَلْ تَدْرِينَ لِمَ كَانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بَابَهَا؟ ". قَالَتْ: قُلْتُ: لا، قَال: "تَعَزُّزًا أَنْ لا يَدْخُلَهَا إِلا مَنْ أَرَادُوا، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَهَا يَدَعُونَهُ يَرْتَقِي حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُلَ دَفَعُوهُ فَسَقَطَ". قَالَ عبد الملك لِلْحَارِثِ: "أَنْتَ سَمِعْتَهَا تَقُولُ هَذَا؟ ". قَال: نَعَمْ قَالَ: فَنَكَتَ سَاعَةً بِعَصَاهُ ثُمَّ قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي تَرَكْتُهُ وَمَا تَحَمَّلَ". صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٣٣: ٤٠٣) عن محمد بن حاتم، حدّثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، قال: سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير، والوليد بن عطاء يحدّثان عن الحارث ابن عبد الله بن أبي ربيعة، قال عبد الله بن عبيد: "وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته" فذكر بقية الحديث. • عن أَبِي قَزَعَةَ أَنَّ عبد الملك بْنَ مَرْوَانَ بَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ قَال: قَاتَلَ اللهُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حَيْثُ يَكْذِبُ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ سَمْعْتُهَا تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ! لَوْلا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ حَتَّى أَزِيدَ فِيهِ مِن الْحِجْرِ، فَإِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرُوا فِي الْبِنَاءِ". فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عبد الله بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: لا تَقُلْ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنَا سَمِعْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تُحَدِّثُ هَذَا. قَال: لَوْ كُنْتُ سَمِعْتُهُ قَبْلَ أَنْ أَهْدِمَهُ لَتَرَكْتُهُ عَلَى مَا بَنَى ابْنُ الزُّبَيْرِ. صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٣٣٣: ٤٠٤) عن محمد بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن بكر السهميّ، حدّثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن أبي قزعة، فذكره. ٤١ - باب استحباب الرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأولى في طواف العمرة، وفي الطّواف الأول في الحجّ • عن ابن عمر، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ يَخُبُّ ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ، وَيَمْشِي أَرْبَعَةً، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْعَى بَطْنَ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦١٧)، ومسلم في الحج (١٢٦١: ٢٣٠) كلاهما من طريق عبيد الله (هو ابن عمر)، عن نافع، عن ابن عمر، واللّفظ للبخاريّ. وفي رواية عند البخاريّ (١٦٠٤) من طريق فليح، عن نافع، عن ابن عمر، قال: "سعى النبيّ ﷺ ثلاثة أشواط، ومشى أربعة في الحجّ والعمرة". وفي رواية أخرى عند مسلم (١٢٦٢) عن عبيد الله بن عمر، به، بلفظ: "رَمَل رسولُ الله ﷺ من

стр. 3120

الْحَجَرِ إلى الْحَجَرِ ثَلاثًا، ومَشَى أربعًا". • عن ابن عمر، قال: رمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثًا ومشى أربعًا. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٦٢) من طريق ابن المبارك، عن عبيد الله بن نافع، عن ابن عمر، فذكره. • عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله ﷺ رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف. صحيح: رواه مالك في الحج (١٠٧) عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، فذكره. ومن طريقه رواه مسلم في الحج (١٢٦٣). • عن ابن عباس، قال: قَدِمَ رَسُولَ الله ﷺ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُم الْحُمَّى، وَلَقُوا مِنْهَا شِدَّةً، فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحِجْرَ وَأَمَرَهُم النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلاثَةَ أَشْوَاطٍ وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ لِيَرَى الْمُشْركُونَ جَلَدَهُمْ. فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ؟ هَؤْلاءِ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا! ! . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٦٠٢)، ومسلم في الحج (١٢٦٦) كلاهما من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره، واللفظ لمسلم. قوله: "ويمشوا ما بين الرّكنين" أي حيث لا تقع عليهم أعين المشركين، فإنهم ما كانوا في تلك الجهة. • عن أبي الطّفيل، قال: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ هَذَا الرَّمَلَ بِالْبَيْتِ ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشْيَ أَرْبَعَةِ أَطْوَافٍ أَسُنَّةٌ هُوَ، فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ؟ . قَالَ: فَقَال: صَدَقُوا وَكَذَبُوا! . قَال: قُلْتُ: مَا قَوْلُكَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَال: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ فَقَالَ الْمْشْرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ لا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ مِن الْهُزَالِ، وَكَانُوا يَحْسُدُونَهُ. قَالَ: فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلاثًا وَيَمْشُوا أَرْبَعًا. قَال: قُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَن الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا أَسُنَّهٌ هُوَ، فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ؟ . قَال: صَدَقُوا وَكَذَبُوا! . قَال: قُلْتُ: وَمَا قَوْلُكَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَال: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِن الْبُيُوتِ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ لا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ وَالْمَشْي

стр. 3121

وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٦٤) من حديث سعيد بن إياس الجريريّ، وعبد الله بن أبي حسين، وعبد الملك بن سعيد بن الأبحر، كلّهم من حديث أبي الطفيل. ورواه الإمام أحمد (٢٧٠٧) من حديث أبي عاصم الغنويّ، عن أبي الطفيل بأطول مما رواه مسلم. ورواه أيضًا أبو داود (١٨٨٥) إلا أنه اختصره. وأبو عاصم الغنويّ هذا وثقه ابن معين كما في "التهذيب"، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ولكن لم يعرفه أبو حاتم، كما أنه لم يرو عنه سوى حماد بن سلمة؛ ولذا قال الحافظ في "التقريب": "مقبول" أي إذا توبع، وقد توبع في أكثر أجزاء الحديث. انظر حديثه كاملًا في باب سبب رمي الجمرات. وقوله: "صدقوا وكذبوا" يعني صدقوا في أنّ النبيّ ﷺ رمل بالبيت ثلاثًا، وكذبوا في قولهم: إنه سنة مقصودة متأكدة؛ لأنّ النبيّ ﷺ لم يجعله سنة مطلوبة دائمًا على تكرار السنين، وإنما أمر به تلك السنة لإظهار القوّة عند الكفّار، وقد زال ذلك المعني. هذا معنى كلام ابن عباس وهو مذهبه بأنّ الرّمَل ليس بسنة، والجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ذهبوا إلى أنّ الرمل سنة مستحبة يصح الطواف بدونه، ولكنه تفوته الفضيلة ولا دم عليه. وإليه يشير قول عمر بن الخطاب ﵁: "شيء فعله رسول الله ﷺ ، ولا نحب أن نتركهـ" كما سيأتي. وقد جاء عن ابن عباس خلاف هذا بأن الرّمل سنة، وهو ما يأتي: • عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ لما نزل مر الظهران في عمرته بلغ أصحابَ رسول الله ﷺ أنّ قريشا تقول: ما يَتَباعَثُونَ من العَجَف، فقال أصحابه: لو انْتحرنا من ظهرنا فأكلنا من لحمه وحَسَوْنا من مَرَقِه، أَصْبحنا غدًا حين ندخلُ على القومِ وبنا جَمامة قال: لا تَفعلُوا ولكن اجْمعُوا لي من أزوادِكم فجمعوا له وبَسَطُوا الأنطاعَ، فأكلوا حتى تولّوا، وحَثَا كلُّ واحدٍ منهم في جرابه، ثم أقبل رسولُ الله ﷺ حتى دخل المسجدَ، وقعدتْ قريش نحو الحجْر، فاضطَبعَ بردائِه، ثم قال: "لا يَرَي القومُ فيكم غَميزةً". فاستلم الرُّكن، ثم دخل حتى إذا تغَيَّبَ بالرُّكن اليماني مشي إلى الرُّكن الأسود، فقالتْ قريش: ما يرضون بالمشي إنّهم لَينْقُزُون نَقْزَ الظِّبَاء، ففعل ذلك ثلاثةَ أطْوافٍ، فكانت سنّة. قال أبو الطُّفيل: وأخبرني ابن عباس: أنّ النّبيَّ ﷺ فعل ذلك في حجّة الوداع. حسن: رواه الإمام أحمد (٢٧٨٢) عن محمد بن الصباح، حدّثنا إسماعيل -يعني ابن زكريا-،

стр. 3122

عن عبد الله -يعني ابن عثمان-، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، فذكره. قال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٧٩): "هو في الصحيح باختصار، ورجاله رجال الصحيح". قلت: وهو كما قال، إلا أن عبد الله بن عثمان -وهو ابن خثيم- صدوق"، وهو من رجال مسلم. ورواه أبو داود (١٨٨٩) وصحّحه ابن خزيمة (٢٧٠٧)، وابن حبان (٣٨١٢) كلّهم من طرق عن يحيي بن سليم، عن ابن خثيم إلا أن أبا داود وابن خزيمة اختصراه. فقوله: "كانت سنة" لعلّه رجع عن قوله الأوّل لما تبين له، وأبو الطّفيل سمع منه في المرة الأولى الإنكار، ثم سمع منه الإقرار، فروى على وجهين، والله تعالى أعلم. ثم قصة ابن عباس كانت في عمرة القضاء، وحديث جابر وابن عمر وغيرهما كان في حجة الوداع، وهو متأخر. وقوله فيما مضى: "إلّا إبقاء عليهم". أي إنّ النبيّ ﷺ لم يمنعهم من الرمل في الأشواط الثلاثة إلا استمرارًا لما فعله هو وأصحابه في عمرة القضاء، وهذا التفسير يكون موافقًا لقوله: "كانت سنة". وقول أبي الطفيل: وأخبرني ابن عباس: "أنّ النبيّ ﷺ فعل ذلك في حجة الوداع" أي أنّ النبيّ ﷺ أعاد الرمل في حجة الوداع أيضًا. وفيه إشارة إلى استمراره وإن كان السبب الذي من أجله رمل قد انتهى. وهذا القول الثاني من ابن عباس كان موافقًا لجمهور أهل العلم بأنّ الرّمل في الأشواط الثّلاثة سنة. • عن أسلم مولي عمر، أنّ عمر بن الخطاب ﵁ قال لِلرُّكْنِ: أَمَا وَالله إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ، وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ، فَاسْتَلَمَهُ. ثُمَّ قَالَ: فَمَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ أَهْلَكَهُم الله. ثُمَّ قَالَ: شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ. صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٦٠٥) عن سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، أخبرني زيد بن أسلم، عن أبيه، به، فذكره. • عن عمر بن الخطاب، قال: فِيمَ الرَّمَلانُ الْيَوْمَ، وَالْكَشْفُ عَن الْمَنَاكِبِ، وَقَدْ أَطَّأَ الله الإِسْلامَ وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ؟ ! مَعَ ذَلِكَ لا نَدَعُ شَيْئًا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ . حسن: رواه أبو داود (١٨٨٧) عن أحمد بن حنبل -وهو في مسنده (٣١٧) -، وابن ماجه (٢٩٥٢) كلّهم من حديث هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر يقول (فذكره). وإسناده حسن من أجل الكلام في هشام بن سعد، وهو المدني أبو عماد مختلف فيه، فضعّفه ابن معين والنسائي، ومشّاه غيرهم فهو حسن الحديث.

стр. 3123

وصحّحه ابن خزيمة (٢٧٠٨)، والحاكم (١/ ٤٥٤) كلاهما من هذا الوجه وقال: "صحيح على شرط مسلم". وأصله في صحيح البخاريّ (١٦٠٥) كما مضى. قال ابن خزيمة: "إنّ السنة قد كان يسنّها النبيّ ﷺ لعلّة حادثة، فتزول العلّة، وتبقى السنة إلى الأبد؛ إذ النبيّ ﷺ رمل في الابتداء، واضطبع ليُري المشركين قوّته وقوّة أصحابه، فبقي الاضطباع والرَّمل سنتان إلى الأبد". ٤٢ - باب ما جاء في الاضطباع في الطّواف • عن ابن عباس، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اضْطَبَعَ، فَاسْتَلَمَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ رَمَلَ ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ، وَكَانُوا إِذَا بَلَغُوا الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ وَتَغَيَّبُوا مِنْ قُرَيْشٍ مَشَوْا، ثُمَّ يَطْلُعُونَ عَلَيْهِمْ يَرْمُلُونَ، تَقُولُ قُرَيْشٌ: كَأَنَّهُم الْغِزْلانُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَكَانَتْ سُنَّةً. حسن: رواه أبو داود (١٨٨٩)، وابن ماجه (٢٩٥٣) كلاهما من حديث ابن خثيم، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، فذكر الحديث، واللّفظ لأبي داود. وفي لفظ لابن ماجه: قال النبيّ ﷺ لأصحابه حين أرادوا دخول مكة في عمرته بعد الحديبية: "إنّ قومكم غدًا سيرونكم، فليرونكم جلدًا". ورواه الإمام أحمد (٢٧٩٢)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٧٠٠)، وابن حبان (٣٨١٤) كلّهم من هذا الوجه، واختصره ابن خزيمة. وإسناده حسن من أجل الكلام في ابن خثيم فإنه صدوق، وقد حسّنه أيضًا الحافظ المنذريّ وغيره. • عن يعلى بن أميّة، قال: طافَ النّبيُّ ﷺ مُضطبعًا بُبردٍ. حسن: رواه أبو داود (١٨٨٣)، والترمذيّ (٨٥٩)، وابن ماجه (٢٩٥٤) كلّهم من طريق سفيان، عن ابن جريج، عن عبد الحميد، عن ابن علي بن أمية، عن أبيه، فذكره. إلّا أنّ أبا داود لم يذكر بين ابن جريج وبين ابن يعلى "عبد الحميد" والصواب إثباته وكذلك رواه الدارمي (١٨٨٥)، والإمام أحمد (١٧٩٥٢) إلا أنه أبهم الرجل. قال الترمذيّ: "هذا حديث الثوري عن ابن جريج، ولا نعرفه إلا من حديثه. وهو حديث حسن صحيح، وعبد الحميد هو ابن جبيرة بن شيبة، عن ابن يعلى، عن أبيه، وهو يعلى بن أمية". وأما ابن يعلى بن أمية فرجّح المزي والحافظ ابن حجر وغيرهما أنه صفوان بن يعلى، إذ إن ليعلى ابن أمية أربعة أولاد وهم: صفوان، ومحمد، وعثمان، وعبد الرحمن، وكلّهم يروون عن أبيهم. قال المزي: إن لم يكن صفوان بن يعلي فلا أدري من هو؟ . وصفوان ثقة من رجال الشيخين، وهو أشهرهم

стр. 3124

٤٣ - باب جواز الطواف راكبًا لمرض أو عذر، واستلام الحجر بمحجن وغيره، وتقبيله أو الإشارة إليه • عن أمِّ سلمة زوج النبيّ ﷺ أنها قالت: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: "طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ". قَالَتْ: فَطُفْتُ رَاكِبَةً بَعِيرِي وَرَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَانِبِ الْبَيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ بِ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾. متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٢٣) عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، فذكرته. ورواه البخاريّ في الحج (١٦٣٣)، ومسلم في الحج (١٢٧٦) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. • عن ابن عباس: أنّ رسول الله ﷺ طاف في حجّة الوداع على بعير، يستلم الرُّكن بمِحْجَن. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٦٠٧)، ومسلم في الحج (١٢٧٢) كلاهما من طريق ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، فذكره. ورواه البخاريّ (١٦٣٢) من وجه آخر عنه وزاد فيه: "وكبّر". قوله: "بمحجن" المحجن: عصا معوجة الرّأس. • عن جابر، قال: طَافَ رَسُولُ الله ﷺ بِالْبَيْتِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَنِهِ لأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشْرِفَ وَلِيَسْأَلُوهُ فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٧٣) من طرق، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، يقول (فذكره). • عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، قال: رأيتُ رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويستلمُ الرُّكنَ بمحجن معه، ويقبِّلُ المحجن. صحيح: رواه مسلم (١٢٧٥) عن محمد بن المثنى، حدّثنا سليمان بن داود، حدثنا معروف بن خرّبوذ، قال: سمعت أبا الطفيل، فذكره. • عن عائشة، قالت: طاف النبيُّ ﷺ في حجّة الوداع حول الكعبة على بعيره، يستلم الرُّكن كراهية أن يُضرب عنه النّاس. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٧٤) عن الحكم بن موسى القنطريّ، حدّثنا شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. ورواه الطبراني في الأوسط (٢٦٣٦) من وجه آخر عن الدّراورديّ عن هشام بن عروة، بإسناده،

стр. 3125

إلا أنه قال فيه: "عام الفتح". قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن هشام إلّا الدّراورديّ". وهو كما قال، ويمكن حمل حديث عائشة على التّعدد. • عن صفيّة بنت شيبة، قالت: لما اطمأنَّ رسولُ الله ﷺ بمكّة عام الفتح طاف على بعير يستلم الرُّكنَ بمحجن في يده. قالت: وأنا أنظرُ إليه. حسن: رواه أبو داود (١٨٧٨)، وابن ماجه (٢٩٤٧) كلاهما من حديث يونس بن بكير، حدثنا ابن إسحاق، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة، فذكرته. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه مدلس، وإذا صرّح فهو حسن الحديث على خلاف في صفية بنت شيبة هل لها صحبة أم لا؟ فحكي عن أبي عبد الرحمن النسائي أن حديثها مرسل، ولكن ذكرها ابن السكن وابن عبد البر في الصحابة، ولها حديث في صحيح البخاري، وقولها: "وأنا أنظر إليه" صريح في إثبات الصحبة. • عن قدامة بن عبد الله، قال: رأيت رسول الله ﷺ على ناقة يستلم الحجر بمحجنه. حسن: رواه الإمام أحمد (١٥٤١٢)، وأبو يعلى (٩٢٨)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٨)، وفي "الأوسط" (٨٠٢٤) كلهم من طريق محرز بن عون، عن قرّان بن تمام الأسدي، عن أيمن بن نابل، عن قدامة بن عبد الله، فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في قران بن تمام، وشيخه أيمن بن نابل فهما مختلف فيهما غير أنهما حسنا الحديث إذا لم يخطئا. • عن ابن عمر قال: طاف رسول الله ﷺ على راحلته القصواء يوم الفتح واستلم الركن بمحجنه وما وجد لها مناخا في المسجد حتى أخرجت إلى بطن الوادي فأنيخت، ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد، أيّها الناس! فإنّ الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية. يا أيّها الناس! إنما النّاس رجلان: بر تقي كريم على ربه وفاجر شقي هين على ربه". ثم تلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣] حتى قرأ الآية ثم قال: "أقول هذا واستغفر الله لي لكم". صحيح: رواه ابن حبان (٣٨٢٨) -واللّفظ له-، وابن خزيمة (٢٧٨١) كلاهما من حديث محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، ثنا عبد الله بن رجاء، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فذكره. واختصره ابن خزيمة بقوله: "طاف رسول الله ﷺ على راحلته القصوى يوم الفتح، ليستلم

стр. 3126

الركن بمحجنه". وإسناده صحيح. وأما قول الترمذيّ في "جامعه" في كتاب التفسير (٣٢٧٠) بعد أن رواه من طريق جعفر بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فذكر الحديث: "هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، إلّا من هذا الوجه، وعبد الله بن جعفر يضعّف، ضعّفه يحيي ابن معين وغيره، وعبد الله بن جعفر هو والد علي بن المديني". فهو حسب علمه وإلّا فقد روي أيضًا موسى بن عقبة عن عبد الله بن دينار كما رأيت. وأما ما رواه أبو يعلى (٥٧٦١) من وجه آخر عن روح بن عبادة، حدثنا موسي بن عبيدة، حدّثنا عبد الله بن عبيدة، عن ابن عمر، قال: "طاف رسول الله ﷺ على راحلته يوم فتح مكة يستلم الأركان بمحجن معه". ففيه موسي بن عبيدة ضعيف، وبه أعلّه الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢٤٣) وقال: "وقد وُثق فيما رواه عن غير عبد الله بن دينار. وهذا منها". ٤٤ - باب جواز الكلام المباح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الطواف • عن ابن عباس، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إِلَى إِنْسَانٍ بِسَيْرٍ أَوْ بِخَيْطٍ أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: "قُدْهُ بِيَدِهِ". صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٦٢٠)، عن إبراهيم بن موسي، حدّثنا هشام، أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني سليمان الأحول، أنّ طاوسًا أخبره، عن ابن عباس، فذكره كما مضى. ورواه في الأيمان والنذور (٦٧٠٣) بالإسناد نفسه، وقال فيه: "يقود إنسانًا بخزامة في أنفه". والخزامة: حلقة من شعر أو وبر، تجعل في الحاجز الذي بين منخري البعير، يشدّ فيها الزّمام ليسهل انقياده. قاله الحافظ في الفتح (١١/ ٥٨٩). وقال السيوطيّ: "يجعل في أحد جانبي منخري البعير". • عن عبد الله بن عباس، أنّ النبيّ ﷺ قال: "الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلاةِ إِلا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلا يَتَكَلَّمَنَّ إِلا بِخَيْرٍ". حسن: رواه الترمذيّ (٩٦٠) عن قتيبة، حدّثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عباس، فذكره. وصحّحه ابن خزيمة (٢٧٣٩)، ورواه من طريق جرير بإسناده، مثله. ومداره على عطاء بن السائب، وأعل الحديث من وجهين: أحدهما: أنه اختُلف في رفعه ووقفه، فرجح الموقوفَ النسائيُّ، والبيهقي، وابنُ الصلاح، والمنذري، والنووي، وزاد: إن رواية الرفع ضعيفة. وتعقبه الحافظُ ابن حجر في التلخيص (١/ ١٢٩) فقال: "وفي إطلاق ذلك نظر، فإن عطاء بن

стр. 3127

السائب صدوق، وإذا روي عنه الحديثُ مرفوعًا تارةً، وموقوفًا أخرى، فالحكم عند هؤلاء الجماعة للرفع، والنووي ممن يعتمد ذلك، ويُكثر منه، ولا يلتفت إلى تعليل الحديث به إذا كان الرافعُ ثقةً، فيجيء على طريقته أن المرفوع صحيح". الثاني: أن عطاء بن السائب اختلط في آخره، وجرير ممن روى عنه بعد الاختلاط. ولكن رواه الحاكم (١/ ٤٥٩) والبيهقي (٥/ ٨٧) من طريق سفيان الثوري عنه، والثوري ممن سمع منه قبل اختلاطه باتفاق، وإن كان قد اختلف علي سفيان، فرجح ابن حجر أنه عن سفيان موقوف. وممن رواه عن عطاء بن السائب فُضيل بن عياض، ومن طريقه رواه الطحاوي في مشكله (٥٥٧٤) وابن حبان (٣٨٣٦) والحاكم (٢/ ٢٦٧) وابن عدي (٥/ ٢٠٠١) والبيهقي (٥/ ٨٥) وابن الجارود (٤٦١) من وجهين، فُضيل بن عياض، وموسي بن أعين. وللحاكم إسناد آخر رواه من طريق الحميدي، ثنا سفيان بن عيينة، عن عطاء بن السائب فذكره مرفوعًا، ومن طريقه رواه البيهقي أيضًا. قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد أوقفه جماعة". قال ابن عدي: "لا أعلم روي هذا عن عطاء بن السائب غير هؤلاء الذين ذكرتهم: موسي بن أعين، وفُضيل، وجرير". كذا قال، وقد رواه أيضًا سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة كما مضى، إلا أنه قد اختلف عليهما في الرفع والوقف. وأما قول الترمذي: "وقد رُوي هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره عن طاوس، عن ابن عباس موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب" ففيه نظر. فإنه رُوي عن طاوس من وجوه: منها: روي عنه موقوفًا كما قال الترمذي، وممن رواه عنه موقوفًا: عبد الله بن طاوس، وإبراهيم ابن ميسرة، كما ذكره البيهقي. أخرج النسائي في الكبرى (٣٩٤٤) من رواية إبراهيم بن ميسرة. ومنها روي عنه مرفوعًا: رواه عبد الرزاق في مصنفه (٩٧٨٨) ورواه عنه وعن روح -الإمامُ أحمد (١٥٤٢٣) قالا: ثنا ابنُ جريج قال: أخبرني حسن بن مسلم، عن طاوس، عن رجل قد أدرك النبي ﷺ قال: "إنما الطوافُ صلاة، فإذا طفتم فأقلوا الكلام". ورواه النسائي في الكبرى (٣٩٤٥) والبيهقي (٥/ ٨٧) عن عبد الرزاق وحده، وقال البيهقي: "وكذلك قاله عثمان بن عمر، وحجاجُ بن محمد عن ابن جريج" أي هؤلاء رفعوا هذا الحديث. ولكن قال الإمام أحمد: "ولم يرفعه محمد بن بكر -وهو البرساني- ورفعه غيره كما رأيتَ". قال الحافظ ابن حجر: "وهذه الرواية صحيحة، وهي تعضد رواية عطاء بن السائب، وترجح

стр. 3128

الرواية المرفوعة، والظاهر أن المبهم فيها هو ابنُ عباس، وعلى تقدير: أن يكون غيره، فلا يضر إبهام الصحابة". ومنها: حنظلة عنه، قال: سمعت ابن عمر يقول: أقلوا الكلام في الطواف، فإنما أنتم في صلاة. ومنها: ما رواه عطاء بن السائب عنه، ولكنه اختلف عليه: فرواه جرير، وسفيانُ الثوري، وفضيل بن عياض كلهم عنه مرفوعًا، وإن كان الصحيح عن سفيان موقوفًا، كما سيأتي. وقول الترمذي: "لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب" فهو ليس كذلك، فقد رواه غير عطاء بن السائب عن طاوس مرفوعًا: منهم: ليثُ بن أبي سليم عن طاوس عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "الطوافُ بالبيت صلاة، ولكن الله أحل فيه المنطقَ، فمن نطقَ فلا ينطق إلا بخير" رواه البيهقي (٥/ ٨٧) من حديث موسي ابن أعين، عن ليث به. وليث بن أبي سليم صدوق اختلط أخيرًا، ولم يتميز حديثُه فترك كما في "التقريب"، وقال في التلخيص: "وليثٌ يستشهد به". ومنهم: مَن رواه من طريق أخرى مرفوعة أخرجها الحاكم في أوائل تفسير سورة البقرة من المستدرك (٢/ ٢٦٦، ٢٦٧) من طريق القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال الله لنبيه: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]. فالطواف مثل الصلاة، وقد قال رسول الله ﷺ : "الطوافُ بمنزلة الصلاة إلا أن الله قد أحل فيه المنطقَ، فمن نطقَ، فلا ينطق إلا بخير" وصحح إسناده. انتهى. قال الحافظ ابن حجر: وهو كما قال، فإنهم ثقات، وقال أيضًا في نهاية التخريج: "فأوضحُ الطرقِ وأسلمُها روايةُ القاسم بن أبي أيوب ... فإنها سالمة من الاضطراب إلا أني أظنُّ أن فيها إدراجًا"، ولم يبين هذا الإدراج. قلت: والخلاصة فيه أن هذه الطرق يعضد بعضُها بعضًا، فيصير الحديث حسنًا لغيره، فإن هذا هو السبيل للحديث الحسن بأنه رُوي من غير وجه، والله تعالى أعلم. ٤٥ - باب طواف النساء مع الرجال من غير اختلاط ما أمكن • عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَالِ. قَال: كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الرِّجَالِ؟ ! قُلْتُ: أَبَعْدَ الْحِجَابِ أَوْ قَبْلُ؟ قَال: إِي لَعَمْرِي لَقَدْ أَدْرَكْتُهُ بَعْدَ الْحِجَابِ. قُلْتُ: كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ، كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَطُوفُ حَجْرَةً مِن

стр. 3129

الرِّجَالِ لا تُخَالِطُهُمْ، فَقَالَت امْرَأَةٌ: انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَتْ: انْطَلِقِي عَنْكِ، وَأَبَتْ. يَخْرُجْنَ مُتَنَكِّرَاتٍ بِاللَّيْلِ فَيَطُفْنَ مَعَ الرِّجَالِ، وَلَكِنَّهُنَّ كُنَّ إِذَا دَخَلْنَ الْبَيْتَ قُمْنَ حَتَّى يَدْخُلْنَ وَأُخْرِجَ الرِّجَالُ، وَكُنْتُ آتِي عَائِشَةَ أَنَا وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهِيَ مُجَاوِرَةٌ فِي جَوْفِ ثَبِيرٍ. قُلْتُ: وَمَا حِجَابُهَا؟ قَالَ: هِيَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ لَهَا غِشَاءٌ وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذَلِكَ وَرَأَيْتُ عَلَيْهَا دِرْعًا مُوَرَّدًا". صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٦١٨) عن عمرو بن علي، حدّثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، به، فذكره. قلت: وهذا الحديث ظاهره الوقف؛ لأنّ عطاء لم يرفعه إلى النبيّ ﷺ لكنه يروي عن أزواج النبيّ فعلًا جرى عليه العمل في عهد النبيّ إلى زمانه، فمن هنا كان له حكم الرفع، والله أعلم. قوله: "ابن هشام" هو إبراهيم أو أخوه محمد بن هشام المخزوميّ، وكان ذلك في خلافة هشام ابن عبد الملك بن مروان. وقوله: "حَجْرَة" بفتح الحاء المهملة، وسكون الجيم بعدها راء أي ناحية. وفي رواية: "حَجْزة" بالزّاي بدل الراء يعني محجوزًا بينها وبين الرجال بثوب. ٤٦ - باب جواز طواف المرأة عند إقامة الصلاة لعذر • عن أمِّ سلمة زوج النبيّ ﷺ أنها قالت: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: "طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ". قَالَتْ: فَطُفْتُ رَاكِبَةً بَعِيرِي وَرَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَانِبِ الْبَيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُور. متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٢٣) عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، فذكرته. ورواه البخاريّ في الحج (١٦٢٦)، ومسلم في الحج (١٢٧٦) كلاهما من طريق مالك، به. ولم يذكر البخاريّ لفظه، ثم رواه من طريق أبي مروان يحيى بن أبي زكريا الغسّاني، عن هشام، عن عروة، عن أمّ سلمة، فذكرته بنحوه. وفيه: "إذَا أُقيمت صَلاةُ الصّبحِ فَطُوفِي عَلى بَعيرِكِ والنَّاسُ يصّلون". ٤٧ - باب أن الحائض تفعل كلَّ ما يفعله الحاجّ غير أنّها لا تطوف بالبيت • عن عائشة، قالت: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي".

стр. 3130

متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٥٠) عن عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. والحديث في موطأ الإمام مالك في الحج (٢٤٤) -برواية يحيى الليثي عنه- بالإسناد نفسه، مثله، إلّا أنه زاد فيه: "ولا بين الصّفا والمروة". قلت: وقد رواه غير مالك عن عبد الرحمن بن القاسم، بدون ذكر الزّيادة، فرواه البخاريّ أيضًا في الحيض (٢٩٤)، ومسلم في الحج (١٢١١: ١١٩) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، قال: سمعت عبد الرحمن بن القاسم، قال: سمعت القاسم يقول: سمعت عائشة تقول: "خَرَجْنَا لا نَرَي إِلا الْحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ وَأَنَا أَبْكِي: قَال: "مَا لَكِ أَنُفِسْتِ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَال: "إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ". قَالَتْ: "وَضَحَّي رَسُولُ الله ﷺ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ". ولفظهما سواء، وزاد مسلمٌ: "حتى تغتسلي". ورواه البخاريّ في الحيض (٣٠٥)، ومسلم في الحج (١٢١١: ١٢٠) كلاهما من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عبد الرحمن بن القاسم، به، وفيه: "فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري". وليس فيه ذكر السعي بين الصّفا والمروة. ولا يشترط الطهارة للسعي عند أكثر أهل العلم، إلّا أن المرأة في هذه الحالة تترك الطّواف والسعي حتى تطهر كما فعلت عائشة ﵂. • عن حفصة، قالت: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ، فَقَدِمَت امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ فَحَدَّثَتْ أَنَّ أُخْتَهَا كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ قَدْ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتِّ غَزَوَاتٍ، قَالَتْ: كُنَّا نُدَاوِي الْكَلْمَى وَنَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى، فَسَأَلَتْ أُخْتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: هَلْ عَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لا تَخْرُجَ؟ قَال: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَد الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ". فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂ سَأَلْنَهَا -أَوْ قَالَتْ سَأَلْنَاهَا- فَقَالَتْ -وَكَانَتْ لا تَذْكُرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَبَدًا إِلا قَالَتْ: بِأَبي-. فَقُلْنَا: أَسَمِعْتِ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ بِأَبِي، فَقَالَ: "لِتَخْرُج الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ -أَو الْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ- الحيَّضُ فَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ الْمُصَلَّى". فَقُلْتُ: أَالْحَائِضُ؟ فَقَالَتْ: أَوَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ، وَتَشْهَدُ كَذَا وَتَشْهَدُ كَذَا؟ ! .

стр. 3131

متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٥٢) من طريق أيوب، عن حفصة (هي بنت سيرين)، فذكرته. ورواه مسلم في صلاة العيدين (٨٩٠) من أوجه أخرى عن حفصة بنت سيرين، عن أمّ عطية، به، مختصرًا، وليس فيه قولها: "أو ليس تشهد عرفة، وتشهد كذا، وتشهد كذا؟ ". • عن جابر بن عبد الله قال: أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَج ... وَحَاضَتْ عَائِشَةُ ﵂ فَنَسَكَت الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَنْطَلقُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ؟ ! فَأَمَرَ عبد الرحمن بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ. صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٦٥١) عن محمد بن المثنى، حدّثنا عبد الوهاب -قال: وقال لي خليفة: حدّثنا عبد الوهاب-، حدّثنا حبيب المعلِّم، عن عطاء، عن جابر، فذكره. • عن جابر بن عبد الله، قال: أَقْبَلْنَا مُهِلِّينَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ ... ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَوَجَدَهَا تَبْكِي فَقَالَ: "مَا شَأْنُكِ؟ ". قَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحْلِلْ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الآنَ؟ فَقَالَ: "إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِليِ، ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ". فَفَعَلَتْ وَوَقَفَت الْمَوَاقِفَ حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. ثُمَّ قَال: "قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجَّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا". فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَجَجْتُ. قَال: "فَاذْهَبْ بَهَا يَا عبد الرحمن فَأَعْمِرْهَا مِن التَّنْعِيمِ". وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٣) من طريق الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره. قوله: "حتى طهرت طافتْ بالكعبة، والصّفا والمروة" فيه إشارة إلى أنّ عائشة ﵂ لم تسعى حتى طافت طواف الإفاضة، بل قد صرّحت هي بذلك كما في حديث مالك السابق، وهو قولها: "قدمت مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة". وفي تقديم السعي على الطواف خلاف بين أهل العلم، قال الحافظ: "حكى ابنُ المنذر عن عطاء قولين فيمن بدأ بالسعي قبل الطواف بالبيت، وبالإجزاء قال بعضُ أهل الحديث واحتجّ بحديث أسامة بن شريك: "أنّ رجلًا سأل النبيّ ﷺ فقال: سعيتُ قبل أن أطوف؟ قال: طُفْ ولا حرج". وقال الجمهور: لا يجزئه، وأوّلوا حديث أسامة على من سعي بعد طواف القدوم وقبل طواف الإفاضة". انتهى من "الفتح" (٣/ ٥٠٥).

стр. 3132

٤٨ - باب ما جاء أنّ الطواف توٌّ والسّعي توٌّ • عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "الاسْتِجْمَارُ تَوٌّ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ تَوٌّ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَوٌّ، وَالطَّوَافُ تَوٌّ، وَإِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ بِتَوّ". صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٠٠) عن سلمة بن شبيب، حدّثنا الحسن بن أعين، حدّثنا معقل (وهو ابن عبيد الله الجزريّ)، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره. قوله: "توٌّ" التَّوُّ: بفتح التاء المثناة فوق، وتشديد الواو، وهو الوتر. وأمّا ما رُوي عن سعد بن مالك، قال: طفنا مع رسول الله ﷺ ، فمنا من طاف سبعًا، ومنا من طاف ثمانيًا، ومنا من طاف أكثر من ذلك. فقال رسول الله ﷺ : "لا حرج" فهو ضعيف. رواه الإمام أحمد (١٦٠٣) عن سريج بن النعمان، حدّثنا أبو شهاب، عن الحجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن سعد بن مالك، فذكره. والحجاج هو ابن أرطاة مدلس، وقد عنعن. ومجاهد لم يسمع من سعد بن مالك فيه انقطاع مع الضّعف. ٤٩ - باب لكلِّ سبعة أشواط ركعتان • عن ابن عمر: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦١٦)، ومسلم في الحج (١٢٦١: ٢٣١) كلاهما من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره، واللفظ لمسلم. وقال البخاريّ أيضًا: قال إسماعيل بن أمية، قال: قلت للزهري: "إنّ عطاءٌ يقول: تجْزئه المكتوبة من ركعتي الطواف؟ فقال: السنة أفضل، لم يطف النبيّ ﷺ سُبوعًا قطّ إلّا صلّى ركعتين". هكذا رواه الإمام البخاريّ معلقًا ومرسلًا، قال الحافظ في "الفتح" (٣/ ٤٨٥): "وصله ابن أبي شيبة مختصرًا قال: حدّثنا يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية، عن الزهري، قال: مضت السنة أن مع كلّ أسبوع ركعتين" ووصله عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، بتمامه. ٥٠ - باب استحباب صلاة ركعتي الطواف خلف المقام، والقراءة فيهما بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ • عن ابن عمر، قال: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعً وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا وَقَدْ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

стр. 3133

[سورة الأحزاب: ٢١]. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٢٧) عن آدم، حدّثنا شعبة، حدّثنا عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر، فذكره. ورواه البخاريّ أيضًا في الحج (١٦٢٣، ١٦٤٤)، ومسلم في الحج (١٢٣٤: ١٨٩) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ ﵁ عن رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ فِي عُمْرَةٍ وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ أَيَأُتِي امْرَأَتَهُ فَقَال: (فذكره). وزاد البخاريّ: وَسَأَلْنَا جَابر بنَ عبد الله ﵄، فقال: "لا يَقْرَبنَّها حَتى يَطُوفَ بين الصَّفا والمرَّوَةِ". • عن جابر بن عبد الله قال: ثُمَّ نَفَذَ (يعني رسول الله ﷺ ) إِلَى مَقَام إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ - فَكَانَ أَبِي يَقُولُ: وَلا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلا عَن النَّبِيِّ ﷺ : كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَه. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدنيّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكره بطوله في صفة حجّة النبيّ ﷺ . هكذا رواه حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بالشّك في قراءة النبيّ ﷺ بالسورتين في الركعتين. واختلف على جعفر بن محمد، فرواه سليمان بن بلال عنه بالجزم بالرفع. وكذلك رواه مالك بالجزم في رواية الوليد بن مسلم عنه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكره. أخرجه النسائيّ (٢٩٦٣) -بإسناد صحيح كما قال الإشبيلي في "الجمع بين الصحيحين" (٢/ ٢٤٦) -، وعنه ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٤١٣) عن عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، عن الوليد، عن مالك، بإسناده. وكذلك رواه عن مالك القعنبي بالجزم. كما أخرجه البيهقيّ (٥/ ٩١). وكذلك رواه بالجزم حفص بن غياث، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر. رواه ابن أبي شيبة (٤/ ١١٠) وعنه ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٤١٦). وكذلك رواه بالجزم عبد العزيز بن عمران، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: "أنّ رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الطواف بسورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ ".

стр. 3134

رواه الترمذيّ (٨٦٩) عن أبي مصعب المدني -قراءة عن عبد العزيز بن عمران- فذكره. وقال: وحدثنا هناد، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أنه كان يستحب أن يقرأ في ركعتي الطواف بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾. قال الترمذيّ: "وهذا أصح من حديث عبد العزيز بن عمران، وحديث جعفر بن محمد، عن أبيه في هذا أصح من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، عن النبيّ ﷺ ، وعبد العزيز بن عمران ضعيف في الحديث" انتهى. ورواه الإمام أحمد (١٤٤٤٠) عن يحيى بن سعيد القطان عنه، وفيه: قال أبو عبد الله -يعني جعفرًا-: "فقرأ فيها بالتوحيد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ ". فقوله: "فقرأ فيها" يحتمل أن يكون الفاعل هو النبيّ ﷺ ، وهذا هو الظاهر لأنه عطف عليه قوله: "ثم استلم الحجر، وخرج إلى الصّفا، ثم قرأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، ثم قال: "نبدأ بما بدأ الله به" ... " الحديث؛ لأنّ هذا الفعل كله كان من النبيّ ﷺ ، ولا يعقل أن يجعل جزءًا منه من فعل والده جعفر -وهو محمد بن علي بن حسين الباقر-، والباقي من النبيّ ﷺ . ولكن رواه أبو داود (١٩٠٩) من حديث يحيي بن سعيد القطان، وقال: "وأدرج في الحديث عند قوله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، قال: فقرأ فيها بالتوحيد، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ ". وقال فيه: قال علي ﵁ بالكوفة. قال أبي: هذا الحرف لم يذكره جابر: فذهبت محرّشًا، وذكر قصة فاطمة ﵂" انتهى. فذهب أبو داود إلى التأكيد بأنّ يحيى بن سعيد القطّان قد أدرج في الحديث. وكذلك قال الخطيب في "المدرج" (٢/ ٦٧١) بأن يحيى بن سعيد كان يدرج في روايته أحرفًا ويجعلها مرفوعةً، وذكر قراءة هاتين السورتين خاصة في هذا الحديث وقال: "إنّما هو حكاية جعفر ابن محمد، عن أبيه كما بينه أبو إدريس، عن جعفر. وكذلك رواه وهيب، عن ابن جريج، عن جعفر، عن أبيه وقالا: لم يذكر ذلك في حديث جابر". ثم ساق الخطيب رواية أبي أويس بن عبد الله، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، وجاء فيه: قال جعفر: "وكان يقرأ فيهما بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ ". قلت: لا تختلف رواية أبي أويس عن رواية يحيى بن سعيد القطان في عدم تحديد الفاعل، والسياق واحد. ورواية وهيب بن خالد، أخرجها أبو داود الطيالسي في "مسنده" (١٧٧٣)، والخطيب في "المدرج" (٢/ ٦٧٢) عنه، عن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جابر. وجاء فيه: "وصلى ركعتين. قال أبي: وكان يستحبّ أن يقرأ فيها بالتوحيد ﴿قُلْ

стр. 3135

هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، ولم يذكر ذلك عن جابر، ثم رجع إلى حديث جابر فذكره". فقول جعفر: "يستحب أن يقرأ فيهما ... " فيه إشارة إلى رفعه؛ ولذا استحبّه؛ لأنّ الاستحباب حكم شرعيّ لا يثبت إلّا بنصّ شرعيّ كما هو مقرّر في علم الأصول. وأمّا رواية ابن جريج عن جعفر بن محمد فهي موافقة لرواية وهيب كما قال الخطيب، وساقه بإسناده وفيه: "قال أبي: ويُقرأ فيهما بالتوحيد ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ ". وذكر بقية الحديث. فقوله: "ويُقرأ فيهما بالتوحيد" بصيغة البناء للمفعول، فيه إشارة إلى استحباب قراءة هاتين السورتين. والخلاصة: أن قراءة هاتين السورتين رُويت مرفوعة بالجزم، ورويت بالشّك، ورُويت بالإبهام من غير تحديد الفاعل، والعلم باليقين مقدّم على الشّك، أو كما يقال: اليقين لا يزول بالشّك. ولعلّ مسلمًا رحمه الله تعالى مما يذهب إليه أيضًا حيث أخرجه في "صحيحه" من حديث جابر الطويل من رواية حاتم بن إسماعيل كما سمع، ولولا يري ثبوت ذلك لحذف هذا الجزء من الحديث كما هي عادته، عرف ذلك بالاستقراء. والله تعالى أعلم. وقد رُوي بإسناد فيه إعضال عن يعقوب بن زيد، قال: "إنّ رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الطواف" ورواه ابن أبي عمر، حدّثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن يعقوب بن زيد، فذكره. رواه ابن أبي شيبة (٤/ ١١٠). وأورده الحافظ في "المطالب العالية" (١٢٢٧) وقال: "هذا مرسل، وموسي ضعيف". والله تعالى أعلم. ٥١ - باب الطّواف بعد الصبح والعصر، وأداء ركعتي الطواف • عن جبير بن مطعم، قال: قال رسول الله ﷺ : "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لا تَمْنَعُوا أَحَدًا يَطُوفُ بِهَذَا الْبَيْتِ وَيُصَلِّي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ". حسن: رواه أبو داود (١٨٩٤)، والترمذيّ (٨٦٨)، والنسائي (٢٩٢٤)، وابن ماجه (١٢٥٤) كلّهم من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن باباه، عن جبير بن مطعم، فذكر الحديث. وصحّحه ابن خزيمة (١٢٨٠)، وابن حبان (١٥٥٢)، والحاكم (١/ ٤٤٨) وقال: "صحيح على شرط مسلم". وقد روي أيضًا من أوجه أخرى تقوّيه. قال الترمذيّ: "وقد رواه عبد الله بن أبي نجيح، عن عبد الله بن باباه أيضًا" وقال: "حديث جبير ابن مطعم حديث حسن صحيح". قلت: وحديث عبد الله بن أبي نجيح رواه الإمام أحمد (١٦٧٥٣) عن يعقوب، حدّثنا أبي، عن

стр. 3136

ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن عبد الله بن باباه مولى آل حُجير بن أبي إهاب، قال: سمعت جبير بن مطعم يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا بني عبد مناف! لأعزِمَنَّ ما منعتُم طائفًا يطوف بهذا البيت ساعةً من ليلٍ أو نهار". وبهذا الحديث قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق. وكان عبد الله بن الزبير يطوف بعد الفجر ويصلي ركعتين. رواه البخاري في صحيحه (١٦٣٠). ٥٢ - باب من طاف بعد الصّبح ولم يصل ركعتي الطّواف حتى طلعت الشّمس، وأداؤهما في خارج الحرم • عن أمِّ سلمة زوج النبيّ ﷺ أنها قالت: شَكَوتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِّي أشْتَكِي، فقال: "طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاس وأنت راكبةٌ". وفي رواية: "إذا أقمت صلاةُ الصُّبح فطوفي على بعيرك والنّاسُ يصلّون". ففعلتْ ذلك، فلم تصلِّ حتى خرجتْ. متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٢٣) عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، فذكرته. ورواه البخاريّ في الحج (١٦٣٣)، ومسلم في الحج (١٢٧٦) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. والرواية الثانية: رواها البخاريّ في الحج (١٦٢٦) من وجه آخر عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أمّ سلمة. وقد قال النسائيّ: "عروة لم يسمعه من أمّ سلمة"، وقال الدّارقطني: "منقطع". ولكن قال الحافظ: "سماع عروة من أمّ سلمة ممكن فإنّه أدرك من حياتها نيفًا وثلاثين سنة، وهو معها في بلد واحد". وروى مالك في الحجّ (١١٧) عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أنّ عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ أخبره: أنّه طاف بالبيت مع عمر بن الخطاب بعد صلاة الصبح، فلمّا قضى عمر طوافه نظر فلم يرَ الشّمس طلعتْ، فركبَ حتى أناخ بذي طُوى، فصلّي ركعتين. وعلقه البخاريّ في "صحيحه" (٣/ ٤٨٨ - مع الفتح) عن عمر مختصرًا. وإليه ذهب أبو حنيفة، ومالك، وسفيان الثوريّ فإنّهم قالوا: من طاف بعد الصبح لا يصلي ركعتي الطّواف حتى تطلع الشمس، وكذلك من طاف بعد العصر لا يصلي ركعتي الطواف حتي تغرب الشمس ليخرج وقت الكراهة. وأمّا ما رُوي عن أبي الزبير، قال: سألت جابرًا عن الطواف بالكعبة؟ فقال: كنا نطوف فنمسح الرّكن الفاتحة والخاتمة، ولم نكن نطوف بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب. وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تطلع الشمس في قرني الشّيطان" فهو ضعيف.

стр. 3137

رواه الإمام أحمد (١٥٢٣٢) عن حسن، حدّثنا ابن لهيعة، حدّثنا أبو الزبير، فذكره. وابن لهيعة فيه كلام معروف. وقوله: "لم نكن نطوف بعد صلاة الصبح ... " فيه نكارة واضحة، فإنّ المنع ليس من الطواف بعد الصبح وبعد العصر، وإنما النهي عن الصلاة بعدهما. ولذا من كره الصلاة بعدهما أخرها بعد طلوع الشمس أو بعد غروبها. كما قال به أبو حنيفة ومالك وغيرهما. وفي الموطأ في الحج (١١٩) عن مالك، عن أبي الزبير المكي أنه قال: "لقد رأيت البيت يخلو بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، ما يطوف به أحد". قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (١٢/ ١٧٦): "هذا خبر منكر، يدفعه كلّ من رأي الطّواف بعد الصبح والعصر، ولا يرى الصلاة حتى تغرب الشمس". ٥٣ - باب استحباب الرجوع إلى الحجر الأسود لاستلامه بعد ركعتي الطواف • عن جابر بن عبد الله، قال: فَجَعَلَ (يعني النبيّ ﷺ ) الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ وَلا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلا عَن النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرَّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ. صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدنيّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكر الحديث بطوله. ٥٤ - باب وجوب السَّعي بين الصَّفا والمروة في الحجّ والعمرة • عن عروة، قال: قلتُ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنينَ -وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ-: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللهِ ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، ، فَمَا عَلَى الرَّجُلِ شَيْءٌ أَنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِمَا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَلا! لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ، لَكَانَتْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِمَا؛ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الأَنْصَارِ كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٢٩) عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال (فذكره). ورواه البخاريّ في الحج (١٧٩٠) من طريق مالك، به، مثله. وقال: زاد سفيان وأبو معاوية عن هشام: "مَا أَتَمَّ الله حَجَّ امْرِئٍ وَلا عُمْرتَهُ لَمْ يَطُفْ بين الصّفا

стр. 3138

والمرْوَة". ولم يروه مسلم من طريق مالك، ولكن رواه من طريق أبي معاوية (١٢٧٧: ٢٥٩)، وأبي أسامة (٢٦٠) كلاهما عن هشام، به، وزاد الزيادة المذكورة. ورواه البخاريّ (٤٨٦١) من حديث سفيان، حدّثنا الزهريّ، قال: سمعت عروة: قلت لعائشة ﵂، فقالت: إِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ بِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ لا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فَطَافَ رَسُولُ الله ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ. هكذا مختصرًا. ورواه مسلم (١٢٧٧/ ٢٦٢) من وجه آخر عن عقيل، عن ابن شهاب، أنه قال: أخبرني عروة ابن الزبير، فذكر الحديث وقال عائشة: قد سنَّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطّواف بهما. ورواه ابن خزيمة (٢٧٦٩) من حديث عبد الرحيم -يعني ابن سليمان-، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، فذكرت الحديث، وقالت: فلعمري! ما أتَمَّ الله حجَّ من لم يطف بين الصفا والمروة؛ لأنّ الله يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فهما شعائر الله. • عن عاصم، قال: قلت لأنس بن مالك ﵁: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ قَال: نَعَمْ لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى أَنْزَلَ الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٦٤٨)، ومسلم في الحجّ (١٢٧٨) كلاهما من طريق عاصم (هو ابن سليمان الأحول)، به، واللفظ للبخاري. قوله تعالى: يدلّ على أنّ السّعي بينهما أمر حتم لا بدّ منه؛ لأنّ شعائر الله عظيمة لا يجوز التهاون بها، وقد أشار البخاريّ في "صحيحه" إلى ذلك فقال: "باب وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر الله". قال الحافظ نقلًا من ابن المنيّر: "وجوب السعي مستفاد من كونهما جعلا من شعائر الله". • عن علي بن أبي طالب: أنه رأى رسول الله ﷺ يسعى بين الصّفا والمروة في المسعى كاشفًا عن ثوبه، قد بلغ إلى ركبتيه. حسن: رواه عبد الله بن أحمد من زياداته على المسند (٥٩٧) عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن أبي زياد القطوانيّ، حدّثنا زيد بن الحباب، أخبرني حرب أبو سفيان المنقريّ، حدّثنا محمد بن علي أبو جعفر، حدّثني عمّي، عن أبي، أنه رأى رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث. ورواه أبو بكر البزار -"كشف الأستار" (١١١٧) - من طريق زيد بن الحباب، ثنا حرب بن

стр. 3139

سريج، عن محمد بن علي بن الحسين، عن ابن الحنفية، عن علي، قال (فذكره). وفي هذا الإسناد التصريح بأن العم هو ابن الحنفية، والأب هو علي بن أبي طالب. وإسناده حسن من أجل الكلام في حرب أبي سفيان، وهو ابن سريج بن المنذر المنقري غير أنه حسن الحديث إذا لم يأت في حديثه ما ينكر عليه؛ لأنه كان يخطئ كثيرًا كما قال ابن حبان. وقال البخاريّ: "فيه نظر". ولكن وثقه ابن معين. وقال الإمام أحمد: "لا بأس به". وقال أبو الوليد الطيالسيّ: "كان جارنا لم يكن به بأس ولم أسمع منه". ومعنى حديثه قريب من حديث حبيبة بنت أبي تجراة. • عن حبيبة بنت أبي تَجراة، قالت: دَخَلْنَا دَارَ أَبِي حُسَيْنٍ فِي نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَتْ: وَهُوَ يَسْعَى يَدُورُ بِهِ إِزَارُهُ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ، وَهُوَ يَقُولُ لأَصْحَابِهِ: "اسْعَوْا فَإِنَّ الله كَتَبَ عَلَيْكُم السَّعْيَ". حسن: وله طرق منها: ما رواه الإمام أحمد (٢٧٣٦٧) - واللفظ له، والطبراني ٢٤/ (٢٢٧)، والدارقطني (٢٥٨٤)، والحاكم (٤/ ٧٠)، والبيهقي (٥/ ٩٨) كلّهم من طريق عبد الله بن المؤمل، عن عمر بن عبد الرحمن، حدّثنا عطاء، عن صفية بنت شيبة، عن حبية بنت أبي تجراة، فذكرته. وسكت عليه الحاكم، وقال الذهبي: "لم يصح". قلت: عبد الله بن مؤمل هو ابن هبة المخزوميّ "ضعيف"، وبه أعلّه ابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٤٥٦)، وأسند تضعيفه عن أحمد والنسائي وابن معين. وقال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢٤٧): "فيه عبد الله بن المؤمّل وثقه ابن حبان، وقال: "يخطئ" وضعّفه غيره". ومنها ما رواه الدارقطنيّ (٢٥٨٢)، والبيهقي (٥/ ٩٧) كلاهما من حديث ابن المبارك، قال: أخبرني معروف بن مُشكان، أخبرني منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية، قالت: أخبرتني نسوة من بني عبد الدّار اللائي أدركن رسول الله ﷺ . قلن: "دخلنا دار ابن أبي حسين، فاطلعنا من باب مقطع فرأينا رسول الله ﷺ يشتد في المسْعى حتى إذا بلغ بني فلان موضعًا قد سماها من المسعي- استقبل الناس فقال: "يا أيها الناس! ، اسعوا، فإنّ السّعي قد كُتب عليكم". وهذا إسناد حسن، ومعروف بن مُشكان -بضم أوله وسكون المعجمة- المكيّ حسن الحديث. وقال الحافظ ابن عبد الهادي في "التنقيح" (٣/ ٥١٣): "إسناد هذا الحديث صحيح، وإن كان غير مخرّج في السّنن، ومعروف بن مشكان صدوق، لا نعلم أحدًا تكلّم فيه ومنصور بن عبد الرحمن هذا ثقة، مخرج له في الصّحيحين، ولم يتكلّم فيه أبو حاتم، بل قال فيه: صالح الحديث". انتهى. ومنها ما رواه الإمام أحمد (٢٧٤٦٣) وصحّحه ابن خزيمة (٢٧٦٥) كلاهما من حديث عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن واصل مولى أبي عيينة، عن موسى بن عبيد، عن صفية بنت شيبة،

стр. 3140

أنّ امرأة أخبرتها أنها سمعت النبيّ ﷺ بين الصفا والمروة يقول: "اكتب عليكم السعيّ فاسعوا". وإسناده لا بأس به؛ فإنّ موسي بن عبيد روى عنه اثنان، ووثقه ابن حبان، وهو من رجال "التعجيل" إلّا أنّ فيه موسى بن عبيدة - بزيادة هاء كما في بعض نسخ المسند، والدارقطني (٥٨٧). وقد نبّه الحافظ في "التعجيل" بأنه "عبيد" بدون هاء. ولم ينبه إليه الحافظ الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢٤٧) فظنّ أنه الرّبذيّ فضعّفه من أجله. قال ابن خزيمة: "هذه المرأة التي لم تسم في هذا الخبر هي: حبيبة بنت أبي تجراة". ومنها: ما رواه ابن خزيمة (٢٧٦٤) عن محمد بن عمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي، ثنا الخليل بن عثمان، قال: سمعت عبد الله بن بنيه، عن جدته صفية بنت شيبة، عن جدتها بنت أبي تجراة، قالت: كان لنا خلفة في الجاهلية، قالت: اطلعت من كوة بين الصفا والمروة، فأشرفت على النبيّ ﷺ وإذا هو يسعى، وإذا هو يقول لأصحابه: "اسعوا فإنّ الله كتب عليكم السّعي" فلقد رأيته من شدّة السّعي يدور الإزار حول بطنه حتى رأيت بياض بطنه وفخذيه". وفي الإسناد من لم توجد له ترجمة. وبجموع هذه الطرق يكون الحديث حسنًا إن شاء الله تعالي. وأمّا قول الحافظ في "الفتح" (٣/ ٤٩٨): "وله طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة مختصرًا، وعند الطبراني عن ابن عباس كالأولي وإذا انضمّت إلى الأولى قويتْ" ففيه نظر؛ فإنّ الحديث من طرقه الكثيرة يشدّ بعضه بعضًا، وحديث ابن عباس لا يفيد شيئًا فإن في إسناده المفضل بن صدقة متروك كما قال الهيثمي (٣/ ١٤٨)، وهو لا يصح أن يكون شاهدًا، ولذا لم أخرجه. انظر للمزيد "المنة الكبرى" (٤/ ١٩٦ - ١٩٧). وفي هذه الأحاديث دلالة واضحة على أنّ السّعي فرض، وهو قول الكافة، وأنه لا يتحلّل ما لم يأت به. عن عمرو بن دينار، قال: سألنا ابن عمر عن رجل طاف باليت سبعًا في عمرة، ولم يطف بين الصفا والمروة، أيأتي امرأته؟ قال: قدم رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصّفا والمروة سبعًا ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ .. وسألنا جابر بن عبد الله فقال: لا يقربنّها حتى يطوف بين الصفا والمروة. أخرجهما البخاري (١٧٩٣، ١٧٩٤). وهذا مذهب عائشة، وابن عمر، وجابر بن عبد الله. وهو قول مالك، والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. وذهب جماعة منهم: أبو حنيفة، وسفيان الثوري، وفي رواية عن أحمد بأنه واجب وليس بفرض، وعلى من تركهـ دم.

стр. 3141

وذهب ابن عباس، وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد إلى أنّ من طاف فقد حلَّ مستدلين بالآية، وقالوا: رفع الحرج يدل على الإباحة. ٥٥ - باب كيف السّعي • عن سعيد بن جبير، قال: رأيت ابن عمر يمشي بين الصّفا والمروة، ثم قال: إنْ مشيتُ فقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي، وإن سعيتُ فقد رأيت رسول الله ﷺ يسعي. صحيح: رواه النّسائيّ (٢٩٧٧)، والإمام أحمد (٦٣٩٣) كلاهما من حديث عبد الرزاق -وصحّحه ابن خزيمة (٢٧٧٢) ورواه من طريق الضّحّاك- كلاهما عن سفيان الثوريّ، عن عبد الكريم الجزريّ، عن سعيد بن جبير، فذكره. وإسناده صحيح. ورواه أبو داود (١٩٠٤) من طريق زهير، والترمذي (٨٦٤) من حديث ابن فضيل، والنسائي (٢٩٧٦)، وابن خزيمة (٢٧٧١)، والإمام أحمد (٥١٤٣) كلّهم من حديث سفيان، وابن ماجه (٢٩٨٨) من حديث الجراح بن مليح والد وكيع -كلّهم أعني: زهيرا، وابن فضيل، وسفيان، والجراح- عن عطاء بن السائب، عن كثير بن جمهان، أنّ رجلًا قال لعبد الله بن عمر بين الصّفا والمروة: يا أبا عبد الرحمن! ، إنّي أراك تمشي والناس يسعون؟ . قال: "إن أمشي فقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي، وإن أسعى فقد رأيت رسول الله ﷺ يسعى، وأنا شيخ كبير". وعطاء بن السائب مختلط، ولكن روي سفيان عنه قبل الاختلاط، ثم متابعة غيره يدل على أنه لم يختلط في هذا الحديث. ولكن فيه كثير بن جمهان، قال فيه أبو حاتم: "شيخ يكتب حديثه". وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحافظ في "التقريب": "مقبول". قلت: وهو كذلك لأنه توبع كما أشار إليه الترمذي، فقال عقب الحديث: "هذا حديث حسن صحيح، وروي عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، نحوه" وهو كما سبق. ٥٦ - باب السّعي في بطن المسيل بشدّة • عن ابن عمر: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ خَبَّ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَي بِبَطْنِ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. متفق عليه: رواه البخاري في الحج (١٦١٧)، ومسلم في الحج (١٢٦١/ ٢٣٠) كلاهما من حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. وقوله: "بطن المسيل" وهو المكان الذي يجتمع فيه ماء السيل، وهو الآن يعرف بين العَلَمين الأخضرين.

стр. 3142

• عن ابن عباس، قال: إِنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٦٤٩)، ومسلم في الحج (١٢٦٥: ٢٤١) كلاهما من حديث سفيان، عن عمرو (هو ابن دينار)، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره. قال الترمذيّ عقب حديث ابن عباس: "وهو الذي يستحبه أهل العلم أن يسعى بين الصّفا والمروة، فإن لم يسع، ومشي بين الصفا والمروة رأوه جائزًا". • عن جابر بن عبد الله: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا نَزَلَ مِن الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَشَي حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ. صحيح: رواه مالك في الحج (١٣١) عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكره. ورواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طرق عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال: " ... ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبَّتْ قدماه في بطن الوادي سعي، حتّى إذا صعدتا مشي، حتى أتى المروة" الحديث في صفة حجة النبيّ ﷺ . • عن صفية بنت شيبة، عن امرأة قالت: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَسْعَى فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ، وَيَقُولُ: "لا يُقْطَعُ الْوَادِي إِلا شَدًّا". صحيح: رواه النسائيّ (٢٩٨٠)، والإمام أحمد (٢٧٢٨١)، والبيهقيّ (٥/ ٩٨) كلّهم من حديث حماد بن زيد، عن بُديل بن ميسرة، عن المغيرة بن حكيم، عن صفية بنت شيبة، عن امرأة، فذكرته. واللفظ للنسائيّ، وفي البيهقيّ: "الوادي أو الأبطح" هكذا بالشّك. ولفظ أحمد: عن امرأة أنّها رأت النبيَّ ﷺ من خوخةٍ وهو يسعى في بطن المسيل وهو يقول: "لا يقطع الوادي إلّا شدًّا" وأظنه قال: وقد انكشف الثوب عن ركبتيه. ثم قال حماد بعد: "لا يقطع -أو قال: الأبطح- إلّا شدًّا". وسمعته يقول: "لا يُقطع الأبطح إلّا شدًّا" انتهى. وإسناده صحيح، وصوّبه الدّارقطني في "العلل" (١٥/ ٤٢٣). وأمّا ما رواه ابن ماجه (٢٩٨٧)، والإمام أحمد (٢٧٢٨٠) وغيرهما من حديث هشام الدّستوائيّ، عن بديل بن ميسرة، عن صفية بنت شيبة، عن أمّ ولد شيبة، أنّها أبصرت النبيّ ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة ويقول: "لا يقطع الأبطح إلّا شدًّا". وذلك بإسقاط المغيرة بن حكيم بين بديل بن ميسرة، وصفية بنت شيبة، فلا يضر ما صحَّ. ويجوز أن يكون بديل نفسه روي من وجهين فإنّ المزي لم ينفِ رواية بديل عن صفية بنت شيبة. وللحديث أسانيد أخرى ذكر هنا ما صحَّ.

стр. 3143

والصّحابيّة غير المسماة هي حبيبة بنت أبي تجراة، ويجوز أن تكون غيرها، وصفية بنت شيبة سمعتْ منهما جميعًا. ٥٧ - باب أنّ السعي سبعةُ أشواط يبدأ بالصّفا وينتهي بالمروة • عن جابر بن عبد الله، قال: ثُمَّ خَرَجَ مِن الْبَابِ إِلَى الصَّفَا فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ الله بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ ... حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَة ... الحديث. صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدنيّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكره في الحديث الطّويل. وأخرجه مالك في الحج (١٢٦) عن جعفر بن محمد بن علي، به، مختصرًا. ٥٨ - باب بقي النبيّ ﷺ في منزله بعد الطواف والسّعي ولم يرجع إلى الكعبة إلا لطواف الإفاضة • عن عبد الله بن عباس، قال: قدم النبيُّ ﷺ مكة، فطاف وسعي بين الصّفا والمروة، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة. صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٦٢٥) عن محمد بن أبي بكر، حدّثنا فضيل، حدّثنا موسي ابن عقبة، أخبرني كريب، عن عبد الله بن عباس، فذكره. ٥٩ - باب ما شرع رمي الجمار والسعي إلّا لإقامة ذكر الله • عن عائشة، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّما جُعل رمي الجمار والسّعي بين الصّفا والمروة لإقامة ذكر الله". حسن: رواه أبو داود (١٨٨٨)، والترمذي (٩٠٢) كلاهما من حديث عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي زياد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، فذكرته. قال الترمذيّ: "حديث حسن صحيح". قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في عبيد الله بن أبي زياد اختلف فيه قول ابن معين، فمرة قال: ضعيف، وأخرى: ليس به بأس، وكذلك النسائي، فقال مرة: ليس بالقوي، وقال أخرى: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، ولا المتين، هو صالح الحديث يكتب حديثه، ومحمد بن عمرو أحبّ إليَّ منه، يحوّل من كتاب الضعفاء (يعني كتاب الضعفاء للبخاريّ). والخلاصة فيه كما قال ابن عدي: "قد حدّث عنه الثقات، ولم أر في حديثه شيئًا منكرًا".

стр. 3144

فمثله يحسّن حديثه إذا لم يخالف، ولم يرو ما ينكر عليه. ٦٠ - باب ما جاء في بيان سبب السعي بين الصّفا والمروة • عن عبد الله بن عباس، قال: " ... وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى -أَوْ قَالَ يَتَلَبَّطُ-. فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ فَوَجَدَت الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَت الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَهَبَطَتْ مِن الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَت الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَت الْوَادِيَ ثُمَّ أَتَت الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ". قَالَ ابْنُ عَبَّاس: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا". صحيح: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٣٦٤) عن عبد الله بن محمد (هو الجعفيّ المسنديّ)، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب السّختيانيّ، وكثير بن كثير بن المطّلب بن أبي وداعة -يزيد أحدهما على الآخر-، عن سعيد بن جبير، قال ابن عباس، فذكر الحديث بطوله. ٦١ - باب في جواز السّعي بين الصّفا والمروة راكبًا، وماشيًا • عن جَابِر بْن عبد الله قال: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِيَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشْرِفَ وَلِيَسْأَلُوهُ فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٧٣: ٢٥٥) من طرق عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، فذكره. • عن جابر أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا نَزَلَ مِن الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَشَى حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ. صحيح: رواه مالك في الحج (١٣١) عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكره. وأصله في صحيح مسلم في صفة حجة النبيّ ﷺ . وفي رواية للنسائي (٢٩٧٤): "ثم نزل ماشيًا حتى تصوَّبتْ قدماه في بطن المسيل". • عن أبي الطفيل، قال: قلت لابن عباس: أَخْبِرْنِي عَن الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا أَسُنَّةٌ هُوَ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ؟ قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا! . قَال: قُلْتُ: وَمَا قَوْلُكَ صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ يَقُولُونَ:

стр. 3145

هَذَا مُحَمَّدٌ هَذَا مُحَمَّدٌ حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِن الْبُيُوتِ، قَال: وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ لا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ وَالْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٦٤) عن أبي كامل فضيل بن حسين الجحدريّ، حدّثنا عبد الواحد بن زياد، حدّثنا الجريريّ، عن أبي الطفيل فذكره. قوله: "صدقوا وكذبوا" قال النوويّ: يعني صدقوا في أنه طاف راكبًا، وكذبوا في أنّ الركوب أفضل، بل المشي أفضل. • عن أبي الطفيل، قال: قُلْتُ لابنِ عَبَّاس: أُرَانِي قَدْ رَأَيْتُ رسول اللهِ ﷺ . قَال: فَصِفْهُ. لِي. قَال: قُلْتُ: رَأَيْتُهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ عَلَى نَاقَةٍ وَقَدْ كَثُرَ النَّاسُ عَلَيْهِ. قَال: فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: ذَاكَ رَسُولُ الله ﷺ إِنَّهُمْ كَانُوا لا يُدَعُّونَ عَنْهُ وَلا يُكْهَرُونَ. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٦٥) عن محمد بن رافع، حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا زهير ابن عبد الملك بن سعيد بن الأبجر، عن أبي الطفيل، فذكره. ويستفاد من أحاديث الباب أن النبي ﷺ جمع بين المشي والرّكوب في سعيه في حجّة الوداع؛ وذلك أنّه مشى أولًا فلما كثر عليه الناس ركب، كما في روايات مسلم. ٦٢ - باب استحباب الصّعود على الصّفا والمروة واستقبال الكعبة والتكبير والتهليل والدّعاء عليهما مع رفع اليدين • عن أبي هريرة، قال: وَأَقْبَلَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، قَال: فَأَتَي عَلَى صَنَم إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ. قَال: وَفِي يَدِ رَسُولِ الله ﷺ قَوْسٌ وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْسِ فَلَمَّا أَتَى عَلَى الصَّنَمِ جَعَلَ يَطْعُنُهُ فِي عَيْنِهِ وَيَقُولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا فَعَلا عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَحْمَدُ الله وَيَدْعوُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ ... الحديث. صحيح: رواه مسلم في فتح مكة (١٧٨٠) عن شيبان بن فروخ، حدّثنا سليمان بن المغيرة، حدّثنا ثابت البنانيّ، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة في حديث طويل في قصّة فتح مكة، وسيأتي بكامله في موضعه. • عن جابر بن عبد الله، قال: فَلَمَّا دَنَا مِن الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ الله بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَي الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ الله وَكَبَّرَهُ، وَقَال: "لا إِلَهَ إِلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلَّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لا إِلَهَ إِلا الله وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ

стр. 3146

وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ". ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَي، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدنيّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكر الحديث بطوله في حجّة النبيّ ﷺ . ورواه مالك في الحج (١٢٧) عن جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، مختصرًا: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى الصَّفَا يُكَبِّرُ ثَلاثًا، وَيَقُولُ: "لا إِلَهَ إِلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" يَصْنْعُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَيَدْعُو وَيَصْنَعُ عَلَى الْمَرْوَةِ مِثْلَ ذَلِك. ٦٣ - باب أنّ المتمتِّع يتحلّل من عمرته بتقصير شعره وعليه هدي التمتع • عن ابن عمر، قال: تَمَتَّعَ رَسُولُ الله ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ وَأَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَبَدَأَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجَّ فَتَمَتَّعَ النّاسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَكَانَ مِن النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ لِشَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ، ثم ليُهلَّ بالحج، فمن لم يجدْ هديا فليصمْ ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله". متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٩١) -واللفظ له -، ومسلم في الحج (١٢٢٧) كلاهما من طريق الليث بن سعد، حدثني عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أنّ عبد الله ابن عمر، فذكره بتمامه. قوله: "وليقصِّر" أي من شعره، وإنّما أُمروا بالتقصير لقربهم من الإهلال بالحجّ وليتمكّنوا من الحلق في الحجّ وهو الأفضل من التقصير. • عن جابر بن عبد الله، أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ وَقَدْ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ لَهُم: "أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ الْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَلالا حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالْحَجَّ وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً"، فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ فقال: "افعلوا ما أمرتكم، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحل مني حرام

стр. 3147

حتى يبلغ الهدي محله" ففعلوا. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٥٦٨) ومسلم في الحج (١٢١٦/ ١٤٣) كلاهما من حديث أبي نعيم (هو الفضل ابن دكين)، حدّثنا أبو شهاب، قال: قدمت مكة بعمرة فدخلنا قبل التروية بثلاثة أيام، فقال لي أناسٌ من أهل مكة: تصير حجّتُك مكيّة! ، فدخلتُ على عطاء أستفتيه، فقال: حدثني جابر بن عبد الله، فذكره بتمامه. وفي رواية أخرى عند البخاري (١٦٥١) من طريق حبيب المعلم، عن عطاء، به، بلفظ: "فأمر النبيُّ ﷺ أصحابه أن يجعلوها عمرة ويطوفوا، ثم يقصِّروا ويحلُّوا إلّا من كان معه الهدي ... ". • عن جابر بن عبد الله، قال: ... حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ فَقَال: "لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُق الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً" ... قَالَ فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طرق عن حاتم بن إسماعيل المدنيّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكره بطوله. ٦٤ - باب أنّ التّحلل من العمرة لا يكون إلا بعد السّعي بين الصّفا والمروة • عن عمرو بن دينار، قال: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ ﵁ عن رَجُلٍ قدم بعمرة فطَافَ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَيَأْتِي امْرِأَتَهُ؟ فَقَال: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَام رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا وَقَدْ قَالَ الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: ٢١]. متفق عليه: رواه البخاريّ أيضًا في الحج (١٦٢٣، ١٦٤٤)، ومسلم في الحج (١٢٣٤: ١٨٩) من طريق سفيان ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، به، فذكره. وزاد البخاريّ (١٦٢٤، ١٦٤٥): وَسَأَلْنَا جَابر بنَ عبد الله ﵄، فقال: "لا يَقْرَبنَّها حَتى يَطُوفَ بين الصَّفا والمرْوَةِ". • عن عائشة، قالت: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ لا نُرَى إِلا الْحَجَّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٧٠٩)، ومسلم في الحج (١٢١١: ١٢٥) كلاهما من طريق يحيي بن سعيد (هو الأنصاريّ)، عن عمرة بنت عبد الرحمن، قال: سمعت عائشة، فذكرته.

стр. 3148

• عن ابن عباس، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ؟ فَقَال: أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اجْعَلُوا إِهْلالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلَا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ". فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ وَلَبِسْنَا الثِّيَاب ... الحديث. صحيح: علقه البخاريّ في الحج (١٥٧٢) عن أبي كامل فضيل بن حسين البصريّ، حدّثنا أبو معشر (هو يوسف بن يزيد البرّاء)، حدّثنا عثمان بن غياث، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر الحديث بطوله. قال الحافظ في "الفتح" (٣/ ٤٣٤): "وصله الإسماعيليّ، قال: حدّثنا القاسم المطرّز، حدّثنا أحمد بن سنان، حدّثنا أبو كامل، فذكره بطوله، لكنه قال: "عثمان بن سعد" بدل "عثمان بن غياث" وكلاهما بصريّ وله رواية عن عكرمة، لكن عثمان بن غياث ثقة، وعثمان بن سعد ضعيف، وقد أشار الإسماعيلي إلى أنّ شيخه القاسم وَهِم في قوله: "عثمان بن سعد". ويؤيّده أنّ أبا مسعود الدّمشقيّ ذكر في "الأطراف" أنه وجده من رواية مسلم بن الحجاج عن أبي كامل، كما ساقه البخاريّ" انتهى. قلت: ورواية مسلم له في خارج الصحيح؛ لأنّ الحديث من أفراد البخاريّ كما في "تحفة الأشراف" (٥/ ١٥٠). ٦٥ - باب هل على القارن سعيٌ واحدٌ أو سعيان ؟ • عن عائشة أنها قالت: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا". قالت: فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: "انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ". قالت: فَفَعَلْتُ فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ ﷺ مَعَ عبد الرحمن ابْن أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ فَقَال: "هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ". قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لحجّهم. وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا". متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٥٦) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم في الحج (١٢١١: ١١١) عن يحيى بن يحيى التميميّ، كلاهما عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. والحديث في موطأ يحيى الليثي في الحج (٢٢٣) عن مالك، عن ابن شهاب، بهذا الإسناد،

стр. 3149

ولم يسق لفظه، وإنما أحال على الحديث الذي قبله وهو من رواية مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته بتمامه، غير أنه زاد فيه: "وأمّا الذين كانوا أهلّوا بالحجّ، أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا". قلت: والمقصود بالطّواف هنا السعي الذي كان قبل الحجّ كما قال البيهقي وغيره، وذلك بيّن في حديث جابر بن عبد الله كما سيأتي. ولكن يشكل على هذا ما رواه أبو داود (١٨٩٦) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: "أنّ أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا معه لم يطوفوا حتى رموا الجمرة". فإن كانت تقصد بالطّواف هنا طواف الإفاضة فهو ليس خاصًا بمن كانوا مع النبيّ ﷺ قارنين، بل حتّى من حلَّ بعمرة، ثم أهلّ بالحجّ أيضًا طاف طواف الإفاضة بعد رمي الجمرة. وإن كانت تقصد بالطّواف السّعي، فالصحيح أنّ النبيّ ﷺ ومن كان معه سعوا قبل رمي الجمرة عندما قدموا مكة. فالظاهر أن هذا خطأ أو وهم وقع من بعض الرواة الذين اختصروا حديث عائشة في الحج؛ ولذا قال الحافظ ابن عبد البر: "الاضطراب عن عائشة في حديثها في الحجّ عظيم، وقد أكثر العلماء في توجيه الروايات فيه، ودفع بعضهم بعضًا ببعض، ولم يستطيعوا الجمع بينها، ورام قوم الجمع بينها في بعض معانيها. وكذلك أحاديثها في الرضاع مضطربة أيضًا. وقال بعض العلماء في أحاديثها في الحج والرضاع: إنما جاء من قبل الرّواة. وقال بعضهم: بل جاء ذلك منها، فالله أعلم" انتهى. انظر: التمهيد (٨/ ٢٢٦ - ٢٢٧). وقوله: وقال بعضهم: "بل جاء منها" فيه نظر؛ لأنه لا يتصور منها وهي عالمة وفقيهة أن تحدّث أو تفتي وفيه اضطراب. فالظّاهر كما قلت وقع خطأ من بعض الرواة الذين اختصروا الحديث، أو رووه بالمعنى. • عن عائشة، أَنَّهَا حَاضَتْ بِسَرِفَ فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِك". صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١١: ١٣٣) عن حسن بن علي الحلوانيّ، حدّثنا زيد بن الحباب، حدّثني إبراهيم بن نافع، حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عائشة، فذكرته. • عن عبد الله بن عمر، أنه قال حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ: إِنْ صُدِدْتُ عَن الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَأَهَلَّ بِعُمْرَةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أهلّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ إِنَّ عبد الله نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلا وَاحِدٌ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ

стр. 3150

أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ نَفَذَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ، فَطَافَ طَوَافًا وَاحِدًا، وَرَأَى ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ وَأَهْدَى. متفق عليه: رواه مالك في الحج (٩٩) عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. ورواه البخاريّ في المحصر (١٨١٣)، ومسلم في الحج (١٢٣٠: ١٨٠) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. إلّا أن في لفظ البخاريّ: "ثم طاف لهما طوافًا واحدًا". وفي لفظ مسلم: "فخرج حتى إذا جاء البيت طاف به سبعًا، وبين الصّفا والمروة سبعًا لم يزد عليه، ورأى أنه مجزئ عنه ... ". • عن نافع: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَرَادَ الْحَجَّ عَامَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ وِإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ فَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] أَصْنَعُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ الله ﷺ إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ البَيْدَاءِ قَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلا وَاحِدٌ، اشْهَدُوا -قَالَ ابْنُ رُمْحٍ: أُشْهِدُكُمْ- أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي. وَأَهْدَي هَدْيًا اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ يُهِلُّ بِهِمَا جَمِيعًا حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَنْحَرْ وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّرْ وَلَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ فَنَحَرَ وَحَلَقَ وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ . متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٤٠)، ومسلم في الحج (١٢٣٠: ١٨٢) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا الليث، عن نافع، فذكره. وقول ابن عمر: "كذلك فعل رسول الله ﷺ " دليل على رفع ما فعله ابن عمر إلى النبيّ ﷺ بأن ليس على القارن إلّا سعي واحد. ورواه أيوب عن نافع، عن ابن عمر بهذه القصّة، ولم يذكر النبيّ ﷺ إلّا في أوّل الحديث حين قيل له: يصدُّوكَ عن البيت. قال: "إذن أفعل كما فعلَ رسولُ الله ﷺ ". ولم يذكر في آخر الحديث: "هكذا فعل رسول الله ﷺ " كما ذكره الليث بن سعد. هكذا رواه مسلم من طريق حماد وإسماعيل بن عليّة كلاهما عن أيوب. ورواه البخاريّ (١٦٣٩) من حديث ابن علية، عن أيوب، فذكره بطوله. فظهر من هذا أنّ نافعًا مرة وقفه على ابن عمر، وأخرى رفعه إلى النبيّ ﷺ . وممن رفعه أيضًا عن نافع: عبيد الله بن عمر كما في الحديث الآتي.

стр. 3151

• عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ عَنْهُمَا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا". حسن: رواه الترمذيّ (٩٤٨)، وابن ماجه (٢٩٧٥) كلاهما من حديث عبد العزيز بن محمد (وهو الدراورديّ) عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (٥٣٥٠)، وصححه ابن خزيمة (٢٧٤٥)، وابن حبان (٣٩١٥). قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح غريب. وقد رواه غير واحد عن عبيد الله بن عمر ولم يرفعوه وهو أصح". قلت: وكذا أعلّه أيضًا الطّحاويّ (٣٨٣٠) فقال: "إنّ هذا الحديث خطأ؛ أخطأ فيه الدّراورديّ فرفعه إلى النبيّ ﷺ ، وإنّما أصله عن ابن عمر عن نفسه، هكذا رواه الحفّاظ". وتكلم فيه أيضًا النسائيّ فقال: "ليس به بأس، وحديثه عن عبيد الله بن عمر منكر". قلت: الدراورديّ صدوق أخرج له الشيخان وغيرهما فمن الممكن أنه رواه بالمعنى كما رواه عبد الرزاق عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه قرن بين الحج والعمرة وسعى لهما سعيًا واحدًا، وقال: "هكذا صنع رسول الله ﷺ ". ورواه أيضًا سفيان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أنّ النّبيَّ ﷺ طاف لقرانه طوافًا واحدًا ولم يحله ذلك". رواه كله الدارقطنيّ (٢٥٩٤، ٢٥٩٥). لأنّ قول ابن عمر كذلك فعل رسول الله ﷺ يساوي في معناه: "من أحرم بالحجّ والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد عنهما". لأنّ الدّراورديّ روى الحديث من وجهين مرة باختصار دون القصة - كما مضى. وأخرى بالقصة كما رواه عنه الدّارقطني (٢٥٩١) عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أنّه أهلّ بالعمرة فلما أتي ذا الحليفة قال: "ما أمرهما إلا واحد، أشهدكم أني قد أدخلت الحج على العمرة، فطاف لهما طوافًا واحدًا وسعى لهما سعيًا واحدا وقال: هكذا صنع رسول الله ﷺ ". إن صحَّ هذا فإنّ الدراورديّ لم يخالف ما رواه غيره عن عبيد الله بن عمر، ومن الممكن أيضًا أن نافعًا روي من وجهين كما ثبت عنه في الصحيحين وغيرهما، فروى الدراوردي من أحد هذه الوجوه، وروى غيره من الوجه الآخر وإن كانوا هم أكثر ولكن لا مخالفة بينه وبينهم في معني الحديث، وبهذا صحَّ قول الترمذيّ: "حسن صحيح" وصحَّ قوله أيضًا: والذين لم يرفعوا أصح، لأنهم أكثر، والجمع بين هذه الطرق أولى من تخطئة الثقات والله تعالى أعلم. • عن جابر بن عبد الله قال: لم يطف النبيُّ ﷺ ولا أصحابُه بين الصّفا والمروة إلّا طوافًا واحدًا، طوافَهُ الأوّل.

стр. 3152

صحيح: رواه مسلم (١٢٧٩)، و (١٢١٥) من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، فذكره. قوله: "طوافه الأوّل" يعني سعيه الأوّل الذي كان عقب طواف القدوم. • عن ابن عباس: أنَّ رسول الله ﷺ طافَ طوافًا واحدًا لحجَّته وعمرته. حسن: رواه الدارقطني (٢٦١٩) عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغويّ، حدّثنا داود بن عمرو المسَيَّبي، حدّثنا منصور بن أبي الأسود، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل منصور بن أبي الأسود فإنه صدوق رمي بالتشيّع كما في "التقريب"، وبقية رجاله ثقات؛ عبد الملك هو ابن أبي سليمان العرزمي من رجال مسلم وثقه ابن معين وأحمد وغيرهما، وكان راويةً عن عطاء بن أبي رباح، وقد تكلّم فيه شعبة وغيره لأجل حديثه في الشّفعة، رواه عن عطاء عن جابر، وعطاء هو ابن أبي رباح. قال ابن عبد الهادي في "التنقيح" (٣/ ٥٢٠): "وليس مخرج هذا الحديث في السنن، لكن إسناده صحيح". قلت: ولم ينفرد به عبد الملك عن عطاء، فقد تابعه عليه الحجاج بن أرطاة، ومحمد بن عبيد الله العرزميّ -وهو متروك- وكلاهما عند الدارقطني برقم (٢٦٣٠، ٢٦٣١). وفي هذه الأحاديث حجّة لجمهور أهل العلم الذين قالوا: القارن يطوف طوافًا واحدًا. قال الترمذيّ: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم. وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق (ومالك أيضًا). وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم يطوف طوافين ويسعى سعيين، وهو قول الثوريّ وأهل الكوفة" انتهى. ٦٦ - باب من قال: للقارن طوافان وسعيان رُوي عن علي ﵁ أنه جمع بين الحجّ والعمرة، فطاف لهما طوافين وسعي لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل. رواه الدارقطني (٢٦٢٨) من طريق أبي الربيع الزهرانيّ، حدّثنا حفص بن أبي داود، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي. قال الدارقطني: "حفص بن أبي داود ضعيف، وابن أبي ليلى رديء الحفظ كثير الوهم". ثم رواه (٢٦٢٩) من طريق إسحاق الأزرق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن علي، نحوه. قال الدارقطنيّ: الحسن بن عمارة متروك الحديث. قلت: وفي ترجمته أخرجه العقيلي في الضّعفاء (١/ ٢٣٨) من طريق يحيي بن الحكم المقوم،

стр. 3153

قال: قلت لأبي داود الطيالسيّ: إنّ محمد بن الحسن صاحب الرأي حدّثنا عن الحسن بن عمارة، به، فذكره. فقال أبو داود (يعني الطيالسيّ) -وجمع يده إلى نحره- ثم قال: "مَنْ هذا كان شعبة يشق بطنه من الحسن بن عمارة". ثم رواه الدارقطني (٢٦٣٠) من طريق عباد بن يعقوب، حدّثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن علي ﵁: أنّ النبيَّ ﷺ كان قارنًا فطاف طوافين، وسعى سعيين. قال الدّارقطنيّ: "عيسي بن عبد الله، يقال له: مبارك، وهو متروك الحديث". وقال البيهقيّ -كما في مختصر الخلافيات (٣/ ٢٠٦) -: وقال أبو عبد الله الحاكم: "إنه روي عن أبيه، عن آبائه أحاديث موضوعة". وله طريق آخر عن علي، أخرجه النسائي في "مسند علي" -كما في نصب الراية (٣/ ١١٠) - عن حماد بن عبد الرحمن الأنصاري، عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية، قال: طفتُ مع أبي -وقد جمع بين الحج والعمرة-، فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعين، وحدّثني أنّ عليًا فعل ذلك، وقد حدّثه أنّ رسول الله ﷺ فعل ذلك. وأشار إليه البيهقيّ في "الخلافيات" -كما في "مختصره" (٣/ ٢٠٦) - فقال: "وروي بإسناد فيه مجهول يقال له حماد بن عبد الرحمن، به، فذكره" ثم قال: "ومثل ذلك لا يصح". وقال ابن عبد الهادي في "التنقيح" (٣/ ٥٢٤): "وحمّاد ضعّفه الأزديّ، وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات". وقال بعض الحفاظ: حماد هذا مجهول، وهذا الحديث لا يصح". وكذلك لا يصح أيضًا ما رُوي عن ابن مسعود قال: "طاف رسول الله ﷺ لعمرته وحجّته طوافين وسعى سعيين، وأبو بكر وعمر وعلي". رواه الدارقطني (٢٦٣١) من طريق عبد العزيز بن أبان، حدّثنا أبو بردة، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله (يعني ابن مسعود)، فذكره. قال الدارقطنيّ: "أبو بردة هذا هو عمرو بن يزيد ضعيف، ومَنْ دونه في الإسناد ضعفاء". ولا يصح أيضًا ما رُوي عن عمران بن حصين: "أنّ النبيّ ﷺ طاف طوافين، وسعى سعيين". رواه الدارقطني (٢٦٣٢) قال: حدّثنا أبو محمد بن صاعد -إملاء-، حدّثنا محمد بن يحيي الأزديّ، حدّثنا عبد الله بن داود، عن شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرِّف، عن عمران بن حصين، فذكره. ورجاله ثقات لكنه معلول. قال الدارقطني عقبه: "قال لنا ابن صاعد: خالف محمد بن يحيي غيرَه في هذه الرواية". قال الدارقطني: "يقال: إنّ محمد بن يحيى الأزدي حدّث بهذا من حفظه فوهم في متنه،

стр. 3154

والصّواب بهذا الإسناد: أنّ النبيَّ ﷺ قرن الحجَّ والعمرة، وليس فيه ذكر الطواف ولا السّعي، وقد حدّث به محمد بن يحيى الأزديّ على الصواب مرارًا، ويقال: إنه رجع عن ذكر الطواف والسعي، والله أعلم". وانظر مزيدًا من التخريج في "المنة الكبرى" (٤/ ٢٩٦ - ٣٠٢). وقلت في "المنة": "والخلاصة أنه لم يرد بسند صحيح أنّ النبيّ ﷺ طاف طوافين وسعي سعيين. والذي في "الصّحيحين" وغيرهما عن ابن عمر وغيره أنه طاف طوافًا واحدًا، وسعي سعيًا واحدًا. وإن ثبت أنه طاف طوافين فيحمل على طواف القدوم والإفاضة، وأما السعي مرتين فلم يثبت كما قال البيهقي ﵀ تعالي. وقال ابن حزم: لا يصح عن النبيّ ﷺ ولا عن أحد من أصحابه في ذلك شيء أصلًا، وقد نقل في ذلك عن النبي ﷺ ما هو موضوع بلا ريب. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والصحابة الذين نقلوا حجّة رسول الله ﷺ كلهم نقلوا أنهم طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة، أمرهم بالتّحلل إلا من ساق الهدي فإنه لا يحل إلا يوم النحر، ولم ينقل عن أحد منهم أن أحدًا منهم طاف وسعي، ثم طاف وسعي، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلما لم ينقله أحد من الصحابة علم أنه لم يكن". وقال ابن القيم: "لا يصح منها حرف واحد". وإن سلمنا أن الأحاديث والآثار بالمتابعات الكثيرة قد ترتقي إلى درجة الحسن، فهي معارضة بما هو أقوى وأصح وأرجح وأولى بالقبول بأنّ النبيّ ﷺ لم يفعل في قرانه إلا كما يفعل المفرد لحديث عائشة المتفق عليه، وحديث ابن عمر عند البخاريّ، وكقول النبيّ ﷺ الذي في صحيح مسلم (١٢١١/ ١٣٢) لعائشة: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك". والتحقيق في هذه المسألة أن القارن يفعل كما يفعل المفرد لاندارج أعمال العمرة في أعمال الحج بخلاف التمتع فإنه يطوف ويسعى لعمرته، ثم يحل، ثم يحرم فيطوف ويسعي لحجّه بعد عودته من عرفات" انتهي. وأضيف هنا قول الحافظ ابن القيم من "تهذيب السنن" أنه قال: "وقد روي عن النبيّ ﷺ أنه "طاف طوافين، وسعى سعيين" من رواية علي، وابن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعمران بن حصين، ولا يثبت منها شيء" انتهي. ٦٧ - باب أنّ القارن والمفرد لا يتحللان بعد طوافهما الأوّل • عن محمد بن عبد الرحمن، أَنَّ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَ لَهُ: سَلْ لِي عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ رَجُلٍ يُهِلُّ بِالْحَجِّ فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ أَيَحِلُّ أَمْ لا؟ فَإِنْ قَالَ لَكَ: لا يَحِلُّ،

стр. 3155

فَقُلْ لَهُ إِنَّ رَجُلا يَقُولُ ذَلِكَ. قَال: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لا يَحِلُّ مِنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ إِلا بِالْحَجِّ. قُلْتُ: فَإِنَّ رَجُلا كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ. قَالَ: بِئْسَ مَا قَالَ! . فَتَصَدَّانِي الرَّجُلُ فَسَأَلَنِي فَحَدَّثْتُهُ، فَقَال: فَقُلْ لَهُ: فَإِنَّ رَجُلا كَانَ يُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَا شَأْنُ أَسْمَاءَ وَالزُّبَيْرِ قَدْ فَعَلا ذَلِكَ؟ قَالَ: فَجِئْتُهُ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: لا أَدْرِي. قَال: فَمَا بَالُهُ لا يَأْتِينِي بِنَفْسِهِ يَسْأَلُنِي أَظُنُّهُ عِرَاقِيًّا؟ ! قُلْتُ: لا أَدْرِي! قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ كَذَبَ قَدْ حَجَّ رَسُولُ الله ﷺ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ عُمَرُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ مُعَاوِيَةُ وَعبد الله بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا بِعُمْرَةٍ وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ أَفَلا يَسْأَلُونَهُ؟ وَلا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حِينَ يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ أَوَّلَ مِن الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لا يَحِلُّونَ وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي وَخَالَتِي حِينَ تَقْدَمَانِ لا تَبْدَأَانِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِن الْبَيْتِ تَطُوفَانِ بِهِ ثُمَّ لا تَحِلانِ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَقْبَلَتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلانٌ وَفُلانٌ بِعُمْرَةٍ قَطُّ فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا وَقَدْ كَذَبَ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٤١)، ومسلم في الحج (١٢٣٥) كلاهما من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشيّ، فذكره، واللفظ لمسلم. قوله: "ثم إنّهما لا تحلّان" أي سواء كان إحرامهما بالحج وحده أو بالقران خلافًا لمن قال: إنّ من حجَّ مفردًا فطاف حلّ كما جاء عن ابن عباس. انظر: الفتح (٣/ ٤٩٧). ٦٨ - باب من قال: إنّ الحاجّ المفرد يتحلّل إذا طاف بالبيت للقدوم • عن عطاء قال: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَاجٌّ وَلا غَيْرُ حَاجٍّ إِلا حَلَّ. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مِنْ أَيْنَ يَقُولُ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِنْ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾. قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ. فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: هُوَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ وَقَبْلَهُ، وَكَانَ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
следующие страницы →