Полный текст (8 687 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
ابن حجر.
ورواه أبو داود (١٩٧٥)، والترمذي (٩٥٥)، والنسائي (٣٠٦٩)، وابن ماجه (٣٠٣٧)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٩٧٥)، وابن حبان (٣٨٨٨)، والحاكم (١/ ٤٧٨) كلّهم من طريق مالك، به، نحوه. إلّا ابن حبان فإنه رواه من حديث سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر، بإسناده، مثله.
ولفظ أبي داود مثله، ولفظ النسائي نحوه، ولفظ الترمذي وابن ماجه: " ... أن يرموا يوم النّحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد النّحر، فيرمونه في أحدهما -قال مالك: ظننتُ أنه قال: في الأول منهما-، ثم يرمون يوم النّفر".
وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح، وهو أصح من حديث ابن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر".
قلت: حديث ابن عيينة. رواه الترمذيّ نفسه (٩٥٤)، وأبو داود (١٩٧٦)، والنسائي (٣٠٦٨)، وابن ماجه (٣٠٣٦)، وصححه ابن خزيمة (٢٩٧٧)، وابن حبان (٣٨٨٨)، والحاكم (١/ ٤٧٨) كلّهم عنه، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم - وزاد أبو داود: وعن محمد ابني أبي بكر، عن أبيهما، عن أبي البدَّاح بن عدي، عن أبيه: أنّ النبيّ ﷺ أرخص للرعاة أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا.
وإسناده صحيح، وأبو البداح بن عدي هو ابن عاصم بن عدي نسب في هذه الرواية إلى جده، وأبوه عاصم بن عدي كما قال البيهقيّ (٥/ ١٥١) عقب رواية الحديث من طريق أبي داود. قال: "هكذا رواه سفيان بن عيينة. وكذلك قال روح بن القاسم عن عبد الله بن أبي بكر. وكأنهما نسبا أبا البداح إلى جدّه، وأبوه عاصم بن عدي".
وعاصم بن عدي هو صاحب اللّعان الصحابي المشهور.
ونظرًا لكون حديث ابن عيينة اختصارًا مخلًا للمعني رجّح الترمذيّ رواية مالك، وقد سبقه يحيي بن معين، فقد رواه عن سفيان بن عيينة، ثم قال: "وكلام سفيان هذا خطأ إنما هو كما قال مالك بن أنس قال يحيي: فكان سفيان لا يضبطه كان إذا حدث به يقول: ذهب عليَّ من هذا الحديث شيءٌ" انظر تاريخ ابن معين برواية الدّوريّ (٦٤٦).
ولكن من أهل العلم من جمعوا بين رواية ابن عيينة ورواية مالك، فقالوا: إنّ النبيّ ﷺ رخّص للرعاء في ترك رمي الجمار يومًا ويرموا يومًا (أي ليومين من أيام التّشريق)، ثم يوم النّفر. انظر كلام ابن خزيمة (٤/ ٣٢٠).
قال مالك عقب الحديث في "الموطأ": "تفسير الحديث الذي أرخص رسولُ الله ﷺ لرعاء الإبل في تأخير رمي الجمار، فيما نُري -والله أعلم- أنّهم يرمون يوم النّحر، فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النّحر رموا من الغد، وذلك يوم النّفر الأوّل، فيرمون لليوم الذي مضى، ثم يرمون ليومهم ذلك؛ لأنّهم لا يقضي أحدٌ شيئًا حتى يجب عليه، فإذا وجب عليه ومضى كان القضاءُ بعد ذلك،
стр. 3257
فإنْ بدا لهم النَّفر فقد فرغوا، وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النّفر الآخر ونفروا".
قال الخطّابي في "معالمه": وقال الشافعي نحوّا من قول مالك. وقال بعضهم: "هم بالخيار إن شاؤا قدموا وإن شاؤا أخّروا".
• عن عبد الله بن عمر: أنّ رسول الله ﷺ رخص لرِعاء الإبل أن يرموا بالليل.
حسن: رواه البزار -كشف الأستار (١١٣٩) - والبيهقي (٥/ ١٥١) كلاهما من حديث عبد الأعلى ابن حماد، ثنا مسلم بن خالد، ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في مسلم بن خالد، وهو الزنجي مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، وقد حسَّنَه أيضا الحافظ في التلخيص (٢/ ٢٦٣).
وبمعناه روي أيضا عن ابن عباس. رواه البيهقي من طريق عطاء بن أبي رباح عنه، وفيه عمر بن قيس وهو المكي، المعروف بـ (سندل) ضعيف جدا، والصحيح فيه أنه من مرسل عطاء بن أبي رباح، كما رواه البيهقي بإسناد صحيح عنه.
وفي معناه رُوي أيضا عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: "أنّ رسول الله ﷺ رخّص للرّعاة أنّ يرموا باللّيل، وأيّ ساعة من النّهار شاؤوا". إلا أنه ضعيف أيضا.
رواه الدارقطني (٢٦٨٥) من طريق بكر بن بكار، حدّثنا إبراهيم بن يزيد، حدّثنا سليمان الأحول، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه.
وبكر بن بكار وشيخه إبراهيم بن يزيد وهو الخوزي ضعيفان، وإن كان شيخه أسوأ حالًا منه.
١٣٠ - باب ما جاء في طواف الوداع
• عن عبد الله بن عباس، قال: أُمر النّاس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلّا أنه خُفِّف عن الحائض.
متفق عليه: رواه البخاري في الحج (١٧٥٥)، ومسلم في الحج (١٣٢٨: ٣٨٠) كلاهما من طريق سفيان (هو ابن عيينة)، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره.
• عن عبد الله بن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كلِّ وجه، فقال رسولُ الله ﷺ : "لا ينفرنَّ أحدٌ حتّى يكون آخرُ عهده بالبيت".
صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٣٢٧) من طريق سفيان (هو ابن عيينة)، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس، قال (فذكره).
• عن عائشة، أنّها قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، إنّ صفيّة بنت حُييّ قد حاضت؟ قال رسول الله ﷺ : "لعلّها تحبسُنا، ألم تكن طافتْ معكنَّ؟ " فقالوا:
стр. 3258
بلي، قال: "فاخرجي".
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٢٢٦) عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، به، فذكرته.
ورواه البخاريّ في الحيض (٣٢٨) عن عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، به، مثله. ورواه مالك أيضًا في الحجّ (٢٢٥) ومن طريقه البخاريّ في الحجّ (١٧٥٧) عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، نحوه.
ورواه البخاريّ في الحجّ أيضًا (١٥٦١)، ومسلم في الحج (١٢١١: ١٢٨) من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، به، مطوّلًا. وفي آخره: قالت صفية: "ما أُراني إلّا حابستكم؟ قال: "عقرى حلقي، أو ما كنت طفتِ يوم النّحر؟ " قالت: بلى. قال: "لا بأس، انفري". واللفظ لمسلم.
قوله: "عقْري حلْقي". قيل: يعني عقر الله جسدها وأصابها بوجع في حلقها.
وقيل: معناه تعقر قومها وتحلقهم بشؤمها، وقيل: العقرى الحائض. وقيل: معناه جعلها الله عاقرًا لا تلد، وحلقي مشؤومة على أهلها.
نقل هذه الأقوال النووي في شرحه على مسلم (٨/ ١٥٣) ثم قال: "وعلى كل قول فهي كلمة كان أصلها ما ذكرناه، ثم اتّسعت العرب فيها فصارت تطلقها ولا تريد حقيقة ما وضعت له أولا، ونظيره: تربت يداه، وقاتله الله ما أشجعه".
وقوله ﷺ : "لعلّها تحبسنا" يعني أنّها إذا ما طافتْ طواف الإفاضة فهي تحبسنا أي ننتظر حتى تطهر وتغتسل وتطوف ثم نرحل.
هذا هو الأصل في هذه المسألة بأنّ المرأة إذا حاضت قبل أن تطوف طواف الإفاضة فهي تبقى في مكة حتى تطهر وتطوف.
وأما إذا تعذّر المقام عليها بمكة فهي لا تخلو من حالين:
إما أن تكون قريبة من مكة حيث يتيسّر لها الرجوع إلى مكة بعد الطهارة، فترجع إلى بلدها وهي محرمة، ولا يحل وطؤها حتى تطهر فتعود إلى مكة للطواف.
وإما أن تكون بعيدة عن مكة يتعذّر عليها الرجوع إلى مكة مرة أخرى، فتطوف على حالها، وترجع إلى بلدها. وهذه خلاصة ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه (٢٦/ ١٨٥) وما بعدها.
• عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في ليالي الحج وذكرت الحديث، قالت: حتى تفرنا من مني، فنزلنا المحصّب، فدعا عبد الرحمن، فقال: "اخرج بأختك الحرم، فلتُهل بعمرة، ثم افرغا من طوافكما، أنتظركما ها هنا". فأتينا في
стр. 3259
جوف الليل، فقال: "فرغتما؟ ". قلت: نعم، فنادى بالرّحيل في أصحابه، فخرج فمرَّ بالبيت، فطاف به قبل صلاة الصّبح، ثم خرج إلى المدينة.
متفق عليه: رواه البخاري في الحجّ (١٧٨٨)، ومسلم في الحجّ (١٢١١: ١٢٣) كلاهما من حديث أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، فذكرته. واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ: "فارتحل النّاس ومن طاف بالبيت". حاول الحافظ الإجابة عن هذه العبارة، ثم رأى أنه وقع فيها تحريف، وقال: "والصواب: فارتحل الناس، ثم طاف بالبيت" كما وقع عند أبي داود (٢٠٠٥)، ومسلم" انتهى.
وفي صحيح ابن خزيمة (٢٩٩٨) من طريق أفلح بن حميد: فارتحل الناسُ، فمرَّ بالبيت قبل صلاة الصّبح، فطاف به، ثم خرج فركب، ثم انصرف متوجهًا إلى المدينة.
١٣١ - باب سقوط طواف الوداع عن الحائض
• عن عائشة، أنّها قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، إنّ صفيّة بنت حُييّ قد حاضت، قال رسول الله ﷺ : "لعلّها تحبسُنا، ألم تكن طافتْ معكنَّ؟ " فقالوا: بلي، قال: "فاخرجي".
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٢٢٦) عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، به، فذكرته. ورواه البخاريّ في الحيض (٣٢٨) عن عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، به، مثله.
ورواه البخاريّ في الحجّ أيضًا (١٥٦١)، ومسلم في الحج (١٢١١: ١٢٨) من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، به، مطوّلًا. وقد مضى قريبًا.
• عن عكرمة: أنّ أهل المدينة سألوا ابن عباس ﵄، عن امرأة طافت، ثم حاضتْ؟ قال لهم: تنفرُ. قالوا: لا نأخذُ بقولك وندع قول زيد. قال: إذا قدمتم المدينة فسلُوا، فقدموا المدينة فسألوا، فكان فيمن سألوا أمَّ سُليم (فذكرتْ حديث صفيّة).
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٧٥٨: ١٧٥٩) من طريق أيوب، عن عكرمة، به، فذكره.
ورواه مسلم في الحجّ (١٣٢٨: ٣٨١) من طريق الحسن بن مسلم، عن طاوس، قال: "كنتُ مع ابن عباس، إذ قال زيد بن ثابت: تُفتي أنّ تصدُر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ فقال له ابن عباس: إمّا لا! فسلْ فلانة الأنصاريّة، هل أمرها بذلك رسولُ الله ﷺ ؟ قال: فرجع زيد ابن ثابت إلى ابن عباس يضحك، وهو يقول: ما أراك إلّا قد صدقت".
والأنصاريّة الظاهر أنّها أمُّ سُليم المذكورة في رواية عكرمة عند البخاريّ. بل وجزم الحافظ في
стр. 3260
الفتح (٣/ ٥٨٨) بذلك.
وأمُّ سليم هي ابنة ملحان، وهي أمُّ أنس بن مالك ﵄.
وقول ابن عباس: "إمّا لا" قال ابن الأثير: "أصل هذه الكلمة "إنْ" و "ما" فأُدغمت النون في الميم، وما زائدة في اللفظ لا حكم لها، وقد أمالت العرب "لا" إمالة خفيفة، ومعناه: إن لم تفعل هذا، فليكن هذا".
• عن طاوس بن كيسان، قال: سمعتُ ابن عمر يقول: إنّها لا تنفر. ثم سمعته يقول بعدُ: إنّ النبيَّ ﷺ رخَّص لهنَّ.
صحيح: رواه البخاريّ في الحجّ (١٧٦٠، ١٧٦١) عن مسلم (هو ابن إبراهيم الفراهيديّ)، حدّثنا وُهيب (هو ابن خالد)، حدّثنا ابن طاوس (هو عبد الله)، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄: قال: رُخَّص للحائض أن تنفر إذا أفاضتْ. قال: وسمعتُ ابن عمر يقول (فذكره).
• عن ابن عمر، قال: من حجّ البيت فليكن آخر عهده بالبيت إلّا الحيَض، ورخَّص لهنّ رسولُ الله ﷺ .
صحيح: رواه الترمذيّ (٩٤٤)، وصحّحه ابن خزيمة (٣٠٠٠)، وابن حبان (٣٨٩٩)، والحاكم (١/ ٤٦٧ - ٤٦٨) كلّهم من حديث عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
قال الترمذي: "حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". وقال الذهبي: "خرَّجا أصله" وهو كما قال، وقد سبق.
هذا قول عامة فقهاء الأمصار بأنه لا وداع على حائض، ولا أعرف له مخالفًا إلّا ما روي عن عمر وابنه عبد الله، وزيد بن ثابت إلا أن الأخيرين قد رجعا لما بلغتهما السنة.
وأمّا ما رُوي عن الحارث بن عبد الله بن أوس، قال: "أتيتُ عمر بن الخطّاب فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النّحر، ثم تحيض. قال: ليكن آخر عهدها بالبيت. قال الحارث: كذلك أفناني رسول الله ﷺ . قال: فقال عمر: أربت عن يديك سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله ﷺ لكيما أخالف؟ ! ". فهو غلط.
رواه أبو داود (٢٠٠٤) عن عمرو بن عون، أخبرنا أبو عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن الحارث بن عبد الله بن أوس، وقد حسّنه المنذريّ في مختصره.
قلت: وهو كما قال، فإنّ إسناده في ظاهره السّلامة، ولكن غلط فيه الحارث بن عبد الله بن أوس لما عزا فتواه إلى رسول الله ﷺ ، فإنه ﷺ قال: وعمل بخلافه، ولكن فهم الحارث بن عبد الله أنّ قوله ﷺ : "ليكن آخر عهدها بالبيت" وهو عام.
стр. 3261
لأنه رواه الترمذيّ (٩٤٦) من وجه آخر عنه، قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "من حجّ هذا البيت او اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت". وليس فيه ذكر للحيض. إلّا أنه ضعيف فيه الحجاج بن أرطأة ضعيف.
قال الترمذيّ: "حديث الحارث بن عبد الله بن أوس، حديث غريب. وهكذا روى غير واحد عن الحجاج بن أرطاة مثل هذا، وقد خولف الحجاج في بعض هذا الإسناد" انتهى.
وفيه أيضًا عبد الرحمن بن البيلمانيّ مولى عمر ضعيف.
وهذا العام مخصّص بحديث عائشة وابن عباس وغيرهما.
وأمّا عمر بن الخطاب فلعلّه لم تبلغه هذه السنة كما لم تبلغ ابنه عبد الله أيضًا، ثم بلغته فرجع عنها ورخّص للحيّض إذا طفن الإفاضة أن ينفرن.
وأمّا دعوى الطّحاويّ وغيره النّسخ فهو بعيد؛ لأنّ النّسخ لا يثبت إلا بثبوت المنسوخ، ولم يثبت أبدًا أنّ النبيّ ﷺ أمر الحيّض بطواف الوداع، فبطل قوله بالنّسخ.
١٣٢ - باب ما جاء في الحجّ الأكبر بأنهّ يوم النّحر
قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [سورة التوبة: ٣].
• عن أبي هريرة، قال: بعثني أبو بكر ﵁ فيمن يؤذّن يوم النّحر بمنى: "لا يحجّ العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان". ويوم الحجّ الأكبر يوم النّحر، وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس: الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى النّاس في ذلك العام، فلم يحجّ عام حجّة الوداع الذي حجّ فيه النبيّ ﷺ مشرك.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الجزية (٣١٧٧) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، أخبرنا حُميد بن عبد الرحمن، أنّ أبا هريرة قال (فذكره).
ورواه الشيخان -البخاري في التفسير (٤٦٥٧)، ومسلم في الحج (١٣٤٧) - من وجهين آخرين عن ابن شهاب الزهري. وفيه التصريح من حُميد بن عبد الرحمن: يوم النحر يوم الحج الأكبر من أجل حديث أبي هريرة.
وهذا يشعر بأنّ قوله: "يوم النّحر يوم الحجّ الأكبر" مدرج من قول حُميد بن عبد الرحمن. ولكن رواه أبو داود (١٩٤٦) من طريق شعيب بإسناده، فزاد في آخره: ويوم الحجّ الأكبر يوم النّحر، والأكبر الحج" مشعر بأنه مرفوع.
والصّحيح أنه مدرج كما في الصحيحين من التصريح من حميد بن عبد الرحمن، وهو الذي رجّحه أيضًا الحافظ ابن حجر في "فتحه" (٨/ ٣٢١) فقال: "وقوله: "ويوم الحج الأكبر يوم النّحر" هو قول حميد بن عبد الرحمن استنبطه من قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ
стр. 3262
الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾. ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النّحر، فدلّ على أنّ المراد بيوم الحجّ الأكبر يوم النّحر" انتهى.
هذا الحديث مما ذكره الطّحاويّ في مشكل الآثار كما قال الحافظ في الفتح (٨/ ٣١٨) وقال: قال الطّحاويّ: "هذا مشكل؛ لأنّ الأخبار في هذه القصّة تدلّ على أنّ النبيّ ﷺ بعث أبا بكر بذلك، ثم أتبعه عليًّا فأمره أن يؤذّن، فكيف يبعث أبو بكر أبا هريرة ومن معه بالتأذين مع صرف الأمر عنه في ذلك إلى علي؟ " ثم أجاب بما حاصله: إنّ أبا بكر كان الأمير على الناس في تلك الحجّة بلا خلاف، وكان علي هو المأمور بالتّأذين بذلك. وكأنّ عليًّا لم يطق التّأذين بذلك وحده، واحتاج إلى من يعينه على ذلك، فأرسل معه أبو بكر أبا هريرة وغيره ليساعدوه على ذلك.
ثم ساق من طريق المحرز بن أبي هريرة، عن أبيه، قال: "كنت مع علي حين بعثه النبيّ ﷺ ببراءة إلى أهل مكة. فكنتُ أنادي معه بذلك حتى يصحل صوتي، وكان ينادي قبلي حتى يعيى" أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٩)، وابن حبان (٣٨٢٠)، وغيرهما. انظر: شرح مشكل الآثار (٩/ ٢٢٥ - ٢٢٧).
• عن ابن عمر، أنّ النبيّ ﷺ وقف يوم النّحر بين الجمرات في الحجّة التي حجّ، فقال: "أيّ يوم هذا؟ ". قالوا: يوم النّحر. قال: "هذا يوم الحجّ الأكبر".
صحيح: رواه أبو داود (١٩٤٥)، وابن ماجه (٣٠٥٨)، وصححّه الحاكم (٢/ ٣٣١)، والبيهقيّ (٥/ ١٣٩) من حديث هشام بن الغاز، قال: سمعت نافعًا يحدّث عن ابن عمر، فذكره. واللّفظ لأبي داود.
ولفظ ابن ماجه والحاكم أطول منه، فإنهما ذكرا خطبة النبيّ ﷺ كاملة. وعلّقه البخاريّ (١٧٤٢) عن هشام بن الغاز.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السّياقة، وأكثر هذا المتن مخرّج في الصحيحين إلا قوله: "إنّ يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر". فإنّ الأقاويل فيه عن الصّحابة والتابعين ﵃ على خلاف بينهم فيه. فمنهم من قال: يوم عرفة، ومنهم من قال: يوم النحر".
وهشام بن الغاز هو الجرشي الشامي وهو ثقة، وثقه ابن معين، وقال أحمد: صالح الحديث.
• عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النّحر على ناقة له حمراء مخضرمة، فقال: "هذا يوم النّحر، وهذا يوم الحجّ الأكبر".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٥٨٨) عن وكيع، قال: حدّثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة الطيب، قال: حدثني رجل من أصحاب النبيّ ﷺ في غرفتي هذه، حسبتُ قال (فذكره).
وإسناده صحيح. عمرو بن مرة هو ابن عبد الله بن طارق الجملي المرادي من رجال الجماعة.
ومرة الطيب هو ابن شراحيل الهمداني أبو إسماعيل الكوفيّ، يقال له: مرة الطيب من رجال الجماعة.
стр. 3263
وفي الباب ما رُوي عن عمرو بن الأحوص، أنّه شهد حجّة الوداع مع رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، وذكّر ووعظ، ثم قال: "أي يوم أحْرم؟ أيّ يوم أحرم؟ أيّ يوم أحرم؟ " قال: فقال الناسُ: يوم الحجّ الأكبر يا رسول الله، قال (فذكر بقية الحديث).
رواه الترمذيّ (٣٠٨٧) عن الحسن بن علي الخلال، حدّثنا حسين بن علي الجعفيّ، عن زائدة، عن شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه، فذكره.
وسليمان بن عمرو "مقبول" كما في التقريب. وقال ابن القطان: "مجهول". والحديث رواه أبو داود، وابن ماجه أيضًا في خطب النبيّ ﷺ في حجّة الوداع. انظر فيه مزيدًا من التخريج.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن علي بن أبي طالب، قال: سألتُ رسول الله ﷺ عن يوم الحجّ الأكبر؟ فقال: "يوم النّحر".
رواه الترمذيّ (٣٠٨٨) عن عبد الوارث بن عبد الصّمد بن عبد الوارث، حدّثنا أبي، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب، فذكره.
ورواه أيضًا من حديث سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: "يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر".
قال الترمذيّ: "هذا الحديث أصحّ من حديث محمد بن إسحاق؛ لأنّه رُوي من غير وجه هذا الحديث عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي موقوفًا. ولا نعلم أحدًا رفعه إلّا ما رُوي عن محمد بن إسحاق. وقد روى شعبة هذا الحديث عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مرة، عن الحارث، عن علي، موقوفًا".
قلت: مع وقفه على علي بن أبي طالب ﵁، ففيه أبو إسحاق مختلط ومدلّس، وشيخه الحارث وهو ابن عبد الله الأعور الهمدانيّ فيه كلام معروف، وقد رُمي بالكذب.
هذا وقد اختلف أهل العلم في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾. فقيل: هو يوم عرفة، وقيل: يوم النّحر، وقيل: أيام الحجّ كلّها. ونسب هذه الأقوال ابنُ جرير في تفسيره إلى أصحابها، ثم قال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصّحة عندنا قولُ من قال: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ يوم النحر؛ لتظاهر الأخبار عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ أنّ عليًّا نادى بما أرسله به رسولُ الله ﷺ من الرّسالة إلى المشركين وتلا عليهم "براءة" يوم النّحر .... ". تفسير الطبري (١١/ ٣٣٦).
١٣٣ - باب خطب النبيّ ﷺ في حجّة الوداع
• عن جابر بن عبد الله، قال: فأجاز رسول الله ﷺ حتّى أتي عرفة، فوجد القبّة قد ضُربتْ له بنمرة فنزل بها، حتّى إذا زاغت الشمسُ أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس وقال: "إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة
стр. 3264
يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كلّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهليّة موضوعة. وإنْ أوّل دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة ابن الحارث -كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل- وربا الجاهلية موضوع وأوّل ربا أضعُ ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كلّه، فاتقوا الله في النّساء فإنّكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهنّ عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تُسألون عنّي فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهدُ أنّك قد بلّغتَ وأدّيتَ ونصحتَ. فقال: بإصبعه السّبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى النّاس "اللهم اشهدْ، اللَّهم اشهد" ثلاث مرات، ثم أذّن، ثم أقام فصلّى الظّهر، ثم أقام فصلّى العصر، ولم يصل بينهما شيئا.
صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكره في حديث حجّة النّبيّ ﷺ .
• عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ في حجّته: "أيّ يوم أعظم حرمة؟ " قالوا: يومنا هذا. قال: فأيّ شهر أعظم حرمة؟ قالوا: شهرنا هذا. قال: "فأيّ بلد أعظم حرمة؟ ". قالوا: بلدنا هذا. قال: "فإنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٤٣٦٥) عن أبي معاوية، حدّثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر، فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه أيضًا (١٤٩٩٠) عن محمد بن عبيد، حدّثنا الأعمش، بإسناده، وفيه جمع جميع الفقرات في سياق واحد، وهو قوله: "فإنّ دماءكم، وأموالكم، عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا. هل بلغت؟ " قالوا: نعم. قال: "اللَّهمّ، اشْهد" وذلك بعد السّؤال منهم.
• عن أبي بكرة، قال: خطبنا النبيُّ ﷺ يوم النّحر، قال: "أتدرون أيُّ يوم هذا؟ " قلنا: الله ورسولُه أعلم، فسكت حتّى ظننا أنّه سيسمِّيه بغير اسْمه. قال: "أليس يوم النّحر؟ " قلنا: بلى. قال: "أيُّ شهر هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتّى ظننا أنه سيُسمِّيه بغير اسمه. فقال: "أليس ذو الحجّة؟ ". قلنا: بلى، قال: "أيُّ بلد هذا؟ ". قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكتَ حتّى ظننا أنه سيسمّيه بغير اسمه، قال:
стр. 3265
"أليست بالبلدة الحرام؟ " قلنا: بلى، قال: "فإنّ دماءكم، وأموالكم، عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربَّكم، ألا هلْ بلغتُ؟ ". قالوا: نعم. قال: "اللَّهمّ، اشْهد، فليبلِّغ الشّاهدُ الغائب، فربَّ مبلَّغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفّارًا، يضربُ بعضُكم رقاب بعض".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٧٤١)، ومسلم في القسامة (١٦٧٩: ٣١) كلاهما من طريق أبي عامر عبد الملك بن عمرو، حدّثنا قرة بن خالد، حدّثنا محمد بن سيرين، أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة ﵁، فذكره. واللّفظ للبخاريّ.
ورواه البخاريّ في المغازي (٤٤٠٦)، ومسلم في القسامة (١٦٧٩: ٢٩) كلاهما من طريق عبد الوهاب الثقفيّ، حدّثنا أيوب، عن محمد بن سيرين، به، أنه قال: "إنّ الزّمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعةٌ حُرم، ثلاثة متواليات: ذو القَعدة، وذو الحِجّة، والمحرم، ورجب شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان". ثم قال: "أيّ شهر هذا؟ " ثم ذكره بنحوه. وزاد بعد قوله: "فإنّ دماءكم وأموالكم" قال محمد -يعني ابن سيرين-: وأحسبه قال: "وأعراضكم".
ورواه البخاريّ في العلم (٦٧)، ومسلم في القسامة (١٦٧٩: ٣٠) كلاهما من طريق عبد الله بن عون، عن محمد بن سيرين، به، قال: "لما كان ذلك اليوم، قعد على بعيره، وأخذ إنسان بخطامه، فقال: "أتدرون أيّ يوم هذا" فذكره بنحوه، وفيه قوله: "وأعراضكم" بالجزم.
وزاد مسلمُ في آخره: قال: "ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما، وإلى جزيعة من الغنم فقسمها بيننا".
وهي زيادة مدرجة ليست من حديث أبي بكرة، وإنّما هي من رواية محمد بن سيرين، عن أنس ابن مالك في خطبة عيد الأضحى، كما في الصحيحين، وغيرهما.
قال القاضي عياض: "والأشبه أنّ هذه الزّيادة إنما هي في حديث آخر في خطبة عيد الأضحى، فوهم فيها الرّاوي، فذكرها مضمومة إلى خطبة الحجة، أو هما حديثان ضمّ أحدهما إلى الآخر، وقد ذكر مسلم هذا بعد هذا في كتاب الضّحايا من حديث أيوب وهشام عن ابن سيرين، عن أنس: "أنّ النبيّ ﷺ صلّى، ثم خطب، فأمر من كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد" ثم قال في آخر الحديث: "فانكفأ رسول الله ﷺ إلى كبشين أملحين فذبحهما، فقام الناسُ إلى غنيمة فتوزّعوها" فهذا هو الصّحيح، وهو دافع للاشكال" اهـ. نقلًا عن شرح صحيح مسلم للنووي (١١/ ١٧٠ - ١٧١).
ويراجع أيضًا العلل الدارقطني سؤال (١٢٦٥)، (١٢٦٨) فقد أعلّه بنحو ذلك، ووهّم راويه عبد الله بن عون.
قلت: وحديث أنس المشار إليه سيأتي تخريجه في كتاب الأضاحي.
стр. 3266
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: إنّ النبيّ ﷺ بينا هو واقف يخطب يوم النّحر، فقام إليه رجل، فقال: ما كنتُ أحسب يا رسول الله أن كذا وكذا قبل كذا وكذا. ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله! كنت أحسب أن كذا قبل كذا وكذا لهؤلاء الثلاث، قال: "افعلْ ولا حرج".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٧٣٧)، ومسلم في الحجّ (١٢٠٦) كلاهما من حديث الزهري، عن عيسى بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو، فذكره، ولفظهما سواء.
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: كانتِ العرب يجعلون عامًا شهرًا، وعامين شهرين، فلا يصيبون الحجّ في أيام الحجّ إلّا في خمس وعشرين سنة مرة، وهو النسيء الذي ذكره الله في كتابه. فلما حجّ أبو بكر بالنّاس وافق العام الحجّ، فسماه الله الحجّ الأكبر، وحجّ رسول الله ﷺ من العام المقبل، فاستقبل الناسُ الأهلّة. فقال رسول الله ﷺ : "إنّ الزّمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السّماوات والأرض".
حسن: رواه الطّحاويّ في شرح مشكل الآثار (١٤٥٧) عن جعفر بن محمد بن الحسن الفريابيّ، قال: حدّثنا الصّلت بن مسعود الجحدريّ، قال: حدّثنا محمد بن عبد الرحمن الطُّفاويّ، قال: حدّثنا داود بن أبي هند، عن عمرو بن شعيب، عن جدّه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب، ومحمد بن عبد الرحمن الطّفاوي فإنّهما حسنا الحديث إذا لم يخالفا.
قال بعض أهل العلم: إنّما أخّر النبيّ ﷺ الحجّ ليوافق أهل الحساب، فلمّا استدار الزّمان كهيئته حجّ النبيُّ ﷺ ليوافق حجّ النّاس بعده إلى يوم القيامة.
• عن ابن عباس: أنّ رسول الله ﷺ خطب النّاس يوم النّحر فقال: "يا أيُّها النّاسُ، أيُّ يوم هذا؟ "، قالوا: يومٌ حرام. قال: "فأيُّ بلد هذا؟ "، قالوا: بلدٌ حرام. قال: "فأيُّ شهرٍ هذا؟ "، قالوا: شهرٌ حرامٌ. قال: "فإنّ دماءكم، وأموالَكم، وأعراضَكم عليكم حرام، كحُرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا". فأعادها مرارًا، ثم رفع رأسه فقال: "اللَّهمّ! هل بلّغت، اللَّهمّ؟ هل بلّغت، اللهمّ! هل بلّغت؟ ". قال ابن عباس ﵄: فوالذي نفسي بيده، إنّها لوصيتُه إلى أمّته: "فليبلِّغ الشّاهدُ الغائب، لا ترجعوا بعدي كفّارًا يضربُ بعضكم رقاب بعض".
صحيح: رواه البخاريّ (١٧٣٩) عن علي بن عبد الله (هو ابن المديني)، حدثني يحيى بن سعيد
стр. 3267
(هو القطّان)، حدّثنا فضيل بن غزوان، حدّثنا عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
• عن ابن عباس، قال: خطب النبيُّ ﷺ في حجّة الوداع فقال: "إنّ الزّمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض، وإنّ السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حُرم، وثلاثة ولاء: ذو القعدة، وذو الحجّة، والمحرم. والآخر رجب بين جمادى وشعبان".
حسن: رواه الطّحاويّ في شرح مشكل الآثار (١٤٥٤) عن عبيد بن رجال، قال: حدثنا أحمد ابن صالح، قال: حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: أخبرني ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في إسماعيل بن أبي أويس فضعّفه النسائيّ، ومشّاه غيره وهو حسن الحديث إلّا إذا خالف؛ لأنّه إذا روى من حفظه فيخطئ وله ما يشهد.
• عن يحيى بن حصين، عن جدّته أمّ الحصين قال: سمعتها تقول: حججت مع رسول الله ﷺ حجّة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته، ومعه بلال وأسامة أحدهما يقود به راحلته والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله ﷺ من الشّمس قالت فقال رسول الله ﷺ قولًا كثيرًا، ثمّ سمعته يقول: "إنْ أُمَّرَ عليكم عبد مجدع (حسبتها قالت): أسود يقودكم بكتاب الله تعالي فاسمعوا له وأطيعوا".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٩٨) من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن يحيى بن الحصين، فذكره.
ورواه في الإمارة (١٨٣٨) من محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن يحيى بن حصين، قال: سمعتُ جدّتي تحدِّث أنّها سمعت النبيَّ ﷺ يخطب في حجّة الوداع وهو يقول (فذكره بنحوه).
ثم رواه من طريق بهز، حدّثنا شعبة، بهذا الإسناد ولم يذكر "حبشيًّا مجدّعًا". وزاد: أنّها سمعتُ رسولَ الله ﷺ بمنى أو بعرفات.
قلت: ورواية زيد بن أبي أُنِيسة صريحة في أنّها سمعته بمنى بعد أن رمي جمرة العقبة.
• عن ابن عمر، قال: قال النبيُّ ﷺ بمنى: "أتدرون أيُّ يومٍ هذا؟ ". قالوا: الله ورسولُه أعلم، فقال: "فإنَّ هذا يومٌ حرام، أفتدرون أي بلد هذا؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "بلد حرام، أفتدرون أيّ شهر هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "شهر حرام". قال: "فإنّ الله حرَّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم، كحُرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا".
стр. 3268
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٧٤٢) من طريق عاصم بن محمد بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر، فذكره.
ورواه البخاري أيضًا في الأدب (٦١٦٦)، ومسلم في الإيمان (٦٦) كلاهما من طريق شعبة، عن واقد بن محمد بن زيد، سمعت أبي، عن ابن عمر، فذكره مختصرًا.
• عن ابن عمر، قال: كنا نتحدّثُ بحجّة الوداع، والنبيُّ ﷺ بين أظهرنا، ولا ندري ما حجّة الوداع، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر المسيح الدّجّال فأطنب في ذكره، وقال: "ما بعث الله من نبيٍّ إلّا أنذر أمَّته، أنذره نوحٌ والنّبيون من بعده، وإنّه يخرجُ فيكم، فما خفي عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم: أنّ ربَّكم ليس على ما يخفي عليكم -ثلاثًا- إنَّ ربَّكم ليس بأعور، وإنّه أعور عين اليمني، كأنّ عينَه عنبةٌ طافية.
ألا إن الله حرَّم عليكم دماءكم وأموالكم، كحُرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلَّغت؟ ". قالوا: نعم، قال: "اللهمّ اشْهد -ثلاثًا- ويْلكم، أو ويحكم! انظروا، لا ترجعوا بعدي كفّارًا، يضربُ بعضكم رقاب بعض".
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٤٠٢ - ٤٤٠٣) من طريق عمر بن محمد (هو ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب)، أنّ أباه حدّثه، عن ابن عمر، فذكره.
• عن ابن عمر، أنّ رسول الله ﷺ وقف يوم النّحر بين الجمرات في الحجة التي حجّ فيها، فقال النبيُّ ﷺ : "أيُّ يومٍ هذا؟ ". قالوا: يوم النّحر. قال: "فأيُّ بلد هذا؟ ". قالوا: هذا بلد الله الحرام. قال: "فأيّ شهر هذا؟ ". قالوا: شهر الله الحرام. قال: "هذا يوم الحجّ الأكبر؛ دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة هذا البلد في هذا الشهر، في هذا اليوم".
ثم قال: "هل بلَّغت؟ ". قالوا: نعم. فطفق النبيُّ ﷺ يقول: "اللهم اشهد" ثم ودّع النّاس. فقالوا: هذه حجّة الوداع.
صحيح: رواه ابن ماجه (٣٠٥٨) عن هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا هشام بن الغاز، قال: سمعت نافعًا يحدّث عن ابن عمر، فذكر الحديث.
ورواه الحاكم (٢/ ٣٣١)، والبيهقي (٥/ ١٣٩) من أوجه أخرى عن هشام بن الغاز، بإسناده، مثله. ومن هذا الطريق رواه أيضًا أبو داود (١٩٤٥) إلّا أنه اختصره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السّياقة. وأكثر هذا المتن مخرّج في الصحيحين إلّا قوله: "إنّ يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر" فإنّ الأقاويل فيه عن الصّحابة والتابعين
стр. 3269
رضي الله عنهم على خلاف بينهم فيه، فمنهم من قال: يوم عرفة، ومنهم من قال: يوم النحر".
• عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان قبل يوم التروية بيوم خطب الناس، وأخبرهم بمناسكهم.
حسن: رواه ابن خزيمة (٢٧٩٣) عن أحمد بن أبي سريج الرازي، أن عمرو بن مجمع أخبرهم، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: فذكره.
وعمرو بن مجمع ضعيف، ضعَّفَه الدارقطني وغيره، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه.
قلت: وهنا تابعه أبو قرة موسى بن طارق الزبيدي اليماني، عن موسى بن عقبة. أخرجه الحاكم (١/ ٤٦١) وعنه البيهقي (٥/ ١١١) من طريقه.
قال الحاكم: صحيح الإسناد. وقال الذهبي: تفرد به أبو قرة الزبيدي، عن موسى.
قلت: وهو لم يتفرد به كما رأيت، ثم هو ثقة، ولا يضر تفرده.
• عن جرير البجليّ، قال: قال لي النبيُّ ﷺ في حجّة الوداع: "استنصت النّاس" ثم قال: "لا ترجعوا بعدي كفّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٤٠٥)، ومسلم في الإيمان (٦٥) كلاهما من طريق شعبة، عن علي بن مدرك، سمع أبا زرعة (هو ابن عمرو بن جرير) يحدِّث عن جدِّه جرير، به، فذكره. واللفظ لمسلم.
• عن أبي هريرة، قال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَال: "أَيُّهَا النَّاسُ! قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُم الْحَجَّ فَحُجُّوا". فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَام يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ -حَتَّى قَالَهَا ثَلاثًا- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعُمْ". ثُمَّ قَال: "ذَرُوِنِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهِيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٣٧) عن زهير بن حرب، حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الربيع بن مسلم القرشيّ، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، فذكره. وسبق ذكره في أول الباب.
وفي رواية أخرى عند غير مسلم: أنّ هذه الآية الكريمة التي في المائدة نزلت في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [سورة المائدة: ١٠١].
• عن رجلين من بني بكر، قالا: رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أوسط أيام التّشريق، ونحن عند راحلته، وهي خطبة النبيّ ﷺ التي خطب بمنى.
صحيح: رواه أبو داود (١٩٥٢) عن محمد بن العلاء، حدّثنا ابن المبارك، عن إبراهيم بن نافع،
стр. 3270
عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن رجلين من بني بكر، فذكراه.
وإسناده صحيح. وابن أبي نجيح اسمه عبد الله بن يسار المكيّ، وأبوه يسار المكي مولي ثقيف، مشهور بكنيته، وكلاهما ثقتان من رجال مسلم.
• عن الهرماس بن زياد الباهلي، قال: رأيت النبيَّ ﷺ يخطب النّاس على ناقته العضْباء يوم الأضحى بمني.
حسن: رواه أبو داود (١٩٥٤) عن هارون بن عبد الله، حدّثنا هشام بن عبد الملك، عن عكرمة، حدّثنا الهرماس بن زياد الباهليّ، فذكر الحديث.
ورواه الإمام أحمد (١٥٩٦٨)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٩٥٣)، وابن حبان (٣٨٧٥) كلّهم من طريق عكرمة بإسناده.
وعكرمة وهو ابن عمار العجليّ، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث من رجال مسلم.
وأمّا ما رواه يحيي بن الضُّريس عن عكرمة بن عمار، عن هرماس، قال: "كنتُ ردف أبي، فرأيت رسول الله ﷺ على بعير وهو يقول: "لبيك بحجّة وعبرة معًا" فهو منكر.
رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١٥٩٧١) عن عبد الله بن عمران بن أبي ليلى، قال: حدّثنا يحيى بن الضّريس، بإسناده، فذكره.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في العلل (١/ ٢٩٢): "سألت أبي عن حديث رواه عبد الله بن عمران، عن يحيى بن الضريس ... فقال أبي: فذكرته لأحمد بن حنبل، فأنكره.
قال أبي: أرى دخل لعبد الله بن عمران حديث في حديث سرقه الشّاذكونيّ؛ لأنه حدّث به بعد عن يحيى بن الضريس" انتهي.
وحديث الشّاذكونيّ هو ما رواه الطبرانيّ في الكبير (٢٢/ ٢٠٣) من وجهين: عن عبد الله بن أحمد، ثنا عبد الله بن عمران ح. وحدّثنا أبو مسلم الكشيّ، ثنا سليمان بن داود الشاذكونيّ، قالا: ثنا يحيى بن ضريس، حدّثنا عكرمة بن عمار، عن الهرماس بن زياد، فذكره.
وسليمان بن داود الشاذكوني هذا ترجمه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ١١٤٢) فقال: "بصريّ يكنى أبا أيوب حافظ ماجن، عندي ممن يسرق الحديث".
وذكر حديث الباب عن يوسف بن عاصم الرّازيّ، ثنا سليمان الشّاذكونيّ، ثنا يحيى بن ضريس، فذكر الحديث بإسناده، وقال: وهذا يعرف لعبد الله بن عمران الأصفهانيّ، عن يحيى بن ضريس، وقال: للشاذكونيّ حديث كثير مستقيم، وهو من الحفاظ المعدودين من حفاظ البصرة، وهو أحد من يُضم إلى يحيى وأحمد وعلي. وأنكر ما رأيت له هذه الأحاديث التي ذكرتها، بعضها مناكير، وبعضها سرقة.
إذا عرفت هذا فلا تغترن بقول الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٣٥): "رواه عبد الله بن أحمد في
стр. 3271
زياداته، والطبرانيّ في الكبير، والأوسط، ورجاله ثقات".
والخلاصة أنّ الصحيح من حديث عبد الله بن عمران هو خطبة النبيّ ﷺ على ناقته العضباء، ولكنه أخطأ إذ دخل عليه حديث في حديث، فزاد في حديثه: "لبيك بحجّة وعمرة". ثم سرقه الشّاذكونيّ، فرواه عن يحيى بن ضريس؛ ولذا أنكره الإمام أحمد وغيره.
وعبد الله بن عمران هذا الأصبهاني ليس بثقة.
وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٣٥٩) وقال: "يُغرب"، وقال أبو حاتم: "صدوق".
• عن سلمة بن نُبيط، عن أبيه -وكان قد حجّ مع النبيّ ﷺ - قال: رأيتُه يخطب يوم عرفة على بعيره.
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٨٧٢١) عن وكيع، حدّثنا سلمة بن نُبيط، عن أبيه، فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه ابن ماجه (١٢٨٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدّثنا وكيع إلّا أنه لم يذكر فيه "عرفة".
ولكن رواه أبو داود (١٩١٦) عن مسدّد، حدّثنا عبد الله بن داود، عن سلمة بن نبيط، عن رجل من الحي، عن أبيه نبيط أنه رأى النبيّ ﷺ واقفًا بعرفة على بعير أحمر يخطب.
فأدخل بين سلمة بن نبيط، وبين أبيه رجلًا؛ والمحفوظ بدون؛ لأنّ جماعة من الثقات رووه عن سلمة بن نبيط، عن أبيه من غير أن يدخلوا بينهما أحدًا. انظر للمزيد: كتاب العيدين باب خطبة العيد على المنبر.
• عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ قال: قام فينا رسول الله ﷺ على ناقة حمراء مخضرمة، فقال: "أتدرون أيّ يومكم هذا؟ ". قال: قلنا: يوم النّحر. قال: "صدقتم يوم الحجّ الأكبر، أتدرون أيّ شهر شهركم هذا؟ ". قلنا: ذو الحجّة. قال: "صدقتم شهر الله الأصم، أتدرون أيّ بلد بلدكم هذا؟ ". قال: قلنا: المشعر الحرام. قال: "صدقتم". قال: "فإنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا". أو قال: "كحرمة يومكم هذا وشهركم هذا وبلدكم هذا. ألا وأنّي فرطكم على الحوض أنظركم وأنّي مكاثر بكم الأمم فلا تَسوَّدُوا وجهي، ألا وقد رأيتموني وسمعتم مني وستسألون عنّي، فمن كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النّار، ألا وإنّي مستنقذٌ رجالًا -أو ناسًا- ومستنقَذٌ منّي آخرون، فأقول: يا ربِّ أصحابي! فيقالُ: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك".
صحيح: رواه الإمام أحمد عن وجهين: أحدهما عن يحيى بن سعيد (٢٣٤٩٧) هكذا مطوّلًا.
والثاني عن وكيع (١٥٨٨٦) مختصرًا - كلاهما عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة الطيب،
стр. 3272
قال: حدثني رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ، فذكر الحديث.
وإسناده صحيح. ومرة الطيب هو مرة بن شراحيل الهمدانيّ أبو إسماعيل الكوفيّ وهو يعرف بمرة الطّيب وهو من رجال الجماعة.
وقد رواه النسائي في الكبرى (٤٠٩٩)، ومسدد في "المسند" كما ذكره البوصيريّ في زوائد ابن ماجه، والطحاويّ في "شرح مشكل الآثار" (٤٢) كلّهم من طريق شعبة، بهذا الإسناد.
والرّجل المبهم من أصحاب النبيّ ﷺ لم يعرف من هو؟ ولا تضر جهالته.
ولكن رواه ابن ماجه (٣٠٥٧) من وجه آخر عن زافر بن سليمان، عن أبي سنان، عن عمرو بن مرة، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله -وهو على ناقته- المخضرمة بعرفات، فقال: فذكر الخطبة مختصرًا.
فخالف زافر بن سليمان وهو الإيادي القهستاني في موضعين: أحدهما أنه جعل الحديث من مسند ابن مسعود. وغيره جعله عن صحابي مبهم غير مسمّى. والثاني جعل الخطبة ليوم عرفة، وغيره جعله ليوم النّحر.
وزافر بن سليمان هذا مختلف فيه، فوثّقه أحمد وابن معين وأبو داود وغيرهم، وضعّفه النّسائي وغيره، والخلاصة فيه أنه كما قال ابن عدي: "كأنّ أحاديثه مقلوبة الإسناد والمتن، وعامّة ما يرويه لا يتابع عليه، ويكتب حديثه مع ضعفه".
وهذا الحديث خالف من هو أوثق منه في الإسناد والمتن، فالمحفوظ حديث رجل من أصحاب النبيّ ﷺ يوم النّحر.
ولم ينتبه إلى هذه العلّة الخفيّة البوصيريّ في "مصباح الزّجاجة"، فقال: "هذا إسناد صحيح".
• عن رافع بن عمرو المزنيّ، قال: رأيتُ رسول الله ﷺ يخطب النّاسَ بمنى حين ارتفع الضُّحى على بغلة شهباء، وعلي ﵁ يعبّر عنه، والنّاس بين قاعد وقائم.
صحيح: رواه أبو داود (١٩٥٦)، والنسائيّ في الكبرى (٤٠٩٤) كلاهما من طريق مروان (وهو ابن معاوية الفزاريّ)، عن هلال بن عامر المزني، قال: حدّثني رافع بن عمرو المزني، فذكره. وإسناده صحيح.
وأخطأ أبو معاوية -وهو محمد بن خازم الضّرير- فجعل الحديث من مسند عامر بن عمرو المزني والد هلال بن عامر المزني.
ومن هذا الطريق رواه الإمام أحمد (١٥٩٢٠)، وأبو داود (٤٠٧٣).
وقد نبّه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣٠٢) فروى أولًا حديث رافع بن عمرو، ثم ذكر رواية أبي معاوية وقال: "والأول أصح".
стр. 3273
قلت: ولكن لم ينفرد به أبو معاوية، فقد روى الإمام أحمد (١٥٩٢١) عن محمد بن عبيد، قال: حدّثنا شيخ من بني فزارة، عن هلال بن عامر المزني، عن أبيه، قال: "رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس على بغلة شهباء، وعليّ يعبر عنه". وإسناده ضعيف من أجل جهالة هذا الشيّخ الذي لم يُسم.
قوله: "وعليٌّ يعبّر عنه" أي يُسمع الناس ما عسى أن يخفى عليهم لبعدهم عن رسول الله ﷺ .
• عن أبي أمامة الباهليّ، قال: سمعت رسول الله ﷺ في خطبته عام حجّة الوداع يقول: "إن الله قد أعطي كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، وحسابهم على الله، ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله التابعةُ إلى يوم القيامة، لا تُنفق المرأة شيئًا من بيتها إلا بإذن زوجها". فقيل: يا رسول الله، ولا الطّعام؟ قال: "ذاك أفضلُ أموالنا". قال: ثم قال رسول الله ﷺ : "العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم".
حسن: رواه أبو داود (٣٥٦٥)، والترمذي (٦٧٠)، وابن ماجه (٢٢٩٥)، وأحمد (٢٢٢٩٤) كلّهم من طريق إسماعيل بن عياش، قال: حدثني شرحبيل بن مسلم الخولانيّ، قال: سمعت أبا أمامة الباهليّ، فذكره. واللفظ لأحمد واختصره غيره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في إسماعيل بن عياش إلا أن روايته عن الشاميين لا بأس به وهذا منها، وله طريق آخر يصح به الحديث. انظر الوصية. وقال الترمذي: "حديث حسن".
• عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي قال: خطبنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى ففُتحتْ أسماعُنا حتّى كنّا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا فطفق يعلمهم مناسكهم حتّى بلغ الجمار فوضع أصبعيه السبابتين ثم قال: "بحصى الخذف". ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد، وأمر الأنصار فتزلوا من وراء المسجد، ثم نزل الناس بعد ذلك.
صحيح: رواه أبو داود (١٩٥٧) عن مسدّد، حدّثنا عبد الوارث، عن حميد الأعرج، عن محمد ابن إبراهيم التيميّ، عن عبد الرحمن بن معاذ التيميّ، فذكره.
وكذلك رواه الإمام أحمد (١٦٥٨٩) عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن حميد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي، وقال: وكان من أصحاب النبيّ ﷺ ، قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث.
وتابعه على ذلك ابن المبارك عن عبد الوارث، فذكر مثله. رواه البيهقي (٥/ ١٢٧).
ولكن رواه النسائي (٢٩٩٦) من طريق ابن المبارك، فزاد فيه: "عن رجل من أصحاب النبيّ
стр. 3274
- ﷺ " كما سيأتي.
وخالفه معمر فرواه عن حميد الأعرج، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عبد الرحمن بن معاذ، عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ، قال: "خطب النبيّ ﷺ النّاس بمنى، ونزّلهم منازلهم، وقال: "لينزل المهاجرون ها هنا"، وأشار إلى ميمنة القبلة. "والأنصار ها هنا" وأشار إلى ميسرة القبلة. "ثم لينزل الناس حولهم" وذكر بقية الحديث.
رواه الإمام أحمد (١٦٥٨٨) -وعنه أبو داود (١٩٥١) - عن عبد الرزاق، عن معمر، بإسناده.
إن كان هذا محفوظًا فلا يضر إبهام الرجل لأنه صحابي، والصواب ما رواه عبد الوارث، وابن المبارك بدون ذكر الرجل المبهم، وهو الذي صحّحه البيهقي إلا أنه أعلّه بالإرسال، فقال: "زعموا أن محمد بن إبراهيم التيمي لم يدركه، وروايته عنه مرسلة".
كذا قال! ولم يذكر أصحاب المراسيل أن روايته عن عبد الرحمن بن معاذ مرسلة. وقد نصُّوا على عدد من الصحابة لم يسمع منهم، وليس فيهم عبد الرحمن بن معاذ. فالأصل فيه أنه متصل حتى يأتي ما يخالفه.
بل قال أبو حاتم: "لم يسمع من جابر ولا من أبي سعيد". قال الحافظ في التهذيب: "وحديثه عن عائشة عند مالك والترمذي وصحّحه، وعائشة ماتت قبل أبي سعيد وجابر".
وفيه إشارة إلى عدم رضا الحافظ بقول أبي حاتم.
وقول البيهقي: "زعموا" ليس صريحًا في نفي السماع منه، والله أعلم.
• عن أبي نضرة حدّثني من سمع خطبة رسول الله ﷺ في وسط أيام التّشريق، فقال: يا أيّها النّاس، ألا إنّ ربكم واحد، وإنّ أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى. أبلّغت؟ ! ". قالوا: بلَّغ رسول الله ﷺ . ثم قال: "أيُّ يومٍ هذا؟ ". قالوا: يوم حرام. ثم قال: "أيُّ شهر هذا؟ ". قالوا: شهر حرام. قال: ثمّ قال: "أيُّ بلد هذا؟ ". قالوا: بلد حرام. قال: "فإنّ الله قد حرّم بينكم دماءكم وأموالكم". قال: ولا أدري قال: "أو أعراضكم" أم لا؟ "كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، أبلغت؟ ". قالوا: بلّغ رسول الله ﷺ . قال: "ليِبُلِّغ الشّاهدُ الغائبَ".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٣٤٨٩) عن إسماعيل، حدّثنا سعيد الجريريّ، عن أبي نضرة، فذكره. وإسناده صحيح. وإسماعيل هو ابن عليّة.
وأبو نضرة اسمه: المنذر بن مالك بن قطعة العبديّ. والصحابي المبهم لعلّ هو جابر كما جاء التصريح به في رواية أبي نعيم في الحلية (٣/ ١٠٠) من طريق سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن
стр. 3275
جابر، فذكره مختصرًا، وقال: "غريب من حديث أبي نضرة، عن جابر. لم نكتبه إلّا من حديث أبي قلابة عن الجريري عنه" انتهي.
قلت: إن كانت الغرابةُ من أجل أبي قلابة شيبة القيسي فقد رأيتَ رواه أيضًا إسماعيل بن عليّة. ثم حديث جابر رواه الإمام أحمد بإسناد آخر، كما مضى.
• عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ في حجّة الوداع: "ألا إنّ أحْرَمَ الأيام يومكم هذا، ألا وإنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلّغت؟ ". قالوا: نعم. قال: "اللهم اشْهد".
صحيح: رواه ابن ماجه (٣٩٣١) عن هشام بن عمار، قال: حدثنا عيسى بن يونس، حدّثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فذكره.
ورواه الإمام أحمد (١١٧٦٢) عن علي بن بحر، عن عيسي بن يونس، بإسناده. ولفظه سواء.
• عن فضالة بن عبيد الأنصاري، عن رسول الله ﷺ أنه قال في حجّة الوداع: "هذا يوم حرام، وبلد حرام، فدماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام مثل هذا اليوم، وهذه البلدة إلى يوم تلقونه، وحتى دفعة دفعها مسلم مسلمًا يريد بها سوءًا حرامًا، وسأخبركم من المسلم؟ من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمهاجر من هجر الخطايا والذّنوب، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله".
صحيح: رواه البزار في مسنده (٣٧٥٢)، وأحمد (٢٣٩٥٨)، والطبراني (١٢/ ٣٠٩) كلّهم من حديث أبي هانئ الخولاني، عن عمرو بن مالك الجنْبيّ، قال: حدثني فضالة بن عبيد، فذكره. واللفظ للبزّار.
ورواه ابن ماجه (٣٩٣٤)، وابن حبان في صحيحه (٤٨٦٢)، والحاكم (١/ ١٠ - ١١) كلهم من هذا الوجه مختصرًا. وأبو هانئ اسمه حميد بن لاحق.
• عن أبي الغادية الجهنيّ، قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم العقبة، فقال: "يا أيّها النّاس، إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربَّكم، كحرمكم يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلّغت؟ ". قالوا: نعم. قال: "اللهمّ هل بلّغت".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٦٦٩٩) عن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدّثنا ربيعة بن كلثوم، قال: حدثني أبي، عن أبي غادية الجهنيّ، فذكره.
ورواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٦٣) من وجه آخر عن مسلم بن إبراهيم، ثنا ربيعة بن كلثوم،
стр. 3276
ثنا أبي، قال: كنت بواسط القصب عند عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، فقال الآذان: هذا أبو غادية الجهني. فقال عبد الأعلى: أدخلوه. فدخل وعليه مقطعات له، رجل طوال ضرب من الرجال، كأنه ليس من هذه الأمة. فلما قعد، قال: "بايعت رسول ﷺ . فقلت: يمينك؟ قال: نعم. خطبنا يوم العقبة، فقال: "يا أيها الناس ألا إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلّغت؟ ". قالوا: نعم. قال: "اللهم! اشهد". قال: "لا ترجعوا بعدي كفّارّا يضرب بعضكم رقاب بعض".
قال: "وكنا نعدّ عمار بن ياسر من خيارنا. قال: فلما كان يوم صفين، أقبل يمشي أول الكتيبة راجلًا حتى إذا كان من الصفين طعن رجلًا في ركبته بالرمح، فعثر فانكفأ المغفر عنه، فضربته فإذا هو رأس عمار.
قال: يقول مولي لنا: أي يد كفتاه. قال: فلم أر رجلًا أبين ضلالةً عندي منه، أنه سمع من النبيّ ﷺ ما سمع، ثم قتل عمارًا". انتهى.
وإسناده حسن من أجل الكلام في كلثوم وهو ابن جبر البصريّ مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وأبو الغادية هذا الجهني واسمه يسار بن سبع، وقيل: يسار بن أزهر. أدرك النبيّ ﷺ وهو غلام، وله سماع من النبيّ ﷺ ، وكان محبًّا في عثمان، وهو قاتل عمار بن ياسر، وكان إذا استأذن على معاوية وغيره يقول: قاتل عمار على الباب! .
قال ابن عبد البر في ترجمته في "الاستيعاب": "وفي قصته عجب عند أهل العلم، روى عن النبيّ ﷺ ما ذكرنا أنه سمعه منه، ثم قتل عمارًا ﵁، روى عنه كلثوم بن جبر".
وقال الحافظ في "الإصابة": "والظن بالصّحابة في تلك الحروب أنهم كانوا فيها متأوّلين، وللمجتهد المخطئ أجر، وإذا ثبت هذا في حقّ أحاد الناس، فثبوته للصحابة بالطريق الأولى".
• عن وابصة بن معبد الجهنيّ، أنّه كان يقوم في الناس يوم الأضحى، أو يوم الفطر فيقول: إنّي شهدتُ رسول الله ﷺ في حجّة الوداع، وهو يقول: "أيّ يوم هذا؟ ". قال الناس: يوم النّحر. قال: "فأيّ شهر هذا؟ ". ثم قال: "أيُّ بلد هذا؟ ". قالوا: هذه البلدة. قال: "فإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه". ثم قال: "اللهم هل بلغت، يبلّغ الشّاهد الغائب".
قال وابصة: نُشهد عليكم، كما أَشهد علينا.
حسن: رواه أبو يعلى (١٥٨٩) عن عمرو النّاقد، حدّثنا عمرو بن عثمان الكلابي الرّقي، حدّثنا أصبغ بن محمد، عن جعفر بن برقان، عن شدّاد مولي عياض، عن وابصة، فذكره.
وعمرو بن عثمان الكلابي ضعيف، ولكنه توبع. رواه أبو يعلى (١٥٩٠) قال عمرو بن محمد
стр. 3277
النّاقد، حدّثنا أبو سلمة الخزاعيّ، أنّ جعفر بن برقان حدّثهم في هذا الحديث، أنّ سالم بن وابصة صلي بهم بالرّقة. وذكر حديث وابصة هذا.
وقال وابصة: "نُشهد عليكم كما أشهد علينا، فأوعيتم ونحن نبلغكم".
وأبو سلمة الخزاعي هو منصور بن سلمة بن عبد العزيز البغداديّ "ثقة ثبت حافظ" كما في "التقريب" من رجال الشيخين.
وسالم بن وابصة له ترجمة في تاريخ أبي زرعة الدّمشقي (٢/ ٦٨٦).
ورواه الطّبرانيّ في الأوسط (مجمع البحرين) (١٧٨٣) من طريق عبد السلام بن عبد الرحمن بن صخر الوابصيّ الرّقي، ثنا أبي، عن جعفر بن برقان بإسناده، نحوه. وهذه متابعة أخرى.
ووهم الطّبراني عندما قال: "لا يُروى عن وابصة إلّا بهذا الإسناد، تفرّد به عبد السلام".
وإسناده حسن من أجل الكلام في جعفر بن برقان غير أنه حسن الحديث، وثقه ابن معين، وابن سعد، وضعّفه النسائيّ. وفيه أيضًا شداد مولي عياض، ولم يوثقه غير ابن حبان.
ولذا قال الحافظ: "مقبول" وهو كذلك لأنه توبع.
وقال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٦٩ - ٢٧٠): "رواه الطبراني في الأوسط، ورواه أبو يعلى ورجاله ثقات".
• عن الحارث بن عمرو أنه لقي رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، استغفر لي. قال: "غفر الله لكم". قال وهو على ناقته العضباء. قال: فاشتددت له من الشق الآخر أرجو أن يخصني دون القوم. فقلت: استغفر لي. قال: "غفر الله لكم". قال رجل: يا رسول الله، الفرائع والعتائر؟ قال: "من شاء فرَّع، ومن شاء لم يفرع، ومن شاء عتر ومن شاء لم يعتر، في الغنم أضحية". ثم قال: "ألا إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٥٩٧٢) واللفظ له.
ورواه النسائي (٤٢٢٦، ٤٢٢٧) والطبراني في الكبير (٣٣٥٠) والحاكم (٤/ ٢٣٦) مختصرا - كلهم من طرق، عن يحيى بن زرارة بن كُريم بن الحارث بن عمرو الباهلي، قال: سمعت أبي يذكر أنه سمع جده الحارث بن عمرو يحدث، فذكره.
ويحيى بن زرارة لم يوثقه غير ابن حبان، ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول" قلت: وهو كذلك لأنه توبع.
فقد رواه الطبراني في الكبير (٣٣٥١)، والحاكم (٤/ ٢٣٢)، والبيهقي (٥/ ٢٨) كلهم من طريق عبد الوارث، عن عتبة بن عبد الملك السهمي، عن زرارة، بإسناده، نحوه.
стр. 3278
قال الحاكم: "حديث صحيح لم يخرجاه".
وأخرجه الطبراني أيضا (٣٣٥٢) من وجه آخر عن سهيل بن حصين الباهلي، زرارة بن كُريم، الحارث بن عمرو السهمي أنه أتى رسول الله ﷺ في حجة الوداع، وهو على ناقته العضباء، وكان الحارث رجلا جسيما، فنزل إليه الحارث، فدنا منه حتي حاذي وجهه بركبة رسول الله ﷺ ، فأهوى نبي الله ﷺ يمسح وجه الحارث، فما زالت نضرة على وجه الحارث حتى هلك. فقال له الحارث: يا نبي الله، ادع الله لي: "اللهم اغفر لنا"، فذكر نحو حديث عبد الوارث" انتهى.
• عن أنس بن مالك قال: إني لتحت ناقة رسول الله ﷺ يسيل علي لُعابها فسمعته يقول: "إن الله جعل لكل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، ألا لا يتولن رجل غير مواليه، ولا يدعين إلى غير أبيه، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله متتابعة إلى يوم القيامة، ألا لا تنفقن امرأة من بيتها إلا بإذن زوجها، فقال رجل: إلا الطعام يا رسول الله، فقال: وهل أفضل أموالنا إلا الطعام! ؟ ألا إن العارية مؤداة، والمنيحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم".
صحيح: رواه ابن ماجه (٢٧١٤)، وأبو عمرو المديني في حجة الوداع (٣٩)، والطبراني في مسند الشاميين (٦٢١) -واللفظ له- كلهم من حديث محمد بن شعيب بن شابور، ثنا عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر، عن سعيد بن أبي سعيد أنه حدثه عن أنس بن مالك فذكره.
وإسناده صحيح، ومحمد بن شعيب بن شابور فيه كلام يسير لا يضر كما أنه توبع.
وهو ما رواه أبو داود (٥١١٥) عن سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي حدثنا عمر بن عبد الواحد عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال حدثني سعيد بن أبي سعيد -ونحن ببيروت- عن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة. فذكره مختصرا.
ورواه الدارقطني (٤/ ٧٠) عن أبي بكر النيسابوري، نا عباس بن الوليد بن مزيد، أخبرني أبي، انا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني سعيد بن أبي سعيد -شيخ بالساحل- قال: حدثني رجل من أهل المدينة قال: فذكر الحديث مختصرا.
فجعل سعيد بن أبي سعيد رجلا آخر غير المقبري، فإن صحّ فالإسناد ضعيف لجهالة هذا الساحلي مع أن الطبراني صرح بأنه المقبري، وهو الذي اختاره البوصيري وغيره فصححوا هذا الحديث. وقد زعم ابن عساكر أن سعيد بن أبي سعيد قدم الشام مرابطا فحدث بساحل بيروت فلا يبعد أن يكون هو المقبري المدني الساحلي، ومن الناس من فرقوا بين المقبري والساحلي وهو اختيار الحافظ ابن حجر في التقريب.
стр. 3279
فمن المحتمل أن يكون لأنس بن مالك راويان: أحدهما المقبري المدني المعروف، والثاني الساحلي البيروتي لا يعرف، فيتقوى أحدهما بالآخر وبالله التوفيق.
• عن العدَّاء بن خالد الكلابي قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم عرفة وهو قائم على الركابين ينادي بأعلى صوته: "يا أيها الناس، أي يوم يومكم هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فأي شهر شهركم هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فأي بلد بلدكم هذا؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "يومكم يوم حرام، وشهركم شهر حرام، وبلدكم بلد حرام" قال: فقال: "ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم" قال: ثم رفع يديه إلى السماء فقال: "اللَّهم! اشهد عليهم، اللهم! اشهد عليهم" ذكر مرارا، فلا أدري كم ذكر.
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٠٣٣٦) عن يونس، حدثنا عمر بن إبراهيم اليشكري، حدثنا شيخ كبير من بني عُقيل، يقال له: عبد المجيد العقيلي، قال: انطلقنا حجاجا ليالي خرج يزيد بن المهلب، وقد ذكر لنا أن ماء بالعالية يقال له: الزُّجيج، فلما قضينا مناسكنا جئنا حتى أتَيْنَا الزُّجَيْحَ، فَأَنَخْنَا رَوَاحِلَنَا، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى بِئْرِ عَلَيْهِ أَشْيَاخٌ مُخَضَّبُونَ يَتَحَدَّثُونَ. قَالَ: قُلْنَا: هَذَا الَّذِي صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيْنَ بَيْتُهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ صَحِبُه، وَهَذَاكَ بَيْتُهُ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا الْبَيْتَ فَسَلَّمْنَا، قَالَ: فَأَذِنَ لَنَا، فَإِذَا هُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ مُضْطَجِعٌ يُقَالُ لَهُ: الْعَدَّاءُ بْنُ خَالِدٍ الْكِلَابِيُّ، قُلْتَ: أَنْتَ الَّذِي صَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْلَا أَنَّهُ اللَّيْلُ لَأَقْرَأْتُكُمْ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيَّ. قَالَ: فَمَنْ أَنْتُمْ؟ قُلْنَا: مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ. قَالَ: مَرْحَبًا بِكُمْ، مَا فَعَلَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ؟ قُلْنَا: هُوَ هُنَاكَ يَدْعُو إلَى كِتَابِ اللَّهِ ﵎ وَإِلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ: فِيمَا هُوَ مِنْ ذَاكَ، فِيمَا هُوَ مِنْ ذَاكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَيَّا نَتَّبِعُ هَؤُلَاءِ أَوْ هَؤُلَاءِ -يَعْنِي أَهْلَ الشَّامِ أَوْ يَزِيدَ-؟ قَالَ: إِنْ تَقْعُدُوا تُفْلِحُوا وَتَرْشُدُوا، إِنْ تَقْعُدُوا تُفْلِحُوا وتَرْشُدُوا، لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وإسناده حسن من أجل عبد المجيد العقيلي، وثقه ابن معين وابن حبان، وهو حسن الحديث.
وقد أخرجه أبو داود (١٩٧١) وأحمد (٢٠٣٣٥) كلاهما من حديث وكيع، عن عبد المجيد مختصرا. ورواه أيضا أبو داود (١٩١٨) من طريق عثمان بن عمر، عن عبد المجيد بمعناه.
وقوله: "زجيج": منزل للحجاج بين البصرة ومكة.
• عن جبير بن مطعم، قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يخطب الناس بالخيف: "نضّر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها، ثم أدّاها إلى من لم يسمعها، فربّ حامل فقه لا فقه له، وربّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا يُغلّ عليهن قلب المؤمن:
стр. 3280
إخلاص العمل، وطاعة ذوي الأمر، ولزوم الجماعة، فإنّ دعوتهم تكون من ورائه".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٦٧٥٤)، والبزار في مسنده (٣٤١٦) كلاهما من حديث يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عمرو ابن أبي عمرو مولي المطلب، عن عبد الرحمن بن الحويرث، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، فذكره. واللّفظ لأحمد.
وإسناده حسن من أجل الكلام في عبد الرحمن بن الحويرث، وهو ابن معاوية بن الحويرث -بالتصغير- نسب إلى جدّه.
قلت: لأنه تكلَّم فيه مالك، فقال: ليس بثقة. قال عبد الله بن أحمد: أنكر أبي ذلك من قول مالك، وقال: قد روي عنه شعبة وسفيان. واختلف فيه قول ابن معين توثيقًا وتضعيفًا، والخلاصة فيه كما قال الحافظ: "صدوق سيء الحفظ" أعني إذا خالف أو أتي في حديثه ما ينكر عليه، ولم يخالف في هذا ولم يأت في حديثه ما ينكر.
وأما الاختلاف على محمد بن إسحاق فلا يضرّ ما صحَّ منه.
وقد أيّده ما رواه الدّارميّ (٢٣٣) عن سليمان بن داود، حدّثنا إسماعيل بن جعفر، حدّثنا عمرو ابن أبي عمرو، عن عبد الرحمن بن الحويرث، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، فذكره.
ولكن في رواية على بن جعفر السّعديّ (٣٥٥)، عن إسماعيل بن جعفر ليس فيه ذكر "عن أبيه" فهو مرسل. وانتقد الحافظ في "موافقة الخبر الخبر" (١/ ٣٧٣) الدّارقطني في ذكره المرسل، وقال: رواية الدارميّ ترد عليه.
والحديث ثبت موصولًا أيضًا من غير طريق ابن إسحاق، فقد روي أيضًا عن مالك وصالح بن كيسان ويزيد بن عياض، عن الزهري، عن محمد بن جبير، عن أبيه، كما ذكره الدارقطني في "علله" (١٣/ ٤١٩). وفي الحديث كلام أكثر من هذا، وهذا ملخصه.
وفي الباب ما رُوي عن سرَّاء بنت نبهان، وكانت ربّة بيت في الجاهليّة، قالت: "خطبنا رسول الله ﷺ يوم الرؤوس، فقال: "أيّ يوم هذا؟ ". قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "أليس أوسط أيام التشريق؟ ".
رواه أبو داود (١٩٥٣) عن محمد بن بشار، حدّثنا أبو عاصم، حدّثنا ربيعة بن عبد الرحمن بن حصين، حدّثتني جدّتي سراء بنت نبهان، فذكرته.
وربيعة بن عبد الرحمن بن حصين (وفي رواية: حِصْن) لم يوثقه غير ابن حبان (٤/ ٢٣١) ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول". أي إذا توبع ولم يتابع.
قال أبو داود: "وكذلك قال عمّ أبي حرة الرّقاشيّ: إنه خطب أوسط أيام التشريق".
وأبو حرة هذا اسمه حنيفة، وقيل اسمه: حكيم، مشهور، بكنيته مختلف فيه فضعّفه ابن معين، ووثَّقه أبو داود، وحديثه الآتي.
стр. 3281
وفي الباب أيضًا عن أبي حرة الرّقاشيّ، عن عمّه قال: كنت آخذا بزمام ناقة رسول الله ﷺ في أوسط أيام التشريق أذود عنه الناس فقال ﷺ : فذكر خطبته الطويلة فيها حرمة البلد الحرام، ووضع ربا الجاهلية، وأن لا ترجعوا بعده كفّارًا، والتوصية بالنّساء خيرًا وغيرها من الفقرات التي ثبتت متقطعًا في الخطب الأخرى.
رواه الإمام أحمد (٢٠٦٩٥) عن عفان، حدّثنا حماد بن سلمة، أخبرنا علي بن زيد، عن أبي حرة الرقاشي، فذكره.
وعلي بن زيد هو ابن جدعان المنسوب إلى أحد أجداده الأعلى، الأئمّة متفقون على تضعيفه إلّا أنّ الترمذي كان حسن الرّأي فيه، فقال: "صدوق". والحقّ أنه ضعيف وكذا قاله أيضًا الحافظ في التقريب.
وقد أخرج أبو داود (٢١٤٥)، والدارمي (٢٥٣٤)، وأبو يعلي (١٥٧٠) وغيرهم قِطَعًا من هذه الخطبة من طرق، عن حماد بن سلمة.
وفي الباب عن عمرو بن الأحوص: أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله ﷺ وأثنى عليه وذكّر ووعظ ثم قال: "أيُّ يوم أحرم؟ أيّ يوم أحرم؟ أيُّ يوم أحرم؟ ". قال: فقال النّاس: يوم الحج الأكبر يا رسول الله، قال: "فإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا لا يجني جان إلا على نفسه ولا يجني والد على ولده، ولا ولد على والده، ألا إنّ المسلم أخو المسلم فليس يحل لمسلم من أخيه شيء إلا ما أحلّ من نفسه ألا وإن كلّ ربا في الجاهليّة موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون غير ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كلّه، ألا وإن كلّ دم كان في الجاهلية موضوع وأوّل دم أضع من دماء الجاهليّة دم الحارث بن عبد المطلب -كان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل-، ألا واستوصوا بالنّساء خيرًا، فإنما هنّ عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا، ألا إنّ لكم على نسائكم حقًّا ولنسائكم عليكم حقًّا، فأمَّا حقُّكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم من تكرهون، ألا وإن حقهنّ عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن".
رواه الترمذيّ في مواضع: منها في التفسير (٣٠٨٨) بهذا اللّفظ، ومنها في الرضاع (١١٦٣)، ومنها في الفتن (٢١٥٩).
وكذلك ابن ماجه في موضعين (١٨٥١)، و (٣٠٥٥)، وأبو داود (٣٣٣٤) مختصر جدًا -كلّهم من حديث الحسين بن علي، عن زائدة، عن شبيب بن غرقدة البارقيّ، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، قال: حدّثني أبي أنه شهد حجّة الوداع، فذكره.
стр. 3282
هذه رواية الترمذي في الموضع الأول، وابن ماجه في الموضع الأول.
وأما الترمذي في الموضع الثاني والثالث، وابن ماجه في الموضع الثاني، وأبو داود، وأحمد (١٥٥٠٧) فكلهم رووه من حديث أبي الأحوص، عن شبيب بن غرقدة البارقي.
وقد أشار إليه الترمذي في الموضع الأول، ولذا أفردت ذكره. قال الترمذي: "حسن صحيح".
قلت: ولكن فيه سليمان بن عمرو لم يرو عنه إلا شبيب بن غرقدة، ويزيد بن أبي زياد، ولم يوثقه أحد، وإنما ذكره ابن حبان في الثقات على قاعدته، ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول" إذا توبع، ولم أجد له متابعًا. بل وقد نقل الحافظ في "التهذيب" عن ابن القطان أنه قال: "مجهول". فلعل الترمذي صحّحه أو حسّنه لشواهده أو لتساهله.
وفي الباب عن عمار بن ياسر، قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "أيّ يوم هذا؟ " فقلنا: يوم النحر، فقال: "أيّ شهر هذا؟ ". قلنا: ذو الحجة شهر حرام. قال: "فأيّ بلد هذا؟ ". قلنا: بلد الحرام. قال: "فإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل يُبلّغ الشّاهد الغائب".
رواه أبو يعلى (١٦٢٢) عن محمد، عن عبد الرحمن بن جبلة، حدثنا عمرو بن النعمان، عن كثير أبي الفضل، عن مطرف بن عبد الله الشخير، قال: سمعت عمار بن ياسر، قال (فذكره).
وفيه عبد الرحمن بن جبلة وهو ابن عمرو بن جبلة ذكره الذهبي في "الميزان"، وقال: قال أبو حاتم: كان يكذب فضربت على حديثه، وقال: متروك يضع الحديث.
وفي الباب ما روي عن ابن عباس، أنّ رسول الله ﷺ قسم يومئذ في أصحابه غنمًا، فأصاب سعد بن أبي وقاص تيسًا فذبحه، فلما وقف رسول الله ﷺ بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلف، فقام تحت ثدي ناقته، وكان رجلًا صيّتًا، فقال: "اصرخ أيها الناس، أتدرون أي شهر هذا؟ " فصرخ، فقال الناس: الشهر الحرام، فقال: "اصرخ، أتدرون أي بلد هذا؟ ". قالوا: البلد الحرام، قال: "اصرخ، أتدرون أي يوم هذا؟ " قالوا: الحجّ الأكبر، فقال: "اصرخ، فقل: إنّ رسول الله ﷺ قد حرم عليكم دماءكم، وأموالكم، كحرمة شهركم هذا، وكحرمة بلدكم هذا، وكحرمة يومكم هذا" فقضى رسول الله ﷺ حجّه، وقال: حين وقف بعرفة: "هذا الموقف، وكلّ عرفة موقف". وقال حين وقف على قزح: "هذا الموقف، وكلّ مزدلفة موقف".
رواه الطبراني (١١/ ١٧٢) عن محمد بن علي بن الأحمر الناقد البصريّ، ثنا محمد بن يحيى القطيعي، ثنا وهيب بن جرير، ثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق، ثنا عبد الله بن أبي نجيح، قال: قال عطاء، قال ابن عباس، فذكره.
يقول الحافظ ابن حجر في "الإصابة" في ترجمة ربيعة بن أمية بن خلف:
"من لم يمعن النظر في أمره، منهم البغوي وأصحابه وابن شاهين، وابن السكن، والباوردي،
стр. 3283
والطبراني، وتبعهم ابن مندة وأبو نعيم".
إلى أن قال: فلو لم يرد إلا هذا لكان عده في الصحابة صوابًا، ولكن ورد أنه ارتدّ في زمن عمر ... ".
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن المسور بن مخرمة قال: خطبنا رسول الله ﷺ بعرفات، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، فإنّ أهل الشّرك والأوثان كانوا يدفعون من هذا الموضع إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع بعد أن تغيب. وكانوا يدفعون من المشعر الحرام إذا كانت الشمس منبسطة".
رواه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٤ - ٢٥) عن العباس بن الفضل الأسفاطي، ثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي، ثنا عبد الوارث بن سعيد، عن ابن جريج، عن محمد بن قيس، عن المسور بن مخرمة، قال (فذكره).
ورواه الحاكم (٣/ ٥٢٣ - ٥٢٤) من هذا الوجه إلا أنه أدخل بين عبد الوارث بن سعيد، وبين ابن جريج "شعبة".
وقال: "صحيح على شرط الشيخين". وقال: "قد صحّ وثبت بما ذكرته سماع المسور بن مخرمة من رسول الله ﷺ لا كما يتوهمه رعاع أصحابنا أنه ممن له رواية بلا سماع".
١٣٤ - باب ما جاء في عدد حجّات النبيّ ﷺ -
• عن زيد بن أرقم: أنّ النبيّ ﷺ غزا تسعَ عشرةَ غزوة، وأنّه حجَّ بعد ما هاجر حجّة واحدة لم يحجّ بعدها، حجّة الوداع.
قال أبو إسحاق: وبمكة أخرى.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٠٤)، ومسلم في الحج (١٢٥٤)، كلاهما من طريق زهير (هو ابن معاوية أبو خيثمة)، حدّثنا أبو إسحاق (هو السبيعي)، حدثني زيد بن أرقم، به. واللفظ للبخاريّ. قول أبي إسحاق: "وبمكة أخرى".
قال الحافظ في الفتح (٨/ ١٠٧): "وغرض أبي إسحاق أن لقوله: "بعد ما هاجر" مفهوما وأنه قبل أن يهاجر كان قد حجّ لكن اقتصاره على قوله: "أخرى" قد يوهم أنه لم يحج قبل الهجرة إلّا واحدة، وليس كذلك بل حجَّ قبل أن يهاجر مرارًا بل الذي لا أرتاب فيه أنّه لم يترك الحجّ وهو بمكة قطّ لأنّ قريشًا في الجاهليّة لم يكونوا يتركون الحجَّ وإنما يتأخر منهم عنه من لم يكن بمكة أو عاقه ضعف، وإذا كانوا وهم على غير دين يحرصون على إقامة الحجّ ويرونه من مفاخرهم التي امتازوا بها على غيرهم من العرب، فكيف يظن بالنبيّ ﷺ أنه يتركه؟ ! وقد ثبت من حديث جبير بن مطعم أنه رآه في الجاهلية واقفا بعرفة وأن ذلك من توفيق الله له، وثبت دعاؤه قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاث سنين متوالية كما بينته في الهجرة إلى المدينة".
стр. 3284
• عن قتادة، قال: سألتُ أنسًا: كم حجَّ رسول الله ﷺ ؟ قال: حجّة واحدة، واعتمر أربع عمر.
متفق عليه: رواه البخاريّ في العمرة (١٧٧٨)، ومسلم في الحج (١٢٥٣) كلاهما من طريق همّام، عن قتادة، فذكره. واللفظ لمسلم.
• عن جابر بن عبد الله، أنّ النبيّ ﷺ حجّ ثلاث حجج، حجّتين قبل أن يهاجر، وحجّة بعدما هاجر، ومعها عمرة. فساق ثلاثة وستين بدنة، وجاء عليٌّ من اليمن ببقيتها، فيها جمل لأبي جهل في أنفه بُرّة من فضّة، فنحرها رسول الله ﷺ ، وأمر رسول الله ﷺ من كلّ بدنة ببعضه، فطُبختْ وشرب من مرقها.
صحيح: رواه الترمذي (٨١٥)، وابن ماجه (٣٠٧٦)، وصحّحه ابن خزيمة (٣٥٠٦) كلهم من حديث سفيان الثوريّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، فذكره. واختصره ابن خزيمة. هذا الحديث علّله الترمذيّ بعلّتين:
إحداهما: أنه لم يرو هذا الحديث إلا زيد بن الحباب، عن سفيان الثوريّ.
والثانية: نقل عن البخاريّ أنه لا يعرف حديث الثوري عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، عن النبيّ ﷺ ، ولا يرى هذا الحديث محفوظًا. وقال: "إنّما يروى عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن مجاهد مرسلًا".
قلت: فأما العلة الأولى بأنه لا يروى هذا الحديث إلّا عن زيد بن الحباب. فأقول: زيد بن الحباب ثقة، وثّقه ابن المديني، والعجلي، والدارقطني، وابن حبان. وقال أبو حاتم: "صدوق صالح". ولكن قال ابن معين: كان يقلب حديث الثوريّ ولم يكن به بأس.
وقال ابن عدي: "له حديث كثير، وهو من أثبات مشائخ الكوفة، ممن لا يشك في صدقه. والذي قاله ابن معين عن أحاديثه عن الثوري إنما له أحاديث عن الثوري يستغرب بذلك الإسناد، وبعضها يتفرد برفعه، والباقي عن الثوري وغير الثوري مستقيمة كلها".
قلت: وملخص هذا الكلام أنه إذا انفرد برواية حديث عن الثوري، ولم يتابع عليه، فقد يكون أخطأ فيه.
وقد وجدنا لزيد بن الحجاب متابعًا، وهو ما رواه ابن ماجه (٣٠٧٦) عن القاسم بن محمد بن عبّاد بن عبّاد المهلّبي، قال: حدّثنا عبد الله بن داود، قال: حدّثنا سفيان، قال (فذكر الحديث). قيل له: من ذكره؟ قال: جعفر، عن أبيه، عن جابر.
وعبد الله بن داود هذا هو الهمداني أبو عبد الرحمن الخريبي، ثقة فاضل. وهي متابعة قوية لزيد ابن الحباب.
стр. 3285
والعلة الثانية: كونه روي عن الثوريّ، عن أبي إسحاق، عن مجاهد مرسلًا. فلا يضر من رواه موصولًا من وجه آخر، وهو ما سبق؛ وعدم العلم ليس بعلم كما يقال.
قال ابن خزيمة بعد ذكر الحديث من طريق زيد بن الحباب، عن الثوريّ: "ذكر الدليل على صحة هذا المتن، والبيان أنّ النبيّ ﷺ قد حجّ قبل هجرته إلى المدينة، لا كما من طعن في الخبر، وادَّعى أنّ هذا الخبر لم يروه غير زيد بن الحباب".
ثم أخرج حديث جبير بن مطعم قال: رأيت رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه، وإنه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس يدفع معهم منها". وسبق تخريجه في الوقوف بعرفات.
١٣٥ - باب مكان نزول النبيّ ﷺ مكة بعد رجوعه من منى
• عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ننزل غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٨٩)، ومسلم في الحجّ (١٣١٤) كلاهما من حديث ابن شهاب الزهريّ، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، فذكره، واللفظ لمسلم.
وزاد البخاري في أول الحديث: "حين أراد قدوم مكة، أي حين رجوعه من منى".
جاء التصريح بذلك في الرواية التي بعدها (١٥٩٠)، وفيه: قال النبيّ ﷺ من الغد يوم النحر وهو بمنى: "نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر" يعني بذلك المحصب.
والخيف: هو ما ارتفع عن مجرى السيل، وانحدر عن غلظ الجبل، ومسجد مني يسمي مسجد الخيف؛ لأنه في سفح جبلها. النهاية (٢/ ٩٣).
• عن أسامة بن زيد، قال: قلت: يا رسول الله، أين ننزل غدًا؟ في حجته. فقال: "وهل ترك لنا عقيل منزلا". ثم قال: "نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة، المحصّب حيث قاسمت قريش على الكفر".
وذلك أن بني كنانة حالفت قريشًا على بني هاشم: ألا يبايعوهم ولا يؤووهم. قال الزهري: والخيف: الوادي.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد (٣٠٥٨)، ومسلم في الحج (١٣٥١: ٤٤٠) كلاهما من طريق عبد الرزاق -وهو في مصنفه (٩٨٥١) - قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان بن عفان، عن أسامة بن زيد، فذكره. واللفظ للبخاري، واختصره مسلم.
وفي رواية عندهما (البخاري (٤٢٨٢)، ومسلم) كلاهما من حديث محمد بن أبي حفصة، وزمعة بن صالح، قالا: حدثنا ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة
стр. 3286
ابن زيد، أنه قال زمن الفتح: يا رسول الله، أين ننزل غدًا؟ فقال النبيّ ﷺ : "وهل ترك لنا عقيل من منزل". ولم يذكر البخاريّ: زمعة بن صالح.
فمن العلماء من ذهبوا إلى ترجيح رواية معمر عن الزهريّ على رواية محمد بن أبي حفصة؛ لأنه وصف بـ "صدوق يخطئ" ولكن تابعه زمعة بن صالح إلا أنه ضعيف، وذكره مسلم متابعًا، ويمكن الجمع بينهما بالتعدد فإنه قال النبي ﷺ ذلك يوم الفتح، ثم قاله في حجّة الوداع.
١٣٦ - باب أداء النبيّ ﷺ الصلوات في مكان نزوله بالمحصّب بوم النّفر
• عن عبد العزيز بن رفيع، قال: سألتُ أنس بن مالك: أخبرني بشيء عقلْته عن
النبيّ ﷺ : أين صلَّى الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى. قلت: فأين صلّى العصر يوم النّفر؟ قال: بالأبطح، افعل كما يفعل أُمراؤك.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٧٦٣)، ومسلم في الحج (١٣٠٩) كلاهما من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق، حدّثنا سفيان الثوريّ، عن عبد العزيز بن رفيع، به، ولفظهما سواء.
والأبطح، يقال له أيضًا: المحصّب. وهو موضع بين مكة ومنى، وهو إلى منى أقرب. وكان رسول الله ﷺ نزل به لأنه أسمح لخروجه كما قالت عائشة. ومنه ذهب إلى البيت لطواف الوداع، ثم خرج إلى المدينة.
قال الشّافعيّ: "نزول النبيّ ﷺ بالأبطح ليس من النّسك في شيء إنما هو منزل نزله النبي ﷺ ".
• عن أنس: أنّ النبيّ ﷺ صلَّى الظَّهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصَّب، ثمّ ركب إلى البيت فطاف به.
صحيح: رواه البخاريّ في الحجّ (١٧٥٦) عن أصبغ بن الفرج، أخبرنا ابن وهب، عن عمرو ابن الحارث، عن قتادة، أن أنس بن مالك حدّثه، به، فذكره.
• عن نافع، أنّ ابن عمر كان يرى التحصيب سنة، وكان يُصَلِّي الظّهر يوم النّفر بالحَصْبة.
قال نافع: قد حصَّب رسول الله ﷺ والخلفاء بعده.
متفق عليه: رواه مسلم في الحج (١٣١٠: ٣٣٨) عن محمد بن حاتم بن ميمون، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا صخر بن جويرية، عن نافع، فذكره.
ورواه البخاري في الحج (١٧٦٨) عن عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا خالد بن الحارث، قال: سُئل عبيد الله عن المحصَّب؟ فحدّثنا عبيد الله، عن نافع، قال: نزل بها رسولُ الله ﷺ وعمر، وابن عمر.
وعن نافع: أنّ ابن عمر ﵄ كان يصلي بها يعني المحصّب، الظّهر والعصر -أحسبه
стр. 3287
قال: والمغرب-. قال خالد: لا أشك في العشاء، ويهجع هجعة، ويذكر ذلك عن النبيّ ﷺ .
١٣٧ - باب نزول النبيّ ﷺ بالمحصّب ليس من السنة
• عن عائشة، قالت: نزول الأبطح ليس بسنة، إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٧٦٥)، ومسلم في الحج (١٣١١) كلاهما من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته، واللفظ لمسلم.
وليس في لفظ البخاري: نزول الأبطح ليس بسنة.
• عن ابن عباس، قال: ليس التحصيبُ بشيء، إنّما هو منزل نزله رسول الله ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٧٦٦)، ومسلم في الحج (١٣١٢) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره. ولفظهما سواء.
والتحصيب نزول الأبطح، كما قال الترمذي (٣/ ٢٥٤).
• عن أبي رافع، قال: لم يأمرني رسول الله ﷺ أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكن جئتُ فضربت فيه قبّته، فجاء فنزل.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣١٣) من طرق عن سفيان بن عيينة، عن صالح بن كيسان، عن سليمان بن يسار، قال: قال أبو رافع، فذكره.
١٣٨ - باب من قال: إن النزول بالمحصّب من السنة
• عن نافع أن ابن عمر كان يرى التحصيب سنة، وكان يصلي الظهر يوم النفر بالحصبة.
قال نافع: قد حَصَّبَ رسول الله ﷺ والخلفاء بعده.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣١٠/ ٣٣٨) عن محمد بن حاتم بن ميمون، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا صخر بن جويرية، عن نافع، أن ابن عمر، فذكره.
ورواه أيضا من وجه آخر عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح. ورواه الزهري عن سالم أن أبا بكر وعمر وابن عمر كانوا ينزلون الأبطح.
• عن عمر قال: من السنة النزول بالأبطح عشية النفر.
حسن: رواه الطبراني في الأوسط (٣٥٠٧) عن الحسين بن محمد بن حاتم العجل، قال: حدثنا عبد الله بن محمد الأذرمي، قال: حدثنا القاسم بن يزيد الجرمي، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر بن الخطاب، فذكره.
قال الطبراني: "لم يروه عن سفيان إلا القاسم الجرمي".
стр. 3288
قلت: القاسم بن يزيد الجرمي الموصلي الزاهد وثَّقه أبو حاتم وابن حبان، فلا يضر تفرده، ولعل من عمر أخذ ابنه عبد الله.
والمراد بالسنة هنا مطلق التأسي بفعل النبي ﷺ ، لا أنه من مستحبات الحج، ونزول الخلفاء بعد النبي ﷺ في هذا المكان هو للسبب نفسه الذي ذكرته عائشة ﵂.
١٣٩ - باب الإدلاج من المحصّب
• عن عائشة زوج النبي ﷺ ، قالت: ادَّلج رسول الله ﷺ ليلة النّفر من البطحاء ادِّلاجًا.
صحيح: رواه ابن ماجه (٣٠٦٨)، والإمام أحمد (٢٤٤٩٣) كلاهما عن عمار بن رزيق، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، فذكرته. واللفظ لابن ماجه. ولفظ أحمد نحوه.
وصحّحه ابن خزيمة (٢٩٩٧) فرواه من وجه آخر عن إبراهيم، قال: قال الأسود، قالت عائشة: "لقيت رسول الله ﷺ مُدَّلجًا من الأبطح، وهو يصعد وأنا أنزل أو ينزل وأنا أصعد".
وقوله: ادّلاجًا -بتشديد الدال، وهو السير في آخر الليل سحرًا، وهو المراد هنا. وقيل: بسكون الدال- وهو السير في أول الليل. وكلاهما صحيح، فإن كان الأول فالمراد به سير النبي ﷺ من البطحاء إلى بيت الله الحرام لأداء طواف الوداع، وإن كان الثاني فالمراد به سير عائشة في أول الليل مع أخيها للاعتمار من التنعيم.
وبوّب البخاريّ كما بوّبتُ، والظاهر أنه يقصد به التشديد على الدال لبيان ارتحال النبيّ ﷺ في آخر الليل، وأخرج حديثين من طريق عائشة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة في قصة حيضة صفية، فلما قيل له إنها طافت طواف الإفاضة. قال: "فانفري". (١٧٧١، ١٧٧٢).
١٤٠ - باب ما يقال إذا رجع من الحجّ أو العمرة
• عن عبد الله بن عمر، أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قفل من غزو أو حجٍّ أو عمرة، يكبِّر على كلِّ شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربِّنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٢٤٣) عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
ورواه البخاريّ في الحجّ (١٧٩٧)، ومسلم في الحج (١٣٤٤) كلاهما من طريق مالك، به. ولفظ البخاريّ مثله.
وأما مسلم فساقه بلفظ عبيد الله بن عمر، عن نافع، به، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قفل من الجيوش أو السّرايا أو الحجّ أو العمرة إذا أوفي على ثنية أو فدفدٍ كبَّر ثلاثًا. ثم قال (فذكره بمثل
стр. 3289
رواية مالك).
قوله: "أوفي" أي ارتفع.
وقوله: "فدفد" قيل هو الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع.
وقد ثبت هذا الدّعاء أيضًا عن البراء، وأنس، وجابر كما قال الترمذيّ (٩٥٠) إلا أنهم لم يذكروا في حديثهم الحجّ والعمرة، وسيأتي ذكره في كتاب الأدعية.
١٤١ - باب نزول النبيّ ﷺ بذي الحليفة والصّلاة بها لما رجع من مكة
• عن عبد الله بن عمر، أنّ رسول الله ﷺ أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة، فصلَّي بها.
قال نافع: وكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك.
متفق عليه: رواه مالك في الحجّ (٢١٩) عن نافع، عن عبد الله بن عمر، فذكره.
ورواه مسلم في الحج (١٢٥٧: ٤٣٠) من طريق مالك، به، مثله.
ورواه البخاريّ في الحج (١٧٦٧) من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، به، مطوّلًا. وفيه: "وكان يعني ابن عمر إذا صدر عن الحجّ أو العمرة أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة، التي كان النبيّ ﷺ ينيخ بها".
• عن عبد الله بن عمر، عن النبيّ ﷺ أنه رُئي وهو في مُعرَّسٍ بذي الحليفة ببطن الوادي، قيل له: إنّك ببطحاء مباركة.
وقد أناخ بنا سالم يتوخّى بالمناخ الذي كان عبد الله ينيخ، يتحرّي معرَّس رسولِ الله ﷺ ، وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي، بينهم وبين الطريق وسطٌ من ذلك.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٣٥)، ومسلم في الحج (١٣٤٦: ٤٣٣) كلاهما من طريق موسي بن عقبة، عن سالم، عن أبيه. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم مختصر اقتصر فيه على المرفوع.
وأما تعريس النبي ﷺ عند رجوعه في ذي الحليفة فلم يثبت في خبر صحيح.
ونقل النووي عن القاضي عياض بصيغة التمريض فقال: "وقيل: إنما نزل النبي ﷺ به في رجوعه حتى يصبح لئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلا كما نهى عنه صريحا في الأحاديث المشهورة"، واعتمده من جاء بعده.
وأما النزول والصلاة فيها فهو مذهب ابن عمر، ولم يوافقه أحد من الصحابة لأن نزوله ﷺ بذي الحليفة كنزوله في سائر طريق مكة لأنه كان يصلي الفريضة حيث أدركتْه.
стр. 3290
١٤٢ - باب جواز الإقامة بمكة للمهاجر منها بعد قضاء نسكه ثلاث ليال
• عن العلاء بن الحضرميّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المناقب (٣٩٣٣)، ومسلم في الحج (١٣٥٢: ٤٤٢) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن حميد الزهري، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول لجلسائه: ما سمعتم في سكن مكة؟ فقال السائب بن يزيد: سمعت العلاء بن الحضرمي قال (فذكره). واللفظ لمسلم.
١٤٣ - باب فضيلة الصلاة في المسجد الحرام
• عن أبي هريرة، قال: قال النبيّ ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلّا المسجد الحرام".
متفق عليه: رواه مالك في القبلة (٩) عن زيد بن رباح، وعبيد الله بن أبي عبد الله الأغر، عن أبي عبد الله الأغرّ، عن أبي هريرة.
ومن طريقه رواه البخاري في الصلاة (١١٩٠).
ورواه مسلم في الحج (١٣٩٤) من وجه آخر عن أبي هريرة، فذكره، مثله.
• عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلّا المسجد الحرام".
• صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٩٥) من طرق، عن يحيى القطان، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، فذكره.
• عن ميمونة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٩٦) من طرق، عن الليث، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله ابن معبد، عن ابن عباس، عن ميمونة، فذكرته، وفيه قصة.
١٤٤ - باب الصّلاة في الكعبة
• عن ابن عمر، أنّ رسول الله ﷺ دخل الكعبة هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة الحجبيّ، فأغلقها عليه، ثمّ مكث فيها. قال ابن عمر: فسألت بلالًا حين خرج: ما صنع رسول الله ﷺ ؟ قال: جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثم صلي.
стр. 3291
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٢٠٦) ومن طريقه البخاريّ في الصلاة (٥٠٥)، ومسلم في الحجّ (١٣٢٩) عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
وكان ذلك في عام الفتح كما جاء التصريح به روايات أخرى عن نافع، عن ابن عمر، البخاري (٤٢٨٩، ٤٤٠٠)، ومسلم ( ... : ٣٨٩، ٣٩٠).
• عن مجاهد، يقول: أتى ابن عمر في منزله. فقيل له: هذا رسول الله ﷺ قد دخل الكعبة. قال: فأقبلت فأجد رسول الله ﷺ قد خرج، وأجد بلالًا قائمًا بين البابين. فسألت بلالًا، فقلت: أصلّى النبيّ ﷺ في الكعبة؟ قال: نعم. ركعتين بين الساريتين اللتين على يساره إذا دخلت ثم خرج. فصلَّى في وجه الكعبة ركعتين.
صحيح: رواه البخاريّ في الصّلاة (٣٩٧) عن يحيى (وهو ابن سعيد القطّان)، وفي التهجد (١١٦٧) عن أبي نعيم (هو الفضل بن دكين) كلاهما عن سيف، قال: سمعت مجاهدًا، يقول (فذكره).
وفي رواية عند ابن خزيمة (٣٠١٦) من طريق أبي عاصم عن سيف: "ثم خرج فصلَّى ركعتين بين الحجر والباب".
• عن ابن عمر، قال: دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح وهو على ناقة لأسامة، حتّى أناخ بفناء الكعبة، ثم دعا عثمان بن طلحة بالمفتاح، فذهب إلى أمه فأبت أن تُعطيه، فقال: لتُعطينّه أو ليخرجن السّيف من صلبي. فدفعته إليه، ففتح الباب، فدخل النبيّ ﷺ ودخل معه عثمان وبلال وأسامة، فأجافوا الباب مليًا. قال ابن عمر: وكنت رجلًا شابًا قويًّا فبدر الناس فبدرتهم، فوجدت بلالًا قائمًا على الباب. قال: يا بلال، أين صلى رسول الله ﷺ ؟ قال: بين العمودين المقدّمين، ونسيت أن أسأله كم صلَّى؟ .
صحيح: رواه ابن خزيمة (٣٠١٠) من طرق، عن سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
ورواه مسلم (١٣٢٩: ٣٩٠) من طريق سفيان نحوه إلا أنه لم يسق لفظه كاملًا، وإنما أحال على من قبله. وذكر فيه: ونسيت أن أسأله كم صلَّى رسول الله ﷺ ".
واستقصى الطبراني في الكبير (١/ ٣٢٥ - ٣٢٦) روايات نافع عن ابن عمر، عن بلال.
وعثمان بن طلحة هو ابن أبي طلحة بن عثمان بن عثمان بن عبد الدار الحجبي، أسلم قبل الفتح. وأمّه أمّ سعيد بنت شهيد من بني عمرو بن عوف من أهل قباء من الأنصار أنها ظنّت أنّ المفتاح سيؤخذ عنهم ولذا أبطأته، لما رواه عبد الرزاق (٩٠٧٣) ومن طريقه الطبراني في الكبير (٩/ ٥٤)
стр. 3292
عن معمر، عن الزهريّ، أنّ رسول الله ﷺ قال لعثمان بن طلحة يوم الفتح: "ائتني بمفتاح الكعبة"، فأبطأ عليه، ورسول الله ﷺ قائم ينتظره، حتى أنه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق، ويقول: "ما يحبسه؟ ". فسعى إليه رجل، وجعلت المرأة التي عندها المفتاح -قال: حسبته قال: إنّها أمّ عثمان- تقول: إنّه إنْ أخذه منكم لم يعطِكُموه أبدًا، فلم يزل بها حتى أعطتْه المفتاح، فأتي به إلى رسول الله ﷺ ، ففتح النبيُّ ﷺ البيت، ثم خرج والناس عنده، فجلس عند السّقاية، فقال عليٌّ: لئن كنّا أوتينا النبوة، وأعُطينا السّقاية، وأعطينا الحجابة، ما قوم بأعظم نصيبًا منا، قال: فكأنّ النبيّ ﷺ كره مقالته، ثم دعا عثمان بن طلحة، فدفع إليه المفتاح، وقال: "غيّبه".
فحدثتُ به ابن عيينة، فقال: أخبرني ابن جريج عن ابن أبي مليكة، أنّ النبيّ ﷺ قال لعلي يومئذ -حين كلّمه في المفتاح-: إنّما أعطيتكم ما تُرْزَءُون، ولم أعطِكم ما تُرْزَءُون، يقول: أعطيتكم السّقاية لأنّكم تَغْرمون فيها، ولم أعطكم البيت، أي أنهم بأخذه يأخذون من هديته، قول عبد الرزّاق. إلّا أنه مرسل.
وقوله: "تُرْزَءُون" بصيغة المجهول - وتفسيره كما قال عبد الرزاق: إنّ أموالكم تنقص بسبب السّقاية، وأنتم تتحمّلون هذا وفيه إظهار لفضل بني هاشم.
وقوله: "تَرْزَءُون" أي تنقصون أموال الناس بسبب هداياهم؛ لأنّ من يلي الحجابة يُهدى إليه.
وفي مصنف عبد الرزاق (٩٠٧٦) عن بعض أصحابنا، عن ابن جريج، قال: حدثني ابن أبي مليكة، قال: دعا النبيّ ﷺ عثمان بن طلحة يوم الفتح بمفتاح الكعبة، فأقبل به مكشوفًا، حتى دفعه إلى النبيّ ﷺ ، فقال العباس: يا نبي الله، اجمع لي الحجابة مع السقاية؟ ونزل الوحي على النبيّ ﷺ فقال: "ادعوا لي عثمان بن طلحة" فدُعي له، فدفعه النبيّ ﷺ إليه، وستر عليه، قال: فرسول الله ﷺ أوّل من ستر عليه. ثم قال: "خذوه يا بني طلحة لا ينتزعه منكم إلّا ظالم". وهو مرسل.
وفي رواية عن ابن عباس: "خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم" يعني حجابة الكعبة. رواه الطبراني في الكبير (١١/ ١٢٠). وفيه عبد الله بن المؤمل ضعيف الحديث.
وبقية الأحاديث بمعناه ستأتي في فضائل مكة وأخبارها.
وأما قول ابن عمر: "ونسيت أن أسأله كم صلَّى؟ " فقد استشكل كثير من أهل العلم رواية نافع هذه؛ لأنه جاء في رواية مجاهد عنه -كما سبق- أنّ النبيّ ﷺ صلَّى ركعتين.
فمنهم من مال إلى تغليط يحيى بن سعيد القطَّان عن سيف عن مجاهد، وهو القاضي عياض.
قال الحافظ ابن حجر: "وهذا مردود، والمغلِّط هو الغالط؛ لأنّ فيه من الإقدام على تغليط جبل من جبال الحفظ". ثمّ بيّن أنّ يحيى القطان، وشيخه سيف، وشيخه مجاهد كلّهم لم ينفردوا بذلك.
ومنهم من حاول الجمع كالحافظ ابن حجر، إلّا أني لم أجد في هذا الجمع ما يشفي، وبعضها هو نفسه أبعده، وممّا أبعده بأنّ ابن عمر نسي أن يسأل بلالًا، ثم لقيه مرة أخرى فسأله.
стр. 3293
أو يقال: إنّ رواية الإثبات التي في صحيح البخاريّ مقدّمة على رواية النسيان؛ لأن اليقين يقضي على الشّك. والله تعالى أعلم بالصّواب.
• عن سماك الحنفيّ، قال: سمعت ابن عمر يقول: إنّ رسول الله ﷺ صلّى في البيت، وستأتون من ينهاكم عنه، فتسمعون منه -يعني ابن عباس-.
قال حجاج (المصيصيّ): فتسمعون من قوله. قال ابن جعفر: وابن عباس جالس قريبًا منه.
صحيح: رواه الإمام أحمد (٥٠٥٣) عن محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، وحجاج، قال: حدّثني شعبة - عن سماك الحنفيّ، فذكره.
ورواه ابن حبان (٣٢٠٠)، والبيهقي (٢/ ٣٢٨) كلاهما من طريق شعبة، به. وإسناده صحيح. والحجاج هو ابن محمد المصيصي الأعور، وسماك الحنفي هو ابن الوليد.
• عن أبي الشعثاء، قال: خرجتُ حاجًّا فدخلت البيت، فلما كنت عند الساريتين، مضيتُ حتى لزقتُ بالحائط، قال: وجاء ابن عمر حتى قام إلى جنبي، فصلى أربعًا. قال: فلما صلي قلت له: أين صلى رسول الله ﷺ من البيت؟ قال: فقال: ها هنا أخبرني أسامة بن زيد أنه صلى. قال: قلت: فكم صلَّي؟ قال: على هذا أجدني ألوم نفسي أني مكثتُ معه عمرًا، ثم لم أسأله كم صلَّى.
فلما كان العام المقبل، قال: خرجت حاجًّا، قال: فجئت في مقامه، قال: فجاء ابن الزبير حتى قام إلى جنبي، فلم يزل يزاحمني حتى أخرجني منه، ثم صلي فيه أربعًا.
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢١٧٨٠)، والبزار في المسند الزخار (٢٥٦٢)، والطّبراني في الكبير (١/ ١٢٨) وصحّحه ابن حبان (٣٢٠٥) كلّهم من حديث أبي معاوية، حدّثنا الأعمش، عن عمارة، عن أبي الشعثاء، فذكره. واللفظ لأحمد، وذكره غيره مختصرًا. وإسناده صحيح.
وعمارة هو ابن عمير التيميّ الكوفيّ من رجال الجماعة.
وأبو الأشعث اسمه سليم بن الأسد بن حنظلة المحاربيّ الكوفي من رجال الجماعة.
قال ابن حبان: "سمع هذا الخبر ابن عمر عن بلال وأسامة بن زيد؛ لأنهما كانا مع النبيِ ﷺ في الكعبة. فمرّة أدّى الخبر عن بلال، ومرّة أخرى عن أسامة بن زيد، فالطريقان جميعًا محفوظان".
• عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، قال: سمعت ابن عمر يقول: جاء النبيّ ﷺ يمشي بين أسامة بن زيد، وبلال حتى دخل الكعبة، وفيها خشبة معترضة، فلما
стр. 3294
خرج بلال سألته: كيف صنع رسول الله ﷺ ؟ قال: ترك من الخشبة ثلثها عن يمينه، وصلى في الثلث الباقي. قال: قلت: كم صلَّى؟ قال: لم أسأل بلالًا عنها.
صحيح: رواه عبد الرزاق (٩٠٧١)، وعنه الطبراني في الكبير (١/ ٣٢٦) عن إسرائيل، أخبرني أشعث بن أبي الشعثاء، فذكره.
• عن ابن عمر، قال: كان النبيّ ﷺ يصلي وبينه وبين القبلة مقدار ثلاثة أذرع.
صحيح: رواه ابن حبان في صحيحه (٣٢٠١) من حديث عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
• عن بلال: أنّ النبيّ ﷺ صلَّى في جوف الكعبة.
صحيح: رواه الترمذيّ (٨٧٤) وصحّحه ابن خزيمة (٣٠٠٨) كلاهما من حديث حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن بلال، فذكره. وإسناده صحيح.
قال الترمذي: "حديث بلال حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، لا يرون بالصّلاة في الكعبة بأسًا. وقال مالك: لا بأس بالصلاة النافلة في الكعبة. وكره أن تصلي المكتوبة في الكعبة. وقال الشافعي: لا بأس أن تصلي المكتوبة والتطوع في الكعبة. لأن حكم النافلة والمكتوبة في الطّهارة والقبلة سواء".
قلت: لم ينقل عن أحد من الصّحابة أنهم صلوا المكتوبة في جوف الكعبة، وقد روي عن ابن عمر أنه كان يصلي فيه ركعتي الطواف، ودخل محمد بن الحنفية الكعبة فصلّى في كلّ زاوية ركعتين. وكان الحسين بن علي يدخل الكعبة ويصلي ركعتين.
هذه الآثار أخرجها عبد الرزاق في مصنفه (٥/ ٨٢).
وفي الباب ما رُوي عن عبد الرحمن بن صفوان قال: "قلت لعمر بن الخطاب: كيف صنع رسول الله ﷺ حين دخل الكعبة؟ قال: صلى ركعتين".
رواه أبو داود (٢٠٢٦) عن زهير بن حرب، حدّثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن صفوان، قال (فذكره).
وفيه يزيد بن أبي زياد وهو الهاشميّ مولاهم، جمهور أهل العلم مطبقون على تضعيفه. ومن طريقه رواه الإمام أحمد (١٥٥٥٢) بأطول منه كما مضى في الوقوف عند الملتزم.
ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٣٠١٧) مع قوله: "إن كان يزيد بن أبي زياد من الشّرط الذي اشترطنا في أول الكتاب".
قلت: وهو كما في أوّل الكتاب: "بنقل العدل عن العدل موصولًا إليه ﷺ من غير قطع في أثناء الإسناد، ولا جرح في ناقلي الأخبار".
стр. 3295
وهذا الحديث ليس على شرطه لوجود جرح من الأئمة المتقدمين في يزيد بن أبي زياد.
وفي الباب ما رُوي عن عثمان بن طلحة: "أنَّ النبيّ ﷺ دخل البيت فصلّى ركعتين وِجاهك، حين تدخل بين السّاريتين".
رواه الإمام أحمد (١٥٣٨٧)، والطبرانيّ في الكبير (٩/ ٥٥)، والبيهقيّ (٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩) كلّهم من طرق، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عثمان بن طلحة، فذكره.
وفيه انقطاع فإن عروة بن الزبير لم يسمع من عثمان بن طلحة.
قال البيهقي: تفرّد به حماد بن سلمة، وفيه إرسال بين عروة وعثمان.
وفي الباب أيضًا ما روي عن أبي هريرة، قال: "لما كان يوم الفتح، بعث رسول الله ﷺ إلى أمّ عثمان بن طلحة: "أن ابعثي إليَّ بمفتاح الكعبة". فقالت: لا، واللات والعُزّى لا أبعث به إليك، فقال قائل: ابعث إليها قسرًا، فقال ابنها عثمان: يا رسول الله، إنّها حديثة عهد بكفر، فابعثني إليها حتى آتيك به، قال: فذهب إليها، فقال: يا أمّتاه، إنه قد جاء أمرٌ غير الذي كان، وإنه إن لم تعطني المفتاح قُتلت، قال: فأخرجته فدفعته إليه، فجاء به يسعى، فلما دنا من رسول الله ﷺ عثر، فابتدر المفتاح من يده، فقام النبيّ ﷺ [عثر] فجثا عليه بثوبه، فأخذه ثم جاء إلى الباب أحسبه قال: ففتحه، ثم قام عند أركان البيت وأرجائه يدعو، ثم صلّى ركعتين بين الأسطوانتين.
رواه البزار -كشف الأستار (١١٦٢) - عن إبراهيم بن راشد، ثنا زيد بن عوف، ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره.
وفيه زيد بن عوف أبو ربيعة، بصريّ، ويقال: فهد بن عوف -وفهد لقب- مختلف فيه، فقال الفلّاس: متروك الحديث.
وقال البخاري: تركه عليّ وغيره، وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٩٤) فقال: هو ضعيف.
قوله: "فابتدره" كذا في الكشف، وفي مجمع الزوائد (٣/ ٢٩٤): فانتشر المفتاح.
وقوله: "عثر فجثى". لم يذكر في "المجمع" ": "عثر".
وأمّا ما رُوي عن عائشة، قالت: إنّ النبيّ خرج من عندها وهو مسرور، ثم رجع إليها وهو كئيب، فقال: "إني دخلت الكعبة، لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها، إني أخاف أن أكون قد شققتُ على أمّتي" فهو ضعيف.
رواه أبو داود (٢٠٢٩)، والترمذي (٨٧٣)، وابن ماجه (٣٠٦٤)، وصحّحه ابن خزيمة (٣٠١٤) كلّهم من طرق، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة، فذكرته. قال الترمذي: حسن صحيح.
قلت: بل هو ضعيف فإن فيه إسماعيل بن عبد الملك وهو ابن أبي الصّفير -مصغرًا- مختلف فيه فضعّفه النسائيّ وأبو حاتم وأبو داود، وقال ابن حبان: كان يقلب ما يروي، فمثله إذا تفرّد لا
следующие страницы →