Полный текст (8 687 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
ومسلم، والموطأ لمالك، وجامع الترمذي، وسنن أبي داود، وسنن أبي عبد الرحمن النسائي رحمة الله عليهم".
وهو الذي بني عليه الحافظ ابن الأثير كتابه "جامع الأصول"، ولكن كما يقول الحافظ الذهبي: "أدخل في كتابه زيادات واهية، لو تنزّه عنها لأجاد".
قلت: وهذا الحديث من هذا القبيل.
وقد حاول أئمّة الحديث الوقوف على إسناد هذا الحديث فلم يقفوا عليه، قال الحافظ ابن القيم في "زاده" (١/ ٦٥) بعد أن بيّن مزية وقفة الجمعة من عشرة وجوه بقوله: "وأما ما استفاض على ألسنة العوام بأنها تعدل ثنتين وسبعين حجة فباطل لا أصل له عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين".
وقال الحافظ في "الفتح" (٨/ ٢٧١) بعد أن عزاه لرزين في "جامعه": "لا أعرف حاله؛ لأنه لم يذكر صحابيه ولا من أخرجه".
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في جزء "فضل عشر ذي الحجة ويوم عرفة" (ص ٤٦): "حديث وقفة الجمعة يوم عرفة أنها تعدل اثنتين وسبعين حجة حديث باطل لا يصح، وكذلك لا يثبت ما رُوي عن زرّ بن حبيش أنه أفضل من سبعين حجة في غير يوم جمعة".
٨٢ - باب الترغيب في قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له
• عن أبي أيوب، أنّ رسول الله ﷺ قال: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير، عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل".
متفق عليه: رواه البخاريّ (٦٤٠٤)، ومسلم (٢٦٩٣) كلاهما من حديث عمر بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: "من قال: لا إله إلا الله ... إلخ".
قال عمر (ابن أبي زائدة) حدّثنا عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، عن ربيع بن خثيم، بمثل ذلك. فقلت للربيع: ممن سمعتَه؟ قال: من عمرو بن ميمون. قال: فأتيت عمرو بن ميمون، فقلت: ممن سمعته؟ قال: من ابن أبي ليلى. قال: فأتيت ابن أبي ليلى، فقلت: ممن سمعته؟ قال: من أبي أيوب الأنصاري يحدثه عن رسول الله ﷺ .
• عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل ما قلتُ أنا والنّبيون قبلي عشية عرفة: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير".
حسن: رواه الطبراني في الدعاء (٨٧٤) من طريق قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن
стр. 3187
خليفة بن حصين، عن علي ﵁، فذكره.
وفي الإسناد قيس بن الربيع الأسدي أبو محمد الكوفيّ، مختلف فيه. فقال عفّان بن مسلم: كان قيس ثقة يوثقه الثوري وشعبة. وقال أبو داود الطّيالسيّ: قال لنا شعبة: أدركوا قيسًا قبل أن يموت.
وعن الوليد الطيالسيّ قال: كان قيس بن الربيع ثقة، حسن الحديث، حدّث عنه معاذ بن معاذ، ولكن ليّنه الإمام أحمد وضعّفه ابن معين، وكان عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه ثم تركهـ.
والسبب في ذلك كما قال جعفر بن أبان: سألت ابن نمير عن قيس بن الربيع؟ فقال: كان له ابن هو آفته، نظر أصحاب الحديث في كتبه، فأنكروا حديثه وظنوا أن ابنه قد غيّرها.
وكذلك قال أبو داود: إنما أتي قيس بن الربيع من قبل ابنه، كان ابنه يأخذ حديث الناس فيدخلها في فرج كتاب قيس، ولا يعرف الشيخ ذلك.
والخلاصة فيه ما قاله ابن عدي: "وعامة رواياته مستقيمة، والقول فيه ما قال شعبة، وإنه لا بأس به".
فإذا تبين أنه لم يتعمّد ولم يُتّهم فقد وجدنا لحديثه شاهدًا مرسلًا قويًّا، وهو ما رواه مالك (١/ ٤٢٢) عن زياد بن أبي زياد مولي عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، أنّ رسول الله ﷺ قال: "أفضل الدّعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنّبيون من قبلي: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له".
وطلحة بن عبيد الله بن كَرِيزْ -بفتح الكاف وإسكان الزاي- تابعيّ خزاعيّ، قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه، فقال: ثقة. وعمل السّلف يقويه أيضًا.
عن أبي شعبة أنه قال: رمقت ابن عمر وهو بعرفة لأسمع ما يدعو، قال: فما زاد على أن قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".
أورده البيهقي (٥/ ١١٧) هكذا معلقا.
ورواه الطبراني في "الدعاء" (٨٧٨) بإسناده عن عبد الله بن الحارث، أن ابن عمر كان عشية عرفة يرفع صوته، فذكره وزاد بعده: "اللَّهم اهدنا بالهدى، وزينا بالتقوى، واغفر لنا في الآخرة والأولى" ثم يخفض صوته، ثم يقول: "اللَّهم إني أسألك من فضلك وعطائك رزقًا طيبًا مباركًا, اللَّهم إنك أمرت بالدّعاء، وقضيت على نفسك بالاستجابة، وأنت لا تخلف وعدك، ولا تكذب وعدك، اللَّهم ما أحببت من خير فحبّبه إلينا، ويسره لنا، وما كرهت من شيء فكرهه إلينا، وجنبنا ولا تنزع عنا الإسلام بعد إذ أعطيتنا" انتهى ورجاله ثقات.
وفي معناه ما رُوي أيضا عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أن النبيَّ ﷺ قال: "خير الدّعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".
стр. 3188
رواه الترمذي (٣٥٨٥) عن أبي عمرو مسلم بن عمرو، حدثني عبد الله بن نافع، عن حماد بن أبي حميد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، وحماد بن أبي حُميد هو محمد بن أبي حميد، وهو أبو إبراهيم الأنصاري المدني، ليس بالقوي عند أهل الحديث".
وقال الحافظ في "التقريب": "هو الأنصاريّ الزرقي، لقبه حماد، ضعيف".
ومن طريقه رواه الإمام أحمد (٦٩٦١).
وأمّا قول الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٥٢): "رجاله موثقون" فهو ليس كما قال؛ فإنّ حماد بن أبي حميد ضعيف باتفاق أهل العلم، ولم يذكره ابن حبان في الثّقات.
وحديث عبد الله بن عمرو هذا مع ضعف فيه إذا ضمّ إلى مرسل طلحة بن عبيد الله قوي؛ لأنّ ابن عدي قال في حماد بن أبي حميد: "وهو مع ضعفه يكتب حديثه".
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير، اللَّهم! اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، اللهم! اشرح لي صدري ويسِّر لي أمري، أعوذ بك من وسواس الصدر، وفتنة القبر، وشتات الأمر، وأعوذ بك من شر ما يأتي في الليل والنهار، وما تهبُّ به الرياح".
رواه ابن عبد البر في "التمهيد" (٦/ ٣٩)، والبيهقي (٥/ ١١٧) كلاهما من طريق موسي بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن علي ﵁.
قال البيهقي: تفرد به موسي بن عبيدة وهو ضعيف، ولم يدرك أخوه عليًّا ﵁.
قلت: وهو كما قال، موسي بن عبيدة هذا هو الربذي، أهل العلم مطبقون على تضعيفه.
وفي الباب أحاديث أخرى عن عمر، وابن عباس، وابن مسعود وغيرهم. ولا يسلم منها شيء من ضعيف أو مجهول أو من لا يحتج به. والصحيح في هذا الباب هو ما ذكرته.
٨٣ - باب استحباب الفطر للحاج يوم عرفة
• عن أم الفضل بنت الحارث: أنّ ناسًا تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله ﷺ ، فقال بعضُهم: هو صائم. وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلتُ إليه بقَدَحِ لبنٍ -وهو واقف على بعيره- فشرب.
متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٣٢) عن أبي النّضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عُمير مولي عبد الله بن عباس، عن أم الفضل، فذكرته.
ورواه البخاري في الحج (١٦٦١)، ومسلم في الصيام (١١٣٢: ١١٠) كلاهما من طريق
стр. 3189
مالك، به، مثله.
وأمّ الفضل اسمها لبابة بنت الحارث الهلالية أخت ميمونة زوج النبي ﷺ ، وزوج العباس، قديمة الإسلام.
• عن ميمونة زوج النبيّ ﷺ أنها قالت: إنّ الناس شكُّوا في صيام رسول الله ﷺ يوم عرفة، فأرسلتُ إليه بحلاب وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناس ينظرون.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٨٩)، ومسلم في الصيام (١١٢٤) كلاهما من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو (هو ابن الحارث)، عن بكير (هو ابن عبد الله بن الأشج)، عن كريب مولي ابن عباس، عن ميمونة، فذكرته.
٨٤ - باب استحباب الدّعاء في عرفة واستقبال القبلة بذلك
• عن جابر بن عبد الله قال: ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصّخرات، وجعل حَبْل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة ... الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكره بطوله في حجة النبي ﷺ .
٨٥ - باب رفع اليدين في الدّعاء عند الوقوف بعرفة
• عن أسامة بن زيد قال: كنتُ رديف النبيّ ﷺ بعرفات، فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته فسقط خطامُها، فتناول الخطام بإحدى يديه، وهو رافع يده الأخرى.
حسن: رواه النسائيّ (٣٠١١) عن يعقوب بن إبراهيم، عن هُشيم، قال: حدثنا عبد الملك، عن عطاء، قال: قال أسامة، فذكره.
ورواه أحمد (٢١٨٢١) وصحّحه ابن خزيمة (٢٨٢٤) كلاهما من حديث هشيم، به، مثله. وعطاء هو ابن أبي رباح اختلف في سماعه من أسامة بن زيد، فنفاه أبو حاتم كما في "تحفة التحصيل" (ص ٢٢٩)، وأثبته ابن خزيمة كما في "صحيحه" (٣٠٠٦) قال فيه: حدّثني أسامة بن زيد.
والأصل في هذا الحديث أنه عن عطاء، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد إلا أنّ عبد الملك ابن أبي سليمان أخطأ فحذف الواسطة لأنه وصف بأنّ له أوهامًا، فروى عددًا من الأحاديث عن عطاء، عن أسامة بن زيد.
انظر مسند أحمد (٢١٨٢٢, ٢١٨٢٣). ولذا أخرج أصحاب الصحاح هذا الحديث وغيره من هذا الطريق، منهم: ضياء الدين المقدسيّ في "المختارة" (١٣٣٥) من طريق هُشيم.
стр. 3190
٨٦ - باب جواز الوقوف على الدّابة ونحوها بعرفة
• عن أم الفضل بنت الحارث: أنّ ناسًا تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله ﷺ ، فقال بعضُهم: هو صائم. وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلتُ إليه بقَدَحِ لبنٍ -وهو واقف على بعيره- فشرب.
متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٣٢) عن أبي النّضر مولي عمر بن عبيد الله، عن عُمير مولي عبد الله بن عباس، عن أم الفضل، فذكرته.
ورواه البخاري في الحج (١٦٦١)، ومسلم في الصيام (١١٢٣: ١١٠) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
٨٧ - باب الإفاضة من عرفات بعد غروب الشمس
• عن جابر بن عبد الله قال: فلم يزل (يعني النبيَّ ﷺ " واقفًا حتّى غربت الشّمس، وذهبت الصُّفرة قليلا حتى غاب القرْص ... الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكره بطوله في حجة النبيّ ﷺ .
الوقوف المجزئ أن يكون بعد الزوال إلى الغروب كما ثبت ذلك من فعل النبيّ ﷺ .
• عن علي بن أبي طالب قال: وقف رسول الله ﷺ بعرفة ثم أفاض حين غابت الشمس، وأردف أسامة بن زيد.
حسن: رواه أبو داود (١٩٢٢, ١٩٣٥)، والترمذي (٨٨٥)، وابن ماجه (٣٠١٠)، وصححه ابن خزيمة (٢٨٣٧) -واللّفظ له- كلّهم من حديث سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي، فذكره في حديث طويل كما ذكره الترمذيّ -ومضى قريبًا- وغيره رواه مختصرًا، واللفظ هنا لابن خزيمة الذي اختصره في هذا الجزء الخاص بالإفاضة من عرفة.
وإسناده حسن من أجل الكلام في عبد الرحمن بن الحارث بن عياش غير أنه حسن الحديث.
• عن أسامة، قال: كنتُ رِدْف النبيّ ﷺ فلما وقعت الشمس دفع رسول الله ﷺ .
حسن: رواه أبو داود (١٩٢٤) عن أحمد بن حنبل، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني إبراهيم بن عقبة، عن كريب مولي عبد الله بن عباس، عن أسامة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، وقد صرّح بالتحديث.
• عن عروة بن مضرس الطائي قال: أتيت رسول الله ﷺ بالموقف -يعني بجمع
стр. 3191
- قلت: جئت يا رسول الله من جبل طي أكلَلْتُ مطيتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حبل إلا وقفتُ عليه! فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : "من أدرك معنا هذه الصّلاة، وأتي عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجُّه وقضي تفثه".
صحيح: رواه أبو داود (١٩٥٠)، والترمذي (٨٩١)، والنسائي (٣٠٣٩)، وابن ماجه (٣٠١٦) كلّهم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، حدّثنا عامر الشعبيّ، عن عروة بن مضرّس، فذكر الحديث.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". والحديث تقدم في باب وجوب الوقوف بعرفة.
وقد استدل الإمامُ أحمد وغيره بحديث عروة بن مضرس على أن وقت الوقوف من حين طلوع الفجر من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من ليلة النحر، وسوّي بين أجزاء النهار وأجزاء الليل.
وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن أكثر الحنابلة مثل أبي بكر، وابن أبي موسى، وابن حامد، والقاضي وأصحابه قالوا: لو وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال ونفر منها قبل الزوال أساء وحجّه تام، وعليه الدّم.
وأما قول مالك: "أن من دفع قبل الغروب فلا حج له".
فقد قال ابن عبد البر في "التمهيد" (١٠/ ٢١): "ولا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال بقول مالك، وهو قد وقف بعد الزوال وبعد الصلاة، ولا روينا عن أحد من السلف؛ فإنّ سائر العلماء قالوا: كلّ من وقف بعرفة بعد الزوال أو في ليلة النحر فقد أدرك الحج، فإن دفع قبل غروب الشمس من عرفة فعليه دم عندهم، وحجّه تام".
٨٨ - باب السير في هدوء عند الإفاضة من عرفات
• عن عروة بن الزبير، أنه قال: سُئل أسامة بن زيد وأنا جالسٌ معه: كيف كان يسير رسولُ الله ﷺ في حجّة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العَنَق، فإذا وجد فجوةً نصَّ.
قال مالك: قال هشام: والنَّصُّ فوق العَنَق.
متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٧٦) عن هشام بن عروة، عن أبيه، فذكره. ورواه البخاريّ في الحج (١٦٦٦) عن عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، به، مثله.
ورواه مسلم في الحجّ (١٢٨٦: ٢٨٣, ٢٨٤) من طرق، عن هشام بن عروة، به، بلفظ: "كيف كان يسير رسول الله ﷺ حين أفاض من عرفة؟ " فذكره.
قوله: "العنَق" بفتح المهملة والنون هو السير الذي بين الإبطاء والإسراع.
وقوله: "نصَّ" أي أسرع، وأصل النّص غاية المشي، ومنه نصصت الشيء رفعته، ثم استعمل في ضرب سريع من السير. انظر الفتح (٣/ ٥١٨).
стр. 3192
• عن ابن عباس، أنه دفع مع النبيّ ﷺ يوم عرفة فسمع النبيُّ ﷺ وراءه زَجْرًا شديدًا، وضرْبًا وصوْتًا للإبل، فأشار بسوطه إليهم وقال: "أيُّها الناسُ، عليكم بالسّكينة، فإنّ البرَّ ليس بالإيضاع".
صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٦٧١) عن سعيد بن أبي مريم، حدّثنا إبراهيم بن سويد، حدثني عمرو بن أبي عمرو مولى المطّلب، أخبرني سعيد بن جبير مولى والبة الكوفي، حدثني ابن عباس، فذكره.
قوله: "فإنّ البرّ ليس بالإيضاع" أي ليس بالسّير السريع، فبيّن ﷺ أن تكلّف الإسراع في السير ليس من البر أي مما يتقرّب به. انظر: الفتح (٣/ ٥٢٢).
• عن جابر بن عبد الله قال: ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزّمام، حتى إنَّ رأسَها ليصيبُ موركَ رحله ويقول بيده اليمني: "أيها الناس، السّكينةَ السّكينة" الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدنيّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكر بطوله في صفة حجة النبي ﷺ .
• عن الفضل بن عباس -وكان رديفَ رسول الله ﷺ - أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا: "عليكم بالسّكينة" وهو كافٌّ ناقته.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٨٣) من طريق أبي الزبير عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس، به.
• عن ابن عباس، أنّ رسولَ الله ﷺ أفاض من عرفة، وأسامة ردفُه. قال أسامة: فما زال يسيرُ على هيئته حتى أتى جمعًا.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٨٦: ٢٨٢) من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره.
قوله: "على هيئته" أي على عادته في السكون والرفق.
وفي هذه الأحاديث بيان لكيفية سيره ﷺ عند الدّفع من عرفة إلى مزدلفة وأنه في رفق وسكينة لا سيما في حال الزّحام، لكن إذا وجد فرجة واتساعًا في الطريق أسرع.
• عن أسامة أنّ رسولَ الله ﷺ أفاض من عرفة، ورديفه أسامة. فجعل يكبح راحلته حتى إن ذفراها لتكاد أن تمس -وربما قال حماد: أن تصيب- قادمة الرحل. وهو يقول: "يا أيها الناس عليكم بالسكينة والوقار، فإن البر ليس في إيضاع الإبل".
صحيح: رواه النسائي (٣٠١٨) وأحمد (٢١٧٥٦) والبيهقي (٥/ ١١٩) كلهم من طرق عن حماد بن
стр. 3193
سلمة، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد، قال: فذكره. وإسناده صحيح.
• عن علي بن أبي طالب، قال: ثم أردف أسامة، فجعل يعنق على ناقته، والناس يضربون الإبل يمينًا وشمالًا لا يلتفت إليهم ويقول: "السكينة أيها الناس"، ودفع حين غابت الشمس.
حسن: رواه أبو داود (١٩٢٢)، والترمذيّ (٨٨٥) كلاهما من حديث سفيان، عن عبد الرحمن ابن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، فذكره.
واللفظ لأبي داود. وأما الترمذي فذكره في سياق طويل.
وإسناده حسن من أجل الكلام في عبد الرحمن بن الحارث إلا أنه حسن الحديث.
وقوله: "لا يلتفت إليهم" هكذا في سنن أبي داود عن الإمام أحمد وهو في مسنده (١٣٤٨) عن يحيي بن آدم، حدثنا سفيان بإسناده.
ولكن رواه هو نفسه (٥٦٢)، والترمذي من حديث أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير، عن سفيان، فقال فيه: "يلتفت إليهم ويقول: السّكينة ... " وهذا هو الصحيح بدون "لا" النافية؛ لأن المعنى لا يستقيم بإثباتها، فالظاهر أن يحيي بن آدم أخطأ فيه، فذكر فيه "لا يلتفت".
والبيهقيّ (٥/ ١٢٢) أيضًا ممن وهم في إثبات "لا" النافية في رواية محمد بن عبد الله الزبيري الأسدي، والصواب بدونها.
قال محبّ الدّين الطّبريّ في "القرى" (ص ٤١٤) قال بعضهم: رواية من روي "يلتفت إليهم" بإسقاط "لا" أصح، فإنه كان ينظر إليهم، وهم يضربون الإبل، يشير إليهم يمينًا وشمالًا: "السّكينة السّكينة".
٨٩ - باب الجمع بين الصّلاتين بالمزدلفة
• عن عبد الله بن عمر: أنّ رسول الله ﷺ صلّي المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا.
متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٩٦) عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، فذكره.
ورواه مسلم في الحج (٧٠٣: ٢٨٦) من طريقه مالك، ورواه البخاري في الحج (١٦٧٣) من وجه آخر عن سالم نحوه.
• عن أبي أيوب الأنصاريّ، أنّه صلّى مع رسول الله ﷺ في حجّة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا.
متفق عليه: رواه مالك في الحجّ (١٩٨) عن يحيى بن سعيد (هو الأنصاري)، عن عدي بن ثابت الأنصاريّ، أنّ عبد الله بن يزيد الخطمي أخبره، أنّ أبا أيوب الأنصاريّ أخبره، فذكره.
ورواه البخاريّ في المغازي (٤٤١٤) عن القعنبيّ، عن مالك، به، مثله.
стр. 3194
ورواه أيضًا في الحج (١٦٧٤) هو ومسلم في الحجّ (١٢٨٧) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، حدثنا يحيى بن سعيد، به، نحوه.
• عن أسامة بن زيد، أنّ رسول الله ﷺ لما أفاض من عرفة عدل إلى الشعب، فقضى حاجته. قال أسامة بن زيد: فجعلت أصب عليه ويتوضأ. فقلت: يا رسول الله، أتصلي؟ فقال: "المصلي أمامك".
متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (١٨١) ومسلم في الحج (١٢٨٠) كلاهما من حديث كريب مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد، فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم أطول.
٩٠ - باب الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء في مزدلفة بأذان واحد وإقامتين، ولا يتنفّل بينهما ولا على إثرهما
• عن جابر بن عبد الله قال: حتى أتى المزدلفة، فصلّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبِّح بينهما شيئًا، ثم اضطجع رسولُ الله ﷺ حتى طلع الفجر ... الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكر حديث حجة النبي ﷺ بطوله.
وبهذا قال الشافعي في القديم، ورواية عن أحمد وهو اختيار الطحاوي قياسًا على الجمع بين الظهر والعصر بعرفة.
وأما قولُ الشّافعيّ الجديد فهو كما يدل عليه حديث أسامة بن زيد الآتي.
وحديث جابر هذا في صلاة النبيّ ﷺ في المزدلفة هو العمدة، ومن خالفه فإما أن يكون شاذًا فلا يلتفت إليه، وإما أن يكون صحيحًا فيحتاج إلى تأويل لئلا يتضارب فعل النبيّ ﷺ في حجّه الذي لم يتكرّر.
وأما ما ذكره الزيلعيّ في نصب الراية (٣/ ٦٨) بأنّ ابن أبي شيبة رواه في مصنفه بهذا الإسناد، وجاء فيه: "بأذان وإقامة واحدة"، وقال: "هذا حديث غريب فإنّ الذي في حديث جابر الطويل عند مسلم أنه صلاهما بأذان وإقامتين".
قلت: كذا قال، والذي في طبعتي الحوت (١٤٠٥٠) واللّحام (٤/ ٣٤٧): "بأذان واحد وإقامتين" مثل رواية مسلم؛ فلعلّ هذا يعود إلى اختلاف نسخ المصنف، والله تعالى أعلم.
• عن ابن عمر، قال: جمع النبيّ ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبّح بينهما ولا على إثر كلّ واحدة منهما.
стр. 3195
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٧٣) من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، به، نحوه وزاد: "كلُّ واحدة منهما بإقامة، ولم يسبِّح بينهما، ولا على إثر كلّ واحدة منهما".
ورواه مسلم (١٢٨٨: ٢٨٧) من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه أنه قال: جمع رسولُ ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع ليس بينهما سجدة، وصلّى المغرب ثلاث ركعات، وصلّى العشاء ركعتين، فكان عبد الله يصلي بجمع كذلك حتى لحق بالله تعالي.
• عن سعيد بن جبير، أنه صلّى المغرب بجمع والعشاء بإقامة، ثم حدّث عن ابن عمر أنه صلّى مثل ذلك، وحدّث ابن عمر أنّ النبيَّ ﷺ صنع مثل ذلك.
صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٢٨٨: ٢٨٨) عن محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن الحكم وسلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، فذكره.
وقال: وحدثنيه زهير بن حرب، حدثنا وكيع، حدثنا شعبة بهذا الإسناد، وقال: صلاهما بإقامة واحدة.
• عن عبد الله بن مالك، أنّ ابن عمر صلّى بجمع، فجمع بين الصلاتين بإقامة. وقال: رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل هذا في هذا المكان. حسن: رواه الترمذي (٨٨٧)، وأبو داود (١٩٢٩) كلاهما من حديث سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مالك، فذكره.
واللّفظ للترمذيّ. وأما أبو داود فلم يذكر قوله: "بإقامة" بل اكتفي فقط بذكر الجمع بين الصلاتين.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
قلت: هو حسن فقط؛ لأن عبد الله بن مالك وهو الهمداني أو الأسدي الكوفي لم يوثقه غير ابن حبان، وروى عنه اثنان، فهو "مقبول" كما في "التقريب". وهو كذلك لأنه توبع كما سبق.
• عن ابن عمر قال: إنه صلى مع رسول الله ﷺ بالمزدلفة المغرب والعشاء بإقامة إقامة جمع بينهما.
صحيح: رواه أبو داود (١٩٢٧) عن الإمام أحمد -وهو في المسند (٦٤٧٣) - وفيه قال (أي عبد الله بن أحمد): قرأت على أبي: حدثنا حماد بن خالد، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، فذكره.
وقال أبو داود: قال أحمد: قال وكيع: "صلّي كل صلاة بإقامة". إلا أنّ هذا لم يذكره أحمد.
ولكن رواية وكيع هذه أخرجها مسلم (١٢٨٨: ٢٨٨) وقال: "صلاهما بإقامة واحدة".
• عن أشعث بن سليم عن أبيه قال: أقبلت مع ابن عمر من عرفات إلى المزدلفة فلم يكن يفتر من التكبير والتهليل حتى أتينا المزدلفة، فأذّن وأقام أو أمر إنسانًا فأذّن
стр. 3196
وأقام فصلّى بنا المغرب ثلاث ركعات، ثم التفت إلينا فقال: الصّلاة فصلّي بنا العشاء ركعتين، ثم دعا بعشائه.
صحيح: رواه أبو داود (١٩٣٣) عن مسدد، حدثنا أبو الأحوص، حدثنا أشعث بن سليم، فذكره.
قال (أي أشعث): وأخبرني علاج بن عمرو بمثل حديث أبي، عن ابن عمر، قال: فقيل لابن عمر في ذلك، فقال: صليت مع رسول الله ﷺ .
وإسناده صحيح، ورجاله ثقات غير علاج بن عمرو وهو لا يعرف، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى عنه اثنان فهو "مقبول" حب اصطلاح ابن حجر، وهو كذلك لأنه توبع.
وهذه الروايات عن ابن عمر كلها صحيحة، فإما أن نؤوِّل، وإما أن نحكم على بعضها بالشّذوذ.
وذهب الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى إلى الحكم بالاضطراب في أحاديث ابن عمر، فقال: "والصحيح في ذلك كله الأخذ بحديث جابر وهو الجمع بينهما بأذان وإقامتين لوجهين اثنين:
أحدهما: أنّ الأحاديث سواه مضطربة مختلفة، فهذا حديث ابن عمر في غاية الاضطراب -كما تقدم-، فروي عن ابن عمر من فعله: الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة، وروي عنه الجمع بينهما بإقامة واحدة، وروي عنه الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة، وروي عنه مسندًا إلى النبي ﷺ : الجمع بينهما بإقامة واحدة، وروي عنه مرفوعًا الجمع بينهما بإقامتين، وعنه أيضًا مرفوعًا: الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة لهما، وعنه مرفوعًا الجمع بينهما دون ذكر أذان ولا إقامة، وهذه الروايات صحيحة عنه، فيسقط الأخذ بها؛ لاختلافها واضطرابها.
والوجه الثاني: أنه قد صحّ من حديث جابر في جمعه ﷺ بعرفة، أنه جمع بينهما بأذان وإقامتين، ولم يأت في حديث ثابت قطّ خلافه، والجمع بين الصلاتين بمزدلفة كالجمع بينهما بعرفة، لا يفترقان إلّا في التقديم والتأخير.
وقال: ومذهب أحمد والشافعي في الأصح عنه وأبي ثور، وعبد المالك الماجشون، والطحاوي أنه يصليهما بأذان وإقامتين، وحجتهم حديث جابر الطويل.
وقال: وقال مالك: يصليهما بأذانين وإقامتين، وهو مذهب ابن مسعود. وقال ابن المنذر: وروي هذا عن عمر ﵁.
قال ابن عبد البر: "ولا أعلم ذلك مرفوعًا إلى النبيّ ﷺ بوجه من الوجوه، ولكنه روي عن عمر ابن الخطاب أنه صلاهما بالمزدلفة كذلك" انتهى كلام ابن القيم. وفيه تقديم وتأخير. انظر: "تهذيب السنن" (٢/ ٤٠٠).
٩١ - باب من قال: يجمع بينهما بإقامتين فقط بدون أذان
• عن أسامة بن زيد أنه قال: دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشِّعْب
стр. 3197
نزل فبال فتوضأ فلم يسبغ الوضوء، فقلت له: الصّلاةَ يا رسول الله؟ فقال: "الصَّلاةُ أمَامَك". فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضّأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصّلاة فصلي المغرب، ثم أناخ كلُّ إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئا.
متفق عليه: رواه مالك في الحجّ (١٩٧) عن موسى بن عقبة، عن كريب مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد، به، فذكره.
ورواه البخاريّ في الحج (١٦٧٢)، ومسلم في الحج (١٢٨٠: ٢٧٦) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
ولم يذكر في هذا الحديث الأذان، ولعلّ ذلك يعود إلى العلم العام الذي لا يحتاج إلى البيان، فإنّ الإقامة بسبقها الأذان؛ ولذلك لم يذكره أسامة. وهذا التأويل لا بد منه حتى لا يتعارض فعل النبيّ ﷺ في حجة الوداع لأنه لم يتكرر، وحديث جابر صريح بأذان وإقامتين، وهذا هو الصحيح من فعل النبيّ ﷺ في هذه الليلة المباركة، وما خالفه فهو إما شاذ أو صحيح مؤوّل.
وبهذا قال الشافعيّ في الجديد، ورواية عن الإمام أحمد، وبه قال الثوريّ، والمشهور عن الإمام أحمد: كلّ إنسان يتخيّر ما يراه مناسبًا.
٩٢ - باب من أذّن وأقام لكلّ واحدة منهما
• عن أبي إسحق قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: حجّ عبد الله ﵁، فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريبا من ذلك فأمر رجلا فأذّن وأقام، ثم صلي المغرب وصلّي بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشى ثم أمر -أُرَي- فأذّن وأقام.
قال عمرو: لا أعلم الشّك إلا من زهير - ثم صلّى العشاء ركعتين فلما طلع الفجر قال: إنّ النبي ﷺ كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم.
قال عبد الله: هما صلاتان تحولان عن وقتها صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر. قال: رأيت النبي ﷺ يفعله.
صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٦٧٥) عن عمرو بن خالد، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، قال (فذكره).
هكذا بوّبه أيضًا البخاريّ وكأنّه يرى كلَّ صلاة بأذان وإقامة؛ ولعلّ العلة في ذلك أن ابن مسعود جعل فاصلًا بين الصلاتين، فإنه صلّى المغرب، ثم دعا بعشائه فتعشّى، ومعنى هذا أن أصحابه
стр. 3198
تفرقوا للعشاء وقضاء الحاجات وغيرها، ففي هذه الحال لا بد من أذان جديد ليجتمع الناس، ثم يقيم ويصلي.
ففي هذه الصورة أداء الصلاتين بأذانين وإقامتين أولي من أدائهما بأذان وإقامتين.
وروي مثل هذا من فعل عمر بن الخطاب كما أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح، وبهذا قال مالك ﵀.
وروى ابن عبد البر عن أحمد بن خالد أنه كان يتعجّب من مالك حيث أخذ بحديث ابن مسعود، وهو من رواية الكوفيين مع كونه موقوفًا، ويترك ما روي عن أهل المدينة وهو مرفوع.
قال ابن عبد البر: "وأعجب أنا من الكوفيين حيث أخذوا بما رواه أهل المدينة، وهو أن يجمع بينهما بأذان وإقامة واحدة، وتركوا ما رووا في ذلك عن ابن مسعود مع أنهم لا يعدلون به أحدًا" انظر الفتح (٣/ ٥٢٥).
وأمّا التنقّل بعد المغرب أو بعد العشاء فلم يرد في ذلك شيء مرفوع، بل ثبت في الصّحيح أنه لم يسبِّح بينهما، وإنّما ثبت ذلك من فعل بعض الصّحابة.
وأما صلاة الوتر فلم يرد أيضًا عن النبيّ ﷺ أنه أوتر في هذه الليلة لا في حديث جابر ولا في حديث غيره الذين وصفوا حجة النبي ﷺ .
ولكن لو صلى أحدٌ الوتر في هذه الليلة على أصل ثابت عن النبي ﷺ بأنه ما كان يترك الوتر في سفر أو حضر لجاز، وبه يقول سماحة الشيخ ابن باز. راجع فتاويه (١٧/ ٢٨٢ - ٢٨٣).
٩٣ - باب صلاة الصبح بوم النحر بالمزدلفة
• عن ابن مسعود قال: ما رأيتُ النبيَّ ﷺ صلّى صلاةً بغير ميقاتها إلّا صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء، وصلّى الفجر قبل ميقاتها.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٨٢)، ومسلم في الحج (١٢٨٩) كلاهما من طريق الأعمش، حدثني عمارة (هو ابن عمير التيميّ)، عن عبد الرحمن بن يزيد (النخعي)، عن عبد الله، فذكره، ولفظهما متقارب.
ورواه البخاريّ أيضًا مطوّلًا (١٦٨٣) من طريق أبي إسحاق السبيعيّ، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعيّ، قال: خرجنا مع عبد الله ﵁ إلى مكة ثم قدمنا جَمْعًا، فصلّي الصّلاتين كلَّ صلاةٍ وحدها بأذان وإقامة، والعشاء بينهما ثم صلّى الفجر حين طلع الفجر. قائل يقول: طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع الفجر، ثم قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّ هاتين الصّلاتين حُوِّلتا عن وقتهما في هذا المكان المغرب والعشاء". فلا يقدم الناس جمعًا حتى يعتموا وصلاة الفجر هذه الساعة".
ثم وقف حتى أسفر ثم قال: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة. فما أدري أقوله كان
стр. 3199
أسرع أم دفع عثمان ﵁ فلم يزل يلبي حتى رمي جمرة العقبة يوم النحر.
قوله في الحديث: "وصلّى الفجر قبل ميقاتها" ليس معناه أنه أوقع الفجر قبل طلوعه، وإنما أراد أنها وقعت قبل الوقت المعتاد فعلها فيه في الحضر. انظر: فتح الباري (٣/ ٥٢٥).
٩٤ - باب إتيان المشعر الحرام والوقوف به للدعاء والذكر بعد صلاة الصبح إلى أن يسفر الفجر جدًا
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾.
• عن جابر بن عبد الله قال: ثم ركب (يعني النبيّ ﷺ " القصواء حتى أتي المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبّره وهلّله، ووحّده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا ... الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكره في الحديث الطويل.
ثم رواه من طريق حفص بن غياث، عن جعفر بن محمد، به، قال في حديثه ذلك، أن رسول الله ﷺ قال: "نحرتُ ها هنا، ومنى كلُّها منحر فانحروا في رحالكم، ووقفتُ ها هنا وعرفة كلّه موقف، ووقفت ههنا وجمع كلّها موقف".
٩٥ - باب الدّفع من مزدلفة قبل طلوع الشّمس
• عن عمرو بن ميمون يقول: شهدت عمر ﵁ صلَّى بجمع الصُّبح، ثم وقف فقال: إنّ المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشّمس ويقولون: أَشْرِقْ ثَبِير، وأنّ النبيَّ ﷺ خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس.
صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٦٨٤) عن حجاج بن منهال، حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت عمرو بن ميمون يقول (فذكره).
وفي غير الصّحيح بإسناد صحيح: "أشرق ثبير كيما نغير" رواه ابن ماجه (٣٠٢٢) وأحمد وغيرهما.
وقوله: "أشرق ثبير" أي ادخل أيها الجبل في الشروق كما يقال: أجْنب -أي ادخل في الجنوب، وأشمل- أي ادخل في الشمال.
ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] أي لحقوهم في وقت دخولهم في شروق الشمس وهو طلوعها.
و"ثبير" بفتح الثاء وكسر الباء، جبل المزدلفة على يسار الذاهب إلى منى. وقيل: هو أعظم
стр. 3200
جبال مكة.
وقوله: "كيما نغير" أي كي نغير، وما زائدة. ونُغير أي ندفع للنحر. انظر "القرى" للطبريّ (ص ٤٢٧ - ٤٢٨).
• عن جابر قال: فلم يزلْ (يعني النبيّ ﷺ " واقفًا حتى أسفر جدًا؛ فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عبّاس ... الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكر الحديث بطوله.
من السنة أن يدفع الحاج من المزدلفة قبل طلوع الشمس. قال طاوس: كان أهل الجاهلية يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس، فأخّر الله هذه، وقدّم هذه.
• عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ وقف بجمع، فلما أضاء كل شيء قبل أن تطلع الشمس أفاض.
حسن: رواه أحمد (٣٠٢٠) عن أبي داود، عن زمعة، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وزمعة هو: ابن صالح الجندي أبو وهب ضعيف.
لكن للحديث طريق آخر يقوْيه وهو ما رواه الترمذي (٨٩٥) وأحمد (٢٠٥١) كلاهما من حديث أبي خالد الأحمر، قال: سمعت الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أن النبي ﷺ أفاض من مزدلفة قبل طلوع الشمس.
والحكم هو: ابن عتيبة لم يسمع عن مقسم إلا خمسة أحاديث، وهذا ليس منها، والباقي من الكتاب.
وبالإسنادين يرتقي الحديث إلى درجة الحسن.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
٩٦ - باب السير في هدوء عند الدّفع من المزدلفة
• عن الفضل بن عباس -وكان رديف رسول الله ﷺ - أنه قال في عشيّة عرفة وغداة جَمْعٍ للناس حين دفعوا: "عليكم بالسّكينة" وهو كافٌّ ناقته.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٨٢) من طريق أبي الزبير، عن أبي معبد مولي ابن عباس، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس، به.
• عن ابن عباس، قال: إنما كان بدء الإيضاع من قبل أهل البادية، كانوا يقفون حافتي الناس حتى يعلقوا العِصيَّ والجِعَابَ والقِعَابَ، فإذا نفروا، تقعقعت تلك،
стр. 3201
فنفروا بالناس، وقال: ولقد رئي رسول الله ﷺ وإن ذِفْرَى ناقته ليمس حاركها، وهو يقول بيده: "يا أيها الناس، عليكم بالسّكينة، يا أيها الناس، عليكم بالسّكينة".
حسن: رواه أحمد (٢١٩٣) وابن خزيمة (٢٨٦٣) والحاكم (١/ ٤٦٥) وعنه البيقهي (٥/ ١٢٦) كلهم من حديث حماد بن زيد، عن كثير بن شنظير، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، فذكره. واللفظ لأحمد.
قال الحاكم: "صحيح على شرط البخاري".
قلت: إسناده حسن من أجل كثير بن شنظير المازني أبو قرة البصري، مختلف فيه، فضعَّفه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وأبو أحمد الحاكم.
وابن شنظير من رجال الشيخين، وقال ابن عدي: "أرجو أن تكون أحاديثه مستقيمة"، ويكون هذا منها إن شاء الله تعالي.
وقوله: "الإيضاع": هو حمل البعير ونحوه على الإسراع.
٩٧ - باب الإسراع في المشي وتحريك الرّاكب دابته ونحوها في وادي محسِّر
• عن جابر بن عبد الله، قال: حتى أتى بطن محسِّر، فحرَّك قليلًا، ثم سلك الطريق الوسطى.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكر بطوله في صفة حجة النبيّ ﷺ .
قوله: "بطن مُحَسِّر" بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة المهملتين، سُمي بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه أي أعيا وكلَّ. شرح النووي (٨/ ١٨٩) ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤].
• عن علي بن أبي طالب، قال: لما أفاض النبيّ ﷺ من جمْعٍ، وانتهى إلى وادي محسِّر قرع ناقته، فخبَّتْ حتى جاوز الوادي.
حسن: رواه الترمذي (٨٨٥) في حديث طويل من حديث سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث ابن عياش بن أبي ربيعة، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، فذكره.
قال الترمذي: "حديث علي حديث حسن صحيح، لا نعرفه من حديث علي إلّا من هذا الوجه من حديث عبد الرحمن بن الحارث بن عياش. وقد رواه غير واحد عن الثوريّ مثل هذا".
قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش المخزوميّ غير أنه حسن الحديث.
стр. 3202
٩٨ - باب استحباب التلبية عند الدّفع من المزدلفة إلى أن يرمي جمرة العقبة
• عن أسامة بن زيد ﵄ أنه قال: رَدِفْتُ رسولَ الله ﷺ من عرفات، فلما بلغ رسولُ الله ﷺ الشِّعْبَ الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ فبال ثم جاء فصببت عليه الوضوء فتوضأ وضوءًا خفيفًا، فقلت: الصّلاة يا رسول الله؟ قال: "الصّلاة أمامك". فركب رسول الله ﷺ حتّى أتى المزدلفة فصلى، ثم ردف الفضلُ رسولَ الله ﷺ غَداةَ جَمْعٍ.
قال كريب: فأخبرني عبد الله بن عباس ﵄، عن الفضل: أنّ رسول الله ﷺ لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٦٩)، ومسلم في الحج (١٢٨٠) كلاهما من طريق إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة، عن كريب مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد، فذكره. ولفظهما متقارب.
ورواه البخاريّ أيضًا في الحج (١٦٨٥)، ومسلم أيضًا في الحج (١٢٨١: ٢٦٧) -واللفظ له- كلاهما من طريق ابن جريج، أخبرني عطاء، أخبرني ابن عباس: أنّ النبيّ ﷺ أردف الفضل من جمع. قال: فأخبرني ابنُ عباس أنّ الفضل أخبره، أنّ النبيّ ﷺ لم يزل يلبي حتى رمي جمرة العقبة.
ورواه البخاريّ في الحج (١٦٨٦) من طريق الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله (هو ابن عتبة بن مسعود)، عن ابن عباس ﵄، أنّ أسامة بن زيد ﵄ كان رِدّف النبيّ ﷺ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، قال: فكلاهما قالا: "لم يزل النبيّ ﷺ يلبي حتى رمي جمرة العقبة".
• عن عبد الرحمن بن يزيد، أنّ عبد الله لبَّي حين أفاض من جَمْعٍ، فقيل: أعرابيٌّ هذا؟ فقال عبد الله: أنسي النّاسُ أمْ ضلُّوا؟ سمعتُ الذي أُنزلتْ عليه سورة البقرة يقول في هذا المكان: "لبيك اللَّهمّ لبيك".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٨٣) من طرق، عن حصين، عن كثير بن مدرك الأشجعيّ، عن عبد الرحمن بن يزيد، به.
٩٩ - باب نزول النبيّ ﷺ والمهاجرين والأنصار بمني بعد عودته من المزدلفة
• عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي قال: خطبنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى ففُتحتْ أسماعُنا حتّى كنّا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا فطفق يعلمهم مناسكهم حتّى بلغ الجمار فوضع أصبعيه السبابتين ثم قال: "بحصى الخذف". ثم أمر المهاجرين فنزلوا
стр. 3203
في مقدم المسجد، وأمر الأنصار فنزلوا من وراء المسجد، ثم نزل الناس بعد ذلك.
صحيح: رواه أبو داود (١٩٥٧)، والنسائي (٢٩٩٦)، والإمام أحمد (١٦٥٨٩)، والبيهقي (٥/ ١٢٧) كلّهم من حديث محمد بن إبراهيم التيميّ، عن عبد الرحمن بن معاذ التيميّ، قال (فذكر الحديث).
انظر تخريجه كاملًا في باب خطب النبيّ ﷺ في حجّة الوداع.
١٠٠ - باب الرخصة للضعفة من النساء وغيرهن في الدّفع من مزدلفة إلى منى في آخر الليل
• عن عائشة أنها قالت: استأذنتْ سودةُ رسولَ الله ﷺ ليلة المزدلفة تدفع قبله وقبل حَطْمَة النّاسِ -وكانت امرأةً ثَبِطةً (يقول القاسم: والثَّبطةُ الثَّقيلة) قال: فأذن لها فخرجت قبل دفعه، وحَبَسَنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه.
ولأَنْ أكُونَ استأذنتُ رسول الله ﷺ كما استأذَنْتُهُ سودةُ فأكونَ أدفعُ بإذنه أحبُّ إليَّ من مَفْرُوحٍ به.
متفق عليه: رواه البخاري في الحج (١٦٨١)، ومسلم في الحج (١٢٩٠: ٢٩٣) كلاهما من طريق أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، فذكرته. واللفظ لمسلم.
قوله: "قبل حطمة الناس" أي قبل أن يزدحموا ويحطم بعضهم بعضًا.
قوله: "ثبطة" بفتح المثلثة وكسر الموحدة بعدها مهملة خفيفة - أي بطيئة الحركة.
قوله: "مفروح به" أي ما يفرح به من كلِّ شيء.
• عن ابن عباس، قال: أنا ممن قدَّم النبيُّ ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٧٨)، ومسلم في الحج (١٢٩٣) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، حدّثنا عبد الله بن أبي يزيد، أنه سمع ابن عباس يقول (فذكره). واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم قريب منه.
ورواه البخاريّ أيضًا في جزاء الصيد (١٨٥٦)، ومسلم (الموضع نفسه) كلاهما من طريق حماد ابن زيد، عن عبيد الله بن أبي يزيد، به، نحوه.
• عن عطاء، عن ابن عباس، قال: بعث بي رسولُ الله ﷺ بسحر من جمع في ثَقَل نبيِّ الله ﷺ .
قلت: أبلغك أن ابن عباس قال: بعث بي بليل طويل؟ قال: لا. إلّا كذلك، بسحر. قلت له: فقال ابن عباس: رمينا الجمرة قبل الفجر؟ وأين صلَّى الفجر؟ قال: لا، إلّا كذلك.
стр. 3204
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٩٤) عن عبد بن حميد، أخبرنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرني عطاء (هو ابن أبي رباح)، أنّ ابن عباس قال (فذكره).
• عن سالم بن شوَّال -مولى أمِّ حبيبة- أنه دخل على أمِّ حبيبة فأخبرتْه، أنّ النبيّ ﷺ بعث بها من جمع بليل.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٩٢) من طريق ابن جريج، أخبرني عطاء، أنّ ابن شوّال أخبره، فذكره.
ثم رواه من طريق عمرو بن دينار، عن سالم بن شوال، عن أم حبيبة قالت: "كنا نفعله على عهد النبيّ ﷺ نغلّس من جمع إلى مني".
وفي رواية عنده: "نغلّس من مزدلفة".
• عن الفضل: أنّ النبيّ ﷺ أمر ضعفة بني هاشم أن ينفروا من جمع بليل.
حسن: رواه النسائيّ (٣٠٣٧) عن أبي داود قال: حدثنا أبو عاصم وعفان وسليمان، عن شعبة، عن مشاش، عن عطاء، عن ابن عباس، عن الفضل، فذكره.
ورواه الإمام أحمد (١٨١١)، وأبو يعلى (٦٧٣٤) كلاهما من طريق عفان، عن شعبة، بهذا الإسناد، مثله.
وإسناده حسن من أجل مُشاش وهو أبو ساسان أو أبو الأزهر السلميّ، وثّقه ابن معين. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال أبو زرعة: ليس به بأس. فمثله يحسّن حديثه.
إلّا أن الترمذيّ (٨٩٣) علّله بأنّ شعبة روى هذا الحديث عن مشاش، عن عطاء، عن ابن عباس. وهذا خطأ؛ أخطأ فيه مُشَّاش وزاد فيه: "عن الفضل بن عباس". وروى ابن جريج وغيره هذا الحديث عن عطاء، عن ابن عباس، ولم يذكروا فيه (عن الفضل بن عباس). ومشاش بصريّ وروي عنه شعبة" انتهى.
قلت: لا يبعد عن أن يروي عطاء هذا الحديث عن وجهين، وشعبة إمام في الحديث وأعرف الناس بمشاش، وروايته عنه تقوي هذا الجانب، فلا يحتاج إلى تخطئة مشاش.
• عن عبد الله بن عمر، أنّ النبيّ ﷺ أذن لضعفة الناس من المزدلفة بليل.
صحيح: رواه أحمد (٤٨٩٢) والنسائي في الكبرى (٤٠٣٧) كلاهما من حديث عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، فذكره. وإسناده صحيح.
١٠١ - باب الوقت المختار لرمي جمرة العقبة يوم النحر
• عن جابر، قال: رمي رسولُ الله ﷺ الجمرة يوم النّحر ضُحًى، وأمّا بعد فإذا زالت الشمس.
стр. 3205
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٩٩: ٣١٤) من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول (فذكره).
• عن أمّ الحصين، قالت: حججتُ مع رسول الله ﷺ حجّة الوداع، فرأيتُ أسامة وبلالًا، وأحدهما آخذٌ بخطام ناقة النبيّ ﷺ ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحرِّ حتى رمي جمرة العقبة.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٩٨: ٣١٢) من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن يحيى بن الحصين، عن أمّ الحصين جدّته، قالت (فذكره).
١٠٢ - باب الرّخصة للضّعفة أن يرموا في آخر اللّيل قبل طلوع الشّمس
• عن عبد الله مولي أسماء، قال: قالت لي أسماء -وهي عند دار المزدلفة-: هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلّت ساعة، ثم قالت: يا بُنيَّ! هل غاب القمرُ؟ قلت: نعم. قالت: ارْحل بي. فارْتحلنا حتى رمت الجمرةَ، ثم صلَّتْ في منزلها. فقلتُ لها: أيْ هَنَتاهُ، لقد غلّسنا! قالت: كلا أيْ بُنيّ إنَّ النَّبي ﷺ أذِن للظُعُن.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٧٩)، ومسلم في الحج (١٢٩١) كلاهما من طريق يحبي القطان، عن ابن جريج، قال: حدّثني عبد الله مولى أسماء. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه.
• عن ابن شهاب، أنّ سالم بن عبد الله أخبره: أنّ عبد الله بن عمر كان يقدِّمُ ضَعَفَةَ أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بالليل فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يدفعون قبل أن يقف الإمام، وقبل أن يدفعَ. فمنهم مَنْ يقدَمُ مِنًى لصلاة الفجر، ومنهم مَنْ يَقْدَمُ بعد ذلك، فإذا قَدِمُوا رَمَوا الجمْرةَ.
وكان ابنُ عمر يقول: أرخصَ في أولئك رسول الله ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٧٦)، ومسلم في الحج (١٢٩٥) كلاهما من طريق يونس (هو ابن يزيد الأيلي)، عن ابن شهاب الزهريّ، به. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه.
• عن ابن عباس، قال: أرسلني رسول الله ﷺ في ضعفة أهله، فصلينا الصّبح بمني ورمينا الجمرة.
صحيح: رواه النسائيّ (٣٠٤٨) عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن أشهب، أنّ داود بن عبد الرحمن حدّثهم، أنّ عمرو بن دينار حدّثه، أنّ عطاء بن أبي رباح حدّثهم أنّه سمع ابن عباس يقول (فذكره).
وإسناده صحيح. وأشهب هو ابن عبد العزيز بن داود القيسيّ "ثقة فقيه".
стр. 3206
ورواه أحمد (٢٤٦٠) عن حسين، عن داود - يعني العطار بإسناده، مثله.
وفي معناه ما رُويَ عن عائشة أنّ رسول الله ﷺ أمر إحدى نسائه أن تنفر من جمع ليلة جمع، فتأتي جمرة العقبة فترميها، وتُصبح في منزلها.
رواه النسائيّ (٣٠٦٦) من حديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفيّ، عن عطاء بن أبي رباح، قال: حدّثتني عائشة بنت طلحة، عن خالتها عائشة أمّ المؤمنين، فذكرته، وكان عطاء يفعله حتى مات.
ومن هذا الطريق رواه أيضًا البخاريّ في التاريخ الصغير (١/ ٢٩٦) وقال: "والمرأة هي سودة أم المؤمنين".
وفيه عبد الله بن عبد الرحمن الطائفيّ الثقفيّ. قال أبو حاتم: ليس بقوي، لين الحديث. وقال النسائيّ: ليس بذاك.
وأما ما رُوي عن عائشة أيضًا أنها قالت: "أرسل رسول الله ﷺ بأمّ سلمة ليلة النّحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضتْ فأفاضتْ. وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ عندها" فظاهره السّلامة! ولكن فيه علّة خفية وهي النكارة.
رواه أبو داود (١٩٤٢) عن هارون بن عبد الله، حدّثنا ابن أبي فديك، عن الضحاك -يعني ابن عثمان-، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. وصحّحه الحاكم (١/ ٤٦٩) على شرطهما.
ورواه البيهقيّ (٥/ ١٣٣) من وجه آخر عن ابن أبي فديك، بإسناده وقال: "رواه أبو داود عن هارون بن عبد الله".
وقال في المعرفة (٤/ ١٢٧): "هذا إسناد صحيح لا غبار عليه".
قلت: إسناده حسن من أجل ابن أبي فديك وهو محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك، وهو "صدوق".
رواه أبو داود هكذا مختصرًا، وقد عُلم من الروايات الأخرى أنّ النبيَّ ﷺ أمرها أن توافي صلاة الصبح يوم النّحر بمكة.
رواه البيهقي (٥/ ١٣٣) من طريق أبي معاوية الضرير، عن هشام، عن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، أنّ النبيّ ﷺ أمرها، فذكرته.
قال البيهقيّ بعد أن روى عن الشّافعيّ روايتين فيهما، قال الشّافعيّ: أخبرني من أثق به: "كأن الشّافعيّ ﵀ أخذه من أبي معاوية الضّرير، وقد رواه أبو معاوية موصولًا".
قلت: وهذا يخالف الواقع، فإن النبيّ ﷺ يوم النحر في صلاة الصبح كان بالمزدلفة، ولم يكن بمكة حتى توافيه أمُّ سلمة؛ ولهذا أنكره الإمام أحمد وضعّفه، كما نقله الحافظ ابن القيم في تهذيب السنن عن ابن عبد البر فإنه لا يمكن أن توافي معه صلاة الصبح بمكة.
стр. 3207
وبهذه الأحاديث رأى البخاريّ أنّ ما رواه الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أنّ النبيّ ﷺ قال: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس". أنه مضطرب لما وصفنا، ولا ندري الحكم سمع هذا من مقسم أم لا؟ . ذكره في التاريخ الصغير (١/ ٢٩٥).
وإلى هذه الأحاديث ذهب الشافعيّ والإمام أحمد في رواية إلى جواز الرّمي قبل طلوع الشمس لمن ارتحل من الضعفة والنساء من المزدلفة بعد نصف الليل.
وأما حديث ابن عباس الذي حكم عليه البخاريّ بالاضطراب فله طرق كثيرة يعضد بعضها بعضًا كما هو الآتي.
١٠٣ - باب من كره الرّمي قبل طلوع الشّمس
• عن ابن عباس، أنّ النّبيّ ﷺ قدم ضعفة أهله قال: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس".
حسن: رواه الترمذيّ (٨٩٣) من حديث وكيع، عن المسعوديّ، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، فذكره.
قال الترمذيّ: "حسن صحيح".
قلت: فيه المسعوديّ هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة مختلط، وإنّ سماع وكيع منه كان بالكوفة قديم كما قال الإمام أحمد، وقال: "إنه كان قد اختلط بغداد، وإن سماع من سمع هناك ليس بشيء. قال: ومن سمع منه بالكوفة فسماعه جيد".
وتابعه الأعمش، عن الحكم بإسناده.
ومن طريقه الإمام أحمد (٢٥٠٧) مطولًا، و (٣٥١٣) مختصرًا.
ولكن نقل الترمذي (٨٨٠) عن شعبة قال: لم يسمع الحكم من مقسم إلا خمسة أحاديث" وهذا الحديث ليس منها؛ لأنّ يحيي القطّان عدّها. انظر: تحفة التحصيل: (٨٠ - ٨١).
قلت: ولكن له طرق أخرى.
منها: ما رواه أبو داود (١٩٤١)، والنسائيّ (٣٠٦٥) كلاهما من حديث حبيب، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: "كان رسول الله ﷺ يقدّم ضعفاء أهله، ويأمرهم - يعني لا يرمون الجمرة حتى تطلع الشمس".
وحبيب هو ابن أبي ثابت مدلّس وقد عنعن، وفي حديثه عن عطاء وهم.
نقل العقيلي عن القطان قال: في حديثه عن عطاء ليس بمحفوظ.
ومنها: ما رواه فضيل بن سليمان، عن موسى بن عقبة، قال: أخبرني كريب، عن ابن عباس: "أنّ النبيّ ﷺ كان يأمر نساءه وثَقله من صبيحة جمع أن يفيضوا مع أوّل الفجر بسواد، وأن لا يرموا
стр. 3208
الجمرة إلّا مصبحين".
رواه البيهقيّ (٥/ ١٣٢) عن محمد بن أبي بكر عنه.
وفيه: فُضيل بن سليمان وهو النميري، مختلف فيه، ولكن الغالب على حديثه الضعف، وخاصة في روايته عن موسى بن عقبة الإمام في المغازي.
قال صالح بن محمد جزرة: منكر الحديث، روى عن موسى بن عقبة مناكير.
وقال ابن معين: "ليس بثقة"، وقال: "ليس هو بشيء، ولا يكتب حديثه".
ومنها: ما رواه أبو داود (١٩٤٠)، والنسائي (٣٠٦٤)، وابن ماجه (٣٠٢٥)، والإمام أحمد (٢٠٨٢) كلهم من حديث سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس.
وصحّحه ابن حبان (٣٨٦٩)، فرواه من هذا الوجه.
وفيه انقطاع فإنّ العرني لم يسمع من ابن عباس، بل لم يدركه وهو يرسل عنه كما قال الإمام أحمد وابن معين وأبو حاتم وغيرهم.
ومنها: ما رواه الإمام أحمد (٢٤٥٩) من طريق شريك، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: "عجلنا النبيّ ﷺ أو عجّل أمّ سلمة، وأنا معهم من المزدلفة إلى جمرة العقبة، فأمرنا أن لا نرميها حتى تطلع الشمس".
وفيه شريك وليث، وفيهما كلام معروف. وله طرق أخرى يقوي بعضها بعضًا، كما قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٣/ ٦١٧).
إلا أن ابن خزيمة في صحيحه (٤/ ٢٨٠) أبدى الشك في صحة أخبار ابن عباس، فقال: "ولست أحفظ في تلك الأخبار إسنادًا ثابتًا من جهة النّقل، فإن ثبت إسناد واحد منها فمعناه أنّ النبيّ ﷺ زجر المذكور ممن قدمهم تلك الليلة عن رمي الجمار قبل طلوع الشمس، لا السّامع المذكور؛ لأنّ خبر ابن عمر -الآتي- يدل على أنّ النبيّ ﷺ قد أذن لضعفة النساء في رمي الجمار قبل طلوع الشمس، فلا يكون خبر ابن عمر خلاف خبر ابن عباس إن ثبت خبر ابن عباس من جهة النقل، على أنّ رمي الجمار لضعفة النساء بالليل قبل طلوع الفجر أيضًا عندي جائز للخبر الذي أذكره" انتهى.
وبهذا قال مالك وأبو حنيفة بأنه لا يجوز الرمي قبل طلوع الشمس ولو ارتحل بعد نصف الليل، ولكن هذا يخالف الغاية التي من أجلها أذن النبيّ ﷺ للضعفة من الارتحال من المزدلفة إلى منى، فيحمل هذا الحديث إن صحَّ على كراهية الرّمي قبل طلوع الشمس، فإن الوقت المختار الذي لا خلاف فيه هو وقت الضّحي.
وأمّا ما روي عن شعبة مولي ابن عباس، عن ابن عباس، قال: "أنّ النبيّ ﷺ بعث به مع أهله إلى منى يوم النحر فرموا الجمرة مع الفجر" ففيه ضعف. رواه الإمام أحمد من وجهين (٢٩٣٥،
стр. 3209
٢٩٣٦) عن ابن أبي ذئب، عن شعبة، عن ابن عباس.
ومن هذا الوجه رواه أيضًا أبو داود الطيالسيّ في مسنده (٢٨٥٢).
وإسناده ضعيف من أجل شعبة مولي ابن عباس، وهو ابن دينار الهاشميّ، قال فيه النسائي: "ليس بالقوي" كما في "الميزان".
ولكن قال ابن معين: "ليس به بأس". وفي التقريب: "صدوق سيء الحفظ". فمثله لا يقبل إذا خالف الثقات، كما في الرّوايات السّابقة.
فقوله: "رموا مع الفجر" فيه نكارة.
١٠٤ - باب جواز الرّمي مساء
• عن ابن عباس، قال: سئل النبيّ ﷺ فقال: رميتُ بعد ما أمسيتُ؟ فقال: "لا حرج".
صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٧٢٣) عن محمد بن المثنى، حدّثنا عبد الأعلى، حدّثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
فيه نقل وقت الرمي المختار إلى وقت الجواز. والظاهر من السؤال أنه كان في يوم النحر؛ لأنّ الوقت المختار هو قبل الزوال، فرفع النبيّ ﷺ الحرج عمن رماه مساء، ويقاس عليه من رماه ليلًا لاشتراك جزء من المساء في الليل.
١٠٥ - باب التقاط الحصى لرمي الجمرات
• عن الفضل بن عباس -وكان رديفَ رسول الله ﷺ - أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا: "عليكم بالسّكينة" وهو كافٌّ ناقته حتى دخل محسرًا -وهو من مني- قال: "عليكم بحصى الخذف الذي يُرمي به الجمرة" وقال: لم يزل رسول الله ﷺ يُلبّي حتى رمي الجمرةَ.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٨٢) من طرق، عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير عن أبي معبد مولي ابن عباس، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس، به.
• عن عبد الله بن عباس قال: قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على راحلته: "هات الْقُطْ لي". فلقطتُ له حصيات هن حصى الخذْف. فلمّا وضعتهن في يده قال: "بأمثال هؤلاء، وإيّاكم والغلو في الدِّين! فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدِّين".
صحيح: رواه النسائيّ (٣٠٥٧)، وابن ماجه (٣٠٢٩)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٨٦٧)، وابن حبان (٣٨٧١)، والحاكم (١/ ٤٦٦) كلّهم من حديث عوف بن أبي جميلة، عن زياد بن الحصين,
стр. 3210
عن أبي العالية، عن ابن عباس، فذكر الحديث.
وإسناده صحيح. وأبو العالية هو رفيع بن مهران الرّياحيّ.
١٠٦ - باب بيان أنّ حصى الجمار مثل حصى الخذف
• عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس -وكان رديف رسول الله ﷺ - أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا: "عليكم بالسكينة"، وهو كاف ناقته حتى دخل محسِّرًا -وهو من مني- قال: "عليكم بحصى الخذف الذي يرمي به الجمرة". وقال: لم يزل رسول الله ﷺ يلبي حتى رمي الجمرة.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٨٢) من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن أبي معبد مولي ابن عباس، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس، فذكره.
ورواه من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير بهذا الإسناد، غير أنه لم يذكر في الحديث: "ولم يزلْ رسولُ الله ﷺ يلبِّي حتى رمي الجمرة".
وزاد في حديثه: "والنبيّ ﷺ يشير بيده كما يخذف الإنسان".
قوله: "بحصى الخذف" وهي نحو حبّة البقلاء، والخذف أن يجعل الحصاة بين الإبهام والسبابة ثم يقذفها بالإبهام.
• عن جابر قال: رأيتُ النّبيَّ ﷺ رمي الجمرة بمثل حصى الخذْف.
صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٢٩٩) من طريق ابن جريج، أخبرنا أبو الزبير، أنه سمع جابر ابن عبد الله، فذكره.
• عن أمِّ جندب الأزديّة، أنّها سمعت النبيَّ ﷺ حيث أفاض قال: "يا أيُّها الناس، عليكم بالسكينة والوقار، وعليكم بمثل حصى الخذف".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٣٢١٩) عن هشيم، أخبرنا ليث، عن عبد الله بن شداد، عن أمّ جندب، فذكرته.
وإسناده صحيح. وهشيم هو ابن بشير وليث هو ابن سعد، وأمّ جندب هي أمّ سليمان بن عمرو ابن الأحوص كما أكّد به الترمذيّ في قوله: "وفي الباب عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أمه" وهي أم جندب الأزدية، وذلك إثر حديث جابر (٨٩٧).
وحديث سليمان بن عمرو بن الأحوص، رواه أبو داود (١٩٦٦, ١٩٦٧, ١٩٦٨)، وابن ماجه (٣٠٢٨, ٣٠٣١)، والإمام أحمد (١٦٠٨٧, ٢٣٢١٨)، والبيهقيّ (٥/ ١٢٨) كلّهم من طرق، عن يزيد بن أبي زياد، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أمه قالت:
"رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة من بطن الوادي، وهو راكب يكبّر مع كلّ حصاة، ورجل من
стр. 3211
خلفه يستره، فسألت عن الرجل؟ فقالوا: الفضل بن العباس، وازدحم الناس فقال النبيُّ ﷺ : "يا أيّها النّاس! لا يقتل بعضكم بعضًا، وإذا رأيتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف". واللفظ لأبي داود. والباقون ذكروه بنحوه.
قال المنذريّ في مختصر أبي داود: "في إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف".
قلت: وهو كما قال، وشيخه سليمان بن عمرو بن الأحوص لم يوثقه غير ابن حبان؛ ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول" أي إذا توبع.
وهو كذلك لأنه توبع كما في الإسناد الأول إلا أنه ذكره مختصرًا، ولكن المشهور أن هذا الحديث حديث يزيد بن أبي زياد عن سليمان بن عمرو، عن أمه. قال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث؟ فقال: "أمه اسمها أمّ جندب. قلت: فحديث الحجاج قال: أرى أنّ الحجاج أخذه عن يزيد بن أبي زياد، وأظنه هو حديث سليمان بن عمرو عن أمه" ذكره البيهقي (٥/ ١٢٨).
• عن الهرماس بن زياد، قال: رأيت النبيَّ ﷺ وأنا رديف أبي، وهو على ناقته العضباء يوم الأضحى والناس حوله. فقلت لأبي: ما يقول رسول الله ﷺ ؟ قال: يقول: "ارموا الجمار بمثل حصى الخذف".
حسن: رواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٠٣) من طريق أبي الوليد الطيالسيّ، عن عكرمة بن عمار، حدثني الهرماس بن زياد، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في عكرمة بن عمار العجليّ غير أنه حسن الحديث إذا لم يأت بما ينكر عليه، وهو من رجال مسلم.
قال الهيثميّ في المجمع (٣/ ٢٥٨): "رجاله رجال الصحيح".
• عن عبد الرحمن بن عثمان التيميّ، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نرمي الجمار بمثل حصى الخذف في حجّة الوداع.
حسن: رواه الدارمي (١٩٣٩) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦٧٥) وابن قانع في معجم الصحابة (٦٣٦) كلهم من حديث عثمان بن عمر، نا عثمان بن مرة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي، فذكره.
وعبد الرحمن هذا هو ابن أخي طلحة بن عبيد الله، إذا هو عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله الصحابي، معروف، كان من مسلمة الفتح، وأول مشاهده عمرة القضاء.
إسناده حسن من أجل عثمان بن مرة، فإنه حسن الحديث، وقد وقع في نسخة الدارمي المطبوعة القديمة زيادة "عن أبيه" وهو خطأ؛ فإن الحديث من مسند عبد الرحمن بن عثمان، وكذلك ذكره أيضا ابن حجر في إتحاف المهرة (١٠/ ٦٢١) من مسند عبد الرحمن بن عثمان، ونقلًا عن
стр. 3212
الدارمي، ولم يشر إلى هذه الزيادة، فالظاهر أنه خطأ مطبعي أو وجد في بعض النسخ، والصواب كما عرفنا بدون ذكر "أبيه".
وفي معناه ما رُوي عن حرملة بن عمرو (وهو أبو عبد الرحمن) قال: "حججت حجّة الوداع مُرْدفي عمِّي سنان بن سنة، قال: فلما وقفنا بعرفات رأيت رسول الله ﷺ واضعًا إحدى إصبعيه على الأخرى. فقلت لعمّي: ماذا يقول رسول الله ﷺ ؟ قال: يقول: "ارموا الجمرة بمثل حصى الخذف".
رواه الإمام أحمد (١٩٠١٦) عن عفّان، حدّثنا وُهيب، حدّثنا عبد الرحمن بن حرملة، عن يحيي ابن هند، أنه سمع حرملة بن عمرو يقول (فذكره).
ورواه البزّار -كشف الأستار (١١٣١) -، والطبراني في الكبير (٤/ ٥)، وابن خزيمة (٢٨٧٤) كلّهم من طريق بشير بن المفضل، ثنا عبد الرحمن بن حرملة، عن يحيى بن هند، عن والدي حرملة ابن عمرو، فذكر بإسناده مثله.
إلا بشر بن المفضل لم يسم عمّ حرملة بن عمرو، وسمّاه وهيب كما في رواية أحمد، وقد أشار إلى ذلك ابن خزيمة بأن وهيبًا سمّى حرملة بن عمرو بأنه سنان بن سنة.
ويحيي بن هند هو أبن أسماء بن جارية، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٢٥٢) ولم يذكر من الرّواة عنه غير عبد الرحمن بن حرملة، وقال: "هكذا قاله وهيب عن ابن حرملة عن يحيى بن هند، عن أبيه (وذلك في حديث صوم عاشوراء).
وقال عبد الله بن بكر، عن حبيب بن هند، عن أبيه" انتهى.
ووقع تخليط شديد في "التعجيل" فقال: يحيي بن هند بن أسماء بن جارية، عن أبيه وجده، وعنه سنان بن سنة وعبد الرحمن بن حرملة. وثقه ابن حبان، وتعقبه الحافظ ثم بيّن ما في ثقات ابن حبان.
وقال: وقول الحسيني: روى عن سنان بن سنة لم أره في شيء من طرق الحديث في "المسند".
والخلاصة أن يحيي بن هند بن أسماء بن جارية "مجهول".
وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٥٨): "رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير، ورجاله ثقات" فإنه يقصد بالثقات، ذكر ابن حبان لهم في الثقات لا غير.
١٠٧ - باب بيان أن الجمار ترمي بسبع حصيات يكبّر مع كلّ حصاة
• عن الأعمش، قال: سمعت الحجاج بن يوسف يقول -وهو يخطب على المنبر-: ألِّفوا القرآن كما ألَّفه جبريل السُّورة التي يُذكرُ فيها البقرة، والسُّورة التي يُذكر فيها النّساء، والسُّورة التي يذكر فيها آل عمران.
قال: فلقيت إبراهيم فأخبرته بقوله. فسبَّه وقال: حدّثني عبد الرحمن بن يزيد أنّه كان مع عبد الله ابن مسعود، فأتى جمرة العقبة فاستبطن الوادي، فاستعرضها، فرماها من بطن الوادي بسبع
стр. 3213
حصيات يكبِّرُ مع كلِّ حصاة. قال: فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنّ الناس يرمونها من فوقها؟ فقال: هذا والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٧٥٠)، ومسلم في الحجّ (١٢٩٦: ٣٠٦) كلاهما من طريق الأعمش، به، واللفظ لمسلم.
• عن جابر، قال: حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبِّر مع كلِّ حصاة منها ... الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جابر، فذكره في صفة حجة النبي ﷺ .
وأمّا ما رُوي عن قتادة قال: سمعت أبا مجلز يقول: "سألت ابن عباس عن شيء من أمر الجمار. قال: ما أدري أرماها رسول الله ﷺ بست أو سبع؟ ". فشاذ.
رواه أبو داود (١٩٧٧)، والنسائي (٣٠٧٨) كلاهما من طريق خالد بن الحارث، حدّثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أبا مجلز يقول: فذكره.
ورواه الإمام أحمد (٣٥٢٢) من وجه آخر عن شعبة، عن قتادة، عن أبي مجلز، أنّ رجلًا أتى ابن عباس فقال: إني رميت بست أو سبع؟ قال: ما أدري أرمي رسول الله ﷺ الجمرة بست أو سبع.
وإسناده فيه شذوذ ومخالفة لما ثبت باليقين من فعل النّبي ﷺ وأصحابه به أنهم رموا سبع حصيات، كما أنّ البيهقيّ (٥/ ١٤٩) رواه من طريق حماد بن سلمة، ثنا سليمان التيمي، عن أبي مجلز، أن رجلًا سأل ابن عمر فقال: إنّي رميت الجمرة، ولم أدر رميتُ ستًا أو سبعًا؟ قال: ائتِ ذاك الرجل -يريد عليًّا ﵁ فذهب، فسأله، فقال: أما أنا لو فعلت في صلاتي لأعدت الصّلاة، فجاء فأخبره بذلك فقال: صدق أو أحسن" انتهى.
ففي هذا الأثر فتوي علي بن أبي طالب بإعادة الرمي لمن شكّ في العدد، وهو مخالف لما روي عن ابن عباس.
وفي الباب ما رُوي عن جابر قال: لا أدري بكم رمي النبيّ ﷺ ؟ رواه الإمام أحمد (١٤٨٣٢) عن سليمان بن حيان، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره.
ورواه أيضًا (١٥٢٠٨) عن روح، حدّثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "ولا أدري بكم رمي الجمرة".
وفيه مخالفة لما ثبت عن جابر بن عبد الله في صفة حجة النبي ﷺ التي رواها مسلم -وقد مضى قريبًا-، وفيه: "أن النبيّ ﷺ رمي بسبع حصيات" بالجزم بدون شك، واليقين مقدّم على الشّك.
وروي أيضًا عن سعد بن أبي وقاص -واسمه مالك-. قال: "رمينا الجمار - أو الجمرة في حجتنا مع رسول الله ﷺ ، ثم جلسنا نتذاكر، فمنا من قال: رميتُ بست، ومنا من قال: رميتُ بسبع، ومنّا
стр. 3214
مَنْ قال: رميتُ بثمان، ومنا من قال: رميتُ بتسع، فلم يروا بذلك بأسًا".
رواه الإمام أحمد (١٤٣٩) عن عفّان، عن عبد الوارث، حدّثنا ابن أبي نجيح، قال: سألت طاوسًا عن رجل رمي الجمرة بست حصيات، فقال: ليطعم قبضة من طعام. قال فلقيتُ مجاهدًا، فسألته وذكرتُ له قول طاوس. فقال: رحم الله أبا عبد الرحمن أما بلغه قول سعد بن مالك، قال (فذكره).
ورواه النسائيّ (٣٠٧٧)، والبيهقي (٥/ ١٤٩) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، فذكره مختصرًا.
قال ابن التركماني في الجوهر النقي: "سكت عنه، وقال ابن القطان: لا أعلم لمجاهد سماعًا من سعد. وقال الطحاوي في "أحكام القرآن" حديث منقطع، لا يثبت أهل الإسناد مثله. وذكر ابن جرير في "التهذيب" أنه لم يستمر العمل به؛ لأنه لم يصح لاختلاف الرّواة عن ابن أبي نجيح فيه، فقد رواه الحجاج بن أرطاة، عنه، عن مجاهد، عن سعد أنّ اختلاف رميهم كان بالزيادة على السّبع لا بالنقصان عنها، وهو أولى بالصّواب وإن كان من رواية الحجاج لموافقة ما تظاهر به الأخبار من وجوب الرمي بسبع، ولأنّ سعدًا لم يذكر أن ذلك كان عن أمره ﵇ وفعله، ولأنه لو صحّ فهو منسوخ للنقل المستفيض بوجوب السبع" انتهى كلامه.
قلت: وهو كما قال؛ فإنّ الصحيح عند جمهور أهل العلم أن الواجب سبع حصيات كما صحّ ذلك من حديث عبد الله بن عباس، وجابر، وعبد الله بن عمر، وابن مسعود، وعائشة، وغيرهم. كما ذكره محب الطبري في كتابه "القرى" (ص ٤٤٠) وقال: "وشكّ الشّاك لا يؤثّر في جزم الجازم".
وأما من رمي أقل من سبع فذهب بعض التابعين كعطاء أنه قال: إن رمى بخمس أجزأه، وقال مجاهد: إن رمى بستٍّ فلا شيء عليه، وبه قال أحمد وإسحاق وغيرهما. وقد ذكرت ذلك بالتفصيل في "المنة الكبرى" (٤/ ٢٤٢) فراجعه، فإن فيه مسائل أخرى تتعلّق بالرّمي.
١٠٨ - باب استقبال جمرة العقبة عند الرمي وجعل الكعبة عن اليسار ومني عن اليمين
• عن عبد الرحمن بن يزيد، أنه حجّ مع ابن مسعود ﵁ فرآه يرمي الجمرة الكبرى بسبع حصيات، فجعل البيت عن يساره ومني عن يمينه، ثم قال: هذا مقامُ الذي أُنزلْت عليه سورة البقرة ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٧٤٩)، ومسلم في الحج (١٢٩٦: ٣٠٥) كلاهما من طريق إبراهيم (هو النخعي)، عن عبد الرحمن بن يزيد، فذكره.
١٠٩ - باب رمي الجمار راكبًا وماشيًا
• عن جابر قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ يرمي على راحلته يوم النّحر ويقول: "لتأخذوا مناسككم، فإنّي لا أدري لعلّي لا أحجُّ بعد حجّتي هذه".
стр. 3215
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٩٧) من طريق عيسي بن يونس، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا يقول (فذكره).
• عن يحيى بن حصين، عن جدّته أمّ الحصين قال: سمعتها تقول: حججت مع رسول الله ﷺ حجّة الوداع فرأيته حين رمي جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته، ومعه بلال وأسامة أحدهما يقود به راحلته والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله ﷺ من الشّمس قالت فقال رسول الله ﷺ قولًا كثيرًا، ثمّ سمعته يقول: "إنّ أمر عليكم عبد مجدع (حسبتها قالت): أسود يقودكم بكتاب الله تعالي فاسمعوا له وأطيعوا".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٩٨) من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن يحي بن الحصين، فذكره.
• عن قدامة بن عبد الله، قال: رأيت النبيّ ﷺ يرمي الجمار على ناقة. وفي رواية: على ناقة له صهباء ليس ضرب ولا طرد، ولا إليك إليك.
حسن: رواه الترمذيّ (٩٠٣)، والنسائيّ (٣٠٦١)، وابن ماجه (٣٠٣٥)، كلّهم من حديث أيمن ابن نابل، عن قدامة بن عبد الله، فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح، وإنما يعرف هذا الحديث من هذا الوجه، وهو حديث أيمن بن نابل، وهو ثقة عند أهل الحديث".
قلت: والحديث رواه أيضًا الإمام أحمد (١٥٤١٠) من هذا الوجه وإسناده حسن من أجل الاختلاف في أيمن بن نابل غير أنه حسن الحديث.
• عن ابن عمر، أنّ النبيَّ ﷺ كان إذا رمي الجمار مشى إليها ذاهبًا وراجعًا.
صحيح: رواه الترمذيّ (٩٠٠) عن يوسف بن عيسى، حدّثنا ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
قال الترمذي: "حسن صحيح".
ورواه أبو داود (١٩٦٩) عن القعنبيّ، حدّثنا عبد الله -يعني ابن عمر-، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النّحر ماشيًا ذاهبًا وراجعًا، ويخبر أنَّ النبيَّ ﷺ كان يفعل.
وفيه عبد الله بن عمر بن حفص العمريّ ضعيف، ولكن تابعه أخوه عبيد الله -المصغر- وهو ثقة، كما رأيت.
قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم. وقال بعضهم: يركب يوم النحر، ويمشي في الأيام التي بعد يوم النحر.
وكأنّ من قال هذا إنما أراد اتباع النبيّ ﷺ في فعله؛ لأنه رُوي عن النبيّ ﷺ أنه ركب يوم النحر حيث ذهب يرمي الجمار، ولا يرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة" انتهى.
стр. 3216
وقال البيهقيّ (٥/ ١٣١) بعد أن روى الحديث من طريق أبي داود: "قال الشافعيّ: يُشبه إذ رمي يوم النحر راكبًا لاتصال ركوبه من المزدلفة، إن رمي يوم النّفر راكبًا لاتصال ركوبه بالصدر".
قال البيهقي: "وهذا قول عطاء بن أبي رباح" ثم أسنده عنه قال: "رمي الجمار ركوب يومين، ومشي يومين".
ثم قال: فإن صحّ حديث العمري كان أولى بالاتباع.
قلت: لعلّ البيهقيّ لم يقف على طريق عبيد الله بن عمر، ولذا علق الحكم على صحة الخبر، وبالله التوفيق.
وفي معناه ما رُويَ عن ابن عباس: أنّ النبيّ ﷺ رمي الجمرة يوم النحر راكبًا.
رواه الترمذيّ (٨٩٩)، وابن ماجه (٣٠٣٤) كلاهما من حديث الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، فذكره. قال الترمذي: "حسن".
ولكن فيه الحجاج هو ابن أرطاة ضعيف مدلّس، ضعّفه النسائي وغيره.
١١٠ - باب رفع اليدين بالدّعاء عند الجمرتين الدنيا والوسطى دون جمرة العقبة
• عن سالم بن عبد الله: أنّ عبد الله بن عمر ﵄ كان يرمي الجمرة الدّنيا بسبع حصيات، ثم يكبِّر على إثر كلِّ حصاة، ثم يتقدم فيُسهل، فيقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلًا فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة الوسطى كذلك، فيأخذ ذات الشمال فيُسهل، ويقوم مستقبل القبلة قياما طويلا فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ويقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل.
صحيح: رواه البخاريّ في الحجّ (١٧٥٢) عن إسماعيل بن عبد الله، قال: حدثني أخي، عن سليمان، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، فذكره.
وفي معناه ما روي عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا رمي جمرة العقبة مضى ولم يقف. رواه ابن ماجه (٣٠٣٣) وفيه الحجاج وهو ابن أرطاة ضعيف، وفيه أيضا الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس، والحكم لم يسمع هذا الحديث عن مقسم.
١١١ - باب ما جاء في فضل الرّمي
• عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رميت الجمار كان لك نورا يوم القيامة".
حسن: رواه البزار - كشف الأستار (١١٤٠) عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، ثنا ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن صالح مولى التوءمة، عن ابن عباس،
стр. 3217
فذكره.
وإسناده حسن من أجل صالح مولى التوءمة، فإنه مختلف فيه وقد اختلط، فقال ابن عدي: "لا بأس به إذا سمعوا منه قديما مثل ابن أبي ذئب وابن جريج وزياد بن سعد وغيرهم".
قلت: موسى بن عقبة ممن سمع منه قديما كما قال البخاري في العلل الكبير (ص: ٣٤) طبعة السامرائي.
ورُوي عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "إنّما جعل الطّواف بالبيت وبين الصّفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله".
رواه أبو داود (١٨٨٨)، والترمذيّ (٩٠٢) كلاهما من حديث عيسي بن يونس، عن عبيد الله بن أبي زياد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، فذكرته.
واللّفظ لأبي داود. وأما الترمذيّ فلم يذكر فيه: "الطّواف بالبيت". وقال: "حديث حسن صحيح".
قلت: فيه عبيد الله بن أبي زياد مختلف فيه، فوثقه ابن معين في رواية، وضعّفه في روايات أخرى. وقال أحمد: صالح. وأكثر أهل العلم على تضعيفه ولذا قال الحافظ في "التقريب": "ليس بالقوي".
ومن ضعفه أنه اضطرب في رفع هذا الحديث ووقفه.
فرواه عيسى بن يونس عنه مرفوعًا كما رأيت.
ومن هذا الطريق رواه ابن خزيمة (٢٨٨٢) وكذلك رواه عنه سفيان مرفوعًا إلا أنه اختلف عليه. فرواه وكيع عنه، عن عبيد الله مرفوعًا.
ومن طريقه رواه الحاكم (١/ ٤٥٩) وقال: "صحيح الإسناد". وتابعه أبو نعيم في رفعه عن سفيان، عنه.
ورواه أبو قتيبة، عن سفيان، عنه فلم يرفعه. وكذلك رواه يحيى القطان عن عبيد الله فلم يرفعه، وقال: "قد سمعته يرفعه ولكني أهابه". ورواه ابن أبي مليكة عن القاسم، عن عائشة فلم يرفعه.
ورواه حسين المعلم عن عطاء، عن عائشة، فلم يرفعه. ذكر ذلك كله البيهقيّ (٥/ ١٤٥).
وذكره ابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٦٣٤ - ١٦٣٥)، والذهبي في "الميزان" مما أنكر عليه إلا أن ابن عدي قال: "وقد حدّث عنه الثقات، ولم أرَ له شيئًا منكرًا فأذكره". لعله يقصد به غير ما ذكرت.
وذكر الدّارقطنيّ هذا الحديث في "العلل" (١٥/ ١٢٢) وبين الاختلاف في رفعه ووقفه إلا أنه لم يرجّح شيئًا.
وفي الباب ما رُوي عن أبي سعيد، قال: قلنا يا رسول الله، هذه الجمار التي يُرمي بها كلّ عام فنحتسب أنها تنتقص؟ فقال: "إنّه ما تقبّل منها رُفع، ولولا ذلك لرأيتها أمثال الجبال".
стр. 3218
رواه الدّارقطنيّ (٢٧٨٩)، والحاكم (١/ ٤٧٦) وعنه البيهقيّ (٥/ ١٢٨) كلّهم من حديث سعيد ابن يحيى بن سعيد الأمويّ، ثنا أبي، عن يزيد بن سنان، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدريّ، عن أبيه، فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، يزيد بن سنان ليس بالمتروك". وتعقّبه الذهبيّ فقال: "يزيد ضعّفوه".
قلت: وهو كما قال الذهبيّ؛ فإنّ يزيد بن سنان هذا هو أبو فروة الرّهاويّ ضعيف عند جماهير أهل العلم حتى قال النسائيّ: "ضعيف متروك الحديث"، وضعّفه أيضًا البيهقيّ.
وقول الحاكم: صحيح الإسناد، ويزيد بن سنان ليس بالمتروك هل يفهم منه أنّ الحاكم لا يرى تضعيف الحديث إلا من متروك فقط، وهو أمر مردود مخالف لما عليه المتقدِّمون من أهل العلم.
وقال البيهقيّ: "ورُوي من وجه آخر ضعيف عن ابن عمر مرفوعًا".
١١٢ - باب ما جاء في سبب رمي الجمرات
• عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس يزعم قومُك: إنّ رسول الله ﷺ رمل بالبيت وأنّ ذلك سنة؟ فقال: صدقوا وكذبوا! . قلت: وما صدقوا وكذبوا؟ قال: صدقوا رمل رسول الله ﷺ بالبيت، وكذبوا ليس بسنّة؛ إن قريشًا قالت زمن الحديبية: دعوا محمّدًا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف، فلما صالحوه على أن يقدموا من العام المقبل ويقيموا بمكة ثلاثة أيام فقدم رسول الله ﷺ والمشركون من قبل قعيقعان، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أرملوا بالبيت ثلاثا". وليس بسنة.
قلت: ويزعم قومُك أنه طاف بين الصّفا والمروة على بعير وأنّ ذلك سنة؟ فقال: صدقوا وكذبوا! . فقلت: وما صدقوا وكذبوا، فقال: صدقوا قد طاف بين الصفا والمروة على بعير، وكذبوا ليست بسنة؛ كان الناس لا يدفعون عن رسول الله ولا يصرفون عنه فطاف على بعير ليسمعوا كلامه ولا تناله أيديهم.
قلت: ويزعم قومُك أنّ رسول الله ﷺ سعي بين الصّفا والمروة وأنّ ذلك سنة؟ قال: صدقوا إنّ إبراهيم لما أُمر بالمناسك عرض له الشيطان عند المسعى فسابقه فسبقه إبراهيم، ثم ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة فعرض له شيطان -قال يونس الشيطان- فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات. قال: قد تله للجبين -قال يونس وثم تله للجبين- وعلى إسماعيل قميص أبيض. وقال: يا أبتِ إنّه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره فاخلعه حتي تكفنني
стр. 3219
فيه، فعالجه ليخلعه فنودي من خلفه ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥]. فالتفت إبراهيم فإذا هو بكبش أبيض أقرن أعين.
قال ابن عباس لقد رأيتُنا نتتبّع هذا الضّرب من الكباش. قال: ثم ذهب به جبريل إلى الجمرة القصوى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب ثم ذهب به جبريل إلى مني قال: هذا مني -قال يونس: هذا مناخ الناس-، ثم أتي به جمعًا، فقال: هذا المشعر الحرام، ثم ذهب به إلى عرفة. فقال ابن عباس: هل تدري لم سميت عرفة؟ قلت: لا. قال: إن جبريل قال لإبراهيم: عرفت؟ -قال يونس: هل عرفتَ؟ - قال: نعم. قال ابن عباس فمن ثم سميت عرفة. ثم قال هل تدري كيف كانت التلبية؟ قلت: وكيف كانت؟ قال: إن إبراهيم لما أُمر أن يؤذن في الناس بالحج خفضت له الجبال رؤوسَها ورُفعتْ له القُرى، فأذَّن في النّاس بالحج".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٧٠٧)، وأبو داود الطيالسيّ (٢٨٢٠)، وعنه البيهقيّ (٥/ ١٥٣ - ١٥٤) بطوله، وأبو داود (١٨٨٥) مختصرًا كلّهم من طريق حماد بن سلمة، عن أبي عاصم الغنويّ، عن أبي الطفيل، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي عاصم الغنويّ، فإنه حسن الحديث، وقد وثّقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم: "لا أعلم أحدًا روى عنه غير حماد بن سلمة، ولا أعرفه، ولا أعرف اسمه" الجرح والتعديل (٩/ ٤١٤). وهو لا يضر ما دام عرفه ابن معين ووثّقه.
قوله: "النغَف" بالتحريك، دودٌ يكون في أنوف الإبل والغنم، واحدتها نغفة، النهاية (٥/ ٨٧).
• عن عبد الله بن عباس، أنّ رسول الله ﷺ ، قال: "إنّ جبريل ذهب بإبراهيم إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات، فساخ، ثم أتي به الجمرة الوسطى، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ، ثم أتي به الجمرة القصوى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ، فلما أراد إبراهيم أن يذبح ابنه إسحاق قال لأبيه: يا أبتِ أوثقني لا أضطرب، فينتضح عليك من دمي إذا ذبحتني فشدّه، فلما أخذ الشفرة فأراد أن يذبحه نودي من خلفه: ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥] ".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٧٩٤) عن يونس، أخبرنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده صحيح، عطاء بن السائب ثقة، وثّقه الأئمة لكنه اختلط بآخره، وحماد هو ابن سلمة
стр. 3220
وهو ممن روي عن عطاء قبل اختلاطه.
وفي قوله: "إسحاق" دليل على عدم ضبط الراوي اسمَ الذبيح؛ لأنّ الصّحيح الثابت عند جمهور أهل العلم أن الذّبيح هو إسماعيل ﵇، وعليه يدلّ مفهوم القرآن في اسم الذبيح، وقد فصّلتُ القول في كتابي: "الدراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند" فراجعْه، فإنك تجد فيه ما لم تجد في مكان آخر.
١١٣ - باب ما جاء في حلق رسول الله ﷺ رأسه في حجّة الوداع وتقسيم شعره بين الناس
• عن أنس بن مالك: أنّ رسول الله ﷺ لما حلق رأسه كان أبو طلحة أوّل من أخذ من شعره.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الوضوء (١٧١) عن محمد بن عبد الرحيم، قال: أخبرنا سعيد بن سليمان، قال: حدّثنا عبّاد، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أنس، فذكره.
ورواه مسلم في الحج (١٣٠٥) من أوجه عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس بألفاظ مختلفة، كما سيأتي.
• عن عبد الله بن عمر، قال: إنّ رسول الله ﷺ حلق رأسه في حجّة الوداع.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٤١٠) من طريق أبي ضمرة، ومسلم في الحج (١٣٠٤) من طريق يعقوب بن عبد الرحمن القاري، وحاتم بن إسماعيل، كلّهم عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
ورواه ابن خزيمة (٢٩٣٠) من طريق ابن جريج، أخبرني موسى بن عقبة، بإسناده، وزاد فيه: "وزعموا أنّ الذي حلق النبيّ ﷺ معمر بن عبد الله ابن نضلة بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي ابن كعب".
قال الحافظ في "الفتح" (٣/ ٥٦٢): "بيّن أبو مسعود في "الأطراف" أنّ قائل "وزعموا". ابن جريج الرّاوي له عن موسى بن عقبة".
وقد ادّعى النّووي في شرح مسلم، وضياء المقدسي في "السنن الأحكام" (٤/ ٢٢٨)، والحافظ في "الفتح" (١/ ٢٧٤) بأنّ البخاريّ زاد: "وزعموا أنّ الذي حلق النبيّ ﷺ هو معمر بن عبد الله". إلّا أني لم أقف على هذه الزيادة في رواية موسى بن عقبة ولا في رواية غيره، فالله أعلم هل كانت هذه الزّيادة في النسخة التي عندهم.
• عن أنس بن مالك، أنّ رسول الله ﷺ رمي جمرة العقبة، ثم انصرف إلى البُدن فنحرها، والحجّام جالس وقال بيده عن رأسه، فحلق شقَّه الأيمن فقسمه فيمن يليه،
стр. 3221
ثم قال: "احْلق الشِّق الآخر" فقال: أين أبو طلحة؟ فأعطاه إيّاه.
متفق عليه: رواه مسلم في الحج (١٣٠٥) من طرق عن هشام (هو الدّستوائيّ) عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك، فذكره.
ورواه البخاريّ في الوضوء (١٧١) من طريق ابن عون، عن ابن سيرين، به، مختصرًا بلفظ: "أنّ رسول الله ﷺ لما حلق رأسه كان أبو طلحة أوّل من أخذ من شعره".
• عن معمر بن عبد الله قال: كنت أرحل لرسول الله ﷺ في حجة الوداع قال فقال لي ليلة من الليالي: "يا معمر لقد وجدت الليلة في أنْسَاعِي اضطرابًا". قال: فقلت: أما والذي بعثك بالحقّ لقد شددتها كما كنت أشدُّها، ولكنه أرخاها مَنْ قد كان نَفِسَ عليَّ مكاني منك، لتستبدل بي غيري، قال: فقال: "أما إنّي غيرُ فاعلٍ". قال: فلما نحر رسول الله ﷺ هديه بمنى أمرني أن أحلقه، قال: فأخذتُ الموسي فقمت على رأسه. قال: فنظر رسول الله ﷺ في وجهي وقال لي: "يا معمرُ، أمكنكَ رسول الله ﷺ من شحمة أذنه وفي يدك الموسي؟ ! ". قال: فقلت: أما والله يا رسول الله إنّ ذلك لمن نعمة الله عليَّ ومَنِّه. قال: فقال: "أجلْ إذًا أقِرّ لك". قال: ثم حلقت رسول الله ﷺ .
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٧٢٤٩)، والطبرانيّ في الكبير (٢٠/ ٤٤٧ - ٤٤٨) كلاهما من حديث ابن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب المصريّ، عن عبد الرحمن بن عقبة مولي معمر بن عبد الله بن نافع بن نضلة العدويّ، عن معمر بن عبد الله، فذكره. ولفظهما سواء إلا في أحرف.
إسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق؛ لأنه مدلس ولكنه صّرح. ومن أجل عبد الرحمن بن عقبة فإنه من رجال "التعجيل" قال الحسيني: "مجهول" فتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: "وَهِل، بل هو معروف، ذكره ابن يونس، ونسبه غفاريًا، وذكر في الرواة عنه موسي بن أيوب (علاوة عن يزيد بن أبي حبيب)، وأن عبد الرحمن المذكور قتل بإفرلقيا، ولم يذكر ابن أبي حاتم تبعًا للبخاريّ فيه جرحًا".
قلت: فمثله يحسّن حديثه، وخاصة وقد سبق في حديث ابن خزيمة ما يشهد له.
وجزم أهل العلم أنّ الذي حلق شعر رأس النبيّ ﷺ في حجة الوداع هو معمر بن عبد الله بن نضلة القرشيّ، منهم: الحافظ في الفتح (١/ ٣٠٩).
وقوله: "أنساعي" جمع نِسعة -بكسر النون، وسكون السين- وهي التي تُنسج عريضة ليربط على صدر البعير.
وقوله: "نِفس" بكسر الفاء -كعلِم- من نَفِسْت عليه بالشيء إذا تراه له أهلًا. أفاده السنديّ.
• عن أنس بن مالك، قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يحلق الحجام رأسه،
стр. 3222
أخذ أبو طلحة بشعر أحد شقي رأسه بيده، فأخذ شعره، فجاء به إلى أمّ سليم، قال: فكانت أمُّ سليم تدوفه في طيبها.
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٢٤٨٣) عن حسن (هو ابن موسي)، حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البنانيّ، عن أنس، فذكره.
وقوله: "تدوفه في طيبها" أي تخلطه فيه، يقال: دافه بماء يدوفه ويديفه إذا بلّه به وخلطه.
• عن أنس قال: رأيت رسول الله ﷺ والحلّاق يحلقه، وقد أطاف به أصحابُه، ما يريدون أن تقع شعرة إلّا في يد رجل.
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٢٣٦٣) عن سليمان بن حرب، حدّثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، فذكره. وإسناده صحيح.
• عن محمد بن عبد الله بن زيد، أنّ أباه حدّثه: أنّه شهد النبيَّ ﷺ عند المنْحر، ورجلًا من قريش، وهو يُقسم أضاحي، فلم يصبه منها شيءٌ ولا صاحبَه، فحلق رسولُ الله ﷺ رأسه في ثوبه، فأعطاه فقسم منه على رجال، وقلّم أظفاره فأعطاه صاحبه قال: فإنه لعندنا مخضوب بالحنّاء والكتم - يعني شعره.
صحيح: رواه أحمد (١٦٤٧٤، ١٦٤٧٥)، وابن خزيمة (٢٩٣١)، والحاكم (١/ ٤٧٥) كلّهم من حديث أبان العطّار، قال: حدثني يحيي -يعني ابن أبي كثير-، عن أبي سلمة، عن محمد بن عبد الله بن زيد، أنّ أباه حدّثه، فذكره. وأبو محمد هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه صاحب الأذان.
وإسناده صحيح. وصحّحه الحاكم وقال: "على شرط الشيخين".
وهذا وهم منه فإنّ محمد بن عبد الله بن زيد من رجال مسلم وحده.
١١٤ - باب ما جاء في دعاء النبيّ ﷺ للمحلِّقين بالرّحمة ثلاث مرّات وللمقصِّرين مرة واحدة
• عن عبد الله بن عمر، أنّ رسول الله ﷺ قال: "اللهمّ! ارْحم المحلِّقين". قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال: "اللهمّ! ارْحم المحلِّقين". قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال: "والمقصِّرين".
متفق عليه: رواه مالك في الحجّ (١٨٤) عن نافع، عن عبد الله بن عمر، فذكره. ورواه البخاريّ في الحج (١٧٢٧)، ومسلم في الحج (١٣٠١: ٣١٧) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
ورواه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، به، بلفظ: "رحم الله المحلّقين" قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال: "رحم الله المحلّقين" قالوا: والمقصِّرين يا
стр. 3223
رسول الله؟ قال: "رحم الله المحلّقين" قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال: "والمقصِّرين".
وعلقه البخاريّ -عقب رواية مالك-، عن عبيد الله بن عمر، به، مختصرًا.
قال الخطّابي وغيره: إنّ من عادة العرب كانت تحبُّ توفير الشّعر والتزين به، وكان الحلق فيهم قليلًا، وربما كانوا يرونه من الشّهرة، وذي الأعاجم، ولذلك كرهوا الحلق، واقتصروا على التقصير".
وروى مالك في الحجّ (٢٠٠) بإسناد صحيح عن نافع، عن ابن عمر كان إذا حلق رأسه في حجّ أو عمرة، أخذ من لحيته وشاربه.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "من غقص رأسه أو ضفر أو لبَّد، فقد وجب عليه الحِلاقُ".
رواه مالك في الحج (٢٠٥) عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنّ عمر بن الخطاب كان يقول (فذكره).
• عن عبد الله بن عمر، قال: حلق النبيُّ ﷺ وطائفةٌ من أصحابه، وقصّر بعضهم.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٧٢٩) من طريق جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
ورواه مسلم في الحجّ (١٣٠١) من حديث اللّيث، عن نافع، به، مثله. وزاد: قال عبد الله (ابن عمر): إنّ رسول الله ﷺ قال: "رحم الله المحلقين" مرة أو مرتين، ثم قال: "والمقصّرين".
• عن ابن عمر، أنّ النبيَّ ﷺ قال يوم الحديبيّة: "اللهمّ! اغفر للمحلّقين" فقال رجلٌ: والمقصّرين؟ فقال: "اللهمّ! اغفر للمحلّقين". فقال: والمقصِّرين؟ . قال: حتى قالها ثلاثًا، أو أربعًا، ثم قال: "وللمقصِّرين".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٤٨٩٧، ٦٣٨٤) عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
ورواه ابن أبي شيبة (١٤/ ٤٥٢) من وجه آخر عن ابن عمر ضمن قصة الحديبية، وفيه تصريح بأنه ﷺ قال ذلك يوم الحديبية. كما قال ذلك أيضًا في حجّة الوداع.
ولا منافاة بينهما؛ ولذا لا يحتاج إلى الإنكار في إثبات كونه قال ذلك أيضًا يوم الحديبية؛ لأنّ من أنكر ذلك أسند إلى عدم علمه به، وعدم العلم ليس بعلم كما يقال، فإنّ الصحيح الثابت الذي عليه المحقّقون أنه ﷺ قال ذلك أولًا في الحديبية، ثم أعاده في حجّة الوداع كما جاء مصرّحًا أيضًا في حديث أمّ الحصين الأسلميّة الآتي.
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهمّ! اغفر للمحلقين". قالوا: يا رسول الله، وللمقصِّرين؟ قال: "اللهمّ! اغفر للمحلقين". قالوا: يا رسول الله،
стр. 3224
وللمقصِّرين؟ قال: "اللهمّ! اغفر للمحلقين". قالوا: يا رسول الله، وللمقصِّرين؟ قال: "وللمقصِّرين".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٧٢٨)، ومسلم في الحجّ (١٣٠٢) كلاهما من طريق محمد ابن فضيل، حدّثنا عُمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، فذكره. واللّفظ لمسلم.
• عن أمّ الحصين الأسلميّة، أنّها سمعت النّبيّ ﷺ في حجّة الوداع دعا للمحلّقين ثلاثًا، وللمقصّرين مرّة.
صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٣٠٣) من طريق شعبة، عن يحيى بن الحصين، عن جدّته، أنّها سمعت النبيَّ ﷺ (فذكرته).
• عن عبد الله بن عباس قال: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فقال رسول الله ﷺ : "يرحم الله المحلِّقين" قالوا: يا رسول الله! والمقصرين؟ قال: "يرحم الله المحلّقين" قالوا: يا رسول الله! والمقصرين؟ قال: "يرحم الله المحلِّقين" قالوا: يا رسول الله والمقصِّرين؟ قال: "والمقصِّرين". قالوا: فما بال المحلِّقين يا رسول الله ظاهرتَ لهم الرّحمة؟ قال: "لم يشكُّوا". قال: فانصرف رسول الله ﷺ .
حسن: رواه الإمام أحمد (٣٣١١)، واللّفظ له، والطّحاويّ في شرح معانيه (٤٠٥٧)، وابن ماجه (٣٠٤٥) مختصرًا، كلّهم من حديث محمد بن إسحاق، حدّثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه مدلس حسن الحديث إذا صرّح.
وقوله: "ظاهرت لهم الرحمة" أي جمعت وكررتَ لهم الرّحمة.
وقوله: "لم يشكوا" أي لم يعاملوا معاملة من يشك في جواز الّتحلّل، أي من قصّر فكأنّه شكّ في جواز التّحلل حتى اقتصر في التّحلّل على بعضه، ومن حلق فلا شكّ منه أي لم يعاملوا معاملة من يشك في أنّ الاتباع أحسن، وأمّا من قصر فقد عامله معاملة الشاك في ذلك، حيث ترك فعله ﷺ . قاله السنديّ في حاشية المسند.
• عن مالك بن ربيعة، أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "اللهم! اغفر للمحلقين". قال: يقول رجل من القوم: والمقصرين؟ فقال: يا رسول الله! في الثالثة أو في الرابعة: "والمقصرين". ثم قال: وأنا يومئذ محلوق الرّأس، فما يسرني بحلق رأسي حمر النّعم أو فِطْرًا عظيمًا.
حسن: رواه الإمام أحمد (١٧٥٩٨) من حديث أوس بن عبيد الله أبي مقاتل السّلوليّ، قال:
стр. 3225
حدّثني بريد بن أبي مريم، عن أبيه مالك بن ربيعة، فذكره.
وفيه أوس بن عبيد الله السّلوليّ من أهل البصرة، ذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٧٣) وهو من رجال "التّعجيل" وقد روى عنه جماعة، كما ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتّعديل.
فهو مقبول، وهو كذلك لأنه تابعه حبان بن يسار الكلابيّ، عن يزيد بن أبي مريم، أنه سمع أباه أبا مريم بذكر عن النبيّ ﷺ أنه في خطبة له (فذكر الحديث).
ومن طريقه رواه الطبرانيّ في "الكبير" (٩/ ٢٧٥)، والأوسط كما في مجمع البحرين (١٧٧٧). وحسّنه أيضًا الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٦٢) وعزاه إلى الأوسط وأحمد ولم يعزُ إلى "الكبير".
وحبان بن يسار الكلابي من رجال "التقريب"، قال فيه الحافظ: "صدوق اختلط".
وأبو مريم كنية مالك بن ربيعة، وله صحبة كما قال ابن معين وغيره، وقد جاء إلى النبيّ ﷺ فدعا له النبيّ ﷺ أن يبارك له في ولده، فولد له ثمانون ذكرًا كما في الإصابة (٣/ ٣٤٤).
وفي الباب ما روي عن أبي سعيد الخدريّ: "أنّ النبيّ ﷺ أحرم وأصحابه عام الحديبية غير عثمان وأبي قتادة، فاستغفر للمحلِّقين ثلاثًا وللمقصِّرين مرة".
رواه الإمام أحمد (١١١٤٩)، وأبو يعلى (١٢٦٣)، والبيهقيّ في الدلائل (٤/ ٥١)، والطّيالسيّ (٢٢٢٤) كلّهم من حديث هشام، عن يحيى (وهو ابن أبي كثير)، عن أبي إبراهيم الأنصاريّ، قال: ثنا أبو سعيد الخدريّ، فذكره.
وأبو إبراهيم هو الأشهليّ المدنيّ، قال فيه أبو حاتم: "لا يدري من هو". الجرح والتعديل (٩/ ٣٣٢)، وبه أعله الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٦٢).
ولا يروى عنه غير يحيى بن أبي كثير، ولم يذكره ابن حبان في "الثقات"، ولا في "المجروحين" فهو "مجهول"، ولكن قال فيه الحافظ: "مقبول".
ورواه الطّحاويّ في شرح مشكله (١٣٨٦) من طريق هارون بن إسماعيل الخزاز، عن علي بن المبارك، قال: حدّثنا يحيى بن أبي كثير، أنّ أبا إبراهيم حدّثه عن أبي سعيد الخدريّ: "أنّ رسول الله ﷺ عام الحديبية حلق، وحلق أصحابه رؤوسهم غير رجلين: رجل من الأنصار، ورجل من قريش".
قال الطّحاويّ: "ولم نجد هذا التبيان في حديث أحد ممن روى هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير غير علي بن المبارك، وأمّا الأوزاعيّ فلم يذكر ذلك في حديثه هذا عن يحيي". ثم قال: "وليس علي بن المبارك بدون الأوزاعيّ" انتهى.
وعلي بن المبارك هو الهنائيّ، ثقة، وثقه أبو داود وغيره من رجال الجماعة، ولكن قوله: "ليس بدون الأوزاعيّ" ففيه نظر؛ لأنّ الأوزاعي إمام جليل وفقيه كبير، ثم كان لعلي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير كتابان: أحدهما سماع، والآخر إرسال. فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، والرّاوي عنه هارون بن إسماعيل الخزاز من البصرة.
следующие страницы →