← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

ثم قال: "احْلق الشِّق الآخر" فقال: أين أبو طلحة؟ فأعطاه إيّاه. متفق عليه: رواه مسلم في الحج (١٣٠٥) من طرق عن هشام (هو الدّستوائيّ) عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك، فذكره. ورواه البخاريّ في الوضوء (١٧١) من طريق ابن عون، عن ابن سيرين، به، مختصرًا بلفظ: "أنّ رسول الله ﷺ لما حلق رأسه كان أبو طلحة أوّل من أخذ من شعره". • عن معمر بن عبد الله قال: كنت أرحل لرسول الله ﷺ في حجة الوداع قال فقال لي ليلة من الليالي: "يا معمر لقد وجدت الليلة في أنْسَاعِي اضطرابًا". قال: فقلت: أما والذي بعثك بالحقّ لقد شددتها كما كنت أشدُّها، ولكنه أرخاها مَنْ قد كان نَفِسَ عليَّ مكاني منك، لتستبدل بي غيري، قال: فقال: "أما إنّي غيرُ فاعلٍ". قال: فلما نحر رسول الله ﷺ هديه بمنى أمرني أن أحلقه، قال: فأخذتُ الموسي فقمت على رأسه. قال: فنظر رسول الله ﷺ في وجهي وقال لي: "يا معمرُ، أمكنكَ رسول الله ﷺ من شحمة أذنه وفي يدك الموسي؟ ! ". قال: فقلت: أما والله يا رسول الله إنّ ذلك لمن نعمة الله عليَّ ومَنِّه. قال: فقال: "أجلْ إذًا أقِرّ لك". قال: ثم حلقت رسول الله ﷺ . حسن: رواه الإمام أحمد (٢٧٢٤٩)، والطبرانيّ في الكبير (٢٠/ ٤٤٧ - ٤٤٨) كلاهما من حديث ابن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب المصريّ، عن عبد الرحمن بن عقبة مولي معمر بن عبد الله بن نافع بن نضلة العدويّ، عن معمر بن عبد الله، فذكره. ولفظهما سواء إلا في أحرف. إسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق؛ لأنه مدلس ولكنه صّرح. ومن أجل عبد الرحمن بن عقبة فإنه من رجال "التعجيل" قال الحسيني: "مجهول" فتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: "وَهِل، بل هو معروف، ذكره ابن يونس، ونسبه غفاريًا، وذكر في الرواة عنه موسي بن أيوب (علاوة عن يزيد بن أبي حبيب)، وأن عبد الرحمن المذكور قتل بإفرلقيا، ولم يذكر ابن أبي حاتم تبعًا للبخاريّ فيه جرحًا". قلت: فمثله يحسّن حديثه، وخاصة وقد سبق في حديث ابن خزيمة ما يشهد له. وجزم أهل العلم أنّ الذي حلق شعر رأس النبيّ ﷺ في حجة الوداع هو معمر بن عبد الله بن نضلة القرشيّ، منهم: الحافظ في الفتح (١/ ٣٠٩). وقوله: "أنساعي" جمع نِسعة -بكسر النون، وسكون السين- وهي التي تُنسج عريضة ليربط على صدر البعير. وقوله: "نِفس" بكسر الفاء -كعلِم- من نَفِسْت عليه بالشيء إذا تراه له أهلًا. أفاده السنديّ. • عن أنس بن مالك، قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يحلق الحجام رأسه،

стр. 3222

أخذ أبو طلحة بشعر أحد شقي رأسه بيده، فأخذ شعره، فجاء به إلى أمّ سليم، قال: فكانت أمُّ سليم تدوفه في طيبها. صحيح: رواه الإمام أحمد (١٢٤٨٣) عن حسن (هو ابن موسي)، حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البنانيّ، عن أنس، فذكره. وقوله: "تدوفه في طيبها" أي تخلطه فيه، يقال: دافه بماء يدوفه ويديفه إذا بلّه به وخلطه. • عن أنس قال: رأيت رسول الله ﷺ والحلّاق يحلقه، وقد أطاف به أصحابُه، ما يريدون أن تقع شعرة إلّا في يد رجل. صحيح: رواه الإمام أحمد (١٢٣٦٣) عن سليمان بن حرب، حدّثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، فذكره. وإسناده صحيح. • عن محمد بن عبد الله بن زيد، أنّ أباه حدّثه: أنّه شهد النبيَّ ﷺ عند المنْحر، ورجلًا من قريش، وهو يُقسم أضاحي، فلم يصبه منها شيءٌ ولا صاحبَه، فحلق رسولُ الله ﷺ رأسه في ثوبه، فأعطاه فقسم منه على رجال، وقلّم أظفاره فأعطاه صاحبه قال: فإنه لعندنا مخضوب بالحنّاء والكتم - يعني شعره. صحيح: رواه أحمد (١٦٤٧٤، ١٦٤٧٥)، وابن خزيمة (٢٩٣١)، والحاكم (١/ ٤٧٥) كلّهم من حديث أبان العطّار، قال: حدثني يحيي -يعني ابن أبي كثير-، عن أبي سلمة، عن محمد بن عبد الله بن زيد، أنّ أباه حدّثه، فذكره. وأبو محمد هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه صاحب الأذان. وإسناده صحيح. وصحّحه الحاكم وقال: "على شرط الشيخين". وهذا وهم منه فإنّ محمد بن عبد الله بن زيد من رجال مسلم وحده. ١١٤ - باب ما جاء في دعاء النبيّ ﷺ للمحلِّقين بالرّحمة ثلاث مرّات وللمقصِّرين مرة واحدة • عن عبد الله بن عمر، أنّ رسول الله ﷺ قال: "اللهمّ! ارْحم المحلِّقين". قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال: "اللهمّ! ارْحم المحلِّقين". قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال: "والمقصِّرين". متفق عليه: رواه مالك في الحجّ (١٨٤) عن نافع، عن عبد الله بن عمر، فذكره. ورواه البخاريّ في الحج (١٧٢٧)، ومسلم في الحج (١٣٠١: ٣١٧) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. ورواه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، به، بلفظ: "رحم الله المحلّقين" قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال: "رحم الله المحلّقين" قالوا: والمقصِّرين يا

стр. 3223

رسول الله؟ قال: "رحم الله المحلّقين" قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال: "والمقصِّرين". وعلقه البخاريّ -عقب رواية مالك-، عن عبيد الله بن عمر، به، مختصرًا. قال الخطّابي وغيره: إنّ من عادة العرب كانت تحبُّ توفير الشّعر والتزين به، وكان الحلق فيهم قليلًا، وربما كانوا يرونه من الشّهرة، وذي الأعاجم، ولذلك كرهوا الحلق، واقتصروا على التقصير". وروى مالك في الحجّ (٢٠٠) بإسناد صحيح عن نافع، عن ابن عمر كان إذا حلق رأسه في حجّ أو عمرة، أخذ من لحيته وشاربه. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "من غقص رأسه أو ضفر أو لبَّد، فقد وجب عليه الحِلاقُ". رواه مالك في الحج (٢٠٥) عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنّ عمر بن الخطاب كان يقول (فذكره). • عن عبد الله بن عمر، قال: حلق النبيُّ ﷺ وطائفةٌ من أصحابه، وقصّر بعضهم. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٧٢٩) من طريق جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. ورواه مسلم في الحجّ (١٣٠١) من حديث اللّيث، عن نافع، به، مثله. وزاد: قال عبد الله (ابن عمر): إنّ رسول الله ﷺ قال: "رحم الله المحلقين" مرة أو مرتين، ثم قال: "والمقصّرين". • عن ابن عمر، أنّ النبيَّ ﷺ قال يوم الحديبيّة: "اللهمّ! اغفر للمحلّقين" فقال رجلٌ: والمقصّرين؟ فقال: "اللهمّ! اغفر للمحلّقين". فقال: والمقصِّرين؟ . قال: حتى قالها ثلاثًا، أو أربعًا، ثم قال: "وللمقصِّرين". صحيح: رواه الإمام أحمد (٤٨٩٧، ٦٣٨٤) عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. ورواه ابن أبي شيبة (١٤/ ٤٥٢) من وجه آخر عن ابن عمر ضمن قصة الحديبية، وفيه تصريح بأنه ﷺ قال ذلك يوم الحديبية. كما قال ذلك أيضًا في حجّة الوداع. ولا منافاة بينهما؛ ولذا لا يحتاج إلى الإنكار في إثبات كونه قال ذلك أيضًا يوم الحديبية؛ لأنّ من أنكر ذلك أسند إلى عدم علمه به، وعدم العلم ليس بعلم كما يقال، فإنّ الصحيح الثابت الذي عليه المحقّقون أنه ﷺ قال ذلك أولًا في الحديبية، ثم أعاده في حجّة الوداع كما جاء مصرّحًا أيضًا في حديث أمّ الحصين الأسلميّة الآتي. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهمّ! اغفر للمحلقين". قالوا: يا رسول الله، وللمقصِّرين؟ قال: "اللهمّ! اغفر للمحلقين". قالوا: يا رسول الله،

стр. 3224

وللمقصِّرين؟ قال: "اللهمّ! اغفر للمحلقين". قالوا: يا رسول الله، وللمقصِّرين؟ قال: "وللمقصِّرين". متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٧٢٨)، ومسلم في الحجّ (١٣٠٢) كلاهما من طريق محمد ابن فضيل، حدّثنا عُمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، فذكره. واللّفظ لمسلم. • عن أمّ الحصين الأسلميّة، أنّها سمعت النّبيّ ﷺ في حجّة الوداع دعا للمحلّقين ثلاثًا، وللمقصّرين مرّة. صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٣٠٣) من طريق شعبة، عن يحيى بن الحصين، عن جدّته، أنّها سمعت النبيَّ ﷺ (فذكرته). • عن عبد الله بن عباس قال: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فقال رسول الله ﷺ : "يرحم الله المحلِّقين" قالوا: يا رسول الله! والمقصرين؟ قال: "يرحم الله المحلّقين" قالوا: يا رسول الله! والمقصرين؟ قال: "يرحم الله المحلِّقين" قالوا: يا رسول الله والمقصِّرين؟ قال: "والمقصِّرين". قالوا: فما بال المحلِّقين يا رسول الله ظاهرتَ لهم الرّحمة؟ قال: "لم يشكُّوا". قال: فانصرف رسول الله ﷺ . حسن: رواه الإمام أحمد (٣٣١١)، واللّفظ له، والطّحاويّ في شرح معانيه (٤٠٥٧)، وابن ماجه (٣٠٤٥) مختصرًا، كلّهم من حديث محمد بن إسحاق، حدّثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه مدلس حسن الحديث إذا صرّح. وقوله: "ظاهرت لهم الرحمة" أي جمعت وكررتَ لهم الرّحمة. وقوله: "لم يشكوا" أي لم يعاملوا معاملة من يشك في جواز الّتحلّل، أي من قصّر فكأنّه شكّ في جواز التّحلل حتى اقتصر في التّحلّل على بعضه، ومن حلق فلا شكّ منه أي لم يعاملوا معاملة من يشك في أنّ الاتباع أحسن، وأمّا من قصر فقد عامله معاملة الشاك في ذلك، حيث ترك فعله ﷺ . قاله السنديّ في حاشية المسند. • عن مالك بن ربيعة، أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "اللهم! اغفر للمحلقين". قال: يقول رجل من القوم: والمقصرين؟ فقال: يا رسول الله! في الثالثة أو في الرابعة: "والمقصرين". ثم قال: وأنا يومئذ محلوق الرّأس، فما يسرني بحلق رأسي حمر النّعم أو فِطْرًا عظيمًا. حسن: رواه الإمام أحمد (١٧٥٩٨) من حديث أوس بن عبيد الله أبي مقاتل السّلوليّ، قال:

стр. 3225

حدّثني بريد بن أبي مريم، عن أبيه مالك بن ربيعة، فذكره. وفيه أوس بن عبيد الله السّلوليّ من أهل البصرة، ذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٧٣) وهو من رجال "التّعجيل" وقد روى عنه جماعة، كما ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتّعديل. فهو مقبول، وهو كذلك لأنه تابعه حبان بن يسار الكلابيّ، عن يزيد بن أبي مريم، أنه سمع أباه أبا مريم بذكر عن النبيّ ﷺ أنه في خطبة له (فذكر الحديث). ومن طريقه رواه الطبرانيّ في "الكبير" (٩/ ٢٧٥)، والأوسط كما في مجمع البحرين (١٧٧٧). وحسّنه أيضًا الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٦٢) وعزاه إلى الأوسط وأحمد ولم يعزُ إلى "الكبير". وحبان بن يسار الكلابي من رجال "التقريب"، قال فيه الحافظ: "صدوق اختلط". وأبو مريم كنية مالك بن ربيعة، وله صحبة كما قال ابن معين وغيره، وقد جاء إلى النبيّ ﷺ فدعا له النبيّ ﷺ أن يبارك له في ولده، فولد له ثمانون ذكرًا كما في الإصابة (٣/ ٣٤٤). وفي الباب ما روي عن أبي سعيد الخدريّ: "أنّ النبيّ ﷺ أحرم وأصحابه عام الحديبية غير عثمان وأبي قتادة، فاستغفر للمحلِّقين ثلاثًا وللمقصِّرين مرة". رواه الإمام أحمد (١١١٤٩)، وأبو يعلى (١٢٦٣)، والبيهقيّ في الدلائل (٤/ ٥١)، والطّيالسيّ (٢٢٢٤) كلّهم من حديث هشام، عن يحيى (وهو ابن أبي كثير)، عن أبي إبراهيم الأنصاريّ، قال: ثنا أبو سعيد الخدريّ، فذكره. وأبو إبراهيم هو الأشهليّ المدنيّ، قال فيه أبو حاتم: "لا يدري من هو". الجرح والتعديل (٩/ ٣٣٢)، وبه أعله الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٦٢). ولا يروى عنه غير يحيى بن أبي كثير، ولم يذكره ابن حبان في "الثقات"، ولا في "المجروحين" فهو "مجهول"، ولكن قال فيه الحافظ: "مقبول". ورواه الطّحاويّ في شرح مشكله (١٣٨٦) من طريق هارون بن إسماعيل الخزاز، عن علي بن المبارك، قال: حدّثنا يحيى بن أبي كثير، أنّ أبا إبراهيم حدّثه عن أبي سعيد الخدريّ: "أنّ رسول الله ﷺ عام الحديبية حلق، وحلق أصحابه رؤوسهم غير رجلين: رجل من الأنصار، ورجل من قريش". قال الطّحاويّ: "ولم نجد هذا التبيان في حديث أحد ممن روى هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير غير علي بن المبارك، وأمّا الأوزاعيّ فلم يذكر ذلك في حديثه هذا عن يحيي". ثم قال: "وليس علي بن المبارك بدون الأوزاعيّ" انتهى. وعلي بن المبارك هو الهنائيّ، ثقة، وثقه أبو داود وغيره من رجال الجماعة، ولكن قوله: "ليس بدون الأوزاعيّ" ففيه نظر؛ لأنّ الأوزاعي إمام جليل وفقيه كبير، ثم كان لعلي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير كتابان: أحدهما سماع، والآخر إرسال. فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، والرّاوي عنه هارون بن إسماعيل الخزاز من البصرة.

стр. 3226

فقول علي بن المبارك: "غير رجلين: رجل من الأنصار، ورجل من قريش" لم يأت في خبر آخر صحيح. وأمّا ما ذكر في مسند الإمام أحمد: عثمان وأبو قتادة فهما غير محرمين أصلا، ليسا ممن شكّ فقصر فتنبّه. وفي الباب أيضًا ما رُوي عن جابر بن عبد الله يقول: حلق رسول الله يوم الحديبية، وحلق ناس كثير من أصحابه حين رأوه حلق، وأمسك آخرون. فقالوا: والله! ما طفنا بالبيت فقصروا: فقال رسول الله ﷺ : "يرحم الله المحلِّقين". فقال رجل: والمقصّرين يا رسول الله؟ قال: "رحم الله المحلقين". فقال رجل: والمقصرين يا رسول الله؟ "يرحم الله المحلِّقين". فقال رجل: والمقصّرين يا رسول الله؟ قال: "والمقصرين". رواه الطّحاويّ في "شرح مشكله" (١٣٦٧) من طريق زمعة بن صالح، عن زياد بن سعد، عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول (فذكره). وزمعة بن صالح الجنديّ اليماني أبو وهب ضعيف عند جماهير أهل العلم. قال ابن حبان: "كان رجلًا صالحًا يهم ولا يعلم، ويخطئ ولا يفهم حتى غلب في حديثه المناكير التي يرويها عن المشاهير" "المجروحين". وفيه بيان لمعنى الشّك. وفي الباب ما روي أيضًا عن حُبشي بن جنادة -وكان ممن شهد حجّة الوداع- قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم! اغفر للمحلّقين" قالوا: يا رسول الله، والمقصرين؟ قال: اللهم! اغفر للمحلّقين" قالوا: يا رسول الله، والمقصرين؟ قال: "اللهم! اغفر للمحلّقين" قالوا: يا رسول الله: والمقصِّرين؟ قال -في الثالثة-: "والمقصِّرين". رواه الإمام أحمد (١٧٥٠٧)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٨) كلاهما من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة، قال (فذكره). وأبو إسحاق مدلس ومختلط، ويقال: إنه لم يسمع من حبشي بن جنادة، ففيه انقطاع. وفي الباب ما رُوي عن قارب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم! اغفر للمحلقين" قال رجل: والمقصرين. قال في الرابعة: "والمقصرين". رواه الإمام أحمد (٢٧٢٠٢) عن سفيان، عن إبراهيم بن ميسرة، عن ابن قارب، عن أبيه، قال: فذكره. ويُقَلِّلُه سفيان بيده قال سفيان: وقال في تيك كأنه يوسع يده. وابن قارب هو عبد الله وقد حج مع أبيه، وله ولأبيه صحبة ولكن فيه انقطاع، فإن إبراهيم بن ميسرة لم يسمع منه، وإنما سمعه من ولده وهب كما في الرواية الآتية.

стр. 3227

ففي مسند البزار - كشف الأستار (١١٣٥)، والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (٣/ ٢٣٣) ومن طريقه ابن قانع في المعجم (٢/ ٨٥) عن سفيان، عن إبراهيم بن ميسرة، عن وهب بن عبد الله بن قارب، عن أبيه، عن النبي ﷺ فذكره. ووهب بن عبد الله بن قارب اختلف في صحبته، والصحيح أنه تابعي، ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ١٦٥)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٢٢) وقد تفرد بالرواية عنه إبراهيم بن ميسرة، ولم يوثقه غير ابن حبان (٣/ ٤٢٧) فهو في عداد المجهولين. وله أسانيد أخرى كلها تدور عليه، وفي بعضها إرسال. وبالله التوفيق. ١١٥ - باب ليس على النّساء حلق • عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير". صحيح: رواه أبو داود من وجهين: أحدهما (١٩٨٥) عن أبي يعقوب البغداديّ -ثقة-، حدّثنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني أمُّ عثمان بنت أبي سفيان، أنّ ابن عباس، قال (فذكره). ورواه الدارقطني (٢٦٦٦)، والبيهقيّ (٥/ ١٠٤) كلاهما من وجهين، عن هشام بن يوسف، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الحميد بن جبير، بإسناده، مثله. وإسناده صحيح، ورجاله ثقات، وهشام بن يوسف هو الصنعانيّ أبو عبد الرحمن القاضي ثقة من رجال الصحيح. وأمّ عثمان بنت سفيان أو أبي سفيان لها صحبة، وكانت من المبايعات كما قال ابن عبد البر. قال الحافظ في "التقريب": "هي أمّ ولد شيبة بن عثمان لها صحبة وحديث". وقال في التلخيص (٢/ ٢٦١): إسناده حسن، وقوّاه أبو حاتم في "العلل" (٨٣٤)، والبخاريّ في "التاريخ" (٦/ ٤٦) وأعلّه ابن القطّان، وردّ عليه ابن المواق فأصاب" انتهى. أي أعلّه بأمّ عثمان بنت سفيان، فقال: "لا يعرف حالها". وكذا حسّنه الحافظ ولم يصححه، ولا أعرف له سببًا في ذلك ورجاله كلهم ثقات. وأما الإسناد الثاني عند أبي داود فهو ما رواه من طريق ابن جريج، قال: "بلغني عن صفية بنت شيبة بن عثمان، قالت (فذكر الإسناد). وفيه انقطاع بين ابن جريج وبين صفية بنت شيبة. وأوهم البيهقيّ في إيراد هذا الإسناد في الكبرى بأنّ أبا داود لا يروي إلّا بهذا. وفي معناه ما رُوي عن علي قال: نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها.

стр. 3228

رواه الترمذيّ (٩١٤) عن محمد بن موسى الجرشيّ البصريّ، حدّثنا أبو داود الطّيالسيّ، حدّثنا همام، عن قتادة، عن خِلاص بن عمرو، عن علي، فذكره. وقال: وحدّثنا محمد بن بشار، حدّثنا أبو داود، عن همام، عن خلاص، نحوه. ولم يذكر فيه "عن علي". قال الترمذي: "حديث علي فيه اضطراب، ورُوي هذا الحديث عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عائشة، أنّ النبيّ ﷺ نهى أن تحلق المرأة رأسها، والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون على المرأة حلقًا، ويرون أنّ عليها التقصير" انتهى. قلت: أمّا حديث عائشة، فرواه البزار -كشف الأستار (١١٣٧) - وفيه معلي بن عبد الرحمن الواسطيّ، قال البزّار: "لا يتابع على حديثه". وذكره الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٦٣) قال بعد أن عزاه إلى البزار: وفيه معلي بن عبد الرحمن، وقد اعترف بالوضع. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وفي معناه أيضًا ما رُوي عن عثمان يقول: نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها. رواه البزار -كشف الأستار (١١٣٦) - من طريق روح بن عطاء بن أبي ميمونة، حدثني أبي، عن وهب بن عمير، قال: سمعت عثمان يقول (فذكره). قال البزار: "لا نعلم رُوي وهبٌ إلا هذا، ولا حدّث عنه إلّا عطاء، وروح ليس بالقوي". وأورده الهيثميّ في "مجمع الزوائد" (٣/ ٢٦٣) بعد أن عزاه للبزار: "فيه روح بن عطاء ضعيف". وقال ابن المنذر: "أجمعوا أن لا حلق على النساء، إنّما عليهنّ التقصير. وقالوا: ويكره لهن الحلق؛ لأنّه بدعة في حقهن وفيه مثلة" إلّا أنّها لو حلفت أجزأ عنها، وتكون مسيئة، والنهي يحمل على التنزيه. تقول عائشة ﵂: "كنا نحجّ ونعتمر، فما نزيد على أن نطرف قدر أصبع". وعن ابن عمر قال في المحرمة: "تأخذ من شعرها مثل السبابة". وعن عطاء قال: "تأخذ من عفر رأسها". هذه الآثار ذكرها البيهقيّ في "الكبري". ١١٦ - باب من السنة ترتيب أعمال الحج يوم النّحر أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق ثم يفيض • عن أنس بن مالك: أنّ رسول الله ﷺ أتي مني، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتي منزله بمنى، ونحر، ثم قال للحلّاق: "خذ" وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ـ

стр. 3229

ثم جعل يعطيه النّاس. وفي رواية: وأشار بيده إلى الجانب الأيمن هكذا، فقسم شعره بين من يليه. قال: ثم أشار إلى الحلّاق إلى الجانب الأيسر، فحلقه، فأعطاه أمَّ سُليم. وفي رواية: فبدأ بالشّق الأيمن، فوزّعه الشعرة والشعرتين بين النّاس. ثم قال بالأيسر فصنع به مثل ذلك، ثم قال: "ههنا أبو طلحة؟ " فدفعه إلى أبي طلحة. وفي رواية: وقال بيده عن رأسه، فحلق شقه الأيمن فقسمه فيمن يليه، ثم قال: "احلق الشّق الآخر" فقال: "أين أبو طلحة؟ "، فأعطاه إياه. وفي رواية: ناول الحالق شقّه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاريّ فأعطاه إياه. ثم ناول الشّق الأيسر فقال: "احلق" فحلقه. فأعطاه أبا طلحة فقال: "أقسمه بين النّاس". متفق عليه: رواه مسلم في الحج (١٣٠٥: ٣٢٣، ٣٢٤، ٣٢٥، ٣٢٦) من طرق، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس فذكره. ورواه البخاريّ في الوضوء (١٧١) من حديث ابن عون، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك: "أنّ رسول الله ﷺ لما حلق رأسه، كان أبو طلحة أوّل من أخذ من شعره". عرف من رواية ابن عون، أنّ النّبيّ ﷺ أعطى أبا طلحة من شعر شقّه الأيمن، وعرف من روايات مسلم أنه أعطاه من شعر شقه الأيمن، ومن شعر شقه الأيسر. كما عرف أيضًا من روايات مسلم أنه أعطى الناس شعر شقّه الأيمن والأيسر. كما عرف أنه أعطى أمّ سليم شعر شقه الأيسر. فظاهرها التّضارب، ولكن يمكن الجمع بأنه ﷺ لما حلق شقه الأيمن أعطى أبا طلحة، ولما حلق شقه الأيسر أعطى جزءًا منه لأمّ سُليم، والباقي لأبي طلحة ليقسمه بين الناس. فقوله في الرّواية الأولى: "ثم جعل يعطيه الناس" أي تولى ذلك أبو طلحة إذ أخذ شعر شقه الأيمن، وشعر شقه الأيسر وقام بتقسيمه على النّاس بأمر النبيّ ﷺ كما في الرواية الآخرة عند مسلم، وبالله التوفيق. ١١٧ - باب جواز تقديم بعض أعمال الحجّ على بعض يوم النّحر • عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: وقف رسول الله ﷺ للنّاس بمنى والنّاس يسألونه فجاءه رجلٌ فقال له: يا رسول الله، لم أشعرْ فحلقت قبل أن أنحر؟ فقال رسول الله ﷺ : "انحر ولا حرج". ثم جاءه آخر فقال: يا رسول الله، لم أشعر فنحرت قبل أنْ أرمي؟ قال: "ارْم ولا حرج". قال: فما سُئل رسول الله ﷺ عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال: "افعل ولا حرج". متفق عليه: رواه مالك في الحجّ (٢٤٢) عن ابن شهاب الزّهريّ، عن عيسى بن طلحة، عن ـ

стр. 3230

عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكره. ورواه البخاريّ في الحجّ (١٧٣٦)، ومسلم في الحج (١٣٠٦: ٣٢٧) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. وعندهما البخاري (١٧٣٧) ومسلم من حديث ابن جريج قال: سمعت الزهري بإسناده عن عبد الله بن عمرو حدثه أنه شهد النبي ﷺ يخطب يوم النحر، فقام إليه رجل فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، ثم قام آخر فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، حلقت قبل أن أنحر، نحرت قبل أن أرمي، وأشباه ذلك، فقال النبي ﷺ : "افعل ولا حرج" لهن كلهن، فما سئل يومئذ عن شيء إلا قال: "افعل ولا حرج" واللفظ للبخاري. وأما مسلم فأبهم لفظ السؤال فقال: لهؤلاء الثلاث، وهؤلاء الثلاث لم يذكرها مسلم قبله، وإنما ذكر الثلاث بعده في حديث محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، وجاء فيه: إني حلقت قبل أن أرمي، فقال: "ارم ولا حرج"، وأتاه آخر فقال: إني ذبحت قبل أن أرمي، فقال: "ارم ولا حرج" وأتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، فقال: "ارم ولا حرج". • عن جابر بن عبد الله: أنّ رجلًا قال: يا رسول الله، ذبحتُ قبل أن أرمي قال: "ارْمِ ولا حرج". قال رجلٌ: يا رسول الله، حلقتُ قبل أن أذبح؟ قال: "اذبح ولا حرج". صحيح: رواه الإمام أحمد (١٥١٣٣)، وابن حبان (٣٨٧٨)، والبيهقيّ (١٤٣٥) كلّهم من طرق عن حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، فذكره. وعلقه البخاريّ عقب حديث ابن عباس (١٧٢٢) عن حماد، عن قيس بن سعد، وعباد بن منصور، عن عطاء، عن جابر، عن النبيّ ﷺ ، ولم يذكر لفظه. وإسناده صحيح. ورواه ابن ماجه (٣٠٥٢)، والإمام أحمد (١٤٤٩٨)، كلاهما من وجه آخر عن أسامة بن زيد، قال: حدثني عطاء بن أبي رباح، به، ولفظه: قعد رسول الله ﷺ بمنى يوم النّحر للنّاس، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، إنّي حلقتُ قبل أن أذبح، قال: "لا حرج". ثم جاءه آخر فقال: يا رسول الله، إنّي نحرت قبل أن أرمي، قال: "لا حرج". فما سئل يومئذ عن شيء قُدِّم قبل شيء إلّا قال: "لا حرج". لفظ ابن ماجه. وزاد أحمد: "عرفة كلّها موقف، والمزدلفة كلّها موقف .... ". وأسامة بن زيد هو اللّيثيّ مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، وقد توبع في الإسناد الأوّل. • عن أسامة بن شريك، قال: خرجتُ مع النبيّ ﷺ حاجًّا، فكان النّاسُ يأتونه، فمن قال: يا رسول الله، سعيتُ قبل أن أطوف، أو قدّمت شيئًا أو أخّرت شيئًا،

стр. 3231

فكان يقول: "لا حرج، لا حرج إلّا على رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم. فذلك الذي حرج وهلك". صحيح: رواه أبو داود (٢٠١٥) ومن طريقه البيهقيّ (٥/ ١٤٦) وصححه ابن خزيمة (٢٧٧٤ (كلّهم من حديث جرير، عن أبي إسحاق (وهو الشيباني)، عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك، فذكره. قال البيهقيّ: "هذا اللفظ: "سعيت قبل أن أطوف غريب! تفرّد به جرير عن الشيباني، فإن كان محفوظًا فكأنّه سأله عن رجل سعي عقيب طواف القدوم قبل طواف الإفاضة، فقال: لا حرج". وتعقبه ابن التركمانيّ فقال: "هذه الصورة مشهورة، وهي التي فعلها النبيّ ﷺ فالظاهر أنه لا يسأل عنها، وإنما سأل عن تقديم السعي على طواف الإفاضة، وعموم قول الصحابي: "فما سئل عن شيء قدِّم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج" يدل على جواز ذلك، وهو مذهب عطاء والأوزاعي واختاره ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار، وظهر بهذا أن الشافعي وأكثر العلماء تركوا العمل بعموم الحديث كما تقدم". قلت: وما قاله ابن التركماني هو المتجه، وهو الذي فهمه أيضًا ابن خزيمة فبوّب بقوله: "إسقاط الحرج عن السّاعي بين الصّفا والمروة قبل الطّواف بالبيت جهلًا، بأن الطّواف بالبيت قبل السّعي" ثم ذكر الحديث. وبه قال أحمد في رواية إنْ كان ناسيًا. قلت: إنّ الله قد علمَ بأن الحج سيكون فيه مشقة فوضع الحرج والضيق عن عباده، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدريّ. ولأسامة بن شريك حديث طويل بإسناد صحيح. رواه الإمام أحمد (١٨٤٥٤) وغيره، وسيأتي في موضعه، وفيه: وسألوه عن أشياء هل علينا حرج في كذا وكذا؟ فقال: "عباد الله، وضع الله الحرج إلا امرأ اقترض امرأ مسلمًا ظلما، فذلك حرْج وهُلْك". فكان أسامة بن شريك يحدث أحيانًا بجزء من الحديث كما سبق، وكما رواه الطحاويّ في شرحه (٢/ ٢٣٦) من وجه آخر عن أسباط بن محمد، قال: ثنا أبو إسحاق الشّيبانيّ، بإسناده، وفيه: سئل عمن حلق قبل أن يذبح أو ذبح قبل أن يحلق؟ فقال: "لا حرج" فلما أكثروا عليه قال: "يا أيّها النّاس، قد رفع الحرج إلا من اقترض من أخيه شيئًا ظلمًا فذلك الحرج". فكلُّ شيء من تقديم وتأخير جاء في حديث أسامة بن شريك منصوصًا يحمل على الحقيقة بدون تأويل كذا وكذا. • عن ابن عباس، أنّ النبيّ ﷺ قيل له: في الذّبح، والحلق، والرّمي، والتّقديم والتّأخير، فقال: "لا حرج". وفي رواية: كان النبيّ ﷺ يُسأل يوم النّحر بمنى فيقول: "لا حرج". فسأله رجلٌ، فقال: حلقتُ

стр. 3232

قبل أن أذبح، قال: "اذبحُ ولا حرج". وقال: رميتُ بعد ما أمسيت، فقال: "لا حرج". وفي رواية: قال رجل للنبيّ ﷺ : زُرْت قبل أن أرمي، قال: "لا حرج". قال: "حلقتُ قبل أن أذبح؟ ". قال: "لا حرج". قال: ذبحتُ قبل أن أرمي، قال: "لا حرج". متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٧٣٤)، ومسلم في الحج (١٣٠٧) كلاهما من طريق وهيب، حدثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، به، ولفظهما سواء. والرواية الثانية عند البخاريّ في الحج (١٧٣٥) من طريق خالد بن مهران الحذّاء، عن عكرمة، عن ابن عباس. والرواية الثالثة عند البخاري أيضًا في الحج (١٧٢٢) من طريق عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس. قوله: "زُرت" أي طواف الزيارة، وهو طواف الإفاضة. ورواه البيهقيّ (٥/ ١٤٢ - ١٤٣) من حديث إبراهيم بن طهمان، عن خالد الحذّاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال (فذكر الحديث). وزاد فيه: "فما علمته سئل عن شيء يومئذ إلا قال: "لا حرج" ولم يأمر بشيء من الكفارة" قال: هذا إسناد صحيح" انتهي. قلت: هذا الحديث أخرجه أيضًا البخاريّ (١٧٢٣)، وأبو داود (١٩٨٣)، والإمام أحمد (١٨٥٨) كلّهم من أوجه أخر، عن خالد الحذاء، ولم يذكروا فيه: "ولم يأمر بشيء من الكفارة". ولذا قال ابن التركمانيّ: "هذه الزيادة غريبة جدًا! لم أجدها في شيء من الكتب المتداولة بين أهل العلم، وشيخ البيهقيّ وشيخ شيخه لم أعرف حالهما بعد الكشف والتتبع، وأيضًا إبراهيم بن طهمان وإن خُرِّج له في الصحيح فقد تكلّموا فيه" وأطال الكلام فيه. قلت: هذه الزيادة من حيث الفقه صحيحة، ولكن كثيرًا ما يتصرّف البيهقي ﵀ في الصناعة الحديثية التي هي موضع النقد من أهل العلم، كما في هذه المسألة فقد قال جماعة من أهل العلم: إنّ التمسّك بظاهر هذه الأحاديث مخالف لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ولذا قال ابن التركمانيّ: "وقد ترك أكثر الفقهاء العمل بعموم هذه الأحاديث، ونقل عن مالك أن من حلق قبل أن يرمي فعليه دم". وأطال الكلام فيه. وقد توسّعت في بيان مذاهب العلماء في "المنة الكبرى" (٤/ ٢٦٧ - ٢٧٥)، وخلاصته أن من قدَّم نُسكًا على نسك سواء في ذلك كان ناسيًا، أو جاهلًا، أو عامدًا فلا شيء عليه؛ لأنّ وجوب الفدية يحتاج إلى دليل ولو كانت واجبة لبيّنها رسول الله ﷺ لأنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما قرّره الأصوليّون. هذا رأي جمهور أهل العلم منهم: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود الظاهريّ، وفقهاء أهل

стр. 3233

الحديث في الشّرق والغرب. قال ابن حزم في "المحلي" (٧/ ٢٦٤ - ٢٦٥) بعد ذكر أقوال الفقهاء في إيجاب الدّم على من قدَّم شيئًا أو أخّر شيئًا: "كلّ هذه الأقوال في غاية الفساد؛ لأنّها كلّها دعاوية بلا دليل، لا من قرآن، ولا من سنة، ولا من قياس، ولا من رأي سديد". وأمّا ما روي عن ابن عباس: من قدّم شيئًا من حجّه أو أخره فليهرق بذلك دمًا". فهو ضعيف كما قال ابن حزم في "المحلي" وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ٢٧٧)، وابن حجر في الفتح (٣/ ٥٧٣). انظر للمزيد: "المنة الكبرى" ففيه كثير من التفاصيل. وفي الباب عن أبي سعيد قال: سئل رسول الله ﷺ وهو بين الجمرتين عن رجل حلق قبل أن يرمي، فقال: "لا حرج". وعن رجل ذبح قبل أن يرمي، قال: "لا حرج". ثم قال: "عباد الله، وضع الله الحرج والضيق، وتعلموا مناسككم فإنّها من دينكم". رواه الطحاوي في شرح المعاني (٢/ ٢٣٧) من طريق الحجاج، عن عبادة بن نسي، قال: حدثني أبو زبيد، قال: سمعت أبا سعيد الخدري، قال (فذكره). لم أستطع تعيين الحجّاج من هو؟ ١١٨ - باب أنّ من ساق الهدي لا يحلق رأسه حتى ينحر قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. • عن حفصة أمّ المؤمنين، أنّها قالت لرسول الله ﷺ : ما شأن النّاس حلُّوا، ولم تحللْ أنت من عمرتك؟ فقال: "إنّي لبدتُ رأسي، وقلّدتُ هدي، فلا أحلّ حتى أنحر". متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٨٠) عن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن حفصة، فذكرته. ورواه البخاريّ في الحج (١٥٦٦)، ومسلم في الحج (١٢٢٩: ١٧٦) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. وهذا خاص للقارن الذي ساق الهدي بخلاف المتمتع والمفرد إن أراد الذبح أو القارن الذي لم يسق الهدي فهم مخيرون في التقديم والتأخير كما جاء في الأحاديث الصحيحة: "افعل ولا حرج". وقيل: إنّ قوله ﷺ : "افعل ولا حرج" يشمل جميع الحالات تيسيرًا من الله وتخفيفًا منه. • عن نافع أنّ ابن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير فقيل له: إنّ النّاس كائن بينهم قتالٌ، وإنّا نخافُ أن يصدُّوكَ؟ فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أصنع كما صنع رسول الله ﷺ إني أشهدكم أني قد أوجبت عمرة ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء قال: ما شأن الحج والعمرة إلا واحد، اشهدوا (قال ابن رمح أشهدكم) أني قد أوجبت حجًّا مع عمرتي. وأهدى هديا اشتراه بقُدَيْد، ثم انطلق يُهلُّ بهما جميعًا، حتى قدم مكّة فطاف بالبيت وبالصّفا والمروة.

стр. 3234

ولم يزدْ على ذلك، ولم ينحرْ، ولم يحلق ولم يُقصِّرْ، ولم يحِللْ من شيء حرُم منه. حتى كان يوم النَّحر، فنحر وحلقَ، ورأى أن قد قضى طوافَ الحجِّ والعمرة بطوافه الأوّل. وقال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله ﷺ . متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٤٠)، ومسلم في الحج (١٢٣٠: ١٨٢) كلاهما عن قتيبة، حدثنا الليث، عن نافع، به. واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ قريب منه. ١١٩ - باب بماذا يحصل التحلل الأوّل • عن عائشة قالت: كنتُ أطيِّبُ رسولَ الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحلِّه قبل أن يطوف بالبيت. متفق عليه: رواه مالك في الحجّ (١٧) عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. ورواه البخاريّ في الحج (١٥٣٩)، ومسلم في الحج (١١٨٩: ٣٣) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. • عن عائشة، قالت: طيّبتُ رسول الله ﷺ لحُرمِه حين أحرم، ولحلِّه بعدما رمي جمرة العقبة، قبل أن يطوف. صحيح: رواه النسائيّ (٢٦٨٧) عن سعيد بن عبد الرحمن أبي عبيد الله المخزوميّ، قال: حدّثنا سفيان، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. وإسناده صحيح. ورواه الإمام أحمد (٢٦٠٧٨) من وجه آخر عن ابن جريج، أخبرني عمر بن عبد الله بن عروة، أنه سمع عروة والقاسم يخبران عن عائشة قالت: "طيبتُ رسول الله ﷺ بيدي بذريرة لحجة الوداع للحل والإحرام حين أحرم، وحين رمي جمرة العقبة يوم النّحر قبل أن يطوف بالبيت" وإسناده صحيح. ورواية القاسم في الصّحيحين بدون ذكر رمي جمرة العقبة. فقول عائشة: "بعد ما رمي جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت" يحمل على بعد ما رمي وذبح وحلق، واستثنى منه الطواف فقط؛ لأنّ هذا هو الترتيب الذي عمل به النبيّ ﷺ يوم النحر، وعليه يحمل قولها أيضًا: "لحلّه قبل أن يطوف" أي بعد رميه الجمرة والذبح والحلق، قبل الطواف، كما بيّن ذلك ابن عمر، وكما فسّره بذلك ابن خزيمة كما سيأتي. وأمّا ما رُوي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا رمي أحدكم جمرة العقبة فقد حلّ له كلّ شيء إلّا النّساء" فهو ضعيف؛ لأنّ الصّحيح أنه من فعله كما مضى لا من قوله. رواه أبو داود (١٩٧٨) عن مسدّد، حدّثنا عبد الواحد بن زياد، حدّثنا الحجاج، عن الزهريّ،

стр. 3235

عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، فذكرته. قال أبو داود: "هذا حديث ضعيف، الحجاج لم ير الزهري ولم يسمع منه". قلت: وهو كما قال، فإنّ الحجاج بن أرطاة مدلس كما أنه وُصف بكثرة الخطأ. وهذا من خطئه فقد رواه غيره من فعل النبيّ ﷺ لا من قوله، وهو المشهور الثابت من طرق، عن عائشة ﵂. ومن أخطائه أيضًا ما رواه ابن خزيمة (٢٩٣٧)، والبيهقيّ (٥/ ١٣٦) من وجه آخر عن الحجاج ابن أرطاة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة، مرفوعًا: "إذا رميتم وحلفتم فقد حلّ لكم كلّ شيء الطيب والثياب إلّا النساء". فزاد فيه: "وحلقتم". قال البيهقيّ: "وهذا من تخليطات الحجاج بن أرطاة، وإنما الحديث عن عمرة، عن عائشة، عن النبيّ ﷺ كما رواه سائر الناس، عن عائشة". وهو يقصد به ما رواه سائر الرواة من حديث عائشة أنها كانت تطيب رسول الله ﷺ لحرمة إذا أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت، كما مضى حديث القاسم بن محمد، وكذلك رواه عروة في الصحيحين، وسالم بن عبد الله. رواه البيهقيّ (٥/ ١٣٥ - ١٣٦) وفيه قول سالم: وسنة رسول الله أحقّ أن تتبع. انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (٤/ ٢٨١). • عن عائشة قالت: كنت أطيب النبيّ ﷺ بعد ما يرمي الجمرة قبل أن يفيض إلى البيت. قال سالم: فسنة رسول الله ﷺ أحقّ أن نأخذ بها من قول عمر. حسن: رواه الإمام أحمد (٢٤٧٥٠) عن مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، قال سالم، قالت عائشة، فذكرته. وإسناده حسن من أجل الكلام في مؤمل وهو ابن إسماعيل وصف بسوء الحفظ، إلا أنه في روايته عن سفيان الثوريّ ثقة كما قال ابن معين. وقول سالم: "سنة رسول الله ﷺ أحقّ أن نأخذ بها من قول عمر". لأنّ عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: "إذا رميتم الجمرة وذبحتم فقد حلّ لكم كلّ شيء حرم عليكم إلّا النساء والطّيب". رواه عبد الرزاق ومن طريقه ابن خزيمة (٢٩٣٩)، والبيهقي (٥/ ١٣٥) عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر، كان يقول (فذكره). قال ابن خزيمة: "وقول عائشة: "طيبت رسول الله ﷺ لحله قبل أن يطوف بالبيت" دلالة على أنه إذا رمي الجمرة وذبح وحلق كان حلالًا قبل أن يطوف بالبيت، خلا ما زجر عنه من وطئ النساء الذي لم يختلف العلماء فيه أنه ممنوع من وطء النساء حتى يطوف طواف الزيارة". • عن ابن عمر، قال: ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى فضي حجّه، ونحر هديه يوم النّحر، وطاف بالبيت، ثم حلَّ من كلّ شيء حرم منه: وفعل مثل ما فعل

стр. 3236

رسول الله ﷺ من أهدي وساق الهدي من الناس. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٩١)، ومسلم في الحج (١٢٢٧) كلاهما من حديث الليث، حدثني عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن سالم، أنّ عبد الله بن عمر قال: فذكره في حديث طويل، ذكر في موضعه. وقوله: "وطاف بالبيت" يقصد به التحلل الثاني. • عن عبد الله بن الزبير قال: من سنَّة الحجِّ أن يصلي الإمام الظّهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والصبح بمنى، ثم يغدو إلى عرفة فيقيل حيث قضى له حتّى إذا زالت الشّمسُ خطب النّاس، ثم صلّي الظّهر والعصرَ جميعًا، ثم وقف بعرفات حتى تغيب الشّمس، ثم يفيض فيصلي بالمزدلفة أو حيث قضى الله، ثم يقف بجمع حتى إذا أسفر دفع قبل طلوعِ الشّمس، فإذا رمي الجمرة الكبرى حلّ له كلُّ شيء حرم عليه إلا النّساء والطّيب حتى يزور البيت. صحيح: رواه ابن خزيمة (٢٨٠٠، ٢٨٠١)، والحاكم (١/ ٤٦١)، والبيهقي (٥/ ١٢٢) كلّهم من حديث يحيي بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن الزبير، قال (فذكره). ورواه ابن خزيمة أيضًا (٢٨٠١) عن محمد بن الوليد، ثنا يزيد -يعني ابن هارون-، أخبرنا يحيي بن سعيد بإسناده وقال: وربما اختلفا في الحرف والشيء. وقال: "حلّ له ما حرم عليه إلّا النّساء حتى يطوف بالبيت". قال ابن خزيمة: "وهذا هو الصّحيح إذا رمي الجمرة حلّ له كلّ شيء خلا النساء؛ لأنّ عائشة خبرت أنها طيّبت النبيّ ﷺ قبل نزول البيت". فالصّواب هو ما ذكره يزيد بن هارون عن يحيى: النساء فقط دون الطّيب. ولكن يعكر على هذا ما رواه الحاكم (١/ ٤٦١) وعنه البيهقي (٥/ ١٢٢) من طريق إبراهيم بن عبد الله، عن يزيد بن هارون، بإسناده وذكر فيه مع النساء الطيب أيضًا، وقال: "هذا حديث على شرط الشيخين". وهذا وهم منه؛ فإنّ إبراهيم بن عبد الله -وهو ابن بشار الواسطيّ- ليس من رجال الشيخين، ولا من رجال التهذيب، وإنما ترجمه الخطيب (٦/ ١٢٠) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، فهو في عداد المجهولين. فلعلّ ذكر الطيب يعود إليه؛ لأنّ محمد بن محمد شيخ ابن خزيمة لم يذكر الطبيب، وهو الذي رجّحه ابن خزيمة كما سبق. وفي الباب ما رُوي عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا، بلفظ: "إذا رميتم الجمرة فقد حلّ لكم كلّ

стр. 3237

شيء إلّا النساء. فقال رجل: يا ابن عباس، والطيب؟ فقال: أما أنا فقد رأيتُ رسول الله ﷺ يُضمّخ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟ ". رواه النسائيّ (٣٠٨٤)، وابن ماجه (٣٠٤١)، والإمام أحمد (٢٠٩٠، ٣٢٠٤، ٣٤٩١)، والبيهقيّ (٥/ ٢٠٤) كلّهم من طرق، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس، فذكره. والحسن العرني لم يسمع من ابن عباس، بل لم يدركهـ كما قال أبو حاتم، كما اختلف في رفعه ووقفه، والصّحيح أنه موقوف مع انقطاع فيه. انظر للمزيد من التخريج في "المنة الكبرى" (٤/ ٢٨١). فقه الباب: يستفاد من أحاديث هذا الباب أنّ التحلل الأول يحصل بمجرد رمي جمرة العقبة، وهي رواية عبد الله، عن أبيه أحمد كما في مسائل الإمام أحمد (ص ٢٤١)، وهي رواية ابن منصور عنه أيضًا. وبه قال أيضًا الشافعي في الأم (١/ ٢٢١). والدّليل عليه حديث ابن عباس: "إذا رميتم الجمرة فقد حلّ لكم كلّ شيء". وكذلك في حديث عائشة عند أبي داود، وهو ضعيف كما مضى. والرواية الثانية عند الإمام أحمد: التحلل الأوّل يحصل بالرّمي والحلق. قال القاضي: وهي أصح الروايتين، ورجّح ابن قدامة الرواية الأولى. انظر: "المغني" (٣/ ٣٩٣). وعند الشافعية المذهب الذي يفتي به أنّ التحلل يحصل باثنين من الثلاثة، وقيل بالاثنين من الأربعة، وهي: الرمي والحلق والذبح والطواف. قاله النووي في "المجموع" (٨/ ٢٣١). وإن قدّم الحاج طواف الإفاضة على الرّمي والحلق أو التقصير فلا تحل له النساء، فإن الطواف وحده لا يكفي، ولا بد من رمي الجمرة يوم العيد والحلق أو التقصير، والسعي إن كان عليه السعي. فإنه لا بد من اجتماع الثلاثة لحلّ جماع النساء، كذا في فتاوي سماحة الشيخ ابن باز ﵀ تعالي. وأما أبو حنيفة فعنده لا يحصل التحلل الأول إلا باجتماع الثلاثة، وهي: الرمي والذبح والحلق أو التقصير، كما قرّره الجصّاص. وأما مالك فيرى أنّ التحلّل يحصل بمجرد الرّمي إلا أنه يحرم عليه الطبيب والنساء، وقد سبق أن ردّت عائشة على عمر في منع الطيب. وسبب الخلاف في هذا أن أحاديث هذا الباب متعارضة في ظاهرها، فكلٌّ أخذ بما وصل إليه، وترك ما يخالفه، ومنهم من جمع بينها، فأخذ بمجموعها مثل الإمام أحمد ﵀ تعالي. انظر مزيدًا من التفصيل في "المنة الكبرى" (٤/ ٢٧٨ - ٢٧٩).

стр. 3238

١٢٠ - باب ما جاء في طواف الإفاضة يوم النّحر وهل منْ لم يطُفْ يوم النّحر يعود محرمًا ؟ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [سورة الحج: ٢٩] وهذا الطواف يسمى طواف الإفاضة ويسمى أيضًا طواف الحج والزيارة، وهو لا يكون إلا بعد الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، وهذا لا خلاف فيه، وعليه يدل ظاهر القرآن. • عن عائشة، قالت: حججنا مع النبيّ ﷺ فأفضنا يوم النّحر. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٧٣٣) من طريق الأعرج (هو عبد الرحمن بن هرمز)، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة، فذكرته. ورواه مسلم في الحج (١٢١١: ١٢٠) من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته بطوله، وفيه قالت: "فلما كان يوم النحر طهرتُ، فأمرني رسول الله ﷺ فأفضت". • عن عبد الله بن عمر: أنّ رسول الله ﷺ أفاض يوم النّحر، ثم رجع فصلّي الظهر بمني. قال نافع: فكان ابن عمر يُفيض يوم النّحر، ثم يرجع فيصلي الظهر بمنى، ويذكرُ أنّ النبيَّ ﷺ فعله. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٠٨) عن محمد بن رافع، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. ورواه البخاريّ في الحج (١٧٣٢) موقوفًا قائلًا: وقال لنا أبو نعيم (هو الفضل بن دكين) حدّثنا سفيان، عن عبيد الله (هو ابن عمر)، عن نافع، عن ابن عمر، أنه طاف طوافًا واحدًا، ثم يقيل، ثم يأتي مني يعني يوم النّحر. ثم قال البخاريّ: ورفعه عبد الرزاق، أخبرنا عبيد الله (يعني ابن عمر). قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٣/ ٥٦٨): "وصله ابن خزيمة، والإسماعيلي من طريق عبد الرزاق، بلفظ أبي نعيم وزاد في آخره: "ويذكر (أي ابن عمر) أنّ النبيّ ﷺ فعله". قلت: وفاته ﵀ عزوه إلى مسلم موصولًا كما ترى. • عن جابر بن عبد الله، قال: . . . . ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلَّى بمكة الظّهر. . . . الحديث. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جابر، فذكره في صفة حجة النبي ﷺ .

стр. 3239

• عن عائشة، قالت: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلّي الظهر، ثم رجع إلى مني فمكث بها ليالي أيام التشريق ... الحديث. حسن: رواه أبو داود (١٩٧٣) من طرق، عن أبي خالد الأحمر، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. وإسناده حسن، فيه محمد بن إسحاق، وقد صرّح بالتحديث عند ابن حبان (٣٨٦٨)، كما سيأتي تخريجه تامًا بعد أبواب. قول جابر: "فصلّي بمكة الظّهر" وفي حديث ابن عمر السابق أنه "رجع فصلّي الظّهر بمني". فذهب بعض أهل العلم إلى ترجيح حديث جابر، ويؤيده حديث عائشة، فيما نقله عنهم الإمام ابن القيم في زاد المعاد (٢/ ٢٨٠ - ٢٨٣). ومن أهل العلم من جمع بينهما كالنّووي في شرحه لصحيح مسلم (٨/ ١٩٢) حيث قال: "ووجه الجمع بينهما أنه ﷺ طاف للإفاضة قبل الزوال، ثم صلّى الظهر بمكة في أوّل وقتها، ثم رجع إلى منى فصلّي بها الظّهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك، فيكون متنفلا بالظهر الثانية التي بمني ... ". ونقله عنه الشّوكانيّ في "نيل الأوطار" (٣/ ٤٢٧) ثم قال: "وذكر ابن المنذر نحوه، ويمكن الجمع بأن يقال: إنه صلّى بمكة، ثم رجع إلى مني، فوجد أصحابه يصلون الظهر فدخل معهم متنقلًا؛ لأمره ﷺ بذلك لمن وجد جماعة يصلّون وقد صلّي". وأمّا ما رُوي عن عائشة، وابن عباس: أنّ النبيّ ﷺ أخّر طواف يوم النّحر إلى اللّيل فهو ضعيف. رواه أبو داود (٢٠٠٠)، والترمذي (٩٢٠)، وابن ماجه (٣٠٥٩)، وأحمد (٢٦١١، ٢٦١٢)، والبيهقي (٥/ ١٤٤) كلّهم من طرق عن سفيان، عن أبي الزبير، عن عائشة، وابن عباس، فذكراه. قال الترمذي: حسن صحيح. وهو كما قال، وظاهر الإسناد إلى ابن عباس صحيح، وأما إلى عائشة ففيه انقطاع بين أبي الزبير وعائشة، وفي الحديث أيضا علة خفية وهي أنه يخالف الأحاديث الصحيحة الثابتة التي سبق ذكرُها أفاضَ يوم النحر، وصلى الظهر بمنى، فلعل ذلك يعود إلى تدليس أبي الزبير بأنه سمع ذلك عن بعض الضعفاء ودلّسه. قال الترمذيّ عقب ذكر الحديث: "وقد رخّص بعض أهل العلم في أن يؤخر طواف الزّيارة إلى اللّيل، واستحب بعضهم أن يزور يوم النحر، ووسْع بعضهم أن يؤخر ولو إلى آخر أيام مني" انتهى. وأمّا من لم يطف يوم النّحر فهل يعود محرمًا؟ فالصحيح أنه لا يعود محرمًا وبه قال جمهور أهل العلم من الصّحابة والتابعين ومن بعدهم. وأما ما رُوي عن أمّ سلمة ﵂ فهو مخرَّج في المنة الكبرى (٤/ ٢٨٤ - ٢٨٨)، ولكن أعيده هنا لأهميته مع مزيد من التوضيح والتعليق.

стр. 3240

قالت أمّ سلمة ﵂: كانت ليلتي التي يصير إليَّ فيها رسول الله ﷺ مساء يوم النّحر، فصار إليَّ ودخل عليَّ وهبُ بن زمعة، ومعه رجل من آل أبي أميّة مُتقمِّصين، فقال رسول الله ﷺ لوهب: "هل أفضتَ يا عبد الله؟ ". قال: لا والله يا رسول الله! قال ﷺ : "انْزعْ عنك القميص". قال: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: لِمَ يا رسول الله؟ قال: "إنّ هذا يوم رُخَّص لكم إذا رميتم الجمرة أن تحلُّوا -يعني من كلّ ما حرمتم منه إلّا النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حُرُمًا كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة، قبل أن تطوفوا به". رواه أبو داود (١٩٩٩) عن الإمام أحمد ويحيى بن معين -المعنى واحد- وهو في مسنده (٢٦٥٣٠)، وابن خزيمة (٢٩٥٨)، والحاكم (١/ ٤٨٩)، والبيهقيّ (٥/ ١٣٧) كلّهم من حديث محمد بن أبي عدي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، عن أبيه، وعن أمّه زينب بنت أبي سلمة، بحدّثانه ذلك جميعًا عن أمّ سلمة، قالت (فذكرته). ومحمد بن إسحاق وإن كان صرَّح فإنه لا يقبل في السنن إذا انفرد كما قال الإمام أحمد. قال أيوب بن إسحاق بن سامري: سألت أحمد فقلت له: يا أبا عبد الله إذا انفرد ابن إسحاق بحديث تقبل؟ قال: لا والله، إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا. وقال أبو داود: سمعت أحمد وذُكر عنده محمد بن إسحاق فقال: كان رجلًا يشتهي الحديث، فيأخذ كتب الناس فيضعها في كتبه. وقال عبد الله: لم يكن يحتج به أبي في السنن. وهذا الحديث مما انفرد به ابن إسحاق ولم يُعمل به. قال البيهقيّ: "لا أعلم أحدًا من الفقهاء يقول بذلك". وأمّا أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، فقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال أبو زرعة: لا أعرف أحدًا سمّاه، وكذلك قال أبو حاتم، ولم يذكر المزيّ توثيقه من أحد، بل قال الحافظ في "التقريب": "مقبول". وهو مشعر إلى جهالة حاله وإن كان روي له مسلم كما قال المزي عن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، عن جده -يعني الليث-، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، أنه قال: أخبرني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، أنّ أمّه زينب بنت أبي سلمة أخبرته، أنّ أمها أمّ سلمة زوج النبيّ ﷺ كانت تقول (فذكرت قصة رضاع الكبير). قلت: أخرجه مسلم متابعًا لحديث حميد بن نافع يقول: سمعت زينب بنت أبي سلمة تقول: سمعت أم سلمة تقول (فذكر قصة سهلة بنت سهيل في إرضاع سالم). فصحَّ قول الحافظ ابن حجر: "مقبول" أي إذا توبع، وقد توبع. وأما في الحديث الذي أنا في صدده فمع تفرده وقع في إسناده اضطراب. فقد رواه أيضًا الإمام

стр. 3241

أحمد (٢٦٥٣١) فقال: قال محمد (يعني ابن أبي عدي)، قال أبو عبيدة: وحدثتني أمّ قيس ابنة مِحصن -وكانت جارة لهم- قالت: خرج من عندي عُكاشة بن محصن في نفر من بني أسد متقمّصين عشيّة يوم النّحر، ثم رجعوا إليَّ عشاء، قمصُهم على أيديهم يحملونها. قالت: فقلت: أي عكاشة، مالكم خرجتم متقمِّصين، ثم رجعتم وقمصكم على أيديكم تحملونها؟ فقال: خيرًا يا أمَّ قيس، كان هذا يومًا قد رُخَّص لنا فيه إذا نحن رمينا الجمرة، حللنا من كل ما حُرمنا منه إلّا ما كان من النساء حتى نطوف بالبيت، فإذا أمسينا ولم نطُف به، صرنا حرمًا كهيئتنا قبل أن نرمي الجمرة، حتى نطوف به، فأمسينا ولم نطف، فجعلنا قُمُصنا كما ترين". فجعل محمد بن أبي عدي يروي عن أبي عبيدة بدون ذكر محمد بن إسحاق بينه وبين أبي عبيدة، وأبو عبيدة يقول: حدثتني أم قيس ابنة محصن ولم يرفعه إلى النبيّ ﷺ . ورواه ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن أمّ قيس بنت محصن، قالت: دخل عليَّ عكاشة بن محصن وآخر في منى مساء يوم الأضحي فنزعا ثيابهما وتركا الطيب، فقلت: ما لكما؟ فقالا: إنّ رسول الله ﷺ . قال لنا: "من لم يُفضْ إلى البيت من عشيته، فليدع الثّياب والطّيب". رواه الطّحاويّ في شرح المعاني (٣٩٤٢) من طريق عبد الله بن يوسف، عن ابن لهيعة. ورواه أيضًا من طريق ابن أبي مريم، نا عبد الله بن لهيعة، قال: ثنا أبو الأسود، عن عروة، عن جدامة بنت وهب -أخت عكاشة بن وهب-، أنّ عكاشة بن وهب صاحب النبيّ ﷺ وأخا له آخر جاءها حين غابت الشمس يوم النحر، فألقيا قميصهما فقالت: ما لكما؟ فقالا: إنّ رسول الله ﷺ قال: "من لم يكن أفاض من هنا فليلق ثيابه". وكانوا تطيّبوا ولبسوا الثياب. فجعل فيه عكاشة بن وهب، وهذا كلّه من تخليط ابن لهيعة، وفيه كلام معروف. وجدامة بنت وهب، ويقال: جندل، ويقال: جندب الأسدي أخت عكاشة بن محصن لأمه، صحابية لها سابقة وهجرة. قال الدارقطني: من قالها بالذال المعجمة صحَّف. ثم هل الحديث من مسند جدامة بنت وهب، أم من مسند أم قيس بنت محصن، أم من أمّ سلمة؟ وهل عكاشة هو ابن محصن أم ابن وهب؟ وهذا اضطراب واضح في الإسناد، ووجود ابن لهيعة في الإسناد قرينة قوية لهذا الاضطراب. ولذا قال الحافظ في الإصابة (٢/ ٤٨٨): "وقد اختلف فيه على ابن لهيعة" ثم أخرج حديث الطحاويّ عن أمّ قيس وقال: "وكأنّ هذا أصح، وقد جاء الحديث من وجه آخر عنها أخرجها الحاكم من طريق ابن إسحاق، حدثني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، حدثتني أمُّ قيس بنت محصن" فذكر الحديث مختصرًا. قلت: فمثل هذا الحديث مع تفرده واضطرابه في إسناده لا يقبل في مثل هذا الحكم الذي نعمّ به البلوى، وقد كان النبيّ ﷺ قال مخاطبًا أصحابه: "خذوا عني مناسككم"، فلا ينبغي أن يخفى

стр. 3242

على جمهور الصّحابة ثم التّابعين ومن بعدهم، فإنّ عمر بن الخطاب لما خطب الناس بعرفات وبين لهم سنن الحج وأحكامه وقال فيه: "إذا حلفتم ورميتم فقد حلّ لكم كلّ شيء إلّا النّساء والطّيب" ردّت عليه عائشة وقالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ إذا رمي جمرة العقبة قبل أن يفيض. فسنة رسول الله ﷺ أحقّ أن يؤخذ من سنة عمر" فهي ردت عليه بمنع الطّيب فقط، ولم تذكر إذا لم يطف إلى المساء فيعود كما كان. وذلك على جمع من الصّحابة فصار شبه الإجماع؛ ولذا حكم عليه كثير من أهل العلم بالشّذوذ والنكارة. وقد قال محبّ الطبريّ في "القرى" (ص ٤٧٢) بعد أن بوّب بهذا الحديث: "وهذا حكم لا أعلم أحدًا قال به" فهو ينقل عن الأمّة الإسلامية إلى عهده بأنّ الحكم لم يعمل به، وبالتالي إن نقل عن أحد أنه قال به، ففي ثبوته عنه نظر. وعلى فرض صحته يمكن حمله على حالهم التي كانوا عليها كما في رواية الطّحاويّ، وكانوا تطيّبوا ولبسوا الثياب وهو أدعى إلى الجماع، وقد حان الليل، فخاف أن يجني على إحرامه قبل طواف الفريضة، فكان أمره ﷺ لهم بالعودة إلى الإحرام من باب سدّ الذّرائع، كما ذهب مالك إلى عدم استعمال الطيب قبل الطواف للسبب نفسه، أو يكون ذلك الأمر لمجرد التشديد لهم في تأخير الطواف، فإن هؤلاء لقربهم لرسول الله ﷺ كان أليق لهم المسارعة إلى أدائه في الوقت المستحب وهو قبل الليل، وعلى هذا فهو خاص لهما دون سائر الناس. وبالله التوفيق. ومن نسي أن يفيض حتى رجع إلى بلاده فهو حرام حين يذكر حتى يرجع إلى البيت فيطوف به، فإن أصاب النساء أهدي بدنة. قال به الفقهاء الذين ينتهي إلى قولهم من أهل المدينة. أخرجه البيهقيّ (٥/ ١٤٦) بإسناده عن أبي الزّناد، عن الفقهاء. ١٢١ - باب ترك الرّمل في طواف الزّيارة • عن ابن عباس، أنّ النبيّ ﷺ لم يرمل في السّبع الذي أفاض فيه. صحيح: رواه أبو داود (٢٠٠١)، وابن ماجه (٣٠٦٠)، وابن خزيمة في صحيحه (٢٩٤٣)، والحاكم (١/ ٤٧٥)، والبيهقيّ (٥/ ٨٤) كلّهم من حديث ابن وهب، أخبرني ابن جريج، عن عطاء ابن أبي رباح، عن عباس، فذكره. وقال عطاء: لا رمل فيه. وإسناده صحيح. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، حدّثنا إبراهيم بن عرعرة، عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: "إذا قالتُ: قال عطاء، فأنا سمعته منه، وإن لم أقل سمعت". ويفهم من قول ابن عمر كما جاء في الصحيحين: إنّ رسول الله ﷺ كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خبَّ ثلاثًا ومشى أربعًا، وكان ابن عمر يفعله.

стр. 3243

يعني أنه إذا كان في غير طوافه الأول كالزيارة والوداع فلا يرمل فيه. ١٢٢ - باب ما جاء في شرب ماء زمزم وصبه على الرّأس للحاج والمعتمر وغيرهما وأنه ماء مبارك، ويستشفى به • عن أبي ذرّ، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "متى كنت ههنا؟ ". قال: قلت: قد كنت ههنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم. قال: "فمن كان يُطعمك؟ ". قال: قلت ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنتُ حتى تكسرت عُكَنُ بطني، وما أجد على كبدي سخفة جوع! قال: "إنّها مباركةٌ، إنّها طعام طُعْم". صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٧٣) عن هداب بن خالد الأزديّ، حدّثنا سليمان ابن المغيرة، أخبرنا حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، قال: قال أبو ذر (فذكر حديثًا طويلًا في خروجه من قومه إلى مكة). ورواه أبو داود الطيالسيّ (٤٥٩) عن سليمان بن المغيرة، وزاد فيه: "وشفاء سُقم". وهي زيادة صحيحة ولم يذكرها مسلم لأنه لم تقع لشيخه هداب بن خالد. وكذلك رواه ابن حبان (٧١٣٣) من حديث هداب بن خالد بدون هذه الزّيادة. ووهمَ البيهقيّ (٥/ ١٤٧) عندما عزاه لمسلم من حديث هداب بن خالد مع هذه الزيادة. • عن جابر بن عبد الله، قال: ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلّى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: "انزعوا بني عبد المطلب! فلولا أن يغلبكم الناسُ على سقايتكم لنزعتُ معكم". فناولوه دلوًا فشرب منه. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، به. وهو آخر جزء من الحديث الطويل في صفة حجة النبي ﷺ . • عن جابر بن عبد الله: أنّ النبيَّ ﷺ ذهب إلى زمزم، فشرب منها، وصبَّ على رأسه. حسن: رواه الإمام أحمد (١٥٢٤٣) عن موسى بن داود، حدّثنا سليمان بن بلال، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر، فذكره. وإسناده حسن من أجل موسي بن داود وهو الضّبيّ من رجال مسلم، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. قال في التقريب: "صدوق فقيه زاهد له أوهام". فيا ترى هل قوله: "وصبَّ على رأسه" من أوهامه لانفراده؟ . لأنّ كلَّ من روى صفة حجّة النبيّ ﷺ من حديث جابر لم يذكر هذه الزّيادة.

стр. 3244

فلما نظرنا إلى الأحاديث الأخرى وجدنا أنّ النبيّ ﷺ حثّ على استعمال ماء زمزم لإبراد الحمّى. • عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ماء زمزم لما شرب له". حسن: رواه ابن ماجه (٣٠٦٢)، وأحمد (١٤٨٤٩)، والبيهقيّ (٥/ ١٤٨) كلّهم من حديث عبد الله بن المؤمل، أنه سمع أبا الزبير يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول (فذكر الحديث). قال البيهقيّ: "تفرّد به عبد الله بن المؤمل". قلت: عبد الله بن المؤمل هو ابن هبة المخزوميّ مختلف فيه، فقال أحمد: أحاديثه مناكير. وقال أبو حاتم: ليس بقوي، ولكن قال ابن معين: صالح الحديث. ثم هو لم يتفرد به، بل تابعه إبراهيم بن طهمان، قال: ثنا أبو الزبير، قال: كنا عند جابر بن عبد الله فتحدثنا، فحضرت صلاة العصر، فقام فصلى بنا في ثوب واحد قد تلبّب به، ورداؤه موضوع، ثم أُتي بماء من زمزم فشرب. فقالوا: ما هذا؟ قال: هذا ماء زمزم. وقال فيه رسول الله ﷺ : "ماء زمزم لما شرب له". قال: ثم أرسل النبيّ ﷺ وهو بالمدينة قبل أن تفتح مكة إلى سهيل ابن عمرو: "أن اهدِ لنا من ماء زمزم ولا يترك". قال: فبعث إليه بمزادتين. رواه البيهقيّ (٥/ ٢٠٢). ونقل ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٣٠٠) عن المنذري أنه قال في كلامه على أحاديث "المهذب": "إنه حديث حسن". وللحديث إسناد آخر، رواه البيهقيّ في شعب الإيمان (٤١٢٨) (٣/ ٤٨١ - ٤٨٢)، والخطيب في تاريخه (١١/ ٤٠٥) في ترجمة عبد الله بن المبارك، كلاهما من طريق سويد بن سعيد، قال: رأيت ابن المبارك أتي زمزم فملأ إناء، ثم استقبل الكعبة، فقال: اللَّهم إنّ ابن الموال، نا عن ابن المنكدر، عن جابر، أنّ النبيّ ﷺ قال: "ماء زمزم لما شرب له" وهو ذا أشرب هذا لعطش يوم القيامة، ثم شربه. قال البيهقيّ: "غريب من حديث ابن أبي الموال، عن ابن المنكدر، تفرّد به سويد عن ابن المبارك من هذا الوجه". قلت: ابن أبي الموال هو عبد الرحمن بن أبي الموال من رجال البخاريّ، وثقه النسائي، وابن معين، والعجلي، وغيرهم. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وسويد بن سعيد الهروي الأصل، ثم الحدثانيّ مختلف فيه، فضعّفه النسائي، ووثقه العجلي، وأخرج له مسلم. ولذا قال الشيخ شرف الدين الدمياطيّ: "هذا حديث على رسم الصحيح، فإنّ عبد الرحمن بن أبي الموال انفرد به البخاريّ، وسويد بن سعيد انفرد به مسلم" البدر المنير (٦/ ٣٠١). وعزاه المنذريّ في الترغيب والترهيب (١٨٤٢) إلى أحمد وقال: "بإسناد صحيح. ثم قال: والمرفوع منه رواه عبد الله بن المؤمل أنه سمع أبا الزبير يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول

стр. 3245

(فذكره). وهذا إسناد حسن" انتهى. قلت: عزوه حديث سويد بن سعيد إلى أحمد وهم منه. كما تعقّب الحافظ في "التلخيص" الدّمياطي فقال: غفل عن أن مسلمًا أخرج لسويد ما توبع عليه، ولا ما انفرد، فضلًا عمّا خولف فيه". والخلاصة في حديث جابر أنه حسن بمجموع هذه الطرق. • عن ابن عباس، قال: سقيتُ رسولَ الله ﷺ من زمزم فشرب قائمًا، واستسقى وهو عند البيت. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٣٧)، ومسلم في الأشربة (٢٠٢٧: ١٢٠) كلاهما من طريق عاصم، عن الشعبيّ، عن ابن عباس، فذكره. واللفظ لمسلم. وعاصم هو الأحول وقال: فحلف عكرمة ما كان يومئذ إلا على بعير. كذا ذكره البخاريّ دون مسلم وعند ابن ماجه (٣٤٢٢): "فذكرت ذلك لعكرمة، فحلف بالله ما فعل". قلت: إنكار عكرمة هذا عجيب منه؛ لأن ابن عباس يصرّح بأنه سقى النبيّ ﷺ فشرب قائمًا، فهل يريد أن يكذب ابن عباس! . مع أنه يمكن الجمع بين قوله: "كان يومئذ على بعير"، وبين قول ابن عباس بأنّ النبيّ ﷺ بعدما انتهى من الطواف أناخ ناقته فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين كما ذكره جابر في صفة حجة النبيّ ﷺ ، وعكرمة نفسه ذكر هذا عن ابن عباس، قال: "إنّ رسول الله ﷺ قدم مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته، كلما أتى الركن استلم الركن بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين". رواه أبو داود (١٨٨١) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة. ويزيد بن أبي زياد هو الهاشميّ مولاهم ضعيف. فلعله شرب زمزم بعد ذلك وهو قائم. وقد أشار علي بن أبي طالب ﵁ إلى أن النبي ﷺ شرب قائمًا، وذلك عندما قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة ... فشرب وهو قائم، ثم قال: إنّ ناسًا يكرهون الشرب قائمًا، وإنّ النبيّ ﷺ صنع مثل ما صنعتُ". رواه البخاريّ في الأشربة (٥٦١٦). ولكن هل الشرب قائمًا خاص بماء زمزم؟ فالظّاهر من فعل علي بن أبي طالب أنه ليس خاصًا بماء زمزم، ولم أقف على قول أهل العلم في استحباب شرب ماء زمزم قائمًا. فماء زمزم وغيره من الماء سواء في شربه قائمًا وقاعدًا. وأما النهي الوارد عن شرب الماء قائمًا، فهو للتنزيه لا للتحريم، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.

стр. 3246

• عن ابن عباس: أنّ رسول الله ﷺ جاء إلى السِّقاية فاستسقى، فقال العباس: يا فضل! اذهبْ إلى أمَّك فأتِ رسولَ الله ﷺ بشراب من عندها. فقال: "اسْقِني". قال: يا رسول الله! إنهم يجعلون أيديهم فيه! قال: "اسْقِني". فشرب منه، ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: "اعملُوا فإنّكم على عمل صالح". ثم قال: "لولا أن تُغلبوا لنزلتُ حتّى أضع الحبل على هذه" يعني عاتقه وأشار إلى عاتقه. صحيح: رواه البخاريّ في الحجّ (١٦٣٥) عن إسحاق (ابن شاهين)، حدّثنا خالد، عن خالد الحذّاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. • عن ابن عباس، قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّ الحُمّى من فيح جهنّم، فأبردوها بماء زمزم". صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٦٤٩) وصحّحه ابن حبان (٦٠٢٨)، والحاكم (٤/ ٤٠٣) كلّهم من طريق عفان، حدّثنا همام، أخبرنا أبو جمرة، قال: كنتُ أدفع النّاس عن ابن عباس، فاحتبستُ أيامًا، فقال: ما حبسك؟ قلت: الحُمّى. قال: إنّ رسول الله قال (فذكر الحديث). قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا السّياق". قلت: وهو كما قال، إلا أنه وهم في استدراكه على البخاريّ؛ لأنّ الحديث رواه البخاريّ (٣٢٦١) عن عبد الله بن محمد، حدّثنا أبو عامر، حدّثنا همام، بإسناده. وفيه: قال ابن عباس: أبردها عنك بماء زمزم، ثم قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: "الحمّى من فيح جهنّم فأبردوها بالماء، أو قال: بماء زمزم" شكّ فيه همام. فلعلّ الحاكم أخرجه من أجل اليقين بماء زمزم؛ فإنّ البخاريّ لم يخرجه بهذا السّياق -أعني- اليقين. وعفّان هو ابن مسلم إمام حافظ متقن. قال ابن المديني: "كان إذا شكّ في حرف من الحديث تركهـ". فيقينه مقدّم على من شكّ فيه عن همّام، وهو أبو عامر العقديّ (عبد الملك بن عمرو القيسيّ) الذي روى من طريقه البخاريّ وهو دون عفان بن مسلم في الحفظ والإتقان. وذكر زمزم في هذا الحديث لا يمنع من إبراد الحمّى بالماء المطلق لمن لا يجد ماء زمزم؛ لأنّ البخاري بعد أن أخرج حديث ابن عباس، وذكر أنه كان بمكة وفيها ماء زمزم، أخرج بعده حديث رافع بن خديج يقول: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "الحمّى من فور جهنّم فأبردوها عنكم بالماء". وكذلك أخرج حديث عائشة وابن عمر إشارة إلى استعمال الماء المطلق لإبراد الحمّى، فمن وجد ماء زمزم يبردها به، ومن لم يجد فيبردها بأيّ ماء وجد. • عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من الطُّعم، وشفاء من السُّقْم. وشرّ ماء على وجه الأرض ماء

стр. 3247

بوادي برهوت بحضرموت، عليه كرجل الجراد من الهوام، يصبح يتدفق ويُمسي لا بلال فيه". حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (١١/ ٩٨)، والفاكهي في أخبار مكة (٢/ ٤١)، كلاهما من حديث الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، ثنا مسكين بن بكير، ثنا محمد بن مهاجر، عن إبراهيم بن أبي حرة، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في مسكين بن بكير، وإبراهيم بن أبي حرة غير أنهما حسنا الحديث. وذكره الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٨٦) وقال: "رواه الطبراني في "الكبير" ورجاله ثقات، وصحّحه ابن حبان". كذا قال: "وصحّحه ابن حبان"! ولم أجد هذا الحديث في "الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان"، ولم يذكره الهيثمي نفسه في "موارد الظمآن"، فيا تُرى هل وهم الهيثميّ في عزوه إلى ابن حبان؟ أو تبع في ذلك المنذري فإنه عزاه أيضًا في "الترغيب والترهيب" (١٨٣٨) إلى ابن حبان. • عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: كنت عند ابن عباس جالسًا، فجاءه رجل فقال: من أين جئتَ؟ قال: من زمزم. قال: فشربتَ منها كما ينبغي؟ قال: وكيف؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل القبلة، واذكر اسم الله، وتنفّس ثلاثًا، وتضلّع منها. فإذا فرغت فاحمد الله ، فإنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّ آية ما بيننا وبين المنافقين إنهم لا يتضلّعون من زمزم". حسن: رواه ابن ماجه (٣٠١٦) عن علي بن محمد، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن عثمان بن الأسود، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر وهو الجمحيّ أبو الثورين، ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٣٧٥). روى عنه عمرو بن دينار، وعثمان بن الأسود، وكان هذا الرجل معروفًا عند أهل العلم. قال الدوريّ في تاريخه (٤٢١): "سمعت يحيى بن معين يقول: حديث أبي الثورين يحدّث به سفيان بن عيينة يقول: أبو الثورين، ويقول حماد بن سلمة: عن محمد بن عبد الرحمن القرشيّ. ويقول شعبة: أبو السوار. وكلّهم يحدّث به عن عمرو بن دينار هذا. وأخطأ فيه شعبة إنما هو عمرو ابن دينار عن أبي الثورين وهو محمد بن عبد الرحمن القرشيّ" قلت: فمثل هذا يحسن حديثه. وقال الحافظ في "التقريب": "مقبول". قلت: وقد وجدتُ له متابعات ذكرها البيهقي. منها: ما رواه من طريق عبد الوهاب الثقفي، ثنا عثمان بن الأسود، قال: حدثني جليس لابن

стр. 3248

عباس، قال: قال لي ابن عباس: من أين جئتَ؟ " فذكر الحديث. أخرجه البيهقي (٥/ ١٤٧). فعثمان بن الأسود سمع الحديث من محمد بن عبد الرحمن، كما سمعه أيضًا من الرجل الذي دار الحديث بينه وبين ابن عباس. ومنها: ما رواه إسماعيل بن زكريا، عن عثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة، قال: "جاء رجل إلى ابن عباس" فذكر الحديث. رواه الدارقطني، والبيهقي عن شيخه أبي عبد الله الحاكم وهو في المستدرك (١/ ٤٧٢). ولكن بدون ذكر ابن أبي مليكة. وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، إن كان عثمان بن الأسود سمع من ابن عباس". وتعقبه الذهبي فقال: "لا والله! ما لحقه، توفي عام خمسين ومائة، وأكبر مشيخته سعيد بن جبير". فالظاهر أن هذا سقط القلم من الحكم عند تأليف كتابه، وإلّا فالذي سمع منه البيهقيّ وروى عنه هو بذكر ابن أبي مليكة. وقد أكّد البيهقيّ أنّ الفضل بن موسى السينانيّ، رواه أيضًا عن عثمان بن الأسود، عن عبد الرحمن بن أبي ملكية: "جاء رجل إلى ابن عباس ... " فذكره. وبهذه المتابعات لا يشك أحدٌ في صحة هذا الحديث، وفي أقل أحواله في تحسينه؛ لأنه ليس فيه منهم. وقد قال البوصيريّ في زوائد ابن ماجه: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، رواه الدارقطني في سننه، والحاكم في المستدرك من طريق عبد الله بن أبي مليكة، عن ابن عباس، ورواه البيهقيّ في سننه الكبرى عن الحاكم". والتّضلّع: هو الإكثار من الشّرب حتى يتمدّد جنبه وأضلاعه. وقد رُوي عن ابن عباس مرفوعًا: "ماء زمزم لما شُرب، إن شربتَه تستشفى به شفاك الله، وإن شربتَه لشبعك أشبعك الله، وإن شربته ليقطع ظمأك قطعه الله، وهي هزمة جبريل، وسقيا الله إسماعيل". رواه الدارقطني (٢٧٣٩) عن عمر بن الحسن بن علي، حدثنا محمد بن هشام بن علي المروزي، حدثنا محمد بن حبيب الجاروديّ، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره. وعمر بن الحسن هو الأشناني القاضي ضعّفه الدارقطنيّ في سؤالات الحاكم (٢٥٢) فقال الذهبي في "الميزان" في ترجمته: "لقد أثم الدارقطني بسكوته عنه، فإنه بهذا الإسناد باطل، ما رواه ابن عيينة قط، بل المعروف من حديث عبد الله بن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر، مختصرًا". قلت: ولكن عمر بن الحسن لم ينفرد به، بل رواه الحاكم (١/ ٤٧٣) عن شيخه علي بن حمشاذ

стр. 3249

العدل أبي عبد الله، عن محمد بن هشام، بإسناده نحوه. ولم يذكر: "هزمة جبريل، وسقيا الله إسماعيل". وزاد فيه: "وكان ابن عباس إذا شرب ماء زمزم قال: اللهم! أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاء من كل داء". قال الحاكم: "صحيح الإسناد إن سلم من الجاروديّ". قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (١٨٤١): "سلم منه فإنه صدوق، قاله الخطيب البغداديّ وغيره، لكن الراوي عنه محمد بن هشام المروزي عنه لا أعرفه. وروى الدارقطني دعاء ابن عباس مفردًا من رواية حفص بن عمر العدني". وقال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (٣/ ٤٧٩): "محمد هذا (يعني الجارودي) قدم بغداد وحدّث بها، كان صدوقًا، لكن الراوي عنه لا يعرف حاله، وهو محمد بن هشام بن علي المروزيّ". ولكن ظاهر من كلام الحاكم أنه يعرف حاله، إذ لم يتوقف إلا عن الجارودي فقط، قاله ابن الملقن في "البدر المنير" (٦/ ٣٠٢). وأما قول الذهبي في تأثيم الدارقطني فقال الحافظ في اللسان (٤/ ٢٩١): "والذي يغلب على الظن أن المؤلف هو الذي أثم بتأثيمه الدارقطني، فإنّ الأشناني لم ينفرد بهذا، تابعه عليه في مستدرك الحاكم، ولقد عجبتُ من قول المؤلف (يعني الذهبي): ما رواه ابن عيينة قطّ مع أنه رواه عنه الحميدي، وابن أبي عمر، وسعيد بن منصور، وغيرهم من حفّاظ أصحابه إلّا أنّهم وقفوه على مجاهد. لم يذكروا ابن عباس فيه، فغايته أن يكون محمد بن حبيب وهم في رفعه". انتهى. وقلت: وكذلك رواه أيضًا عبد الرزاق في المصنف (٩١٢٤) عن ابن عيينة بإسناده، موقوفًا عن مجاهد. وهذا ترجيح من الحافظ ابن حجر على أنه موقوف على مجاهد، وهو أقرب إلى الصّواب، والخلاف قائم بين أهل العلم بأنّ قول التابعي الذي لا مجال للرأي فيه حكمه مرفوع أم لا؟ وقد قيل عن مالك أنه يلحق قول التابعي بقول الصحابي الذي لا مجال للاجتهاد فيه، ولعله من أجل ذلك يكثر من آثار التابعين في كتابه "الموطأ" في مجال الاستدلال بها. وعلى كلّ حال فهو موقوف على مجاهد مع زيادات لم تأت من وجه آخر صحيح. وفي الباب أيضًا ما رُوي عن معاوية ﵁ موقوفًا. رواه محمد بن إسحاق الفاكهيّ في أخبار مكة (٢/ ٣٧) عن محمد بن إسحاق الصيني (كذا! ولعله: الضّبي)، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: "لما حجّ معاوية حججنا معه، فلما طاف بالبيت، وصلى عند المقام ركعتين، ثم مر بزمزم وهو خارج إلى الصفا، فقال: انزع لي منها

стр. 3250

دلوًا يا غلام، قال: فنزع له منها دلوًا، فأتي به فشرب منه، وصبّ على وجهه ورأسه ويقول: "زمزم شفاء، هي لما شرب له". وإسناده حسن، لأن محمد بن إسحاق مدلس وقد صّرح بالتحديث، ومن فوقه ثقات بدون النظر إلى من دونه. ونقل السخاويّ في المقاصد الحسنة (٩٢٨) عن شيخه ابن حجر أنه قال: "إنه حسن مع كونه موقوفًا، وأفرد فيه جزءًا". إلّا أني لم أقف على هذا الجزء، وفي الباب أحاديث أخرى عن حذيفة بن اليمان، وصفية، وغيرهما. وهي كلّها ضعيفة. ١٢٣ - باب ما جاء في حمل ماء زمزم وإهدائه • عن أبي الزبير، قال: كنا عند جابر بن عبد الله فتحدثنا، فحضرت صلاة العصر، فقام فصلى بنا في ثوب واحد قد تلبّب به، ورداؤه موضوع، ثم أُتي بماء من زمزم فشرب. فقالوا: ما هذا؟ قال: هذا ماء زمزم. وقال فيه رسول الله ﷺ : "ماء زمزم لما شرب له". قال: ثم أرسل النبيّ ﷺ وهو بالمدينة قبل أن تفتح مكة إلى سهيل بن عمرو: "أن اهِد لنا من ماء زمزم ولا يترك". قال: فبعث إليه بمزادتين. حسن: رواه البيهقيّ (٥/ ٢٠٢) من طريقين عن أبي محمد أحمد بن إسحاق بن شيبان البغدادي بهراة، أنا معاذ بن نجدة، ثنا خلاد بن يحيى، ثنا إبراهيم بن طهمان، ثنا أبو الزبير، قال (فذكره). وإسناده حسن، فإن معاذ بن نجدة وهو الهروي وشيخه خلاد بن يحيى حسنا الحديث، وبقية الرجال الذين فوقهم ثقات، ولا ينظر إلى من بعدهم؛ لأن الحديث قد اشتهر قبلهم، وقد حسّنه المنذريّ كما سبق. ورواه أيضًا البيهقيّ (٥/ ٢٠٢) من وجه آخر عن هشيم، عن عبد الله بن المؤمل المخزومي، عن ابن محيصن، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: "استهدي رسول الله ﷺ سهيل بن عمرو من ماء زمزم". وقال: روي ذلك عن عكرمة، عن ابن عباس. وفيه هشيم وهو ابن بشير الواسطيّ، ثقة ثبت إلّا أنه كان يرسل ويدلّس. وعبد الله بن المؤمل سبق الكلام عليه، ولكنه لا بأس به في المتابعات والشواهد كما هنا. وروي عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها كانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أنّ رسول الله ﷺ كان يحمله. رواه الترمذيّ (٩٦٣) عن أبي كريب، حدّثنا خلاد بن يزيد الجعفي، حدثنا زهير بن معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. ورواه الحاكم (١/ ٤٨٥) وعنه البيهقي (٥/ ٢٠٢) من طريق ابن خزيمة، عن محمد بن العلاء بن

стр. 3251

كريب، بإسناده، مثله. قال البيهقيّ: ورواه غيره عن أبي كريب وزاد فيه: "حمله رسول الله ﷺ في الأداوي والقرب، وكان يصب على المرضى ويسقيهم". قلت: هكذا رواه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١٨٩) في ترجمة خلاد قال: قال أحمد: حدثنا أبو كريب، بإسناده، فذكره. وقال: خلاد لا يتابع عليه. قلت: خلاد بن يزيد الجعفي لم يوثقه غير ابن حبان، وقال: "ربما أخطأ". وهذا من خطئه فإنه لم يثبت في الأخبار الصحيحة أنّ النبيّ ﷺ كان يحمل زمزم. قال الترمذي: "حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه". وصحّحه الحاكم وتعقّبه الذهبي فقال: خلاد لا يتابع عليه كما قال البخاريّ. وقال البيهقي في "شعب الإيمان" (٣/ ٤٨٢): "تفرّد به خلاد بن يزيد الجعفيّ هذا". وضعّفه الحافظ في التلخيص (٢/ ٢٨٧) وذلك لتفرده، وإلّا فهو ليس بضعيف مطلقًا، فلو توبع لقبلت متابعته وأجاد في التقريب عندما قال: "صدوق ربما وهم". وإنما الذي جاء في الأخبار أنه ﷺ أهدي له ماء زمزم، وكان السّلف يحملونه. ١٢٤ - باب الشرب في الطّواف • وعن ابن عباس: أنّ النبيّ ﷺ شرب ماءٌ في الطّواف. حسن: رواه ابن خزيمة (٢٧٥٠)، وابن حبان (٣٨٣٧)، والحاكم (١/ ٤٦٠)، والبيهقي (٥/ ٨٦) كلّهم من طريق العباس بن محمد الدّوري، ثنا أبو غسّان مالك بن إسماعيل بن درهم، أخبرنا عبد السلام بن حرب، عن شعبة، عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس، فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث غريب صحيح، ولم يخرجاه بهذا اللّفظ". وقال ابن خزيمة: الرّخصة في الشرب في الطواف إن ثبت الخبر، فإن في القلب من هذا الإسناد، وأنا خائف أن يكون عبد السلام أو من دونه وهم في هذه اللّفظة أعني في قوله: "في الطّواف". قلت: عبد السلام بن حرب هو الملائيّ من رجال الجماعة مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يكن في حديثه ما ينكر عليه وقد وجدنا لحديثه ما يشهد له. ولذا تعقّب بنُ التّركمانيّ قول البيهقيّ تبعًا لشيخه الحاكم: "هذا غريب بهذا اللّفظ". فقال ابن التركماني: "إسناده جيد، وشيخ البيهقيّ فيه هو الحاكم، قد أخرجه في مستدركهـ، وصحّحه، وأخرجه ابن حبان أيضًا في صحيحه عن هارون بن عيسى، عن ابن عباس بسنده. ولا يلزم من قول البيهقيّ: "غريب" عدم ثبوته، وقد شهد له ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٤/

стр. 3252

٤١٢)، فقال: حدّثني يحيى بن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود أنه ﵇ استسقي وهو يطوف بالبيت، فأتى بذنوب نبيذ السقاية فشربه". انتهي. قلت: فيه خالد بن سعد هو الكوفيّ مولى أبي مسعود الأنصاريّ مختلف فيه، وذكر هذا الحديث البخاريّ في "التاريخ الأوسط" بهذا الإسناد وقال: "لا يصح". وذكره ابن عدي في "الكامل" (٣/ ٩٠٠) من جملة منكراته. وقال الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (٣/ ٩٤): "ورواه يحيي بن سعيد، عن سفيان موقوفًا. وهو الصّحيح". وروى عبد الرزاق (٩٧٩٦)، وابن أبي شيبة من طريق ابن أبي ليلى، عن عكرمة بن خالد، قال: أخبرني شيخ من آل وداعة: "أنّ النبيّ ﷺ شرب وهو يطوف بالبيت". وفيه علّتان: الأولى: ابن أبي ليلي سيء الحفظ. والثانية: شيخ من آل وداعة مجهول، ولم يصرح بالسماع من النبيّ ﷺ . نقل البيهقيّ عن الشّافعيّ أنه قال: "وروي من وجه لا يثبت أنّ النبيّ ﷺ شرب وهو يطوف". قال ابن التركماني: "لعلّ هذا الحديث (أي حديث شيخ من آل وداعة) هو الذي أراده الشافعيّ فإنّ فيه علتين". فذكرهما ونفى أن يكون الشافعي أراد به حديث ابن عباس الذي صدرنا به الباب. وكان ابن عباس، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والثوري لا يرون بأسًا أن يشرب الرجل وهو يطوف بالبيت، كما ذكر ذلك عنهم ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق في مصنفهما. ١٢٥ - باب ما جاء في سقاية النّبيذ وغيره للحجاج والمعتمرين • عن بكر بن عبد الله المزني قال: كنت جالسا مع ابن عباس عند الكعبة، فأتاه أعرابيٌّ، فقال: ما لي أرى بني عمِّكم يسقون العسل واللَّبن، وأنتم تسقون النّبيذ؟ أمن حاجة بكم أم من بخل؟ فقال ابن عباس: الحمد لله ما بنا من حاجة ولا بخل، قدم النبي ﷺ على راحلته وخلفه أسامة فاستقى، فأتيناه بإناء من نبيذ، فشرب وسقى فضله أسامة، وقال: "أحستم وأجملتم، كذا فاصنعوا". فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله ﷺ . صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣١٦) عن محمد بن المنهال الضّرير، حدّثنا يزيد بن زريع، حدثنا حميد الطّويل، عن بكر بن عبد الله المزنيّ، فذكره. ورواه الإمام أحمد (٣٥٢٨) من وجه آخر عن حماد، عن حميد، وفيه: "ما شأن آل معاوية يسقون الماء والعسل، وآل فلان يسقون اللّبن".

стр. 3253

١٢٦ - باب وجوب السّعي على المتمتع بعد طواف الإفاضة بخلاف القارن فإن عليه سعيًا واحدًا • عن عائشة، قالت: فطاف الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت، وبالصّفا والمروة، ثم حلُّوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منًى لحجِّهم. وأمّا الذين كانوا جمعوا الحجَّ والعمرة، فإنّما طافوا طوافًا واحدًا ... الحديث. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٥٥٦)، ومسلم في الحج (١٢١١: ١١١) كلاهما من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، فذكرته. وهو جزء من حديث سبق ذكره بتمامه. وبهذا قال جمهور أهل العلم، وفي رواية عند أحمد: المتمتع يكفيه السعي الأول، واستحب السعي مرة ثانية. قولها: "فإنما طافوا طوافًا واحدًا" أي سعيًا واحدًا، والطواف هنا المقصود منه السعي. ١٢٧ - باب رمي الجمار الثلاثة أيام التّشريق وكيفية ذلك والوقت المختار له • عن ابن عمر أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل، فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلا، ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيستهل، ويقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلا، ويدعو ويرفع يديه، يقوم طويلا، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف، فيقول: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله. صحيح: رواه البخاري في الحج (١٧٥١) عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا طلحة بن يحيي، حدثنا يونس، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، فذكره. • عن وَبَرة، قال: سألتُ ابن عمر ﵄: متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمي إمامُك فارْمِه، فأعدتُ عليه المسألة، قال: كنّا نتحيَّنُ، فإذا زالت الشّمس رمينا. صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٧٤٦) عن أبي نعيم (هو الفضل بن دكين)، حدّثنا مسعر (هو ابن كدام)، عن وَيرة (هو ابن عبد الرحمن المسلي)، به، فذكره. • عن جابر، قال: رمي رسول الله الجمرة يوم النّحر ضُحي، وأما بعد فإذا زالت الشمس. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٩٩: ٣١٤) من طريقين عن ابن جريج، قال في أحدهما: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، فذكره.

стр. 3254

• عن عائشة، قالت: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلّى الظهر، ثم رجع إلى مني فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كلّ جمرة بسبع حصيات يكبِّر مع كلّ حصاة، ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام، ويتضرّع، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندها. حسن: رواه أبو داود (١٩٧٣) من طرق عن أبي خالد الأحمر، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. ورواه الإمام أحمد (٢٤٥٩٢)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٩٥٦)، وابن حبان (٣٨٦٨)، والحاكم (١/ ٤٧٧ - ٤٧٨) كلّهم من طريق محمد بن إسحاق، بإسناده، مثله. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". قلت: وذلك على مذهبه، وإلا فمحمد بن إسحاق ليس على شرط مسلم، وإنما رواه عنه مقرونًا، ثم هو مدلس ولكنه صرّح في رواية ابن حبان. وفي الباب ما رُوي عن ابن عباس، قال: "كان رسول الله ﷺ يرمي الجمار إذا زالت الشمس". رواه الترمذيّ (٨٩٨) عن أحمد بن عبدة الضّبيّ البصريّ، حدّثنا زياد بن عبد الله، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، فذكره. قال الترمذيّ: "حسن". قلت: فيه الحجاج وهو ابن أرطاة ضعيف مدلس ضعّفه النسائي وغيره. ومن طريقه رواه أيضًا الإمام أحمد (٢٢٣١)، ورواه ابن ماجه (٣٠٥٤) من وجه آخر عن الحكم، ولكن فيه شيخه جبارة بن المغلس ضعيف، وشيخه إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة متروك. وفي أحاديث الباب دليل على أنّ السنة أن يرمي الجمار في غير يوم النحر بعد الزوال. وبه قال جمهور أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم. وقال عطاء وطاوس: يجوز قبل الزوال. ورخّص الحنفية الرّمي في يوم النّفر قبل الزوال، وبه قال أيضًا إسحاق. انظر: الفتح (٣/ ٥٨٠). وروي ذلك عن ابن عباس أيضًا: قال: إذا انتفخ النّهار من يوم النّفر الآخر فقد حلّ الرّمي والصّدر. رواه البيهقيّ (٥/ ١٥٢). وقال: "وفيه طلحة بن عمرو المكي ضعيف". وفي رواية عند الحنفية جواز الرمي في أيام التشريق كلها قبل الزوال قياسًا على رمي يوم النحر. انظر: البدائع (٢/ ١٣٧ - ١٣٨)، والمجموع للنووي (٨/ ٢٨٢). وانظر للمزيد: "المنة الكبرى" (٤/ ٣٢٥ - ٣٢٦).

стр. 3255

١٢٨ - باب المبيت بمنى أيام التشريق والرّخصة لأصحاب السّقاية ورعاة الإبل وغيرهم في المبيت بمكة وغيرها • عن عبد الله بن عمر: أنّ العبّاس ﵁ استأذن النبيَّ ﷺ ليبيت بمكة ليالي منى، من أجل سقايته فأذن له. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٧٤٥)، ومسلم في الحج (١٣١٥) كلاهما من طريق عبد الله بن نمير، حدّثنا عبيد الله (هو ابن عمر العمريّ)، حدثني نافع، عن ابن عمر، فذكره. وفي الباب ما رُوي عن ابن عباس، قال: "لم يرخِّص النّبيُّ ﷺ لأحد يبيت بمكة إلاّ للعباس من أجل السّقاية". رواه ابن ماجه (٣٠٦٦) عن علي بن محمد، وهناد بن السّريّ، قالا: حدّثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره. وفيه إسماعيل بن مسلم المكي أبو إسحاق ضعّفه ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي وغيرهم. وفي الباب ما رُوي أيضًا عن عبد الرحمن بن فروخ يسأل ابن عمر، قال: "إنّا نتبايع بأموال النّاس فيأتي أحدنا مكة فيبيت على المال. فقال: أما رسول الله ﷺ فبات بمنى وظلّ". رواه أبو داود (١٩٥٨) عن أبي بكر محمد بن خلاد الباهلي، حدّثنا يحيى، عن ابن جريج، حدثني حريز -أو أبو حريز (الشك من يحيي) - أنه سمع عبد الرحمن بن فروخ، فذكره. وحريز -أو أبو حريز- "مجهول" كما في "التقريب". ١٢٩ - باب الرّخصة لرعاة الإبل أن يؤخِّروا رمي اليوم الحادي عشر إلى الثاني عشر وأن يرموا بالليل . • عن عاصم بن عديّ: أنّ رسول الله ﷺ أرخص لرِعاء الإبل في البيتوتة خارجين عن مني، يرمون يوم النّحر، ثم يرمون الغد، ومن بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النّفر. صحيح: رواه مالك في الحج (٢١٨) عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه، أنّ أبا البدّاح ابن عاصم بن عدي، أخبره عن أبيه، فذكره. وإسناده صحيح، وأبو البدّاح يقال: كنيته أبو عمرو، وأبو البدّاح لقب. ويقال: اسمه: عدي، البلويّ حليف الأنصار، وهو ثقة كما في التقريب. وهو مشهور من التابعين كما قال الحاكم، والذهبي، ووهم من ذكره في الصحابة كما قال

стр. 3256

ابن حجر. ورواه أبو داود (١٩٧٥)، والترمذي (٩٥٥)، والنسائي (٣٠٦٩)، وابن ماجه (٣٠٣٧)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٩٧٥)، وابن حبان (٣٨٨٨)، والحاكم (١/ ٤٧٨) كلّهم من طريق مالك، به، نحوه. إلّا ابن حبان فإنه رواه من حديث سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر، بإسناده، مثله. ولفظ أبي داود مثله، ولفظ النسائي نحوه، ولفظ الترمذي وابن ماجه: " ... أن يرموا يوم النّحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد النّحر، فيرمونه في أحدهما -قال مالك: ظننتُ أنه قال: في الأول منهما-، ثم يرمون يوم النّفر". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح، وهو أصح من حديث ابن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر". قلت: حديث ابن عيينة. رواه الترمذيّ نفسه (٩٥٤)، وأبو داود (١٩٧٦)، والنسائي (٣٠٦٨)، وابن ماجه (٣٠٣٦)، وصححه ابن خزيمة (٢٩٧٧)، وابن حبان (٣٨٨٨)، والحاكم (١/ ٤٧٨) كلّهم عنه، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم - وزاد أبو داود: وعن محمد ابني أبي بكر، عن أبيهما، عن أبي البدَّاح بن عدي، عن أبيه: أنّ النبيّ ﷺ أرخص للرعاة أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا. وإسناده صحيح، وأبو البداح بن عدي هو ابن عاصم بن عدي نسب في هذه الرواية إلى جده، وأبوه عاصم بن عدي كما قال البيهقيّ (٥/ ١٥١) عقب رواية الحديث من طريق أبي داود. قال: "هكذا رواه سفيان بن عيينة. وكذلك قال روح بن القاسم عن عبد الله بن أبي بكر. وكأنهما نسبا أبا البداح إلى جدّه، وأبوه عاصم بن عدي". وعاصم بن عدي هو صاحب اللّعان الصحابي المشهور. ونظرًا لكون حديث ابن عيينة اختصارًا مخلًا للمعني رجّح الترمذيّ رواية مالك، وقد سبقه يحيي بن معين، فقد رواه عن سفيان بن عيينة، ثم قال: "وكلام سفيان هذا خطأ إنما هو كما قال مالك بن أنس قال يحيي: فكان سفيان لا يضبطه كان إذا حدث به يقول: ذهب عليَّ من هذا الحديث شيءٌ" انظر تاريخ ابن معين برواية الدّوريّ (٦٤٦). ولكن من أهل العلم من جمعوا بين رواية ابن عيينة ورواية مالك، فقالوا: إنّ النبيّ ﷺ رخّص للرعاء في ترك رمي الجمار يومًا ويرموا يومًا (أي ليومين من أيام التّشريق)، ثم يوم النّفر. انظر كلام ابن خزيمة (٤/ ٣٢٠). قال مالك عقب الحديث في "الموطأ": "تفسير الحديث الذي أرخص رسولُ الله ﷺ لرعاء الإبل في تأخير رمي الجمار، فيما نُري -والله أعلم- أنّهم يرمون يوم النّحر، فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النّحر رموا من الغد، وذلك يوم النّفر الأوّل، فيرمون لليوم الذي مضى، ثم يرمون ليومهم ذلك؛ لأنّهم لا يقضي أحدٌ شيئًا حتى يجب عليه، فإذا وجب عليه ومضى كان القضاءُ بعد ذلك،

стр. 3257

فإنْ بدا لهم النَّفر فقد فرغوا، وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النّفر الآخر ونفروا". قال الخطّابي في "معالمه": وقال الشافعي نحوّا من قول مالك. وقال بعضهم: "هم بالخيار إن شاؤا قدموا وإن شاؤا أخّروا". • عن عبد الله بن عمر: أنّ رسول الله ﷺ رخص لرِعاء الإبل أن يرموا بالليل. حسن: رواه البزار -كشف الأستار (١١٣٩) - والبيهقي (٥/ ١٥١) كلاهما من حديث عبد الأعلى ابن حماد، ثنا مسلم بن خالد، ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في مسلم بن خالد، وهو الزنجي مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، وقد حسَّنَه أيضا الحافظ في التلخيص (٢/ ٢٦٣). وبمعناه روي أيضا عن ابن عباس. رواه البيهقي من طريق عطاء بن أبي رباح عنه، وفيه عمر بن قيس وهو المكي، المعروف بـ (سندل) ضعيف جدا، والصحيح فيه أنه من مرسل عطاء بن أبي رباح، كما رواه البيهقي بإسناد صحيح عنه. وفي معناه رُوي أيضا عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: "أنّ رسول الله ﷺ رخّص للرّعاة أنّ يرموا باللّيل، وأيّ ساعة من النّهار شاؤوا". إلا أنه ضعيف أيضا. رواه الدارقطني (٢٦٨٥) من طريق بكر بن بكار، حدّثنا إبراهيم بن يزيد، حدّثنا سليمان الأحول، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه. وبكر بن بكار وشيخه إبراهيم بن يزيد وهو الخوزي ضعيفان، وإن كان شيخه أسوأ حالًا منه. ١٣٠ - باب ما جاء في طواف الوداع • عن عبد الله بن عباس، قال: أُمر النّاس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلّا أنه خُفِّف عن الحائض. متفق عليه: رواه البخاري في الحج (١٧٥٥)، ومسلم في الحج (١٣٢٨: ٣٨٠) كلاهما من طريق سفيان (هو ابن عيينة)، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره. • عن عبد الله بن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كلِّ وجه، فقال رسولُ الله ﷺ : "لا ينفرنَّ أحدٌ حتّى يكون آخرُ عهده بالبيت". صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٣٢٧) من طريق سفيان (هو ابن عيينة)، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس، قال (فذكره). • عن عائشة، أنّها قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، إنّ صفيّة بنت حُييّ قد حاضت؟ قال رسول الله ﷺ : "لعلّها تحبسُنا، ألم تكن طافتْ معكنَّ؟ " فقالوا:

стр. 3258

بلي، قال: "فاخرجي". متفق عليه: رواه مالك في الحج (٢٢٦) عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، به، فذكرته. ورواه البخاريّ في الحيض (٣٢٨) عن عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، به، مثله. ورواه مالك أيضًا في الحجّ (٢٢٥) ومن طريقه البخاريّ في الحجّ (١٧٥٧) عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، نحوه. ورواه البخاريّ في الحجّ أيضًا (١٥٦١)، ومسلم في الحج (١٢١١: ١٢٨) من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، به، مطوّلًا. وفي آخره: قالت صفية: "ما أُراني إلّا حابستكم؟ قال: "عقرى حلقي، أو ما كنت طفتِ يوم النّحر؟ " قالت: بلى. قال: "لا بأس، انفري". واللفظ لمسلم. قوله: "عقْري حلْقي". قيل: يعني عقر الله جسدها وأصابها بوجع في حلقها. وقيل: معناه تعقر قومها وتحلقهم بشؤمها، وقيل: العقرى الحائض. وقيل: معناه جعلها الله عاقرًا لا تلد، وحلقي مشؤومة على أهلها. نقل هذه الأقوال النووي في شرحه على مسلم (٨/ ١٥٣) ثم قال: "وعلى كل قول فهي كلمة كان أصلها ما ذكرناه، ثم اتّسعت العرب فيها فصارت تطلقها ولا تريد حقيقة ما وضعت له أولا، ونظيره: تربت يداه، وقاتله الله ما أشجعه". وقوله ﷺ : "لعلّها تحبسنا" يعني أنّها إذا ما طافتْ طواف الإفاضة فهي تحبسنا أي ننتظر حتى تطهر وتغتسل وتطوف ثم نرحل. هذا هو الأصل في هذه المسألة بأنّ المرأة إذا حاضت قبل أن تطوف طواف الإفاضة فهي تبقى في مكة حتى تطهر وتطوف. وأما إذا تعذّر المقام عليها بمكة فهي لا تخلو من حالين: إما أن تكون قريبة من مكة حيث يتيسّر لها الرجوع إلى مكة بعد الطهارة، فترجع إلى بلدها وهي محرمة، ولا يحل وطؤها حتى تطهر فتعود إلى مكة للطواف. وإما أن تكون بعيدة عن مكة يتعذّر عليها الرجوع إلى مكة مرة أخرى، فتطوف على حالها، وترجع إلى بلدها. وهذه خلاصة ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه (٢٦/ ١٨٥) وما بعدها. • عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في ليالي الحج وذكرت الحديث، قالت: حتى تفرنا من مني، فنزلنا المحصّب، فدعا عبد الرحمن، فقال: "اخرج بأختك الحرم، فلتُهل بعمرة، ثم افرغا من طوافكما، أنتظركما ها هنا". فأتينا في

стр. 3259

جوف الليل، فقال: "فرغتما؟ ". قلت: نعم، فنادى بالرّحيل في أصحابه، فخرج فمرَّ بالبيت، فطاف به قبل صلاة الصّبح، ثم خرج إلى المدينة. متفق عليه: رواه البخاري في الحجّ (١٧٨٨)، ومسلم في الحجّ (١٢١١: ١٢٣) كلاهما من حديث أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، فذكرته. واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ: "فارتحل النّاس ومن طاف بالبيت". حاول الحافظ الإجابة عن هذه العبارة، ثم رأى أنه وقع فيها تحريف، وقال: "والصواب: فارتحل الناس، ثم طاف بالبيت" كما وقع عند أبي داود (٢٠٠٥)، ومسلم" انتهى. وفي صحيح ابن خزيمة (٢٩٩٨) من طريق أفلح بن حميد: فارتحل الناسُ، فمرَّ بالبيت قبل صلاة الصّبح، فطاف به، ثم خرج فركب، ثم انصرف متوجهًا إلى المدينة. ١٣١ - باب سقوط طواف الوداع عن الحائض • عن عائشة، أنّها قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، إنّ صفيّة بنت حُييّ قد حاضت، قال رسول الله ﷺ : "لعلّها تحبسُنا، ألم تكن طافتْ معكنَّ؟ " فقالوا: بلي، قال: "فاخرجي". متفق عليه: رواه مالك في الحج (٢٢٦) عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، به، فذكرته. ورواه البخاريّ في الحيض (٣٢٨) عن عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، به، مثله. ورواه البخاريّ في الحجّ أيضًا (١٥٦١)، ومسلم في الحج (١٢١١: ١٢٨) من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، به، مطوّلًا. وقد مضى قريبًا. • عن عكرمة: أنّ أهل المدينة سألوا ابن عباس ﵄، عن امرأة طافت، ثم حاضتْ؟ قال لهم: تنفرُ. قالوا: لا نأخذُ بقولك وندع قول زيد. قال: إذا قدمتم المدينة فسلُوا، فقدموا المدينة فسألوا، فكان فيمن سألوا أمَّ سُليم (فذكرتْ حديث صفيّة). متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٧٥٨: ١٧٥٩) من طريق أيوب، عن عكرمة، به، فذكره. ورواه مسلم في الحجّ (١٣٢٨: ٣٨١) من طريق الحسن بن مسلم، عن طاوس، قال: "كنتُ مع ابن عباس، إذ قال زيد بن ثابت: تُفتي أنّ تصدُر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ فقال له ابن عباس: إمّا لا! فسلْ فلانة الأنصاريّة، هل أمرها بذلك رسولُ الله ﷺ ؟ قال: فرجع زيد ابن ثابت إلى ابن عباس يضحك، وهو يقول: ما أراك إلّا قد صدقت". والأنصاريّة الظاهر أنّها أمُّ سُليم المذكورة في رواية عكرمة عند البخاريّ. بل وجزم الحافظ في

стр. 3260

الفتح (٣/ ٥٨٨) بذلك. وأمُّ سليم هي ابنة ملحان، وهي أمُّ أنس بن مالك ﵄. وقول ابن عباس: "إمّا لا" قال ابن الأثير: "أصل هذه الكلمة "إنْ" و "ما" فأُدغمت النون في الميم، وما زائدة في اللفظ لا حكم لها، وقد أمالت العرب "لا" إمالة خفيفة، ومعناه: إن لم تفعل هذا، فليكن هذا". • عن طاوس بن كيسان، قال: سمعتُ ابن عمر يقول: إنّها لا تنفر. ثم سمعته يقول بعدُ: إنّ النبيَّ ﷺ رخَّص لهنَّ. صحيح: رواه البخاريّ في الحجّ (١٧٦٠، ١٧٦١) عن مسلم (هو ابن إبراهيم الفراهيديّ)، حدّثنا وُهيب (هو ابن خالد)، حدّثنا ابن طاوس (هو عبد الله)، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄: قال: رُخَّص للحائض أن تنفر إذا أفاضتْ. قال: وسمعتُ ابن عمر يقول (فذكره). • عن ابن عمر، قال: من حجّ البيت فليكن آخر عهده بالبيت إلّا الحيَض، ورخَّص لهنّ رسولُ الله ﷺ . صحيح: رواه الترمذيّ (٩٤٤)، وصحّحه ابن خزيمة (٣٠٠٠)، وابن حبان (٣٨٩٩)، والحاكم (١/ ٤٦٧ - ٤٦٨) كلّهم من حديث عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. قال الترمذي: "حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". وقال الذهبي: "خرَّجا أصله" وهو كما قال، وقد سبق. هذا قول عامة فقهاء الأمصار بأنه لا وداع على حائض، ولا أعرف له مخالفًا إلّا ما روي عن عمر وابنه عبد الله، وزيد بن ثابت إلا أن الأخيرين قد رجعا لما بلغتهما السنة. وأمّا ما رُوي عن الحارث بن عبد الله بن أوس، قال: "أتيتُ عمر بن الخطّاب فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النّحر، ثم تحيض. قال: ليكن آخر عهدها بالبيت. قال الحارث: كذلك أفناني رسول الله ﷺ . قال: فقال عمر: أربت عن يديك سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله ﷺ لكيما أخالف؟ ! ". فهو غلط. رواه أبو داود (٢٠٠٤) عن عمرو بن عون، أخبرنا أبو عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن الحارث بن عبد الله بن أوس، وقد حسّنه المنذريّ في مختصره. قلت: وهو كما قال، فإنّ إسناده في ظاهره السّلامة، ولكن غلط فيه الحارث بن عبد الله بن أوس لما عزا فتواه إلى رسول الله ﷺ ، فإنه ﷺ قال: وعمل بخلافه، ولكن فهم الحارث بن عبد الله أنّ قوله ﷺ : "ليكن آخر عهدها بالبيت" وهو عام.
следующие страницы →