← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

متفق عليه: رواه مالك في الحج (٢٠٦) ومن طريقه البخاريّ في الصلاة (٥٠٥)، ومسلم في الحجّ (١٣٢٩) عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. وكان ذلك في عام الفتح كما جاء التصريح به روايات أخرى عن نافع، عن ابن عمر، البخاري (٤٢٨٩، ٤٤٠٠)، ومسلم ( ... : ٣٨٩، ٣٩٠). • عن مجاهد، يقول: أتى ابن عمر في منزله. فقيل له: هذا رسول الله ﷺ قد دخل الكعبة. قال: فأقبلت فأجد رسول الله ﷺ قد خرج، وأجد بلالًا قائمًا بين البابين. فسألت بلالًا، فقلت: أصلّى النبيّ ﷺ في الكعبة؟ قال: نعم. ركعتين بين الساريتين اللتين على يساره إذا دخلت ثم خرج. فصلَّى في وجه الكعبة ركعتين. صحيح: رواه البخاريّ في الصّلاة (٣٩٧) عن يحيى (وهو ابن سعيد القطّان)، وفي التهجد (١١٦٧) عن أبي نعيم (هو الفضل بن دكين) كلاهما عن سيف، قال: سمعت مجاهدًا، يقول (فذكره). وفي رواية عند ابن خزيمة (٣٠١٦) من طريق أبي عاصم عن سيف: "ثم خرج فصلَّى ركعتين بين الحجر والباب". • عن ابن عمر، قال: دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح وهو على ناقة لأسامة، حتّى أناخ بفناء الكعبة، ثم دعا عثمان بن طلحة بالمفتاح، فذهب إلى أمه فأبت أن تُعطيه، فقال: لتُعطينّه أو ليخرجن السّيف من صلبي. فدفعته إليه، ففتح الباب، فدخل النبيّ ﷺ ودخل معه عثمان وبلال وأسامة، فأجافوا الباب مليًا. قال ابن عمر: وكنت رجلًا شابًا قويًّا فبدر الناس فبدرتهم، فوجدت بلالًا قائمًا على الباب. قال: يا بلال، أين صلى رسول الله ﷺ ؟ قال: بين العمودين المقدّمين، ونسيت أن أسأله كم صلَّى؟ . صحيح: رواه ابن خزيمة (٣٠١٠) من طرق، عن سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. ورواه مسلم (١٣٢٩: ٣٩٠) من طريق سفيان نحوه إلا أنه لم يسق لفظه كاملًا، وإنما أحال على من قبله. وذكر فيه: ونسيت أن أسأله كم صلَّى رسول الله ﷺ ". واستقصى الطبراني في الكبير (١/ ٣٢٥ - ٣٢٦) روايات نافع عن ابن عمر، عن بلال. وعثمان بن طلحة هو ابن أبي طلحة بن عثمان بن عثمان بن عبد الدار الحجبي، أسلم قبل الفتح. وأمّه أمّ سعيد بنت شهيد من بني عمرو بن عوف من أهل قباء من الأنصار أنها ظنّت أنّ المفتاح سيؤخذ عنهم ولذا أبطأته، لما رواه عبد الرزاق (٩٠٧٣) ومن طريقه الطبراني في الكبير (٩/ ٥٤)

стр. 3292

عن معمر، عن الزهريّ، أنّ رسول الله ﷺ قال لعثمان بن طلحة يوم الفتح: "ائتني بمفتاح الكعبة"، فأبطأ عليه، ورسول الله ﷺ قائم ينتظره، حتى أنه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق، ويقول: "ما يحبسه؟ ". فسعى إليه رجل، وجعلت المرأة التي عندها المفتاح -قال: حسبته قال: إنّها أمّ عثمان- تقول: إنّه إنْ أخذه منكم لم يعطِكُموه أبدًا، فلم يزل بها حتى أعطتْه المفتاح، فأتي به إلى رسول الله ﷺ ، ففتح النبيُّ ﷺ البيت، ثم خرج والناس عنده، فجلس عند السّقاية، فقال عليٌّ: لئن كنّا أوتينا النبوة، وأعُطينا السّقاية، وأعطينا الحجابة، ما قوم بأعظم نصيبًا منا، قال: فكأنّ النبيّ ﷺ كره مقالته، ثم دعا عثمان بن طلحة، فدفع إليه المفتاح، وقال: "غيّبه". فحدثتُ به ابن عيينة، فقال: أخبرني ابن جريج عن ابن أبي مليكة، أنّ النبيّ ﷺ قال لعلي يومئذ -حين كلّمه في المفتاح-: إنّما أعطيتكم ما تُرْزَءُون، ولم أعطِكم ما تُرْزَءُون، يقول: أعطيتكم السّقاية لأنّكم تَغْرمون فيها، ولم أعطكم البيت، أي أنهم بأخذه يأخذون من هديته، قول عبد الرزّاق. إلّا أنه مرسل. وقوله: "تُرْزَءُون" بصيغة المجهول - وتفسيره كما قال عبد الرزاق: إنّ أموالكم تنقص بسبب السّقاية، وأنتم تتحمّلون هذا وفيه إظهار لفضل بني هاشم. وقوله: "تَرْزَءُون" أي تنقصون أموال الناس بسبب هداياهم؛ لأنّ من يلي الحجابة يُهدى إليه. وفي مصنف عبد الرزاق (٩٠٧٦) عن بعض أصحابنا، عن ابن جريج، قال: حدثني ابن أبي مليكة، قال: دعا النبيّ ﷺ عثمان بن طلحة يوم الفتح بمفتاح الكعبة، فأقبل به مكشوفًا، حتى دفعه إلى النبيّ ﷺ ، فقال العباس: يا نبي الله، اجمع لي الحجابة مع السقاية؟ ونزل الوحي على النبيّ ﷺ فقال: "ادعوا لي عثمان بن طلحة" فدُعي له، فدفعه النبيّ ﷺ إليه، وستر عليه، قال: فرسول الله ﷺ أوّل من ستر عليه. ثم قال: "خذوه يا بني طلحة لا ينتزعه منكم إلّا ظالم". وهو مرسل. وفي رواية عن ابن عباس: "خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم" يعني حجابة الكعبة. رواه الطبراني في الكبير (١١/ ١٢٠). وفيه عبد الله بن المؤمل ضعيف الحديث. وبقية الأحاديث بمعناه ستأتي في فضائل مكة وأخبارها. وأما قول ابن عمر: "ونسيت أن أسأله كم صلَّى؟ " فقد استشكل كثير من أهل العلم رواية نافع هذه؛ لأنه جاء في رواية مجاهد عنه -كما سبق- أنّ النبيّ ﷺ صلَّى ركعتين. فمنهم من مال إلى تغليط يحيى بن سعيد القطَّان عن سيف عن مجاهد، وهو القاضي عياض. قال الحافظ ابن حجر: "وهذا مردود، والمغلِّط هو الغالط؛ لأنّ فيه من الإقدام على تغليط جبل من جبال الحفظ". ثمّ بيّن أنّ يحيى القطان، وشيخه سيف، وشيخه مجاهد كلّهم لم ينفردوا بذلك. ومنهم من حاول الجمع كالحافظ ابن حجر، إلّا أني لم أجد في هذا الجمع ما يشفي، وبعضها هو نفسه أبعده، وممّا أبعده بأنّ ابن عمر نسي أن يسأل بلالًا، ثم لقيه مرة أخرى فسأله.

стр. 3293

أو يقال: إنّ رواية الإثبات التي في صحيح البخاريّ مقدّمة على رواية النسيان؛ لأن اليقين يقضي على الشّك. والله تعالى أعلم بالصّواب. • عن سماك الحنفيّ، قال: سمعت ابن عمر يقول: إنّ رسول الله ﷺ صلّى في البيت، وستأتون من ينهاكم عنه، فتسمعون منه -يعني ابن عباس-. قال حجاج (المصيصيّ): فتسمعون من قوله. قال ابن جعفر: وابن عباس جالس قريبًا منه. صحيح: رواه الإمام أحمد (٥٠٥٣) عن محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، وحجاج، قال: حدّثني شعبة - عن سماك الحنفيّ، فذكره. ورواه ابن حبان (٣٢٠٠)، والبيهقي (٢/ ٣٢٨) كلاهما من طريق شعبة، به. وإسناده صحيح. والحجاج هو ابن محمد المصيصي الأعور، وسماك الحنفي هو ابن الوليد. • عن أبي الشعثاء، قال: خرجتُ حاجًّا فدخلت البيت، فلما كنت عند الساريتين، مضيتُ حتى لزقتُ بالحائط، قال: وجاء ابن عمر حتى قام إلى جنبي، فصلى أربعًا. قال: فلما صلي قلت له: أين صلى رسول الله ﷺ من البيت؟ قال: فقال: ها هنا أخبرني أسامة بن زيد أنه صلى. قال: قلت: فكم صلَّي؟ قال: على هذا أجدني ألوم نفسي أني مكثتُ معه عمرًا، ثم لم أسأله كم صلَّى. فلما كان العام المقبل، قال: خرجت حاجًّا، قال: فجئت في مقامه، قال: فجاء ابن الزبير حتى قام إلى جنبي، فلم يزل يزاحمني حتى أخرجني منه، ثم صلي فيه أربعًا. صحيح: رواه الإمام أحمد (٢١٧٨٠)، والبزار في المسند الزخار (٢٥٦٢)، والطّبراني في الكبير (١/ ١٢٨) وصحّحه ابن حبان (٣٢٠٥) كلّهم من حديث أبي معاوية، حدّثنا الأعمش، عن عمارة، عن أبي الشعثاء، فذكره. واللفظ لأحمد، وذكره غيره مختصرًا. وإسناده صحيح. وعمارة هو ابن عمير التيميّ الكوفيّ من رجال الجماعة. وأبو الأشعث اسمه سليم بن الأسد بن حنظلة المحاربيّ الكوفي من رجال الجماعة. قال ابن حبان: "سمع هذا الخبر ابن عمر عن بلال وأسامة بن زيد؛ لأنهما كانا مع النبيِ ﷺ في الكعبة. فمرّة أدّى الخبر عن بلال، ومرّة أخرى عن أسامة بن زيد، فالطريقان جميعًا محفوظان". • عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، قال: سمعت ابن عمر يقول: جاء النبيّ ﷺ يمشي بين أسامة بن زيد، وبلال حتى دخل الكعبة، وفيها خشبة معترضة، فلما

стр. 3294

خرج بلال سألته: كيف صنع رسول الله ﷺ ؟ قال: ترك من الخشبة ثلثها عن يمينه، وصلى في الثلث الباقي. قال: قلت: كم صلَّى؟ قال: لم أسأل بلالًا عنها. صحيح: رواه عبد الرزاق (٩٠٧١)، وعنه الطبراني في الكبير (١/ ٣٢٦) عن إسرائيل، أخبرني أشعث بن أبي الشعثاء، فذكره. • عن ابن عمر، قال: كان النبيّ ﷺ يصلي وبينه وبين القبلة مقدار ثلاثة أذرع. صحيح: رواه ابن حبان في صحيحه (٣٢٠١) من حديث عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. • عن بلال: أنّ النبيّ ﷺ صلَّى في جوف الكعبة. صحيح: رواه الترمذيّ (٨٧٤) وصحّحه ابن خزيمة (٣٠٠٨) كلاهما من حديث حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن بلال، فذكره. وإسناده صحيح. قال الترمذي: "حديث بلال حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، لا يرون بالصّلاة في الكعبة بأسًا. وقال مالك: لا بأس بالصلاة النافلة في الكعبة. وكره أن تصلي المكتوبة في الكعبة. وقال الشافعي: لا بأس أن تصلي المكتوبة والتطوع في الكعبة. لأن حكم النافلة والمكتوبة في الطّهارة والقبلة سواء". قلت: لم ينقل عن أحد من الصّحابة أنهم صلوا المكتوبة في جوف الكعبة، وقد روي عن ابن عمر أنه كان يصلي فيه ركعتي الطواف، ودخل محمد بن الحنفية الكعبة فصلّى في كلّ زاوية ركعتين. وكان الحسين بن علي يدخل الكعبة ويصلي ركعتين. هذه الآثار أخرجها عبد الرزاق في مصنفه (٥/ ٨٢). وفي الباب ما رُوي عن عبد الرحمن بن صفوان قال: "قلت لعمر بن الخطاب: كيف صنع رسول الله ﷺ حين دخل الكعبة؟ قال: صلى ركعتين". رواه أبو داود (٢٠٢٦) عن زهير بن حرب، حدّثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن صفوان، قال (فذكره). وفيه يزيد بن أبي زياد وهو الهاشميّ مولاهم، جمهور أهل العلم مطبقون على تضعيفه. ومن طريقه رواه الإمام أحمد (١٥٥٥٢) بأطول منه كما مضى في الوقوف عند الملتزم. ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٣٠١٧) مع قوله: "إن كان يزيد بن أبي زياد من الشّرط الذي اشترطنا في أول الكتاب". قلت: وهو كما في أوّل الكتاب: "بنقل العدل عن العدل موصولًا إليه ﷺ من غير قطع في أثناء الإسناد، ولا جرح في ناقلي الأخبار".

стр. 3295

وهذا الحديث ليس على شرطه لوجود جرح من الأئمة المتقدمين في يزيد بن أبي زياد. وفي الباب ما رُوي عن عثمان بن طلحة: "أنَّ النبيّ ﷺ دخل البيت فصلّى ركعتين وِجاهك، حين تدخل بين السّاريتين". رواه الإمام أحمد (١٥٣٨٧)، والطبرانيّ في الكبير (٩/ ٥٥)، والبيهقيّ (٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩) كلّهم من طرق، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عثمان بن طلحة، فذكره. وفيه انقطاع فإن عروة بن الزبير لم يسمع من عثمان بن طلحة. قال البيهقي: تفرّد به حماد بن سلمة، وفيه إرسال بين عروة وعثمان. وفي الباب أيضًا ما روي عن أبي هريرة، قال: "لما كان يوم الفتح، بعث رسول الله ﷺ إلى أمّ عثمان بن طلحة: "أن ابعثي إليَّ بمفتاح الكعبة". فقالت: لا، واللات والعُزّى لا أبعث به إليك، فقال قائل: ابعث إليها قسرًا، فقال ابنها عثمان: يا رسول الله، إنّها حديثة عهد بكفر، فابعثني إليها حتى آتيك به، قال: فذهب إليها، فقال: يا أمّتاه، إنه قد جاء أمرٌ غير الذي كان، وإنه إن لم تعطني المفتاح قُتلت، قال: فأخرجته فدفعته إليه، فجاء به يسعى، فلما دنا من رسول الله ﷺ عثر، فابتدر المفتاح من يده، فقام النبيّ ﷺ [عثر] فجثا عليه بثوبه، فأخذه ثم جاء إلى الباب أحسبه قال: ففتحه، ثم قام عند أركان البيت وأرجائه يدعو، ثم صلّى ركعتين بين الأسطوانتين. رواه البزار -كشف الأستار (١١٦٢) - عن إبراهيم بن راشد، ثنا زيد بن عوف، ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. وفيه زيد بن عوف أبو ربيعة، بصريّ، ويقال: فهد بن عوف -وفهد لقب- مختلف فيه، فقال الفلّاس: متروك الحديث. وقال البخاري: تركه عليّ وغيره، وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٩٤) فقال: هو ضعيف. قوله: "فابتدره" كذا في الكشف، وفي مجمع الزوائد (٣/ ٢٩٤): فانتشر المفتاح. وقوله: "عثر فجثى". لم يذكر في "المجمع" ": "عثر". وأمّا ما رُوي عن عائشة، قالت: إنّ النبيّ خرج من عندها وهو مسرور، ثم رجع إليها وهو كئيب، فقال: "إني دخلت الكعبة، لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها، إني أخاف أن أكون قد شققتُ على أمّتي" فهو ضعيف. رواه أبو داود (٢٠٢٩)، والترمذي (٨٧٣)، وابن ماجه (٣٠٦٤)، وصحّحه ابن خزيمة (٣٠١٤) كلّهم من طرق، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة، فذكرته. قال الترمذي: حسن صحيح. قلت: بل هو ضعيف فإن فيه إسماعيل بن عبد الملك وهو ابن أبي الصّفير -مصغرًا- مختلف فيه فضعّفه النسائيّ وأبو حاتم وأبو داود، وقال ابن حبان: كان يقلب ما يروي، فمثله إذا تفرّد لا

стр. 3296

يقبل، ولذا قال فيه ابن عدي: وهو ممن يكتب حديثه، وساق له الذّهبيّ في "الميزان" هذا الحديث مشعرًا بأنه من مناكيره. وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج من سيئة مغفورًا له". فإنه ضعيف. رواه الطبرانيّ في الكبير (١١/ ١٧٧، ٢٠٠ - ٢٠١)، والبزار -كشف الأستار (١١٦١) -، وابن خزيمة (٣٠١٣) كلّهم من حديث سعيد بن سليمان، ثنا عبد الله بن المؤمل، ثنا عمر بن عبد الرحمن ابن محيص، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره. قال البزار: "لا نعلمه عن ابن عباس إلا من هذا الوجه". قلت: وفيه عبد الله بن المؤمل وهو ابن هبة المخزوميّ المكيّ ضعّفه جمهور أهل العلم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: "أحاديث عبد الله بن المؤمل مناكير". وترجمه ابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٤٥٤) وذكر من أحاديثه ما لا يتابع عليه منها الحديث المذكور، وقال: وهذا ما أمليتُ من أحاديث ابن المؤمل كلها غير محفوظة". وبه أعلّه أيضًا الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٩٣) وقال: "وفيه عبد الله بن المؤمل وثّقه ابن سعد وغيره وفيه ضعف". ١٤٥ - باب من قال: لم يصل النبيّ ﷺ في الكعبة • عن عطاء، قال: سمعت ابن عباس يقول: إنما أمرتم بالطّواف، ولم تؤمروا بدخوله. قال: لم يكن ينهى عن دخوله، ولكني سمعته يقول: أخبرني أسامة بن زيد أنّ النبيّ ﷺ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلّها، ولم يصل فيه حتى خرج، فلما خرج ركع في قُبل البيت ركعتين، وقال: هذه القبلة. قلت له: ما نواحيها؟ أو في زواياها؟ قال: بل في كل قبلة من البيت. متفق عليه: رواه مسلم في الحجّ (١٣٣٠) من طرق، عن محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أسمعت ابن عباس يقول (فذكره). ورواه البخاريّ في الصلاة (٣٩٨) من وجه آخر عن ابن جريج مختصرًا. • عن ابن عباس، قال: إنّ رسول الله ﷺ لما قدم، أبي أن يدخل البيت، وفيه الآلهة، فأمر بها فأُخرجت، فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام. فقال رسول الله ﷺ : "قاتلهم الله! أما والله! قد علموا أنّهما لم يستقسما بها قطّ". فدخل البيت، فكبّر في نواحيه، ولم يصل فيه. صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٦٠١) عن أبي معمر، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا أيوب،

стр. 3297

حدّثنا عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. • عن ابن عباس، أنّ النبيّ ﷺ دخل الكعبة وفيها ست سواري، فقام عند سارية، فدعا ولم يصل. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٣١) عن شيبان بن فروخ، حدّثنا همام، حدثنا عطاء، عن ابن عباس، فذكره. ورواه ابن حبان في صحيحه (٣٢٠٧) عن الحسن بن سفيان، قال: حدثنا شيبان بن فروخ، بإسناده، وفيه: "فقام عند كلّ سارية ودعا ولم يصل". همام هو ابن يحيى العَوْذيّ - بفتح العين وسكون الواو. • عن ابن عباس، قال: إنّ الفضل بن عباس أخبره أنه دخل مع النبيّ ﷺ البيت، وأنَّ النبيّ ﷺ لم يصل في البيت حين دخله، ولكنه لما خرج فتزل، ركع ركعتين عند باب الكعبة. صحيح: رواه الإمام أحمد (١٨١٩) عن عبد الرزاق -وهو في مصنفه (٩٠٥٧) - قال: حدّثنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أنّ ابن عباس، كان يخبر أنّ الفضل بن عباس أخبره، فذكره. ورواه أيضًا الإمام أحمد (١٧٩٥، ١٨٣٠)، وأبو يعلى (٦٧٣٣)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٩٠) كلّهم من حديث حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس: أنّ رسول الله ﷺ قام في الكعبة فسبَّح وكبَّر، ودعا الله واستغفر، ولم يركع ولم يسجد. • عن ابن عباس، قال: حدثني أخي الفضل بن عباس وكان معه حين دخل البيت: أنّ رسول الله ﷺ لم يُصل في الكعبة، ولكنه لما دخلها وقع ساجدًا بين العمودين، ثم جلس يدعو. حسن: رواه أحمد (١٨٠١)، والطّبراني (١٨/ ٢٧٠)، وصحّحه ابن خزيمة (٣٠٠٧) كلّهم من حديث محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن عطاء بن أبي رباح، وعن مجاهد بن جبر، عن عبد الله بن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه مدلس إلّا أنه صرَّح. ويجمع بين حديث بلال وبين حديث أسامة بن زيد، والفضل بن عباس بأن الزّيادة مقبولة، كما قال البخاري في كتاب الزكاة بعد إخراج حديث ابن عمر (١٤٨٣): "فيما سقت السماء ... ". وقال: "والمفسّر يقضي على المبهم إذا رواه أهل الثبت، كما روى الفضل بن عباس: أنّ النبي ﷺ لم يصل في الكعبة. وقال بلال: قد صلَّى. فأخذ بقول بلال، وترك قول الفضل" انتهى قول البخاري. وقيل: لعلّ أسامة بن زيد انشغل بالدّعاء، ولم ير النبيّ ﷺ .

стр. 3298

وقيل: لعله خرج لحاجة ثم رجع، وقد صلى النبي ﷺ فلم يره. وقيل: إنّه بعد إغلاق البيت تكون فيه الظلمة فلم يره أسامة، ورآه بلال لقربه. ذكر بعض هذه الوجوه الحافظ في الفتح (٣/ ٤٦٨). وأما من جعل أداء الصلاة في الكعبة يوم الفتح، والنفي عنها يوم حجّة الوداع كما قال ابن حبان (٧/ ٤٨٣) ففيه نظر؛ لما روى الأزرقي في أخبار مكة (١/ ٢٧٣) عن جدّه قال: سمعت سفيان يقول: سمعت غير واحد من أهل العلم يذكرون: "أنّ رسول الله ﷺ إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح، ثم حجّ فلم يدخلها". ١٤٦ - باب إنّ النبيّ ﷺ لم يدخل البيت في عمرته • عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفي صاحب رسول الله ﷺ : أدخل النبيّ ﷺ في عمرته؟ قال: لا. متفق عليه: رواه مسلم في الحج (١٣٣٢) عن سريج بن يونس، حدّثني هشيم، أخبرنا إسماعيل ابن أبي خالد، فذكره. ورواه البخاريّ في الحجّ (١٦٠٠) من وجه آخر عن إسماعيل بن خالد. ولم يذكر فيه "العمرة". وذلك في عمرة القضاء كما تدل عليه رواية البخاريّ (٤١٨٨) بقوله: "فكنا نستره من أهل مكة لا يصيبه أحد بشيء". وفي رواية عنده (٤٢٥٥): "لما اعتمر رسول الله ﷺ سترناه من غلمان المشركين ومنهم، أن يؤذوا رسول الله ﷺ ". ١٤٧ - باب الصّلاة في الحجر • عن عائشة، أنّها قالت: كنت أحبُّ أن أدخل البيت فأصلي فيه، فأخذ رسول الله ﷺ بيدي فأدخلني في الحجر وقال لي: "صلِّي في الحجر إذا أردتِ دخول البيت، فإنّما هو قطعة من البيت ولكن قومك استقصروا حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت". حسن: رواه أبو داود (٢٠٢٨)، والنسائي (٢٩١٢)، والترمذي (٨٧٦) كلّهم من حديث عبد العزيز بن محمد، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة، فذكرته. ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (٢٤٦١٦). قال الترمذي: "حسن صحيح". وفيه أمّ علقمة واسمها مرجانة ذكرها ابن حبان في "الثقات" ولم يوثقها غيره، ولذا قال الحافظ: "مقبولة" أي إذا توبعت.

стр. 3299

قلت: وقد توبعت في إسناد آخر وإن كان فيه انقطاع وهو ما رواه الإمام أحمد (٢٤٣٨٤) عن حسن، حدّثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن عائشة، أنها قالت: يا رسول الله، كلّ أهلك قد دخل البيت غيري؟ . فقال: "أرسلي إلى شيبة فيفتح لكِ الباب" فأرسلتْ إليه. فقال شيبة: ما استطعنا فتحه في جاهلية ولا إسلام بليل. فقال النبيّ ﷺ : "صلّي في الحجر، فإنّ قومك استقصروا عن بناء البيت حين بنوه". وفيه عطاء بن السائب مختلط، ولكن روى عنه حماد بن سلمة قبل الاختلاط، وسعيد بن جبير لم يسمع من عائشة. ولكن رواه الطبراني في المعجم الأوسط (٧٠٩٤) عن محمد بن عبد الله بن بكر السراج، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الترجماني، قال: حدثنا شعيب بن صفوان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله! كلّ نسائك قد دخل البيت غيري؟ ! قال: "فاذهبي إلى ذي قرابتك إلى شيبة، فليفتح لك الباب فادخليه". فأرسلت إليه: أنّ نبي الله قد أذن لي أن يُفتح لي الباب فأدخله. قال: نبي الله أمرك بذاك؟ قلت: نعم. فأخذ المفاتيح، فأتى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أمرت عائشة أن يُفتح لها الباب؟ قال: "نعم". قال: لا والله ما فتحتُه في جاهلية ولا إسلام بليل قطّ. قال: "فانظر ما كنتَ تصنع فافعله، ولا أفعله (كذا في الأصل، ويبدو أن قوله: "ولا أفعله" خطأ من سبق القلم) قال: "واذهبي أنت يا عائشة فصلي ركعتين في الحجر، فإن طائفةٌ منه من البيت، وإنّ قومك قصرت بهم النفقة فتركوا طائفة من البيت". فأدخل فيه شعيب بن صفوان "ابن عباس" بين سعيد بن جبير، وبين عائشة. وشعيب بن صفوان هو الثقفيّ أبو يحيى الكاتب من رجال مسلم إلّا أنه مختلف فيه، فقال الإمام أحمد: لا بأس به، وهو صحيح الحديث، وتكلم فيه ابن معين، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد، ثم لم يعلم هل روى عن عطاء بن السائب قبل اختلاطه أو بعده إلا أنها متابعة قوية لحديث مرجانة. والحجر: هو الحائط المستدير إلى جانب الكعبة الغربي، واختلف هل الحجر كله من البيت؟ فالراجح أن بعضه من البيت ومقداره ستة أذرع أو سبعة، وما زاد على ذلك فليس من البيت. انظر: الفتح (٣/ ٤٤٣). ثم عمل عائشة بعده يقويه أيضًا ففي مصنف عبد الرزاق (٩١٥٥) عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "ما أبالي أفي الحجر صليت، أم في جوف البيت". وإسناده صحيح. ورواه أيضًا عبد الرزاق (٩١٥٤) عن ابن جريج، قال: حدثني كثير بن أبي كثير، عن أمّ كلثوم بنت عمرو بن أبي عقرب، عن عائشة، أنّها سألته أن يفتح لها الكعبة ليلًا، فأبى عليها -زعموا شيبة

стр. 3300

ابن عثمان - فقالت عائشة لأمّ كلثوم: "انطلقي ندخل الكعبة، فدخلت الحجر". • عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله، ألا أدخل البيت؟ قال: "ادخلي الحجر فإنّه من البيت". صحيح: رواه النسائيّ (٢٩١١) عن أحمد بن سعيد الرباطيّ، قال: حدّثنا وهب بن جرير، قال: حدّثنا قرّة بن خالد، عن عبد الحميد بن جبير، عن عمّته صفيّة بنت شية، قالت: حدّثتنا عائشة، فذكرته. وهذا إسناد صحيح. ١٤٨ - باب استحباب زيارة المدينة للصّلاة في مسجد النبيّ ﷺ ثم من أتى المدينة يستحب له إتيان قبر النبيّ ﷺ وصاحبيه، وقبور شهداء أحد والبقيع للسّلام عليهم • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُشدّ الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد رسول الله ﷺ ، ومسجد الأقصى". متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلاة (١١٨٩)، ومسلم في الحج (١٣٩٧) كلاهما من حديث سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، فذكره. وقد سبق ذكره في كتاب الصلاة مع بقية الأحاديث. وأمّا ما رُوي: "إنّ من صلّى في مسجدي أربعين صلاة كتب له براءة من النار، وبراءة من العذاب، وأنه بريء من النفاق" وبألفاظ أخرى فكلّها ضعيفة، ولكن يشهد بعضه لبعض، ويندرج تحت أصل وهو أداء الصلاة جماعة، فلا بأس أن يواظب المسلم على أداء الصلاة في المسجد النبوي بدون هذا القيد كما قلت في "المنة الكبرى" (٤/ ٤١٧ - ٤٢٠) وفيه فوائد أخرى فراجعها. • عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "ما من أحد يسلِّمُ عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتّى أرُدَّ ﵇". حسن: رواه أبو داود (٢٠٤١) عن محمد بن عوف، حدّثنا المقرئ، حدّثنا حيوة، عن أبي صخر حُميد بن زياد، عن يزيد بن عبد الله بن قُسيط، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه الإمام أحمد (١٠٨١٥)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٢٤٥) كلاهما من طريق المقرئ (وهو عبد الله بن يزيد) بإسناده، مثله. وإسناده حسن من أجل الخلاف في أبي صخر غير أنه حسن الحديث، وهو من رجال مسلم، وقد قال فيه الحافظ: "صدوق يهم". ويزيد بن عبد الله بن قُسيط اختلف في سماعه من أبي هريرة، ولكن لم أجد حجّة قاطعة على عدم سماعه منه، وقد أمكنه ذلك، فإنه ولد سنة (٣٢ هـ)، ومات أبو هريرة سنة (٥٩ هـ). في حين رواه الطبراني في الأوسط من طريقين: الأول مثل هذا (٩٣٢٥)، والثانية بزيادة "أبي

стр. 3301

صالح" بين يزيد بن عبد الله بن قسيط، وبين أبي هريرة (٣١١٦). وقال: "لم يرو هذا الحديث عن يزيد إلا أبو صخر، ولا عن أبي صخر إلا حيدة، تفرّد به عبد الله بن يزيد". ولا يضرّ تفرّد هؤلاء فهم كلهم ثقات، وهذا الطريق يقوي ما قبله. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلّوا عليّ فإنّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم". حسن: رواه أبو داود (٢٠٤٢) عن أحمد بن صالح، قال: قرأت على عبد الله بن نافع، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في عبد الله بن نافع وهو الصائغ المخزوميّ مولاهم فإنه إذا حدّث من حفظه أخطأ، وإذا حدّث من الكتاب يصيب، وإنه هنا حدّث من الكتاب. ومن طريقه رواه الإمام أحمد (٨٨٠٤). وقوله: "عيدا" أي لا تجعلوه مجمعًا كالأعياد التي يقصد الناس الاجتماع إليها للصّلاة، بل يزار قبره صلوات الله وسلامه عليه كما كان يزوره الصحابة رضوان الله عليهم على الوجه الذي يرضاه ويحبه صلوات الله وسلامه عليه" قاله ابن القيم في "تهذيب السنن" (٢/ ٤٤٧). • عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ لله ملائكة سياحين في الأرض يبلّغون من أمّتي السّلام". صحيح: رواه النسائيّ في المجتبي (١٢٨٢)، وفي اليوم والليلة (٦٦)، والإمام أحمد (٣٦٦٦)، وصحّحه ابن حبان (٩١٤)، والحاكم (٢/ ٤٢١) كلّهم من طرق عن سفيان، عن عبد الله ابن السائب، عن زاذان، عن عبد الله فذكره. وإسناده صحيح. انظر للمزيد: جموع أبواب الإيمان بالملائكة. وكان ابن عمر إذا قدم من السفر أتي القبر، فقال: "السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه". وفي رواية: بدأ بقبر رسول الله ﷺ ، فصلى عليه وسلّم، ودعا له، ولا يمسّ القبر. رواه البيهقيّ في الكبرى (٥/ ٢٤٥)، وفي الصغري (١٧٤٩ - بترقيمي). قال الإمام مالك، وأحمد، والشافعي: يقول ذلك مستقبل الحجرة. ولا يقف عند القبر للدعاء لنفسه؛ لأنّ أحدًا من الصحابة لم يكن يفعله، ولكن كانوا يستقبلون القبلة. وفي الباب عن علي بن حسين، عن أبيه، عن جدّه، عن رسول الله ﷺ ، قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، فإنّ تسليمكم يبلغني أينما كنتم". رواه أبو يعلى (٤٦٩) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا زيد بن الحباب، حدّثنا جعفر بن إبراهيم

стр. 3302

من ولد ذي الجناحين، قال: حدّثنا علي بن عمر، عن أبيه، عن علي بن حسين، فذكره. وفيه علي بن عمر وهو ابن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي لم يوثقه إلا ابن حبان، وفي التقريب: "مستور". وفي الباب أيضًا عن الحسن بن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلُّوا في بيوتكم، لا تتخذوها قبورًا، ولا تتخذوا بيتي عيدًا، صلُّوا عليَّ وسلِّموا، فإنّ صلاتكم وسلامكم يبلغني أينما كنتم". رواه أبو يعلى (٦٧٦١) عن موسي بن محمد بن حيان، حدّثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا عبد الله بن نافع، أخبرني العلاء بن عبد الرحمن، قال: سمعت الحسن بن علي بن أبي طالب، فذكره. وفيه عبد الله بن نافع وهو الصائغ إذا حدّث من حفظه أخطأ، وإذا حدّث من الكتاب يصيب، وهنا لم يرو من الكتاب فلعله أخطأ، فإنّ الحديث معروف لأبي هريرة كما سبق، وبه أعله الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٤٧). وأمّا الأحاديث التي رويت في زيارة قبر النبيّ ﷺ ، مثل قوله: "من حجّ فزار قبري بعد مماتي فكأنّما زارني في حياتي". ومثل: "من حجّ البيت ولم يزرني فقد جفاني". ومثل: "من حجّ حجّة الإسلام، وزار قبري، وغزا غزوة، وصلى عليَّ في بيت المقدس لم يسأله الله فيما افترض عليه". ومثل: "من زار قبري وجبت له شفاعتي". ومثل: "من زارني بعد موتي فكأنما زارني وأنا حي". فهذه الأحاديث وغيرها لا يصح منها شيء. انظر تخريجها بالتفصيل في "المنة الكبرى" (٤/ ٤٠١ - ٤٠٧). • عن ربيعة بن الهدير، قال: ما سمعت طلحة بن عبيد الله يحدِّث عن رسول الله ﷺ حديثًا قطّ غير حديث واحد، قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ يريد قبور الشّهداء، حتى إذا أشرفنا على حرّة واقم، فلمّا تدلينا منها وإذا قبور بمحنيّةٍ. قال: قلنا: يا رسول الله، أقبور إخواننا هذه؟ قال: "قبور أصحابنا" فلما جئنا قبور الشهداء، قال: "هذه قبور إخواننا". حسن: رواه أبو داود (٢٠٤٣) عن حامد بن يحيي، حدّثنا محمد بن معن المدني، أخبرني داود ابن خالد، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن ربيعة بن الهدير، قال (فذكره). وإسناده حسن من أجل داود بن خالد وهو ابن دينار المدنيّ، وهو صدوق كما في "التقريب"،

стр. 3303

ومن طريقة رواه أيضًا الإمام أحمد (١٣٨٧)، والبزار - كشف الأستار (٩٥٥). وقوله: "حرة واقم" هي الحرة التي كانت بها الوقيعة التي أوقعها بهم مسلم بن عقبة أيام يزيد ابن معاوية، وهي إحدى حرتي المدينة، وهي الشرقية. والحرة الغربية يقال لها: "وبرة". والحديث يدل على زيارة قبور الشهداء بأحد، وقد ثبت عن عقبة بن عامر كما مضى أنّ النبيّ ﷺ خرج في آخر حياته، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت. وفي رواية: "صلى عليهم بعد ثمان سنوات كالمودع للأحياء". ١٤٩ - باب إتيان مسجد قباء للصلاة فيه • عن عبد الله بن عمر، قال: كان النبيّ ﷺ يأتي قباء راكبًا وماشيًا. متفق عليه: رواه البخاريّ في الصّلاة (١١٩٤)، ومسلم في الحج (١٣٩٩) كلاهما من حديث نافع، عن ابن عمر، فذكره. وعندهما عن ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع: "فيصلي فيه ركعتين". • عن سهل بن حنيف: قال رسول الله ﷺ : "ومن تطهر في بيته، ثم أتي مسجد قباء، فصلى فيه صلاة، كان له كأجر عمرة". حسن: رواه النسائيّ (٢/ ٣٧)، وابن ماجه (١٤١٢)، وصحّحه الحاكم (٣/ ١٢) كلّهم من حديث محمد بن سليمان الكرماني، قال: سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف، يقول: قال: سهل ابن حنيف، فذكره. قال الحاكم: صحيح الإسناد. قلت: وفيه محمد بن سليمان المدني القبائي، روى عنه جماعة ووثّقه ابن حبان، وهو حسن الحديث؛ لأنّه توبع كما رواه البخاريّ في "تاريخه" (٨/ ٣٧٩) وله ما يشهد له. انظر: كتاب الصلاة. ١٥٠ - باب التعجيل في الرّجوع إلى البلد بعد انقضاء مناسك الحجّ • عن عائشة، قالت: إنّ رسول الله ﷺ ، قال: "إذا قضى أحدكم حجّه فليُعجل الرّحلة إلى أهله، فإنّه أعظم لأجره". حسن: رواه الدارقطنيّ (٢٧٩٠)، والحاكم (١/ ٤٧٧) وعنه البيهقيّ (٥/ ٢٥٩) كلّهم من حديث أبي مروان محمد بن عثمان العثماني، ثنا أبو ضمرة الليثيّ، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". وهذا وهم منه فإن أبا مروان محمد بن عثمان ليس من رجال الشيخين، وإنما روي له ابن ماجه والنسائي في "الخصائص" غير أنه مختلف فيه، فوثقه أبو حاتم، وصالح جزرة، والذّهبي، إلا أنه

стр. 3304

يروي عن أبيه المناكير. وهذا ليس منها فهو حسن الحديث. وأبو ضمرة الليثي هو أنس بن عياض الليثي، ثقة من رجال الجماعة. ١٥١ - باب من أفسد حجَّه بالجماع رُوي عن يزيد بن نُعيم، أو زيد بن نُعيم -شك أبو توبة- أن رجلًا من جذام جامع امرأتَه وهما محرمان، فسأل الرجلُ رسولَ الله ﷺ فقال لهما: "اقضا نسككما، واهديا هدْيًا، ثمّ ارجِعا حتى إذا كنتم بالمكان الذي أصبتُما فيه ما أصبتُما فتفرقا، ولا يرى واحدٌ منكما صاحبَه، وعليكما حجةٌ أخرى فتقبلان حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما ما أصبتما فيه فأحرما وأتما نسُككما، واهدِيا". رواه أبو داود في مراسيله (١٣٢) عن أبي توبة، حدثنا معاوية -يعني ابنَ سلام- عن يحيى، أخبرني يزيد بن نُعيم أو زيد بن نُعيم -شك أبو توبة-، قال: فذكره. ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي (٢/ ١٦٦، ١٦٧) وقال: "هذا منقطع، وهو يزيد بن نُعيم الأسلمي بلا شك". قلت: وهو الذي رجحه غير واحد من الأئمة، ويزيد بن نُعيم، ثقة كما قال ابن القطان، وزيد ابن نعيم مجهول، إلا أن ابن القطان شك عمن هو؟ وقال: "هذا حديث لا يَصح". انظر: نصب الراية (٣/ ١٢٥). وهذا الحديث رُوي أيضًا عن ابن المسيب مرسلًا، إلا أن فيه ابنَ لهيعة، وفيه كلام معروف. وقال البيهقي: "وقد روي ما في حديثه، أو أكثره عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ "، ثم رَوي عن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبا هريرة، سئلوا عن رجلٍ أصاب أهلَه وهو محرمٌ بالحج، فقالوا: ينفذان لوجههما حتى يقضيا حجهما، ثم عليهما الحج من قابل، والهدي. وقال علي بن أبي طالب ﵁: "فإذا أهلا بالحج عامَ قابلٍ تفرقا حتى يقضيا حجهما" انتهى. ١٥٢ - باب ما يفعل من نسي أو ترك شيئا من نسكه لم يثبت عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، ولكن قال ابن عباس: من نسي من نسكه شيئا أو تركهـ فليهرق دما. قال أيوب: لا أدري، قال: ترك أو نسي. رواه مالك في الحج (٢٥٥) عن أيوب بن أبي تميمية السختياني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وكان ابن عباس ﵁ أعلم الناس في زمانه في مسائل الحج، كما قالت عائشة ﵂. ولذا تلقى العلماء قوله هذا بالقبول. فكانوا يفتون بإيجاب الدم على من ترك شيئا من واجبات

стр. 3305

الحج، مثل الخروج من عرفة قبل الغروب، وترك المبيت بمزدلفة، وترك رمي الجمار جملة وغيرها. وآثارهم مخرجة في مصنف ابن أبي شيبة، ومصنف عبد الرزاق، وسنن سعيد بن منصور وغيرها إلى أن جاء دور فقهاء الإسلام أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى، فهم على مذهب سلفهم. وإنما وقع الخلاف فيما بينهم في تحديد الواجبات، فمن قال بوجوبه ألزمَ الدمَ بتركه، ومن لم يقل بوجوبه لم يُلْزِم الدمَ بتركهـ. ولمزيد من الإيضاح والتفصيل انظر: "المنة الكبري". • * *

стр. 3306

جموع أبواب ما جاء في الهدي وأحكامه ١ - باب وجوب الهدي على المتمتّع والقارن، والصّوم لمن لم يجد الهدي ثلاثة أيام في الحجّ وسبعة إذا رجع إلى أهله قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦]. وفيه نسخ وجوب ما كان قبل الإسلام من سَوق الهدي في الحج والعمرة، ولذا ساق النبي ﷺ في عمرة الحديبية، وانحصر وجوب الهدي على المتمتع والقارن، وبقي استحبابه على المفرد والمعتمر. • عن عبد الله بن عمر، قال: تمتّع رسولُ الله ﷺ في حجّة الوداع بالعمرة إلى الحجّ، وأهدي، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحجّ. وتمتّع النّاسُ مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحجّ، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يُهْدِ. فلمّا قدم رسولُ الله ﷺ مكة. قال للناس: "من كان منكم أهدى، فإنه لا يحلُّ من شيء حرُم منه حتّى يقضي حجَّه. ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصّفا والمروة، وليقصِّر وليَحْلل، ثم ليُهلّ بالحجِّ ولْيُهد. فمن لم يجد هديًا، فليصُم ثلاثة أيام في الحجّ وسبعة إذا رجع إلى أهله". متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٩١)، ومسلم في الحج (١٢٣٧) من طريق الليث بن سعد، حدثني عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أنّ عبد الله بن عمر قال (فذكره). وقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ جمهور المفسرين أنه يصومها قبل التروية، ويوم التروية وآخرها يوم عرفة، وإذا فاته صيامها صامها أيام التشريق اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر. وذهب ابن جرير إلى أن له أن يصومها من أول إحرامه بالحج بعد قضاء عمرته إلى انقضاء أيام التشريق سوى يوم النحر فإنه غير جائز له صومه. وقوله تعالى: هم أهل الحرم، ومن بينه وبين مكة دون مسافة القصر. نصَّ عليه الإمام أحمد. وقال مالك: هم أهل مكة. فليس على المكي دمُ تمتع وإنْ كان تمتع بالعمرة إلى الحج فإن تمتعه صحيح إلا ليس عليه دم

стр. 3307

متعة لأن المتعة له لا عليه. • عن عروة بن الزبير، أنّ عائشة زوج النبيّ ﷺ أخبرته عن رسول الله ﷺ في تمتّعه بالعمرة إلى الحجّ، فتمتّع النّاسُ معه. بمثل الذي أخبرني سالم، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ . متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٦٩٢)، ومسلم في الحج (١٢٢٨) كلاهما من طريق الليث بن سعد، حدثني عُقيل (هو ابن خالد)، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، به. وقوله: "بمثل الذي أخبرني ... إلخ" القائل ذلك هو ابن شهاب الزهري يحيل فيه على حديثه السابق. ٢ - باب المراد بالهدي الغنم والبقر والإبل قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦]. عن علي بن أبي طالب، قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ شاة. وعن عبد الله بن عمر، قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ بدنة أو بقرة. رواه عنهما مالك في الموطأ. (١٥٨، ١٦٠). قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]. عن أبي جمرة، قال: سألتُ ابن عباس ﵄ عن المتعة فأمرني بها، وسألته عن الهدي فقال: "فيها جزور أو بقرة أو شاة أو شرك في دم" الحديث. رواه البخاريّ في الحجّ (١٦٨٨). ٣ - باب ما جاء في هدايا رسول الله ﷺ في حجّة الوداع والحديبية • عن جابر بن عبد الله، قال: ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بيده، ثم أعطى عليًا فنحر ما غبر، وأشركه في هديه. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جابر، فذكره في حجة النبي ﷺ . وقد رُوي عن علي أنه قال: لما نحر رسول الله ﷺ بُدنه، فنحر ثلاثين بيده، وأمرني فنحرت سائرها. رواه أبو داود (١٧٦٤) عن هارون بن عبد الله، حدّثنا محمد ويعلى ابنا عبيد، قالا: حدّثنا محمد ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، فذكره. ومحمد بن إسحاق مدلّس وقد عنعن، ولم يذكر ابن هشام في سيرته هذا الجزء من حديث ابن إسحاق في خروج النبيّ ﷺ في حجة الوداع، كما أنّ فيه مخالفة لحديث جابر في الصّحيح أنه ﷺ -

стр. 3308

نحر ثلاثًا وستين بيده، ثم أعطى عليًا فنحر ما غبر كما مضى. • عن ابن عباس، أنّ رسول الله ﷺ أهدى عام الحديبية في هدايا رسول الله ﷺ جملًا كان لأبي جهل في رأسه برة فضّة. حسن: رواه أبو داود (١٧٤٩) عن النّفيلي، حَدّثنَا محمد بن سلمة، حدثنا محمد بن إسحاق. ح وحدّثنا محمد بن المنهال، حدّثنا يزيد بن زريع، عن محمد بن إسحاق -المعنى-، قال: قال عبد الله -يعني ابن أبي نجيح-، حدّثني مجاهد، عن ابن عباس، فذكره. قال ابن منهال: برّة من ذهب. زاد النفيلي: يغيظ بذلك المشركين. ومحمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن، ولكن صرّح بالتحديث فيما رواه الإمام أحمد (٢٣٦٢) عن يعقوب، حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر، عن ابن عباس، أنّ رسول الله ﷺ قد كان أهدي جمل أبي جهل الذي كان استلب يوم بدر، في رأسه برة فضة، عام الحديبية في هديه. وقال في موضع آخر: "ليغيظ بذلك المشركين". ورواه ابن خزيمة (٢٨٩٧، ٢٨٩٨) مع التصريح في الرواية الثانية. وكذلك الحاكم (١/ ٤٦٧) وقال: "صحيح على شرط مسلم". علاوة على ذلك فإن له طرقًا أخرى غير ابن إسحاق منها ما رواه الإمام أحمد (٢٤٦٦) عن حسين، حدّثنا جرير بن حازم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، أنّ رسول الله ﷺ أهدي في بُدنه بعيرًا كان لأبي جهل، في أنفه برة من فضة. ومن هذا الوجه رواه البيهقيّ (٥/ ٢٣٠) وقال: "هذا إسناد صحيح". إلا أنهم يرون أنّ جرير بن حازم أخذه من محمد بن إسحاق، ثم دلّسه، فإن بيَّن فيه سماع جرير من ابن أبي نجيح صار الحديث صحيحًا" انتهى. قلت: جرير بن حازم ثقة ثبت، ولم يُرم بالتدليس فلا يضرّ عنعنته وله أحاديث معنعنة في الصحيحين، فلا حاجة إلى هذا التعليق الذي ذكره البيهقي رحمه الله تعالى. فإذا صحّ الحديث فلا يعلّ بما لم يصح. مثل رواية سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. رواه ابن ماجه (٣١٠٠) من أوجه عن وكيع، قال: حدّثنا سفيان. وابن أبي ليلي سيء الحفظ، والحكم لم يسمع من المقسم. ومثل رواية مالك في الموطأ (١/ ٣٧٧) عن نافع، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أنَّ رسول الله ﷺ أهدي جملًا، كان لأبي جهل بن هشام في حجّ أو عمرة، وهذا مرسل. هكذا رواه يحيى في الموطأ وفيه خطأ بين، فكل من رواه عن مالك لم يذكر فيه نافعًا، كما قال

стр. 3309

ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٤١٣): "وهذا من الغلط البين، ولا أدري ما وجهه، ولم يختلف الرواة للموطأ عن مالك -فيما علمت قديمًا وحديثًا- أنّ هذا الحديث في الموطأ لمالك، عن عبد الله بن أبي بكر، وليس لنافع فيه ذكر، ولا وجه لذكر نافع فيه. ولم يرو نافع عن عبد الله بن أبي بكر قط شيئًا، بل عبد الله بن أبي بكر ممن يصلح أن يروي عن نافع، وقد روي عن نافع من هو أجلّ منه. وهذا الحديث في الموطأ عند جماعة رواته لمالك عن عبد الله بن أبي بكر". وكذلك لا يصح ما رواه الخطيب في تاريخه (٤/ ٨٢ - ٨٣) في ترجمة أبي عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، أخبرنا سويد بن سعيد، حدثنا مالك، عن الزهري، عن أنس، عن أبي بكر، أنّ النبيّ ﷺ أهدي جملًا لأبي جهل. وقد سئل الدارقطني عن هذا الحديث فقال: أبو عبد الله الصوفي وهم فيه وهمًا قبيحًا، والصواب عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر مرسلًا عن النبيّ ﷺ ، والوهم فيه من الصوفي. انتهى. ٤ - باب ما جاء في ذبح النبيّ ﷺ بقرة عن نسائه في حجّة الوداع • عن جابر، قال: نحر رسولُ الله ﷺ عن نسائه بقرة في حجّته. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣١٩: ٣٥٧) عن محمد بن حاتم، حدّثنا محمد بن بكر. ح وحدثني سعيد بن يحيى الأمويّ، حدثني أبي - كلاهما، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول (فذكره). وقوله: "عن نسائه" يعني بعض نسائه؛ لأن البقرة تجزئ عن سبعة فقط، كما في حديث جابر الآتي، وقد جاء تفسيره في حديث أبي هريرة الآتي بقوله: "عمن اعتمر من نسائه". وعائشة لم تعتمر، فخرجت من التسعة، ولذا ذبح عنها بقرة بحجِّها. • عن جابر بن عبد الله قال: ذبح رسول الله ﷺ عن عائشة بقرة يوم النحر. صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٣١٩) عن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره. وتخصيص عائشة بالذكر من باب ذكر بعض أفراد العموم للأهمية. • عن عائشة، قالت: خرجنا مع النبيّ ﷺ ، ولا نرى إلا الحجّ حتى إذا كنا بسرف أو قريبًا منها، حضتُ. فدخل عليَّ النبيُّ ﷺ وأنا أبكي. فقال: "أنفستِ؟ " (يعني الحيضة) قالت: قلتُ: نعم. قال: "إنّ هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي". قالت: وضحّى رسول الله ﷺ عن نسائه بالبقر. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحيض (٢٩٤)، ومسلم في الحج (١٢١١: ١١٩) كلاهما من

стр. 3310

طريق سفيان بن عيينة، قال: سمعت عبد الرحمن بن القاسم، قال: سمعت القاسم يقول: سمعت عائشة تقول (فذكرته). ورواه مسلم أيضًا (١٣٠) من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، بسياق أطول. وفيه: "فلما كان يوم النحر طهرتُ، فأمرني رسولُ الله ﷺ فأفضتُ. قالت: فأُتينا بلحم بقر. فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أهدي رسول الله ﷺ عن نسائه البقر ... " الحديث. • عن عائشة زوج النبيّ ﷺ أنّ رسول الله ﷺ نحر عن آل محمد في حجّة الوداع بقرة واحدة. صحيح: رواه أبو داود (١٧٥٠)، وابن ماجه (٣١٣٥) كلاهما عن أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ أبو طاهر، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: أنبأنا يونس، عن ابن شهاب، عن عمرة، عن عائشة، فذكرته. وإسناده صحيح. • عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ ذبح عمن اعتمر من نسائه بقرة بينهن. صحيح: رواه أبو داود (١٧٥١)، وابن ماجه (٣١٣٣) كلاهما من حديث الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده صحيح. والوليد بن مسلم مدلس إلا أنه صرّح بالتحديث في رواية ابن ماجه. وصحّحه ابن خزيمة (٢٩٠٣)، والحاكم (١/ ٤٦٧) كما في تلخيص الذهبي له، كلاهما من حديث الوليد بن مسلم. وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". تنبيه: وقع في المستدرك المطبوع خطأ في الإسناد، فرواه من طريق النسائي هكذا: حدّثنا أبو على الحسين بن علي الحافظ، أنبأنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب الفقيه بمصر، ثنا محمد بن أبي كثير، عن سلمة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث، بمثله. والحديث في سنن النسائيّ الكبرى (٤١٢٨) عن عمرو بن عثمان، عن الوليد، عن الأوزاعيّ، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مثله. وزاد: "في حجّة الوداع". وهذا مما يؤكّد وقوع الخطأ في سند الحاكم المطبوع. وأمّا الحافظ ابن حجر فلم يعزه إليه أصلًا، وإنما اكتفى بعزوه إلى ابن خزيمة وحده. انظر: إتحاف المهرة (١٦/ ١٢٤). والوليد مدلس إلا أنه صرّح كما مضى، وقد تابعه إسماعيل بن سماعة، عن الأوزاعي، بإسناده مثله. رواه ابن حبان (٤٠٠٨) من طريق هشام بن عمار، قال: حدثنا إسماعيل بن سماعة، فذكره.

стр. 3311

وهشام بن عمار حسن الحديث، ومتابعة إسماعيل بن سماعة للوليد يؤكّد بأن الوليد لم يسقط أحدًا بين الأوزاعي وبين يحيى بن أبي كثير، فإنه يفعل هذا أحيانًا مع الضعفاء بحجة أن الأوزاعي أنبل من أن يروي عن الضّعفاء. ٥ - باب الاشتراك في الهدي سبعة في كل بدنة أو بقرة • عن جابر بن عبد الله، قال: نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة. صحيح: رواه مالك في الضحايا (٩) عن أبي الزبير المكيّ، عن جابر بن عبد الله، به. ورواه مسلم في الحج (١٣١٨: ٣٥٠) من طريق مالك، به، مثله. • عن جابر بن عبد الله، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلّين بالحجّ، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كلّ سبعة منا في بدنة. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣١٨: ٣٥١) من طرق، عن زهير أبي خيثمة، حدّثنا أبو الزبير، عن جابر، فذكره. وفي رواية: اشتركنا مع النبيّ ﷺ في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة. فقال رجل لجابر: أيشترك في البدنة ما يشترك في الجزور؟ قال: ما هي إلا من البدن. وفي رواية: كنا نتمتع مع رسول الله ﷺ بالعمرة، فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها. قال الترمذيّ (٩٠٤) بعد أن روى هذا الحديث: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، يرون الجزور عن سبعة، والبقرة عن سبعة. وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد. وروي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : أن البقرة عن سبعة، والجزور عن عشرة. وهو قول إسحاق. واحتج بهذا الحديث. وحديث ابن عباس إنما نعرفه من وجه واحد". قلت: حديث ابن عباس هو الآتي بعد حديث. • عن حذيفة بن اليمان، أنّ رسول الله ﷺ أشرك بين المسلمين البقرة عن سبعة. حسن: رواه الإمام أحمد عن أسود بن عامر (٢٣٤٤٦)، وعن يحيى بن آدم (٢٣٤٥٣) كلاهما عن إسرائيل، عن الحكم بن عتيبة، قال: حدثني المغيرة بن حَذَف، عن حذيفة، فذكره. وفي لفظ يحيى بن آدم: "شرَّك رسول الله ﷺ في حجّته بين المسلمين". وإسناده حسن من أجل المغيرة بن حذف العبسيّ وهو من رجال التعجيل" قال ابن معين: "مشهور". قال الحافظ: وذكره ابن خلفون في الثقات. قلت: ولم يذكره ابن حبان في "ثقاته" وهو من شرطه. وأما ما روي عن ابن عباس، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا

стр. 3312

في الجزور عن عشرة، والبقرة عن سبعة. فهو شاذ. رواه الترمذي (٩٠٥)، والنسائي (٤٣٩٢)، وابن ماجه (٣١٣١)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٩٠٨)، وابن حبان (٤٠٠٧)، والحاكم (٤/ ٢٣٠)، والبيهقيّ (٥/ ٢٣٥ - ٢٣٦) كلهم من حديث الحسين بن واقد، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. قال الترمذيّ: حديث حسن غريب، وهو حديث حسين بن واقد. وقال الحاكم: "صحيح على شرط البخاريّ". قلت: الحسين بن واقد ليس على شرط البخاري، ولكن على شرط مسلم، وهو المروزي أبو عبد الله القاضي، حسن الحديث إذا لم يخالف وقد خالف هنا في المتن. ولذا رجّح البيهقي رواية جابر، فقال: "حديث أبي الزبير عن جابر أصح من ذلك، وقد شهد الحديبية وشهد الحج والعمرة، وأخبرنا بأن النبي ﷺ أمرهم باشتراك سبعة في بدنة، فهو أولى بالقبول". وفي الباب عن ابن مسعود، عن النبيّ ﷺ قال: "الجزور عن سبعة، والبقرة عن سبعة في الأضاحي". رواه الطبراني في الأوسط (٦١٢٤) عن محمد بن موسى الأُبليّ، قال: حدثنا عمر بن يحيى الأبلي، قال: حدثنا حفص بن جميع، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، فذكره. قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن مغيرة إلا حفص بن جميع، تفرّد به عمر بن يحيى". قلت: عمر بن يحيى الأبليّ وشيخه حفص بن جميع ضعيفان، وقد أعلّه الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢٢٦) بحفص بن جميع. وفي الباب أيضًا عن أنس بن مالك، قال: رأيت رسول الله ﷺ عام الحديبية شرّك ين سبعة من أصحابه في البدنة. رواه الطبرانيّ في الأوسط. وفيه معاوية بن يحيى الصدفي ضعيف، كما قال الهيثميّ في "المجمع". ٦ - باب تقليد الهدي وإشعاره • عن حفصة أمّ المؤمنين أنها قالت لرسول الله ﷺ : ما شأن الناس حلّوا ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال: "إنّي لبّدتُ رأسي، وقلَّدتُ هديي فلا أحلّ حتى أنحر". متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٨٠) عن نافع، عن عبد الله بن عمر، به، فذكره. ورواه البخاريّ في الحج (١٥٦٦)، ومسلم في الحج (١٢٢٩: ١٧٦) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. • عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، قالا: خرج النبيّ ﷺ من المدينة في بضع عشرة مئة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلَّد النبيّ ﷺ الهدي وأشعر، وأحرم بالعمرة. صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٦٩٤، ١٦٩٥) من طريق معمر، عن الزّهريّ، عن عروة بن

стр. 3313

الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان، قالا (فذكره). • عن عبد الله بن عباس، قال: صلَّى رسول الله ﷺ الظّهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدّم، وقلَّدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما اسْتوت به على البيداء أهلَّ بالحجّ. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢٤٣) من طريق قتادة، عن أبي حسّان (الأعرج واسمه مسلم ابن عبد الله البصريّ)، عن ابن عباس، فذكره. قال الترمذيّ عقب حديث ابن عباس (٩٠٦): "وسمعت أبا السائب يقول: كنا عند وكيع، فقال لرجل عنده ممن ينظر في الرّأي: أشعر رسول الله ﷺ . ويقول أبو حنيفة: هو مُثْلةٌ! فإنه قد رُوي عن إبراهيم النخعيّ أنه قال: الإشعار مثلة. قال: فرأيت وكيعًا غضب غضبًا شديدًا، وقال: أقول لك قال رسول الله ﷺ وتقول: قال: إبراهيم! ما أحقك بأن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا". قوله: "وأشعرها" الإشعار هو أن يجرحها في صفحة سنامها اليمنى بحرية أو سكين ونحوه، ثم يسلت الدم عنها. وأصل الإشعار والشعور الإعلام والعلامة، وإشعار الهدي لكونه علامة له، ليعلم أنه هدي، فإن ضلّ ردّه واجدُه، ولا يختلط بغيره. ٧ - باب ما جاء في تقليد الغنم • عن عائشة، قالت: أهدى النبيُّ ﷺ مرة غنمًا. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٧٠١)، ومسلم في الحج (١٣٢١: ٣٦٧) كلاهما من طريق الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود، عن عائشة، فذكرته. واللفظ للبخاريّ. وأمّا ما رُوي عن جابر: أهدي رسول الله ﷺ إلى البيت غنمًا. فهو غير محفوظ. رواه الإمام أحمد (١٤٨٩١)، والبزار -كشف الأستار ١١٠٦ - كلاهما من حديث أبي زُبيد عشر بن القاسم، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، فذكره. وزاد البزار: "مقلّدة" وقال: "لا نعلمه عن جابر إلّا من هذا الوجه، إنما يرويه أصحاب الأعمش عنه، عن إبراهيم، عن أسود، عن عائشة. ولم يتابع عبثر على قوله: عن جابر". انتهى. وبمثل ذلك أعلّه الدارقطنيّ "العلل" (١٥/ ٧١). ٨ - باب ما جاء في تفرقة الهدي • عن عبد الله بن عباس، أنّ النبيّ ﷺ قسم غنمًا يوم النّحر في أصحابه وقال: "اذبحوها لعمرتكم، فإنها تجزئ عنكم". فأصاب سعد بن أبي وقاص تيسٌ.

стр. 3314

صحيح: رواه أحمد (٢٨٠٢) عن حجّاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني عكرمة مولي ابن عباس، زعم أن ابن عباس أخبره. وإسناده صحيح. ورواه الطبرانيّ في الكبير (١١/ ٢٢٣) من وجه آخر. عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنّ رسول الله ﷺ بعث بغنم إلى سعد بن أبي وقاص يقسمها بين أصحابه، وكانوا يتمتعون، فبقي تيس فضحي به سعد بن أبي وقاص في تمتعه. قال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٢٦): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وفاته العزو إلى الطبراني. ثم رأيته ذكره في الأضاحي (٤/ ١٩) وقال: "رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح". وليس كما قال؛ فإن فيه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة ليس من رجال الصحيح، وهو ضعيف كما في التقريب. وثمة فيه علة أخرى وهي أن داود بن الحصين يضعف في عكرمة. ٩ - باب حكم إبدال الهدي روي أن عمر بن الخطاب أهدي نجيبا، فأعطي بها ثلاثمائة دينار، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أهديت نجيبا، فأُعْطِيتُ بها ثلاثمائة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنا؟ قال: "لا، انحرها إياها". رواه أبو داود (١٧٥٦) وعنه البيهقي (٥/ ٢٤١ - ٢٤٢) عن النفيلي، حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن جهم بن الجارود، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: أهدى عمر بن الخطاب، فذكره. قال أبو داود: "أبو عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد خال محمد بن سلمة روى عنه حجاج بن محمد". رواه ابن خزيمة في صحيحه (٢٩١١) من طريق محمد بن سلمة، بإسناده، مثله. وإسناده ضعيف فإن جهم بن الجارود مجهول، كما قال الذهبي في "الميزان"، وقال ابن القطان: "لا يعرف" ولم يرو عنه غير أبي عبد الرحيم. وفيه علة أخرى، وهي أن جهم بن الجارود لا يعرف له سماع من سالم، كما ذكره البخاري في التاريخ الكبير. قال أبو داود معلقا على الحديث: "هذا لأنه كان أشعرها". وأخذ الشافعي وبعض الحنفية بظاهر هذا الحديث بأنه لا يجوز إبدال الهدي مطلقا، وقال غيرهم بجواز الإبدال بما هو أفضل. وأما منع النبي ﷺ عمر من إبدال هديه فذلك لأنه كان

стр. 3315

أفضل، لأن هذه النجيبة كانت نفيسة، ولهذا بذل فيها ثمن كثير، فكان إهداؤها إلى الله أفضل من أن يهدي بثمنها عدد دونها، وهذا الذي رجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوي. ١٠ - باب شراء الهدي في الطّريق وتقليده • عن نافع، قال: أراد ابن عمر ﵄ الحجَّ، عام حجّة الحرورية في عهد ابن الزبير ﵄، فقيل له: إنّ الناس كائن بينهم قتال ونخاف أن يصدُّوك، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: ٢١] إذًا أصنع كما صنع، أشهدكم أني أوجبتُ عمرة، حتى إذا كان بظاهر البيداء قال: ما شأن الحجّ والعمرة إلا واحد، أُشْهدُكم أني جمعتُ حجّة مع عمرة. وأهدى هديًا مقلَّدًا اشتراه، حتى قدم فطاف بالبيت وبالصّفا، ولم يزد على ذلك ولم يَحْلِل من شيء حرُم منه حتى يوم النحر، فحلق ونحر، ورأى أنْ قد قضى طوافه للحجّ والعمرة بطوافه الأول، ثم قال: كذلك صنع النبيّ ﷺ . متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٧٠٨) من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، به، فذكره. ورواه مسلم في الحج (١٢٣٠) من طرق عن نافع، به، نحوه، مختصرًا ومطوَّلًا، وليس عنده ذكر التقليد. وأما ما رُوي عن ابن عمر: "أنّ النبيّ ﷺ اشتري هديه من قُديد" فهو ضعيف. رواه الترمذي (٩٠٧)، وابن ماجه (٣١٠٢) كلاهما من حديث بحيي بن اليمان، عن سفيان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث الثوري إلا من حديث يحيى بن اليمان. وروي عن نافع، أن ابن عمر اشتري من قُديد، وهذا أصح" انتهى. قلت: وهو كما قال، فإنّ يحيى بن اليمان قال فيه النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ. فإنه أخطأ فيه فجعل الحديث مرفوعًا من فعل النبيّ ﷺ بينما الصواب أنه من فعل ابن عمر، كما في الصحيحين، ولذا قال فيه أبو داود: "يخطئ في الأحاديث ويقلبها". ١١ - باب تقليد الهدي لا يوجب إحرامًا لمن بعث بها إلى الحرم • عن عمرة بنت عبد الرحمن، أنّ زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة زوج النبيّ ﷺ أن عبد الله بن عباس، قال: من أهدى هديًا حَرُم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدى، وقد بعثت بهديي فاكتبي إليَّ بأمركِ، أو مُري صاحب الهدي. قالت

стр. 3316

عمرة: قالت عائشة: ليس كما قال ابن عباس! أنا فتلتُ قلائد هدي رسول الله ﷺ بيديّ، ثم قلَّدها رسول الله ﷺ بيده، ثم بعث بها رسول الله ﷺ مع أبي، فلم يحرُم على رسول الله ﷺ شيء أحلَّه الله له حتى نُحر الهدي. متفق عليه: رواه مالك في الحج (٥١) عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، أنها أخبرته، أنّ زياد بن أبي سفيان، (فذكرته). ورواه البخاري في الحج (١٧٠٠)، ومسلم في الحج (١٣٢١: ٣٦٩) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. وروياه من حديث الليث، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن، أن عائشة، قالت: "كان رسول الله ﷺ يُهدي من المدينة، فأفتل قلائد هديه، ثم لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم". البخاريّ (١٦٩٨)، ومسلم (١٣٢١: ٣٥٩). • عن عائشة، قالت: أنا فتلت تلك القلائد من عِهْن كان عندنا، فأصبح فينا رسول الله ﷺ حلالًا، يأتي ما يأتي الحلال من أهله أو يأتي ما يأتي الرجل من أهله. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٧٠٥)، ومسلم في الحج (١٣٢١: ٣٦٤) كلاهما من طريق ابن عون، عن القاسم، عن عائشة. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري مختصر. • عن عائشة، قالت: لقد رأيتني أفتل القلائد لهدي رسول الله ﷺ من الغنم، فيبعث به، ثم يقيم فينا حلالًا. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٧٠٣)، ومسلم في الحج (١٣٢١: ٣٦٥) كلاهما من حديث إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، فذكرته. وأما ما رُوي عن جابر، قال: بينا النبيّ ﷺ جالس مع أصحابه، شق قميصه حتى خرج منه، فقيل له! فقال: "واعْدتُهم يقلِّدون هَدْيي اليوم فنسيت" فهو ضعيف. رواه الإمام أحمد (١٤١٢٩) عن عبد الرزاق، حدّثنا داود بن قيس، عن عبد الرحمن بن عطاء، أنه سمع ابني جابر يحدثان، عن أبيهما، قال: فذكره. وعبد الرحمن بن عطاء هو القرشي، يقال له: ابن أبي لبيبة الذّارع المدني صاحب الشارعة، مختلف فيه. فوثقه النسائيّ، وقال أبو حاتم: شيخ مجهول. وضعّفه الأزديّ، وأبو أحمد الحاكم، وابن عبد البر، وقال: ترك مالك الرواية عنه وهو جاره. ثم هو تلوّن في رواية هذا الحديث فمرة قال: إنه سمع ابني جابر كما هنا، وأخرى كما في المسند (٢٣٦١٣) عن نفر من بني سلمة، قالوا: كان النبيّ ﷺ جالسًا فشق ثوبه فقال: "إني واعدت هديًا يشعر اليوم". وأخرى كما في المسند أيضًا (١٥٢٩٨) عن عبد الملك بن جابر بن عتيك، عن جابر بن

стр. 3317

عبد الله، قال: كنت عند رسول الله ﷺ جالسًا فقدَّ قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجله، فنظر القوم إلى رسول الله ﷺ فقال: "إني أمرت ببُدْني التي بعثت بها أن تُقلَّد اليوم، وتُشعر اليوم على ماء كذا وكذا فلبستُ قميصًا ونسيتُ، فلم أكن أُخرج قميصي من رأسي". وكان قد بعث ببدنه من المدينة وأقام بالمدينة. ومع اختلافه في الإسناد ففيه نكارة لأنه مخالف للحديث الصحيح الذي مضى بأن النبيّ ﷺ إذا بعث هديًا يقيم حلالًا، ولا يحرم عليه شيء أحله الله له. فلا تغترن بقول الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٢٧): رواه أحمد ورجاله ثقات. ١٢ - باب جواز ركوب البدنة المهداة إذا لم يجد مركوبًا غيرها • عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنة، فقال: "ارْكبها" فقال: يا رسول الله، إنّها بدنة. فقال: "اركبها ويلك" في الثانية أو الثالثة. متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٣٩) عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه البخاريّ في الحج (١٦٨٩)، ومسلم في الحج (١٣٢٢: ٣٧١) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. • عن أبي هريرة، أنّ نبيَّ الله ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنة، قال: "اركبها". قال: إنّها بدنة. قال: "اركبها". قال: فلقد رأيته راكبها يساير النبيَّ ﷺ والنّعل في عُنقها. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٧٠٦) من طريق معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه مسلم في الحج (١٣٢٢) من طريق الأعرج، وهمام بن منبه -فرّقهما- كلاهما، عن أبي هريرة، به، نحوه. وليس فيه ذكر النعل. • عن أنس بن مالك، أنّ النبيَّ ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنة، فقال: "اركبها" قال: إنها بدنة! قال: "اركبها". قال: إنها بدنة! قال: "اركبها" ثلاثًا. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٩٠) من طريق قتادة، عن أنس، به، فذكره. ورواه مسلم في الحج (١٣٢٣) من طريق ثابت البناني، وبكير بن الأخنس -فرقهما- كلاهما عن أنس، به، نحوه. • عن جابر أنّه سئل عن ركوب الهدي؟ فقال: سمعت النبيَّ ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف إذا أُلجئت إليها حتى تجد ظهرًا". صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٢٤) من طرق، عن أبي الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله، فذكره.

стр. 3318

وفي الباب عن علي بن أبي طالب، وقد سئل: يركب الرجل هديه؟ فقال: لا بأس به، قد كان النبيّ ﷺ يمر بالرجال يمشون فيأمرهم يركبون هديه -هدي النبيّ ﷺ -، قال: "ولا تتّبعون شيئًا أفضل من سنّة نبيِّكم ﷺ ". رواه الإمام أحمد (٩٧٩) عن أسود بن عامر، أخبرنا إسرائيل، عن محمد بن عبيد الله، عن أبيه، عن عمّه، قال: عن علي بن أبي طالب، فذكره. ومحمد بن عبيد الله هو محمد بن عبيد الله بن علي بن أبي رافع. وأبوه عبيد الله بن علي بن أبي رافع. وعمه أي عمّ عبيد الله بن علي بن أبي رافع، وهو عبيد الله بن أبي رافع كاتب عليَّ. هكذا ذكر نسبهم الحافظ في أطراف المسند (٤/ ٤٥٩) نقلًا عن الخطيب. ومحمد بن عبيد الله لا يعرف من هو! . وأبوه عبيد الله بن علي لين الحديث، كما في "التقريب". وعبيد الله بن أبي رافع ثقة، كما في "التقريب". وقد ينسب محمد بن عبيد الله إلى جد أبيه ابن أبي رافع، فإن صحّ هذا فهو ضعيف، وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٢٧). ١٣ - باب الهدي إذا عطب في الطّريق وخشي عليه الموت ماذا يفعل به ؟ • عن موسى بن سلمة الهذليّ، قال: انطلقتُ أنا وسنان بن سلمة معتمرين. قال: وانطلق سنان معه ببدنة يسوقها، فأزحفت عليه بالطريق. فعَيي بشأنها. إن هي أُبْدعت كيف يأتي بها. فقال: لئن قدمتُ البلدَ لأسْتحفينَّ عن ذلك. قال: فأضحيتُ. فلمَّا نزلنا البطحاءَ قال: انطلق إلى ابن عباس نتحدّث إليه. قال: فذكر له شأن بدنته، فقال: على الخبير سقطت، بعث رسول الله ﷺ بستَّ عشرةَ بدنةً مع رجل وأمَّره فيها. قال: فمضى ثم رجع. فقال: يا رسول الله، كيف أصنع بما أُبدع عليَّ منها؟ قال: "انْحرها، ثم اصْبَغْ نعليها في دمها، ثم اجعله على صفْحَتِها. ولا تأكلْ منها أنت ولا أحدٌ من أهل رفقتك". صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٢٥) من طرق عن أبي التّيَّاح الضُّبعيّ (واسمه يزيد بن حميد)، عن موسى بن سلمة، به. • عن ذؤيب أبي قبيصة الخزاعيّ: أنّ رسول الله ﷺ كان يبعثُ معه بالبدن ثم يقول: "إنْ عطب منها شيء، فخشيتَ عليه موْتًا، فانحرها. ثم اغْمِس نعْلها في

стр. 3319

دمها، ثم اضْرب به صفحتَها. ولا تطْعمها أنت ولا أحدٌ من أهل رُفقتك". صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٢٦) عن أبي غسّان المسْمعيّ، حدّثنا عبد الأعلى، حدّثنا سعيد (هو ابن أبي عروبة)، عن قتادة، عن سنان بن سلمة، عن ابن عباس، أنَّ ذؤيبًا أبا قبيصة حدَّثه، فذكره. • عن ناجية الخزاعيّ الأسلميّ، أنّ رسول الله ﷺ بعث معه بهدي فقال: "إن عطب منها شيء فانحره، ثم أصبغ نعله في دمه، ثم خل بينه وبين الناس". وفي رواية: "وخل بين الناس وبينه فليأكلوه". وفي رواية: "أغمس نعله في دمه، واضرب صفحته". صحيح: رواه أبو داود (١٧٦٢)، والترمذي (٩١٠)، وابن ماجه (٣١٠٦) كلّهم من طريق هشام ابن عروة، عن أبيه، عن ناجية، فذكره. ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (١٨٩٤٢)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٥٧٧)، وابن حبان (٤٠٢٣)، والحاكم (١/ ٤٤٧). وقال: صحيح على شرط الشيخين. وقال الترمذيّ: حديث حسن صحيح. وقال: العمل على هذا عند أهل العلم. وقالوا: في هدي التطوع إذا عطب لا يأكل هو ولا أحد من أهل رفقته، ويُخَلّي بينه وبين الناس يأكلوه. وقد أجزأ عنه، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. وقالوا: إن أكل منه شيئًا غرم بقدر ما أكل منه. وقال بعض أهل العلم: إذا أكل من هدي التطوع شيئًا فقد ضمن الذي أكل" انتهى. وقال الخطابي: "يُشبه أن يكون معناه حرم عليه ذلك وعلى أصحابه ليحسم عنهم باب التهمة". وقوله: "عطب" كفرح أي قارب الهلاك. وقوله: "نعله" أي قلادته. وفي الباب ما رُوي عن أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من ساق هديًا تطوّعًا فعطِب، فلا يأكل منه، فإنه إن أكل منه كان عليه بدله، ولكن لينحرها، ثم يغمس نعلها في دمها، ثم يضرب في جنبها، وإن كان هديًا واجبًا فليأكل إن شاء فإنه لا بد من قضائه". رواه ابن خزيمة في صحيحه (٢٥٨٠)، وعنه البيهقي (٥/ ٣٤٤) من طريق محمد بن عبد الرحمن -وهو ابن أبي ليلى-، عن عطاء، عن أبي الخليل، عن أبي قتادة، فذكره. قال ابن خزيمة: "هذا الحديث مرسل بين أبي الخليل وأبي قتادة رجل". قلت: ومحمد بن عبد الرحمن وهو ابن أبي ليلي سيء الحفظ. وأبو الخليل هو عبد الله بن الخليل، ويقال: ابن أبي الخليل مجهول.

стр. 3320

وأورده الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢٢٨) وقال: "رواه الطبراني في الأوسط مرفوعًا وهو موقوف باختصار عن المرفوع، وفي إسناد الجميع محمد بن أبي ليلى، وهو سيء الحفظ". وفي الباب أيضًا عن عمرو بن خارجة الثمالي، قال: سألت النبيّ ﷺ عن الهدي يعطب؟ فقال النبي ﷺ : "انحر واصبغ نعله في دمه، واضرب به على صفحته -أو قال: جنبه- ولا تأكلنَّ منه شيئًا أنت ولا أهل رفقتك". رواه الإمام أحمد (١٧٦٦٧، ١٧٦٦٨)، والطبراني في الكبير (١٧ / (٨٨) كلاهما من طريق شريك، عن ليث، عن شهر، عن عمرو بن خارجة، فذكره واللفظ لأحمد، ولفظ الطبراني، نحوه. وفيه شريك وهو ابن عبد الله النّخعيّ ضُعِّف من قبل سوء حفظه، إلا أنه توبع، فقد رواه الإمام أحمد (١٦٦٠٩) من طريق أبي معاوية (يعني شيبان) عن ليث، عن شهر، حدثني الأنصاريّ صاحب بدن رسول الله ﷺ . فأبهم ذكر الصّحابي وهو عمرو بن خارجة. وليث هو ابن أبي سُليم وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٢٢٨) فقال: "رواه أحمد، والطَّبرانيّ في "الكبير" بنحوه، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو ثقة ولكنّه مدلّس". قلت: ليث بن أبي سليم ليس بثقة ولا مدلس، بل هو متكلم فيه، فقال الإمام أحمد: مضطرب الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وقال أبو زرعة: لين الحديث، لا تقوم به الحجة عند أهل العلم بالحديث. وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره، فكان يقلب الأسانيد. ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم. والخلاصة أنه ضُعِّف من قبل حفظه، ولم أجد من وصفه بالتدليس. وشيخه شهر وهو ابن حوشب فيه كلام معروف. غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، ولم يأت بما ينكر عليه. وفي الباب أيضًا ما رُوي عن سلمة بن المحبّق -وكان قد صحب النبيّ ﷺ -، عن النبيّ ﷺ أنه بعث بدنتين مع رجل، وقال: "إن عُرض لهما فانحرهما، واغمس النّعل في دمائهما، ثم اضرب به صفحتيهما حتى يُعلم أنهما بدنتان". وقال: "صفحتي كل واحدة". قال: "ولا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك، ودعها لمن بعدكم". رواه الإمام أحمد (٢٠٠٧٠)، والطبراني في الكبير (٦٣٤٥) كلاهما من طريق ابن جريج، قال: أخبرني عبد الكريم بن أبي المخارق، عن معاذ بن سعوة الرّاسبيّ، عن سنان بن سلمة الهذليّ، عن أبيه سلمة، فذكره. واللفظ لأحمد، ولفظ الطبراني مختصر. ومعاذ بن سعوة وهو الرقاشي ذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٤٨١) ولم يذكر من روى عنه غير عبد الكريم بن أبي المخارق فيكون مجهولًا عند أهل العلم بالحديث. وعبد الكريم بن أبي المخارق ضعيف عند جمهور علماء الجرح والتعديل. وبه أعلّه الهيثميّ في

стр. 3321

"المجمع" (٣/ ٢٢٨). ١٤ - باب نحر الإبل قيامًا غير معقولة، أو معقولة اليسرى قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]. قال ابن عباس: ﴿صَوَافَّ﴾ قيامًا. علّقه البخاريّ في الحج (٣/ ٥٥٤ - مع الفتح). ووصله ابن جرير في تفسيره (١٦/ ٥٥٦) من طرق، عنه وزاد: "على ثلاثة قوائم معقولة". • عن زياد بن جبير، أنّ ابن عمر أتي على رجل وهو ينحر بدنته باركةً، فقال: ابْعثها قيامًا مقيّدة، سنّة نبيِّكم ﷺ . متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٧١٣)، ومسلم في الحج (١٣٢٠) كلاهما من طريق يونس (هو ابن عبيد العبدي البصريّ)، عن زياد بن جبير، به، فذكره. واللفظ لمسلم. • عن أنس، قال: صلى رسول الله ﷺ ونحن معه بالمدينة الظهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء ... الحديث. وفيه: ونحر النبيّ ﷺ بدنات بيده قيامًا. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٥٥١) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا وُهيب، حدّثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، فذكره. وأخرجه مسلم (٦٩٠) من وجه آخر عن أيوب بإسناده مختصرًا ولم يذكر فيه نحر النبيّ ﷺ . وأخرجه البيهقيّ (٥/ ٢٣٧) من طريق محمد بن الحسين بن أبي الحنين صاحب المسند، عن شيخ البخاريّ موسى بن إسماعيل بإسناده، وزاد فيه: "سبع بدنات". وقوله: "سبع بدنات" لا يوجد في رواية موسى بن إسماعيل التي أشار إليها البيهقيّ. ولكن رواه البخاريّ (١٧١٤) عن سهل بن بكار، حدّثنا وهيب بإسناده، وذكر فيه أن النبي ﷺ نحر بيده سبع بُدن قيامًا، فكان من الأولى أن يشير البيهقي إلى رواية سهل بن بكار. هذا مما شاهده أنس، وإلّا فإنه ﷺ نحر ثلاثًا وستين كما أخبر به جابر. • عن جابر، أنّ النّبيّ ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها. حسن: رواه أبو داود (١٧٦٧) عن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر.

стр. 3322

وقال (أي ابن جريج): وأخبرني عبد الرحمن بن سابط، فذكره. وقول ابن جريج: "وأخبرني عبد الرحمن بن سابط" مرسل صحيح لأن ابن سابط من ثقات التابعين، وهو يقوي المسند. قال البيهقيّ (٥/ ٢٣٧ - ٢٣٨) بعد أن أخرج الطريقين من أبي داود: "حديث ابن جريج عن أبي الزبير، عن جابر، موصول، وعن عبد الرحمن بن سابط مرسل". • عن عبد الله بن قرط، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّ أعظم الأيام عند الله ﵎ يوم النّحر، ثم يوم القرّ". وهو اليوم الثاني. قال: وقرّب لرسول الله ﷺ بدنات خمس أو ست، فطفقن يزدلفن إليه بأيّتهنّ يبدأ، فلما وجبتْ جنوبُها قال: فتكلّم بكلمة خفية لم أفهمها. فقلت: ما قال؟ قال: "من شاء اقتطع". صحيح: رواه أبو داود (١٧٦٥) عن إبراهيم بن موسي الرازيّ، أخبرنا عيسي. ح وحدّثنا مسدد، أخبرنا عيسي -وهذا لفظ إبراهيم-، عن ثور، عن راشد بن سعد، عن عبد الله بن عامر بن لُحي، عن عبد الله بن قُرط، فذكره. وإسناده صحيح، وثور هو ابن يزيد أبو خالد الحمصيّ، ثقة من رجال البخاريّ. ومن هذا الوجه رواه الإمام أحمد (١٩٠٧٥)، وصححه ابن خزيمة (٢٨٦٦، ٢٩١٧) مطوّلًا ومختصرًا والحاكم (٤/ ٢٢١) وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وقوله: "يزدلفن" أي يقتربن. وقوله: "من شاء اقتطع" فيه جواز هبة المشاع، وليس هو من النهب المنهي عنه. وفي الباب عن غرفة بن الحارث الكنديّ، قال: شهدت رسول الله ﷺ في حجّة الوداع، وأتي بالبدن فقال: "ادعو لي أبا حسن" فدُعي له علي، فقال له: "خذ بأسفل الحربة" وأخذ رسول الله ﷺ بأعلاها، ثم طعنا بها في البدن، فلما فرغ ركب بغلته وأردف عليًّا ﵁. رواه أبو داود (١٧٦٦) عن محمد بن حاتم، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا عبد الله بن المبارك، عن حرملة بن عمران، عن عبد الله بن الحارث الأزديّ، قال: سمعت غرفة بن الحارث الكنديّ، فذكره. وفيه عبد الله بن الحارث الأزديّ لم يوثقه غير ابن حبان، وجهّله ابن القطّان. ١٥ - باب استحباب الأكل من الهدي والتزوّد منه • عن جابر بن عبد الله، قال: كنا نتزود لحوم الأضاحي على عهد النبي ﷺ إلى المدينة. متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (٢٩٨٠)، ومسلم في الأضاحي (١٩٧٢/ ٣٢)

стр. 3323

كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو (هو: ابن دينار) أخبرني عطاء (هو: ابن أبي رباح) سمع جابر بن عبد الله فذكره. ورواه البخاريّ في الحجّ (١٧١٩)، ومسلم في الأضاحي (١٩٧٢/ ٣٠) كلاهما من طريق ابن جريج، حدّثنا عطاء، قال: سمعت جابر بن عبد الله، يقول: "كنّا لا نأكل من لحوم بُدننا فوق ثلاث منى، فرخّص لنا النبيُّ ﷺ ، فقال: "كلوا وتزوّدوا". قلت لعطاء: قال جابر: حتى جئنا المدينة؟ قال: نعم، واللفظ لمسلم وفي لفظ البخاري قال: لا. والمثبت مقدم على النافي، ويؤيده رواية عمرو بن دينار عن عطاء وكذا رواية أبي الزبير عن جابر فيما رواه الإمام أحمد (١٤٥٠٩)، وصححه ابن حبان (٥٩٣٠) من طريق الحسين بن واقد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "أكلنا القديد مع نبي الله ﷺ إلى المدينة". وإسناده حسن من أجل الحسين بن واقد فهو حسن الحديث. • عن جابر بن عبد الله، قال: ثم أمر (يعني النبيّ ﷺ " من كلِّ بدنة ببَضْعَة، فجُعلتْ في قدر، فطُبختْ فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدنيّ، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب، عن أبيه، عن جابر، فذكره في الحديث الطويل في صفة حجّة النبيّ ﷺ . وأمّا ما رُوي عن ابن عباس، قال: أهدي رسول الله ﷺ في حجّة الوداع مائة بدنة، نحر منها ثلاثين بدنة بيده، ثم أمر عليًا فنحر ما بقي منها وقال: "اقسم لحومها وجلالها وجلودها بين الناس، ولا تعطينَّ جزّارا منها شيئًا، وخذ لنا من كلّ بعير حُذْيَةٌ من لحم، ثم اجعلها في قدر واحدة حتى نأكل من لحمها ونحو من مرقها" ففعل. ففيه رجل لم يسم. رواه أحمد (٢٣٥٩) عن يعقوب، حدّثنا أبي، عن إسحاق، قال: حدثني رجل، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر، عن ابن عباس، فذكره. ولم يسم فيه شيخ محمد بن إسحاق كما أنّ في متنه نكارة، فقد جاء في الصحيح من حديث جابر، أنّ النبيّ ﷺ نحر من هديه ثلاثًا وستين بدنة، ثم أعطى عليًا فنحر ما غبر. وكذلك لا يصح ما رواه أبو داود (١٧٦٤) من وجه آخر عن محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي بن أبي طالب، قال: "لما نحر رسول الله ﷺ بدنه فنحر ثلاثين بيده، وأمرني فنحرتُ سائرها". ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (١٣٧٤) وزاد فيه: "اقسم لحومها بين الناس، وجلودها وجلالها، ولا تعطين جازرًا منها شيئًا". فاختلف محمد بن إسحاق، فقال في الحديث: حدثني رجل عن عبد الله بن أبي نجيح. وجعل

стр. 3324

في هذا الحديث عبد الله بن أبي نجيح شيخًا له، وهو اضطراب مع نكارة في متنه. ١٦ - باب التصدق بلحوم الهدي وجلودها وجلالها قال الله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]. • عن علي قال: أهدى النبي ﷺ مائة بدنة، فأمرني بلحومها فقسمتها، ثم أمرني بجلالها فقسمتها، ثم بجلودها فقسمتها. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٧١٨)، ومسلم في الحج (١٣١٧: ٣٤٩) كلاهما من طريق مجاهد، حدثني ابن أبي ليلى، أنّ عليًّا ﵁ حدّثه، فذكره. واللفظ للبخاريّ. ولفظ مسلم نحوه، وزاد في رواية: "في المساكين، ولا يُعطي في جزارتها منها شيئًا". قوله: "بجلالها" الجلال -بكسر الجيم وتخفيف اللام- جمع جُل بضم الجيم: وهو ما يطرح على ظهر البعير من كساء ونحوه. الفتح (٣/ ٥٤٩). • عن جابر بن عبد الله، قال: كنّا لا نأكل من لحوم بُدننا فوق ثلاث منى، فرخّص لنا النبيُّ ﷺ ، فقال: "كلوا وتزوّدوا" فأكلنا وتزوّدنا. قلت لعطاء: أقال: حتى جئنا المدينة؟ قال: لا. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٧١٩)، ومسلم في الأضاحي (١٩٧٢) كلاهما من طريق ابن جريج، حدّثنا عطاء (هو ابن أبي رباح)، قال: سمعت جابر بن عبد الله، فذكره. واللفظ للبخاريّ. ١٧ - باب لا يُعطي الجزّار من الهدي عوضًا عن أجرته • عن علي بن أبي طالب، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بُدنة، وأن أتصدّق بلحمها وجلودها وأجلَّتها، وأن لا أُعطي الجزّار منها. قال: نحن نعطيه من عندنا. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٧١٦)، ومسلم في الحج (١٣١٧: ٣٤٨) كلاهما من طريق عبد الكريم الجزريّ، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، فذكره. واللفظ لمسلم. ولفظ البخاري نحوه، وليس عنده "نحن نعطيه من عندنا". ١٨ - باب ما جاء أنّ منى كلّها منحر • عن نافع، أن ابن عمر ﵄ كان يبعث بهديه من جَمْع من آخر الليل، حتّى يُدْخَل به منحر النبيّ ﷺ مع حجّاج فيهم الحر والمملوك.

стр. 3325

صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٧١١) عن إبراهيم بن المنذر، حدثنا أنس بن عياض، حدثنا موسى بن عقبة، عن نافع، به، فذكره. • عن جابر بن عبد الله، أنّ رسول الله ﷺ قال: "نحرتُ ههنا، ومني كلّها منحر، فانحروا في رحالكم". صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨: ١٤٩) عن عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، عن جعفر (هو ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب)، حدثني أبي، عن جابر، به. في حديث الطويل في حجة النبي ﷺ . • عن علي بن أبي طالب، قال: ثم أتي (يعني النبيّ ﷺ " المنحرَ، فقال: "هذا المنحر ومِني كلّها منحر". الحديث. حسن: رواه الترمذيّ (٨٨٥)، وأبو داود (١٩٢٢، ١٩٣٥)، وابن ماجه (٣٠١٠) كلّهم من حديث سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، فذكره، وهو جزء من حديث طويل في لفظ الترمذيّ. قال الترمذي: "حديث علي حديث حسن صحيح، لا نعرفه من حديث علي إلا من هذا الوجه". ١٩ - باب ما جاء أنّ فجاج مكّة كلّها منحر وأيام التشريق كلها ذبح • عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "كلّ عرفة موقف، وكلّ مني منحر، وكلّ المزدلفة موقف، وكلّ فجاج مكة طريق ومنحر". حسن: رواه أبو داود (١٩٣٧)، وابن ماجه (٣٠٤٨) كلاهما من حديث أسامة بن زيد، عن عطاء، عن جابر، فذكره. وصحّحه ابن خزيمة (٢٧٨٧). وفيه أسامة بن زيد مختلف غير أنه حسن الحديث، وقد حسّن إسناده الحافظ ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (٣/ ٥٥٦). وأمّا كون جابر لم يذكر هذا الجزء في حديث صفة حجّة النبيّ ﷺ الطويل الذي أخرجه مسلم وغيره فلا يجعله شاذًا؛ لأنه من الممكن أنه حدّث به جابر في أوقات مختلفة بأجزاء مختلفة، فيزيد بعض الرواة عنه عن بعض، كما هو واقع في الصحاح وغيرها. وفي الباب ما روي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "منى كلَّها منحر، وللحاجّ مكة كلها منحر". رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة، فذكره. ذكره ابن عبد البر في "الاستذكار" (١٣/ ١٠) ولم أجده في "مصنف عبد الرزاق" فانظر فيه. وإسناده منقطع فإن محمد بن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة كما قال ابن معين وأبو زرعة. ورواه البيهقي (٥/ ١١٥) من حديث عبد الوهاب بن عطاء، قال ابن جريج: وأخبرني محمد بن

стр. 3326

المنكدر أنّ النبيّ ﷺ قال (فذكره)، وهو مرسل. وفي الباب ما روي أيضًا عن جبير بن مطعم، عن النبيّ ﷺ قال: "كلّ فجاج مني منحر، وكلّ أيام التشريق ذبح". رواه الإمام أحمد (١٦٧٥١)، والبيهقي (٥/ ٢٣٩) كلاهما من حديث أبي المغيرة، قال: حدّثنا سعيد بن عبد العزيز، قال: حدثني سليمان بن موسى، عن جبير بن مطعم، عن النبي ﷺ ، فذكره. وسليمان بن موسى هو الأشدق لم يدرك جبير بن مطعم. وروى البيهقي بسند صحيح عن ابن عباس أنه كان ينحر بمكة. هذا وقد اتفق أهل العلم على أنّ المنحر في الحج مني كما اتفقوا على أنّ المنحر للمعتمر الذي ساق الهدي مكة. واختلفوا فيما سوى ذلك، فذهب الجمهور إلى جواز النحر في الحجّ في جميع الحرم. وقال مالك: لا ينحر الحاج إلا بمنى، والمعتمر إلّا بمكة. وأما قوله: "كلّ أيام التشريق ذبح" فمختلف فيه بين أهل العلم، فذهب الشافعي إلى حديث جبير بن مطعم، وذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد إلى أن ذلك يختص بيوم النحر ويومين بعده، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين. روي مالك في موطئه عن ابن عمر قال: الأضحى يومان بعد يوم الأضحى. قال مالك: إنه بلغه عن علي بن أبي طالب مثل ذلك. وحكى النووي أنه روي هذا أيضًا عن عمر بن الخطاب. قلت: أدلتهم مبسوطة في كتب الفقه. وأما الحديث فلا يثبت، وقد روي أيضا عن أبي هريرة مرفوعا: "أيام التشريق كلها ذبح" رواه البيهقي (٩/ ٢٩٥) وقال: فيه معاوية بن يحيى الصدفي ضعيف لا يحتج به. ثم قال البيهقي في المعرفة (١٤/ ٦٤): فإذا لم يثبت فالقياس ما قاله الشافعي. انظر للمزيد "المنة الكبرى" (٤/ ٥٠٠ - ٥٠١).

стр. 3327

جموع أبواب ما جاء في العمرة ١ - باب ما جاء في إيجاب العمرة قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦]. قال ابن عمر: ليس أحد إلّا وعليه حجّة وعمرة. وقال ابن عباس: إنّها لقرينتها في كتاب الله. ذكرهما البخاريّ معلقًا (٣/ ٥٩٧). • عن عبد الله بن عمر، أنه قال: -حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ: إِنْ صُدِدْتُ عَنِ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ إِنَّ عبد اللَّهِ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلا وَاحِدٌ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إلا وَاحِدٌ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ نَفَذَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ فَطَافَ طَوَافًا وَاحِدًا وَرَأَى ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ وَأَهْدَى. متفق عليه: رواه مالك في الموطأ (٩٩) عن نافع، عن عبد الله بن عمر. ورواه البخاري في المحصر (١٨٠٦)، ومسلم في الحج (١٢٣٠) كلاهما من طريق مالك، به، نحوه. • عن أبي رزين -رجل من بني عامر- أنه قال: يا رسول الله، إنّ أبي شيخ كبير لا يستطيع الحجّ ولا العمرة ولا الظعن، قال: "احجج عن أبيك واعتمر". صحيح: رواه أبو داود (١٨١٠)، والترمذيّ (٩٣٠)، والنسائيّ (٢٦٢١)، وابن ماجه (٢٩٠٦) كلّهم من شعبة، عن النّعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، عن أبي رزين، فذكره. ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (١٦١٨٤)، وابن خزيمة (٣٠٤٠)، وابن حبان (٣٩٩١)، والحاكم (١/ ٤٨١)، والبيهقي (٤/ ٣٥٠) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. قال الإمام أحمد: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أصح من هذا. • عن عائشة ﵂، قالت: يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ قال: "نعم عليهنّ جهاد لا قتال فيه: الحجّ والعمرة". صحيح: رواه ابن ماجه (٢٩٠١)، وابن خزيمة (٣٠٧٤) كلاهما من حديث محمد بن فضيل، ثنا حبيب بن أبي عمرة، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أمّ المؤمنين، قالت (فذكرته).

стр. 3328

وإسناده صحيح. قال ابن خزيمة: "في قوله ﷺ : "عليهن جهاد لا قتال فيه" وإعلامه أن الجهاد الذي عليهن الحج والعمرة بيان أن العمرة واجبة كالحجّ". وأصل الحديث في الصحيح من طريق غير محمد بن فضيل كما مضى، وليس فيه ذكر للعمرة. ومحمد بن فضيل من رجال الشيخين إلا أنه دون جرير وعبد الواحد وغيرهما في الحفظ والإتقان، ولذا قال فيه الحافظ: "صدوق". وهؤلاء لم يذكروا في حديثهم العمرة. وفي الباب ما رُوي عن جابر أنّ النبيّ ﷺ سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال: "لا، وأن تعتمروا هو أفضل". رواه الترمذيّ (٩٣١) عن محمد بن عبد الأعلى، حدّثنا عمرو بن علي، عن الحجاج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، فذكره. قال الترمذي: حسن صحيح. قلت: بل ضعيف من أجل الحجاج وهو ابن أرطاة، وهو ضعيف، وقد خالف. ومن طريقه رواه أيضًا الإمام أحمد (١٤٣٩٧)، وابن خزيمة (٣٠٦٨)، والبيهقي (٤/ ٣٤٩). قال البيهقي: كذا رواه الحجاج بن أرطاة مرفوعًا. ثم رواه من طريق ابن جريج والحجاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أنه سئل عن العمرة: أواجبة كفريضة الحج؟ قال: لا وأن تعتمر خير لك. قال: هذا هو المحفوظ عن جابر موقوف غير مرفوع، ورُوي عن جابر مرفوعًا بخلاف ذلك، وكلاهما ضعيف" انتهي. وهو يشير بذلك إلى ما رواه هو (٤/ ٣٥٠ - ٣٥١) من طريق ابن لهيعة، عن عطاء، عن جابر، مرفوعًا: "الحج والعمرة فريضتان واجبتان". وقال: "ابن لهيعة غير محتج به". وقد سبقه ابن عدي فقال: "غير محفوظ". الكامل (٤/ ١٤٦٨). وتعقب النووي أيضًا على كلام الترمذي في قوله: حديث حسن صحيح. فقال: هذا كلام غير مقبول، ولا تغتر بكلام الترمذي ... وأطال في ردّ الحديث. وأما ما رُوي عن طلحة بن عبيد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "الحجّ جهاد والعمرة تطوّع" فهو ضعيف جدًّا. رواه ابن ماجه (٢٩٨٩) عن هشام بن عمار، قال: حدثنا الحسن بن يحيى الخشني، قال: حدثنا عمر بن قيس، قال: أخبرني طلحة بن يحيى، عن عمّه إسحاق بن طلحة، عن طلحة بن عبيد الله، فذكره. وعمر بن قيس هو المكيّ المعروف بسندل، أهل العلم مطبقون على تضعيفه، بل قال الإمام أحمد: متروك.

стр. 3329

وممن ذهب إلى وجوب العمرة: عمر وابنه عبد الله وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد وقتادة والحسن وابن سيرين، وبه قال الثوريّ والشافعي وأحمد وإسحاق. وممن ذهب إلى أنها سنة مالك، وأصحاب الرأي. انظر: شرح السنة للبغوي (٧/ ١٥). وقال الترمذي (٣/ ٢٦٢): "قال الشافعي: العمرة سنة، لا نعلم أحدًا رخّص في تركها، وليس فيها شيء ثابت بأنها تطوّع. وقد روي عن النبيّ ﷺ بإسناد وهو ضعيف، لا تقوم بمثلها حجة. وقد بلغنا عن ابن عباس أنه كان يوجبها" قال الترمذي: كله كلام الشّافعيّ. وقد رجّح النووي في "المجموع" (٧/ ٧) بأن العمرة فرض باتفاق الأصحاب، وهو المنصوص في الجديد والقديم". ٢ - باب فضل العمرة • عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "العمرة إلى العمرة كفّارة لما بينهما، والحجّ المبرور ليس له جزاء إلا الجنّة". متفق عليه: رواه مالك في الحج (٦٥) عن سُمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه البخاري في العمرة (١٧٧٣)، ومسلم في الحج (١٣٤٩) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. ٣ - باب فضل العمرة في رمضان • عن ابن عباس، أنّ النبيّ ﷺ قال لامرأة من الأنصار يقال لها: أمّ سنان: "ما منعك أن تكوني حججتِ معنا؟ " قالت: ناضحان كانا لأبي فلان (زوجها) حجّ هو وابنه على أحدهما، وكان الآخر يسقي غلامنا. قال: "فعمرة في رمضان تقضي حجّة أو حجّة معي". متفق عليه: رواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٦٣)، ومسلم في الحج (١٢٥٦: ٢٢٢) كلاهما من طريق يزيد بن زريع، حدّثنا حبيب المعلِّم، عن عطاء، عن ابن عباس، فذكره. واللفظ لمسلم. ولفظ البخاري قريب منه إلا أنه قال: "حجّة معي" ولم يشك. ورواه البخاريّ أيضًا في العمرة (١٧٨٢)، ومسلم في الحج (١٢٥٦: ٢٢١) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد (هو القطّان)، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، قال: سمعت ابن عباس يحدّثنا. قال: قال رسول الله ﷺ لامرأة من الأنصار -سمّها ابن عباس فنسيتُ اسمها-: "ما منعك أن تحجِّي معنا؟ ". قالت: لم يكن لنا إلّا ناضحان، فحجَّ أبو ولدها وابنها على ناضح وترك لنا ناضحًا ننضح عليه. قال: "فإذا جاء رمضان فاعتمريّ، فإنّ عمرةً فيه تعدل حجّة".

стр. 3330

• عن ابن عباس، قال: أراد رسول الله ﷺ الحجّ، فقالت امرأة لزوجها: أحجني مع رسول الله ﷺ على جملك. فقال: ما عندي ما أُحجُّك عليه. قالت: أحجَّني على جملك فلان. قال: ذاك حبيس في سبيل الله . فأتى رسول الله ﷺ فقال: إنّ امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله، وإنها سألتني الحجّ معك، قالت: أحجَّني مع رسول الله ﷺ ، فقلت: ما عندي ما أحجك عليه، فقالت: أحجّني على جملك فلان، فقلت: ذاك حبيس في سبيل الله، فقال: "أما إنّك لو أحججتها عليه كان ذلك في سبيل الله" قال: وإنّها أمرتني أن أسألك ما يعدل حجّة معك، فقال رسول الله ﷺ : "اقرأها السلام ورحمة الله وبركاته، وأخبرها أنها تعدل حجّة معي" يعني عمرة في رمضان. حسن: رواه أبو داود (١٩٩٠) عن مسدد وعبد الوارث، عن عامر الأحول، عن بكر بن عبد الله، عن ابن عباس، قال (فذكره). وصحّحه ابن خزيمة (٣٠٧٧)، ورواه من طريق عبد الوارث بإسناده مثله. وبكر بن عبد الله هو المزني أبو عبد الله البصريّ. وإسناده حسن من أجل عامر الأحول وهو ابن عبد الواحد مختلف فيه، فضعّفه الإمام أحمد والنسائي ووثّقه أبو حاتم، ومشّاه ابن عدي غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف لأنه رمي بسوء الحفظ. وقصة هذه المرأة تشبه قصة المرأة التي في الصّحيحين. • عن أمّ معقل الأسدية أنها قالت: يا رسول الله، إنّي أريد الحج، وجملي أعجف، فما تأمرني؟ قال: "اعتمري في رمضان، فإنّ عمرة في رمضان تعدل حجّة". صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٧٢٨٥) عن روح ومحمد بن مصعب، قالا: حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أم معقل الأسدية، قالت: (فذكرته). وهذا إسناد صحيح. قلت: هذا الجزء من الحديث صحيح. رواه أبو داود (١٩٨٨)، والترمذي (٩٣٩)، وابن ماجه (٢٩٩٣)، والإمام أحمد (٢٧١٠٦) وفي مواضع أخرى، وابن خزيمة (٣٠٧٥)، والبيهقي (٤/ ٣٤٦) وغيرهم من طرق مختلفة مع قصة لأم معقل إلا أن الرواة لم يضبطوا القصّة كما أنهم لم يضبطوا متن الحديث وإسناده فاستحقوا مجانبة الذكر في الصحيح إلا أني لما رأيت أن أكثر الرواة متفقون على الجزء المرفوع من الحديث وهو قول النبيّ ﷺ : "العمرة في رمضان تعدل حجة" وله شواهد صحيحة، أوردته في كتابي هذا بأصح الأسانيد.
следующие страницы →