Полный текст (8 687 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
يفشو المال ويكثر، وتفشو التجارة، ويظهر العلم، ويبيع الرجل البيع، فيقول: لا حتى أستأمر تاجر بني فلان، ويلتمس في الحي العظيم الكاتب فلا يوجد".
صحيح: رواه النسائي (٤٤٥٦)، والحاكم (٢/ ٧)، والخطابي في "غريب الحديث" (١/ ٤٠٥) كلهم من حديث وهب بن جرير قال: حدثني أبي، عن يونس، عن الحسن، عن عمرو بن تغلب فذكره. واللفظ للنسائي.
واقتصر الحاكم على قوله: "وتفشو التجارة". وأما الخطابي فجعل قوله: "ويبيع الرجل البيع" إلى آخره من قول عمرو بن تغلب. وإسناده صحيح.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وإسناده على شرطهما صحيح إلا أن عمرو بن تغلب ليس له راو غير الحسن".
ولكن قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٣/ ٢٢٢) في ترجمة عمرو بن تغلب: "له صحبة، روى عنه الحسن البصري، والحكم بن الأعرج".
وقد جاء التصريح بالتحديث في حديث قتال الترك في صحيح البخاري (٢٩٢٧)، ومسند أحمد (٢٠٦٧٤)، وذلك أيضا من أشراط الساعة. فكأن عمرو بن تغلب يروي حديثين من أشراط الساعة سمعهما الحسن منه، وتصرف بعض الرواة في صيغة الأداء.
وللحسن في مسند أحمد أحاديث أخرى عن عمرو بن تغلب، صرح فيها بالتحديث منه. (انظر ٢٠٦٧٢ - ٢٠٦٧٣).
• عن طارق بن شهاب قال: كنا عند عبد الله جلوسا، فجاء آذنه، فقال: قد قامت الصلاة، فقام وقمنا معه، فدخلنا المسجد، فرأى الناس ركوعا في مقدم المسجد، فكبر وركع، ومشينا وفعلنا مثل ما فعل، فمر رجل يسرع، فقال: عليكم السلام يا أبا عبد الرحمن، فقال: صدق الله، وبلغ رسوله. فلما صلينا رجع، فولج على أهله، وجلسنا في مكاننا ننتظره حتى يخرج، فقال بعضنا لبعض: أيكم يسأله؟ قال طارق: أنا أسأله، فسأله، فقال: عن النبي ﷺ قال: "بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وفشو القلم، وظهور الشهادة بالزور، وكتمان شهادة الحق".
حسن: رواه البخاري في الأدب المفرد (١٠٤٩)، وأحمد (٣٩٨٢)، والطحاوي في مشكله (١٥٩٠)، والحاكم (٤/ ٤٤٥) كلهم من طريق بشير بن سلمان، عن سيار أبي الحكم، عن طارق ابن شهاب فذكره.
وسيار أبو الحكم هو العنزي من رجال الصحيح، ثقة، ولكن الصواب أنه سيار أبو حمزة،
стр. 3397
كما قال الإمام أحمد في حديث آخر رواه من هذا الطريق (٤٢١٩)، ثم رواه عن عبد الرزاق قال: أخبرنا سفيان، عن بشير أبي إسماعيل، عن سيار أبي حمزة فذكره.
قال عبد الله: "قال أبي: وهو الصواب سيار أبو حمزة. وقال: سيار أبو الحكم لم يحدث عن طارق بن شهاب بشيء".
وكذلك قال أبو داود: "هو سيار أبو حمزة، لكن بشير كان يقول: سيار أبو الحكم، وهو خطأ". وهو رأي يحيى بن معين أيضا.
ولكن ذهب البخاري إلى أنه سيار أبو الحكم، فترجمه في "التاريخ الكبير" (٤/ ١٦١)، فقال: "سيار بن أبي سيار، وهو سيار بن وردان الواسطي عن طارق بن شهاب، روى عنه عبيد الله بن عمر، وبشير بن سلمان، وهشيم. وكنيته أبو الحكم".
وكذلك قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٤/ ٢٥٤ - ٢٥٥).
وخطأهم الدارقطني، فقال في علله (٥/ ١١٦): وقولهم: "سيار أبو الحكم" وهم. وإنما هو سيار أبو حمزة الكوفي، كذلك رواه عبد الرزاق عن الثوري، عن بشير، عن سيار أبي حمزة، وهو الصواب. وسيار أبو الحكم لم يسمع من طارق بن شهاب شيئا، ولم يرو عنه". انتهى.
وأقره الحافظ ابن حجر في تهذيبه (٥/ ٢٩٢).
وسيار أبو حمزة روى عنه جماعة، ووثّقه ابن حبان، ويبدو أنه كان معروفا عند أئمة الحديث، فهو لا ينزل عن درجة حسن الحديث.
وقد حسّن الحافظ ابن حجر حديثَه في مواضع من فتحه.
стр. 3398
جموع أبواب ما جاء في السلم
١ - باب السلم
قال الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٢].
قال ابن عباس: "أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه، وأذن فيه". ثم قرأ هذه الآية.
أخرجه عبد الرزاق (١٤٠٦٤) عن معمر، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن ابن عباس.
وصحّحه الحاكم (٢/ ٢٨٦)، ورواه من وجه آخر عن أيوب، عن قتادة. وقال: "صحيح على شرط الشيخين".
• عن ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: "من أسلف في ثمر فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم".
متفق عليه: رواه البخاري في السلم (٢٢٤٠)، ومسلم في المساقاة (١٦٠٤: ١٢٧) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، أخبرنا ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس فذكره. واللفظ لمسلم.
قوله: "السلف" وهو لغة الحجاز، والسلم لغة العراق.
والسلف له معنيان في المعاملات:
أحدهما: القرض الذي لا منفعة فيه للمقرض، وعلى المستقرض رده، كما أخذه.
والثاني: هو السلم المعهود، وهو تسليم مال عاجل بمقابلة موصوف في الذمة. ويقال: سلفت، وأسلفت، وأسلمت بمعنى واحد.
قوله: "في تمر" قال النووي في شرحه (١١/ ٤٢ - ٤٣): "هكذا هو في أكثر الأصول: "تمر" بالمثناة، وفي بعضها "ثمر" بالمثلثة، وهو أعم، وهكذا في جميع النسخ".
وفي الحديث دليل على جواز السلف في الطعام والشباب وغير ذلك من أنواع التجارة مما يعرف حده، وصفته.
• عن أبي البختري قال: سألت ابن عمر ﵄ عن السلم في النخل، فقال: نهي عن بيع النخل حتى يصلح، وعن بيع الورق نساء بناجز.
وسألت ابن عباس عن السلم في النخل، فقال: نهى النبي ﷺ عن بيع النخل حتى يؤكل منه،
стр. 3399
أو يأكل منه حتى يوزن.
متفق عليه: رواه البخاري في السلم (٢٢٤٧ - ٢٢٤٨)، ومسلم في البيوع (١٥٣٧) كلاهما من طريق شعبة، عن عمرو، عن أبي البختري قال فذكره. واللفظ للبخاري، وعند مسلم "عن بيع" بدل "عن السلم".
٢ - باب السلم إلى من ليس عنده أصل
• عن محمد بن أبي المجالد قال: بعثني عبد الله بن شداد، وأبو بردة إلى عبد الله بن أبي أوفي، فقالا: سله هل كان أصحاب النبي ﷺ في عهد النبي ﷺ يسلفون في الحنطة؟ قال عبد الله: كنا نسلف نبيط أهل الشام في الحنطة والشعير والزيت في كيل معلوم إلى أجل معلوم. قلت: إلى من كان أصله عنده؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك، ثم بعثاني إلى عبد الرحمن بن أبزي، فسألته، فقال: كان أصحاب النبي ﷺ يسلفون على عهد النبي ﷺ ، ولم نسألهم ألهم حرث أم لا؟
صحيح: رواه البخاري في السلم (٢٢٤٤ - ٢٢٤٥) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد، حدثنا الشيباني، حدثنا محمد بن أبي المجالد فذكره.
وفي رواية عنده: "على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر في الحنطة والشعير والزبيب والتمر".
وفي مسند أحمد (١٩١٢٢) من طريق شعبة، عن عبد الله بن أبي المجالد: وما هو عندهم، أو ما نراه عندهم.
وقوله: "ما كنا نسألهم عن ذلك" يستفاد منه جواز بيع السلم في عموم التجارة من الزراعة والصناعة وغيرها بالشروط المذكورة من الوصف والنوع والمدة وغيرها قطعا للنزاع.
وبوّبتُ كما بوب البخاري -رحمه الله تعالى-: باب السلم إلى من ليس عنده أصل.
وقوله: "نبيط" ويقال لهم: النبط. وهم قوم من العرب دخلوا في العجم والروم، واختلطت أنسابهم، وفسدت ألسنتهم، فالذين اختلطوا بالروم نزلوا في بوادي الشام، وهم صاروا الزراع.
٣ - باب الرهن في السلم
• عن الأعمش قال: تذاكرنا عند إبراهيم الرهن في السلف، فقال: حدثني الأسود، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعاما إلى أجل معلوم، وارتهن منه درعا من حديد.
متفق عليه: رواه البخاري في السلم (٢٢٥٢)، ومسلم في المساقاة (١٦٠٣: ١٢٦) من طريق عبد الواحد بن زياد، حدثنا الأعمش قال فذكره.
стр. 3400
واللّفظ للبخاريّ، وعند مسلم: "ذكرنا الرهن في السلم".
٤ - باب عدم جواز السلم إلى أجل غير معلوم
• عن ابن عمر قال: كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة. -وحبل الحبلة أن تنتج الناقة، ثم تحمل التي نتجت- فنهاهم رسول اللَّه ﷺ عن ذلك.
متفق عليه: رواه البخاريّ في السلم (٢٢٥٦) من طريق جويرية، ومسلم في البيوع (١٥١٤: ٦) من طريق عبيد اللَّه، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر قال فذكره. واللّفظ لمسلم. ولفظ البخاري نحوه، وفيه التصريح بأن التفسير من نافع.
وفي أحاديث الأبواب المتقدمة دليل على جواز السلم في الطعام والثياب وغيرهما مما يمكن ضبطه بالصفة، وإن لم يكن ذلك موجودا عند العقد مثل السيارات والأجهزة الكهربائية والأثاث المنزلي وغيرها.
ويشترط في السلم تسليم رأس المال أو جزء منه عند العقد.
وفي الباب مسائل أخرى ذكرتها بالتفصيل في "المنة الكبرى" (٥/ ٢٣٤)، فراجعه إن شئت.
٥ - باب ما رُوي أن السلف لا يُحَوَّل
روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره".
رواه أبو داود (٣٤٦٨)، وابن ماجه (٢٢٨٣ - ٢٢٨٤)، والدارقطني، والبيهقي (٦/ ٢٥) كلّهم من طريق عطية بن سعد، عن أبي سعيد الخدري قال. فذكر الحديث.
وإسناده ضعيف؛ فإن عطية بن سعد ضعفه أحمد وغيره، وبه أعله أبو حاتم، والبيهقي، وعبد الحق، وابن القطّان، وغيرهم. (انظر التلخيص).
٦ - باب السلم في ثمرة بعينها
روي عن النجراني قال: قلت لعبد اللَّه بن عمر: أسلم في نخل قبل أن يطلع؟ قال: لا. قلت: لم؟ قال: إن رجلا أسلم في حديقة نخل في عهد رسول اللَّه ﷺ قبل أن يطلع النخل، فلم يطلع النخل شيئا ذلك العام، فقال المشتري: هو لي حتى يطلع. وقال البائع: إنما بعتك النخل هذه السنة. فاختصما إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال للبائع: "وأخذ من نخلك شيئا؟ " قال: لا. قال: "فيم تستحل ماله، اردد عليه ما أخذت منه، ولا تسلموا في نخل حتى يبدو صلاحه".
رواه أبو داود (٣٤٦٧)، وابن ماجه (٢٢٨٤) -واللّفظ له-، وأحمد (٥٠٦٧) كلّهم من حديث أبي إسحاق، عن النجراني فذكره.
والنجراني مجهول لا يعرف من هو؟
стр. 3401
جموع أبواب ما جاء في الشفعة
١ - باب الشفعة فيما لم يقسم
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة.
صحيح: رواه البخاريّ في الشفعة (٢٢٥٧) عن مسدد، حدّثنا عبد الواحد، حدّثنا معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر قال فذكره.
• عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من كان له شريك في ربعة، أو نخل، فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكهـ، فإن رضي أخذ، وإن كره ترك".
صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٦٠٨) من طرق عن زهير أبي خيثمة، عن أبي الزبير، عن جابر. وزهير هو ابن معاوية الجعفي أبو خيثمة.
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الشفعة في كل شرك، في أرض، أو ربع، أو حائط. لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكهـ، فيأخذ، أو يدع، فإن أبي فشريكه أحق به حتى يؤذنه".
صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٦٠٨: ١٣٥) عن أبي الطاهر، أخبرنا ابن وهب، عن ابن جريج، أن أبا الزبير أخبره أنه سمع جابرا يقول فذكره.
وفي رواية عنده عن عبد اللَّه بن إدريس، عن ابن جريج: "قضى رسول اللَّه ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم، ربعة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكهـ، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك. فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به".
• عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من كانت له نخل، أو أرض فلا يبعها حتى يعرضها على شريكهـ".
صحيح: رواه النسائي (٤٧٠٠)، وابن ماجه (٢٤٩٢)، وأحمد (١٤٢٩٢) كلّهم من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره. وإسناده صحيح.
ولكن رواه عبد الرزاق (١٤٤٠٣) عن سفيان الثوري، وابن جريج كلاهما عن أبي الزبير، وزاد فيه: "فإن شاء أخذه، وإن شاء تركهـ".
ولعل الحديث جاء من وجهن: سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري. وإن كان ليس في جميع
стр. 3402
طرقه منسوبا إلى ابن عيينة، أو إلى الثوري.
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قضى بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة.
صحيح: رواه ابن ماجه (٢٤٩٧) عن محمد بن يحيى، وعبد الرحمن بن عمر، حدّثنا أبو عاصم قال: حدّثنا مالك بن أنس، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
وكذلك رواه البيهقي (٦/ ١٠٤) عن أبي عاصم، عن مالك موصولا.
وتابعه على ذلك عبد اللَّه بن عبد العزيز الماجشون، ومن طريقه رواه ابن حبان في صحيحه (٥١٨٥)، والبيهقي. وكذلك يحيى بن عبد الرحمن بن أبي قتيلة، والضحاك بن مخلد الشياني عند البيهقي.
قال ابن حبان: "رفع هذا الخبر عن مالك أربعة أنفس: الماجشون، وأبو عاصم، ويحيى بن أبي قتيلة، وأشهب بن عبد العزيز".
ولم يذكر فيهم الضحاك بن مخلد، فصار العدد خمسا.
وقال: "وأرسله عن مالك سائر أصحابه، وهذه كانت عادة لمالك، يرفع في الأحايين الأخبار، ويوقفها مرارا، ويرسلها مرة، ويسندها أخرى على حسب نشاطه، فالحكم أبدا لمن رفع عنه، وأسند بعد أن يكون ثقة حافظا متقنا على السبيل الذي وصفناه في أول الكتاب". انتهى
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٧/ ٣٦): "هكذا روى هذا الحديث عن مالك أكثر الرواة للموطأ وغيره مرسلا إلا عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، وأبا عاصم النبيل، ويحيى بن إبراهيم بن داود بن أبي قتيلة المدني، وأبا يوسف القاضي، وسعيدا الزبيري، فإنهم رووه عن مالك بهذا الإسناد متصلا عن أبي هريرة مسندا".
وممن أسند هذا الحديث عن أبي هريرة أبو داود (٣٥١٥) من حديث محمد بن إدريس الشافعي، عن ابن جريج، عن ابن شهاب الزهريّ، عن أبي سلمة أو سعيد بن المسيب، أو عنهما جميعا، عن أبي هريرة فذكر الحديث بطوله.
وأما ممن روى عن مالك مرسلا، فمنهم وكيع، عنه، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة قالا فذكر الحديث. ومن هذا الطريق رواه ابن أبي شيبة (٧/ ١٧١).
ومنهم يحيى عنه بإسناده، وهو الذي في موطئه في كتاب الشفعة (١)، وكذلك في موطأ القعنبي وغيره.
قال البيهقي: "رواه مالك في الموطأ مرسلا، وقد روي ذلك عنه من أوجه أخر موصولا بذكر أبي هريرة فيه".
قلت: وممن رواه أيضًا مرسلا: معمر عن الزهريّ، عن أبي سلمة. ومن طريقه رواه النسائي. ووصله مسلم بذكر جابر بن عبد اللَّه، كما مضى.
стр. 3403
والخلاصة فيه أن الحكم لمن أسنده، كما قال ابن حبان.
٢ - باب من قال بثبوت الشفعة بالجوار
• عن عمرو بن الشريد قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص، فجاء المسور بن مخرمة، فوضع يده على إحدى منكبي إذ جاء أبو رافع مولى النبي ﷺ ، فقال: يا سعد، ابتع مني بيتيَّ في دارك، فقال سعد: واللَّه ما أبتاعهما. فقال المسور: واللَّه، لتبنا عنهما. فقال سعد: واللَّه لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة. قال أبو رافع: لقد أعطيت بها خمس مائة دينار، ولولا أني سمعت النبي ﷺ يقول: "الجار أحق بسقبه" ما أعطيتكها بأربعة آلاف، وأنا أعطى بها خمس مائة دينار، فأعطاها إياه.
صحيح: رواه البخاريّ في الشفعة (٢٢٥٨) عن المكي بن إبراهيم، أخبرنا ابن جريج، أخبرني إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد قال فذكره.
قوله: "منجمة أو مقطعة" شك من الراوي، والمراد مؤجلة على أقسام معلومة.
• عن الشريد بن سويد قال: يا رسول اللَّه، أرض ليس فيها لأحد قسم، ولا شرك إلا الجوار؟ قال: "الجار أحق بسقبه".
حسن: رواه النسائي (٤٧٠٣)، وابن ماجه (٢٤٩٦)، وأحمد (١٩٤٦١) كلّهم من حديث حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن عمرو بن الشريد بن سويد، عن أبيه الشريد بن سويد فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب، وقد اختلف على عمرو بن شعيب، وحسين المعلم ثقة، وروايته عنه صحيحة، وما يخالفه لا يعلله.
ثم عمرو بن شعيب أيضًا قد توبع، رواه أحمد (١٩٤٦٩)، وابن الجارود في "المنتقى" (٦٤٥)، وعبد الرزاق (١٤٣٨٠) كلّهم من حديث عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب الثقفي، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الجار أحق بسقبه".
قال أبو نعيم كما عند ابن الجارود: قلت لعمرو: ما سقبه؟ قال: الشفعة. قلت: زعم النّاس أنه الجوار. قال: إن النّاس يقولون ذلك.
عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن يعلى تكلم في حفظه إلا أنه لا بأس به في المتابعات.
قال الترمذيّ (٣/ ٦٤٢): "حديث عبد اللَّه بن عبد الرحمن الطائفي، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه، عن النبي ﷺ في هذا الباب هو حديث حسن. وروى إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع عن النبي ﷺ قال: سمعت محمدا يقول: كلا الحديثين عندي صحيح". انتهى.
• عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ قال: "جار الدار أحق بدار الجار أو الأرض".
стр. 3404
صحيح: رواه أبو داود (٣٥١٧)، والترمذي (١٣٦٨)، وابن الجارود (٦٤٤)، وأحمد (٢٠٠٨٨) كلّهم من طريق قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب فذكره.
قال الترمذيّ: "حسن صحيح".
وأما ما رواه سعيد، عن قتادة، عن أنس فهو وهم، كما أشار إليه الترمذيّ، ومن طريقه رواه ابن حبان (٥١٨٢).
وقوله: "السقب" القرب. يقال بالسين والصاد جميعا.
قال الشافعي: قوله: "الجار أحق بسقبه" لا يحتمل إلا معنيين لا ثالث لهما:
إما أن يكون أراد أن الشفعة لكل جار، أو أراد بعض الجيران دون بعض، وقد ثبت عن رسول اللَّه ﷺ أنه لا شفعة فيما قسم، فدل على أن الشفعة للجار الذي لم يقاسم دون الجار المقاسم".
وبه قال جمهور أهل العلم بأن الشفعة ليست لكل جار، بل للجار الذي لم يقاسم، وطريقهما واحد لرفع الضرر عن الجار القريب جمعا بين الأحاديث. وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب، وعثمان.
وبه قال أهل المدينة منهم يحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومالك. وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
فإن هؤلاء لا يرون الشفعة إلا للخليط، ولا يرون للجار شفعة إذا لم يكن خليطا.
وأما بمجرد الجوار فلا تثبت الشفعة عندهم، فالحديث العام مؤول، كما قال أهل المدينة، والشافعي، وغيرهم. وأخرج المحدثون هذا الحديث في كتبهم على هذا التأويل. أو أن المقصود من الحديث العام البر والإحسان إلى الجيران دون الشفعة، وإلا فيكون فيه تعطيل لمصالح النّاس في البيع والشراء.
وذهب الثوري، وابن المبارك، وأهل الكوفة إلى ظاهر الحديث، فقالوا بثبوت الشفعة للجار مستدلين بقوله: "جار الدار أحق بالدار"، و"الجار أحق بسقبه".
٣ - باب ما جاء في الشفعة للغائب
روي عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها، وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا".
رواه أبو داود (٣٥١٨)، والترمذي (١٣٦٩)، وابن ماجه (٢٤٩٤)، والبيهقي (٦/ ١٠٦)، وأحمد (١٤٢٥٣) كلّهم من حديث عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر فذكره.
قال الترمذيّ: "حسن غريب". وقال: "ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث غير عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر. وقد تكلم شعبة في عبد الملك بن أبي سليمان من أجل هذا
стр. 3405
الحديث".
وقال: "وعبد الملك هو ثقة مأمون عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدا تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث.
وروي عن ابن المبارك، عن سفيان الثوري قال: عبد الملك بن أبي سليمان ميزان يعني في العلم". انتهى.
قال الشافعي: "سمعنا بعض أهل العلم بالحديث يقول: نخاف أن لا يكون هذا الحديث محفوظا".
وقال أحمد بن حنبل: "ليس العمل على هذا. لا شفعة إلا للخليط". "مسائل ابن هانئ" (٢/ ٢٦).
وقال البيهقي: "هذا حديث أنكره على عبد الملك: شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطّان، وأحمد بن حنبل، وسائر الحفاظ، حتى قال شعبة: لو روى عبد الملك بن أبي سليمان حديثا آخر مثل حديث الشفعة لتركت حديثه".
وقال الترمذيّ: "قلت لمحمد بن إسماعيل في هذا، فقال: تفرّد به عبد الملك، وروي عن جابر خلاف هذا".
وقد تأول بعض أهل العلم هذا الحديث بأنه المشاع؛ لأن الطريق إنما يكون واحدا على الحقيقة في المشاع دون المقسوم. وفي الحديث ما يدل على ذلك، وهو قوله: "إذا كان طريقهما واحدا".
وعلى هذا فلا يحتاج إلى تضعيف الحديث، وبالتالي لا منافاة بينه وبين رواية جابر المشهورة.
هذا اختيار ابن عبد الهادي في "التنقيح" (٤/ ١٧٥)، وأطال الكلام في تصحيح الحديث.
وأما شفعة الغائب فقال الترمذيّ: "والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن الرجل أحق بشفعته، وإن كان غائبا، فإذا قدم فله الشفعة، وإن تطاول ذلك".
وقال ابن عبد البر: "وأما شفعة الغائب فإن أهل العلم مجمعون على أنه إذا لم يعلم ببيع الحصة التي هو فيها شريك من الدور والأرضين، ثم قدم، فعلم، فله الشفعة مع طول مدة غيبته". "الاستذكار" (٢١/ ٢٧٦).
وأما ما روي عن ابن عمر مرفوعا: "الشفعة كحل العقال". فهو ضعيف. رواه ابن ماجه (٢٥٠٠)، والبيهقي (٦/ ١٠٨) كلاهما من طريق محمد بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر فذكره. واللّفظ لابن ماجه.
وزاد البيهقي في أول الحديث: "لا شفعة لغائب، ولا صغير، ولا شريك على شريك إذا سبقه بالشراء". وفي لفظ: "الشفعة لا ترث، ولا تورث".
قال البيهقي: "محمد بن الحارث البصري متروك، ومحمد بن عبد الرحمن البيلماني ضعيف، ضعفها يحيى بن معين، وغيره من أئمة الحديث".
стр. 3406
وقال: "وقد روي في معارضة الحديث الأول حديث ضعيف عن جابر مرفوعا: "الصبي على شفعته حتى يدرك". وكلاهما منكران".
وقال أبو زرعة: "هذا حديث منكر، ولم يقرأ علينا في كتاب الشفعة، وضربنا عليه".
وقد سئل عن حديث "لا شفعة لغائب، ولا صغير". فقال: "هذا حديث منكر، لا أعلم أحدا قال بهذا، الغائب له شفعة، والصغير حتى يكبر، فلم يقرأ علينا هذا الحديث". "العلل لابن أبي حاتم" (١/ ٤٧٩).
قلت: وقد سبق نقل الإجماع على أن الشريك الغائب له شفعة.
• * *
стр. 3407
جموع ما جاء في الإجارة
١ - باب استئجار الرجل الصالح الأمين
قال اللَّه تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [سورة القصص: ٢٦].
• عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي ﷺ : "الخازن الأمين الذي يؤدي ما أمر به طيبةً نفسه أحد المتصدقين".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الإجارة (٢٢٦٠)، ومسلم في الزّكاة (١٠٢٣) من طريق بُريد أبي بردة قال: أخبرني أبو بردة، عن أبيه أبي موسى الأشعري قال فذكره.
فائدة: قال الكرماني: دخول هذا الحديث في باب الإجارة للإشارة إلى أن خازن مال الغير كالأجير لصاحب المال.
٢ - باب الاستئجار على الرضاعة، وسقي الماء، ورعي الغنم، وغيرها من الخدمات
قال اللَّه تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [سورة القصص: ٢٥].
وقال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: ٦].
وقال تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [سورة الكهف: ٧٧].
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ما بعث اللَّه نبيا إلا رعى الغنم". فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: "نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة".
صحيح: رواه البخاريّ في الإجارة (٢٢٦٢) عن أحمد بن محمد المكي، حدّثنا عمرو بن يحيى، عن جده (وهو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي) عن أبي هريرة فذكره.
٣ - باب الترهيب من منع الأجير أجره، والأمر بتعجيل إعطائه
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "قال اللَّه تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره".
стр. 3408
صحيح: رواه البخاريّ في الإجارة (٢٢٧٠) عن يوسف بن محمد قال: حدثني يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة فذكره.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه".
حسن: رواه الطحاوي في مشكله (٤/ ١٤٢)، وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٢٣٥) والبيهقي في "الكبرى" (٦/ ١٢١)، و"الصغرى" (٢١٣٣) بتحقيقي كلّهم من طريق محمد بن عمار المؤذن، عن المقبري، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن من أجل كلام يسير في محمد بن عمار، وقد وثّقه ابن المديني. وقال ابن معين: لم يكن به بأس. ووثّقه ابن حبان، وابن شاهين.
وللحديث طرق أخرى، كلها ضعيفة عند أبي يعلى (٦٦٨٢)، وأبي نعيم في "الحلية" (٧/ ١٤٢)، والذي ذكرته أصحها.
وفي الباب عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه".
رواه ابن ماجه (٢٤٤٣)، والقضاعي في مسند الشهاب (٧٤٤) كلاهما من حديث عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمر فذكره.
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف.
ثم هو خولف، فقد رواه حميد بن زنجويه في الأموال من طريق عثمان بن عثمان الغطفاني، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار مرسلا. وهو أشبه بالصواب؛ فإن عثمان بن عثمان الغطفاني أحسن حالا من عبد الرحمن بن زيد، فقد وثقه ابن معين، وغيره. وقال ابن عدي: لم أر له حديثا منكرا.
وفي الباب ما روي أيضًا عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه".
رواه الطبراني في "الصغير" (١/ ٢٠ - ٢١)، وعنه الخطيب في تاريخه (٥/ ٣٣) عن أحمد بن محمد بن الصلت البغدادي بمصر، حدّثنا محمد بن زياد بن زُبّار الكلبي، حدّثنا شرقي بن قطامي، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره.
قال الطبراني: لم يروه عن أبي الزبير إلا شرقي، تفرّد به محمد بن زياد.
وقال الخطيب: ولم يرو عن محمد بن زياد إلا ابن الصلت.
وفيه محمد بن زياد بن زبار الكلبي ضعيف. نقل الخطيب في تاريخه (٥/ ٢٨٢) عن يحيى بن معين: لا شيء. وقال أبو علي: وكان ببغداد يروي الشعر وأيام النّاس، ليس بذاك.
وأورده الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٩٨)، وأعله بشرقي بن قطامي بأنه ضعيف.
وفي الباب أيضًا ما روي عن أنس بن مالك، رواه الحكيم الترمذيّ في نوادر الأصول، كما قال الزيلعي في "نصب الراية" (٤/ ١٣٠)، وفيه بشر بن الحسين قال البخاري: فيه نظر. وقال
стр. 3409
الدارقطني: متروك. انظر "اللسان" (٢/ ٢١).
وجملة القول إنه لم يثبت في هذا الباب إلا حديث أبي هريرة، وهو حسن، كما سبق، وهذه الشواهد تقويه. وفيه دليل على أن هذا الحديث وهو "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه" له أصل ثابت.
٤ - باب الإجارة على عمل لمدة نصف يوم
• عن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنما مثلكم واليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ فعملت اليهود على قيراط قيراط، ثم عملت النصارى على قيراط قيراط، ثم أنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغارب الشمس على قيراطين قيراطين، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء. قال: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا. فقال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء".
صحيح: رواه البخاريّ في الإجارة (٢٢٦٩) عن إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني مالك، عن عبد اللَّه بن دينار مولى عبد اللَّه بن عمر، عن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب فذكره.
٥ - باب الإجارة على عمل لمدة يوم كامل
• عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا يوما إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا له نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا، وما عملنا باطل. فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقية عملكم، وخذوا أجركم كاملا. فأبوا، وتركوا. واستأجر آخرين بعدهم، فقال لهم: أكملوا بقية يومكم هذا، ولكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال لهم: أكملوا بقية عملكم؛ فإن ما بقي من النهار شيء يسير. فأبوا، فاستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس، واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور".
صحيح: رواه البخاريّ في الإجارة (٢٢٧١) عن محمد بن العلاء، حدّثنا أبو أسامة، عن بُريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى فذكره.
стр. 3410
وأما ما روي عن أبي سعيد الخدري "أن النبي ﷺ نهى عن استئجار الأجير حتى يبين أجره، وعن النجش، واللمس، وإلقاء الحجر". فهو منقطع.
رواه الإمام أحمد (١١٥٦٥)، وأبو داود في مراسيله (١٦٩)، وعنه البيهقي (٦/ ١٢٠) كلهم من طريق حماد (ابن سلمة)، عن حماد (ابن أبي سليمان)، عن إبراهيم، عن أبي سعيد فذكره. واللّفظ لأحمد. وأما أبو داود فاقتصر على النهي عن استئجار الأجير.
قال البيهقي: وهو مرسل بين إبراهيم وأبي سعيد.
قلت: إبراهيم هو ابن يزيد النخعي لم يسمع من أبي سعيد الخدري. وبه أعله الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٩٧)، وابن حجر في "التلخيص" (٣/ ٦٠).
وحماد بن أبي سليمان رمي بكثرة الوهم، وقد وهم في هذا الحديث، فمرة رواه هكذا، وأخرى عن إبراهيم، عن أبي هريرة، وثالثة عن إبراهيم، عن أبي سعيد من قوله، كما هو عند النسائي (٧/ ٣١ - ٣٢)، وهو الذي رجحه أبو زرعة، كما في "علل ابن أبي حاتم" (٢/ ٤٤٣)، وله طرق أخرى وهم فيها، ذكرها البيهقي في "الكبرى"، وفي "الصغرى" (٥/ ٤١٦). ولذا قال الإمام أحمد: عند حماد بن سلمة عنه تخليط كثير.
٦ - باب اتخاذ الأجير في الغزو
• عن يعلى بن أمية قال: غزوت مع النبي ﷺ جيش العسرة، فكان من أوثق أعمالي في نفسي، فكان لي أجير، فقاتل إنسانا، فعض أحدهما إصبع صاحبه، فانتزع إصبعه، فأندر ثنيته، فسقطت، فانطلق إلى النبي ﷺ ، فأهدر ثنيته، وقال: "أفيدع إصبعه في فيك تَقْضَمها -قال: أحسبه قال: - كما يقضم الفحل".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الإجارة (٢٢٦٥)، ومسلم في القيامة (١٦٧٤: ٢٣) كلاهما من طريق ابن جريج قال: أخبرني عطاء، أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه. واللّفظ للبخاريّ.
٧ - باب استئجار الكافر عند الحاجة إليه
• عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: "واستأجر رسول اللَّه ﷺ ، وأبو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث".
صحيح: رواه البخاريّ في الإجارة (٢٢٦٤) عن يحيى بن بكير، حدّثنا الليث، عن عقيل، قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة قالت فذكرته.
стр. 3411
٨ - باب أخذ الأجرة على تعليم القرآن والرقية به
• عن أبي سعيد ﵁ قال: انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء. فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لُدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم، واللَّه إني لأرقي، ولكن واللَّه لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جُعلا. فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قَلَبَة. قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقي: لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ ، فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول اللَّه ﷺ ، فذكروا له، فقال: "وما يدريك أنها رقية". ثم قال: "قد أصبتم، اقسموا، واضربوا لي معكم سهما" فضحك النبي ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاريّ في الإجارة (٢٢٧٦)، ومسلم في السلام (٢٢٠١: ٦٥) من طريق أبي بحر (هو جعفر بن أبي وحشية)، عن أبي المتوكل (هو الناجي)، عن أبي سعيد الخدري قال فذكره. واللّفظ للبخاريّ.
• عن ابن عباس أن نفرا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ مروا بماء فيهم لديغ -أو سليم-، فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راق؛ إن في الماء رجلا لديغا -أو سليما-؟ فانطلق رجل منهم، فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء، فبرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب اللَّه أجرا حتى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول اللَّه، أخذ على كتاب اللَّه أجرا؟ فقال ﵇: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب اللَّه".
صحيح: رواه البخاريّ في الطب (٥٧٣٧) عن سيدان بن مضارب أبي محمد الباهلي، حدّثنا أبو معشر البصري -هو صدوق- يوسف بن يزيد البراء قال: حدثني عبيد اللَّه بن الأخنس أبو مالك، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس فذكره.
• عن خارجة بن الصلت، عن عمه أنه مر بقوم، فأتوه، فقالوا: إنك جئت من
стр. 3412
عند هذا الرجل بخير، فارق لنا هذا الرجل. فأتوه برجل معتوه في القيود، فرقاه بأم القرآن ثلاثة أيام غدوة وعشية، وكلما ختمها جمع بزاقه، ثم تفل فكأنما أنشط من عقال، فأعطوه شيئا، فأتى النبي ﷺ ، فذكره له، فقال النبي ﷺ : "كل، فلعمري لمن أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق".
وفي رواية: فأعطوه مائة شاة.
حسين: رواه أبو داود (٣٤٢٠، ٣٨٩٦، ٣٨٩٧، ٣٩٠١)، وابن ماجه (٦١١١)، وأحمد (٢١٨٣٥)، وصحّحه ابن حبان (٦١١٠)، والحاكم (١/ ٥٥٩ - ٥٦٠) كلّهم من طرق عن عامر الشعبي، عن خارجة بن الصلت، عن عمه فذكره.
واسم عمه عِلاقة بن صُحار. وقيل: عبد اللَّه بن عِثير.
قال الحاكم: صحيح الإسناد.
قلت: إسناده حسن من أجل خارجة بن الصلت؛ فإنه لم يوثّقه أحد غير ابن حبان، وروى له اثنان، ونقل المزي في تهذيبه في ترجمة عامر الشعبي الراوي عن خارجة بن الصلت: عن أبي بكر بن أبي خيثمة قال: سمعت يحيى بن معين يقول: إذا حدث الشعبي عن رجل، فسماه فهو ثقة يحتج بحديثه.
واختصره ابن حجر في ترجمة الشعبي، فأصاب، وفي ترجمة خارجة بن الصلت فأخطأ، فنسب هذا القول إلى ابن أبي خيثمة نفسه.
ثم قول ابن معين هذا قد لا يكون مطردا في كل من روى عنه الشعبي، إلا ما يطمئن به القلب من القرائن، وقد تكلمت بإسهاب في هذا الموضوع في كتابي "دراسات في الجرح والتعديل" فراجعه لزاما.
فقه هذا الباب: أحاديث هذا الباب تدل على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن وجواز شرطه.
وكان بالمدينة ثلاثة معلمين يعلمون الصبيان، وكان عمر بن الخطاب يرزق كل واحد منهم خمسة عشر درهما كل شهر.
رواه أبو بكر بن أبي شيبة (٤/ ٣٤٦ رقم ٢٠٢٨) عن وكيع، عن صدقة بن موسى الدمشقي -وفي رواية: الدقيقي-، عن الوضين بن عطاء قال فذكره. ورواه البيهقي (٦/ ١٢٤) من وجه آخر عن وكيع، وقال: وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن وكيع.
إلا أن الوضين بن عطاء لم يدرك زمان عمر بن الخطاب.
وذكر البخاري في ترجمة الباب (٤/ ٤٥٢): "وقال الشعبي: لا يشترط المعلم، إلا أن يعطي شيئا فليقبله. وقال الحكم: لم أسمع أحدا كره أجر المعلم. وأعطى الحسن دراهم عشرة. ولم ير ابن سيرين بأجر القسام بأسا".
стр. 3413
وفيه دليل على جواز الرقية بالقرآن؛ لأن القراءة والرقية من الأعمال المباحة، وقد أباح له أخذ الأجرة، فكذلك ما يفعله الطبيب من قول أو فعل.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن غير مباح. ولهم في ذلك أحاديث، كما في الباب الآتي.
٩ - باب من كره أخذ الأجرة على تعليم القرآن
• عن عبادة بن الصامت قال: كان رسول اللَّه ﷺ يُشْغَلُ، فإذا قدم رجل مهاجر على رسول اللَّه ﷺ دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن، فدفع إلي رسول اللَّه ﷺ رجلا، فكان معي في البيت، أعشيه عشاء أهل البيت، فكنت أقرئه القرآن، فانصرف انصرافة إلى أهله، فرأى أن عليه حقا، فأهدى إلي قوسا لم أر أجود منها عودا، ولا أحسن منها عِطفا، فأتيت رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: ما ترى يا رسول اللَّه فيها؟ قال: "جمرة بين كتفيك تقلدتها، أو تعلقتها".
حسن: رواه أبو داود (٣٤١٧)، وأحمد (٢٢٧٦٦)، والحاكم (٣/ ٣٥٦) كلّهم من طريق بشر ابن عبد اللَّه يعني ابن بشار السلمي قال: حدثني عبادة بن نسي، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة ابن الصامت قال. فذكره. واللّفظ لأحمد وأبو داود أحال على الإسناد الذي يأتي.
قال الحاكم: صحيح الإسناد.
قلت: فيه بشر بن عبد اللَّه السلمي لم يوثّقه غير ابن حبان إلا أنه توبع. رواه أبو داود (٣٤١٦)، ومن طريقه البيهقي (٦/ ١٢٥)، وابن ماجه (٢١٥٧)، وأحمد (٢٢٦٨٩)، والحاكم (٢/ ٤١) كلّهم من حديث المغيرة بن زياد، عن عبادة بن نسي، عن الأسود بن ثعلبة، عن عبادة بن الصامت قال: علمت ناسا من أهل الصفة الكتاب والقرآن، فأهدى إلي رجل قوسا، فقلت: لآتين رسول اللَّه ﷺ ، فلأسألنه، فأتيته، فقلت: يا رسول اللَّه، رجل أهدى إلى قوسا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال وأرمي عنها في سبيل اللَّه. قال: "إن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها".
وفيه المغيرة بن زياد وهو أبو هاشم الموصلي، وثّقه وكيع ويحيى بن معين والعجلي وغيره. وتكلم فيه الإمام أحمد والبخاري وأبو حاتم وغيرهم. ولكنه توبع، كما رأيت.
قال علي بن المديني: "إسناده كله معروف إلا الأسود بن ثعلية، فإنا لا نحفظ عنه إلا هذا الحديث". ذكره البيهقي.
قلت: والأسود بن ثعلبة مجهول، كما في التقريب، إلا أنه توبع في الإسناد الأول، والحديث حسن بمجموع طريقيه.
وقول البيهقي: "هذا حديث مختلف فيه على عبادة بن نسي، كما ترى". فيه نظر؛ لأن هذا
стр. 3414
الاختلاف لا يضر؛ فإن إحدى طريقيه تقوي الثانية.
قال ابن عبد البر: "هذا حديث معروف عند أهل العلم؛ لأنه روي عن عبادة من وجهين".
• عن عبد الرحمن بن شبل قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "اقرؤوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٥٥٢٩) عن إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام -يعني الدستوائي- قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي راشد الحبراني قال: قال عبد الرحمن بن شبل فذكره.
ومن هذا الوجه رواه أيضًا المستغفري في فضائل القرآن (٥).
وإسناده صحيح. وصحّحه أيضًا الدارقطني في "العلل" (٩/ ٢٧٨).
وتابعه أيوب السختياني، عن يحيى بإسناده. رواه وهيب بن خالد عنه. أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط" (٢٥٩٥) إلا أنه زاد في لفظ الحديث.
"إن النساء هم أهل النّار"، فقال رجل: يا رسول اللَّه، ألسن أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا؟ فذكر كفر من لحق الزوج، وتضييعهن لحقه.
وقد صح سماع يحيى بن أبي كثير عن أبي راشد. وما جاء في بعض الروايات أنه روي عن زيد ابن سلام، عن جده أبي سلام ممطور قال: كتب معاوية إلى عبد الرحمن بن شبل أن علِّم النّاس ما سمعت من رسول اللَّه ﷺ ، فجمعهم، فقال. فذكره.
رواه الإمام أحمد (١٥٦٦٦/ ١) عن عبد الرزاق -وهو في مصنفه (١٩٤٤٤) -، ومن طريق همام (١٥٦٦٨)، وأبان (١٥٦٦٩) كلّهم -أعني معمر، وهمام، وأبان-، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بإسناده، فلا يضر؛ فإن كليهما صحيح، كما قال أبو حاتم في "العلل" (٢/ ٦٣) إلا أنه قال: إن أيوب ترك من الإسناد رجلين.
قلت: وكذلك فعل أيضًا هشام الدستوائي، كما سبق، فلا يلام أيوب.
• عن أبي الدرداء أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أخذ قوسا على تعليم القرآن قلده اللَّه قوسا من نار".
حسن: رواه البيهقي (٦/ ١٢٦) من حديث عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا عبد الرحمن بن يحيى ابن إسماعيل بن عبيد اللَّه، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد اللَّه، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء فذكره.
ضعفه البيهقي، ونقل عن دحيم أنه قال: ليس له أصل.
وقال ابن عبد الهادي في "التنقيح" (٤/ ١٨٦): "ورواه سمويه في فوائده عن عبد الرحمن. وقد روى مسلم في صحيحه حديثا عن داود بن رشيد، عن الوليد بن مسلم بهذا الإسناد عن أبي الدرداء
стр. 3415
في الصوم في السفر (١١٢٢).
وعبد الرحمن هذا قال ابن أبي حاتم: "روى عنه أبي، وسمع منه في الرحلة الأولى، وسألته عنه، فقال: ما بحديثه بأس، صدوق". انتهى.
وقال ابن التركماني في الجوهر النقي: "أخرجه البيهقي بسند جيد، فلا أدري ما وجه ضعفه، وكونه لا أصل له".
وفي الباب ما روي عن أبي بن كعب قال: علمت رجلا القرآن، فأهدى إلي قوسا، فذكرت ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فقال: "إن أخذتها أخذت قوسا من نار"، فرددتها.
رواه ابن ماجه (٢١٥٨) عن سهل بن أبي سهل قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن ثور بن يزيد قال: حدّثنا خالد بن معدان قال: حدثني عبد الرحمن بن سلم، عن عطية الكلاعي، عن أبي بن كعب فذكره.
ورواه البيهقي (٦/ ١٢٥ - ١٢٦) من وجه آخر، عن يحيى بن سعيد بإسناده، إلا أنه أسقط خالد ابن معدان بين ثور وعبد الرحمن.
وفي الإسناد عبد الرحمن بن سلم، وهو شامي، قال المزي في تهذيبه: "روى عنه ثور بن يزيد، وفي إسناد حديثه اختلاف كثير". وكذا في تهذيب التهذيب، وأنهما عزيا حديثه إلى ابن ماجه. قال المزي: "روى له ابن ماجه هذا الحديث الواحد".
وفي النسخة المطبوعة لسنن بن ماجه بتحقيق فؤاد عبد الباقي بإثبات خالد بن معدان. وكذا في تحفة الأشراف (١/ ٣٥) أيضًا. ولكن في نسخة السنن بتحقيق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي بدونه. فالظاهر أنه وقع خلاف بين نسخ ابن ماجه من القديم.
وعلى كل، فإن عبد الرحمن بن سلم مجهول.
وفي الإسناد أيضًا عطية وهو ابن قيس الكلاعي، ذكر العلائي في جامع التحصيل (٥٢٧) عن أبي بن كعب، وأبي الدرداء مرسلا قاله في التهذيب.
كذا قال! ولم يذكر في التهذيب، ولا في تهذيب التهذيب أن روايته عن أبي بن كعب، وأبي الدرداء مرسلة. بل في التهذيب: قال أبو مسهر: كان مولد عطية بن قيس في حياة رسول اللَّه ﷺ في سنة سبع، وغزا في خلافة معاوية، وتوفي سنة عشر ومائة. وقال ابنه: "مات أبي وهو ابن أربع ومائه". فلقاؤه ممكن. ثم عطية هذا قد توبع في بعض الروايات، تابعه أبان عن أبي بن كعب.
فانحصرت العلة في جهالة عبد الرحمن بن سلم.
فقه هذا الباب: أحاديث هذا الباب تدل على كراهة أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وبه قال أبو حنيفة، وإسحاق. ثم اختلف أهل العلم في بعض الصور دون الأخرى: فمنهم من جعل الكراهة إذا اشترط بذلك.
стр. 3416
ومنهم من جعل الكراهة إذا كان عمل حسبة للَّه، فليس له أن يأخذ عليه أجرا؛ لأن الأجر مناف للحسبة. وأما إذا لم يحتسب ولم يطلب عليه الأجرة فجائز كما في حديث ابن عباس في الباب السابق.
ومنهم من قال: إذا لا يوجد في المسلمين من يعلم القرآن إلا شخص واحد فعليه أن يعلمهم، ولا يأخذ عليه أجرا؛ لأن تعليمه إياهم صار عليه فرض عين بخلاف إذا كان فيهم غيره، فجاز له أخذ الأجرة.
أما إذا كان هذا الأجر من الحاكم الذي هو الراعي لمصلحة الأمة فلا كراهة في ذلك بالاتفاق؛ لأن تحديد الأجر منه يساعد على إدارة شؤون البلاد، وهذا الذي جرى عليه العمل منذ الخلفاء الراشدين إلى يومنا هذا.
١٠ - باب يجوز للإمام فسخ المعاهدة مع الكفار إذا اشترط عليهم أنه يقرهم إلى متى شاء وهم قد رضوا بذلك
• عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز، وأن رسول اللَّه ﷺ لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها. وكانت الأرض حين ظهر عليها للَّه ولرسوله وللمسلمين، فأراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول اللَّه ﷺ أن يقرهم بها على أن يكفوا عملها، ولهم نصف الثمر. فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : "نقركم بها على ذلك ما شئنا" فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء، وأريحاء.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٢٣٣٨) ومسلم في المساقاة (١٥٥١/ ٦) كلاهما من حديث عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، حدثني موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره، ولفظهما سواء.
• * *
стр. 3417
جموع أبواب ما جاء في الكفالة، والضمان، والحوالة
١ - باب مشروعية الكفالة في القروض والديون
• عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل، سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم. فقال: كفى باللَّه شهيدا. قال: فأتني بالكفيل. قال: كفى باللَّه كفيلا. قال: صدقت. فدفعها إليه على أجل مسمى، فخرج في البحر، فقضى حاجته، ثم التمس مركبا يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركبا، فأخذ خشبة، فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهمّ إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانا ألف دينار، فسألني كفيلا، فقلت: كفى باللَّه كفيلا. فرضي بك. وسألني شهيدا، فقلت: كفى باللَّه شهيدا. فرضي بذلك. وأني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني أستودعكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف، وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه، فأتى بالألف دينار، فقال: واللَّه ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه. قال: هل كنت بعثت إلي بشيء؟ قال: أخبرك أني لم أجد مركبا قبل الذي جئت فيه. قال: فإن اللَّه قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف الدينار راشدا".
صحيح: رواه البخاريّ في الكفالة (٢٢٩١) معلقا مجزوما، فقال: وقال الليث، حدثني جعفر ابن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة فذكره. هذا علقه البخاري، ووصله في آخره في رواية أبي ذر، وأبي الوقت، فقال: حدثني عبد اللَّه بن صالح، حدثني الليث به.
• عن ابن عباس أن رجلا لزم غريما له بعشرة دنانير، فقال: واللَّه لا أفارقك حتى تقضيني، أو تأتيني بحميل، فتحمل بها النبي ﷺ ، فأتاه بقدر ما وعده، فقال له النبي ﷺ : "من أين أصبت هذا الذهب؟ " قال: من معدن. قال: "لا حاجة لنا
стр. 3418
فيها، وليس فيها خير". فقضاها عنه رسول اللَّه ﷺ .
حسن: رواه أبو داود (٣٣٢٨)، وابن ماجه (٣٤٠٦)، وعبد بن حميد (٥٩٦)، والحاكم (٢/ ١٠ - ١١)، والبيهقي (٦/ ٧٤) كلّهم من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. واللّفظ لأبي داود. وفي لفظ غيره: فقال له النبي ﷺ : "كم تستنظره؟ " فقال: شهرا. فقال رسول اللَّه ﷺ : "فأنا أحمل له".
وإسناده حسن من أجل الدراوردي؛ فإنه حسن الحديث. وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
قال البيهقي: "وفي هذا الدلالة على أن الحق بقي في ذمته بعد التحمل حتى أكد عليه مقدار الاستنظار، ثم أنه ﷺ تطوع بالقضاء عنه، وتنزه عن التصرف في مال المعدن".
وقوله: "لا حاجة لنا فيها" لأنه تحمل عنه دنانير مضروبة كانت تحمل إليهم من بلاد الروم؛ لأن أول من وضع السكة في الإسلام، وضرب الدنانير عبد اللَّه بن مروان، كما هو معروف.
والذي جاء به ذهبٌ غير مضروب، فتنزه النبي ﷺ عن القبول.
٢ - باب ما جاء في الضمان
قال اللَّه تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [سورة يوسف: ٧٢].
والزعيم والحميل والكفيل بمعنى واحد، فالزعيم لغة أهل المدينة، والحميل لغة أهل مضر، والكفيل لغة أهل العراق، أي أن كل من تكفل دينا عن الغير عليه الغرم، وهو الضمان.
• عن سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ أتي بجنازة ليصلي عليها، فقال: "هل عليه من دين؟ قالوا: لا. فصلى عليه، ثم أتي بجنازة أخرى، فقال: "هل عليه من دين؟ " قالوا: نعم. قال: "صلوا على صاحبكم" قال أبو قتادة: علي دينه يا رسول اللَّه، فصلى عليه.
صحيح: رواه البخاريّ في الكفالة (٢٢٩٥) عن أبي عاصم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة ابن الأكوع فذكره. سبق ذكره وما في معناه في الجنائز.
• عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "الزعيم غارم، والدين مقضي".
حسن: رواه أبو داود (٣٥٦٥)، والترمذي (١٢٦٥)، وابن ماجه (٢٤٠٥)، والبيهقي (٦/ ٧٢)، وأحمد (٢٢٢٩٤) كلّهم من حديث إسماعيل بن عياش قال: حدثني شرحبيل بن مسلم الخولاني قال: سمعت أبا أمامة يقول فذكره.
وهو حديث طويل ذُكرت أجزاؤه مفرقة في كتب السنة، وكامله -كما ذكر أحمد وغيره- أن النبي ﷺ خطب عام حجة الوداع، فقال: "إن اللَّه قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث،
стр. 3419
والولد للفراش وللعاهر الحجر، وحسابهم على اللَّه، ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة اللَّه التابعة إلى يوم القيامة. لا تنفق المرأة شيئًا من بيتها إلا بإذن زوجها" قيل: يا رسول اللَّه، ولا الطعام؟ قال: "ذلك أفضل أموالنا" ثم قال: "العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم". قال الترمذيّ: حسن غريب.
قلت: وهو كما قال؛ فإن إسماعيل بن عياش حسن في روايته عن أهل بلده الشاميين، وهذا منها، ولا يروى إلا من طريقه.
وشرحبيل بن مسلم مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
ولبعض فقراته شواهد من الصحابة الآخرين، تم تخريجها في مواضعها.
٣ - باب قبول الحوالة إذا أحيل على مليء
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع".
متفق عليه: رواه مالك في البيوع (٨٤) عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة به. ورواه البخاري في الحوالة (٢٢٨٧)، ومسلم في المساقاة (١٥١٤) كلاهما من طريق مالك به مثله.
قوله: "مطل الغني" أصل المطل المد، يقال: مطلت الحديدة إذا مددتها لتطول. والمراد تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر.
ومعناه إذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع، فقال بعض أهل العلم: إذا أحيل الرجل على مليء، فاحتاله، فقد برئ المحيل، وليس له أن يرجع على المحيل، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق. ذكره الترمذيّ (١٣٠٨).
قلت: وهو الذي يدل عليه الحديث. ولأهل العلم أقوال أخرى ذكرها الترمذيّ.
أما ما روي عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مطل الغني ظلم، وإن أحلت على مليء فاتبعه، ولا تبع بيعتين في بيعة" ففيه انقطاع.
رواه الترمذيّ (١٣٠٩)، وابن ماجه (٢٤٠٤)، وأحمد (٥٣٩٥)، والطحاوي في مشكله (٢٧٥٤)، وابن الجارود (٥٩٩) كلّهم من طرق عن هشيم بن بشير، حدّثنا يونس بن عبيد، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
ويونس بن عبيد لم يسمع من نافع أول الحديث، كما صرح به ابن معين.
انظر تخريجه في جموع أبواب ما ينهى عنه من البيوع، باب فيمن باع بيعتين في بيعة. وانظر فقه الحديث في "المنة الكبرى" (٥/ ٣٣٠).
стр. 3420
جموع أبواب ما جاء في الوكالة
١ - باب الوكالة على حفظ زكاة رمضان
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [سورة التوبة: ٦٠].
• عن أبي هريرة قال: وكّلني رسول اللَّه ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، وقلت: واللَّه لأرفعنك إلى رسول اللَّه ﷺ . قال: إني محتاج، وعلي عيال، ولي حاجة شديدة. قال: فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي ﷺ : "يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة" قال: قلت: يا رسول اللَّه، شكاحاجة شديدة وعيالا، فرحمته، فخليت سبيله. قال: "أما إنه قد كذبك، وسيعود" فعرفت أنه سيعود لقول رسول اللَّه ﷺ : إنه سيعود، فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت لأرفعنك إلى رسول اللَّه ﷺ ، قال: دعني؛ فإني محتاج، وعلي عيال، لا أعود. فرحمته، فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول اللَّه ﷺ : "يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك؟ " قلت: يا رسول اللَّه، شكا حاجة شديدة وعيالا، فرحمته، فخليت سبيله. قال: "أما إنه قد كذبك، وسيعود" فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول اللَّه ﷺ ، وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم لا تعود، ثم تعود. قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك اللَّه بها. قلت: ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. . . .﴾ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من اللَّه حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول اللَّه ﷺ : "ما فعل أسيرك البارحة" قلت: يا رسول اللَّه، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني اللَّه بها، فخليت سبيله. قال: "ما هي؟ " قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. . .﴾ وقال لي: لن يزال عليك من اللَّه حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النبي ﷺ : "أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة". قال: لا. قال: "ذاك شيطان".
صحيح: رواه البخاريّ في الوكالة (٢٣١١) تعليقا قال: وقال عثمان بن الهيثم أبو عمرو،
стр. 3421
حدّثنا عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة فذكره.
ووصله النسائي في "الكبرى" (١٠٧٢٩) عن إبراهيم بن يعقوب، وابن خزيمة (٢٤٢٤) عن هلال بن بشر، كلاهما عن عثمان بن الهيثم به.
٢ - باب الوكالة في البيع والشراء
قال اللَّه تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [سورة الكهف: ١٩].
• عن عروة البارقي أن النبي ﷺ أعطاه دينارا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه.
صحيح: رواه البخاريّ في المناقب (٣٦٤٢) عن علي بن عبد اللَّه، أخبرنا سفيان، حدّثنا شبيب بن غرقدة قال: سمعت الحي يحدثون عن عروة فذكره.
قال سفيان: كان الحسن بن عمارة جاءنا بهذا الحديث عنه قال: سمعه شبيب من عروة، فأتيته، فقال شبيب: إني لم أسمعه من عروة، قال: سمعت الحي يخبرونه عنه، ولكن سمعته يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة" قال: وقد رأيت في داره سبعين فرسا. قال سفيان: يشتري له شاة كأنها أضحية.
أراد البخاري بذلك بيان ضعف رواية الحسن بن عمارة، وأن شبيبا لم يسمع هذا الجزء من عروة، وإنما سمعه من الحي، عن عروة، ولكن سمع منه: "الخير معقود بنواصي الخيل".
ولكن ذهب بعض المحدثين، وكثير من الفقهاء إلى قبول حديث يرويه جماعة، وإن لم يسموا؛ لأن الجماعة أولى بالضبط من الواحد.
ومع ذلك له إسناد آخر: رواه أبو لبيد عن عروة البارقي قال: دفع إلى رسول اللَّه ﷺ دينارا لأشتري له شاة. فذكر الحديث.
وقال: فكان يخرج بعد ذلك إلى كناسة الكوفة، فيربح الربح العظيم، فكان من أكثر أهل الكوفة مالا.
رواه الترمذيّ (١٢٥٨) -واللّفظ له-، وأبو داود (٣٣٨٥) إلا أنه لم يسق لفظه، بل قال: "ولفظه مختلف". وابن ماجه (٢٤٠٢) -وأحال على لفظ سفيان، كما عند البخاري- كلّهم من طريق سعيد بن زيد، عن الزبير بن الخِرِّيت، عن أبي لبيد لُمازة بن زَبّارة، عن عروة بن أبي الجعد البارقي. . . . فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل الكلام في سعيد بن زيد، وهو أخو حماد بن زيد غير أنه حسن الحديث، وقد تابعه هارون الأعور المقرئ عند الترمذيّ. وأبو لبيد صدوق، كما في التقريب.
стр. 3422
نقل الحافظ في "التلخيص" (٣/ ٥) عن المنذري والنووي أن إسناده حسن صحيح لمجيئه من وجهين.
وقال ابن كثير: سنده جيد إلا أن الشافعي قال: هذا الحديث ليس بثابت.
وقد ذهب إليه بعض أهل العلم، منهم أحمد، وإسحاق، كما قال الترمذيّ.
وبمعناه ما روي عن حكيم بن حزام أن رسول اللَّه ﷺ بعث معه بدينار يشتري له أضحية، فاشتراها بدينار، وباعها بدينارين، فرجع، فاشترى له أضحية بدينار، وجاء بدينار إلى النبي ﷺ ، فتصدق به النبي ﷺ ، ودعا له أن يبارك له في تجارته.
رواه أبو داود (٣٣٨٦) عن محمد بن كثير العبدي، أخبرنا سفيان، حدثني أبو حصين، عن شيخ من أهل المدينة، عن حكيم بن حزام فذكره.
وفي إسناده رجل مجهول.
ولكن خالف أبو بكر بن عياش سفيان، فروى عن أبي حصين، عن حبيب بن أبي ثابت، عن حكيم بن حزام. فذكر الحديث. رواه الترمذيّ (١٢٥٧) عن أبي كريب، عن أبي بكر بن عياش.
فجعل الرجل المجهول هو حبيب بن أبي ثابت إلا أنه لم يسمع من حكيم بن حزام، كما قال الترمذيّ. ففيه انقطاع. وكذا قال أيضًا ابن كثير في "إرشاد الفقيه" (٢/ ٦٤).
• عن جابر بن عبد اللَّه أنه قال: أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت رسول اللَّه ﷺ ، فسلمت عليه، وقلت له: إني أردت الخروج إلى خيبر، فقال: "إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته".
صحيح: رواه أبو داود (٣٦٣٢)، وعنه البيهقي (٦/ ٨٠)، والدارقطني (٤/ ١٥٤) عن عبيد اللَّه ابن سعد بن إبراهيم، ثنا عمي، ثنا أبي، عن أبي إسحاق، عن أبي نعيم وهب بن كيسان، عن جابر ابن عبد اللَّه فذكره.
وإسناده صحيح، وعم عبيد اللَّه بن سعد هو يعقوب بن إبراهيم، وأبوه هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، وكلاهما ثقة.
وقوله: "على ترقوته" بفتح التاء، العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق. وهما ترقوتان من الجانبين.
• عن عبد اللَّه الهوزني قال: لقيت بلالا مؤذن رسول اللَّه ﷺ بحلب، فقلت: يا بلال، حدثني كيف كانت نفقة رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: ما كان له شيء. كنت أنا الذي ألي ذلك منه منذ بعثه اللَّه إلى أن توفي، وكان إذا أتاه الانسان مسلما فرآه عاريا يأمرني، فأنطلق فأستقرض، فأشتري له البردة، فأكسوه، وأطعمه حتى اعترضني
стр. 3423
رجل من المشركين، فقال: يا بلال، إن عندي سعة فلا تستقرض من أحد إلا مني، ففعلت، فلما أن كان ذات يوم توضأت، ثم قمت لأؤذن بالصلاة، فإذا المشرك قد أقبل في عصابة من التجار، فلما أن رآني قال: يا حبشي. قلت: يالبَّاه. فتجهمني، وقال لي قولا غليظا، وقال لي: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قال: قلت: قريب. قال: إنما بينك وبينه أربع، فآخذك بالذي عليك، فأردك ترعى الغنم كما كنت قبل ذلك، فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس النّاس حتى إذا صليت العتمة رجع رسول اللَّه ﷺ إلى أهله، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فقلت: يا رسول اللَّه، بأبي أنت وأمي إن المشرك الذي كنت أتدين منه قال لي كذا وكذا، وليس عندك ما تقضي عني ولا عندي، وهو فاضحِي، فأذن لي أن آبق إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا حتى يرزق اللَّه رسول ﷺ ما يقضي عني، فخرجت حتى إذا أتيت منزلي، فجعلت سيفي وجرابي ونعلي ومجنِّي عند رأسي، حتى إذا انشق عمود الصبح الأول أردت أن أنطلق، فإذا إنسان يسعى يدعو: يا بلال، أجب رسول اللَّه ﷺ . فانطلقت حتى أتيته، فإذا أربع ركائب مناخات عليهن أحمالهن، فاستأذنت، فقال لي رسول اللَّه ﷺ : "أبشر، فقد جاءك اللَّه بقضائك". ثم قال: "ألم تر الركائب المناخات الأربع؟ " فقلت: بلى. فقال: "إن لك رقابهن وما عليهن، فإن عليهن كسوة وطعاما أهداهن إلي عظيم فدك، فاقبضهن، واقض دينك". ففعلت. فذكر الحديث. ثم انطلقت إلى المسجد، فإذا رسول اللَّه ﷺ قاعد في المسجد، فسلمت عليه، فقال: "ما فعل ما قِبلك؟ " قلت: قد قضى اللَّه كل شيء كان على رسول اللَّه ﷺ ، فلم يبق شيء. قال: "أفضل شيء؟ " قلت: نعم. قال: "انظر أن تريحني منه، فإني لست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منه". فلما صلى رسول اللَّه ﷺ العتمة دعاني، فقال: ما فعل الذي قبلك؟ " قال: قلت: هو معي لم يأتنا أحد، فبات رسول اللَّه ﷺ في المسجد، وقص الحديث. قال: حتى إذا صلى العتمة -يعني من الغد- دعاني قال: "ما فعل الذي قِبلك؟ " قال: قلت: قد أراحك اللَّه منه يا رسول اللَّه، فكبر، وحمد اللَّه شفقا من أن يدركه الموت، وعنده ذلك. ثم اتبعته حتى إذا جاء أزواجه فسلم على امرأة امرأة، حتى أتى مبيته. فهذا الذي سألتني عنه.
صحيح: رواه أبو داود (٣٠٥٥) عن أبي توبة الربيع بن نافع، حدّثنا معاوية -يعني ابن سلام-، عن زيد أنه سمع أبا سلام قال: حدثني عبد اللَّه الهوزني فذكره. وصحّحه ابن حبان (٦٣٥١)،
стр. 3424
ورواه أيضًا البيهقي (٦/ ٨٠) كلهم من حديث معاوية بن سلام به. وإسناده صحيح.
وقوله: "يالباه" يريد لبيك.
وقوله: "تجهمني" أي تلقاني بوجه كريه.
وقوله: "مجني" من المجن -بكسر الميم، وفتح الجيم، وتشديد النون- الترس.
وقوله: "شفقاء -بفتح الشين والفاء- الخوف.
• * *
стр. 3425
جموع أبواب المزارعة، والمساقاة
١ - باب فضل غرس المسلم وزرعه
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٢٣٢٠)، ومسلم في المساقاة (١٥٥٣: ١٢) كلاهما من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن أنس فذكره.
• عن أنس أن النبي ﷺ دخل نخلا لأم مبشر امرأة من الأنصار، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من غرس هذا النخل؟ أمسلم أم كافر؟ ". قالوا: مسلم. فقال: "لا يغرس مسلم غرسا، فأكل منه إنسان أو طير أو دابة إلا كانت صدقة".
متفق عليه: رواه مسلم في المساقاة (١٥٥٣: ١٣) عن عبد بن حميد، حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدّثنا أبان بن يزيد، حدّثنا قتادة، حدّثنا أنس بن مالك فذكره. ورواه البخاري (٢٣٣٠)، وقال: قال لنا مسلم حدّثنا أبان، حدّثنا قتادة، حدّثنا أنس، عن النبي ﷺ فذكره.
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن قامت على أحدكم القيامة، في يده فسيلة فليغرسها".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٢٩٠٢) والبزار -كشف الأستار- (١٢٥١) والبخاري في الأدب المفرد (٤٧٩) كلّهم من حديث حماد بن سلمة، عن هشام بن زيد بن أنس، عن أنس، فذكره. وإسناده صحيح.
• عن جابر أن النبي ﷺ دخل على أم مبشر الأنصارية في نخل لها، فقال لها النبي ﷺ : "من غرس هذا النخل؟ أمسلم أم كافر؟ " فقالت: بل مسلم. فقال: "لا يغرس مسلم غرسا، ولا يزرع زرعا، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة".
صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٥٢: ٨) من طرق عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره.
وفي رواية عنده: عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول فذكر الحديث.
وابن جريج لم يذكر في روايته دخول النبي ﷺ على أم مبشر.
وقد روى بعضهم عن جابر، عن أم مبشر كما عند عبد بن حميد في مسنده (١٥٧٢) والصحيح
стр. 3426
أنه من مسند جابر، وهو الذي رجحه الدارقطني في علله (١٥/ ٤١٨). وام مبشر هي امرأة زيد بن حارثة، كما ترجم له الإمام أحمد في مسنده، وهي بنت البراء بن المعرور الأنصاري.
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: دخل النبي ﷺ على أم معبد حائطا، فقال: "يا أم معبد، من غرس هذا النخل؟ أمسلم، أم كافر؟ " فقالت: بل مسلم. قال: "فلا يغرس المسلم غرسا، فيأكل منه إنسان، ولا دابة، ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة".
صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٥٣: ١٠) عن أحمد بن سعيد بن إبراهيم، حدّثنا روح بن عبادة، حدّثنا زكريا بن إسحاق، أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول فذكره.
وأم معبد هذه لعلها هي أم مبشر، ولها لقبان، أو هي بنت عبد اللَّه بن عمرو بن حزام الأنصارية، أخت جابر بن عبد اللَّه، وتكررت القصة لهما.
• عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما أكل السبع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة".
صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٢٥٢: ٧) عن ابن نمير، حدّثنا أبي، حدّثنا عبد الملك، عن عطاء، عن جابر قال فذكره.
• عن السائب بن خلاد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من زرع زرعا، فأكل منه الطير أو العافية كان له به صدقة".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٦٥٥٨) عن وكيع قال: حدّثنا أسامة بن زيد، عن المطلب بن عبد اللَّه بن حنطب، عن خلاد بن السائب، عن أبيه فذكره.
وإسناده حسن من أجل أسامة بن زيد، وهو الليثي فإنه حسن الحديث.
ورواه الطبراني في "الكبير" (٤١٣٤) من طريق سلْم بن جنادة، عن وكيع بإسناده إلا أنه لم يذكر فيه: عن أبيه.
ولعل ذلك يعود إلى سلم بن جنادة أبي الساب الكوفي، قال فيه أبو أحمد الحاكم: "يخالف في بعض حديثه". وهذا منها.
وقوله: "العافية" هو كل طالب للرزق.
• عن أبي الدرداء أن رجلا مر به وهو يغرس غرسا بدمشق، فقال له: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: لا تعجل عليَّ، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من غرس غرسا لم يأكل منه آدمي ولا خلق من خلق اللَّه إلا كان له صدقة".
стр. 3427
حسن: رواه أحمد (٢٧٥٠٦) عن علي بن بحر حدّثنا بقية قال: حدّثنا ثابت بن عجلان قال: حدثني القاسم مولى بني يزيد، عن أبي الدرداء فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في بقية، وهو ابن الوليد، بدلس تدليس التسوية إلا أنه صرح بالتحديث في الطبقتين. والجمهور على أنه لو صرح في الطبقة تنتفي عنه تهمة التدليس.
وفي الباب عن معاذ بن أنس، ورجل من أصحاب النبي ﷺ ، وأبي أيوب إلا أنها كلها ضعيفة، والصحيح منها ما ذكرته.
٢ - باب الاقتصاد في الزراعة
• عن أبي أمامة الباهلي قال -ورأى سكة وشيئا من آلة الحرث- فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله اللَّه الذل".
صحيح: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٢٣٢١) عن عبد اللَّه بن يوسف، حدّثنا عبد اللَّه ابن سالم الحمصي، حدّثنا محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة الباهلي قال فذكره.
وليس فيه ذم للزراعة، فإنها محمودة، ولكن المذموم هو المبالغة فيها، وترك الصناعة، والتقنية الحديثة، وإعداد العدة للدفاع وغير ذلك، بل المطلوب الاقتصاد في الزراعة.
وفي الباب ما روي عن ابن مسعود أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا". رواه الترمذيّ (٢٣٢٨)، وأحمد (٣٥٧٩)، وصحّحه ابن حبان (٧١٠)، والحاكم (٤/ ٣٢٢) كلّهم عن الأعمش، عن شِمْر، عن مغيرة بن سعد بن الأخرم، عن أبيه، عن ابن مسعود فذكره. قال الترمذيّ: حسن. وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
قلت: فيه مغيرة بن سعد بن الأخرم لم يوثّقه غير ابن حبان، ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول" أي عند المتابعة ولم أجد له متابعا؛ فهو لين الحديث.
وأبوه سعد بن الأخرم مختلف في صحبته، ذكره ابن حبان في الصحابة، ثم في التابعين. وذكره البخاري وأبو حاتم في التابعين، ولم يرو عنه سوى ولده مغيرة فهو أيضًا "مقبول" عند المتابعة.
٣ - باب تقسيم الإمام الأرض المفتوحة عنوة على الفاتحين للزراعة
• عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قال عمر: "لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها، كما قسم النبي ﷺ خيبر".
صحيح: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٢٣٣٤) عن صدقة، أخبرنا عبد الرحمن (هو ابن مهدي)، عن مالك، عن زيد بن أسلم به.
قد اختلف العلماء في قسمة الأرض المفتوحة على أقوال، أشهرها ثلاثة:
١ - أنها تصير وقفا بنفس الفتح، وهو مذهب مالك.
стр. 3428
٢ - أن الأمام يخير بين قسمتها، ووقفيتها. وهو مذهب أبي حنيفة.
٣ - أنه يلزمه قسمتها إلا أن يرضى بوقفيتها من غنمها.
راجع للمزيد "الفتح" (٥/ ١٨).
٤ - باب النهي عن كراء الأرض
• عن جابر قال: كانت لرجال منا فضول أرضين، فقالوا: نؤاجرها بالثلث والربع والنصف. فقال النبي ﷺ : "من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الهبة (٢٣٤٠، ٢٦٢٣)، ومسلم في البيوع (١٥٣٦: ٨٩) كلاهما من حديث الأوزاعيّ قال: حدثني عطاء، عن جابر فذكره. واللّفظ للبخاريّ.
ولفظ مسلم: "من كانت له فضل أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، فإن أبي فليمسك أرضه". ولم يذكر فيه: "بالثلث، والربع، والنصف".
ثم اعلم أن حديث جابر بن عبد اللَّه قد روي بألوان مختلفة، ولذا اختلفت ألفاظه من طرق متعددة، وإليكم هذه الطرق بألفاظها التي رواه مسلم في صحيحه علاوة على ما ذكر.
٢ - رواه أبو عوانة، عن سليمان، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعا: "من كانت له أرض فليهبها، أو ليعرها".
٣ - ورواه يونس، عن زهير، عن أبي الزبير، عن جابر قال: كنا نخابر على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فنصيب من القصري ومن كذا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من كانت له أرض فليزرعها أو فليحرثها أخاه، وإلا فليدعها".
٤ - ورواه هشام بن سعد، عن أبي الزبير قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه يقول: كنا في زمان رسول اللَّه ﷺ نأخذ الأرض بالثلث أو الربع بالماذيانات، فقام رسول اللَّه ﷺ في ذلك، فقال: "من كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه، فإن لم يمنحها أخاه فليمسكها".
والماذيانات هي مسائل المياه، ما ينبت على حافتي مسيل الماء.
٥ - ورواه أبو خيثمة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع البيضاء سنتين أو ثلاثا".
٦ - ورواه حماد بن زيد قال: حدّثنا أيوب، عن أبي الزبير، وسعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد اللَّه قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن المحاقلة، والمزاينة، والمعاومة، والمخابرة، وعن الثنيا، ورخص في العرايا".
٧ - ورواه همام قال: سأل سليمان بن موسى عطاء، فقال: أحدثك جابر بن عبد اللَّه أن النبي
стр. 3429
- ﷺ قال: "من كانت له أرض فليزرعها، أو ليزرعها أخاه، ولا يكرها"؟ قال: نعم.
٨ - ورواه عبد اللَّه بن نمير، عن عبد الملك، عن عطاء، عن جابر مرفوعا: "من كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يستطع أن يزرعها، وعجز عنها فليمنحها أخاه المسلم، ولا يؤاجرها إياه".
٩ - ورواه محمد بن الفضل (لقبه عارم، وهو أبو النعمان السدوسي)، عن مهدي بن ميمون، عن مطر، عن عطاء، عن جابر مرفوعا: "من كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يزرعها فليزرعها أخاه".
١٠ - ورواه معلى بن منصور، عن خالد، عن الشيباني، عن بكير بن الأخنس، عن عطاء، عن جابر قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ أن يؤخذ للأرض أجر أو حظ".
١١ - ورواه حماد (يعني ابن زيد) عن مطر الوراق، عن عطاء، عن جابر: "أن النبي ﷺ نهى عن كراء الأرض".
١٢ - ورواه ابن وهب قال: أخبرني عمرو (وهو ابن الحارث) أن بكيرا حدثه أن عبد اللَّه بن أبي سلمة حدثه، عن النعمان بن أبي عياش، عن جابر بن عبد اللَّه قال: "إن النبي ﷺ نهى عن كراء الأرض".
قال بكير: وحدثنا نافع أنه سمع ابن عمر يقول: كنا نكري أرضنا، ثم تركنا ذلك حين سمعنا حديث رافع بن خديج.
١٣ - ورواه سفيان بن عيينة، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق، عن جابر قال: "نهى النبي ﷺ عن بيع السنين".
١٤ - ورواه أبو توبة، عن معاوية، عن يحيى بن أبي كثير، عن يزيد بن نعيم أخبره أن جابر بن عبد اللَّه قال: "إنه سمع رسول اللَّه ﷺ ينهى عن المزابنة والحقول".
فقال جابر: المزابنة الثمر بالتمر. والحقول كراء الأرض.
١٥ - ورواه أبو الجواب، عن عمار بن زريق، عن الأعمش، حدّثنا أبو سفيان، عن جابر مرفوعا: "من كانت له أرض فليزرعها أو فليُزْرِعها رجلا".
١٦ - ورواه سفيان، عن عمرو، عن جابر "أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة".
١٧ - ورواه عبيد اللَّه بن عبد الحميد، عن سليم بن حبان، عن سعيد بن ميناء سمعت جابرا يقول. فذكر مرفوعا: "من كان له فضل أرض فليزرعها، أو يزرعها أخاه، ولا تبيعوها".
فقلت لسعيد: ما قوله: "ولا تبيعوها" يعني الكراء؟ . قال: نعم.
ولحديث جابر طرق أخرى غيرها.
وخلاصة القول أن حديث جابر بن عبد اللَّه في النهي عن كراء الأرض محمول على التنزيه، وليس على التحريم؛ لأن الهبة والإعارة والمنحة ليست بواجبة، ولكن تصرف بعض الرواة، فرووه
стр. 3430
بالمعنى، فاختلفت ألفاظهم حتى أن بعض النّاس ظنوا فيه التحريم، فرووه بلفظ: "من لم يذر المخابرة فليأذن بحرب من اللَّه ورسوله". رواه أبو داود (٣٤٠٦)، ومن طريقه البيهقي (٦/ ١٢٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٢٣٦)، والحاكم (٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦) كلّهم من حديث عبد اللَّه بن رجاء، أخبرني عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه فذكره.
قال أبو نعيم: "غريب من حديث أبي الزبير، تفرّد به ابن خثيم بهذا اللفظ. وعبد اللَّه بن رجاء هو المكي، ليس بالعراقي البصري".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
قلت: وهو كذلك إلا أن ابن خثيم تُكِلم فيه من ناحية حفظه، فلا يقبل تفرده.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من كانت له أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإن أبي فليمسك أرضه".
متفق عليه: رواه البخاري في الحرث والمزارعة (٢٣٤١)، ومسلم في البيوع (١٥٤٤) كلاهما من طريق أبي توبة الربيع بن نافع، حدّثنا معاوية، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة فذكره.
• عن أبي هريرة قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن المحاقلة والمزابنة.
صحيح: رواه مسلم في البيوع (١٥٤٥) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا يعقوب (يعني ابن عبد الرحمن القاري)، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره.
• عن نافع أن ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وفي إمارة أبي بكر وعمر وعثمان وصدرًا من خلافة معاوية، حتى بلغه في آخر خلافة معاوية أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي ﷺ ، فدخل عليه -وأنا معه-، فسأله، فقال: كان رسول اللَّه ﷺ ينهى عن كراء المزارع، فتركها ابن عمر بعد.
وكان إذا سئل عنها بعد قال: زعم رافع بن خديج أن رسول اللَّه ﷺ نهى عنها.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٣٣٤٣ - ٣٣٤٤)، ومسلم في البيوع (١٥٤٧: ١٠٩) كلاهما من طريق أيوب، عن نافع به. واللّفظ لمسلم.
ولم يذكر البخاري: وكان إذا سئل. . . إلخ. وعنده: فقال ابن عمر: قد علمت أنا كنا نكري مزارعنا على عهد رسول اللَّه ﷺ بما على الأربعاء، وبشيء من التبن".
• عن نافع أن ابن عمر كان يأجر الأرض قال: فنبئ حديثا عن رافع بن خديج. قال: فانطلق بي معه إليه. قال: فذكر عن بعض عمومته ذكر فيه عن النبي ﷺ أنه نهى عن كراء الأرض. قال: فتركه ابن عمر، ولم يأجره.
стр. 3431
صحيح: رواه مسلم (١٥٤٧: ١١١) عن محمد بن المثنى، حدّثنا حسين (يعني ابن حسن بن يسار)، حدّثنا ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
قلت: تركهـ كان تنزيها، لا تحريما، وعليه قول ابن عباس، كما سيأتي.
• عن سالم بن عبد اللَّه أن عبد اللَّه بن عمر كان يكري أَرَضِيه، حتى بلغه أن رافع بن خديج الأنصاري كان ينهى عن كراء الأرض، فلقيه عبد اللَّه، فقال: يا ابن خديج، ماذا تحدث عن رسول اللَّه ﷺ في كراء الأرض؟ قال رافع بن خديج لعبد اللَّه: سمعت عَميَّ -وكانا قد شهدا بدرا- يحدثان أهل الدار: أن رسول اللَّه ﷺ نهي عن كراء الأرض.
قال عبد اللَّه: لقد كنت أعلم في عهد رسول اللَّه ﷺ أن الأرض تكرى، ثم خشي عبد اللَّه أن يكون رسول اللَّه ﷺ أحدث في ذلك شيئًا لم يكن علمه، فترك كراء الأرض.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٢٣٤٥)، ومسلم (١٥٤٧: ١٢) كلاهما من حديث الليث قال: حدثني عقيل بن خالد، عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني سالم بن عبد اللَّه فذكره. واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاري مختصر.
• عن نافع قال: ذهبت مع ابن عمر إلى رافع بن خديج حتى أتاه بالبلاط، فأخبره أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن كراء المزارع.
صحيح: رواه مسلم (١٥٤٦: ١١٠) عن ابن نمير، حدّثنا أبي، حدّثنا عبيد اللَّه، عن نافع قال فذكره.
ورواه أحمد (١٥٨١٨) عن يحيى بن سعيد، وابن نمير، كلاهما عن عبيد اللَّه قال: أخبرني نافع قال: كان ابن عمر يكري المزارع، فبلغه أن رافعا يأثر فيه حديثا عن رسول اللَّه ﷺ ، فخرج إليه ابن عمر إلى البلاط، فسأله، فأخبره أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن كراء المزارع، فترك عبد اللَّه كراءها.
والبلاط مكان معروف بالمدينة مبلط بالحجارة، وهو بقرب مسجد رسول اللَّه ﷺ .
٥ - باب النهي عن كراء الأرض بالطعام
• عن ظُهير بن رافع قال: لقد نهانا رسول اللَّه ﷺ عن أمر كان بنا رافقا. قلت: ما قال رسول اللَّه ﷺ فهو حق. قال: دعاني رسول اللَّه ﷺ قال: "ما تصنعون بمحاقلكم؟ ". قلت: نؤاجرها على الربيع، وعلى الأوسق من التمر والشعير. قال: "لا تفعلوا، ازرعوها، أو أزرعوها، أو أمسكوها". قال رافع: قلت: سمعا وطاعة.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٢٣٣٩)، ومسلم في البيوع (١٥٤٨: ١١٤)
стр. 3432
كلاهما من طريق الأوزاعيّ، عن أبي النجاشي مولى رافع بن خديج، قال: سمعت رافع بن خديج ابن رافع، عن عمه ظهير بن رافع، قال ظهير فذكره.
واللّفظ للبخاريّ، ولم يذكر مسلم: "قال رافع: قلت: سمعا وطاعة".
وأبو النجاشي هو عطاء بن صهيب الأنصاري.
• عن رافع بن خديج قال: كنا نحائل الأرض على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فكريها بالثلث والربع والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي، فقال: نهانا رسول اللَّه ﷺ عن أمر كان لنا نافعا، وطواعية اللَّه ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحافل بالأرض، فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها، أو يُزرعها، وكره كراءها وما سوى ذلك.
صحيح: رواه مسلم في البيوع (١٥٤٨: ١١٣) من طريق إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خديج قال فذكره.
• عن أسيد بن ظهير ابن أخي رافع بن خديج قال: كان أحدنا إذا استغنى عن أرضه أعطاها بالثلث والربع والنصف، ويشترط ثلاث جداول والقصارة وما يسقى الربيع، وكان العيش إذ ذاك شديدا، وكان يُعمل فيها بالحديد وما شاء اللَّه، ويصيب منها منفعة، فأتانا رافع بن خديج فقال: إن رسول اللَّه ﷺ ينهاكم عن أمر كان لكم نافعا، وطاعة اللَّه وطاعة رسوله ﷺ أنفع لكم. إن النبي ﷺ ينهاكم عن الحقل، ويقول: "من استغنى عن أرضه فليمنحها أخاه، أو ليدع". وينهاكم عن المزابنة. والمزابنة أن يكون الرجل له المال العظيم من النخل، فيأتيه الرجل، فيقول: قد أخذته بكذا وكذا وسقا من تمر.
صحيح: رواه أحمد (١٥٨١٥) عن عبد الرزاق وهو في مصنفه (١٤٤٦٣) - عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن أبيه، عن ظهر فذكره.
ومن هذا الوجه رواه أيضًا ابن ماجه (٢٤٦٠)، ولم يذكر فيه: المزابنة.
ورواه أبو داود (٣٣٩٨) من وجه آخر عن سفيان، والنسائي (٣٨٦٣، و ٣٨٦٤، و ٣٨٦٥) من أوجه عن منصور، إلا أنهما اختصرا.
وقوله: "ثلاث جداول" أي ثلاث حصص من الجداول.
والجدول: النهر الصغير، أي ما يخرج على أطرافها.
وقوله: "القُصارة" بالضم، ما يبقى من الحب في السنبل مما لا يتخلص به بعد ما يداس.
وقوله: "وما يسقي الربيع" هو النهر الصغير كأنهم يجعلون قطعة من الأرض، يسقيها الربيع.
стр. 3433
• عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن المزابنة، والمحاقلة. والمزابنةُ اشتراء الثَمَر بالتمْر في رؤوس النخل. والمحاقلة كراء الأرض بالحنطة.
متفق عليه: رواه مالك في البيوع (٢٤) عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي سعيد الخدري فذكره.
ورواه البخاريّ في البيوع (٢١٨٦)، ومسلم في البيوع (١٥٤٦) كلاهما من طريق مالك به مثله، إلا أن البخاري لم يذكر تفسير المحاقلة.
وأما مسلم ففسرها بكراء الأرض، ولم يقل: بالحنطة.
٦ - باب جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، وبشطر ما يخرج من الأرض
• عن حنظلة بن قيس، عن رافع بن خديج قال: حدثني عماي أنهم كانوا يكرون الأرض على عهد النبي ﷺ بما ينبت على الأربعاء، أو شيء يستثنيه صاحب الأرض، فنهى النبي ﷺ عن ذلك.
فقلت لرافع: فكيف هي بالدينار والدرهم؟ فقال رافع: ليس بها بأس بالدينار والدرهم.
صحيح: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٢٣٤٦) عن عمرو بن خالد، حدّثنا الليث، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن حنظلة بن قيس فذكره.
وقال الليث: وكان الذي نهي عن ذلك ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه لما فيه من المخاطرة.
وقوله: "الأربعاء" جمع الربيع، وهو النهر الصغير.
• عن رافع بن خديج أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن كراء المزارع. قال حنظلة: فسألت رافع بن خديج بالذهب والورق؟ فقال: أما بالذهب والورق فلا بأس به.
صحيح: رواه مالك في كراء الأرض (١) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن حنظلة بن قيس الزرقي، عن رافع بن خديج قال فذكره.
ورواه مسلم في البيوع (١٥٤٧: ١١٥) من طريق مالك به.
ورواه الأوزاعيّ -فخالف مالكا في لفظه- عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، حدثني حنظلة بن قيس الأنصاري قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق؟ فقال: لا بأس به، إنما كان النّاس يؤاجرون على عهد النبي ﷺ على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا. فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به.
رواه مسلم (١٥٤٧: ١١٦) عن إسحاق، أخبرنا عيسى بن يونس، حدّثنا الأوزاعيّ فذكره.
стр. 3434
ورواه عبد العزيز بن محمد، عن ربيعة بإسناده، ولفظه: أن النّاس كانوا يكرون المزارع في زمان رسول اللَّه ﷺ بالماذيانات، وما سقى الربيع، وشيء من التبن، فكره رسول اللَّه ﷺ كري المزارع بهذا، ونهى عنها. قال رافع: لا بأس بكرائها بالدراهم والدنانير.
رواه الإمام أحمد (١٥٨٠٩)، وابن حبان (٥١٩٧) وجهين عن عبد العزيز بن محمد. ولفظهما سواء.
وكذلك رواه الليث، عن ربيعة مرفوعا، كما مضى مع الاختلاف في بعض الألفاظ.
وخالفهم جميعا سفيان الثوري، فروى عن ربيعة، ولم يرفعه. رواه عنه عبد الرزاق (١٤٤٥٢)، وكذا النسائي (٣٩٠١)، ولفظه: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض البيضاء، فقال: حلال، لا بأس به، إنما نُهي الإرماث: أن يعطي الرجل الأرض، ويستثني بعضها، ونحو ذلك.
والحكم لمن زاد. وقال النسائي: ورواه يحيى بن سعيد، عن حنظلة بن قيس، ورفعه كما رواه مالك عن ربيعة.
وقوله: "الماديانات" -بكسر الذال- وهي الأنهار، وهي ليست بعربية، ومعناه: ما ينبت على حافتيها لرب الأرض.
والأقبال جمع قبل، ومعنى أقبال الجداول أوائلها ورؤوسها.
والجداول جمع جدول، وهو النهر الصغير.
• عن رافع بن خديج قال: كنا أكثر أهل المدينة مزروعا، كنا نكري الأرض بالناحية منها مسمى لسيد الأرض. قال: فمما يصاب ذلك، وتسلم الأرض، ومما يصاب الأرض، ويسلم ذلك، فنهينا. وأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ.
صحيح: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٣٣٢٧) عن محمد، أخبرنا عبد اللَّه، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن حنظلة بن قيس الأنصاري، سمع رافع بن خديج فذكره.
• عن رافع بن خديج قال: كنا أكثر الأنصار حقلا. قال: كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه. فنهانا عن ذلك. وأما الورق فلم ينهنا.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٢٣٣٢)، ومسلم في البيوع (١٥٤٧: ١١٧) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن حنظلة الزرني أنه سمع رافع بن خديج يقول فذكره.
وهذا لفظ مسلم. ولفظ البخاري: كنا أكثر أهل المدينة حقلا، وكان أحدنا يكري أرضه، فيقول: هذه القطعة لي، وهذه لك. فربما أخرجت ذِه، ولم تخرج ذِه، فنهاهم النبي ﷺ .
стр. 3435
وفي لفظ عنده: فربما أخرجت هذه ولم تخرج ذه، فنهينا عن ذلك، ولم نُنه عن الورق. رواه في الشروط عن مالك بن إسماعيل، حدّثنا ابن عيينة بإسناده.
وقوله: "أما الورق" الظاهر من جميع الروايات أن هذا من قول رافع اجتهادا منه؛ لأنه فهم أن المنهي عن كراء الأرض سببه الجهالة، فإذا انتفت الجهالة صح.
• عن ابن عمر قال: عامل النبي ﷺ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٢٣٣٠)، ومسلم في المساقاة (١٥٥١) كلاهما من حديث يحيى (وهو القطّان)، عن عبد اللَّه، أخبرني نافع، عن ابن عمر فذكره. واللّفظ للبخاريّ.
قال الترمذيّ (١٣٨٣) بعد أن أخرج الحديث من طريق يحيى بن سعيد:
"والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، لم يروا بالمزارعة بأسا على الصف والثلث والربع.
واختار بعضهم أن يكون البذر من رب الأرض. وهو قول أحمد، وإسحاق.
وكره بعض أهل العلم المزارعة بالثلث والربع، ولم يروا بمساقاة النخيل بالثلث والربع بأسا. وهو قول مالك، والشافعي.
ولم ير بعضهم أن يصح شيء من المزارعة إلا أن يستأجر الأرض بالذهب والفضة". انتهى كلام الترمذيّ.
• عن ابن عمر قال: أعطى رسول اللَّه ﷺ خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع، فكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق: ثمانين وسقا من تمر، وعشرين وسقا من شعير. فلما ولي عمر قسم خيبر، خير أزواج النبي ﷺ أن يُقطع لهن الأرض والماء، أو يضمن لهن الأوساق كل عام، فاختلفن، فمنهن من اختار الأرض والماء، ومنهن من اختار الأوساق كل عام، فكانت عائشة وحفصة ممن اختارتا الأرض والماء.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٢٣٢٨)، ومسلم في المساقاة (١٥٥١: ٢) كلاهما من وجهين مختلفين عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه، ولم يذكر حفصة.
• عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز، وأن رسول اللَّه ﷺ لما ظهر على خبر أراد إخراج اليهود منها، وكانت الأرض حين ظهر عليها اللَّه ولرسوله وللمسلمين، فأراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول اللَّه ﷺ أن يقرهم بها على أن يكفوا عملها، ولهم نصف الثمر. فقال لهم
следующие страницы →