← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

صحيح: رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٤٢٨) واللالكائي في أصول الاعتقاد (٩١٥) كلاهما من طرق عن هُشيم قال: حدثنا منصور -وهو ابن زازان- عن الحكم، عن يزيد بن شريك الرشك، عن أبي ذرّ فذكره وإسناده صحيح، وهشيم مدلّس، وقد صرّح بالتحديث. • عن ابن عباس، قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال: رآه بفؤاده مرّتين. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٧٦: ٢٨٥) من طرق عن وكيع، حدثنا الأعمش، عن زياد ابن الحصين أبي جهمة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، فذكره. • عن ابن عباس، قال: رآه بقلبه. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٧٦: ٢٨٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره. • عن ابن عباس، قال: أتعجبون أن تكون الخلّة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرّؤية لمحمّد ﷺ ؟ . صحيح: رواه ابن أبي عاصم في السنة (٤٤٣)، وابن خزيمة في التوحيد (٣٨٣)، والحاكم (١/ ١٥)، وابن منده في الإيمان (٧٦٣)، وفي التوحيد (٥٨١) كلّهم من طريق هشام الدَّستوائيّ، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. صحّحه الحاكم وقال: "على شرط البخاريّ". • عن ابن عباس أنّه قال: رأي محمدٌ ربَّه، فقال عكرمة: أليس اللَّه يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [سورة الأنعام: ١٠٣]. قال: ويحك، ذاك إذا تجلّى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى محمّدٌ ربَّه مرَّتين. حسن: رواه الترمذيّ (٣٢٧٩) عن محمد بن عمرو بن نبهان بن صفوان الثقفيّ، حدثنا يحيى بن كثير العنبريّ أبو غسان، حدّثنا سلْم بن جعفر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. ورواه أيضًا ابنُ أبي عاصم في السنة (٤٣٧)، وابن خزيمة في التوحيد (٣٨٤)، واللالكائيّ في أصول الاعتقاد (٩٢٠)، والبيهقيّ في الأسماء والصفات (٩٣٦) كلّهم من طريق الحكم بن أبان، بإسناده، نحوه. قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب". وقال ابن أبي عاصم: "فيه كلام". قلت: وهو يقصد به الحكم بن أبان، فإنّ فيه كلامًا خفيفًا من ناحية حفظه، وقد وثّقه ابن معين والنسائيّ والعجليّ.

стр. 352

قال البيهقيّ: "الحكم مجهول، غير محتجّ به في الصّحيح". قلت: ليس بمجهول، لقد عرفه من كان قبله، ثم يشهد له ما يأتي. • عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾، و ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ قال ابن عباس: قد رآه النبيّ ﷺ . حسن: رواه الترمذيّ (٣٢٨٠) عن سعيد بن يحيى بن سعيد الأمويّ، حدثنا أبي، حدثنا محمد ابن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس، فذكره. وقال: "حديث حسن". ورواه أيضًا ابن خزيمة في التوحيد (٤٠٢)، وابن حبان في صحيحه (٥٧)، والبيهقيّ في الأسماء والصّفات (٩٣٣) كلّهم من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، بإسناده، مثله. وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو فإنه حسن الحديث. وكذا قال الذّهبيّ أيضًا في "العلو" (٢٥٥). • عن ابن عباس قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: رآه بقلبه. حسن: رواه الترمذيّ (٣٢٨١)، وابن خزيمة في التوحيد (٣٩٤) كلاهما من طريق عبد الرزّاق، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. قال الترمذيّ: "حسن". وأخرجه أيضًا اللالكائيّ (٩١٠، ٩١١) من أوجه عن سماك بإسناده، مثله. وإسناده حسن من أجل سماك بن حرب. وقد رُوي عنه أيضًا مرفوعًا: "رأيت ربي " وهو مختصر من حديث الرّؤيا كما سيأتي. وسبق القول فيه أنّه رأى ربَّه ﵎ بفؤاده مرَّتين. فإذا جمعت هذه الرّوايات عن ابن عباس فتظهر منها أنّها كلّها موقوفة. ولا يقال فيها أنّها في حكم الرّفع -إذ لا مجال في الاجتهاد فيه-؛ لأنّه استنبطه من الآيات القرآنية، ولو كان فيه شيء مرفوع إلى النبيّ ﷺ لذكره في حالة السؤال والجواب. لأنّه قد صحّ خلافه وهو قول عائشة: أنا أوّل هذه الأمّة سأل عن ذلك رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "إنّما هو جبريل، لم أره على صورته التى خُلق عليها غير هاتين المرّتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًّا عِظْم خلقه ما بين السماء والأرض". رواه مسلم كما سبق. ثم هذه الرّوايات عن ابن عباس منها مطلقة، ومنها مقيّدة بالقلب والفؤاد، فحمل أهل العلم المطلقة على المقيّدة وجمعوا بين من أنكر رؤية النبيّ ﷺ لربّه كعائشة وغيرها، ومن أثبتها كابن عباس، فحملوا الإنكار على رؤية العين، والاثبات على رؤية القلب، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الحافظ ابن القيم رحمهما اللَّه تعالى.

стр. 353

وإليكم ما قاله شيخ الإسلام في فتاواه: "وأمّا الرؤية، فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: "رأى محمّد ربه بفؤاده مرتين" وعائشة أنكرت الرّؤية. فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد. والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلقة، أو مقيدة بالفؤاد، تارة يقول: "رأى محمد ربه"، وتارة يقول: "رآه محمد"، ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه. وكذلك الإمام أحمد، تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: رآه بفؤاده، ولم يقل أحد: إنه سمع أحمد يقول: رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق، فهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين. وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل، كما في صحيح مسلم عن أبي ذرّ قال: سألت رسول اللَّه ﷺ هل رأيت ربك؟ فقال: "نور، أنى أراه؟ ! " وقد قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [سورة الإسراء: ١]، ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى. وكذلك قوله: وارونه ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [سورة النجم: ١٨]، ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [سورة النجم: ١٨] ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى. وفي الصحيحين عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [سورة الإسراء: ٦٠]، قال: هي رؤيا عين، أريها رسول اللَّه ﷺ ليلة أسرى به، وهذه "رؤيا الآيات"؛ لأنّه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدقه قوم وكذبه قوم، ولم يخبرهم بأنه رأى ربه بعينه ولي في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه. وقد ثبت بالنصوص الصحيحة واتفاق سلف الأمة، أنه لا يرى اللَّه أحد في الدنيا بعينه، إِلَّا ما نازع فيه بعضهم من رؤية نبينا محمد ﷺ خاصة، واتفقوا على أن المؤمنين يرون اللَّه يوم القيامة عيانًا، كما يرون الشمس والقمر". "مجموع الفتاوى" (٦/ ٥٠٩ - ٥١٠). وأمّا الحافظ ابن القيم رحمه اللَّه تعالى فقال: "واختلف الصّحابة: هل رأى ربَّه تلك اللَّيلة أم لا؟ فصحَّ عن ابن عباس أنّه رأى ربَّه، وصحَّ عنه أنه قال: "رآه بفؤاده"، وصحَّ عن عائشة وابن مسعود إنكارُ ذلك وقالا: إن قوله ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [سورة النجم: ١٣ - ١٤] إنّما هو جبريل. وصحَّ عن أبي ذرّ أنّه سأله: هل رأيتَ ربَّك؟ فقال "نورٌ أنى أراهُ". أي حال بيني وبين رؤيته النور كما قال في لفظ آخر: "رأيتُ نورًا".

стр. 354

وقد حكى عثمان بن سعيد الدَّارميّ اتفاق الصّحابة على أنّه لم يره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وليس قول ابن عباس: "إنّه رآه" مناقضًا لهذا، ولا قوله: "رآه بفؤاده" وقد صحّ عنه أنه قال: "رأيتُ ربِّي ﵎، ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لما احتُبس عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربَّه ﵎ تلك اللَّيلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد رحمه اللَّه تعالى وقال: "نعم رآه حقًّا"؛ فإنّ رؤيا الأنبياء حقّ، ولا بدَّ، ولكن لم يقلْ أحمد رحمه اللَّه تعالى: إنه رآه بعيني رأسه يقظةً، ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه، ولكن قال مرة: "رآه"، ومرة قال: "رآه بفؤاده". فحُكيتْ عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة من تصرُّف بعض أصحابه: "إنّه رآه بعيني رأسه". وهذه نصوص أحمد موجودة، ليس فيها ذلك. وأمّا قول ابن عباس: "إنّه رآه بفؤاده مرّتين". فإن كان استناده إلى قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [سورة النجم: ١١]، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [سورة النجم: ١٣]، والظَّاهر أنه مستنده؛ فقد صحّ عنه ﷺ أنّ هذا المرئي جبريل، رآه مرتين في صورته التي خُلق عليها، وقول ابن عباس هذا هو مستند الإمام أحمد في قوله: "رآه بفؤاده" واللَّه أعلم. وأمّا قوله تعالى في سورة النَّجم ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [سورة النجم: ٨] فهو غير الدّنو والتَّدلي في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبريل وتدلّيه، كما قالت عائشة وابن مسعود، والسّياق يدلُّ عليه، فإنه قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [سورة النجم: ٥] وهو جبريل، ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [سورة النجم: ٦ - ٨]. فالضَّمائر كلُّها راجعة إلى هذا المعلِّم الشَّديد القوى، وهو ذو المرَّة، أي القوة، وهو الذي استوى بالأفق الأعلى، وهو الذي دني فتدلّى، فكان من محمد ﷺ قدر قوسين أو أدنى. فأمّا الدّنو والتدلي الذي في حديث الاسراء، فذلك صريح في أنه دنو الرّب ﵎ وتدلّيه، ولا تعرَّض في سورة النّجم لذلك، بل فيها أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، وهذا هو جبريل، رآه محمد ﷺ على صورته مرّتين: مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى، واللَّه أعلم". انظر: "زاد المعاد" (٣/ ٣٦ - ٣٨). قلت: دنو الرَّب ﵎ وتدلّيه الذي في حديث الإسراء فقد سبق الكلامُ عليه بأنَّ هذا مما أخطأ فيه شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر، واللَّه أعلم. ٥١ - باب رؤية النّبيّ ﷺ ربّه في المنام • عن معاذ بن جبل، قال: احتُبس عنّا رسول اللَّه ﷺ ذات غداة عن صلاة الصُّبح حتى كدنا نتراءى قرن الشّمس، فخرج سريعًا فثوَّب بالصَّلاة، فصلَّى رسول اللَّه ﷺ وتجوَّز في صلاته، فلمّا سلّم دعا بسوطه قال لنا: "على مصافِّكُم كما أنتم". ثم انفتل إلينا ثم قال: "أما إني سأحدِّثكم ما حبسني عنكم الغداة، إنِّي قمتُ

стр. 355

من اللّيل فتوضأت وصليت ما قُدِّر لي فنعستُ في صلاتي حتى استثقلتُ، فإذا أنا بربي ﵎ في أحسن صُورة، فقال: يا محمّد، قلتُ: لبَّيك ربِّ. قال: فيم يختص الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلاثا. قال: فرأيته وضع كفَّه بين كتفيَّ حتى وجتُ بَرْد أنامله بين ثدييَّ، فتجلّى لي كلُّ شيءٍ وعرفتُ، فقال: يا محمّد، قلت: لبيك ربّ، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفّارات. قال: ما هُنَّ؟ قلت: مشيُ الأقدام إلى الحسنات، والجلوس في المساجد بعد الصّلوات، وإسباغُ الوضوء حين الكَرِيهات، قال: فيمَ؟ قلتُ: إطعامُ الطعام، ولين الكلام، والصّلاة بالليل والناس نيام. قال: سَلْ، قُلْ: اللَّهُمَّ إني أسألك فعلَ الخيرات وترك المنكرات وحبَّ المساكين، وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة قوم فتوفني غير مفتون، وأسألُك حُبَّك وحُبَّ من يُحبُّك، وحُبَّ عملٍ يُقرِّبُ إلى حُبِّك. قال رسول اللَّه ﷺ : إنَّها حقٌّ، فادْرسُوها ثم تَعلّمُوها". حسن: رواه الترمذيّ (٣٢٣٥) عن محمّد بن بشّار، حدثنا معاذ بن هانئ، حدثنا أبو هانئ اليشكريّ، حدثنا جهضم بن عبد اللَّه، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام، عن أبي سلّام، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرميّ، أنّه حدّثه عن مالك بن يُخامر السّكسكيّ، عن معاذ بن جبل، فذكره. ورواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٤٤١)، وأحمد (٢٢١٠٩)، وابن عدي (٦/ ٢٣٤٤) كلَّهم من طريق يحيى بن أبي كثير به نحوه، واختصره ابن عديّ. قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث. فقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال: هذا أصحّ من حديث الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر، قال: حدثنا خالد بن اللّجلاج، حدثني عبد الرحمن بن عائش الحضرميّ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ (فذكر الحديث)، وهذا غير محفوظ: هكذا ذكر الوليد في حديثه عن عبد الرحمن بن عائش قال سمعت رسول اللَّه ﷺ . وروى بشر بن بكر، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر هذا الحديث بهذا الإسناد عن عبد الرحمن ابن عائش عن النّبيّ ﷺ وهذا أصحّ، وعبد الرحمن بن عائش لم يسمع من النبيّ ﷺ ". انتهى. وأخرجه الحاكم (١/ ٥٢٠ - ٥٢١) من وجه آخر عن محمد بن شعيب بن شابور، عن عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر مثل حديث بشر بن بكر كما أشار إليه الترمذيّ، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ثم قال الحاكم: "وقد روي عن معاذ بن جبل، عن النبيّ ﷺ مثله". فكان أولى أن يخرّج حديث يحيى بن أبي كثير؛ لأنّه صحّحه أهل العلم منهم البخاريّ وأحمد كما سيأتي. وأمّا عبد الرحمن بن عائش فلم يسمع من النبيّ ﷺ كما قال الترمذيّ، وقال أبو حاتم:

стр. 356

"هو تابعيّ". وقال ابن عدي: وهذا له طرق، قوله: "رأيتُ ربّي في أحسن صورة" واختلفوا في أسانيدها فرأيتُ أحمد بن حنبل صحّح هذه الرّواية التي رواها موسى بن خلف، عن يحيى بن أبي كثير حديث معاذ بن جبل، قال: هذا أصحُّها". وقال الحافظ في "تهذيبه" (٦/ ٢٠٥): "وكذا قوَّاه ابن خزيمة من رواية يحيى، عن زيد، عن جدّه، عنه، عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل". • عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "رأيتُ ربّي ". وهو مختصر من حديث الرّؤيا السّابق. صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٥٨٠)، وابنه عبد اللَّه في السنة (١١١٦)، والآجريّ في الشريعة (١٠٣٣)، واللالكائيّ في شرح أصول الاعتقاد (٩٨٧)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٣٣) كلّهم من طرق عن حمّاد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح، قال الذّهبيّ في "العلو" (٢٢٦): "إسناده قويٌّ". وقال الهيثميّ في "المجمع": "رجاله رجال الصّحيح". وقال ابن كثير في "تفسيره": "إسناده على شرط الصحيح، لكنه مختصر من حديث الرؤيا". وقال أبو زرعة الرَّازيّ: "حديث قتادة عن عكرمة، عن ابن عباس في الرؤية صحيح، ولا ينكره إِلَّا معتزليّ". ذكره الضّياء المقدسيّ في "المختارة". لكن بعض أهل العلم حملوا على حمّاد بن سلمة فقالوا: هو وإن كان من بحور العلم، ولكنه ربّما حدّث بحديث منكر؛ لأنه لما كبر ساء حفظه. قال ابن الجوزيّ في العلل المتناهية (١/ ٢٣): "هذا الحديث لا يثبت، وطرقه كلّها على حمّاد ابن سلمة". ولكن قال ابن عدي: "الأحاديث التي رويت في الرّؤية قد رواها غير حمّاد بن سلمة". ذكره البيهقيّ في الأسماء والصفات. قلت: وهو كما قال؛ فإنّ حديث الرّؤية التي أشار إليها أهلُ العلم في كلامهم رواه الإمام أحمد (٣٤٨٤) عن عبد الرزّاق، حدّثنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس، قال: إنّ النبيَّ ﷺ قال: "أتاني ربِّي الليلة في أحسن صورة -أحسبه يعني في النّوم- فقال: يا محمّد، هل تدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: لا. قال النبيُّ ﷺ : فوضع يده بين كتفي حتى وجدتُ بردها بين ثَدْييَّ -أو قال: نحري-، فعلمت ما في السَّماوات وما في الأرض. ثم قال: يا محمّد، هل تدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: نعم يختصمون في الكفّارات والدّرجات. قال وما الكفّارات والدرجات؟ قال: المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي

стр. 357

على الأقدام إلى الجمعات، وإبلاغ الوضوء في المكاره. ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطبته كيوم ولدته أمُّه. وقُلْ يا محمد إذا صلّيت: اللَّهم إني أسألك الخيرات وترك المنكرات، وحبَّ المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنةً أن تقبضني إليك غير مفتون، قال: والدّرجات: بذل الطّعام وإفشاء السّلام، والصلاة بالليل والناس نيام" فذكر الحديث. وأبو قلابة اسمه: عبد اللَّه بن زيد الجرميّ لم يسمع من ابن عباس. ورواه الترمذيّ (٣٢٣٣) من طريق عبد الرزاق وقال: "وقد ذكروا بين أبي قلابة وبين ابن عباس في هذا الحديث رجلًا، وقد رواه قتادة، عن أبي قلابة، عن خالد بن اللَّجلاج، عن ابن عباس". ثم رواه (٣٢٣٤) من حديث معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة. وقال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه" انتهى. وأمّا ما رُوي عن عبد اللَّه بن عمر أنّه بعث إلى عبد اللَّه بن العباس يسأله: هل رأي محمدٌ ربَّه؟ فأرسل إلى عبد اللَّه بن العباس: أي نعم، فردَّ عليه عبد اللَّه بن عمر رسولَه: أن كيف رآه؟ قال: فأرسل إليه أنه رآه في روضة خضراء، دونه فراش من ذهب على كرسيّ من ذهب يحمله أربعةُ من الملائكة، ملك في صورة رجل، وملك في صورة ثور، وملك في صورة نسر، وملك في صورة أسد. فهو منقطع. أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (٣٨٦)، وعبد اللَّه بن أحمد في السنة (٢١٧)، البيهقيّ في الأسماء والصفات (٩٣٤) كلّهم من طرق عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد اللَّه بن عياش بن أبي ربيعة، عن عبد اللَّه بن أبي سلمة، عن ابن عمر، فذكره. قال البيهقيّ: "تفرّد به محمد بن إسحاق بن يسار، وقد مضى الكلام في ضعف ما يرويه إذا لم بين سماعه فيه، وفي الرواية انقطاع بين ابن عباس وبين الراويّ عنه، وليس شيء من هذه الألفاظ في الرّوايات الصّحيحة عن ابن عباس، ورُوي من وجه آخر ضعيف" انتهى. • عن ثوبان مولى رسول اللَّه ﷺ : أنّ النبيّ ﷺ أخّر صلاة الصّبح حتى أسفر، فقال: "إنّما تأخرتُ عنكم أنّ ربِّي قال لي: يا محمد، هل تدري فيمَ يختصمُ الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا ربّ، فردّدها مرتين أو ثلاثًا، ثم حسستُ بالكّف بين كتفيّ، حتى وجدتُ بردها بين ثدييّ، ثم تجلّى لي كلُّ شيء، وعرفتُ". قال: "قلتُ: نعم يا ربّ، يختصمون في الكفّارات والدّرجات، والكفّارات: المشيُ على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في الكريهات، وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة. والدّرجات: إطعام الطّعام، وبذلُ السّلام، والقيام باللّيل والنّاس نيام، ثم قال: يا محمد، اشْفعْ تُشفَّعْ، وسلْ تُعطَ. قال: "قلت: اللَّهُمَّ إنّي أسألك فعل

стр. 358

الخيرات، وترك المنكرات، وحبّ المساكين، وأن تغفر ليّ، وترحمنيّ، وإذا أردت فتنةً في قوم فتوفّني وأنا غير مفتون، اللَّهُمَّ إنِّي أسألك حبّك، وحبَّ من يحبُّك، وحبًّا يبلّغني حبَّك". حسن: رواه البزّار -كشف الأستار (٢١٢٨) - عن إسحاق بن إبراهيم (قرابة أحمد بن منبع)، ثنا الحسن بن سوار، ثنا اللّيث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن أبي يحيى، عن أبي أسماء، عن ثوبان، فذكره. قال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٧٧): "رواه البزّار من طريق أبي يحيى، عن أبي أسماء الرّحبيّ، وأبو يحيى لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات". قلت: كذا قال الهيثميّ بأنه لا يعرف أبا يحيى، وقد عرفه ابن خزيمة فقال: "روي معاوية بن صالح عن أبي يحيى -وهو عندي سليمان بن عامر- عن أبي يزيد، عن أبي سلام الحبشيّ، أنه سمع ثوبان (فذكر مثله) ". كتاب التوحيد (٤٤٢). ومن هذا الوجه رواه ابن أبي عاصم في السنة (٤٧٠) مختصرًا، والبغويّ في شرح السنة (٩٢٥) وقال: "أبو يحيى هو سليم بن عامر الخبائريّ تابعي سمع أبا أمامة". وقال أيضًا: وأبو يزيد شاميّ لا يعرف اسمه، وأبو سلام اسمه ممطور الحبشيّ حيّ من بجيلة". انتهى. قلت: إن كان أبو يحيى هو سليم -أو سليمان- ابن عامر الكلاعيّ كما جزم البغوي فهو ثقة، وثقه ابن سعد والنسائي وغيرهما، وقال الحافظ في التقريب: "ثقة". وأبو يزيد: واسمه غيلان بن أنس الكلبيّ مولاهم. روى عنه جمعٌ من الثقات ولم يذكر فيه توثيقه عن أحد، وذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٩/ ٤٥٩) ولم يذكر فيه شيئًا، وجعله الحافظ في مرتبة "مقبول" أي حيث يتابع، وقد توبع من حيث الجملة، وبه صار الإسناد حسنًا. • عن أبي أمامة، عن النبيّ ﷺ قال: "أتاني ربّي في أحسن صورة، فقال: يا محمد فقلتُ: لبيك وسعديك. قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، فوضع يده على ثديَيَّ، فعلمت في مقامي ذلك ما سألني عنه من أمر الدّنيا والآخرة، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الدّرجات والكفّارات، فأما الدّرجات فإبلاغ الوضوء في السبرات، وانتظار الصلاة بعد الصلوات، قال: صدقت، من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير، وكان من خطيئته كما ولدته أمّه. وأمّا الكفارات فإطعام الطّعام، وإفشاء السّلام، وطيب الكلام، والصّلاة والنّاس نيام، ثم قال: "اللَّهُمَّ إني أسألك عمل الحسنات، وترك السيئات، وحب المساكين ومغفرة، وأن تتوب عليّ. وإذا أردتَ في قوم فتنة فنجني غير مفتون".

стр. 359

حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (٨/ ٣٤٩)، واللّفظ له، وابن أبي عاصم في السنة (٣٨٩، ٤١٦) -مختصرًا-، كلاهما من حديث جرير، عن ليث، عن ابن سابط، عن أبي أمامة، فذكره. قال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٧٩): "رواه الطبرانيّ، وفيه ليث بن أبي سليم وهو حسن الحديث على ضعفه، وبقية رجاله ثقات". قلت: وهو كما قال، فقد تكلّم أهل العلم في ليث بن أبي سُليم لاختلاطه، وكان ابن عدي حسن الرّأي فيه فقال: "له أحاديث صالحة". وقال البزّار: "كان أحد العبَّاد، إِلَّا أنه أصابه اختلاط، فاضطرب حديثه، وإنّما تكلّم فيه أهل العلم بهذا، وإلّا فلا نعلم أحدًا ترك حديثه". قلت: وهذا الحديث لا بأس به في الشّواهد، وإلّا فإني أحتاط من قبول حديثه، وأمّا ابن سابط فهو عبد الرحمن أحد الثقات. • عن جابر بن سمرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه تجلّى لي في أحسن صورة، فسألني فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: ربيّ، لا أعلم، قال: فوضع يده بين كتفي حتى وجدتُ بردها بين ثديي -أو وضعهما بين ثديي حتى وجدت بردها بين كتفي- فما سألني عن شيء إِلَّا علمته". حسن: رواه ابن أبي عاصم في السنة (٤٦٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا إبراهيم بن طهمان، ثنا سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في سماك بن حرب غير أنه حسن الحديث. وأمّا ما روي عن ابن عمر كما عند البزّار -كشف الأستار (٢١٢٩) - فهو ضعيف فيه سعيد بن سنان. قال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٧٨): "فيه سعيد بن سنان وهو ضعيف، وقد وثّقه بعضهم، ولم يلتفت إليه في ذلك" انتهى. وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "رأيت ربِّي في منامي في أحسن صورة". رواه اللالكائيّ في شرح أصول الاعتقاد (٩١٩). وفيه عبد اللَّه بن أبي حميد، قال فيه الإمام أحمد: "ترك النَّاسُ حديثه". وقال البخاريّ: "منكر الحديث، يروي عن أبي المليح العجائب". قلت: وهذا من روايته عن أبي المليح. وكذلك لا يصح ما رُوي عن أنس بن مالك مرفوعًا: "أتاني ربّي البارحة في منامي في أحسن صورة، حتى وضع يده بين كتفي". ذكره ابن الجوزيّ في العلل المتناهية (١/ ٢٠ - ٢١) مختصرًا وقال: "فيه يوسف بن عطية

стр. 360

السّعديّ، قال النسائيّ: متروك. وأخرجه ابن حبان في المجروحين (١٢٣٢) بكامله في ترجمة يوسف بن عطية الصفار السّعديّ وقال: "كان ممن يقلب الأحاديث ويلزق المتون الموضوعة بالأسانيد الصحيحة، ويحدّث بما لا يجوز الاحتجاج به". وكذلك لا يصح ما رُوي عن أمّ الطُّفيل امرأة أُبي بن كعب قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يذكر أنه رأى ربَّه في المنام في صورة شاب موفر في خضر على فراش من ذهب في رجليه نعلان من ذهب. رواه الطبراني في الكبير (٢٥/ ١٤٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٧١)، والبيهقيّ في الأسماء والصفات (٩٤٢)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ١٥)، كلّهم من طريق مروان بن عثمان، عن عمارة بن عامر، عن أمّ الطّفيل، فذكرته. ومروان بن عثمان هو ابن أبي سعيد بن المعلى الأنصاريّ الزّرقيّ، قال أبو حاتم: "ضعيف". وقال النسائيّ: "مَنْ مروان بن عثمان حتى يُصدَّق على اللَّه؟ ! ". ذكره الذهبي في الميزان (٤/ ٩٢). وقال مهنا: سألت أحمد عن هذا الحديث فحوّل وجهه عني وقال: "هذا حديث منكر، هذا رجل مجهول - يعني مروان". قلت: ومع ضعفه في إسناده، فيه انقطاع أيضًا فإنّ عمارة بن عامر لا يعرف له سماع من أمّ الطّفيل، كما قال البخاريّ في التاريخ الكبير (٦/ ٣١١)، وأورده الشوكانيّ في "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" (١٢٧٦). وذكر ابن حبان عمارة بن عامر في "ثقاته" (٥/ ٢٤٥) وقال: "يروي عن أمّ الطّفيل امرأة أبي بن كعب عن النبيّ ﷺ قال: "رأيت ربي" حديثًا منكرًا، لم يسمع عمارة من أمّ الطّفيل، وإنّما ذكرته لكي لا يغتر الناظر فيه فيحتج به من حديث أهل مصر". واعتمد الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٧٩) قول ابن حبان هذا ولم يزد عليه. وفي الباب عن الصّحابة الآخرين، ولا يصح منها إلا ما ذكرته وباللَّه التوفيق. وخلاصة هذه الأبواب الثلاثة: لا خلاف بين أهل العلم بأنّ النبيّ ﷺ رأى اللَّهَ ﵎ في المنام، وفي المدينة، ورؤيا الأنبياء حقّ كما سبق، وجمهور السلف على أنه ﷺ لم يره بعينيه ومن قال غير ذلك فقوله مؤول. ٥٢ - باب ما جاء من قوله ﷺ : "حجابه النّور " • عن أبي موسى قال: قام فينا رسول اللَّه ﷺ بخمس كلمات: فقال: "إنّ اللَّه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عملُ اللّيل قبل عمل النّهار، وعمل النّهار قبل عمل اللّيل، حجابه النّور، لو كشفه لأحْرقتْ

стр. 361

سُبُحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصرُه من خلقه". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٧٩) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، فذكره. قوله: "سبحات وجهه" أي جلال وجه اللَّه ونوره، وفي النهاية: أضواء وجهه. أي أنّ أنوار اللَّه التي هي محجوبة عن الخلق، لو انكشفتْ لأهلكتْ كلَّ من وقع عليه ذلك النّور. وفي الحديث دليل على أنّ اللَّه تعالى لا يُرى في الدّنيا؛ لأنّ نوره يحجب الأبصار، وإليه أشار النبيّ ﷺ بقوله حين سئل: هل رأيتَ ربَّك؟ فقال: "نور أنّى أراه". وجاء عن ابن عمر، قال: احتجب اللَّه من خلقه بأربع: بنار وظلمة، ونور وظلمة. رواه الدّارميّ في الرّد على الجهمية (١١٨) عن محبوب بن موسى الأنطاكيّ، أنبا أبو إسحاق الفزاريّ، عن سفيان، عن عبيد المكتب، عن مجاهد، عن ابن عمر، فذكره. وهو حديث موقوف وإسناده صحيح، وهو جزء من الحديث الذي رواه الحاكم (٢/ ٣١٩) من طريق سفيان بإسناده، وقال: "صحيح الإسناد" وقال الذهبي في "العلو" (١٦٩): "إسناده جيد". وفي الباب أحاديث ضعيفة بل موضوعة أورد بعضها الهيثميّ في "المجمع" (١/ ٧٩ - ٨٠) وحكم عليها: منها حديث أنس، عن النبيّ ﷺ قال: سألتُ جبريل: "هل ترى ربّك؟ قال: إنّ بيني وبينه سبعين حجابًا من نور، لو رأيت أدناها لاحترقتُ". قال: "رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه قائد الأعمش، قال أبو داود: عنده أحاديث موضوعة. وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: يهم". ومنها حديث عبد اللَّه بن عمرو، وسهل بن سعد، قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "دون اللَّه سبعون ألف حجاب من نور وظلمة، ما تسمع نفس شيئًا من حسن تلك الحجب إلّا زهقت نفسها". قال: "ورواه أبو يعلى، والطبرانيّ في "الكبير" عن عبد اللَّه بن عمرو وسهل أيضًا، وفيه موسى بن عبيدة لا يحتجّ به". ومنها حديث أبي هريرة: أنّ رجلًا أتى النّبي ﷺ فقال: يا محمّد هل احتجب اللَّه عن خلقه بشيء غير السموات والأرض؟ قال: نعم بينه وبين الملائكة الذين حول العرش سبعون حجابًا من نور، وسبعون حجابًا من نار، وسبعون حجابًا من ظلمة، وسبعون حجابًا من رفارف الاستبرق، وسبعون حجابًا من رفارف السندس، وسبعون حجابًا من در أبيض وسبعون حجابًا من درّ أحمر، وسبعون حجابًا من درّ أصفر. . . . إلخ الحديث. قال الهيثمي: "رواه الطبرانيّ في "الأوسط" وفيه عبد المنعم بن إدريس كذّبه أحمد، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث.

стр. 362

وأورد بعضها الشّوكانيّ في "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" (ص ٣٨٨). ورُوي عن أبي أمامة قال: كان من أشدّ الناس تكذيبًا لرسول اللَّه ﷺ وأكثرِهِ ردًّا عليه: اليهود. فسألوه: أي البقاع شرّ؟ فقال: "حتى أسأل صاحبي جبريل". فجاء فسأله، فقال: حتى أسأل ربّي، قال: فسأل ربَّه فقال: "شرّ البقاع أسواقها، وخير البقاع مساجدها". فهبط جبريل فقال: يا محمد قد دنوتُ من اللَّه دنوًّا ما دنوتُ مثله قطّ، فكان بيني وبينه سبعون حجابًا من نور، فقال: "إنّ شرّ البقاع أسواقها، وخير البقاع مساجدها". ذكره الذهبيّ في "العلو" (٢١٦) عن هشام بن عمّار، نا صدقة بن خالد، نا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن زيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، فذكره. وقال: "ليس إسناده بالقويّ". قلت: عثمان بن أبي العاتكة الأزديّ أبو حفص الدّمشقي القاضي، قال الحافظ في "التقريب": "ضعّفوه في روايته عن علي بن زيد الألهانيّ". وهذا منه. وعلي بن زيد الألهانيّ ضعّفه أيضًا جماهير أهل العلم. وأمّا متن الحديث فهو صحيح وسيأتي في المساجد. وفي الباب عن أنس قال: بينا أنا جالس إذ جاء جبريل ﵇، فوكز بين كتفي فقمت -يعني- إلى شجرة فيها مثل وكريّ الطير، فقعد جبريل في أحدهما وقعدت في الآخر، فسمتْ وارتفعت حتى سدت الخافقين، وأنا أقلب طرفي، فلو شئت أن أمس السماء لمسست، فالتفت إلى جبريل فإذا هو كأنه حِلْس فعرفتُ فضل علمه باللَّه علي، ففتح لي باب من أبواب السماء ورأيت النور الأعظم، وإذا دوني حجاب رفرف الدر والياقوت، فأوحى إلي ما شاء أن يوحي". وقال غيره: في هذا الحديث في آخره، "ولُطَّ دوني الحجاب رفرف الدر والياقوت". رواه البيهقي في الدلائل (٢/ ٣٦٨ - ٣٦٩) واللفظ له، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣١٦) وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٤٤٦) كلهم من حديث الحارث بن عبيد الإيادي، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك فذكره. قال الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام (ص ٢٥١): "إسناده جيد حسن، والحارث من رجال مسلم". ولكن فيه علة خفية وهي أن الحارث بن عبيد مع ضعفه خولف. قال أبو نعيم: "غريب لم نكتبه إلا من حديث أبي عمران، تفرد به الحارث بن عبيد أبو قدامة". وقال البيهقي: "هكذا رواه الحارث بن عبيد، ورواه حماد بن سلمة، عن أبي عمران الجوني، عن محمد بن عمير بن عطارد: أن رسول اللَّه ﷺ كان في ملإ من أصحابه فجاءه جبريل، فنكت في ظهره، فذهب به إلى الشجرة فيها مثل وكريْ الطير، فقعد في أحدهما، وقعد جبريل في الآخر فتسامت بنا حتى بلغت الأفق، فلو بسطت يدي إلى السماء لنلتها، فدُلِّيَ بسبب، وهبط النور، فوقع

стр. 363

جبريل مغشيًّا عليه كأنه حِلْس، فعرفت فضل خشيته على خشيتي فأوحي إلي: نبيًّا مَلِكًا أو نبيًّا عبدًا؟ أو إلى الجنة؟ ما أنت؟ فأومأ إلي جبريل وهو مضطجع أن تواضعْ قال: قلت: "لا، بل نبيًّا عبدًا". ومحمد بن عمير بن عطارد ليس له صحبة فالصحيح أنه مرسل، وقيل: بزيادة "عن أبيه" وهو لا يصح، ثم لا يوجد من الصحابة من اسمه عمير بن عطارد. ٥٣ - باب ما جاء في رؤية المؤمنين ربّهم يوم القيامة دون الكفّار قال اللَّه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة: ٢٢ - ٢٣]. وقال تعالى عن الكفّار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطّففين: ١٥ - ١٧]. أي: الكفّار. قال الشّافعيّ: "هذه الآية دليل على أنّ المؤمنين يرونه يومئذ". قال ابن كثير: "وهذا الذي قاله الإمام الشّافعيّ رحمه اللَّه تعالى في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دلّ عليه منطوق قوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وكما دلّت على ذلك الأحاديث الصّحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربّهم في الدّار الآخرة رؤية بالأبصار في عرصات القيامة، وفي روضات الجنات الفاخرة" انتهى. قلت: وذلك كرامة منه لهم. وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [سورة يونس: ٢٦]، فقد رُوي أن الزيادة هي النظر إلى اللَّه وأسند إلى أبي بكر الصديق وغيره من الصّحابة والتّابعين. قول الأئمة من أهل السنة في رؤية اللَّه ﵎ يوم القيامة: قال مالك رحمه اللَّه تعالى: "الناس ينظرون إلى اللَّه تعالى يوم القيامة بأعينهم". الشّريعة للآجريّ (٥٧٤). وقال الإمام أحمد: "من قال: إنّ اللَّه تعالى لا يُرى في الآخرة فقد كفر، وعليه لعنة اللَّه وغضبه. أليس اللَّه يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ هذا دليل على أنّ المؤمنين يرون اللَّه تعالى". الشّريعة للآجريّ (٥٧٧). وأمّا قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام: ١٠٣] فمعناه عند أهل العلم أي لا تحيط به الأبصار ولا تحويه ، وهم يرونه من غير إدراك، ولا يشكّون في رؤيته كما يقول الرّجل: رأيتُ السّماء وهو صادق، ولم يحط بصرُه بكلّ السماء ولم يدركها، وكما يقول الرّجل: رأيت البحر، وهو صادق، ولم يدركه بصره كلّ البحر، ولم يُحطه ببصره. ذكره الآجريّ في الشّريعة (٢/ ١٠٤٨). • عن جرير بن عبد اللَّه يقول: كنا جلوسًا عند رسول اللَّه ﷺ إذ نظر إلى القمر

стр. 364

ليلة البدر فقال: "أما إنّكم سترون ربَّكم كما ترون هذا القمر، لا تُضامّون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشّمس، وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٣٤)، ومسلم في المساجد (٦٣٣) كلاهما من طريق إسماعيل بن أبي خالد، ثنا قيس بن أبي حازم، قال سمعتُ جرير بن عبد اللَّه، فذكره. وزاد مسلمٌ: "ثم قرأ جرير: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [سورة طه: ١٣] ". وقوله: "لا تضامّون" يجوز فيه ضم التاء وفتحها، وهو بتشديد الميم من الضّم، أي لا ينضم بعضكم إلى بعض، ولا يقول: أرنيه، بل كلٌّ ينفرد برؤيته. • عن أبي هريرة، أنّ النّاس قالوا: يا رسول اللَّه، هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "هل تضّارُّون في القمر ليلة البدر؟ ". قالوا: لا يا رسول اللَّه، قال: "فهل تضارّون في الشّمس ليس دونها سحاب؟ ". قالوا: لا يا رسول اللَّه. قال: "فإنّكم ترونه كذلك". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٨٠٦)، وفي الرّقاق (٦٥٧٣)، ومسلم في الإيمان (١٨٢) كلاهما من حديث أبي اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزّهريّ، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد اللّيثيّ، أنّ أبا هريرة أخبرهما، فذكر الحديث بطوله، وهو مخرّج في حديث الصّراط. • عن أبي سعيد الخدريّ، أنّ أناسًا في زمن النبيّ ﷺ قالوا: يا رسول اللَّه، هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ . قال النبيُّ ﷺ : "نعم، هل تضارُّون في رؤية الشّمس بالظّهيرة، ضوء ليس فيها سحاب؟ ". قالوا: لا. قال: "وهل تضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر، ضوء ليس فيها سحاب؟ ". قالوا: لا. قال النبيّ ﷺ : "ما تضارون في رؤية اللَّه يوم القيامة إلّا كما تُضّارون في رؤية أحدهما". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٨١)، ومسلم في الإيمان (١٨٣)، كلاهما من حديث حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكر الحديث في سياق طويل. انظر: باب الصّراط جسر على جهنّم. • عن أبي موسى الأشعريّ عبد اللَّه بن قيس، عن النبيّ ﷺ قال: "جنّتان من فضّة، آنيتُهما وما فيهما، وجنّتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربّهم إلا رداء الكِبرياء على وجهه في جنّة عدن".

стр. 365

متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٤٤)، ومسلم في الإيمان (١٨٠) كلاهما من حديث عبد العزيز بن عبد الصّمد، عن أبي عمران الجونيّ، عن أبي بكر بن عبد اللَّه بن قيس، عن أبيه، فذكر الحديث، ولفظهما سواء. • عن صُهيب، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنةِ الجنَّةَ. قال: يقول اللَّه ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيِّض وجوهنا؟ ألم تدْخلنا الجنّة، وتنجيّنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب. فما أُعطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النّظر إلى ربّهم ". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٨١) عن عبيد اللَّه بن عمر بن ميسرة، قال: حدثني عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البنانيّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صُهيب، فذكر الحديث. ورواه أيضًا من طريق يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد وزاد: "ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [سورة يونس: ٢٦] ". وقد جاء عن جمع من أهل العلم من الصّحابة والتابعين: أنّ قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قالوا: الزّيادة هي النّظر إلى وجه ربّهم ، ذكره ابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٤٠٢ - ٤٠٣) وعزاه إلى عدد من أهل العلم. • عن ابن شهاب، قال: أخبرني عمر بن ثابت الأنصاريّ، أنّه أخبره بعض أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال يوم حذّر النّاس الدّجال: "إنّه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه من كره عملَه، أو يقرؤه كلّ مؤمن" وقال: "تعلَّموا أنه لن يرى أحد منكم ربّه حتى يموت". صحيح: رواه مسلم في الفتن (٢٩٣٠) عن حرملة بن يحيى، قال: أخبرني ابنُ وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، بإسناده في حديث طويل في قصة ابن صيّاد. • عن رجل قال لابن عمر: كيف سمعتَ رسول اللَّه ﷺ يقول في النّجوى؟ قال: سمعتُه يقول: "يُدنَى المؤمنُ يوم القيامة من ربّه ، حتى يضع عليه كنفه، فيقرّره بذنوبه، فيقول: هل تعرف، فيقول: أي ربّ أعرف. قال: فإنّي قد سترتها عليك في الدّنيا، وإنّي أغفرها لك اليوم. فيعطى صحيفة حسناته. وأمّا الكفّار والمنافقون فيُنادى بهم على رؤوس الخلائق. هؤلاء الذين كذبوا على اللَّه". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٨٥)، ومسلم في التوبة (٢٧٦٨) كلاهما من طريق هشام الدّستوائيّ، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، قال: قال رجل لابن عمر، فذكره، واللّفظ لمسلم.

стр. 366

قوله: "كنفه" أي جانبه وناحيته. • عن جابر، عن النبيّ ﷺ في قصة الورود، قال: "نحن يوم القيامة على كذا وكذا -انظر، أي: ذلك فوق الناس- قال: فتُدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد، الأوّل فالأوّل، ثم يأتينا ربُّنا بعد ذلك، فيقول: من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربَّنا. فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: حتى ننظر إليك، فيتجلّى لهم يضحك". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٩١) من طرق عن روح بن عبادة القيسيّ، حدثنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه بسأل عن الورود، فذكر مثله في حديث طويل مخرج بكامله في حديث الصّراط. وقوله: "كذا وكذا - انظر" هذا كلّه تحريف وقع في المتن، كما سبق بيانه في باب الضّحك. • عن عبادة بن الصّامت أنّه قال: إنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّي قد حدّثتكم عن الدّجال حتى خشيتُ أن لا تعقلوا، إنّ مسيح الدّجال رجل قصير أفحج، جعد، أعور مطموس العين، ليس بناتئة ولا حجْراء، فإن ألبس عليكم -قال يزيد: ربُّكم- فاعلموا أنّ ربَّكم ليس بأعور، وأنّكم لن ترون ربَّكم حتى تموتوا". قال يزيد: "تروا ربّكم حتى تموتوا". حسن: رواه الإمام أحمد (٢٢٧٦٤) وولده عبد اللَّه عن أبيه في السنة (١٠٠٧)، وعثمان بن سعيد الدّارميّ في الرّد على الجهمية (١٨٢)، والبزّار في البحر الزّخار (٢٦٨١)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٢٨)، والآجريّ في الشريعة (٨٨١) كلهم من طرق عن بقيّة، قال: حدّثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عمرو بن الأسود، عن جُنادة بن أبي أميّة، أنّه حدّثهم عن عبادة بن الصّامت، فذكره، واللّفظ لأحمد. والحديث سبق ذكره في باب ما جاء بأنّ أحدًا لن يرى اللَّه حتى يموت. • عن عمّار بن ياسر، وكان من دعاء النبيّ ﷺ : "وأسألك لذّةَ النّظرِ إلى وجهك". صحيح: رواه النسائيّ (١٣٠٥) عن يحيى بن حبيب بن عربي، قال: حدّثنا حمّاد، قال: حدّثنا عطاء بن السّائب، فذكره. وصحّحه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (١٢) وعنه ابن حبان في صحيحه (١٩٧١)، والحاكم (١/ ٥٢٤)، والدارميّ في الرّد على الجهمية (١٨٨) كلهم من طريق حماد بن زيد، بإسناده، مثله، في حديث طويل. انظر: إثبات الوجه. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". وهو كما قال فإن عطاء بن السائب ثقة وثقه الأئمة إلا أنه اختلط، ولكن روى حماد بن سلمة

стр. 367

عنه قبل اختلاطه. ورواه النسائيّ (١٣٠٦)، وأحمد (٤/ ٢٦٤)، والطبرانيّ في الدّعاء (٦٢٥) من وجه آخر وفيه شريك وهو ابن عبد اللَّه القاضي سيء الحفظ، ولكن لا بأس به في المتابعات. • عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "يجمع اللَّه الأوّلين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء، قال: وينزل اللَّه في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسيّ، ثم ينادي منادٍ: أيّها الناس ألم ترضوا من ربّكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا أن يولي كل ناس منكم ما كانوا يتولون ويعبدون في الدين؟ أليس ذلك عدلا من ربّكم؟ قالوا: بلى. قال: فلينطلق كلُّ قومٍ إلى ما كانوا يعبدون في الدنيا، قال: فينطلقون ويمثل لهم أشياء ما كانوا يعبدون؛ فمنهم من ينطلق إلى الشّمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر، وإلى الأوثان من الحجارة، وأشباه ما كانوا يعبدون. قال: ويُمثَّل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويُمثّل لمن كان يعبد عزيرًا شيطان عزير، ويبقى محمّد ﷺ وأمّتُه. قال: فيتمثل الرّب فيأتيهم فيقول: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ قال: فيقولون: إن لنا لإلهًا ما رأيناه بعدُ. فيقول: هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: إنّ بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناها؟ قال: فيقول: ما هي؟ فيقولون: يكشف عن ساقه. قال: فعند ذلك كشف عن ساق، فيخرُّ كلُّ من كان نَظَرَه، ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السُّجود فلا يستطيعون وقد كان يُدعون إلى السجود وهم سالمون، ثم يقول: ارفعوا رؤوسكم فيرفعون رؤوسهم فيعطيهم نورَهم على قدر أعمالهم فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين يديه، ومنهم من يعطى نوره أصغر من ذلك، ومنهم من يعطى نورًا مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى نورًا أصغر من ذلك، حتى يكون آخرهم رجلا يعطى نوره على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفئ مرة، فإذا أضاء قدّم قدمه فمشى، وإذا طفئ قام. قال: والربُّ أمامهم حتى يمر في النار فيبقى أثره كحد السيف دحض مزلّة. قال: ويقول: مُرُّوا، فيمرون على قدر نورهم منهم من يمر كطرف العين، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالسحاب، ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمرُّ كالرّيح، ومنهم من يمرُّ كشدّ الفرس، ومنهم من يمرّ كشدّ الرجل، حتى يمر الذي أعطي نوره على إبهام

стр. 368

قدميه يحبو على وجهه ويديه ورجليه تخرّ يد وتعلق يد تخرّ رجل وتعلق رجل ويصيب جوانبه النّار، فلا يزال كذلك حتى يخلص فإذا خلص وقف عليها، ثم قال: الحمد للَّه لقد أعطاني اللَّه ما لم يعط أحدًا أن نجاني منها بعد إذ رأيتها. قال: فينطلق به إلى غدير عند باب الجنة فيغتسل فيعود إليه ريح أهل الجنة وألوانهم فيرى ما في الجنة من خلال الباب، فيقول: ربِّ أدخلني الجنّة. فيقول اللَّه له: أتسأل الجنة وقد نجيتك من النّار؟ فيقول: ربّ اجعل بيني وبينها حجابا. لا أسمع حسيسها. قال: فيدخل الجنة. قال: فيرى أو يرفع له منزلًا أمام ذلك كأنما هو فيه إليه حلم. فيقول: ربّ أعطني ذلك المنزل. فيقول له: فلعلّك إن أعطيتكهـ تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزّتِك لا أسألك غيره، وأيُّ منزل يكون أحسن منه؟ فيعطيه فينزله ويرى أمام ذلك منزلًا كأنما هو فيه إليه حلم، قال: رب أعطني ذلك المنزل فيقول اللَّه له: فلعلك إن أعطيتكهـ تسأل غيره، فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، وأي منزل يكون أحسن منه، قال: فيعطى منزله، قال: ويرى أو يرفع له أمام ذلك منزل آخر كأنما هو إليه حلم، فيقول: أعطني ذلك المنزل. فيقول اللَّه ﷻ : فلعلّك إنْ أعطيُتكَهُ تسأل غيره؟ قال: لا وعزّتِك لا أسألُك غيره وأيُّ منزلٍ يكون أحسن منه. قال: فيُعطاه فينزله، ثم يسكت، فيقول اللَّه : ما لك لا تسأل؟ فيقول: ربّ لقد سألتُك حتى استحييتك وأقسمت لك حتى استحييتك. فيقول اللَّه تعالى: ألم ترضَ أن أعطيك مثل الدّنيا منذ خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافه؟ فيقول: أتستهزئ بي وأنت ربُّ العِزّة، فيضحك الرّبُّ من قوله. -قال: فرأيت عبد اللَّه بن مسعود إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك. فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن قد سمعتك تحدّث هذا الحديث مرارًا كلما بلغت هذا المكان ضحكتَ؟ - فقال: إنّي سمعت رسول اللَّه ﷺ يحدِّثُ هذا الحديث مرارًا كلّما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضَحِك حتى تبدو أضراسه. قال: فيقول الرّبُّ : لا ولكني على ذلك قادر سَلْ، فيقول: ألحقني بالناس، فيقول: إلحق النّاس. قال: فينطلق يرمل في الجنة حتى إذا دنا من النّاس، رفع له قصر من درّة فيخر ساجدًا. فيقال له: ارفع رأسك، مالك؟ فيقول: رأيت ربّي أو تراءى لي ربّي! فيقال له: إنّما هو منزل من منازلك. قال: ثم يلقى رجلًا فيتهيأ للسجود له، فيقال له: مَهْ مالك؟ فيقول رأيت أنك ملَك من الملائكة، فيقول: إنما أنا خازن من

стр. 369

خزّانك، عبد من عبيدك تحت يدي ألف قهرمان على مثل ما أنا عليه. قال: فينطلق أمامه حتى يفتح له القصر قال وهو في درّة مجوفة سقائفها وأبوابها وأغلاقها ومفاتيحها منها تستقبله جوهرة، جوهرة خضراء مبطنة بحمراء، كل جوهرة تفضي إلى جوهرة على غير لون الأخرى، في كلّ جوهرة سرر وأزواج ووصائف أدناهن حوراء عيناء عليها سبعون حلة، يُرى مخُّ ساقها من وراء حللها، كبدها مرآته وكبده مرآتها إذا أعرض عنها إعراضة ازدادتْ في عينه سبعين ضعفًا عمّا كانت قبل ذلك، وإذا أعرضتْ عنه إعراضة ازداد في عينها سبعين ضعفًا عمّا كان قبل ذلك. فيقول لها: واللَّه لقد ازددت في عيني سبعين ضعفًا! وتقول له: وأنت واللَّه لقد ازددت في عيني سبعين ضعفًا! فيقال له: أَشْرِفْ. قال: فيُشْرِفُ، فيقال له: ملكك مسيرة مائة عام ينفذه بصره". قال: فقال عمر: ألا تسمع ما يحدّثنا ابنُ أمِّ عبد يا كعب عن أدنى أهل الجنة منزلًا، فكيف أعلاهم؟ فقال كعب: يا أمير المؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت إنّ اللَّه جعل دارًا فجعل فيها ما شاء من الأزواج والثّمرات والأشربة ثم أطبقها ثم لم يرها أحد من خلقه لا جبريل ولا غيره من الملائكة ثم قرأ كعب: قال: وخلق دون ذلك جنتين وزينهما بما شاء وأراهما من شاء من خلقه. ثم قال: مَنْ كان كتابه في عليين نزل تلك الدّار التي لم يرها أحدٌ، حتّى إنّ الرّجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه فما تبقى خيمة من خيم الجنّة إلا دخلها من ضوء وجهه فيستبشرون بريحه فيقولون واها لهذا الريح، هذا رجل من أهل عليين قد خرج يسير في ملكهـ فقال: ويحك يا كعب، إنّ هذه القلوب قد استرسلتْ واقبضها. فقال كعب: والذي نفسي بيده! إنّ لجهنّم يوم القيامة لزفرة ما من ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا يخر لركبتيه حتى إنّ إبراهيم خليل اللَّه ليقول: ربّ نفسي نفسي، حتى لو كان لك عمل سبعين نبيًّا إلى عملك لظننتَ أنّك لا تنجو. حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (٩/ ٤١٦ - ٤٢١) من طريقين: عن علي بن عبد العزيز، ثنا أبو غسان، ثنا عبد السلام بن حرب، عن أبي خالد الدّالانيّ، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن مسروق، عن عبد اللَّه بن مسعود. ح وعن محمد بن النّضر الأزديّ وعبد اللَّه بن أحمد بن حنبل والحضرميّ قالوا: ثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحرانيّ، ثنا محمد بن سلمة الحرانيّ، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي

стр. 370

أنيسة، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد اللَّه، عن مسروق بن الأجدع، ثنا عبد اللَّه بن مسعود، فذكره. والحديث في كتاب السنة (١٢٠٣) لعبد اللَّه بن أحمد. ورواه ابن منده في التوحيد (٥٣١) من وجهين آخرين عن إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، بإسناده، مثله. قال ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٤٦٨): "عندنا حديث عبد اللَّه بن مسعود بإسنادين متصلين، فروي من طريق أبي غسان وهو مالك بن إسماعيل البصريّ بإسناده مختصرًا. والإسناد الثاني هو ما رواه عن محمد بن بشار، قال: حدثني يحيى وقرأه عليَّ من كتابي - قال: حدثنا سفيان، حدثنا سلمة -وهو ابن كُهيل- عن أبي الزّعراء، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكر الحديث مختصرًا. وإلى هذا أشار ابن منده في كتاب التوحيد (٣/ ١٢٣) وقال: "عن ابن مسعود وفيه: "فتمثّل اللَّه للخلق ثم يأتيهم في صورته" وروى هذا الحرف أبو هريرة وأبو سعيد". ونقله الذهبيّ في "العلو" (٢٠١) مثله ولم يعزه إلى ابن منده. قلت: وحديث أبي هريرة وأبي سعيد مر قبل هذا في هذا الباب. وأبو عبد الرّحيم هو خالد بن أبي يزيد بن سماك الأموي مولاهم. وصحّحه أيضًا الحاكم (٤/ ٥٨٩ - ٥٩٢) وقال: "رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات غير أنهما لم يخرّجا أبا خالد الدّالانيّ في الصحيحين لما ذكر من انحرافه عن السنة في ذكر الصّحابة. فأمّا الأئمّة المتقدّمون فكلّهم شهدوا لأبي خالد بالصّدق والإتقان، والحديث صحيح ولم يخرجاه، وأبو خالد الدالانيّ ممن يُجمع حديثُه في أئمّة أهل الكوفة". وتعقّبه الذّهبيُّ بقوله: "ما أنكرَه حديثًا! على جودة إسناده، وأبو خالد شيعيٌّ منحرف". وأمّا في "العلو" (٢٠٠) فحسّن إسناده مطلقًا. قلت: وأبو خالد الدّالانيّ اسمه يزيد بن عبد الرحمن الأسديّ الكوفيّ، قال فيه ابن معين والنسائيّ: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وتكلّم فيه ابن حبان، ولكن شيخه ابن خزيمة أخرج عنه وأقرّ به. ثم هو تُوبع في الإسناد الثاني، إلا أن ما ذكر من السجود لغير اللَّه ففيه نكارة لأن من لم يسجد لغير اللَّه في الدنيا كيف يسجد لغير اللَّه في الآخرة. • عن أبي رَزين، قال: قلت: يا رسول اللَّه، أنرى اللَّه يوم القيامة؟ وما آيةُ ذلك في خلقه؟ قال: "يا أبا رزين، أليس كلّهم يرى القمر مُخْليًا به؟ " قال: قلت: بلى. قال: "فاللَّه أعظم وذلك آية في خلقه".

стр. 371

حسن: رواه أبو داود (٤٧٣١) من طريق شعبة، وابن ماجه (١٨٠) من طريق حمّاد بن سلمة - كلاهما عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حُدُس، عن عمّه أبي رزين، فذكره. وصحّحه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٣٥٩، ٣٦٠)، فرواه من طريقين، وابن حبان في صحيحه (٦١٤١)، والحاكم (٤/ ٥٦٠)، وأحمد (١٦١٨٦) كلهم من طريق حماد بن سلمة وحده، بإسناده مثله. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". وأقرّه الذّهبيُّ وقال: "رواه شعبة عن يعلى، واسم أبي رزين لقيط بن عامر". إلّا أنّ ابن حبان زاد في الحديث السؤالَ الثاني وهو قول أبي رزين: قال: قلت: يا رسول اللَّه، أين كان ربُّنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: "في عماء، ما فوقه هواء، وما تحته هواء". وهذا الجزء الثاني رواه الترمذيّ (٣١٠٩) من طريق حمّاد بن سلمة، بإسناده وزاد في آخره: "وخلق عرشه على الماء". وقال: "هذا حديث حسن". قلت: وهو كما قال، فإن إسناده حسن من أجل وكيع بن حُدس -بالحاء- كما قال حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء. وقال شعبة وأبو عوانة وهُشيم: وكيع بن عُدس -بالعين- ورجّح الإمام أحمد بأن الصّواب هو حُدس -بالحاء- نقله عنه ولده عبد اللَّه في مسند أبيه (١٦١٨٩). ثم هو "مجهول الحال" كما قال ابن القطّان. وقال الذهبيّ: "لا يُعرف" لأنه لم يرو عنه غير يعلى بن عطاء. ولكنه ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٤٩٦) ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول" أي حيث يتابع، وقد توبع في الجملة في حديث طويل ولكن فيه رجال لا يعرفون. وأنقل هنا هذا الحديث الطّويل، ثم أذكره مفرقًا في أماكنه حسب الموضوع، ولا أذكره كاملًا في مكان آخر. عن عاصم بن لقيط: أنّ لقيط بن عامر خرج وافدًا إلى رسول اللَّه ﷺ ومعه صاحب له يقال له: نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق. قال لقيط: فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول اللَّه ﷺ لانسلاخ رجب، فأتينا رسول اللَّه ﷺ فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في النّاس خطيبًا فقال: "أيها الناس ألا إنّي قد خبّأت لكم صوتي منذ أربعة أيام، ألا لأسمعنكم، ألا فهل من امرئ بعثه قومُه؟ ". فقالوا: اعْلَم لنا ما يقولُ رسولُ اللَّه ﷺ . "ألا ثمّ لعلّه أن يُلهيه حديثُ نفسه، أو حديثُ صاحبه، أو يلهيه الضلال، ألا إني مسؤولٌ، هل بلّغتُ؟ ألا اسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا، ألا اجلسوا". قال: فجلس الناسُ، وقمتُ أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره، قلت: يا رسول اللَّه ما عندك من علم الغيب؟ فضحك لعمرُ اللَّه، وهز رأسه، وعلم أني أبتغي لسَقَطِه، فقال: "ضنَّ ربُّك بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا اللَّه" وأشار بيده -فقلت: وما هي؟

стр. 372

قال: "علم المنية، قد علم مني منيةُ أحدكم ولا تعلمونه، وعلم المني حين يكون في الرحم قد علمه ولا تعلمونه، وعلم ما في غد قد علم ما أنت طاعم غدا ولا تعلمه، وعلم يوم الغيث يشرف عليكم أَزِلين أَزلين مشفقين، فيظلُ يضحك، قد علم أن غِيَرَكم إلى قُرْبٍ". قال لقيط: قلتُ: لن نَعْدَمَ من ربٍّ يضحك خيرًا، "وعلم يوم السّاعة". قلت: يا رسول اللَّه! علّمنا مما تُعلِّم الناس وما تعلم، فإنا من قبيل لا يصدّق تصديقنا أحد، من مَذْحِج التي تربأُ علينا، وخثعم التي توالينا، وعشيرتنا التي نحن منها. قال: "تلبثون ما لبثْتُم، ثم يُتوفّى نبيُّكم، ثم تلبثون ما لبثتم، ثم تبعثُ الصّائحةُ، فلَعَمْرُ إلهك ما تدعُ على ظهرها من شيء إلّا مات، والملائكة الذين مع ربّك ، فأصبح ربُّك يطوف في الأرض، وخَلَتْ عليه البلاد، فأرسل ربُّك السّماء تهضِب من عند العرش، فَلَعَمْرُ إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل، ولا مدفن ميت إلا شقّتِ القبرَ عنه حتى تجعله من عند رأسه، فيستوي جالسًا، فيقولُ ربُّك: مَهْيَمْ، لما كان فيه، يقول: يا ربّ، أمس، اليوم، ولعهده بالحياة يحسبه حديثًا بأهله". فقلت: يا رسول اللَّه! فكيف يجمعنا بعد ما تمزُقُنا الرّياح والبِلى والسِّباع؟ قال: "أنبئك بمثل ذلك في آلاء اللَّه: الأرضُ أشرفتَ عليها وهي مدرة بالية. فقلتَ: لا تحيا أبدًا. ثم أرسل اللَّهُ عليها السماء فلم تلبث عليك إلا أيامًا حتى أشرفتَ عليها وهي شَرَبةٌ واحدةٌ، ولَعَمْرُ إلهك لهو أقدرُ على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض، فتخرجون من الأصواء، ومن مصارعكم، فتنظرون إليه وينظر إليكم". قال: قلت: يا رسول اللَّه، وكيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد ننظر إليه وينظر إلينا؟ قال: "أنبئك بمثل ذلك في آلاء اللَّه : الشّمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة ولا تضارّون في رؤيتهما، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما ويريانكم لا تضارون في رؤيتهما". قلت: يا رسول اللَّه، فما يفعل بنا ربُّنا إذا لقيناه؟ قال: "تعرضون عليه باديةً له صفحاتُكم، لا يخفى عليه منكم خافيةٌ، فيأخذُ ربُّك بيده غَرْفَة من الماء، فينضحُ قَبِيْلَكُم بها، فَلَعَمْرُ إلهك ما تُخْطِئُ وجَه أحدكم منها قطرةٌ، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الرّيطة البيضاء، وأما الكافر فتخطمه مثل الحميم الأسود، ألا ثم ينصرف نبيُّكم ﷺ ، ويفترق على أثره الصّالحون، فيسْلُكون جِسْرًا من النار، فيطأ أحدكم الجمر يقول: حَسَّ! يقول ربُّك : أوانه، ألا فتطلعون على حوض الرسول على أظمأ -واللَّه- ناهلةٍ قطّ ما رأيتها، فلعمرُ إلهك ما يبسط واحد منكم يده إلا وقع عليها قَدَحٌ يطهره من الطَّوْف والبول والأذى، وتُحْبَسُ الشّمسُ والقمرُ، ولا ترون منهما واحدًا". قال: قلت: يا رسول اللَّه فبمَ نبصر؟ قال: "بمثل بصرك ساعتك هذه، وذلك قبل طلوع الشمس في يوم أشرقت الأرض واجهت به الجبال". قال: قلت: يا رسول اللَّه، فبمَ نجزى من سيئاتنا وحسناتنا؟ قال: "الحسنة بعشرة أمثالها، والسيئة بمثلها إلا أن يعفُوَ". قال: قلت: يا رسول اللَّه، أما الجنة أما النار؟ قال: "لَعَمْرُ إلهك إنّ للنار لسبعةَ أبواب ما منهن بابان إلّا يسير الرّاكب بينهما سبعين عامًا، وإنّ للجنّة لثمانيةَ أبواب ما منهن بابان إلّا يسير الرّاكب بينهما سبعين

стр. 373

عامًا". قلت: يا رسول اللَّه، فعلامَ نطلع من الجنة؟ قال: "على أنهار من عسل مصفى، وأنهار من كأس ما بها من صُداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمُه، وماء غير آسن، وبفاكهة، لعَمْرُ إلهك ما تعلمون، وخير من مثله معه، وأزواج مطهّرة". قلت: يا رسول اللَّه أو لنا فيها أزواج أو منهن مصلحات؟ قال: "الصالحات للصّالحين تلذُّونَهُنّ مثل لذّاتكم في الدّنيا، ويلذذن بكم غير أن لا توالد". قال لقيط: فقلت: أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه؟ فلم يجبه النبيُّ ﷺ . قلت: يا رسول اللَّه، على ما أبايعك؟ قال: فبسط النبي ﷺ يده وقال: "على إقام الصّلاة وإيتاء الزكاة، وزيال المشرك، وأن لا تشرك باللَّه إلهًا غيره". قلت: وإن لنا ما بين المشرق والمغرب؟ فقبض النّبي ﷺ يده، وظنّ أني مشترط شيئا لا يُعطينيه. قال: قلت: نحلُّ منها حيث شئنا، ولا يجني امرؤ إلا على نفسه، فبسط يده، وقال: "لك ذلك تَحُلُّ حيث شئتَ، ولا يجني عليك إلا نفسُك". قال: فانصرفنا عنه، ثم قال: "إنّ هذَيْن لَعَمْرُ إلهك من أتقى الناس في الأولى والآخرة". فقال له كعب بن الخدارية؛ أحدُ بني بكر بن كلاب: مَنْ هم يا رسول اللَّه؟ قال: "بنو المنتفق أهل ذلك". قال: فانصرفنا وأقبلتُ عليه، فقلت: يا رسول اللَّه، هل لأحد ممن مضى من خير في جاهليتهم؟ قال: قال رجل من عُرْضِ قريش: واللَّه إنّ أباك المنتفق لفي النّار. قال: فلكأنّه وقع حر بين جلدي ووجهي ولحمي مما قال لأبي على رؤوس النّاس، فهممت أن أقول: وأبوك يا رسول اللَّه؟ ثم إذا الأخرى أجمل، فقلتُ: يا رسول اللَّه، وأهلك؟ قال: "وأهلي لَعَمْرُ اللَّه ما أتيتَ عليه من قبر عامريّ، أو قرشيّ من مشرك قُلْ: أرسلني إليك محمّدٌ، فأبشرُكَ بما يسوؤك، تُجَرُّ على وجهك وبطنك في النّار". قال: قلت: يا رسول اللَّه ﷺ ، ما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلّا إيّاه، وكانوا يحسبون أنهم مصلحون؟ قال ﷺ : "ذلك لأن اللَّه بعث في آخر كلِّ سَبْع أُمم -يعني- نبيًّا، فمن عصى نبيَّه كان من الضّالين، ومن أطاع نبيَّه كان من المهتدين". أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في مسند أبيه (١٦٢٠٦)، وفي كتابه "السنة" (١١٢٠) قال: "كتب إليَّ إبراهيم بن حمزة الزبيريّ: كتبتُ إليك بهذا الحديث، وقد عرفته وسمعته على ما كتبت به إليك، فحدِّث بذلك عني، حدّثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزاميّ، حدثني عبد الرحمن بن عياش السمعيّ الأنصاريّ القبائيّ -من بني عمرو بن عوف- عن دُلهم بن الأسود بن عبد اللَّه بن حاجب بن عامر ابن المنتفق العقيليّ، عن أبيه، عن عمّه لقيط بن عامر. قال دُلْهم: وحدثنيه ابن أبي الأسود، عن عاصم بن لقيط، أنّ لقيطًا خرج وافدًا إلى رسول اللَّه ﷺ ومعه صاحب له يقال له: نُهيل بن عاصم ابن مالك بن المنتفق. قال لقيط: فخرجتُ وصاحبي حتى قدمنا على رسول اللَّه ﷺ المدينة انسلاخ رجب، فأتينا رسول اللَّه ﷺ حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في الناس خطيبًا، فقال (فذكر الحديث). ولقيط هو أبو رزين العقيليّ. ورواه الطبراني في الكبير (١٩/ ٢١١)، وصحّحه ابن خزيمة في التوحيد (٣٨٢)، والحاكم (٤/

стр. 374

٥٦٠) كلهم من طريق عبد الرحمن بن المغيرة، بإسناده، مع أغلاط وقعتْ في المستدرك في قلب الأسانيد. قال الحاكم: "هذا حديث جامع في الباب، صحيح الإسناد كلّهم مدنيّون". وتعقبّه الذهبي فقال: "يعقوب بن محمد بن عيسى الزهريّ ضعيف". وهو الرّاوي عن عبد الرحمن بن المغيرة، وقد توبع كما في رواية عبد اللَّه بن أحمد، وابن أبي عاصم في "السّنة" (٥٢٤، ٦٣٦) إلّا أنّ فيه: "عن دلهم بن الأسود، عن جدّه". بدل "عن أبيه". وذكره الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٣٤٠) وقال: "رواه عبد اللَّه، والطبراني بنحوه، وأحد طريقي عبد اللَّه إسنادها متصل، ورجالها ثقات". وهو يقصد بقوله: "ثقات" توثق ابن حبان، وإلّا فعبد الرحمن بن عياش وشيخه دُلهم، وأبوه أسود لا يعرفون إلّا بهذا الإسناد. وقال الذّهبيّ: "دلهم بن الأسود، وجدّه عبد اللَّه بن حاجب لا يُعرفان". وعبد الرحمن بن عايش ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحافظ في "التقريب": "مقبول". أي إذا توبع وإلّا فليّن الحديث. وقد توبع على قوله: "لن نعدم من رب يضحك خيرًا يا رسول اللَّه"، كما سبق في باب الضّحك. وأمّا الحافظ ابن القيم فقوّى هذا الحديث قائلًا في "زاد المعاد" (٣/ ٦٧٧): "هذا حديث كبير جليل، تنادي جلالتُه وفخامتُه وعظمتُه على أنّه قد خرج من مشكاة النّبوة، لا يُعرف إلّا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدنيّ، رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيريّ وهما من كبار علماء المدينة، ثقتان محتجّ بهما في الصحيح، احتجّ بهما إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاريّ، ورواه أئمة السنة في كتبهم، وتلقوه بالقبول، وقابلوه بالتّسليم والانقياد، ولم يطعن منهم فيه ولا في أحد من رواته". فذكر من أخرجه منهم عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، وابن أبي عاصم في السنة (٤٥٩، ٤٦٠)، وأبو أحمد العسال في "المعرفة" والطبراني -كما مضى-، وأبو الشيخ في "السنة"، وابن منده، وأبو نعيم الأصبهانيّ. وقال: "جماعة من الحفّاظ سواهم يطول ذكرهم. . . إلخ". واللَّه أعلم. وقوله: "تهضِبُ" أي تُمطر، والأصواء: القبور. والشَّرَبة -بفتح الرّاء-: الحوض الذي يجتمع فيه الماء، وبالسّكون والياء: الحنظلة، يريد أنّ الماء قد كثر، فمن حيث شئت تشرب. وعلى رواية السكون والياء: يكون قد شبّه الأرض بخُضرتها بالنّبات بخضرة الحنظلة واستوائها. وقوله: "حس": كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه غفلةً ما يحرقه أو يؤلمه. قال الأصمعيّ: وهي مثل أوه. وقوله: يقول ربُّك : "أو أنه". قال ابن قتية: فيه قولان: أحدهما: أن يكون "أنه"

стр. 375

بمعنى "نعم". والآخر: أن يكون الخبر محذوفًا كأنه قال: أنتم كذلك، أو أنّه على ما يقول. وفي الحديث: لا "يُصَلِّ أحدُكم، وهو يدافع الطَّوْف والبَوْل". والطّوف: الغائط. والجسر: الصّراط. وقوله: "فيقول ربُّك. مَهيم". أي: ما شأنُك وما أمرُك، وفيم كنتَ. وقوله: "يشرف عليكم أَزْلين": الأزْل -بسكون الزّايْ- الشّدة، والأَزِل على وزن كَتِف: هو الذي قد أصابه الأزل، واشتد به حتى كاد يقنط. وقوله: "فيظلّ يضحك" هو من صفات أفعاله التي لا يشبهه فيها شيءٌ من مخلوقاته، كصفات ذاته، وقد وردت هذه الصّفة في أحاديث كثيرة لا سبيل إلى ردّها، كما لا سبيل إلى تشبيهها وتحريفها، وكذلك "فأصبح ربُّك يطوف في الأرض"، هو من صفات فعله، كقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [سورة الفجر: ٢٢]. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [سورة الأنعام: ١٥٨]، و"ينزلُ ربُّنا كلَّ ليلةٍ إلى السّماء الدُّنيا"، و"يدنُو عشيّة عرفة، فيباهي بأهلِ الموقف الملائكة". والكلام في الجميع صراط واحد مستقيم، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تحريف وتعطيل". وقوله: "والملائكة الذين عند ربّك": لا أعلم موت الملائكة جاء في حديث صريح إلّا هذا، وحديث إسماعيل بن رافع الطّويل، وهو حديث الصُّور، وقد يستدل عليه بقوله تعالى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة الزمر: ٦٨] ". انتهى بما في الزاد. وفي الباب ما رُوي عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ أدنى أهل الجنّة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسروره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على اللَّه من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيّة". ثم قرأ رسول اللَّه ﷺ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة: ٢٢ - ٢٣] ". رواه الترمذيّ (٢٥٥٣)، وأحمد (٢/ ١٣)، وابن منده في الرّد على الجهميّة (٩١)، وصحّحه الحاكم (٢/ ٥٠٩ - ٥١٠) كلهم من طريق ثوير بن أبي فاختة، عن ابن عمر، فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث مفسر في الرد على المبتدعة، وثوير بن أبي فاختة وإن لم يخرجاه، فلم يُنقم عليه غير التشيّع". وتعقبه الذهبي فقال: "بل هو واهي الحديث". وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٤٠١) فقال: "وفي أسانيدهم ثوير بن أبي فاختة، وهو مجمع على ضعفه". وفي الباب ما رُوي أيضًا عن أبي موسى الأشعريّ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "يجمعُ اللَّه الأمم في صعيد واحد يوم القيامة، فإذا بدا للَّه أن يصْدع بين خلقه، مُثِّل لكلِّ قوم ما كانوا يعبدون، فيتبعونهم حتى يُقَحِّمونهم النّار، ثم يأتينا ربُّنا ونحن على مكان رفيع، فيقول: من أنتم؟ فنقول: نحن المسلمون. فيقول: ما تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربَّنا ".

стр. 376

قال: "فيقول: وهل تعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم. فيقول: كيف تعرفونه ولم تروه؟ فيقولون: نعم، إنّه لا عِدْل له. فيتجلّى لنا ضاحكًا يقول: أبشروا أيّها المسلمون، فإنّه ليس منكم أحدٌ إلّا جعلتُ مكانه في النار يهوديًّا أو نصرانيًّا". رواه الإمام أحمد (١٩٦٥٤)، والآجريّ في الشريعة (٦٠٧)، وابن خزيمة (٤٦٤)، والدارميّ في الرّد على الجهمية (١٨٠) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عُمارة، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعريّ، فذكر مثله، واللّفظ لأحمد. وفي لفظ عند الدّارميّ ونحوه عند الآجريّ عن عمارة القرشيّ أنه كان عند عمر بن عبد العزيز، فأتاه أبو بردة بن أبي موسى الأشعريّ، فقضى له حوائجه، فلما خرج رجع. فقال عمر: أذكر الشيخ؟ فقال له عمر: ما ردّك؟ ألم تقضِ حوائجك؟ قال: بلى، ولكن ذكرتُ حديثًا حدثناه أبو موسى الأشعريّ، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال (فذكر الحديث). وفيه علّتان: الأولى: علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف عند جماهير أهل العلم. والثانية: شيخه عمارة وهو القرشيّ، نقل الذهبي عن الأزديّ أنه قال: "ضعيف جدًّا. روى عنه علي بن زيد بن جدعان وحده"، وأورد جزءًا من الحديث المذكور. الميزان (٣/ ١٧٨). ولكن لبعض فقراته شواهد صحيحة، مثل قوله: "أبشروا أيّها المسلمون، فإنّه ليس منكم أحدٌ إلّا جعلتُ مكانه في النار يهوديًّا أو نصرانيًّا". رواه مسلم في التوبة (٢٧٦٧) من وجه آخر عن عون وسعيد بن أبي بردة، حدّثاه أنّهما شهدا أبا بردة يُحدّث عمر بن عبد العزيز، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ قال: "لا يموت رجل مسلم ولا أدخل اللَّه مكانه النار يهوديًّا أو نصرانيًّا". قال: فاستحلفه عمر بن عبد العزيز باللَّه الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات، أن أباه حدّثه عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: فحلف له، قال: فلم يحدّثني سعيد أنه استحلفه ولم ينكر على عون قوله. قال ابن خزيمة رحمه اللَّه تعالى: "إنّ اللَّه إنّما تراءى لهذه الأمة برّها وفاجرها ومنافقها بعد ما تساقط أولئك في النار، فاللَّه تعالى كان محتجبًا عن جميعهم لم يره منهم أحد، كما قال تعالى ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [سورة المطففين: ١٤ - ١٧]، فأعلمنا أن مَنْ حُجب عنه يومئذ هم المكذِّبون بذلك في الدنيا، ألا تسمع قوله تعالى: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. وأمّا المنافقون، فإنّما كانوا يكذّبون بذلك بقلوبهم، ويقرّون به بألسنتهم رياءٌ وسُمعةٌ، فقد تراءى لهم رؤية امتحان واختبار، وليكون حجبه إياهم بعد ذلك عن رؤيته حسرة عليهم وندامة، إذ لم يصدّقوا به بقلوبهم وضمائرهم، ويوعده ووعيده، وما أمر به ونهى عنه، وبيوم الحسرة والنّدامة".

стр. 377

٥٤ - باب ما رُوي: المؤمن يرى بنور اللَّه. . . لم يصح شيءٌ في هذا الباب وأمّا ما رُوي عن أبي سعيد الخدريّ مرفوعًا: "اتقوا فِراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللَّه". ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]. فهو ضعيف. رواه الترمذيّ (٣١٢٧) من طريق عطية، عن أبي سعيد. وقال: "هذا حديث غريب، إنّما نعرفه من هذا الوجه". قلت: عطية هو ابن سعد العوفيّ ضعيف، يدلّس عن الضعفاء، وقد ثبت تدليسه عن أبي سعيد الكلبي وغيره من المتروكين. وقد رُوي هذا الحديث أيضًا عن عدد من الصّحابة منهم: أبو أمامة الباهليّ، وأبو هريرة، وعبد اللَّه بن عمر، وثوبان، وغيرهم. وأمثلها حديث أبي أمامة. رواه الطبرانيّ في الكبير (٧٤٩٧) من طريق عبد اللَّه بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة. وفيه عبد اللَّه بن صالح وهو كاتب اللّيث قال فيه الإمام أحمد: كان متماسكًا ثم فسد، وقال أبو حاتم: أرى الأحاديث التي أنكرت عليه مما افتعل خالد بن نُجيح، وكان يصحبه، ولم يكن أبو صالح ممن يكذب، وكان رجلًا صالحًا. وقال النسائيّ: ليس بثقة، ومشّاه يحيى بن معين وغيره. قلت: لقد انفرد أبو صالح بهذا الحديث، فلا يبعد أن يكون مما افتعله خالد بن نجيح ودسّه في كتبه، فحدّث به وهو لا يدري مع ما يحمله متن الحديث من النّكارة في الألفاظ. وفي الباب أيضًا حديث ثوبان وأبي الدّرداء وغيرهم، قال السّخاويّ في "المقاصد الحسنة" (٢٣): "وكلّها ضعيفة". وضعّف الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلّميّ في تعليقه على الفوائد المجموعة (ص ٢٢١) حديث ابن عمر، وأبي سعيد، وأبي أمامة، وثوبان، وأنس فراجعه. ٥٥ - باب ما يخالف التوحيد الخالص • عن عديّ بن حاتم، أنّ رجلًا خطب عند النبيّ ﷺ فقال: "من يطع اللَّه ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول اللَّه ﷺ : "بئس الخطيب أنتَ! قل: ومن يعصِ اللَّه ورسوله". صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٧٠) من طريق وكيع، عن سفيان، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن تميم بن طرفة، عن عدي بن حاتم، فذكره.

стр. 378

٥٦ - باب النّهي عن أن يقال: ما شاء اللَّه وشئت، خوفًا من التسوية بينهما • عن الطُّفيل بن سَخْبرة -أخي عائشة لأمّها- قال: إنّ رجلًا من المسلمين رأى في النوم أنّه لقي رجلًا من أهل الكتاب فقال: نعم القومُ أنتم لولا أنّكم تشركون، تقولون: ما شاء اللَّه وشاء محمّد. وذكر ذلك للنبيّ ﷺ فقال: "أما واللَّه إن كنتُ لأعرفها لكم. قولوا: ما شاء اللَّه، ثم شاء محمّد". صحيح: رواه ابن ماجه (٢١١٨ المكرر) عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدّثنا أبو عوانة، عن عبد الملك، عن ربعي بن حراش، عن الطّفيل بن سخبرة، فذكره. وإسناده صحيح، ورجاله ثقات غير أن عبد الملك بن عمير وهو ثقة قد تغيّر حفظه، واختلف عليه، فرواه أبو عوانة عنه هكذا، وتابعه على ذلك: حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عمير، بإسناده. رواه الإمام أحمد (٢٠٦٩٤) عن بهز وعفّان، قالا: حدّثنا حماد بن سلمة، بإسناده، وهذا لفظه: عن طفيل بن سَخْبرة أخي عائشة لأمّها: أنّه رأى فيما يرى النائمُ، كأنه مرّ برهط من اليهود، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود. قال: إنّكم أنتم القوم لولا أنّكم تزعمون أنّ عُزيرًا ابنُ اللَّه! فقالت اليهود: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء اللَّه وشاء محمد! . ثم مرّ برهط من النّصارى فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن النّصارى، فقال: إنّكم أنتم القوم، لولا أنّكم تقولون: المسيح ابنُ اللَّه! قالوا: وأنتم القوم لولا أنّكم تقولون: ما شاء اللَّه وما شاء محمد! فلمّا أصبح أخبر بها مَنْ أخبر، ثم أتى النّبيَّ ﷺ فأخبره، فقال: "هل أخبرتَ بها أحدًا". قال عفّان: قال: نعم، فلمّا صلَّوا خَطَبهم، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: "إنّ طُفيلًا رأى رؤيا فأخبرَ بها مَنْ أخبر منكم، وإنّكم كنتم تقولون كلمةً كان يمنعني الحياءُ منكم أن أنهاكم عنها". قال: "لا تقولوا: ما شاء اللَّه وما شاء محمد". رواه الدّارميّ في سننه (٢٧٤١) عن يزيد بن هارون، عن شعبة، عن عبد الملك بن عُمير بإسناده مختصرًا. وذكره البخاريّ في التاريخ الكبير (٤/ ٣٦٣) في ترجمة طفيل أخي عائشة، فقال: "قال علي بن نصر: وهو طفيل بن سخبرة بن جرثومة بن عثمان وأمّهما أم رومان من كنانة". ثم ذكر الحديث من طريق شعبة، بإسناده مختصرًا، ورجّحه على رواية سفيان، عن عبد الملك، عن ربعي، عن حذيفة. قلت: وخالفهم جميعًا فرواه سفيان بن عيينة، عن عبد الملك، عن ربعيّ، عن حذيفة، قال: أتى رجلٌ النبيّ ﷺ فقال: إنّي رأيت في المنام أني لقيتُ بعض أهل الكتاب فقال: نعم القومُ أنتم لولا أنّكم تقولون: ما شاء اللَّه وشاء محمد! فقال النبيُّ ﷺ : "قد كنتُ أكرهها منكم، فقولوا: ما شاء اللَّه، ثم شاء محمد".

стр. 379

رواه الإمام أحمد (٢٣٣٣٩)، وابن ماجه (٢١١٨) من طريق سفيان بن عيينة، بإسناده، مثله. وكذلك خالفهم معمر فرواه عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، قال: رأى رجلٌ من أصحاب النبيّ ﷺ في النوم أنه لقي قومًا من اليهود، فأعجبتْهُ هيئتُهم فقال: إنّكم لقومٌ لولا أنكم تقولون: عزيرٌ ابنُ اللَّه! فقالوا: وأنتم قومٌ لولا أنّكم تقولون: ما شاء اللَّه وشاء محمد، قال: ولقي قومًا من النّصارى، فأعجبتْهُ هيئتُهم، فقال: إنّكم قومٌ لولا أنّكم تقولون: المسيح ابنُ اللَّه، فقالوا: وأنتم قومٌ لولا أنّكم تقولون: ما شاء اللَّه وشاء محمد، فلما أصبح، قصَّ ذلك على النبيّ ﷺ ، فقال النبيُّ ﷺ : "كنتُ أسمعها منكم فتؤذونني، فلا تقولوا: ما شاء اللَّه وشاء محمد". والذي يظهر من دراسة طرق هذا الحديث أنّ الذي رأى في المنام هو الطّفيل أخو عائشة أمّ المؤمنين، وسمعه منه حذيفة وجابر بن سمرة، ولكن الرواة لم يحفظوا اسمه لقلّة روايته فأبهموه، ومن الخطأ أن يجعل هذا الحديث من مسند حذيفة أو جابر بن سمرة، واللَّه تعالى أعلم. • وعن قُتَيْلة امرأة من جهينة، أنّ يهوديًّا أتى النّبيَّ ﷺ فقال: إنّكم تندِّدون وإنّكم تشركون تقولون: ما شاء اللَّه وشئتَ! وتقولون: والكعبةِ! . فأمرهم النبيُّ ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: "وربِّ الكعبة"، ويقولوا: "ما شاء اللَّه ثم شئت". صحيح: رواه النسائيّ (٣٧٧٣) عن يوسف بن عيسى، حدثنا الفضل بن موسى، حدثنا مسعر، عن معبد بن خالد، عن عبد اللَّه بن يسار، عن قتيلة، فذكرته. وإسناده صحيح. وقد صحّحه أيضًا الحافظ في "الإصابة" بعد أن عزاه إلى النسائي. ورواه أحمد (٢٧٠٩٣) عن يحيى بن سعيد، قال: حدثنا المسعودي، قال حدثني معبد بن خالد، بإسناده، وهذا لفظه: عن قتيلة بنت صيفي الجهنية، قالت: أتى حَبرٌ من الأحبار إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا محمد، نعم القومُ أنتم، لولا أنّكم تُشركون، قال: "سبحان اللَّه، وما ذاك؟ ". قال: تقولون إذا حلفتم: والكعبة. قالت: فأمهل رسولُ اللَّه ﷺ شيئًا ثم قال: "إنّه قد قال، فمن حلف فلْيحلِف بربِّ الكعبة". ثم قال: يا محمد، نعم القومُ أنتم، لولا أنكم تجعلون للَّه ندًّا، قال: "سبحان اللَّه، وما ذاك؟ ". قال: تقولون: ما شاء اللَّه وشئتَ. قال: فأمهل رسول اللَّه ﷺ شيئًا، ثم قال: "إنّه قد قال، فمن قال: ما شاء اللَّه، فليفصل بينهما: ثم شئتَ". والمسعودي مختلط، ولكن يحيى بن سعيد يروي عنه قبل الاختلاط. رواه الحاكم (٤/ ٩٧) من وجه آخر عن المسعودي مختصرًا، وقال: صحيح الإسناد. وأمّا ما رواه أبو داود (٤٩٨٠)، والإمام أحمد (٢٣٢٦٥) كلاهما من حديث شعبة، عن منصور، عن عبد اللَّه بن يسار، عن حذيفة، عن النبي ﷺ مختصرًا: "لا تقولوا ما شاء اللَّه وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء اللَّه ثم شاء فلان". فهو منقطع؛ فإنّ عبد اللَّه بن يسار لم يسمع من حذيفة كما قال ابن معين.

стр. 380

قال عثمان بن سعيد الدّارميّ: وسألت يحيى بن معين عن عبد اللَّه بن يسار الذي يروي عنه منصور، عن حذيفة: "لا تقولوا ما شاء اللَّه وشاء فلان" ألقيَ حذيفة؟ فقال: لا أعلمه. انظر: تاريخ ابن معين (٥٦٧)، وكذا ذكره أيضًا العلائيّ في جامع التحصيل (٤٠٧). وقد سبق أن تابعه ربعي بن حراش، عن حذيفة، ولكن رجّح البخاريّ وغيره أنه من مسند الطفيل بن سخبرة أخي عائشة كما سبق. كما أن البخاري رجح رواية منصور عن عبد اللَّه بن يسار عن حذيفة على رواية معبد بن خالد بن عبد اللَّه بن يسار، عن فتيلة. ذكره الترمذيّ في العلل الكبير (٢/ ٦٥٩) واللَّه أعلم بالصواب. وقوله: "لا تقولوا ما شاء اللَّه وشاء فلان" لأنّه مما يوهم التسوية. • عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا حلف أحدُكم فلا يقل: ما شاء اللَّه وشئت، ولكن ليقلْ: ما شاء اللَّه ثم شئت". حسن: رواه ابن ماجه (٢١١٧) عن هشام بن عمار، قال: حدثنا عيسى بن يونس، قال: حدثنا الأجلح الكنديّ، عن يزيد بن الأصمّ، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في الأجلح، وهو الأجلح بن عبد اللَّه بن حُجيَّة -مصغرًا- يكني أبا حجية الكنديّ، يقال: اسمه يحيى، مختلف فيه: فضعّفه أبو داود والنسائي وابن سعد وابن حبان وغيرهم، ومشّاه غيرهم، فقال ابن معين: صالح، وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة. والخلاصة أنه حسن الحديث، وفي التقريب: "صدوق شيعي". وهو شاهد قويّ لما سبق. ومن هذا الطريق رواه الإمام أحمد (٢١١٧)، والنسائيّ (٩٨٨) كلاهما بلفظ: "أنّ رجلًا أتي النبي ﷺ فكلّمه في بعض الأمر، فقال: ما شاء اللَّه وشئت! فقال النبي ﷺ : "أجعلتني اللَّه عدلًا، بل قلْ: ما شاء اللَّه وحده". ٥٧ - باب أنّ اللَّه يحارب من يُعادي أولياءه • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنتُ سمعَه الذي يسمعُ به، وبصرَه الذي يبصر به، ويده التي يبطشُ بها، ورجلَه التي يمشي بها، وإن سألني لأعطِينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه، وما ترددتُ عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته".

стр. 381

صحيح: رواه البخاريّ في الرّقاق (٦٥٠٢) عن محمد بن عثمان، حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة، فذكره. وأمّا ما رُوي عن أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ ، عن جبريل، عن اللَّه ﵎ قال: "يقول اللَّه : من أهان لي وليًّا، فقد بارزني بالمحاربة، وإني لأغضبُ لأوليائي كما يغضب الليثُ الحرد، وما تقرّب إليّ عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضتُ عليه، وما زال عبدي المؤمنُ يتقرّبُ إليّ بالنّوافل حتى أُحبَّه، فإذا أحببتُه، كنتُ له سمعًا وبصرًا ويدًا، ومؤيدًا، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته، وما ترددتُ في شيء أنا فاعله تردّدي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه. وإنّ من عبادي المؤمنين لمن يسألني الباب من العبادة، فأكفُّه علّه ألا يدخله عُجْبٌ فيفسدَه ذلك. وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانَه إلا الغنى، ولو أفقرتُه لأفسدَه ذلك. وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيتُه لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الصّحة ولو أسقتُه لأفسده ذلك. وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا السَّقَمُ ولو أصححتُه لأفسده ذلك. إني أُدبِّرُ أمرَ عبادي بعلمي بقلوبهم، إنّي عليمٌ خبيرٌ". فهو ضعيف. رواه أبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣١٨)، والبغويّ في شرح السنة (٥/ ٢٢)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٠٧)، وابن الجوزيّ في العلل المتناهية (١/ ٣١ - ٣٢)، كلّهم من طرق عن الحسن ابن يحيى الخشني، عن صدقة الدّمشقيّ، عن هشام الكنانيّ، عن أنس بن مالك، فذكره. قال ابن الجوزيّ: "الحسن بن يحيى الخشنيّ قال فيه ابن معين: ليس بشيء، وقال الدارقطني: متروك، وصدقة الدمشقي مجروح". قلت: الحسن بن يحيى الخشني مختلف فيه، فقال الآجريّ عن أبي داود سمعت أحمد يقول: ليس به بأس، وقال الساجيّ، ثنا أبو داود، ثنا سليمان بن عبد الرحمن، ثنا الحسن بن يحيى الخشني -وكان ثقة-، وقال دحيم: لا بأس به. وأما ابن معين فاختلف عليه، فقال عباس الدوريّ عنه: ليس بشيء، وقال ابن أبي مريم عنه: ثقة خراسانيّ، وقال ابن الجنيد: الحسن بن يحيى ومسلمة بن علي الحنشنيان ضعيفان ليسا بشيء، والحسن أحبُّهما إليّ. وجرّحه النسائي والحاكم أبو أحمد والدارقطني وعبد الغني بن سعيد وغيرهم. فهو إلى الضعف أقرب، ولكن ليس بمتهم، ولذا قال الحافظ في التقريب: "صدوق كثير الغلط". وأخرج ابن عدي عددًا من رواياته المنكرة وليس فيها هذا الحديث وقال: "وهو ممن تحتمل روايته". ولكن قال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (ص ٣١٤) بعد أن عزاه للطبراني: "الخشني

стр. 382

وصدقة ضعيفان، وهشام الكناني لا يعرف، وسئل ابن معين عن هشام هذا من هو؟ قال: لا أحد، يعني: أنه لا يعتبر به" انتهى. وقال أبو نعيم: "غريب من حديث أنس، لم يرو عنه بهذا السياق إلّا هشام الكناني، وعنه صدقة ابن عبد اللَّه أبو معاوية الدمشقي، تفرّد به الحسن بن يحيى الخشني". وتحرف الخشني إلى الحسني. وللجزء الثاني منه شاهد من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا: "أتاني جبريل فقال: يا محمد ربُّك يقرأ عليك السّلام ويقول: إنّ من عبادي من لا يصلُح إيمانُه إلّا بالغني ولو أفقرته لكفر، وإنّ من عبادي من لا يصلح إيمانه إلّا بالفقر ولو أغنيته لكفر، وإنّ من عبادي من لا يصلح إيمانه إلّا بالسقم لو أصححته لكفر، وإنّ من عبادي من لا يصلح إيمانه إلّا بالصحة لو أسقمته لكفر". رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ١٥) وعنه ابن الجوزيّ في العلل المتناهية (١/ ٣١). وفيه عيسى الرمليّ -يعني يحيى- التميمي الهشلي، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائيّ: ليس بالقوي، وقال ابن حبان في المجروحين (١٢١٩): كان ممن ساء حفظه وكثر وهمه حتى جعل يخالف الأثبات فيما يروي عن الثقات، فلما كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج به. وقال ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٦٧٣): عامة رواياته مما لا يتابع عليه. قال ابن الجوزيّ: هذا حديث لا يصح؛ لأنّ فيه يحيى بن عيسى الرّمليّ ثم ذكر قول يحيى وابن حبان، وأما كون مسلم روى عنه فلعله انتقي من رواياته مما لم يخطئ فيها وله متابعات.

стр. 383

جموع أبواب ما جاء في العرش ١ - باب ما جاء في عرش الرّحمن بأنّه مخلوق، وأنّه كان على الماء قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة التوبة: ١٢٩]. وصف اللَّه تعالى العرش بأنّه مربوب، وكلّ مربوب مخلوق، فالعرش مخلوق. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [سورة هود: ٧]. وليس المراد بالماء ماء البحر، بل هو ماءٌ تحت العرش كما شاء اللَّه تعالى. (انظر: فتح الباري ١٣/ ٤١١). • عن عمران بن حصين قال: دخلت على النبيّ ﷺ وعقلتُ ناقتي بالباب، فأتاه ناسٌ من بني تميم فقال: "أقبلوا البشرى يا بني تميم". قالوا: قد بشّرْتنا فأعطنا -مرّتين- ثم دخل عليه ناسٌ من أهل اليمن فقال: "اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم". قالوا: قد قبلنا يا رسول اللَّه، قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر، قال: "كان اللَّه ولم يكن شيءٌ غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذِّكر كلَّ شيءٍ، وخلق السّماوات والأرض". فنادى منادٍ: ذهبتْ ناقتُك يا ابن الحصين، فانطلقتُ فإذا هي يقطع دونها السرابُ فواللَّه لوددتُ أنّي كنت تركتها". صحيح: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣١٩١) عن عمر بن حفص بن غياث، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، حدّثنا جامع بن شدّاد، عن صفوان بن محرز، أنّه حدّثه، عن عمران بن حصين، فذكر الحديث. • عن أبي هريرة يبلغُ به النبيَّ ﷺ قال: "قال اللَّه ﵎: يا ابنَ آدم، أنْفقْ أُنفِق عليك". وقال: "يمين اللَّه ملآي (وقال ابنُ نمير: ملآن) سحَّاء لا يغيضها شيءٌ اللّيلَ والنّهار". وفي رواية: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه قال لي: أَنفْق أُنفقْ عليك". وقال

стр. 384

رسول اللَّه ﷺ : "يمين اللَّه ملآي لا يغيضها سحّاء اللّيل والنّهار. أرأيتم ما أنفقَ مذْ خلق السّماء والأرض؟ فإنّه لم يغض ما في يمينه". قال: "وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض". متفق عليه: رواه مسلم في الزّكاة (٩٩٣) من طريق ابن عيينة، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. والرواية الثانية أخرجها أيضًا مسلمٌ من طريق عبد الرزّاق، حدّثنا معمر بن راشد، عن همّام بن منبّه، قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة، فذكر الحديث. ومن هذا الطريق رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤١٩) بلفظ قريب منه. ورواه أيضًا في النفقات (٥٣٥٢) عن إسماعيل، عن مالك، عن أبي الزّناد، بإسناده ولفظه: "قال اللَّه: أنفق يا ابن آدم أنفق عليك". وهذه الرواية غير موجودة في الموطآت المطبوعة. • عن أبي رزين، قال: قلت: يا رسول اللَّه، أين كان ربُّنا قبل أنّ يخلق خلْقَه؟ قال: "كان في عَماءٍ، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق عرشَه على الماء". حسن: رواه الترمذيّ (٣١٠٩)، وابن ماجه (١٨٢) كلاهما من حديث يزيد بن هارون، قال: أنبأنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حُدُس، عن عمّه أبي رزين، فذكره. ومن هذا الوجه أخرجه الإمام أحمد (١٦١٨٨). وصحّحه ابنُ خزيمة (٣٦٠)، وابن حبان (٦١٤١)، وروياه من هذا الوجه، ووكيع بن حُدس "مقبول". وقد توبع. انظر تخريجه المفصل -باب رؤيا المؤمنين ربَّهم يوم القيامة-. قوله: "عَماء" بالفتح والمدّ، أي أنّ الخلق لا يعرفون خالقهم من حيث هم، لأنّه كان في عماء قبل خلقه الزّمان والمكان، ولا شيء معه، فمعرفة الخلق إيّاه كأنّه في عماء عن علم الخلق، لا أنّ اللَّه كان في عماء، إذ هذا الوصف شبيه بأوصاف المخلوقين. قاله ابن حبان. ٢ - باب أنّ العرش أعلى المخلوقات وأعظمها • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من آمن باللَّه ورسوله، وأقام الصّلاة، وصام رمضان كان حقًّا على اللَّه أنّ يدخله الجنّة، جاهد في سبيل اللَّه أو جلس في أرضه التي وُلد فيها". فقالوا: يا رسول اللَّه أفلا نبشر النّاس؟ قال: "إنّ في الجنة مائةَ درجة أعدّها اللَّه للمجاهدين في سبيل اللَّه، ما بين الدّرجتين كما بين

стр. 385

السماء والأرض، فإذا سألتم اللَّه فاسألوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة -أُراه فوقه عرش الرّحمن- ومنه تفجر أنهار الجنة". صحيح: رواه البخاريّ في الجهاد (٢٧٩٠) عن يحيى بن صالح، حدّثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، فذكره. قال البخاريّ: وقال محمد بن فليح، عن أبيه: "وفوقه عرش الرحمن". أي دون شكّ. قلت: وحديث محمّد بن فليح، عن أبيه. أخرجه البخاريّ أيضًا في التوحيد (٧٤٢٣) عن إبراهيم بن المنذر، عنه، عن أبيه، حدثني هلال إلّا أنّ فيه: "هاجر في سبيل اللَّه، أو جلس في أرضه التي وُلد فيها، بدلًا من "جاهد في سبيل اللَّه. . . ". • عن أمِّ الرّبيع بنت البراء -وهي أمّ حارثة بن سراقة- أتت النبيّ ﷺ فقالت: "يا نبي اللَّه، ألا تُحدّثني عن حارثة -وكان قُتل يوم بدر، أصابه سهم غرب- فإن كان في الجنّة صبرتُ، وإن كان غير ذلك اجتهدتُ عليه في البكاء. قال: "يا أمَّ حارثة إنّها جنان في الجنّة، وإنّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى". صحيح: رواه البخاريّ في الجهاد (٢٨٠٩) عن محمد بن عبد اللَّه، حدّثنا حسين بن محمد أبو أحمد، حدّثنا شيبان، عن قتادة، حدّثنا أنس بن مالك، أنّ أمّ الربيع بنت البراء أتت النبيّ ﷺ ، فذكرت مثله. وأخرجه الترمذيّ (٣١٧٤) من وجه آخر عن قتادة وفيه: "إنّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى، والفردوس ربوة الجنّة، وأوسطها، وأفضلها". وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أنس". وقوله: "سهم غرْبٌ" وهو سهم طائش لا يدري من راميه. • عن عبادة بن الصّامت، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "في الجنّة مائة درجة، ما بين كلّ درجتين كما بين السّماء والأرض، والفردوس أعلاها درجةً، ومنها تفجّر أنهار الجنة الأربعة، ومن فوقها يكون العرش، فإذا سألتم اللَّه فسلوه الفردوس". صحيح: رواه الترمذيّ (٢٥٣١) عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام، حدّثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبادة بن الصّامت، فذكره. وإسناده صحيح. وقد صحّحه أيضًا ابن خزيمة والحاكم. والحديث رواه الإمام أحمد (٢٢٦٩٥) عن يزيد -وهو ابن هارون- وفيه: "ما بين كلِّ درجتين مسيرة مائة عام". واللّفظ الذي ساقه الترمذيّ رواه الإمام أحمد عن عفّان بن مسلم، عن همام.

стр. 386

ومن طريقه رواه أيضًا ابن خزيمة في "التوحيد" (١٨٤)، والحاكم (١/ ٨٠) وقال: "إسناده صحيح". وأمّا ما رُوي عن معاذ بن جبل أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "من صام رمضان، وصلّى الصّلوات، وحجّ البيت -لا أدري أذكر الزّكاة أم لا- إلّا كان حقًّا على اللَّه أنّ يغفر له، إنْ هاجر في سبيله، أو مكث بأرضه التي وُلد بها". قال معاذ: ألا أُخبر بهذا الناس؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "ذر النّاسَ يعملون، فإنّ في الجنّة مائة درجة ما بين كلّ درجنين كما بين السّماء والأرض، والفردوس أعلى الجنة، وأوسطها، وفوق ذلك عرش الرحمن، ومنها تُفجرُ أنهار الجنّة، فإذا سألتم اللَّه فسلوه الفردوس". فهو ضعيف. رواه الترمذيّ (٢٥٣٠)، وابن ماجه (٤٣٣١) كلاهما من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل، فإنّ عطاء بن يسار لم يدرك معاذ بن جبل. قال الترمذيّ: "عطاء لم يدرك معاذ بن جبل، معاذ قديم الموت، مات في خلافة عمر. ولكن قال: وهذا عندي أصح من حديث همام، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبادة بن الصامت". قلت: في قوله الأخير، هذا فيه نظر؛ لأنّ همام بن يحيى ثقة من رجال الشّيخين فلا يضر من خالفه؛ لأنّه رواه على الصواب، وكذلك رواه هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة كما سبق في صحيح البخاريّ. فالحكم بالمخالفة والشّذوذ على مَنْ خالفهما أولى. ٣ - باب عظمة العرش قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة التوبة: ١٢٩]. وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [سورة الحاقة: ١٧]. • عن جابر بن عبد اللَّه، عن النبيّ ﷺ قال: "أُذن لي أن أحدِّث عن مَلَك من ملائكة اللَّه مِنْ حملة العرش، إنّ ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام". صحيح: رواه أبو داود (٤٧٢٧) عن أحمد بن حفص بن عبد اللَّه قال: حدثني أبي، قال: حدثني إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكر الحديث. رجاله ثقات وإسناده صحيح. وقد صحّحه الذّهبي في "العلو" (٢١٣). وقال الحافظ في "الفتح" (٨/ ١١٥): "إسناده صحيح على شرط الصّحيح". وقد جاء عن ابن مسعود قال: ما بين السّماء الدّنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، وبين كلّ سماءين مسيرة خمسمائة عام، وبين السّماء السّابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي إلى الماء خمسمائة عام، والعرش على الماء، واللَّه فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه". رواه الدّارميّ في الرّد على الجهمية (٨١)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٢٨)، وابن خزيمة في

стр. 387

التوحيد (١٧٨) كلّهم من حديث حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره، وهو موقوف عليه. وإسناده حسن من أجل الكلام في عاصم بن بهدلة غير أنّه حسن الحديث. وأمّا ما رُوي عن العباس بن عبد المطلب قال: كنتُ بالبطحاء في عِصابة، وفيهم رسول اللَّه ﷺ فمرّت به سحابة، فنظر إليها فقال: ما تسمّون هذه؟ ". قالوا: السّحاب. قال: "والمُزْن". قالوا: والمزن. قال: "والعنان". قال أبو بكر: قالوا: والعنان. قال: "كم ترون بينكم وبين السّماء؟ ". قالوا: لا ندري. قال: "فإنّ بينكم وبينها إما واحدًا أو اثنين أو ثلاثًا وسبعين سنة، والسماء فوقها كذلك". حتّى عدّ سبع سموات - "ثم فوق السّماء السابعة، بحرٌ بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أُوْعال، بين أظلافهنّ وركبهن كما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهنّ العرش، بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثم اللَّه فوق ذلك ﵎". ففيه رجل مجهول. رواه أبو داود (٤٧٢٤)، والترمذيّ (٣٣٢٠)، وابن ماجه (١٩٣) كلهم من طريق سماك بن حرب، عن عبد اللَّه بن عميرة، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، فذكره، ولفظهم قريب. وصحّحه ابن خزيمة، وأخرجه في كتاب التوحيد (١٧٢)، والحاكم (٢/ ٣٨٧) كلاهما من هذا الوجه. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في موضع آخر (٢/ ٤١٢): "فيه يحيى واهٍ". قلت: يحيى هذا هو ابن العلاء الرّازيّ البجليّ ضعيف جدًّا. ومن طريقه رواه عبد الرزّاق عنه، عن عمّه شعيب بن خالد، حدثني سماك بن حرب، أخرجه الإمام أحمد (١٧٧٠) إلّا أنه توبع. كما تكلّم المنذريّ. في سنن أبي داود فقال: "فيه الوليد بن أبي ثور ولا يحتجّ بحديثه". قلت: إلّا أنه توبع أيضًا، فبقي في الإسناد عبد اللَّه بن عميرة -بفتح أوله- الكوفي، ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٤٢) ولم يذكر من روى عنه سوى سماك بن حرب، وأدخله العقيليّ في الضعفاء (٨٥٢)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٥٤٧)، وذكرا عن البخاريّ أنه قال: "لا نعلم له سماعًا من الأحنف بن قيس". وقال الذهبيّ في الميزان (٢/ ٤٦٩): "فيه جهالة، قال البخاريّ: لا يعرف له سماع من الأحنف بن قيس". أي فيه انقطاع أيضًا. وقال: "له عنه، عن العباس حديث المزن والعنان. رواه عنه سماك بن حرب. ورواه عن سماك الوليدُ بن أبي ثور وجماعة. ورواه أيضًا يحيى بن العلاء -وهو واهٍ- عن عمّه شعيب بن خالد، عن سماك". انتهى كلام الذهبيّ.

стр. 388

وقال الحافظ في "التقريب": "مقبول" أي حيث يتابع وإلّا فلين الحديث، ولم أجد له متابعًا. وأمّا الترمذيّ فقال: "حسن غريب، وروى الوليد بن أبي ثور، عن سماك نحوه ورفعه، وروي شريك عن سماك بعض هذا الحديث ووقفه ولم يرفعه". وذهب الجوزقاني في "الأباطيل" (١/ ٧٧) إلى تصحيح هذا الحديث فقال: "هذا حديث صحيح. رواه عن سماك جماعة منهم: عنبسة بن سعيد، والوليد بن أبي ثور، وعمرو بن أبي قيس وغيرهم". ولكن فاته أنّ مداره على عبد اللَّه بن عميرة وفيه جهالة مع الانقطاع كما سبق، فلعلّه نظر إلى معنى الحديث، ولم يتعمّق في معرفة إسناده. كما اختُلف في رفعه ووقفه، فرواه شريك عن سماك بإسناده موقوفًا على العباس بن عبد المطلب في قوله تعالى ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [سورة الحاقة: ١٧] أملاك في صورة الأوعال". رواه ابن خزيمة في التوحيد (١٨٩)، وفي رواية عنده: "ما بين أظلافهم إلى رُكبهم ثلاث وستون سنة". قال شريك مرة: "ومناكبهم ناشبة بالعرش". وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي هريرة قال: بينما نبيُّ اللَّه ﷺ جالسٌ وأصحابُه، إذ أتى عليهم سحابٌ، فقال نبيُّ اللَّه ﷺ : "هل تدرون ما هذا؟ ". قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "هذا العنانُ، هذه رواية الأرض يسوقه اللَّه ﵎ إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه". قال: "هل تدرون ما فوقكم؟ ". قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف". ثم قال: "هل تدرون كم بينكم وبينها؟ ". قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: بينكم وبينها مسيرة خمسمائة سنة". ثم قال: "هل تدرون ما فوق ذلك؟ ". قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: فإن فوق ذلك سماءين، ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة. حتّى عدَّ سبع سماواتٍ، ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض. ثم قال: "هل تدرون ما فوق ذلك؟ ". قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "فإنّ فوق ذلك العرش، وبينه وبين السّماء بُعدُ ما بين السماءين". ثم قال: "هل تدرون ما الذي تحتكُم؟ ". قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "فإنها الأرض". ثم قال: "هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟ ". قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "فإنّ تحتها الأرض الأخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة". حتّى عدَّ سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة، ثم قال: "والذي نفس محمد بيده، لو أنكم دَلَّيْتُم بحبل إلى الأرض السُّفلى لهبط على اللَّه". ثم قرا: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الحديد: ٣]. رواه الترمذيّ (٣٢٩٨) عن عبد بن حميد وغير واحد -والمعنى واحد- قالوا: حدّثنا يونس ابن محمد، حدّثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، قال: حدّث الحسن، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه الإمام أحمد (٨٨٢٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٧٨) كلاهما من وجهين آخرين عن

стр. 389

قتادة بإسناده، مثله. قال أبو عيسى الترمذيّ: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. وفسَّر بعضُ أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنّما هبط على علم اللَّه وقدرته وسلطانه، وعلمُ اللَّه وقدرته وسلطانُه في كلّ مكان وهو على العرش كما وُصف في كتابه". انتهى قول الترمذيّ. قلت: في الإسناد علّتان: إحداهما: قتادة لم يصرِّح بسماعه من الحسن، وهو مدلِّس. والثانية: الانقطاع؛ فإنّ الحسن وهو الإمام البصريّ لم يسمع من أبي هريرة كما أكّد ذلك جمهور أهل العلم. وفي متنه نكارة أيضًا. وقال الجوزقانيّ في "الأباطيل" (١/ ٧١): هذا حديث باطل، وله علّة تخفى على من لم يتبحّر، فمن تأمّل هذا الحديث، واعتبر أقوال رواته يحكم عليه بالصحة لأمانتهم وعدالتهم، والعلّة فيه إرسال الحسن عن أبي هريرة، فإنه لم يسمع من أبي هريرة شيئًا، ولا يعلم بإرسال الحسن عن أبي هريرة إلا المتبحّرون". ثم نقل عن الإمام أحمد ويونس وعلي بن زيد وغيرهم بأنه لم يسمع من أبي هريرة حرفًا. قال: "وقال نعيم: حدّثنا سفيان، عن مساور الورّاق، قال: قلت للحسن البصريّ: عمّن تحدّث هذه الأحاديث؟ قال: عن كتاب عندنا سمعتُه من رجل". ثم روى الحديث من وجه آخر عن أبي جعفر الرّازيّ، عن قتادة، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، عن النبيّ ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لو دلّيتُم بحبل إلى الأرض السّابعة لقدم على ربّه ثم تلا: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الحديد: ٣]. قال: أبو جعفر الرّازيّ هذا اسمه عيسى بن ماهان، وكنية ماهان أبو عيسى، أصله من مرو، وانتقل إلى الرّي فنسب إليها، كان ممن ينفرد بالمناكير عن المشاهير، لا يعجبني الاحتجاج بحديثه إلا فيما وافق الثقات. وتنقل عن الإمام أحمد أنه قال: "أبو جعفر الرّازيّ مضطرب الحديث" انتهى. وقال الذهبيّ في الميزان (٤/ ٥١٠) في ترجمة أبي جعفر الرّازيّ: "هو عيسى بن ماهان، وقد روي سلمة بن الأبرش، عن أبي جعفر الرّازيّ، عن قتادة، عن الأحنف، عن العباس مرفوعًا (فذكر الحديث) وقال: "هو منكر، ولم يلقَ قتادة الأحنف". وقال البيهقيّ في الأسماء والصفات (٢/ ٢٨٩): "وفي رواية الحسن عن أبي هريرة انقطاع،

стр. 390

ولا يثبت سماعه من أبي هريرة. وروي من وجه آخر منقطع عن أبي ذرّ مرفوعًا". ثم أخرجه وهو. وكذلك لا يصح ما روي عن أبي ذرّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما بين الأرض إلى السماء مسيرة خمسمائة سنة، وغلظ السماء الدنيا مسيرة خمسمائة سنة، وما بين كلّ سماء إلى السماء التي تليها مسيرة خمسمائة سنة، والأرضين مثل ذلك، وما بين السماء السابعة إلى العرش مثل جميع ذلك، ولو حفرتم لصاحبكم، ثم دلّيتموه لوجدتم اللَّه ثمَّ". رواه البيهقيّ في الأسماء والصفات (٨٥٠) عن أبي عبد اللَّه الحافظ وأبي سعيد بن أبي عمرو قالا: حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب: ثنا أحمد بن عبد الجبار: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي نصر، عن أبي ذرّ، فذكره. قال البيهقيّ: تابعه أبو حمزة السّكريّ وغيره عن الأعمش في المقدار". قلت: ورواه البزار -كشف الأستار (٢٠٨٧) - عن محمد بن معمر، ثنا محاضر -يعني ابن مورع-، ثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي نصر، عن أبي ذرّ، فذكر نحوه مختصرًا. قال البزّار: لا نعلمه يُروي عن أبي ذرّ إلّا بهذا الإسناد. وأبو نصر أحسبه حميد بن هلال، ولم يسمع من أبي ذره. قلت: مع الانقطاع بين أبي نصر وأبي ذرّ، قال الذهبيّ في "العلو" (ص ٨٩): "أبو نصر لا يعرف، والخبر منكر". وكذلك لا يصح ما رُوي عن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جدّه، قال: أتى رسولَ اللَّه ﷺ أعرابيٌّ فقال: يا رسول اللَّه جهدتِ الأنفُس، وضاعت العيال، ونُهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستق اللَّهَ لنا، فإنّا نستشفع بك على اللَّه، ونستشفعُ باللَّه عليك. قال رسول اللَّه ﷺ : "ويحك! أتدري ما تقول؟ ". وسبَّح رسول اللَّه ﷺ ، فما زال يسبِّحُ حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال: "ويحك! إنّه لا يستشفع باللَّه على أحد من خلقه، شأن اللَّه أعظم من ذلك. ويحك! أتدري ما اللَّه؟ إنّ عرشه على سماواته كهذا". وقال: بأصبعه مثل القبلة عليه. "وإنّه لَيئطُّ به أطيطَ الرّحل بالرّاكب". رواه أبو داود (٤٧٢٦) عن عبد الأعلى بن حماد ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار وأحمد بن سعيد الرياطي قالوا: حدثنا وهب بن جرير، -قال أحمد: كتبناه من نسخته وهذا لفظه- قال: حدثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدّث عن يعقوب بن عتبة، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، فذكر الحديث. قال ابن بشار في حديثه: "إنّ اللَّه فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته". وساق الحديث. قال عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار، عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد بن جبير، عن أبيه، عن جدّه. والحديث بإسناد أحمد بن سعيد هو الصّحيح، ووافقه عليه جماعة منهم: يحيى بن
следующие страницы →