Полный текст (8 687 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
• عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ عَنْهُمَا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا".
حسن: رواه الترمذيّ (٩٤٨)، وابن ماجه (٢٩٧٥) كلاهما من حديث عبد العزيز بن محمد (وهو الدراورديّ) عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (٥٣٥٠)، وصححه ابن خزيمة (٢٧٤٥)، وابن حبان (٣٩١٥).
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح غريب. وقد رواه غير واحد عن عبيد الله بن عمر ولم يرفعوه وهو أصح".
قلت: وكذا أعلّه أيضًا الطّحاويّ (٣٨٣٠) فقال: "إنّ هذا الحديث خطأ؛ أخطأ فيه الدّراورديّ فرفعه إلى النبيّ ﷺ ، وإنّما أصله عن ابن عمر عن نفسه، هكذا رواه الحفّاظ".
وتكلم فيه أيضًا النسائيّ فقال: "ليس به بأس، وحديثه عن عبيد الله بن عمر منكر".
قلت: الدراورديّ صدوق أخرج له الشيخان وغيرهما فمن الممكن أنه رواه بالمعنى كما رواه عبد الرزاق عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه قرن بين الحج والعمرة وسعى لهما سعيًا واحدًا، وقال: "هكذا صنع رسول الله ﷺ ".
ورواه أيضًا سفيان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أنّ النّبيَّ ﷺ طاف لقرانه طوافًا واحدًا ولم يحله ذلك". رواه كله الدارقطنيّ (٢٥٩٤، ٢٥٩٥).
لأنّ قول ابن عمر كذلك فعل رسول الله ﷺ يساوي في معناه: "من أحرم بالحجّ والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد عنهما".
لأنّ الدّراورديّ روى الحديث من وجهين مرة باختصار دون القصة - كما مضى. وأخرى بالقصة كما رواه عنه الدّارقطني (٢٥٩١) عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أنّه أهلّ بالعمرة فلما أتي ذا الحليفة قال: "ما أمرهما إلا واحد، أشهدكم أني قد أدخلت الحج على العمرة، فطاف لهما طوافًا واحدًا وسعى لهما سعيًا واحدا وقال: هكذا صنع رسول الله ﷺ ".
إن صحَّ هذا فإنّ الدراورديّ لم يخالف ما رواه غيره عن عبيد الله بن عمر، ومن الممكن أيضًا أن نافعًا روي من وجهين كما ثبت عنه في الصحيحين وغيرهما، فروى الدراوردي من أحد هذه الوجوه، وروى غيره من الوجه الآخر وإن كانوا هم أكثر ولكن لا مخالفة بينه وبينهم في معني الحديث، وبهذا صحَّ قول الترمذيّ: "حسن صحيح" وصحَّ قوله أيضًا: والذين لم يرفعوا أصح، لأنهم أكثر، والجمع بين هذه الطرق أولى من تخطئة الثقات والله تعالى أعلم.
• عن جابر بن عبد الله قال: لم يطف النبيُّ ﷺ ولا أصحابُه بين الصّفا والمروة إلّا طوافًا واحدًا، طوافَهُ الأوّل.
стр. 3152
صحيح: رواه مسلم (١٢٧٩)، و (١٢١٥) من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، فذكره.
قوله: "طوافه الأوّل" يعني سعيه الأوّل الذي كان عقب طواف القدوم.
• عن ابن عباس: أنَّ رسول الله ﷺ طافَ طوافًا واحدًا لحجَّته وعمرته.
حسن: رواه الدارقطني (٢٦١٩) عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغويّ، حدّثنا داود بن عمرو المسَيَّبي، حدّثنا منصور بن أبي الأسود، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل منصور بن أبي الأسود فإنه صدوق رمي بالتشيّع كما في "التقريب"، وبقية رجاله ثقات؛ عبد الملك هو ابن أبي سليمان العرزمي من رجال مسلم وثقه ابن معين وأحمد وغيرهما، وكان راويةً عن عطاء بن أبي رباح، وقد تكلّم فيه شعبة وغيره لأجل حديثه في الشّفعة، رواه عن عطاء عن جابر، وعطاء هو ابن أبي رباح.
قال ابن عبد الهادي في "التنقيح" (٣/ ٥٢٠): "وليس مخرج هذا الحديث في السنن، لكن إسناده صحيح".
قلت: ولم ينفرد به عبد الملك عن عطاء، فقد تابعه عليه الحجاج بن أرطاة، ومحمد بن عبيد الله العرزميّ -وهو متروك- وكلاهما عند الدارقطني برقم (٢٦٣٠، ٢٦٣١).
وفي هذه الأحاديث حجّة لجمهور أهل العلم الذين قالوا: القارن يطوف طوافًا واحدًا. قال الترمذيّ: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم. وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق (ومالك أيضًا). وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم يطوف طوافين ويسعى سعيين، وهو قول الثوريّ وأهل الكوفة" انتهى.
٦٦ - باب من قال: للقارن طوافان وسعيان
رُوي عن علي ﵁ أنه جمع بين الحجّ والعمرة، فطاف لهما طوافين وسعي لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل.
رواه الدارقطني (٢٦٢٨) من طريق أبي الربيع الزهرانيّ، حدّثنا حفص بن أبي داود، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي.
قال الدارقطني: "حفص بن أبي داود ضعيف، وابن أبي ليلى رديء الحفظ كثير الوهم".
ثم رواه (٢٦٢٩) من طريق إسحاق الأزرق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن علي، نحوه.
قال الدارقطنيّ: الحسن بن عمارة متروك الحديث.
قلت: وفي ترجمته أخرجه العقيلي في الضّعفاء (١/ ٢٣٨) من طريق يحيي بن الحكم المقوم،
стр. 3153
قال: قلت لأبي داود الطيالسيّ: إنّ محمد بن الحسن صاحب الرأي حدّثنا عن الحسن بن عمارة، به، فذكره.
فقال أبو داود (يعني الطيالسيّ) -وجمع يده إلى نحره- ثم قال: "مَنْ هذا كان شعبة يشق بطنه من الحسن بن عمارة".
ثم رواه الدارقطني (٢٦٣٠) من طريق عباد بن يعقوب، حدّثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن علي ﵁: أنّ النبيَّ ﷺ كان قارنًا فطاف طوافين، وسعى سعيين.
قال الدّارقطنيّ: "عيسي بن عبد الله، يقال له: مبارك، وهو متروك الحديث".
وقال البيهقيّ -كما في مختصر الخلافيات (٣/ ٢٠٦) -: وقال أبو عبد الله الحاكم: "إنه روي عن أبيه، عن آبائه أحاديث موضوعة".
وله طريق آخر عن علي، أخرجه النسائي في "مسند علي" -كما في نصب الراية (٣/ ١١٠) - عن حماد بن عبد الرحمن الأنصاري، عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية، قال: طفتُ مع أبي -وقد جمع بين الحج والعمرة-، فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعين، وحدّثني أنّ عليًا فعل ذلك، وقد حدّثه أنّ رسول الله ﷺ فعل ذلك.
وأشار إليه البيهقيّ في "الخلافيات" -كما في "مختصره" (٣/ ٢٠٦) - فقال: "وروي بإسناد فيه مجهول يقال له حماد بن عبد الرحمن، به، فذكره" ثم قال: "ومثل ذلك لا يصح".
وقال ابن عبد الهادي في "التنقيح" (٣/ ٥٢٤): "وحمّاد ضعّفه الأزديّ، وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات". وقال بعض الحفاظ: حماد هذا مجهول، وهذا الحديث لا يصح".
وكذلك لا يصح أيضًا ما رُوي عن ابن مسعود قال: "طاف رسول الله ﷺ لعمرته وحجّته طوافين وسعى سعيين، وأبو بكر وعمر وعلي". رواه الدارقطني (٢٦٣١) من طريق عبد العزيز بن أبان، حدّثنا أبو بردة، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله (يعني ابن مسعود)، فذكره.
قال الدارقطنيّ: "أبو بردة هذا هو عمرو بن يزيد ضعيف، ومَنْ دونه في الإسناد ضعفاء".
ولا يصح أيضًا ما رُوي عن عمران بن حصين: "أنّ النبيّ ﷺ طاف طوافين، وسعى سعيين".
رواه الدارقطني (٢٦٣٢) قال: حدّثنا أبو محمد بن صاعد -إملاء-، حدّثنا محمد بن يحيي الأزديّ، حدّثنا عبد الله بن داود، عن شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرِّف، عن عمران بن حصين، فذكره.
ورجاله ثقات لكنه معلول. قال الدارقطني عقبه: "قال لنا ابن صاعد: خالف محمد بن يحيي غيرَه في هذه الرواية".
قال الدارقطني: "يقال: إنّ محمد بن يحيى الأزدي حدّث بهذا من حفظه فوهم في متنه،
стр. 3154
والصّواب بهذا الإسناد: أنّ النبيَّ ﷺ قرن الحجَّ والعمرة، وليس فيه ذكر الطواف ولا السّعي، وقد حدّث به محمد بن يحيى الأزديّ على الصواب مرارًا، ويقال: إنه رجع عن ذكر الطواف والسعي، والله أعلم".
وانظر مزيدًا من التخريج في "المنة الكبرى" (٤/ ٢٩٦ - ٣٠٢).
وقلت في "المنة": "والخلاصة أنه لم يرد بسند صحيح أنّ النبيّ ﷺ طاف طوافين وسعي سعيين.
والذي في "الصّحيحين" وغيرهما عن ابن عمر وغيره أنه طاف طوافًا واحدًا، وسعي سعيًا واحدًا.
وإن ثبت أنه طاف طوافين فيحمل على طواف القدوم والإفاضة، وأما السعي مرتين فلم يثبت كما قال البيهقي ﵀ تعالي.
وقال ابن حزم: لا يصح عن النبيّ ﷺ ولا عن أحد من أصحابه في ذلك شيء أصلًا، وقد نقل في ذلك عن النبي ﷺ ما هو موضوع بلا ريب.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والصحابة الذين نقلوا حجّة رسول الله ﷺ كلهم نقلوا أنهم طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة، أمرهم بالتّحلل إلا من ساق الهدي فإنه لا يحل إلا يوم النحر، ولم ينقل عن أحد منهم أن أحدًا منهم طاف وسعي، ثم طاف وسعي، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلما لم ينقله أحد من الصحابة علم أنه لم يكن".
وقال ابن القيم: "لا يصح منها حرف واحد".
وإن سلمنا أن الأحاديث والآثار بالمتابعات الكثيرة قد ترتقي إلى درجة الحسن، فهي معارضة بما هو أقوى وأصح وأرجح وأولى بالقبول بأنّ النبيّ ﷺ لم يفعل في قرانه إلا كما يفعل المفرد لحديث عائشة المتفق عليه، وحديث ابن عمر عند البخاريّ، وكقول النبيّ ﷺ الذي في صحيح مسلم (١٢١١/ ١٣٢) لعائشة: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك".
والتحقيق في هذه المسألة أن القارن يفعل كما يفعل المفرد لاندارج أعمال العمرة في أعمال الحج بخلاف التمتع فإنه يطوف ويسعى لعمرته، ثم يحل، ثم يحرم فيطوف ويسعي لحجّه بعد عودته من عرفات" انتهي.
وأضيف هنا قول الحافظ ابن القيم من "تهذيب السنن" أنه قال: "وقد روي عن النبيّ ﷺ أنه "طاف طوافين، وسعى سعيين" من رواية علي، وابن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعمران بن حصين، ولا يثبت منها شيء" انتهي.
٦٧ - باب أنّ القارن والمفرد لا يتحللان بعد طوافهما الأوّل
• عن محمد بن عبد الرحمن، أَنَّ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَ لَهُ: سَلْ لِي عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ رَجُلٍ يُهِلُّ بِالْحَجِّ فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ أَيَحِلُّ أَمْ لا؟ فَإِنْ قَالَ لَكَ: لا يَحِلُّ،
стр. 3155
فَقُلْ لَهُ إِنَّ رَجُلا يَقُولُ ذَلِكَ.
قَال: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لا يَحِلُّ مِنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ إِلا بِالْحَجِّ. قُلْتُ: فَإِنَّ رَجُلا كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ. قَالَ: بِئْسَ مَا قَالَ! . فَتَصَدَّانِي الرَّجُلُ فَسَأَلَنِي فَحَدَّثْتُهُ، فَقَال: فَقُلْ لَهُ: فَإِنَّ رَجُلا كَانَ يُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَا شَأْنُ أَسْمَاءَ وَالزُّبَيْرِ قَدْ فَعَلا ذَلِكَ؟ قَالَ: فَجِئْتُهُ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: لا أَدْرِي. قَال: فَمَا بَالُهُ لا يَأْتِينِي بِنَفْسِهِ يَسْأَلُنِي أَظُنُّهُ عِرَاقِيًّا؟ ! قُلْتُ: لا أَدْرِي! قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ كَذَبَ قَدْ حَجَّ رَسُولُ الله ﷺ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ عُمَرُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ مُعَاوِيَةُ وَعبد الله بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا بِعُمْرَةٍ وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ أَفَلا يَسْأَلُونَهُ؟ وَلا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حِينَ يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ أَوَّلَ مِن الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لا يَحِلُّونَ وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي وَخَالَتِي حِينَ تَقْدَمَانِ لا تَبْدَأَانِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِن الْبَيْتِ تَطُوفَانِ بِهِ ثُمَّ لا تَحِلانِ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَقْبَلَتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلانٌ وَفُلانٌ بِعُمْرَةٍ قَطُّ فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا وَقَدْ كَذَبَ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٤١)، ومسلم في الحج (١٢٣٥) كلاهما من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشيّ، فذكره، واللفظ لمسلم.
قوله: "ثم إنّهما لا تحلّان" أي سواء كان إحرامهما بالحج وحده أو بالقران خلافًا لمن قال: إنّ من حجَّ مفردًا فطاف حلّ كما جاء عن ابن عباس. انظر: الفتح (٣/ ٤٩٧).
٦٨ - باب من قال: إنّ الحاجّ المفرد يتحلّل إذا طاف بالبيت للقدوم
• عن عطاء قال: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَاجٌّ وَلا غَيْرُ حَاجٍّ إِلا حَلَّ. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مِنْ أَيْنَ يَقُولُ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِنْ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾. قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ. فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: هُوَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ وَقَبْلَهُ، وَكَانَ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
стр. 3156
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٩٦)، ومسلم في الحج (١٢٤٥) كلاهما من طريق ابن جريج، حدثني عطاء، فذكره. واللفظ لمسلم.
قوله: "بعد المعرَّف" أي بعد الوقوف بعرفة.
• عن أبي حسّان الأعرج، قال: قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْهُجَيْم لابْنِ عَبَّاسٍ مَا هَذَه الْفُتْيَا الَّتِي قَدْ تَشَغَّفَتْ أَوْ تَشَغَّبَتْ بِالنَّاسِ أَنَّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ! ؟ فَقَال: سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ وِإِنْ رَغِمْتُم.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٤٤) من طريق قتادة، قال: سمعت أبا حسّان الأعرج، به، فذكره.
قوله: "قد تشغّفت" أي علقت بقلوب الناس وشغفوا بها.
وقوله: "تشغّبتْ بالناس" أي خلطت عليهم أمرهم.
ورويت: "تشعَّبتْ" بالعين المهملة أي فرّقتْ مذاهب الناس وأوقعت الخلاف بينهم.
٦٩ - باب أنّ القارن الذي ساق الهدي لا يتحلّل حتى ينحر
قال الله تعالي: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦].
قال ابن كثير في تفسيره (١/ ٥٣٨): "قوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وليس معطوفًا على قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ كما زعمه ابن جرير ﵀".
• عن حفصة أمِّ المؤمنين، أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ الله ﷺ : مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ فَقَالَ: "إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ".
متفق عليه: رواه مالك في الحجّ (١٨٠) عن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن حفصة، فذكرته. ورواه البخاريّ في الحجّ (١٥٦٦)، ومسلم في الحج (١٢٢٩: ١٧٦) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
٧٠ - باب إهلال المكّي والمتمتِّع بالحج في يوم التروية
• عن عبيد بن جريج أنه قال لعبد الله بن عمر: يَا أَبَا عبد الرحمن رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا! قَال: وَمَا هُنَّ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لا تَمَسُّ مِن الأَرْكَانِ إِلا الْيَمَانِيَّيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوا الْهِلالَ وَلَمْ تُهْلِلْ أَنْتَ حَتَّى
стр. 3157
يَكُونَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ. فَقَالَ عبد الله بْنُ عُمَرَ: أَمَّا الأَرْكَانُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ الله ﷺ يَمَسُّ إِلا الْيَمَانِيَّيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَصْبُغُ بِهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا. وَأَمَّا الإِهْلالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ الله ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَبْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُه.
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٣١) عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن عبيد بن جريج، به، فذكره.
ورواه البخاري في الوضوء (١١٦)، ومسلم في الحج (١١٨٧) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
قوله: "يوم التروية" أي يوم الثامن من ذي الحجة، وسمي التّروية لأنّهم كانوا يروون فيها إبلهم ويتروون من الماء؛ لأنّ تلك الأماكن لم تكن إذ ذاك فيها آبار ولا عيون. الفتح (٣/ ٥٠٧).
• عن أنس بن مالك، قال: صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ وَنَحْنُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ حَمِدَ الله وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَ النَّاسَ فَحَلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ. قَالَ: وَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًا، وَذَبَحَ رَسُولُ الله ﷺ بِالْمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٥١)، ومسلم في الحج (٦٩٠) كلاهما من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، فذكره.
واللفظ للبخاريّ، وأما مسلم فاختصره واقتصر على ذكر الصلاة بذي الحليفة.
• عن جابر بن عبد الله، قال: ... فَقَالَ لَهُمْ (يعني النبيَّ ﷺ ": "أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ الْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَقَصِّرُوا ثُمَّ أَقِيمُوا حَلالا حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٦٨) ومسلم في الحج (١٢١٦) كلاهما من حديث أبي نعيم، حدّثنا أبو شهاب، قال: قدمت متمتِّعا مَكَّةَ بِعمرة فدخلنا قبل التَّروية بثلاثة أيَّام فقال لي أناس من أهل مكَّة تصير الآن حجَّتُك مكِّيّة فدخلت على عطاء أستفتيه فقال حدّثني جابر بن عبد الله ﵄ أنّه حجّ مع النبيّ ﷺ ... " الحديث.
• عن جابر بن عبد الله قال: ... فلما كان يوم التروية توجّهوا إلى مني، فأهلُّوا بالحجّ .... الحديث.
стр. 3158
صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكره بطوله في حجة النبيّ ﷺ .
وفي رواية له (١٢١٣) من طريق الليث عن أبي الزبير، عن جابر، بلفظ: "ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَة".
وفي رواية له (١٢١٤) من طريق يحيي بن سعيد (هو القطان)، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، به، بلفظ: "أمرنا النبيُّ ﷺ لما أحلَلْنا أن نُحرمَ إذا توجّهنا إلى مني. قال: فأهْللنا من الأبطح".
وفي رواية له (١٢١٦: ١٤٢) من طريق عطاء، عن جابر، قال: "حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر أهْللنا بالحجّ".
• عن أبي سعيد الخدريّ، قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً إِلا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَرُحْنَا إِلَى مِنًى أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٤٧) عن عبيد الله بن عمر القواريريّ، حدّثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حدّثنا داود (هو ابن أبي هند)، عن أبي نضرة (هو المنذر بن مالك بن قطعة العبدي)، عن أبي سعيد، قال (فذكره).
٧١ - باب جواز البناء في منى لنزول الحجاج
وأمّا ما روي عن عائشة قالت: قلتُ: يا رسول الله! ألا نبني لك بمني بيتًا أو بناء يظلك من الشّمس؟ فقال: "لا، إنما هو مناخ من سبق إليه". فهو ضعيف.
رواه أبو داود (٢٠١٩)، والترمذي (٨٨١)، وابن ماجه (٣٠٠٦، ٣٠٠٧)، وصحّحه الحاكم (١/ ٤٦٦ - ٤٦٧) وعنه البيهقيّ (٥/ ١٣٩) كلّهم من طرق، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمّه مسيكة، عن عائشة، فذكرته.
قال الترمذي: "حسن صحيح".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
وهذا وهمٌ منه فإنّ مُسَيْكة -بالتصغير- ليست من رجال مسلم، ثم هي مجهولة لا يعرف حالها كما قال الحافظ في "التقريب".
وقال الذهبي: "تفرد عنها ابنُها" فهي تكون مجهولة العين، ويظهر منه تساهل الترمذي أيضًا في التصحيح والتحسين.
وفي الإسناد أيضًا إبراهيم بن مهاجر مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم ينفرد؛ لأنه قال فيه الحافظ: "صدوق لين الحفظ"، وقد تفرد بهذا الحديث ولم أجد من تابعه على ذلك. وقد ضعّفه ابن القطّان ووصفه ابن حبان بكثير الخطأ. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، فمثله لا يحتمل تفرده.
стр. 3159
إذا تبين أن النهي عن البناء في منى غير صحيح، فالمسألة على البراءة الأصلية يُنظر فيه تحقيق المصلحة للحجاج.
٧٢ - باب استحباب أداء الصّلوات الخمس بمنى يوم التّروية
• عن عبد العزيز بن رُفيع، قال: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى. قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّي الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَال: بِالأَبْطَحِ. ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ مَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٥٣)، ومسلم في الحج (١٣٠٩) كلاهما عن إسحاق ابن يوسف الأزرق، حدّثنا سفيان (هو الثوريّ)، عن عبد العزيز بن رفيع، به، ولفظهما سواء إلّا أنه وقع عند البخاريّ زيادة لفظة (العصر) في قوله: "أين صلّى الظّهر والعصر يوم التروية".
وهي زيادة شاذّة تفرّد بها شيخ البخاريّ وهو عبد الله بن محمد الجعفيّ، عن إسحاق الأزرق.
قال الحافظ في الفتح (٣/ ٥٠٨): "فإنّ لفظ "العصر" لم يذكره غيره، فسيأتي في أواخر صفة الحج [١٧٦٣] عن أبي موسى محمد بن المثني عند المصنف".
ثم ذكر اثني عشر نفسًا ممن رواه عن إسحاق الأزرق، ولم يقلْ أحدٌ منهم: "والعصر".
• عن جابر بن عبد الله، قال: ... فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ وَرَكِبَ رَسُولُ الله ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ ... الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكر الحديث بطوله.
• عن ابن عباس، قال: صلّى رسول الله ﷺ الظُّهرَ يوم التّروية والفجر يوم عرفة بمنى.
صحيح: رواه أبو داود (١٩١١) -واللفظ له-، والترمذي (٨٨٠) كلاهما من حديث الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، فذكره.
ولفظ الترمذيّ: "صلّي بمنى الظّهر والفجر، ثم غدا إلى عرفات".
ورواه الإمام أحمد (٢٧٠١)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٧٩٩)، والحاكم (١/ ٤٦١) كلّهم من هذا الطّريق.
قال الحاكم: "صحيح على شرط البخاريّ".
ولكن أعلّه الترمذي فقال: "حديث مقسم عن ابن عباس، قال علي بن المديني: قال يحيي: قال شعبة: لم يسمع الحكم من مقسم إلّا خمسة أشياء وعدّها وليس هذا الحديث فيما عدّ شعبة".
стр. 3160
والحكم هو ابن عتيبة من الثقات الضّابطين من أثبت الناس في إبراهيم النّخعي إلّا أنّ شعبة كان شديدًا عليه؛ لأنه كان فيه تشيّع لم يظهر منه إلّا بعد موته.
يقول أبو عوانة: "سمعت منه أربعمائة حديث، ولم أحدِّث منها إلّا بحديثين وتركتُ الباقي من أجل شعبة".
فقول شعبة: "لم يسمع منه مقسم إلّا خمسة أشياء وليس منها هذا الحديث" فيه مبالغة؛ ولذا لم يأخذ أهل العلم بقول شعبة فأخرجوا حديثه في صحاحهم كما تقدم، ثم يقال: إنّه أخذ باقي الأحاديث من كتاب، فإن كان هذا الكتاب مناولة من مقسم فهو أحد طرق التحمّل، وأما كونه نسخة بدون علم الشيخ فهو بعيد من مثل الحكم الذي اتفق أهل العلم على توثيقه.
وللحديث طريق آخر يقويه، وهو ما رواه الترمذي (٨٧٩)، وابن ماجه (٣٠٠٤) كلاهما من حديث إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ بمنى: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم غدا إلى عرفات.
قال الترمذي: "وإسماعيل بن مسلم قد تكلّموا فيه من قبل حفظه".
قلت: وهو كذلك إلّا أنه لم يخطئ في هذا لوجود المتابعة وله شواهد صحيحة، كما مضى.
• عن ابن عمر، أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ إِذَا اسْتَطَاعَ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِمِنًى مِنْ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى.
حسن: رواه الإمام أحمد (٦١٣١) عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، ثني نافع، عن ابن عمر، فذكره. وإسناده حسن؛ لأنّ محمد بن إسحاق صرَّح بالتحديث.
• عن عبد الله بن الزبير قال: من سنّة الحج أن يصلي الإمام الظّهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والصّبح بمنى ... الحديث.
صحيح: رواه ابن خزيمة (٢٨٠٠) عن يوسف بن موسي، ثنا جرير، عن يحيى، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن الزبير، قال (فذكره). وسيأتي بتمامه في باب بماذا يحصل التّحلل الأول.
٧٣ - باب قصر الصلاة بمني
• عن عبد الله قال: صليتُ مع النبيّ ﷺ بمني ركعتين، وأبي بكر وعمر، ومع عثمان صدرًا من إمارته ثم أتمّها.
متفق عليه: رواه البخاريّ في تقصير الصلاة (١٠٨٢)، ومسلم في صلاة المسافرين (٦٩٤) كلاهما من حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
ذهب جمهور أهل العلم أبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم إلى أن هذا القصر خاص لمن كان بمني مسافرًا. قالوا: وأما أهل مكة فليس لهم أن يقصروا الصلاة بمنى، وقد كان عمر بن الخطاب
стр. 3161
رضي الله عنه يصلي بهم فيقصر فإذا سلّم التفتَ فقال: "أتمّوا يا أهل مكّة، فإنّا قوم سَفر".
ولم ينقل عن النبيّ ﷺ مثل ذلك لاشتهار ذلك عنه ﷺ ، فصار إتمام الصلاة للمقيمين من العلم الظاهر العام.
قال الخطّابي في "معالمه" (٢/ ٤١٥): "حدثني إسماعيل بن محمد بن خشك بن محرز، حدثنا سلمة بن شبيب، قال: قال الوليد بن مسلم: وافيت مكة وعليها محمد بن إبراهيم، وقد كتب إليه أن يقصر الصلاة بمنى وعرفة، فقصر، فرأيت سفيان الثوري قام فأعاد الصلاة، وقام ابن جريج فبني على صلاته فأتمّها. قال الوليد: ثم دخلتُ المدينة، فلقيت مالك بن أنس فذكرت له ذلك، وأخبرته بفعل الأمير وفعل سفيان وابن جريج؟ فقال: أصاب الأمير وأخطأ ابن جريج. ثم قدمت الشام فلقيت الأوزاعي، فذكرت له ذلك، فقال: أصاب مالك، وأصاب الأمير، وأخطأ سفيان وابن جريج. قال: ثم دخلت مصر فلقيت الشافعي، فذكرت ذلك له، فقال: أخطأ الأمير، وأخطأ مالك، وأخطأ الأوزاعي، وأصاب سفيان، وأصاب ابن جريج".
وقال: "أما ابن جريج فإنما بني على صلاته؛ لأنّ من مذهبه أن المفترض يجوز له أن يصلي خلف المتنفّل، وأعاد سفيان الصلاة؛ لأنه لا يرى للمفترض أن يصلي خلف المتنفِّل، وكانت صلاة الأمير عنده نافلة حين قصرها وهو مقيم بمكة واليا عليها، فاستأنف سفيان صلاته، وكذلك مذهب أصحاب الرأي في هذا "انتهي.
وذهب مالك والأوزاعي وإسحاق إلى أنّ الإمام إذا قصر قصروا معه، وسواء في ذلك أهل مكة وغيرهم.
وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: هل قصْرُ الصّلاة لأهل مكة في المشاعر خاص بالحجّاج فقط أم يشمل حتى الباعة منهم وغيرهم ممن يوجدون في المشاعر من غير حج؟ .
فأجاب بقوله: المشهور عند العلماء أنّ هذا القصر خاص بالحجاج من أهل مكة فقط على قول من أجازه لهم.
أما الجمهور فيرون أن أهل مكة لا يقصرون ولا يجمعون لأنهم غير مسافرين وعليهم أن يتمّوا كلّهم ويصلّوا الصّلاة في أوقاتها.
ولكن من أجازه للحجّاج فهو خاص بالحجّاج فقط من أهل مكة وهو الأصحّ؛ لأنّ الرسول ﷺ لم يأمرهم بالإتمام.
أما الباعة ونحوهم ممن لم يقصد الحجّ فإنه يتم ولا يجمع كسائر سكان مكة.
• عن ابن عمر، قال: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى صَلاةَ الْمُسَافِرِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ثَمَانِيَ سِنِينَ أَوْ قَالَ سِتَّ سِنِينَ.
قَالَ حَفْصٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَأْتِي فِرَاشَهُ، فَقُلْتُ: أَيْ عَمِّ، لَوْ صَلَّيْتَ
стр. 3162
بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ. قَال: لَوْ فَعَلْتُ لأَتْمَمْتُ الصَّلاةَ.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٦٩٤: ١٨) عن عبيد الله بن معاذ، حدّثنا أبي، حدّثنا شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن سمع حفص بن عاصم، عن ابن عمر، فذكره.
• عن حارثة بن وهب، قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمني آمن ما كان الناس وأكثره ركعتين.
متفق عليه: رواه البخاريّ في تقصير الصلاة (١٠٨٣)، ومسلم في صلاة المسافرين (٦٩٦) كلاهما من وجهين عن أبي إسحاق قال -في رواية أحدهما- سمعت حارثة بن وهب، فذكره.
قال مسلم: حارثة بن وهب الخزاعيّ هو أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمّه.
• عن عبد الرحمن بن يزيد قال: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِعبد الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في تقصير الصلاة (١٠٨٤)، ومسلم في صلاة المسافرين (٦٩٥) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا عبد الواحد، عن الأعمش، قال: حدّثنا إبراهيم، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، فذكره.
ورواه أبو داود (١٩٦٠) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش وزاد فيه: ثم تفرّقت بكم الطرق، فلوددت أنّ لي من أربع ركعات ركعتين متقبّلتين.
قال الأعمش: فحدثني معاوية بن قرّة، عن أشياخه، أنّ عبد الله صلّى أربعًا، قال: فقيل له: عبت عثمان ثم صليت أربعًا. قال: الخلاف شرّ".
وفيه شيوخ معاوية بن مرة مجهولون؛ ولكن لوجود جمع يجبر بعضهم بعضًا كما يقال.
وقال البيهقي (٣/ ١٤٤) وقد رُوي بإسناد موصول: فأخرجه من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا مع عبد الله بن مسعود بجمع، فلما دخل مسجد مني فقال: كم صلى أمير المؤمنين؟ قالوا: أربعًا. فصلي أربعًا. قال: فقلنا: ألم تحدّثنا أنّ النبيّ ﷺ صلى ركعتين، وأبا بكر صلى ركعتين؟ قال: بلى. وأنا أحدثكموه الآن، ولكن عثمان كان إمامًا فما أخالفه، والخلاف شرّ".
وفي الإسناد أبو إسحاق وهو السبيعي مختلط ومدلس.
ولكن رُوي بأسانيد أخرى عند أبي يعلى وأبي عوانة والبزّار والطبراني في الأوسط وغيرهم يقوّي بعضُها بعضًا فتصح هذه الزيادة بمجموع هذه الطّرق.
стр. 3163
• عن عائشة قالت: الصَّلاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ فَأْقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلاةُ الْحَضَرِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ؟ قَال: تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في تقصير الصلاة (١٠٩٠)، ومسلم في صلاة المسافرين (٦٨٥: ٣) كلاهما من حديث سفيان، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة، فذكرته.
ومعنى تأويلهما كما قال جمهور أهل العلم أنهما رأيا القصْر جائزًا لا واجبًا، وقيل غير ذلك. انظر "خلاصة النووي" (٢/ ٧٢٥).
وأما ما رُوي عن عثمان ﵁ مرفوعًا: "من تأهّل في بلد فليصل صلاة المقيم" فهو حديث ضعيف. انظر تخريجه في كتاب الصلاة - جموع أبواب صلاة المسافر.
وأضيف هنا ما قاله الحافظ في "الفتح" (٢/ ٥٧٠): "هذا الحديث لا يصح لأنه منقطع، وفي رواته من لا يحتج به، ويردّه قول عروة: إنّ عائشة تأوّلتْ ما تأوّل عثمان، ولا جائز أن تتأهل عائشة أصلًا، فدلّ على وهن الخبر".
وقال: "ثم ظهر لي أنه يمكن أن يكون مراد عروة بقوله: "كما تأوّل عثمان" التشبيه بعثمان في الإتمام بتأويل لا اتحاد تأويلهما، ويقويه أن الأسباب اختلفت في تأويل عثمان فتكاثرت بخلاف تأويل عائشة.
وقيل: إن عثمان إنما أتمّ الصلاة لأنه نوى الإقامة بعد الحجّ إلا أنه مرسل. رواه عبد الرزاق عن الزهريّ أن عثمان فذكره.
وقيل: إنّ عثمان بن عفّان أتمّ الصلاة بمني من أجل الأعراب؛ لأنهم كثروا عامئذ، فصلي بالناس أربعًا ليعلمهم أنّ الصلاة أربع.
رواه أبو داود (١٩٦٤) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا حماد، عن أيوب، عن الزهري، أنّ عثمان بن عفان، فذكره. وهذا أيضًا مرسل.
ولكن يقويه ما رواه البيهقيّ (٣/ ١٤٤) من طريق عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن عثمان أنه أتمّ بمني ثم خطب فقال: "إنّ القصر سنة رسول الله ﷺ وصاحبيه، ولكنه حدث طَغَام (بفتح الطاء والمعجمة، كما في الفتح) - فخفت أن يستنوا".
وعن ابن جريج أنّ أعرابيًّا ناداه في منى: يا أمير المؤمنين، ما زلتُ أصليها منذ رأيتك عام أوّل ركعتين".
قال ابن حجر: "هذه طرق يقوي بعضها بعضًا".
وقال البيهقي عقب حديث عبد الرحمن بن حميد: "وقد قيل غير هذا، والأشبه أن يكون رآه رخصة، فرأى الإتمام جائزًا كما رأته عائشة، وقد رُوي ذلك عن غير واحد من الصحابة مع اختيارهم القصر".
стр. 3164
• عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، قال: لما قدم علينا معاوية حاجًّا قدمنا معه مكّة، قال: فصلّي بنا الظّهر ركعتين، ثم انصرف إلى دار النّدوة، قال: وكان عثمان حين أتمّ الصّلاة إذا قدم مكة صلّى بها الظّهر والعصر والعشاء الآخرة أربعًا أربعًا فإذا خرج إلى منى وعرفات قصر الصّلاة فإذا فرغ من الحج وأقام بمنى أتم الصّلاة حتى يخرج من مكة، فلما صلّى بنا الظهر ركعتين نهض إليه مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان فقالا له: ما عابَ أحدٌ ابنَ عمِّك بأقبحَ ما عبْتَه به! فقال لهما: وما ذاك؟ قال: فقالا له: ألم تعلمْ أنّه أتّم الصّلاة بمكة؟ قال: فقال لهما: ويحكما! وهل كان غير ما صنعتُ قد صليتُهما مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكر وعمر ﵄. قالا: فإنّ ابنَ عمِّك قد كان أتَمّها وإنّ خلافك إيّاه له عيب! قال: فخرج معاوية إلى العصر فصلاها بنا أربعًا.
حسن: رواه الإمام أحمد (١٦٨٥٧)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٣٣) كلاهما من حديث يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدّثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، فذكره. واللفظ لأحمد ولفظ الطبرانيّ مختصر.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه مدلّس، ولكنّه صرَّح وحسّنه أيضًا الحافظ في "الفتح". وذكره الهيثميّ في "المجمع" (٢/ ١٥٦ - ١٥٧) وقال: رواه أحمد، وروى الطبرانيّ بعضه في الكبير، ورجال أحمد موَّثقون.
ويفهم من هذا الحديث أنّ عثمان ﵁ كان يرى القصر مختصًا بمن كان شاخصًا سائرًا، وأمّا من أقام في مكان في أثناء سفره فله حكم المقيم فيُتم. انظر: "الفتح" (٢/ ٥٧١).
• عن أنس بن مالك، أنه قال: صليتُ مع رسول الله ﷺ بمنى، ومع أبي بكر وعمر ركعتين، ومع عثمان ركعتين صدرًا من إمارته.
حسن: رواه النسائيّ (١٤٤٧) عن قتيبة، حدّثنا الليث، عن بكير بن عبد الله، عن محمد بن عبد الله بن أبي سليم، عن أنس، فذكره.
وإسناده صحيح من أجل محمد بن عبد الله بن أبي سليم، وهو "صدوق" كما في التقريب، ووثقه النسائيّ، وروى له، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٣٦٢) فلا معنى لقول الذهبي في "الميزان": "لا يعرف".
وأخرجه أيضًا الإمام أحمد (١٢٤٦٤) من حديث الليث وهو ابن سعد بإسناده مثله.
• عن أبي جحيفة، قال: صليتُ مع النبيّ ﷺ بمنى الظّهر ركعتين، ثم لم نزل نصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة.
стр. 3165
صحيح: رواه أبو بكر بن أبي شيبة (٢/ ٤٤٨)، والطبرانيّ في الكبير (٢٢/ ١٠٢) كلاهما من حديث وكيع، ثنا سفيان، وابن أبي ليلى، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، فذكره. وإسناده صحيح.
• عن عمران بن حصين عن صلاة المسافر فقال: حججت مع رسول الله ﷺ فصلّى ركعتين، وحججت مع أبي بكر فصلّى ركعتين، ومع عمر فصلى ركعتين، ومع عثمان ست سنين من خلافته أو ثماني سنين فصلى ركعتين - ثم إنّ عثمان صلّى بعد ذلك أربعًا.
حسن: رواه الترمذيّ (٥٤٥) -واللفظ له-، وأبو داود (١٢٢٩) مختصرًا، والإمام أحمد (١٩٨٦٥)، وأبو بكر بن أبي شيبة (٢/ ٤٥٠) في سياق أطول من هذا - كلّهم من طريق علي بن جدعان، عن أبي نضرة، أنّ فتي سأل عمران بن حصين، عن صلاة رسول الله ﷺ فقال (فذكره).
وزاد الإمام أحمد: "ثم إن عثمان صلّى بعد ذلك أربعًا".
وعلي بن جدعان هو: علي بن زيد بن عبد الله بن زهير بن عبد الله بن جدعان التيميّ البصريّ ضعيف إلّا ما رُوي عن الترمذي فإنه قال: "صدوق"، ولذا حسّن هذا الحديث.
قلت: وهو كذلك في هذا الحديث لوجود شواهده بأن عثمان كان يُتمّ في منى بعد ذلك.
وفي الباب ما رُوي عن أبي ذر، رواه القاسم بن عوف الشيباني عن رجل، قال: "كنا قد حملنا لأبي ذر شيئًا نريد أن نعطيه إياه، فأتينا الرَّبذة فسألنا عنه فلم نجده، قيل استأذن في الحجّ فأذن له فأتيناه بالبلدة وهي مني، فبينا نحن عنده إذ قيل له: إن عثمان صلّي أربعًا فاشتدّ ذلك على أبي ذر وقال قولا شديدًا، وقال: "صليت مع رسول الله ﷺ فصلى ركعتين، وصليت مع أبي بكر وعمر" ثم قام أبو ذر فصلّي أربعًا فقيل له: عبْتَ على أمير المؤمنين شيئًا ثم صنعت! قال: الخلافُ أشدّ، إنّ رسول الله ﷺ خطبنا فقال: "إنّه كائن بعدي سلطان فلا تُذلوه، فمنْ أراد أن يذلَّه فقد خلع رِبْقَةَ الإسلام من عنقه، وليس بِمقبولٍ منه توبةٌ حتى يسُدَّ ثلمته التي ثَلَم وليس بفاعل، ثم يعود فيكون فيمن يُعزّه". "أمرنا رسول الله ﷺ أن لا يغلبونا على ثلاثٍ: أنْ نأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، ونعلم الناس السنن".
رواه الإمام أحمد (٢١٤٦٠) عن يزيد ومحمد بن يزيد قالا: حدّثنا العوّام. قال محمد: عن القاسم، وقال يزيد في حديثه: حدثني القاسم بن عوف الشيباني، عن رجل، قال: فذكره. وفيه رجل مبهم لا يُعرف.
٧٤ - باب استحباب الخروج من منى إلى نمرة إذا طلعت الشّمس
• عن جابر بن عبد الله قال: فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله ﷺ فصلّي به الظّهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث
стр. 3166
قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ولا تشكّ قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام -كما كانت قريش تصنع في الجاهليّة-، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتي عرفة فوجد القبّة قد ضُربت له بنمرة فنزل بها.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكر بطوله في حجّة النبيّ ﷺ .
قوله: "نمرة" هي موضع بجنب عرفات وليس من عرفات.
أما قوله: "حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة" ففيه تجوّز، والمراد قارب عرفات. انظر شرح مسلم للنوويّ (٨/ ١٨٠).
• عن ابن عمر، قال: غدا رسول الله ﷺ من مني حين صلي الصبح صبيحة يوم عرفة حتى أتي عرفة، فنزل بنمرة وهي منزل الإمام الذي ينزل فيه بعرفة، حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله ﷺ مهجِّرًا، فجمع بين الظهر والعصر ثم خطب الناس ثم راح فوقف على الموقف من عرفة.
حسن: رواه أبو داود (١٩١٣) عن أحمد وهو في مسنده (٦١٣٠) عن يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني نافع، عن ابن عمر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق وهو حسن الحديث إذا صرَّح بالتحديث كما في هذا الحديث.
٧٥ - باب استحباب التلبية والتكبير عند الخروج من منى إلى عرفة
• عن محمد بن أبي بكر الثقفيّ: أنه سأل أنس بن مالك -وهما غاديان من مني إلى عرفة-: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ؟ قال: كان يهلُّ المهلُّ منا فلا يُنكر عليه، ويُكبِّر المكبِّرُ فلا يُنكر عليه.
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٤٣) عن محمد بن أبي بكر الثقفيّ، بالإسناد.
ورواه البخاريّ في الحج (١٦٥٩)، ومسلم في الحج (١٢٨٥) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
ورواه مسلم من طريق موسى بن عقبة، حدّثني محمد بن أبي بكر قال: قلت لأنس بن مالك غداة عرفة: ما تقول في التلبية هذا اليوم؟ قال (فذكره بنحوه).
• عن عبد الله بن عمر، قال: غدونا مع رسول الله ﷺ من مِني إلى عرفات، مِنَّا الملبِّي، ومِنَّا المكبِّر.
стр. 3167
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٨٤) من طريق يحيي بن سعيد (هر الأنصاريّ)، عن عبد الله ابن أبي سلمة (هو الماجشون)، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، به.
ورواه مسلم أيضًا من طريق عمر بن حسين، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: "كنّا مع رسول الله ﷺ في غداة عرفة، فمنّا المكبِّر، ومنّا المهلّل، فأمّا نحن فنكبِّر". قال: قلت: واللهِ! لعجبًا منكم! ، كيف لم تقولوا له: ماذا رأيتَ رسول الله يصنع؟ ! .
٧٦ - باب قصر الخطبة وتعجيل الصّلاة يوم عرفة
• عن سالم بن عبد الله أنه قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف: أنْ لا تخالف عبد الله بن عمر في شيء من أمر الحجِّ. قال: فلمّا كان يوم عرفة، جاءه عبد الله بن عمر حين زالت الشّمس وأنا معه، فصاح به عند سُرادقِه: أيْنَ هذا؟ فخرج عليه الحجّاج وعليه مِلْحفةٌ مُعَصْفرة، فقال: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: الرَّواح إنْ كنتَ تُريد السُّنة. فقال: أهذه السّاعة؟ قال: نعم. قال: فأنظرني حتّى أفيض عليَّ ماءً، ثم أخْرُجَ، فنزل عبد الله، حتى خرج الحجّاج فسار بيني وبين أبي، فقلت له: إن كنتَ تريدُ أن تُصيب السُّنة اليوم فاقْصُر الخطبة وعجِّلْ الصَّلاةَ. قال: فجعل ينظر إلى عبد الله بن عمر كيما يسمع ذلك منه، فلمّا رأى ذلك عبد الله قال: صدق سالم.
صحيح: رواه مالك في الحج (١٩٤) عن ابن شهاب، عن سالم، به.
ورواه البخاريّ في الحجّ (١٦٦٠) من طريق مالك، به، مثله.
ورواه أيضًا (١٦٦٢) معلقًا عن الليث، حدّثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالمٌ: "أنّ الحجّاج بن يوسف -عام نزل بابن الزبير ﵄ سأل عبد الله ﵁: كيف تصنعُ في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: إن كنتَ تريد السّنة فهجِّر بالصّلاة يوم عرفة. فقال عبد الله بن عمر: صدق إنّهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السُّنة. فقلت لسالم: أفعل ذلك رسول الله ﷺ ؟ فقال: وهل يتبعون بذلك إلّا سنته؟ ! ". قال الحافظ في الفتح (٣/ ٥١٤): "وصله الإسماعيليّ من طريق يحيى بن بكير وأبي صالح جميعًا عن الليث".
وأمّا ما رواه سعيد بن حسان، عن ابن عمر، قال: لما قتل الحجاجّ ابنَ الزّبير أرسل إلى ابن عمر: "أية ساعة كان رسول الله ﷺ يروح في هذا اليوم؟ قال: إذا كان ذلك رُحنا، فلما أراد ابن عمر أن يروح قالوا: لم تزغ. قال: أزاغت الشمس؟ قالوا: لم تزغ الشمس. قال: فلما قالوا: زاغت الشمس ارتحل" ففيه سعيد بن حسان لم يوثقه أحد، وذكره ابن حبان في الثقات، ولم يرو عنه إلا اثنان، فهو "مقبول" عند الحافظ ابن حجر.
стр. 3168
ومن طريقه رواه أبو داود (١٩١٤) عن الإمام أحمد -وهو في مسنده (٤٧٨٢) -، ورواه أيضا ابن ماجه (٣٠٠٩) عن وكيع، حدّثنا نافع بن عمر الجمحيّ، عن سعيد بن حسان، فذكره.
٧٧ - الجمع بين الصلاتين في عرفة بأذان وإقامتين
• عن جابر قال: فخطب الناس وقال (فذكر خطبته ﷺ " ... ثم أذّن، ثم أقام فصلّى الظهر، ثم أقام فصلّى العصر، ولم يصلِّ بينهما شيئًا ... الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكر الحديث بطوله في حجة النبي ﷺ .
ورواه أبو داود (١٩٠٥) من هذا الوجه مسندًا، كما رواه أيضًا (١٩٠٦) من وجه آخر عن عبد الله بن مسلمة، حدّثنا سليمان - يعني ابن بلال ح. وعن أحمد بن حنبل، حدّثنا عبد الوهاب الثقفيّ -المعنى واحد-، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: "أن النبيّ ﷺ صلّى الظهر والعصر بأذان واحد بعرفة، ولم يسبِّح بينهما وإقامتين، وصلى المغرب والعشاء بجمع بأذان واحد وإقامتين ولم يسبّح بينهما" مرسلًا؛ فإنّ والد جعفر هو محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر الباقر لم يدرك النبيّ ﷺ إلّا أن هذا المرسل لا يُعلُّ الموصولَ، وفي كلام أبي داود إشارة إلى ذلك فإنه قال عقب حديث محمد بن علي بن حسين: "هذا الحديث أسنده حاتم بن إسماعيل في الحديث الطويل (وهو حديث جابر في صفة حجة النبي ﷺ "، ووافق حاتم بنَ إسماعيل على إسناده (أي الموصول) محمد بنُ علي الجعفيّ، عن جعفر (أي ابن محمد)، عن أبيه، عن جابر إلّا أنه قال: "فصلي المغرب والعتمة بأذان وإقامة".
فرجَّح رواية حاتم بن إسماعيل بمتابعة محمد بن علي الجعفيّ كلاهما عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر على رواية سليمان بن بلال، وعبد الوهاب الثقفيّ، كلاهما عن جعفر بن محمد، عن أبيه محمد المرسلة. وهو الحقّ إلّا أن في رواية محمد بن علي الجعفيّ بأذان وإقامة.
ومحمد بن علي الجعفيّ ترجمه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٨٤)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ٢٧) ولم يقولا فيه شيئًا، فهو من عداد المجهولين.
وقوله: "بأذان وإقامة" شاذّ؛ لأنّ المحفوظ: "بأذان وإقامتين" كما في رواية حاتم بن إسماعيل الموصولة، وفي رواية محمد بن علي بن حسين الباقر المرسلة.
ثم وجدت أن سليمان بن بلال روي عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أيضًا مسندًا.
رواه الإمام أحمد (١٥٢٤٣) عن موسى بن داود عنه، فذكر جزءًا من الحديث. وأمّا جمع الصّلاتين في المزدلفة فسيأتي بعد عدّة أبواب.
стр. 3169
٧٨ - باب وجوب الوقوف بعرفة
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ١٩٩].
• عن عائشة، قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمّون الْحُمْس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات فلمّا جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات ثم يقف بها، ثم يفيض منها فذلك قوله تعالي: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩].
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٢٠)، ومسلم في الحج (١٢١٩) كلاهما من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
وفي رواية ابن ماجه (٣٠١٨): "نحن قواطن البيت، لا نجاوز الحرم. فأنزل الله ". وفي لفظ الترمذي: "نحن قطين الله".
قال الترمذيّ: ومعنى هذا الحديث أنّ أهل مكة كانوا لا يخرجون من الحرم، وعرفة خارج من الحرم. وأهل مكة كانوا يقفون بالمزدلفة ويقولون: نحن قطين الله، يعني سكان الله، ومَنْ سوي أهل مكة كانوا يقفون بعرفات، فأنزل الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ".
• عن عروة قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراةً إلّا الْحُمْس -والحمس: قريش وما ولدت- كانوا يطوفون عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا فيعطي الرجالُ الرّجالَ والنّساءُ النساءَ، وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة وكان الناس كلهم يبلغون عرفات.
قال هشام: فحدثني أبي عن عائشة ﵂ قالت: الحمس هم الذين أنزل الله فيهم: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. قالت: كان الناس يفيضون من عرفات وكان الحمس يفيضون من المزدلفة يقولون لا نفيض إلا من الحرم فلما نزلتْ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ رجعوا إلى عرفات.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٦٥) من حديث علي بن مسهر، ومسلم في الحج (١٢١٩: ١٥٢) من حديث أسامة - كلاهما عن هشام، عن أبيه، فذكره، واللفظ لمسلم.
ولفظ البخاري قريب منه، وفيه: "فدفعوا إلى عرفات". أي أُمروا أن يتوجّهوا إلى عرفات ليقفوا بها ثم يفيضوا منها. وسوف يأتي تفسير الآية.
والْحُمْس: بضم المهملة، وسكون الميم بعدها مهملة.
وتفسيره كما روى إبراهيم الحربيّ في "غريب الحديث" من طريق ابن جريج، عن مجاهد،
стр. 3170
قال: "الحمس قريش ومن كان يأخذ قريش مأخذها من القبائل كالأوس والخزرج وخزاعة وثقيف وغزوان وبني عامر وبني صعصعة وبني كنانة إلا بني بكر، والأحمس في كلام العرب: الشديد، سموا بذلك لما شدّدوا على أنفسهم، وكانوا إذا أهلوا بحج أو عمرة لا يأكلون لحمًا ولا يضربون وبرًا، ولا شعرًا. وإذا قدموا مكة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم".
وروى إبراهيم أيضًا من طريق عبد العزيز بن عمران المدني قال: "سموا حُمْسًا بالكعبة؛ لأنها حمساء حجرها أبيض يضرب إلى السواد، وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: تحمّس تشدّد، ومنه حمس الوغى إذا اشتدّ".
• عن جبير بن مطعم، قال: أضللتُ بعيرًا لي، فذهبتُ أطلبه يوم عرفة، فرأيتُ رسول الله ﷺ واقفًا مع الناس بعرفة. فقلتُ: واللهِ، إنّ هذا لمن الحمس، فما شأنه ههنا؟ وكانتْ قريش تُعدُّ من الحمس.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٦٤)، ومسلم في الحج (١٢٢٠) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، حدثنا عمرو (هو ابن دينار)، حدثنا محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، فذكره.
والتحقيق في هذا أن قصة جبير بن مطعم مع رسول الله ﷺ وقعت في الجاهلية. وأسلم جبير بن مطعم يوم الفتح وكان ذهابه إلى عرفة ليطلب بعيره الشارد لا ليقف بها.
ويؤكّد هذا ما رواه ابن خزيمة في صحيحه كما في الحديث الآتي.
• عن جبير بن مطعم قال: كانت قريش إنما تدفع من المزدلفة ويقولون: نحن الحمس فلا نخرج من الحرم، وقد تركوا الموقف على عرفة. قال: فرأيت رسول الله ﷺ في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة فيقف معهم يدفع إذا دفعوا.
حسن: رواه ابن خزيمة (٢٨٢٣) عن نصر بن علي، أخبرنا وهب بن جرير، ثنا أبي، عن محمد ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن عثمان بن أبي سليمان، عن عمه نافع بن جبير، عن أبيه جبير بن مطعم، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه يُحسّن حديثه إذا صرّح.
ورواه أيضًا (٣٠٥٧) من وجه آخر عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بإسناده وقال فيه: "لقد رأيت رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه، وإنه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس يدفع معهم منها، ما ذاك إلا توفيقًا من الله".
وهذا إسناد حسن أيضًا، كما جاء التصريح بالتحديث عن ابن إسحاق في الرّواية السّابقة.
فقوله: "قبل أن ينزل عليه" أي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ فالنبيّ ﷺ -
стр. 3171
كان يقف بعرفات قبل نزول الآية.
وفيه دليل لقوله: "ما ذاك إلا توفيقًا من الله" أي تقريرًا من الله لفعل النبي ﷺ .
قال جبير بن مطعم: "فلما أسلمت علمتُ أن الله وفّقه لذلك".
هكذا رواه إسحاق بن راهويه عن الفضل بن موسى، عن عثمان بن الأسود، عن عطاء، أن جبير بن مطعم قال: "أضللت حمارًا لي في الجاهلية فوجدته بعرفة، فرأيت رسول الله ﷺ واقفًا بعرفات مع الناس، فلما أسلمتُ علمت أن الله وفقه لذلك". انظر الفتح (٣/ ٥١٦).
• عن ابن عباس قال: يطوفُ الرّجلُ بالبيت ما كان حلالًا حتى يهلّ بالحجّ، فإذا ركب إلى عرفةَ فمن تيسر له هَديَّةٌ من الإبل أو البقر أو الغنم، ما تيسر له من ذلك، أيَّ ذلك شاء، غير أنه إن لم يتيسر له فعليه ثلاثةُ أيّام في الحجّ، وذلك قبل يوم عرفة، فإن كان آخر يوم من الأيام الثلاثة يومَ عرفة فلا جناح عليه، ثم لِينطلقْ حتى يقف بعرفات من صلاة العصر إلى أن يكون الظلام، ثم لِيدفعوا من عرفات إذا أفاضوا منها حتى يبلغوا جَمْعًا الذي يبيتون به، ثم ليذكرِوا الله كثيرًا، وأَكْثِرُوا التكبير والتهليل قبل أن تُصبحوا، ثم أفيضوا فإن الناس كانوا يُفيضون، وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩] حتى تَرْمُوا الجمرة.
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٢١) عن محمد بن أبي بكر، حدّثنا فضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، أخبرني كريب، عن ابن عباس، فذكره.
وأما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [سورة البقرة: ١٩٩] فظاهر سياق الآية أنها الإفاضة من المزدلفة؛ لأنّها ذكرت بلفظ "ثم" بعد ذكر الأمر بالذكر عند المشعر الحرام، فأجاب بعضُ المفسّرين بأنّ الأمر بالذّكر عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفات التي سيقت بلفظ الخبر لما ورد منه على المكان الذي تشرع الإفاضة منه، فالتقدير: فإذا أفضتم اذكروا ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس لا من حيث كان الحمس يفيضون. أو التقدير: فإذا أفضتم من عرفات إلى المشعر الحرام فاذكروا الله عنده، ولتكن إفاضتكم من المكان الذي يفيض فيه الناس غير الحمس.
واختار الطّحاويّ أن "ثم" بمعنى الواو، وليس للترتيب، فيكون معناه لقصد التأكيد لا لمحض الترتيب. والمعنى: فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، ثم اجعلوا الإفاضة التي تفيضون منها من حيث أفاض الناس يعني من عرفات لا من حيث كنتم تفيضون في الجاهلية من المزدلفة، وقيل غير ذلك. انظر "الفتح".
стр. 3172
وأما الإفاضة من عرفات وكون الحجّ لا يتم إلّا بالإفاضة منها فتكفي الآية السابقة وهي قوله تعالي: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٨].
إلّا أن حمل الآية على ظاهرها لا يتمشى مع الأحاديث الصحيحة الواردة في الباب، والله تعالى أعلم.
ومن المفسرين مَنْ قالوا بظاهر الآية بأنّ الأمر بالإفاضة في قوله تعالى بأنّ الإفاضة هنا من المزدلفة حيث أفاض الناس - أي جنس سواء كان كانوا في الجاهليّة منذ إبراهيم ﵇ أو في الإسلام بعد مشروعية الحجّ.
• عن عبد الرحمن بن يعمر الدّيليّ، قال: أتيت النبي ﷺ وهو بعرفة فجاء ناسٌ أو نفر من أهل نجد فأمروا رجلًا فنادي رسول الله ﷺ كيف الحج؟ فأمر رسولُ الله ﷺ رجلًا، فنادى: "الحجّ يوم عرفة من جاء قبل صلاة الصّبح من ليلة جمع فتمَّ حجُّه أيام منى ثلاثة: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: ثم أردف رجلا خلفه فجعل ينادي بذلك.
صحيح: رواه أبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٢١٠) (٣٠٤٧)، وابن ماجه (٣٠١٥) كلّهم من حديث سفيان الثوريّ، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر الدّيليّ، فذكره واللفظ لأبي داود.
رواه الإمام أحمد (١٨٧٧٤)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٨٢٢)، وابن حبان (٣٨٩٢)، والحاكم (١/ ٤٦٤) كلّهم من هذا الطّريق.
قال الترمذيّ: "هذا أجود حديث رواه سفيان الثوريّ".
وقال أيضًا: "وقد روي شعبة عن بكير بن عطاء نحو حديث الثوريّ. قال: وسمعت الجارود يقول: سمعت وكيعًا أنه ذكر هذا الحديث فقال: هذا الحديث أمُّ المناسك".
وصحّحه الحاكم على شرط الشيخين.
• عروة بن مضرس الطائي قال: أتيت رسول الله ﷺ بالموقف -يعني بجمع- قلت: جئت يا رسول الله من جبل طي أكلَلْت مطيتي وأتعبتُ نفسي، والله! ما تركت من حبل إلا وقفتُ عليه! فهل لي من حجّ؟ فقال رسول الله ﷺ : "من أدرك معنا هذه الصّلاة، وأتي عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجُّه وقضى تفثه".
صحيح: رواه أبو داود (١٩٥٠)، والترمذيّ (٨٩١)، والنسائيّ (٣٠٣٩)، وابن ماجه (٣٠١٦) كلّهم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، حدّثنا عامر الشعبيّ، عن عروة بن مضرس، فذكر الحديث.
ومنهم من قرن مع إسماعيل بن أبي خالد زكريا -وهو ابن أبي زائدة-، ومنهم من قرن معهما
стр. 3173
داود بن أبي هند، هؤلاء الثلاثة عن عامر الشعبي بإسناده.
قال الترمذي: حسن صحيح.
ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (١٨٣٠٠) وصحّحه ابن خزيمة (٢٨٢٠)، وابن حبان (٣٨٥٠)، والحاكم (١/ ٤٦٣) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط كافة أئمة الحديث، وهي قاعدة من قواعد الإسلام. وقد أمسك عن إخراجه الشّيخان محمد بن إسماعيل، ومسلم بن الحجّاج على أصلهما أنّ عروة بن مضرس لم يحدّث عنه غير عامر الشعبيّ، وقد وجدنا عروة بن الزبير بن العوّام حدّث عنه".
وقال المروزيّ في اختلاف العلماء (ص ٩٠): "روى عنه أيضًا إبراهيم والحسن".
على هذا فلا أرى أن عدم إخراج الشيخين كان بسبب تفرّد الشعبيّ عن عروة بن مضرس، إذ ليس من شرط الشيخين أن يروي الحديث اثنان فما فوقهما.
وخالفهم جميعًا مطرف بن طريف، عن الشعبيّ بإسناده فقال: "من أدرك جمعًا والإمام واقف، فوقف مع الإمام، ثم أفاض مع الناس فقد أدرك الحجّ، ومن لم يدرك فلا حجّ له".
رواه النسائيّ (٣٠٤٠)، والطحاويّ في "مشكله" (٤٦٨٨) كلاهما من وجهين، عن مطرف بن طريف - واللفظ للطّحاويّ، ولفظ النّسائيّ نحوه.
قال الطّحاويّ: "فتأملنا هذا المعنى الذي زاده مطرِّف عن الشعبي على أصحاب الشعبي في هذا الحديث بعد وقوفنا على أن فقهاء الأمصار الذين تدور الفتيا عليهم بالحرمين، وبسائر الأمصار سواهما لا يختلفون أنّ من فاته الوقوف بجمع، وقد كان وقف بعرفة قبل ذلك، أنه ليس في حكم من فاته الحج، وأنه قد أدرك الحجَّ، وقد فاته منه ما يكفيه عنه الدّم، غير طائفة منهم قليلة العدد، فإنّها زعمتْ أنّ من فاته الوقوف بجمع في حجّه بعدما يطلعُ الفجر، فقد فاته الحجُّ، وجعلوا فوتَ الوقوف بجمع قبل طلوع الفجر، كفوت الوقوف بعرفة في الحج حتى يطلع الفجر، ولا نعلم أحدًا ممن تقدَّمهم رُوي عنه هذا القول غير علقمة بن قيس" انتهي.
وذكر ابن عبد البر في "التمهيد" (٩/ ٢٧٢) أنّ القائلين بهذا القول مع علقمة: عامر الشعبيّ، وإبراهيم النخعيّ، والحسن البصريّ، قالوا: من لم ينزل بالمزدلفة وفاته الوقوف بها فقد فاته الحج، ويجعلها عمرة. وهو قول عبد الله بن الزبير، وبه قال الأوزاعي أنّ الوقوف بالمزدلفة فرض واجب يفوت الحج بفواته، وقد رُوي عن الثوري مثل ذلك ولا يصح عنه. والأصح عنه إن شاء الله ما قدمنا ذكره.
وروي عن حماد بن أبي سليمان أنه قال: من فاتته الإفاضة من جمع فقد فاته الحجّ فلحل بعمرة ثم يحجّ قابلًا" انتهى.
• عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من أدرك عرفات فوقف بها والمزدلفة
стр. 3174
فقد تم حجّه، ومن فاته عرفات فقد فاته الحج فليحل بعمرة وعليه الحج من قابل".
حسن: رواه الدارقطنيّ (٢٥١٩) من طريق ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره.
وابن أبي ليلي سيء الحفظ إلّا أنه لم يتفرّد به، فقد رواه البيهقي (٥/ ١٧٤) من طريق عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء به، مثله، إلا أنه لم يذكر المزدلفة.
ولا يلتفت إلى متابعة عمر بن قيس عن عطاء فإنه متروك، ومن طريقه رواه الطبرانيّ في "الكبير" (١١/ ٢٠٢).
٧٩ - باب ما جاء في أنّ عرفة كلّها موقف
• عن جابر أنّ رسول الله ﷺ قال: "نحرتُ ههنا ومنى كلُّها مَنْحر، فانْحَروا في رحالكم، ووقفتُ ههنا وعرفة كلُّها موقف، ووقفت ههنا وجَمْعٌ كّلها موقف".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨: ١٤٩) عن عمر بن حفص بن غياث، حدّثنا أبي، عن جعفر (وهو ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب)، حدّثني أبي، عن جابر، به.
• عن علي بن أبي طالب، قال: وقف رسول الله ﷺ بعرفة فقال: "هذه عرفة وهذا هو الموقف وعرفة كلّها موقف. ثم أفاض حين غربت الشمس وأردف أسامة ابن زيد، وجعل يشير بيده على هينته والناس يضربون يمينا وشمالا يلتفت إليهم ويقول: "أيها الناس! عليكم السّكينة ثم أتي جمعا فصلّى بهم الصلاتين جميعا فلما أصبح أتي قزح فوقف عليه، وقال: "هذا قزح وهو الموقف وجمع كلّها موقف". ثم أفاض حتى انتهى إلى وادي محسر فقرع ناقته فخبَّتْ حتى جاوزَ الوادي فوقف وأردف الفضل، ثم أتي الجمرة فرماها، ثم أتي المنحرَ، فقال: "هذا المنحر ومِنى كلّها منحر".
واستفتته جارية شابة من خثعم فقالت: إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة الله في الحج أفيجزئ أن أحج عنه؟ قال: "حُجِّي عن أبيك". قال: ولوي عنقَ الفضل، فقال العباس: يا رسول الله، لم لويت عنقَ ابن عمِّك؟ . قال: "رأيت شابًا وشابّة فلم آمن الشّيطان عليهما". ثم أتاه رجل فقال: يا رسول الله، إنّي أَفضْتُ قبل أن أحلق، قال: "احْلقْ أو قصِّر ولا حرج".
قال: وجاء آخر فقال: يا رسول الله، إنّي ذبحتُ قبل أن أرمي، قال: "ارْمِ ولا حرج". قال: ثم أتي البيت فطاف به ثم أتي زمزم فقال: "يا بني عبد المطلب، لولا أن يغلبكم الناس عنه لنزعتُ".
стр. 3175
حسن: رواه الترمذيّ (٨٨٥)، وأبو داود (١٩٢٢، ١٩٣٥)، وابن ماجه (٣٠١٠) كلّهم من حديث سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، فذكره واللفظ للترمذي وغيره رووه مختصرًا.
قال الترمذي: "حديث علي حديث حسن صحيح، لا نعرفه من حديث علي إلّا من هذا الوجه من حديث عبد الرحمن بن الحارث بن عياش. وقد رواه غير واحد عن الثوريّ مثل هذا. والعمل على هذا عند أهل العلم، رأوا أن يجمع بين الظهر والعصر بعرفة في وقت الظهر، وقال بعض أهل العلم: إذا صلى الرجل في رحله ولم يشهد الصلاة مع الإمام إن شاء جمع هو بين الصلاتين مثل ما صنع الإمام.
وقال: وزيد بن علي هو ابن حسين بن علي بن أبي طالب" انتهي.
قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش المخزوميّ غير أنه حسن الحديث.
وزيد بن علي هو عمّ جعفر بن محمد الصادق ذكره ابن حبان في "الثقات" (٤/ ٢٤٩)، وقال الحافظ في "التهذيب": "وأعاد ابن حبان ذكره في طبقة أتباع التابعين وقال: روى عن أبيه" انظر: "الثقات" (٦/ ٣١٣).
وفي الباب ما روي عن ابن عباس مرفوعًا: "عرفة كلّها موقف، ومني كلّها موقف". رواه البزّار - كشف الأستار (١١٢٧) عن حوثرة بن محمد المنقريّ من كتابه، ثنا سفيان بن عينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، فذكره.
وقال: وحدّثناه أحمد بن عبدة، أنبأ سفيان بن عيينة، فذكره عن طاوس مرسلًا.
قال البزّار: "لا نعلم أحدًا قال: "عن ابن عباس" إلا حرثرة ولم يتابع" انتهى.
قلت: وهو كما قال؛ فإن حوثرة بن محمد المنقري أبو الأزهر البصريّ الورّاق، روى عنه عدد منهم ابن خزيمة، ولم يوثقه غير ابن حبان، فهو "مقبول" على اصطلاح ابن حجر أي إذا توبع، ولم يتابع كما قال البزّار، فهو لين الحديث.
٨٠ - باب تنبيه الحجاج على عدم الوقوف خارج حدود عرفة
• عن يزيد بن شيبان، قال: كنّا وقوفًا بعرفة مكانًا بعيدًا من الموقف، فأتانا ابنُ مِرْبع الأنصاريّ، فقال: إنّي رسولُ رسولِ الله ﷺ إليكم يقول: "كونوا على مشاعركم، فإنّكم على إرْثٍ من إرْثِ أبيكم إبراهيم ﵇".
صحيح: رواه أبو داود (١٩١٩)، والترمذي (٨٨٣)، والنسائي (٣٠١٤)، وابن ماجه (٣٠١١) كلّهم من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن عبد الله بن صفوان، عن يزيد بن
стр. 3176
شيبان، فذكره ولفظهم متقارب.
قال الترمذي: "حديث ابن مِرْبع الأنصاريّ حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة، عن عمرو بن دينار. وابن مِرْبع اسمه يزيد بن مربع الأنصاريّ، وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد".
ورواه الإمام أحمد (١٧٢٣٣)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٨١٨، ٢٨١٩)، والحاكم (١/ ٤٦٢) وقال: "صحيح الإسناد".
• عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ارفعوا عن بطن عرنة، ارفعوا عن بطن محسّر".
حسن: رواه ابن خزيمة (٢٨١٦)، والحاكم (١/ ٤٦٢) وعنه البيهقيّ (٥/ ١١٥) كلّهم من حديث محمد بن كثير، ثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي معبد، عن ابن عباس، فذكره.
ورواه هولاء أيضا عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء، عن ابن عباس قال: فذكره موقوفا، والحكم لمن رفع.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم قال: وله شاهد على شرط الشيخين إلا أنّ فيه تقصيرًا في سنده.
أما قوله: "العرنات" فالوقوف بعرنة أي لا تقفوا بعرنة.
وأما قوله: "عن محسر" فالنزول بجمع أن لا تنزلوا محسرًا" انتهى.
قلت: هذا إسناد حسن من أجل الكلام في محمد بن كثير الصنعانيّ إلا أنه حسن الحديث، وليس هو العبديّ كما في ابن خزيمة، ولعلّ الحاكم قال: "على شرط مسلم ظنًا منه أنه العبديّ" هكذا قال ابن خزيمة.
ولم يصبْ النّووي في تضعيف الحديث من أجله بقوله: "ضعّفه جمهور الأئمّة ولم يرو له مسلم" "المجموع" (٨/ ١٢٢).
قلت: محمد بن كثير هو الصنعاني ليس ممن اتفق على تضعيفه جمهور الأئمة بل قال فيه ابن معين: كان صدوقًا، وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال أبو حاتم: كان رجلًا صالحًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" فمثله يُحَسن حديثه في المتابعات وقد وجدنا له متابعًا، رواه الطحاويّ في "مشكله" (١١٩٤) من طريق أبي الأشعث أحمد بن المقدام العجليّ، قال: حدثنا ابن عيينة، بإسناده فذكره.
وفي الباب ما روي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "عرفة كلّها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة. ومزدلفة كلّها موقف وارتفعوا عن بطن محسر، ومني كلّها منحر، وفجاج مكة كلها منحر".
رواه عبد الرزاق عن معمر، عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة، فذكره.
стр. 3177
ذكره ابن عبد البر في "الاستذكار" (١٣/ ١٠) ولم أجده في "مصنف عبد الرزاق" فيُنظر فيه.
وإسناده منقطع فإن محمد بن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة كما قال ابن معين وأبو زرعة.
ورواه البيهقي (٥/ ١١٥) من حديث عبد الوهاب بن عطاء، قال ابن جريج: وأخبرني محمد بن المنكدر أنّ النبيّ ﷺ قال (فذكره)، وهو مرسل.
وفي الباب ما روي أيضًا عن جبير بن مطعم، عن النبيّ ﷺ قال: "كلّ عرفات موقف، وارفعوا عن بطن عرنة، وكلّ مزدلفة موقف وارفعوا عن محسر، وكلّ فجاج مني منحر، وكلّ أيام التشريق ذبح".
رواه الإمام أحمد (١٦٥٧١)، والبيهقي (٥/ ٢٣٩) كلاهما من حديث أبي المغيرة، قال: حدّثنا سعيد بن عبد العزيز، قال: حدّثني سليمان بن موسى، عن جبير بن مطعم، عن النبيّ ﷺ ، فذكره.
وسليمان بن موسى هو الأشدق لم يدرك جبير بن مطعم.
ورواه أيضًا الدارقطني (٤/ ٢٨٤)، والبيهقيّ (٥/ ٢٣٩)، والطبراني (٢/ ١٣٨) كلّهم من حديث سويد بن عبد العزيز، عن سعيد بن عبد العزيز التّنوخيّ، عن سليمان بن موسى، عن نافع بن جبير ابن مطعم، عن أبيه، أنّ النبيّ ﷺ قال: "أيام التشريق كلّها ذبح".
قال البيهقيّ: "الأوّل مرسل، وهذا غير قوي لأنّ راويه سويد".
ورواه البزار من هذا الوجه وقال: تفرّد به سويد، ولا يحتج بما تفرد به. كذا في "كشف الأستار" (١/ ٢٧)، ولكن يبدو أن الإسناد سقط من "كشف الأستار" أو لم يذكره الهيثميّ في "الكشف"، وإلّا فقد نقل عنه الزّيلعيّ أيضًا في "نصب الراية" (٣/ ٦١) وهذا لفظه: "قال البزار: ورواه سويد بن عبد العزيز فقال فيه: عن نافع بن جبير، عن أبيه، وهو رجل ليس بالحافظ، ولا يحتج به إذا انفرد بحديث. وحديث ابن أبي حسين هو الصواب مع أنّ ابن أبي حسين لم يلقَ جبير ابن مطعم، وإنما ذكرنا هذا الحديث لأنا لا نحفظ عن رسول الله ﷺ في كلّ أيام التشريق ذبح، إلّا في هذا الحديث، فكذلك ذكرناه، وبينا العلّة فيه" انتهى.
وحديث عبد الرحمن بن أبي حسين الذي أشار إليه البزّار هو ما رواه كما في كشف الأستار (١١٢٦)، وابن حبان في صحيحه (٣٨٥٤)، والبيهقيّ (٩/ ٢٩٥ - ٢٩٦) كلّهم من حديث سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، عن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن جبير بن مطعم، فذكر مثله. فأدخلوا بين سليمان بن موسى وبين جبير بن مطعم "عبد الرحمن بن أبي حسين".
وعبد الرحمن بن أبي حسين أيضًا لم يلقَ جبير بن مطعم كما أنه لم يوثقه غير ابن حبان، فهو "مقبول" على اصطلاح الحافظ، ويحتاج إلى متابعة فالصّحيح أنه مرسل كما قال البيهقيّ.
وسليمان بن موسى هو الأمويّ الأشدق فقيه أهل الشام في زمانه، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وللحديث أسانيد أخرى لا يصح منها شيء.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن جابر مرفوعًا: "كلّ عرفة موقف وارتفعوا عن بطن عرنة، وكلّ
стр. 3178
المزدلفة موقف وارتفعوا عن بطن محسَّر، وكلّ مني مَنْحر إلّا ما وراء العقبة".
رواه ابن ماجه (٣٠١٢) عن هشام بن عمار، قال: حدّثنا القاسم بن عبد الله العمري، قال: حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال (فذكره).
وإسناده ضعيف جدًا من أجل القاسم بن عبد الله العمري فإنه واه. قال أحمد: كان يكذب ويضع الحديث، ترك الناسُ حديثه.
وفي الباب أيضًا عن حبيب بن خماشة الخطميّ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول بعرفة: "عرفة كلّها موقف إلّا بطن عرنة، والمزدلفة كلّها موقف إلّا بطن محسر".
رواه الحارث في "مسنده" البغية (٣٨٤) عن محمد بن عمر، حدثنا صالح بن خوات، عن يزيد ابن رومان، عن حبيب بن عمير، عن حبيب بن خماشة الخَطْميّ، فذكره.
ومحمد بن عمر هو الواقديّ متهم، وبه أعلّه الحافظ في "الإصابة" في ترجمة حبيب بن عمير ابن خماشة.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن عمرو بن معدي كرب الزّبيديّ قال: "ولقد رأيتُنا وقوفًا ببطن محسر، نخاف أن يتخطّفنا الجنّ، فقال النبيّ ﷺ : "ارتفعوا عن بطن عرنة، فإنّهم إخوانكم إذا أسلموا".
رواه الطبراني في الكبير (١٧/ ٤٦ - ٤٧)، والأوسط (٢٣٠٣)، والصغير (١٥٧)، والبزار (١٠٩٣)، والطحاوي في "مشكله" (١٢٠٠) كلهم من طريق محمد بن زياد بن زبّار الكلبيّ، قال: حدّثنا شرقي بن قطامي، عن أبي طلق العائذيّ، عن شراحيل بن القعقاع، قال: سمعت عمرو بن معدي يقول (فذكره) في حديث طويل كما تقدم في صيغة التلبية، وفيه سلسلة من الضعفاء.
وفي الباب ما رواه مالك بلاغًا في الحج (١١٦) أنّ رسول الله ﷺ قال: "عرفة كلّها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة، والمزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٤/ ٤١٧): "هذا الحديث يتصل من حديث جابر بن عبد الله، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث علي بن أبي طالب".
وقال في الاستذكار (١٣/ ٩ - ١٠): "هذا الحديث يتصل من حديث جابر وابن عباس، وعلي ابن أبي طالب، وقد ذكرنا طرقه في "التمهيد"، وأكثرها ليس فيها ذكر بطن عرنة، وإسناده صحيح عند الفقهاء، وهو محفوظ من حديث أبي هريرة" انتهى.
قال ابن عبد البر: "واختلف العلماء فيمن وقف من عرفة بعرنة:
فقال مالك فيما ذكر ابن المنذر عنه: يهريق دمًا وحجّه تام. قال أبو عمر: روى هذه الرواية عن مالك خالد بن نزار.
قال أبو مصعب: إنه كمن لم يقف، وحجّه فائت، وعليه الحج من قابل إذا وقف ببطن عرفة.
ورُوي عن ابن عباس قال: "من أفاض من عرنة فلا حجّ له".
стр. 3179
وقال القاسم وسالم: "من وقف بعرنة حتى دفع فلا حج له".
وذكر ابن المنذر هذا القول عن الشّافعي، قال: وبه أقول لأنه لا يجزئه أن يقف مكانا أمر رسول الله ﷺ أن لا يقف به" انتهى. (١٣/ ١٣).
وقال النووي في "المجموع" (٨/ ١٢٠): "لو وقف ببطن عرنة لم يصح وقوفه عندنا، وبه قال جماهير العلماء. وحكى ابنُ المنذر وأصحابُنا عن مالك أنه يصح ويلزمه دم. وقال العبدريّ: هذا الذي حكاه أصحابنا عن مالك لم أرَه له، بل مذهبه في هذه المسألة كمذهب الفقهاء أنه لا يجزئه. قال: وقد نصَّ أصحابه أنه لا يجوز أن يقف بعرنة".
ثم قال النوويّ -بعد أن سرد أحاديث الباب-: "فتحصل الدّلالة على مالك بثلاثة أشياء: أحدها: الرّواية المرسلة فإنّ المرسل عنده حجّة. والثاني: الموقوف على ابن عباس وهو حجّة عنده. والثّالث: أن الذي قلنا به من تحديد عرفات مجمع عليه والذي يدعيه من دخول عرنة في الحدّ لا يقبل إلا بدليل وليس لهم دليل صحيح ولا ضعيف في ذلك، والله أعلم".
٨١ - باب فضل يوم عرفة
• عن عائشة إن رسول الله ﷺ قال: "ما من يومٍ أكثر من أَنْ يُعْتق اللهُ فيه عبدًا من النّار من يوم عرفة، وإنّه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء؟ ".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٤٨) من طريق ابن وهب، أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت يونس بن يوسف يقول عن ابن المسيب، قال: قالت عائشة (فذكرته).
• عن طارق بن شهاب: أنّ أُناسًا من اليهود قالوا: لو نزلت هذه الآية فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا! فقال عمر أيَّةُ آيةٍ؟ فقالوا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فقال عمر: إنّي لأعلمُ أيّ مكان أُنزلتْ؛ أُنزلتْ ورسولُ الله ﷺ واقف بعرفة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازيّ (٤٤٠٧)، ومسلم في التفسير (٣٠١٧) كلاهما من طريق سفيان الثوريّ، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، فذكره. واللفظ للبخاريّ.
ولفظ مسلم نحوه، وزاد: "قال سفيان: أشكّ كان يوم جمعة أم لا؟ ".
ثم رواه مسلم من طريق إدريس (هو ابن يزيد الأوديّ)، وأبي عُميس (هو عتبة بن عبد الله المسعوديّ) -فرّقهما- كلاهما عن قيس بن مسلم، به، نحوه. وفيه أنّها نزلتْ في يوم الجمعة، ولم يشكّا.
• عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر من ذي الحجة". قال: فقال رجل: يا رسول الله، هنّ أفضل أمْ عدّتهنّ جهادًا في سبيل الله؟ قال: "هنّ أفضل من عدّتهن جهادا في سبيل الله. وما من يوم أفضل
стр. 3180
عند الله من يوم عرفة؛ ينزل الله إلى السّماء الدّنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السّماء فيقول: انظروا إلى عبادي شُعْثًا غُبْرًا ضاحين جاؤوا من كلِّ فجٍّ عميق يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، فلمْ يُرَ يومٌ أكثرُ عتقًا من النّار من يوم عرفة".
حسن: رواه ابن حبان (٣٨٥٣) من طريق محمد بن مروان العقيليّ، حدّثنا هشام -هو الدّستوائيّ-، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره.
ورواه أبو يعلى (٢٠٩٠)، والبزّار - كشف الأستار (١١٢٨) - كلاهما من هذا الوجه.
وإسناده حسن من أجل أبي الزبير -وهو المكي- هو لا بأس في تصريحه للتحديث، وإخراج ابن حبان له في صحيحه دليل على أنه صرّح به في إسناد آخر، كما نصّ على ذلك في المقدمة (١/ ١٦٢) قائلًا: "فإن صحَّ عندي خبر من رواية مدلّس أنه بيّن السّماع فيه، لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر".
وذكره ابن خزيمة في صحيحه (٢٨٤٠) من وجه آخر عن مرزوق -وهو أبو بكر-، عن أبي الزبير، عن جابر، مختصرًا. وقال: أنا أبرأ من عهدة مرزوق.
قلت: مرزوق أبو بكر هو الباهليّ البصريّ مولي طلحة بن عبد الرحمن هو ليس ممن يتبرّأ منه، فقد وثّقه أبو زرعة، وروى عنه جماعة من أئمة الحديث ثم هو لم ينفرد بهذا الحديث فقد تابعه هشام الدستوائيّ كما مضى في الإسناد الأول، ثم إذا كان ابن خزيمة يتبرأ من عهدته فهل لم يقف على الإسناد الأول فيخرجه في صحيحه؟ .
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ الله يباهي الملائكة بأهل عرفات، يقول: انظُروا إلى عبادي شُعْثًا غُبْرًا".
حسن: رواه الإمام أحمد (٨٠٤٧) عن أبي قَطن وإسماعيل بن عمر، قالا: حدّثنا يونس، عن مجاهد أبي الحجّاج، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
وإسناده حسن لأجل يونس، وهو: ابن أبي إسحاق فإنّه حسن الحديث.
وأبو قَطن هو: عمرو بن الهيثم بن قَطن -بفتح القاف- ثقة من رجال مسلم.
وصحّحه ابن خزيمة (٢٨٣٩)، وابن حبان (٣٨٥٢)، والحاكم (١/ ٤٦٥) كلّهم من طريق يونس ابن أبي إسحاق.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشّيخين".
والصّواب أن يونس بن أبي إسحاق من رجال مسلم وحده.
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنّ النبيّ ﷺ كان يقول: "إنّ الله يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شُعْثًا غُبْرًا".
стр. 3181
حسن: رواه أحمد (٧٠٨٩) عن أزهر بن القاسم، حدثنا المثني -يعني ابن سعيد-، عن قتادة، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو، فذكره.
ورواه أيضًا الطبرانيّ في "الصّغير" (٥٧٥) من هذا الطّريق.
وإسناده حسن لأجل أزهر بن القاسم، فإنه صدوق.
قال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٥٠): رواه أحمد والطبراني في "الكبير"، و"الصغير" ورجال أحمد موثقون. وبمعناه أحاديث أخرى ولكن كلها ضعيفة. انظر: كتاب الإيمان - جموع أبواب الإيمان بالملائكة.
• عن ابن عمر، قال: ثم أقبل رسول الله ﷺ على الأنصاري فقال: "إنْ شئتَ أخبرتُكَ عمَّا جئْتَ تسألُ، وإنْ شئْتَ سألْتَني فأخْبرُكَ". فقال: لا يا نبي الله أخبرني عمّا جئتُ أسألُكَ. قال: "جئتَ تَسْألُني عن الحاجّ ما له حين يخرجُ من بيته؟ وما له حين يقوم بعرفات؟ وما له حين يرمي الجمار؟ وما له حين يحلق رأسه؟ وما له حين يقضي آخر طواف بالبيت". فقال: يا نبي الله! والذي بعثك بالحقّ! ما أخطأتَ مما كان في نفسي شيئًا! قال: "فإنّ له حين يخرج من بيته أن راحلته لا تخطو خطوة إلا كتب له بها حسنة أو حطّت عنه بها خطيئة، فإذا وَقفَ بعرفة فإنّ الله ينزل إلى السّماء الدّنيا فيقول: انظُرُوا إلى عبادي شُعْثًا غُبْرًا اشهدوا أنّي قد غفرتُ لهم ذنوبهم وإن كان عدد قطر السّماء ورمل عالج. وإذا رمي الجمار لا يدري أحدٌ ما له حتى يوفاه يوم القيامة. وإذا حلق رأسه فله بكل شعرة سقطت من رأسه نور يوم القيامة. وإذا قضى آخر طوافه بالبيت خرج من ذنوبه كيوم ولدتْه أمُّه".
حسن: رواه ابن حبان (١٨٨٧)، والبيهقيّ في دلائل النبوة (٦/ ٢٩٤)، والبزار -كشف الأستار- (١٠٨٢) كلّهم من حديث يحيي بن عبد الرحمن الأرحبي، حدثني عبيدة بن الأسود، عن القاسم ابن الوليد، عن سنان بن الحارث بن مصرف، عن طلحة بن مصرف، عن مجاهد، عن ابن عمر، فذكر حديثًا طويلًا، وهذا جزء منه.
وإسناده حسن من أجل يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، وسنان بن الحارث بن مصرف ذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٤٢٤, ٨/ ٢٩٩) وذكر من الرواة عنه القاسم بن الوليد، ومحمد بن طلحة، وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٢٥٤)، وزاد من الرواة عنه صالح بن حيي والد حسن بن صالح.
وقال البيهقي: "إسناده حسن".
وقال الهيثمي: "رجال البزار موثقون".
стр. 3182
وقال البزار: "وقد رُوي هذا الحديث من وجوه، ولا نعلم له أحسن من هذا الطريق".
قلت: وهو كما قال، فقد رواه عبد الرزاق (٨٨٣٠) وعنه الطبرانيّ (٣٥٦٦) عن ابن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: فذكر الحديث بطوله، ولم يسم عبد الرزاق بن مجاهد من هو؟ فإن كان هو عبد الوهاب فقال وكيع: كانوا يقولون: إن عبد الوهاب بن مجاهد لم يسمع من أبيه. أي فيه انقطاع. ثم هو ضعيف جدًا، كذبه سفيان، وقال ابن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وأما قول ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، فهو ليس على إطلاقه فإنه قد توبع في الإسناد السابق إلا أنه لا يعتبر به من أجل ضعفه الشديد.
فالخلاصة كما سبق قول البزار، وقال أيضًا وقد رُوي عن إسماعيل بن رافع، عن أنس نحو حديث ابن عمر.
قلت: رواه البزار -كشف الأستار (١٠٨٣) - بإسناده عن إسماعيل بن رافع، عن أنس بن مالك، نحو حديث ابن عمر. وإسماعيل بن رافع ضعيف.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن ابن عباس قال: "كان فلان رديف رسول الله ﷺ يوم عرفة، قال: فجعل الفتي يلاحظ النساء وينظر إليهن. قال: وجعل رسول الله ﷺ يصرف وجهه بيده من خلفه مرارًا. قال: وجعل الفتي يلاحظ إليهن. قال: فقال رسول الله ﷺ : ابنَ أخي، إنّ هذا يوم مَنْ ملك فيه سمعَه وبصرَه ولسانَه غُفر له".
رواه الإمام أحمد (٣٠٤١, ٣٣٥٠)، وأبو يعلى (٢٤٤١)، والطبراني (١٢٩٧٤)، وابن خزيمة في صحيحه (٢٨٣٤, ٢٨٣٣) كلهم من طريق سُكين بن عبد العزيز، قال: حدثني أبي، قال: سمعت ابن عباس قال (فذكره).
وفي بعض الروايات أن الفتى هو الفضل بن عباس.
وسكين بن عبد العزيز بن قيس العبدي البصريّ مختلف فيه، فقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: ثقة، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. ولكن قال النسائي: ليس بالقوي.
والخلاصة: أنه حسن الحديث؛ ولذا قال فيه الحافظ: "صدوق يروي عن الضّعفاء" فضعفه ليس منه. ولكن أبوه عبد العزيز بن قيس، قال فيه أبو حاتم: "مجهول" ومع هذا ذكره ابن حبان في "الثقات".
وقد تبرّأ منه ومن ولده ابنُ خزيمة، فقال: "أنا برئ من عهدة سُكين بن عبد العزيز وعهدة أبيه، ثم روي بإسناده من وجهين - عن سكين بن عبد العزيز، عن أبيه، بإسناده، مثله.
وذلك بعد أن ذكر قصة الفضل وأنه كان رديف رسول الله ﷺ ، وجعل ينظر إلى امرأة حسنة، والنبيّ ﷺ يصرف وجهه عنها بدون ذكر الزيادات التي في حديث سكين بن عبد العزيز.
قلت: وهي قصة صحيحة مخرّجة في الصّحيح.
стр. 3183
ومن هنا يعرف تساهل المنذريّ في قوله بعد أن أخرج حديث ابن عباس من مسند الإمام أحمد: "بإسناد صحيح".
وفي الباب ما رُوي عن طلحة بن عبد الله بن كريز، أنّ رسول الله ﷺ قال: "ما رؤي الشيطانُ يومًا هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما رأى من تنزيل الرّحمة، وتجاوز الله عن الذّنوب العظام إلّا ما أُرى يوم بدر". قيل: وما رأي يوم بدر يا رسول الله؟ قال: "أما إنّه قد رأى جبريل يزع الملائكة".
رواه مالك في الحجّ (٢٤٥) وعنه عبد الرزاق (٨٨٣٢) عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن طلحة بن عبيد الله، فذكره. وهو مرسل.
وقوله: "أدحر" بالدال والحاء المهملة - أي أبعد وأذلّ. قال الله تعالى: ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾ [سورة الإسراء: ٣٩] أي مبعدًا من رحمة الله.
وفي الباب عن عباس بن مرداس السلميّ قال: إنّ النبيّ ﷺ دعا لأمّته عشية عرفة بالمغفرة فأجيب: "إنّي قد غفرت لهم ما خلا الظالم، فإني آخذ للمظلوم منه". قال: "أي ربِّ إنْ شئتَ أعطيتَ المظلوم من الجنة. وغفرت للظالم". فلم يجب عشيته، فلمّا أصبح بالمزدلفة أعاد الدّعاء. فأُجيب إلى ما سأل. قال: فضحك رسول الله ﷺ -أو قال: تبسّم-. فقال له أبو بكر وعمر: بأبي أنت وأمي إنّ هذه لساعة ما كنت تضحك فيها! . فما الذي أضحكك؟ أضحك الله سنَّك. قال: "إنّ عدو الله إبليس لما علم أن الله قد استجاب دعائي وغفر لأمتي أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه ويدعو بالويل والثبور. فأضحكني ما رأيت من جزعه".
رواه ابن ماجه (٣٠١٣) عن أيوب بن محمد الهاشميّ، قال: حدّثنا عبد القاهر بن السريّ السّلميّ، قال: حدّثنا عبد الله بن كنانة بن عباس بن مرداس السلميّ، أنّ أباه أخبره، عن أبيه، أنّ النبيّ ﷺ دعا، فذكره.
ورواه أبو داود (٥٢٣٤) واقتصر على قوله: "ضحك رسول الله ﷺ ، فقال له أبو بكر أو عمر: "أضحك الله سنك" وساق الحديث. هكذا قال أبو داود.
فقوله: "ساق الحديث" إشارة إلى ذكر الحديث كاملًا.
ورواه الإمام أحمد (١٦٢٠٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٤٦) بكامله كلّهم من طريق عبد القاهر بن السري بإسناده، مثله. إلا أنهم قالوا: عن ابن كنانة بن العباس.
وابن كنانة هو عبد الله كما جاء مصرحًا به عند ابن ماجه.
وأخرجه البخاريّ في تاريخه (٧/ ٢ - ٣) وقال: لم يصح حديثه.
قلت: وهو كما قال، فإنّ فيه عبد الله بن كنانة بن العباس، لم يرو عنه غير عبد القاهر، ولذا قال فيه الحافظ: "مجهول".
стр. 3184
وأيضًا فيه أبوه كنانة بن العباس بن مرداس، لم يرو عنه سوى ابنه عبد الله، ولذا قال فيه أيضًا الحافظ: "مجهول".
وقال ابن حبان في ترجمة كنانة بن العباس بن مرداس السلمي في المجروحين (٢/ ٢٣٤): "يروي عن أبيه، روى عنه ابنه، منكر الحديث جدًا. فلا أدري التخليط في حديثه منه أو من ابنه، ومن أيهما كان فهو ساقط الاحتجاج بما روى، لعظم ما أتي من المناكير عن المشاهير".
ثم أعاد ذكره في "الثقات" (/ ٣٣٩) من التابعين فتناقض.
وقال البيهقيّ: "هذا الحديث له شواهد كثيرة، وقد ذكرناها في كتاب "البعث" فإن صحّ بشواهده فقيه الحجة، وإن لم يصح فقد قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء: ٤٨]، وظلم بعضهم بعضًا دون الشرك" انتهى.
وفيه إشارة إلى ضعف الحديث حتى بشواهده.
وبالغ ابن الجوزيّ فأدخل هذا الحديث في كتابه "الموضوعات" (٢/ ٢١٤) بناء على كلام ابن حبان في كنانة بن العباس، ولعله لم يقف على كلام ابن حبان في "الثقات".
والخلاصة أنه ضعيف لا موضوع؛ ولذا تعقبه الحافظ ابن حجر في "القول المسدّد" (الحديث السابع)، وذكر له شواهد، ولكن كلها ضعيفة لا يسلم منها شيء، ثم إن هذا الحديث مع ضعفه يدل على عموم غفران الذنوب لمن شهد الموقف منها حقوق العباد.
وقد جاء في الصحيح في قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [سورة الحجر: ٤٧] قال: "يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص بعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدّنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدي بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا".
رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٣٥) عن الصلت بن محمد، حدثنا يزيد بن زريع، فقرأ الآية الكريمة، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، أن أبا سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله ﷺ (فذكر الحديث).
وقد روي بخلاف حديث العباس بن مرداس:
عن أنس بن مالك قال: وقف رسول الله ﷺ بعرفة يوم عرفة، وكادت الشّمس أن تغرب فقال: "يا بلال، أنصت لي الناس". فقام بلال: فقال: يا معشر الناس أنصتوا. فقال: "أتاني جبريل ﵇ آنفًا، فأقرأني من ربّي السلام، وقال: إنّ الله قد غفر لأهل عرفات ما خلا التّبعات. أفيضوا باسم الله".
رواه العقيليّ في ترجمة (شبويّه المروزيّ) عن ابن المبارك وقال: "حديثه منكر غير محفوظ".
وقال: وقد روي في هذا المعنى بخلاف هذا اللفظ حديث العباس بن مرداس، وحديث ابن عمر وغيره. وأسانيدها لينة، وفيه عن عائشة وجابر بإسنادين صالحين" انتهى. انظر: "الضعفاء" (٢/ ١٩٦ - ١٩٧).
стр. 3185
وقال الذهبي في "الميزان" (٢/ ٢٦٢): "شبّويه عن ابن المبارك" فذكر حديثًا منكرًا، ذكره العقيليّ.
إذا عرفنا لفظ هذا الحديث بأنه يخالف ما رواه العباس بن مرداس عرفنا وهم المنذريّ في "الترغيب والترهيب" (١٨٢١) فجعل حديث ابن المبارك موافقًا لحديث العباس بن مرداس ولفظه: "إنّ الله غفر لأهل عرفات وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات".
وزاد: "فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، هذا لنا خاصة؟ قال: "هذا لكم، ولمن أتي من بعدكم إلى يوم القيامة" فقال عمر: كثر خير الله وطاب" انتهي.
فلعلّه وهم في سوق اللفظ لأنه كان يملي من حفظه كما يظهر من مقدمته.
وفي الباب ما رُوي أيضًا عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنّ الله تطوَّل على أهل عرفات يباهي بهم الملائكة يقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبادي شُعْثًا غُبْرًا، أقبلُوا يضربونَ إليَّ من كلِّ فجٍّ عميق، فأشهدكم أني قد أجبت دعاءهم، وشفعت رغبتهم، ووهبت مسيئهم لمحسنهم، وأعطيت محسنيهم جميع ما سألوني غير التبعات التي بينهم، فإذا أفاض القوم إلى جمع ووقفوا وعادوا في الرغبة والطلب إلى الله يقول: يا ملائكتي عبادي وقفوا، فعادوا في الرغبة والطّلب، فأشهدكم أني قد أجبت دعاءهم، وشفعت رغبتهم، ووهبت مسيئهم لمحسنهم، وأُعطيت محسنيهم ما سألني، وكفلت عنهم التّبعات التي بينهم".
رواه أبو يعلي (١٣٥١) عن إبراهيم بن الحجاج النيليّ، حدثنا صالح المريّ، عن يزيد الرّقاشي، عن أنس، فذكره.
ذكره الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٥٧) وضعّفه من أجل صالح المريّ.
قلت: صالح المريّ هو: ابن بشير بن وادع المري -بضم الميم وتشديد الراء- ضعّفه ابن معين، وقال البخاريّ: منكر الحديث. وفي التقريب: "ضعيف".
وأما ابن حبان فذكره في الثقات (٤/ ٣٧٤) فالظّاهر أنه لم يقف على كلام الأئمة فيه. وفات الهيثميّ يزيد الرقاشيّ وهو ابن يزيد بن أبان فلم يضعفه وهو ممن ضُعِّف.
وأمّا ما رُوي "أفضلُ الأيام يوم عرفة وافق يوم الجمعة، وهو أفضل من سبعين حجّة في غير يوم الجمعة" فهو لا أصل له، أورده ابن الأثير في "جامع الأصول" (٦٨٦٧) -تحقيق: أيمن صالح- وعزاه إلى رزين.
ورَزين هو ابن معاوية بن عمار الأندلسيّ السرقسطيّ المتوفي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة بمكة، وصفه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٢٠/ ٢٠٤) بأنه الإمام المحدّث الشهير صاحب كتاب "تجريد الصحاح", وكان إمام المالكيين بالحرم.
وقال ابن الأثير في مقدمة "جامع الأصول" (١/ ٤٨ - ٥٠): "جمع بين كتب البخاريّ،
стр. 3186
ومسلم، والموطأ لمالك، وجامع الترمذي، وسنن أبي داود، وسنن أبي عبد الرحمن النسائي رحمة الله عليهم".
وهو الذي بني عليه الحافظ ابن الأثير كتابه "جامع الأصول"، ولكن كما يقول الحافظ الذهبي: "أدخل في كتابه زيادات واهية، لو تنزّه عنها لأجاد".
قلت: وهذا الحديث من هذا القبيل.
وقد حاول أئمّة الحديث الوقوف على إسناد هذا الحديث فلم يقفوا عليه، قال الحافظ ابن القيم في "زاده" (١/ ٦٥) بعد أن بيّن مزية وقفة الجمعة من عشرة وجوه بقوله: "وأما ما استفاض على ألسنة العوام بأنها تعدل ثنتين وسبعين حجة فباطل لا أصل له عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين".
وقال الحافظ في "الفتح" (٨/ ٢٧١) بعد أن عزاه لرزين في "جامعه": "لا أعرف حاله؛ لأنه لم يذكر صحابيه ولا من أخرجه".
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في جزء "فضل عشر ذي الحجة ويوم عرفة" (ص ٤٦): "حديث وقفة الجمعة يوم عرفة أنها تعدل اثنتين وسبعين حجة حديث باطل لا يصح، وكذلك لا يثبت ما رُوي عن زرّ بن حبيش أنه أفضل من سبعين حجة في غير يوم جمعة".
٨٢ - باب الترغيب في قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له
• عن أبي أيوب، أنّ رسول الله ﷺ قال: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير، عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل".
متفق عليه: رواه البخاريّ (٦٤٠٤)، ومسلم (٢٦٩٣) كلاهما من حديث عمر بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: "من قال: لا إله إلا الله ... إلخ".
قال عمر (ابن أبي زائدة) حدّثنا عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، عن ربيع بن خثيم، بمثل ذلك. فقلت للربيع: ممن سمعتَه؟ قال: من عمرو بن ميمون. قال: فأتيت عمرو بن ميمون، فقلت: ممن سمعته؟ قال: من ابن أبي ليلى. قال: فأتيت ابن أبي ليلى، فقلت: ممن سمعته؟ قال: من أبي أيوب الأنصاري يحدثه عن رسول الله ﷺ .
• عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل ما قلتُ أنا والنّبيون قبلي عشية عرفة: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير".
حسن: رواه الطبراني في الدعاء (٨٧٤) من طريق قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن
стр. 3187
خليفة بن حصين، عن علي ﵁، فذكره.
وفي الإسناد قيس بن الربيع الأسدي أبو محمد الكوفيّ، مختلف فيه. فقال عفّان بن مسلم: كان قيس ثقة يوثقه الثوري وشعبة. وقال أبو داود الطّيالسيّ: قال لنا شعبة: أدركوا قيسًا قبل أن يموت.
وعن الوليد الطيالسيّ قال: كان قيس بن الربيع ثقة، حسن الحديث، حدّث عنه معاذ بن معاذ، ولكن ليّنه الإمام أحمد وضعّفه ابن معين، وكان عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه ثم تركهـ.
والسبب في ذلك كما قال جعفر بن أبان: سألت ابن نمير عن قيس بن الربيع؟ فقال: كان له ابن هو آفته، نظر أصحاب الحديث في كتبه، فأنكروا حديثه وظنوا أن ابنه قد غيّرها.
وكذلك قال أبو داود: إنما أتي قيس بن الربيع من قبل ابنه، كان ابنه يأخذ حديث الناس فيدخلها في فرج كتاب قيس، ولا يعرف الشيخ ذلك.
والخلاصة فيه ما قاله ابن عدي: "وعامة رواياته مستقيمة، والقول فيه ما قال شعبة، وإنه لا بأس به".
فإذا تبين أنه لم يتعمّد ولم يُتّهم فقد وجدنا لحديثه شاهدًا مرسلًا قويًّا، وهو ما رواه مالك (١/ ٤٢٢) عن زياد بن أبي زياد مولي عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، أنّ رسول الله ﷺ قال: "أفضل الدّعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنّبيون من قبلي: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له".
وطلحة بن عبيد الله بن كَرِيزْ -بفتح الكاف وإسكان الزاي- تابعيّ خزاعيّ، قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه، فقال: ثقة. وعمل السّلف يقويه أيضًا.
عن أبي شعبة أنه قال: رمقت ابن عمر وهو بعرفة لأسمع ما يدعو، قال: فما زاد على أن قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".
أورده البيهقي (٥/ ١١٧) هكذا معلقا.
ورواه الطبراني في "الدعاء" (٨٧٨) بإسناده عن عبد الله بن الحارث، أن ابن عمر كان عشية عرفة يرفع صوته، فذكره وزاد بعده: "اللَّهم اهدنا بالهدى، وزينا بالتقوى، واغفر لنا في الآخرة والأولى" ثم يخفض صوته، ثم يقول: "اللَّهم إني أسألك من فضلك وعطائك رزقًا طيبًا مباركًا, اللَّهم إنك أمرت بالدّعاء، وقضيت على نفسك بالاستجابة، وأنت لا تخلف وعدك، ولا تكذب وعدك، اللَّهم ما أحببت من خير فحبّبه إلينا، ويسره لنا، وما كرهت من شيء فكرهه إلينا، وجنبنا ولا تنزع عنا الإسلام بعد إذ أعطيتنا" انتهى ورجاله ثقات.
وفي معناه ما رُوي أيضا عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أن النبيَّ ﷺ قال: "خير الدّعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".
стр. 3188
رواه الترمذي (٣٥٨٥) عن أبي عمرو مسلم بن عمرو، حدثني عبد الله بن نافع، عن حماد بن أبي حميد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، وحماد بن أبي حُميد هو محمد بن أبي حميد، وهو أبو إبراهيم الأنصاري المدني، ليس بالقوي عند أهل الحديث".
وقال الحافظ في "التقريب": "هو الأنصاريّ الزرقي، لقبه حماد، ضعيف".
ومن طريقه رواه الإمام أحمد (٦٩٦١).
وأمّا قول الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٥٢): "رجاله موثقون" فهو ليس كما قال؛ فإنّ حماد بن أبي حميد ضعيف باتفاق أهل العلم، ولم يذكره ابن حبان في الثّقات.
وحديث عبد الله بن عمرو هذا مع ضعف فيه إذا ضمّ إلى مرسل طلحة بن عبيد الله قوي؛ لأنّ ابن عدي قال في حماد بن أبي حميد: "وهو مع ضعفه يكتب حديثه".
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير، اللَّهم! اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، اللهم! اشرح لي صدري ويسِّر لي أمري، أعوذ بك من وسواس الصدر، وفتنة القبر، وشتات الأمر، وأعوذ بك من شر ما يأتي في الليل والنهار، وما تهبُّ به الرياح".
رواه ابن عبد البر في "التمهيد" (٦/ ٣٩)، والبيهقي (٥/ ١١٧) كلاهما من طريق موسي بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن علي ﵁.
قال البيهقي: تفرد به موسي بن عبيدة وهو ضعيف، ولم يدرك أخوه عليًّا ﵁.
قلت: وهو كما قال، موسي بن عبيدة هذا هو الربذي، أهل العلم مطبقون على تضعيفه.
وفي الباب أحاديث أخرى عن عمر، وابن عباس، وابن مسعود وغيرهم. ولا يسلم منها شيء من ضعيف أو مجهول أو من لا يحتج به. والصحيح في هذا الباب هو ما ذكرته.
٨٣ - باب استحباب الفطر للحاج يوم عرفة
• عن أم الفضل بنت الحارث: أنّ ناسًا تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله ﷺ ، فقال بعضُهم: هو صائم. وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلتُ إليه بقَدَحِ لبنٍ -وهو واقف على بعيره- فشرب.
متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٣٢) عن أبي النّضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عُمير مولي عبد الله بن عباس، عن أم الفضل، فذكرته.
ورواه البخاري في الحج (١٦٦١)، ومسلم في الصيام (١١٣٢: ١١٠) كلاهما من طريق
стр. 3189
مالك، به، مثله.
وأمّ الفضل اسمها لبابة بنت الحارث الهلالية أخت ميمونة زوج النبي ﷺ ، وزوج العباس، قديمة الإسلام.
• عن ميمونة زوج النبيّ ﷺ أنها قالت: إنّ الناس شكُّوا في صيام رسول الله ﷺ يوم عرفة، فأرسلتُ إليه بحلاب وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناس ينظرون.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٨٩)، ومسلم في الصيام (١١٢٤) كلاهما من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو (هو ابن الحارث)، عن بكير (هو ابن عبد الله بن الأشج)، عن كريب مولي ابن عباس، عن ميمونة، فذكرته.
٨٤ - باب استحباب الدّعاء في عرفة واستقبال القبلة بذلك
• عن جابر بن عبد الله قال: ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصّخرات، وجعل حَبْل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة ... الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكره بطوله في حجة النبي ﷺ .
٨٥ - باب رفع اليدين في الدّعاء عند الوقوف بعرفة
• عن أسامة بن زيد قال: كنتُ رديف النبيّ ﷺ بعرفات، فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته فسقط خطامُها، فتناول الخطام بإحدى يديه، وهو رافع يده الأخرى.
حسن: رواه النسائيّ (٣٠١١) عن يعقوب بن إبراهيم، عن هُشيم، قال: حدثنا عبد الملك، عن عطاء، قال: قال أسامة، فذكره.
ورواه أحمد (٢١٨٢١) وصحّحه ابن خزيمة (٢٨٢٤) كلاهما من حديث هشيم، به، مثله. وعطاء هو ابن أبي رباح اختلف في سماعه من أسامة بن زيد، فنفاه أبو حاتم كما في "تحفة التحصيل" (ص ٢٢٩)، وأثبته ابن خزيمة كما في "صحيحه" (٣٠٠٦) قال فيه: حدّثني أسامة بن زيد.
والأصل في هذا الحديث أنه عن عطاء، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد إلا أنّ عبد الملك ابن أبي سليمان أخطأ فحذف الواسطة لأنه وصف بأنّ له أوهامًا، فروى عددًا من الأحاديث عن عطاء، عن أسامة بن زيد.
انظر مسند أحمد (٢١٨٢٢, ٢١٨٢٣). ولذا أخرج أصحاب الصحاح هذا الحديث وغيره من هذا الطريق، منهم: ضياء الدين المقدسيّ في "المختارة" (١٣٣٥) من طريق هُشيم.
стр. 3190
٨٦ - باب جواز الوقوف على الدّابة ونحوها بعرفة
• عن أم الفضل بنت الحارث: أنّ ناسًا تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله ﷺ ، فقال بعضُهم: هو صائم. وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلتُ إليه بقَدَحِ لبنٍ -وهو واقف على بعيره- فشرب.
متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٣٢) عن أبي النّضر مولي عمر بن عبيد الله، عن عُمير مولي عبد الله بن عباس، عن أم الفضل، فذكرته.
ورواه البخاري في الحج (١٦٦١)، ومسلم في الصيام (١١٢٣: ١١٠) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
٨٧ - باب الإفاضة من عرفات بعد غروب الشمس
• عن جابر بن عبد الله قال: فلم يزل (يعني النبيَّ ﷺ " واقفًا حتّى غربت الشّمس، وذهبت الصُّفرة قليلا حتى غاب القرْص ... الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكره بطوله في حجة النبيّ ﷺ .
الوقوف المجزئ أن يكون بعد الزوال إلى الغروب كما ثبت ذلك من فعل النبيّ ﷺ .
• عن علي بن أبي طالب قال: وقف رسول الله ﷺ بعرفة ثم أفاض حين غابت الشمس، وأردف أسامة بن زيد.
حسن: رواه أبو داود (١٩٢٢, ١٩٣٥)، والترمذي (٨٨٥)، وابن ماجه (٣٠١٠)، وصححه ابن خزيمة (٢٨٣٧) -واللّفظ له- كلّهم من حديث سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي، فذكره في حديث طويل كما ذكره الترمذيّ -ومضى قريبًا- وغيره رواه مختصرًا، واللفظ هنا لابن خزيمة الذي اختصره في هذا الجزء الخاص بالإفاضة من عرفة.
وإسناده حسن من أجل الكلام في عبد الرحمن بن الحارث بن عياش غير أنه حسن الحديث.
• عن أسامة، قال: كنتُ رِدْف النبيّ ﷺ فلما وقعت الشمس دفع رسول الله ﷺ .
حسن: رواه أبو داود (١٩٢٤) عن أحمد بن حنبل، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني إبراهيم بن عقبة، عن كريب مولي عبد الله بن عباس، عن أسامة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، وقد صرّح بالتحديث.
• عن عروة بن مضرس الطائي قال: أتيت رسول الله ﷺ بالموقف -يعني بجمع
следующие страницы →